٩٩ - أخبرنا أحمد بن عثمان بن نفيس بواسط، قال: حدثنا علي بن محمد الصيدلاني، قال: حدثنا محمد بن محمد بن عثمان بن عمر بن منتاب، قال: حدثنا علي بن عبد العزيز المروذي، قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدثنا عون بن عمرو القيسي، سمعت أبا مصعب المكي يقول: أدركت أنس بن مالك، وزيد بن أرقم، والمغيرة بن شعبة، فسمعتهم يتحدثون: أن النبي ﷺ ليلة الغار أمر الله شجرة فنبتت في وجه النبي ﷺ فسترته، وأمر الله العنكبوت فنسجت في وجه النبي ﷺ ، وأمر الله حمامتين وحشيتين فوقعتا بفم الغار، وأقبل فتيان قريش من كل بطن رجل بعصيهم وهراوتهم وسيوفهم، حتى إذا كانوا من النبي ﷺ قدر أربعين ذراعا، فجعل بعضهم ينظر في الغار، فرأى حمامتين بفم الغار، فرجع إلى أصحابه، فقالوا له: مالك لم تنظر في الغار؟ قال: رأيت الحمامتين بفم الغار، فعلمت أن ليس فيه أحد، فسمع النبي ﷺ ما قال، فعرف أن الله قد زوى بهما، فدعا لهن، وسمت (١) عليهن، وفرض جزاء هن (٢)، واتخذت في الحرم (٣).
١٠٠ - أخبرنا أبو القاسم عبد العزيز بن علي الأنماطي، قال: حدثنا أبو طاهر محمد بن عبد الرحمن المخلص، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، قال: حدثنا داود (٤)، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان، عن الأسود بن قيس، عن نبيح العنزي، عن
стр. 107
جابر بن عبد الله، قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا خرج مشوا أمامه وتركوا ظهره للملائكة (١).
١٠١ - أخبرنا القاضي أبو طاهر أحمد بن محمد القصاري، قال: حدثنا إسماعيل بن الحسن، قال: حدثنا الحسين بن إسماعيل المحاملي، قال: حدثنا يوسف، قال: حدثنا جرير، عن الأعمش، عن شقيق (٢)، عن حذيفة (٣)، قال: قام فينا رسول الله ﷺ مقاما، ما ترك شيئا يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدث به، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه، قد علمه أصحابي هؤلاء، فإنه ليكون منه الشيء قد أنسيته، فأراه، فأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه، ثم رآه عرفه (٤).
стр. 108
١٠٢ - أخبرنا عبد الوهاب بن الحسن، قال: حدثنا إبراهيم بن طلحة، قال: حدثنا صالح ابن أحمد البهراني بالبصرة، قال: حدثنا أبو أحمد القاسم بن إبراهيم بن الحسين، قال: حدثنا أبو عمار الحسين بن حريث، قال: حدثنا أوس بن عبد الله بن بريدة، عن الحسين ابن واقد، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه (١)، أن رسول الله ﷺ كان لا يتطير، ولكن كان يتفاءل، وكانت قريش جعلت مائة من الإبل لمن يأخذ نبي الله فيرده عليهم حيث توجه إلى المدينة، فركب بريدة في سبعين راكبا من أهل بيته من بني سهم، فتلقى نبي الله ﷺ ليلا، فقال له نبي الله ﷺ : «من أنت؟» قال: أنا بريدة، قال: فالتفت إلى أبي بكر ﵁، فقال: «يا أبا بكر برد أمرنا (٢) وصلح»، قال: «ممن؟ قال: من أسلم، قال لأبي بكر: «سلمنا»، قال: ثم قال: من بني سهل، قال: «خرج سهمك»، فقال بريدة للنبي ﷺ : فمن أنت؟ قال: «محمد بن عبد الله رسول الله»، قال بريدة: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله، قال: فأسلم والذين معه جميعا، قال: فلما أصبح قال بريدة للنبي ﷺ : لا تدخل للمدينة إلا ومعك لواء، قال: فحل عمامته، ثم شدها في رمح، ثم مشى بين يدي نبي الله ﷺ ، فقال: يا نبي الله تنزل علي؟ قال: «إن ناقتي هذه مأمورة»، فسارت حتى وقفت على باب أبي أيوب، فبركت، قال: فقال
стр. 109
بريدة: الحمد لله الذي أسلمت بنو سهم طائعين غير مكرهين (١).
١٠٣ - أخبرنا أبو المعالي خيرون بن عبد الملك ببغداد، قال: حدثنا الحسن بن علي الواعظ، قال: حدثنا أحمد بن جعفر، قال: حدثنا أبو مسلم الكسي، قال: حدثنا أبو عمر الضرير (٢)، قال: أخبرنا زياد بن عبد الله العامري، قال: أخبرنا محمد بن إسحاق، عن الجهم [بن أبي الجهم] (٣) مولى الحارث بن حاطب، عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، عن حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية من بني سعد بن بكر.
قال أبو عمر: وهي أم نبي الله ﷺ التي أرضعته وحملته.
قالت: أصابتنا سنة، فلم يبق لنا شيء، فخرجنا في نسوة من بني سعد بن بكر إلى مكة نلتمس بها الرضعاء، فلما دخلنا مكة، لم يبق منا امرأة إلا عرض عليها نبي الله ﷺ ، فتأباه، وتقول: يتيم، وإنما كان الظور (٤) يرجون الخير من قبل الآباء، فيقولون: وما عسى أن تصنع أمه؟ فعرض علي فأبيته، فلم يبق منهم امرأة إلا أخذت مرضعا غيري، وحضر خروجهن إلى بلادهن، فقلت لزوجي: لو أخذت ذا الغلام اليتيم كان أمثل من أن نرجع بغير رضيع،
стр. 110
فحملته إلى أمه، فأخذته، فجئت به إلى منزلي، وكان له ابنان كانا يسهران عامة الليل من الجوع، فلما ألقيت رسول الله ﷺ على ثدي، أقبل عليه بما يعني حتى روي هو وأخواه، ونام فقام زوجي بالليل إلى شارف (١) كانت معنا، والله ما أن تبض بقطرة، فوقعت يده على ضرعها، فحلب في إناءين، فقال: والله يا بنت أبي ذؤيب إني لأحسب هذه النسمة التي أخذتها مباركة، وأخبرني بخبر الشارف، وأخبرته بخبر ثديي وما رأيت منها، فخرجت إلى بلادنا وكنت على أتان لي فتي والله ما أن يلحق الحمر ضعفا، فلما صرنا عليها، جعلت تتقدمهن حتى يصحن لي: يا بنت أبي ذؤيب قطعت بنا والله، إن لركابك هذه لشأنا، فلم نزل كذلك نعرف البركة، حتى إذا كان راعينا ليصدر بالشاء ويغدوا رعاء قومنا، فتروح أغنامنا حفلا، وتروح أغنامهم لا تبض بقطرة، فيقلن لرعاتهم ارعوا حيث يرعى راعي بنت أبي ذؤيب، وكان نبي الله ﷺ كذلك لا نعرفه إلا بالبركة، فبينا هو ذات يوم في ظهر بيوتنا في بهم لنا، خرج هو وأخوه يلعبان، فجاء أخوه، فقال: ذاك أخي القرشي قد قتل، وخرجت وأبوه نبتدره، فتلقانا منتقع اللون، فجعلت أضمه ل مرة، وأبوه مرة، ويقول: ما شأنك؟ فيقول: «لا أدري، إلا أنه أتاني رجلان فشقا بطني، فجعلا يشرطانه»، قالت: فقال أبوه مالي أرى هذا الغلام إلا قد أصيب، فبادري أهله قبل أن يزداد شأنه عندنا، فلم يكن لي همة حتى قدمت مكة، فجئت به إلى أمه، فقلت: فاقبليه، فقالت: مالك زاهدة فيه، وقد كنت تسأليني أن أتركه عندك، فلعلك خفت عليه الشيطان، إن ابني هذا معصوم من الشيطان، أو نحو هذا، ألا أحدثك عني وعن ابني؟ رأيت حين ولدته كأن نورا سطع مني أضاءت منه
стр. 111
قصور بصرى من أرض الشام (١).
١٠٤ - أخبرنا يحيى بن عبد الوهاب، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الأصفهاني، قال: حدثنا سليمان بن أحمد الطبراني، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن الفرج، قال: حدثنا سفيان بن محمد الفزاري المصيصي، قال: حدثنا هشيم (٢)، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : «من كرامتي على ربي ولدت مختونا، ولم ير أحد سوأتي» (٣).
١٠٥ - أخبرنا علي بن أحمد البسري، قال: أخبرنا ابن بطة إجازة، قال: حدثنا البغوي،
стр. 112
حدثني أحمد بن منصور المروزي، قال: حدثنا يونس بن محمد، قال: حدثنا صدقة بن أبي سهل، عن يونس، عن الحسن، عن معاوية (١)، أن رسول الله ﷺ كان غازيا بتبوك، فأتاه جبريل ﵇، فقال: يا محمد هل لك في جنازة معاوية بن معاوية المزني، قال: «نعم»، فقال جبريل ﵇ بيده هكذا، ففرج له عن الجبال والآطام، فجاء رسول الله ﷺ يمشي ومعه جبريل ﵇، ومعه حينئذ سبعون ألفا، فصلى على معاوية بن معاوية، فقال رسول الله ﷺ : يا جبريل بم بلغ معاوية هذا؟ قال: بكثرة قراءته ﴿قل هو الله أحد﴾ (٢)، كان يقرؤها قائما وقاعدا، وراكبا وماشيا، فبها بلغ ما بلغ (٣).
١٠٦ - أخبرنا علي بن أحمد البسري، قال: أخبرنا ابن بطة إجازة، قال: حدثنا البغوي، قال: حدثنا علي بن الجعد، قال: حدثنا شريك، عن عاصم الأحول (٤)، عن عبد الله بن سرجس، قال: رأيت النبي ﷺ ، ودخلت عليه، وأكلت من طعامه، وشربت من شرابه، فرأيت خاتم النبوة في بعض كتفه اليسرى، كأنها جمع (٥) خيلان (٦)
стр. 113
سود، كأنها ثآليل (١).
١٠٧ - وبه حدثنا البغوي، قال: حدثنا ابن زنجويه (٢)، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي همام الشعباني، حدثني رجل من خثعم، قال: كنا مع النبي ﷺ في غزاة، فوقف ذات ليلة، فاجتمع إليه أصحابه، فقال: «إن الله تعالى قد أعطاني الليلة الكنزين: كنز فارس والروم، وأمرني بالملوك ملوك حمير، ولا ملك إلا الله، يأتونني فيأخذون مال الله، ويقاتلون في سبيل الله»، قالها ثلاثا (٣).
١٠٨ - أخبرنا ابن البسري، قال: حدثنا الحسن بن عثمان بن بكران، قال: حدثنا جعفر بن محمد بن نصير الخلدي، قال: حدثنا إبراهيم بن هاشم البغوي، حدثنا بشر بن سيحان، قال: حدثنا حلبس (٤)، قال: حدثنا سفيان الثوري، قال: حدثنا أبو الزناد (٥)، عن
стр. 114
الأعرج (١)، عن أبي هريرة: أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني زوجت ابنتي وإني أحب أن تعينني بشيء، فقال: «ما عندي شيء، ولكن إن كان غدا فجئني بقارورة واسعة الرأس وعود شجر»، فجعل يسلت العرق من ذراعيه، حتى امتلأت القارورة، وقال: «تطيب بهذا»، قال: وكان إذا تطيب شم أهل المدينة رائحة ذاك الطيب، فسموا أهل بيت المطيبين (٢).
стр. 115
٢ - باب في البشارة ببعثته، وظهور أمارات نبوته ﷺ -
١٠٩ - أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن أحمد بن الحسين بن عبد العزيز العكبري ببغداد، قال: حدثنا أبو حفص عمر بن أحمد بن عثمان الأكفاني سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة، وأبو عبد الله الحسين بن محمد بن الصائغ، قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن يحيى ابن عمر بن علي بن حرب الطائي، قال: قال أبو جدي علي بن حرب، حدثني أحمد بن عثمان بن حكيم، قال: حدثنا عمرو بن بكر، عن محمد بن السائب، عن أبي صالح (١)، عن ابن عباس قال: لما ظهر ابن ذي يزن على الحبشة، أتته وفود العرب وشعراؤهم، تهنئه وتمتدحه، وتذكر ما كان من حسن بلائه، وأتاه فيمن أتاه وفد قريش، فيهم عبد المطلب بن هاشم، وأمية بن عبد شمس، وعبد الله بن جدعان في ناس من وجوه (٢) قريش، فقدموا عليه صنعاء، فإذا هو في رأس غمدان (٣)، وهو الذي يقول فيه أمية بن أبي الصلت:
اشرب هنيئا عليك التاج مرتفعا … في رأس غمدان دارا منك محلالا
فدخل عليه الآذن فأخبره بمكانهم، فأذن لهم، فدخلوا عليه وحوله الملوك وأبناؤها، فدنا عبد المطلب واستأذنه في الكلام، فقال: إن كنت ممن يتكلم عند الملوك، فقد أذنا لك، فقال عبد المطلب: إن الله تعالى أحلك أيها الملك محلا رفيعا، صعبا منيعا شامخا باذخا، وأنبتك منبتا طالت أرومته، وعزت جرثومته (٤)، وثبت أصله، وبسق فرعه في أكرم موطن وأطيب معدن،
стр. 116
فأنت أبيت اللعن ملك العرب، وربيعها الذي به تخصب، ورأس العرب الذي له تنقاد، وعمودها الذي عليه العماد، ومعقلها الذي يلجأ إليه العباد، سلفك لنا خير سلف، وأنت لنا منهم خير خلف، فلن يحمل من هم سلفه، ولن يهلك من أنت خلفه، نحن أيها الملك أهل حرم الله وسدنة بيته، أشخصنا (١) إليك الذي أبهجنا من كشفك الكرب الذي فدحنا، فنحن وفد التهنئة لا وفد المرزئة (٢)، قال: فأيهم أنت أيها المتكلم؟ قال: أنا عبد المطلب بن هاشم، قال: ابن أختنا؟ قال: نعم، قال: ادن، فأدناه، ثم أقبل عليه وعلى القوم، فقال: مرحبا وأهلا وناقة ورحلا، ومستناخا سهلا، وملكا ربحلا (٣)، يعطي عطاء جزلا، قد سمع الملك مقالتكم، وعرف قرابتكم، وقبل وسيلتكم، فأنتم أهل الليل والنهار، ولكم الكرامة ما أقمتم، والحباء (٤) إذا ظعنتم، ثم انهضوا إلى دار الضيافة والوفود، فأقاموا شهرا لا يصلون إليه، ولا يأذنون لهم بالانصراف، ثم انتبه لهم انتباهة، فأرسل إلى عبد المطلب، فأدنى مجلسه وأخلاه، فقال: يا عبد المطلب، إني مفوض إليك من سر علمي أمرا لو أن غيرك يكون لم أبح له به، ولكنني رأيتك معدنه، فأطلعتك طلعة، فليكن عندك مطويا حتى يأذن الله فيه، فإن الله تعالى بالغ أمره، إني أجد في الكتاب المخزون، والعلم المكنون، الذي اخترناه لأنفسنا، واحتجناه دون غيرنا، خبرا عظيما، وخطرا جسيما، فيه شرف الحياة، وفضيلة الوفاة، للناس عامة، ولرهطك كافة، ولك خاصة، قال عبد المطلب: مثلك سر وبر، فما هو فداك
стр. 117
أهل الوبر زمرا بعد زمر؟ قال: إذا ولد مولود بتهامة، غلام بين كتفيه شامة، كانت له الإمامة، ولكم به الزعامة إلى يوم القيامة، قال عبد المطلب: أبيت اللعن، لقد أبت بخير ما آب به وافد؛ ولولا هيبة الملك وإجلاله وإعظامه لسألته من سادة إياي ما أزاد به سرورا، قال ابن ذي يزن: هذا حينه الذي يولد فيه، أو قد ولد، اسمه محمد، يموت أبوه وأمه، ويكفله جده وعمه، وقد ولدناه مرارا، والله باعثه جهارا، وجاعل له منا أنصارا، يعز بهم أولياءه، ويذل بهم أعداءه، يضرب بهم وجوه الناس عن عرض، ويستبيح بهم كرائم الأرض، يكسر الأوثان، ويخمد النيران، ويعبد الرحمن، ويدحر الشيطان، قوله فصل، وحكمه عدل، يأمر بالمعروف ويفعله، وينهى عن الباطل ويبطله. قال عبد المطلب: أيها الملك عز جدك، وعلا كعبك، ودام ملكك، وطال عمرك؛ فهل الملك ساري بإفصاح؟ فقد أوضح لي بعض الإيضاح. قال ابن ذي يزن والبيت ذي الحجب، والعلامات على النصب، إنك يا عبد المطلب لجده غير كذب، فخر عبد المطلب ساجدا، فقال له: ارفع رأسك، ثلج صدرك، وعلا أمرك؛ فهل أحسست شيئا مما ذكرت لك، قال: أيها الملك، كان لي ابن كنت به معجبا، وعليه رفيقا، فزوجته كريمة من كرائم قومي: آمنة بنت وهب، فجاءت بغلام سميته محمدا، فمات أبوه وأمه، وكفلته أنا وعمه، قال ابن ذي يزن: الذي قلت لك كما قلت، فاحتفظ به واحذر عليه اليهود، فإنهم له أعداء، ولن يجعل الله لهم عليه سبيلا، واطو ما ذكرت لك دون هؤلاء الرهط الذين معك؛ فإني لا أمن أن تدخلهم النفاسة من أن تكون لك الرئاسة، فيطلبون له الغوائل، وينصبون له الحبائل، وهم فاعلون أو أبناؤهم، فلولا أني أعلم أن الموت مجتاحي قبل مبعثه لسرت بخيلي ورجلي حتى أصير يثرب دار ملكي، فإني أجد في الكتاب الناطق، والعلم السابق أن يثرب استحكام أمره، وأهل نصرته، وموضع قبره، ولولا أني أقيه الآفات، وأحذر عليه العاهات، لأعلنت على حداثة سنه أمره، ولا وطأت أسنان العرب عقبه،
стр. 118
ولكنني صارف ذلك إليك، عن غير تقصير بمن معك، ثم أمر لكل رجل منهم بعشرة أعبد، وعشرة إماء، وبمائة من الإبل، وبخمسة أرطال ذهبا، وعشرة أرطال فضة، وحلسا (١) من البرود، وكرشا مملوء عنبرا، وأمر لعبد المطلب بعشرة أضعاف ذلك، وقال: إذا حال الحول فأتني، فمات ابن ذي يزن قبل أن يحول الحول، وكان عبد المطلب يقول: يا معشر قريش، لا يغبطني أحد بجزيل عطاء الملك وإن كثر، فإنه إلى نفاد؛ ولكن ليغبطني بما يبقى لي ولعقبي من بعدي، ذكره، وفخره، وشرفه، فقال له: ومتى ذلك؟ قال: ستعلم ولو بعد حين (٢).
١١٠ - أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن عبد العزيز، قال: أخبرنا القاضي أبو محمد عبد الله بن علي بن أيوب، قال: أنبأنا أبو بكر أحمد بن سلمان النجاد، عن رجلين سماهما، عن يسير بن عبد الله الدارسيني، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: لما قدم وفد إياد على رسول الله ﷺ ، سألهم عن القس بن ساعدة الإيادي (٣).
стр. 119
وقال: «هل فيكم من يعرفه»؟ قالوا: كلنا نعرفه.
وساق الحديث بطوله (١).
١١١ - وأخبرنا أبو منصور، حدثنا أبو علي الحسن بن شهاب الحنبلي بقراءته علينا، قال: أخبرنا أبو محمد عبيد الله بن عبد الله بن محمد بن حمزة البندار المروزي، قال: حدثنا أبو محمد عبد الله بن جعفر بن مروان المقرئ، قال: حدثنا عبيد الله بن محمد بن عبد الله ابن الحجاج أبو سعيد الوراق، قال: حدثنا أحمد بن عثمان بن حكيم الأزدي، قال: حدثنا عمرو بن بكر البكري، عن هشام بن محمد الكلبي، عن أبيه، عن أبي صالح، عن ابن عباس.
قال: أبو سعيد: وحدثنا أحمد بن إبراهيم المقرئ، وعبد الله بن محمد المفضلي أبو عبد الله، قالا: حدثنا أبو جعفر محمد بن حسان السمتي، عن محمد بن الحجاج اللخمي، عن مجالد (٢)، عن الشعبي، عن ابن عباس، دخل حديث بعضهم في بعض، وبعض روايتهم يزيد على بعض، قال: قال ابن عباس رحمة الله عليه: عاش القس بن ساعدة ستمائة سنة، وكان من خطباء العرب، وحكمائها، وعقلائها، وأدبائها، وأول من خطب بقضيب على ناقة، وأول من قال في أول الكلام أما بعد، وأول من كتب من فلان إلى فلان، وأول من أقر بالبعث من غير وحي، وهو الذي يقول (٣):
стр. 120
هل العبد يعطى الأمر قبل نزوله (١) بحال مسيء في الأمور ومحسن
وما قد تولى فهو قد فات ذاهب … فهل ينفعني ليتني ولو أني
ولذلك قول لبيد (٢):
وأخلف قسا ليتني ولو أنني … وأعيا على لقمان حكم التدبر
وكان القس من أحسن أهل زمانه خطبة.
قال ابن عباس ﵀: ولما قدم وفد عبد القيس على رسول الله ﷺ ، فقال: «أيكم يعرف القس بن ساعدة الإيادي؟ قالوا: كلنا نعرفه يا رسول الله، قال: «ما فعل»؟ قالوا: مات، قال: «لست أنساه بسوق عكاظ وهو [على] جمل (٣) أحمر»، وفي رواية الكلبي: «أورق» (٤)، وهو يخطب الناس، وهو يقول: أيها الناس اجتمعوا، فإذا اجتمعتم فاسمعوا، فإذا سمعتم فعوا تنتفعوا، فإذا وعيتم فقولوا، وإذا قلتم فاصدقوا.
أما بعد: فإن من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، مطر ونبات، وآباء وأمهات، وذاهب وآت وآيات في أثر آيات، وأموات من بعد أموات، وضوء وظلام، وجبال وآكام، ومحسن ومسيء، وسعيد وشقي، أين الأرباب الغفلة؟ ليصلح كل عامل عمله، أين القرون الماضية؟ تلك ديارهم خاوية، أنيسها الذئاب الغاوية، عمروها عمارة من لم يرد الظعن والانتقال، فنقلوا فظعنوا والقلائد في الأعناق، وعلى الظهر الأوزار، وطمعوا في البقاء والخلود، كلا بل هو الله إله واحد، ليس بمولود ولا بوالد، أعاد وأبدأ، وإليه
стр. 121
المعاد غدا.
أما بعد: يا أهل إياد، أين ثمود وعاد؟ وأين الآباء والأجداد؟ فأين الحسن الذي لم يشكر؟ والظلم الذي لم ينكر؟
أما بعد: «فإن في السماء لجزاء، وإن في الأرض لعبرا، نجوم تمور، وبحار لا تغور، سقف مرفوع، ومهاد موضوع، أقسم قس بالله قسما حقا لا كاذب فيه ولا أثم، لإن كان في الأمر رضا، ليكونن في بعضه سخطا، وما هذا بلعب، وإن وراء ما نحن فيه لعجبا ما لي أرى الموتى يذهبون فلا يرجعون، أرضوا فأقاموا، أم تركوا فناموا؟ كلا إن لهم ليوما يعيدهم فيه من أبدأهم، أقسم قس قسما حقا، ما حنث ولا أثم أن الله دينا هو أحب إليه من دينكم هذا الذي أنتم عليه»، ثم قال: «أيكم يروي شعره»؟ فأنشده (١):
في الناهبين الأولي ن … من القرون لنا بصائر
لما رأيت مواردا للموت … ليس لها مصادر
ورأيت قومي نحوها … يسعى الأكابر والأصاغر
لا يرجع الماضي إلي … ولا من الباقين غابر
أيقنت أني لا محال … لة حيث صار القوم صائر
فقال رجل من إياد غير هذا وأنا أحفظ ما قال بعد هذا يا رسول الله، فقال: «قل يا أخا إياد»، فأنشأ يقول (٢):
يا ناعي الموت والأموات في جدث … عليهم من بقايا برهم خرق
دعهم فإن لهم يوما يصاح بهم … كما ينبه من نوماته الصعق
стр. 122
حتى يجيثوا بحال غير حالهم … خلق مضى ثم ماذا بعد ذاك لقوا
منهم عراة ومنهم في ثيابهم … منها الجديد ومنها الدارس الخلق
فقال النبي ﷺ : «هيهات هيهات، يحشر الناس يوم القيامة شعثا غبرا غرلا»، فقالت عائشة ﵂: واسوأتاه من يوم القيامة يا رسول الله، قال: «يا عائشة لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه، كل مشغول بشغله عن النظر في العورات»، قال ابن عباس: فقام إليه رجل طويل القامة، عظيم الهامة، ضخم الدسيعة (١)، جهوري الصوت، كأني أنظر إلى حاجبيه وقد سقطا على عينيه، فقال: يا رسول الله، لقد رأيت من قس عجبا، فقال له النبي ﷺ : «وما رأيت من قس»؟ قال: خرجت في جاهليتي أبغي بعيرا لي شرد مني، أقفو أثره في بسابس (٢) خفاف، ذات ضغابيس (٣)، وعرصات جثجات (٤)، من صدور جذعان، عن [غمير (٥)] حوذان (٦)، ورضيع أيهقان (٧)، ومهمه ظلمان (٨)، فبينما أنا أجول
стр. 123
بسبسها، وأرمق فدفدها (١)، أجنني الليل، فلجأت إلى هضبة في سوائها (٢) أراك، كبات (٣) مخضوضرة بأغصانها، كأن بريرها (٤) حب فلفل، من بواسق (٥) أقحوان، وقد مضى من الليل ثلثه الأول، فغلبتني عيناي، فرقدت فإذا أنا بهاتف يقول (٦):
يا راقدا في هضبة الأراك … احذر سبيل الغي والإشراك
وارحل إلى يثرب بانصتاك … وخل غل سلمق الركاك
إيت رسول الملك الفكاك … محمدا يجلو عما للشكاك
ويكسر الأصنام بالدراك … تنج من الهفوة والضلال
قال: فاستيقظت من ذلك فزعا مرعوبا، وأنشأت أقول: واللات والعزى إن هذا لأمر عظيم قد حدث، انبعث نبي من تهامة من آخر ساعة القيامة، قال: ثم غلبتني عيناي، فرقدت، فإذا أنا بهاتف وهو يقول (٧):
وسنان أم تسمع ما أنبيكا … فارحل هديت وابتغي وشيعا
حتى توافي منهلا مسلوكا … بيثرب تحفى بما سنوكا
إيت رسول عبد المليكا … يدني إليه الحر والمملوكا
стр. 124
ويقبل الكوعة (١) والملوكا … رسول صدق يفرج الشكوكا
قال: فاستيقظت فزعا وأنشأت أقول (٢):
يا أيها الهاتف والليل [سحم] (٣) … ما ذا الذي تدعو إليه وتلم
بين لنا عن صدق ما أنت زعم … هل بعث الله رسولا يغتنم
من بعد عيسى في دجنات (٤) الظلم … يهدي من الزيغ وينجوا من سلم
قال: ألا وإنه قد بطل زور، وظهر نور، وبعث نبي بالسرور، قال: فأرقت أفكر في أمري، فما حسست بركبي حتى نزغ عمود الصبح، فأرغت بعيري، فإذا هو في أصل شجرة يهش من ورقها، وينهش من أغصانها، فدنوت إليه فرمته، ثم استويت على كورة، ثم اقتحمت واديا، فإذا أنا بعين خرارة (٥)، وروضة مدهامة (٦)، وشجر عادية (٧)، وإذا بقس بن ساعدة قاعدا في أصل شجرة، وفي يده قضيب، وقد وردت على العين سباع كثيرة، فكلما ورد سبع قبل صاحبه، ضربه قس بقضيبه، وقال: تنح حتى يشرب الذي ورد قبلك، فلما رأيت ذلك ذعرت ذعرا شديدا، فالتفت إلي قس فقال: لا تخف، ثم التفت فإذا
стр. 125
بقبرين بينهما مسجد، فقلت: ما هذان القبران؟ فقال: هذان قبرا أخوين كانا لي يعبدان الله في هذا الموضع، فأنا أعبد الله بينهما حتى ألحق بهما، فقلت: ألا تلحق بقومك فتكون معهم في خيرهم وتباينهم على شرهم؟ فقال لي: ثكلتك أمك، أو ما علمت أن ولد إسماعيل تركب دين أبيها، واتبعت الأضداد، وعظمت الأنداد، ثم تركني وأقبل على القبرين يبكي، ويقول:
خليلي هبا طالما قد رقدتما … أما لكما لا تقضيان كراكما
أجد كما لا تريان لموجع … مقيم على قبريكما قد رثاكما
جرى النوم بين الجلد والعظم منكما … كأن الذي يسقي العقار (١) سقاكما
أما ترحماني أنني صرت مفردا … وإني لمشتاق إلى أن أراكما
ألم تعلما أني بسمعان (٢) مفرد … وما لي بسمعان حبيب سواكما
أناديكما بالجهر مني صبابة … فما تسمعان الصوت ممن دعاكما
فإن كنتما لا تسمعان فما الذي … خليلي عن سمع الدعاء عداكما
أجيبا فلن أنفك أبكي عليكما … وما ذا على ذي عبرة إن بكاكما
فلو جعلت نفس لنفس فداؤها … لجدت بنفسي أن تكون فداكما
فقال النبي ﷺ : «رحم الله قسا، أما إنه يبعث يوم القيامة أمة وحده» (٣).
стр. 126
١١٢ - قال: أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد، قال: أخبرنا أبو أحمد [عبيد] (١) الله بن محمد بن أحمد الفرضي، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن جعفر بن أحمد بن يزيد الصيرفي المعروف بالمطيري قراءة عليه في منزله، قال: حدثنا أحمد بن عبيد بن ناصح، قال: حدثنا علي بن محمد المدائني، قال: حدثنا محمد بن عبد الله - ابن أخي الزهري -، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن سعد بن أبي وقاص، قال: قدم وفد ربيعة على رسول الله ﷺ فسألهم عن قس بن ساعدة الإيادي، وكان نازلا فيهم، فقال: «ما فعل»؟ فقالوا: هلك يا رسول الله، قال: «والله لقد رأيته يوما بعكاظ، وهو على جمل له أحمر، وهو يخطب الناس، وهو يقول: أيها الناس اجتمعوا واسمعوا وعوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكلما هو آت آت مالي أرى الناس يذهبون ولا يرجعون، أرضوا بالمقامة فأقاموا، أم تركوا كما هم فناموا، إن في السماء لخبرا، وإن في الأرض لعبرا، ليل موضوع، وسقف مرفوع، وبحار لا تغور، ونجوم تمور ثم تحور، أقسم قس بالله، ثم ما أثم، أن الله لدينا هو أرضى من دين نحن عليه، ثم تكلم بأبيات شعر، ما أدري ما هي»، قال أبو بكر ﵁: أنا أنشد ذلك يا نبي الله، قال: «أنشدنا»، فأنشأ أبو بكر
стр. 127
﵁ يقول (١):
في الذاهبين الأولين … من القرون لنا بصائر
لما رأيت مواردا … للموت ليس لها مصادر
ورأيت قومي نحوها … يمضي الأكابر والأصاغر
لا يرجع الماضي إلي … ولا من الباقين غابر
أيقنت أني لا تحا لة … حيث صار القوم صائر (٢)
١١٣ - أخبرنا أبو منصور، قال: حدثنا عمي عبد الواحد بن أحمد بن الحسين بن عبد العزيز المعدل، قال: حدثنا أبي أبو بكر أحمد بن الحسين بن عبد العزيز المعدل، حدثنا أبو محمد جعفر بن أحمد بن الفرج الدوري.
١١٤ - أخبرنا محمد بن جابر المؤذن، قال: حدثنا إبراهيم بن طلحة، قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن شيبة، قال: حدثنا عبد الكبير بن عمر الخطابي، قال: حدثنا علي ابن حرب الطائي، حدثني أبو نزار يعلى بن عمران البجلي، حدثني مخزوم بن هانئ المخزومي، عن أبيه (٣)، وأتت له مائة وخمسون سنة.
١١٥ - أنبأنا محمد، قال: حدثنا إبراهيم، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سهل بن نوح بن يحيى الجياني، قال: حدثنا علي بن حرب، حدثنا أبو أيوب يعلى بن عمران من آل
стр. 128
جرير بن عبد الله البجلي، حدثني [مخزوم بن هانئ] (١) المخزومي، عن أبيه، وأتت له مائة وخمسون سنة، قال: لما كانت ليلة ولد فيها رسول الله ﷺ ارتجس إيوان (٢) كسرى، وسقطت منه أربعة عشر شرافة (٣)، وخمدت نار فارس، ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، وغاضت بحيرة ساوة (٤)، ورأى الموبذان إبلا صعابا تقود خيلا عرابا، قد قطعت دجلة، وانتشرت في بلادها، فلما أصبح كسرى أفزعه ذلك، وتصبر عليه تشجعا، حتى إذا عيل مرة، رأى أن لا يدخر ذلك عن وزرائه ولا مرازبته، فجمعهم ولبس تاجه، وجلس على سريره، ثم بعث إليهم، فلما اجتمعوا عنده، قال: أتدرون فيما بعثت إليكم؟ قالوا: لا إلا أن يخبرنا الملك؛ إذ ورد عليه كتاب بخمود النار، فازداد غما إلى عمه، وأخبرهم بما هاله، فقال المؤبدان: وأنا أصلح الله الملك قد رأيت في هذه الليلة، ثم قص عليه رؤياه في الإبل، فقال الملك: أي شيء يكون هذا يا موبذان؟ قال: حدث يكون من ناحية العرب، وكان أعلمهم في أنفسهم، فكتب عند ذلك كسرى من كسرى ملك الملوك إلى النعمان بن المنذر، أما بعد فوجه إلي برجل عالم بما أريد أن أسأله عنه، فوجه إليه بعبد المسيح بن عمرو بن جان. قال الخطابي، وقال الدوري: ابن هاشم بن بقيلة الغساني.
فلما ورد عليه قال: إني أريد أن أسألك؟ قال: يسألني الملك عما أحب، فإن كان عندي علم، وإلا فأخبرته من يعلمه، فأخبره بذلك، فقال: علم ذلك
стр. 129
عند خالي، يسكن مشارق الشام، قال: فاته فاسأله عما سألتك، ثم ائتني بتفسيره، فخرج عبد المسيح حتى انتهى إلى سطيح، وقد أشفى (١) على الموت، فسلم عليه وحياه، وكلمه، فلم يرد عليه جوابا، فأنشأ عبد المسيح يقول (٢):
أصم أم يسمع غطريف اليمن … أم فاد فازلم به شأو العنن
يا فاضل (٣) الخطة أعيت من ومن … أتاك شيخ الحي من آل سنن
وأمه من آل ذئب بن حزن … أزرق مهم الناب (٤) صرار الأذن
أبيض فضفاض الرداء حجر البدن … رسول قيل العجم يسري بالوسن
لا يرهب الوعد ولا ريب الزمن … يجوب بالأرض على ذات شجن
ترفعني وجنا وتهوي بي وجن … حتى أتى عاري الجاجي والقطن
تلفه في اللوح بوغاء الدمن … كأنما حثحت من [حضني] (٥) ثكن
فلما سمع سطيح هذا الشعر، رفع رأسه وهو يقول: عبد المسيح على جمل مشيخ، أتى إلى سطيح وقد وافى على الضريح، بعثك ملك بني ساسان، لارتجاس الإيوان، وخمود النيران، ورؤيا الموبذان، رأى إبلا صعابا، تقود خيلا عرابا، قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها، يا عبد المسيح إذا كثرت التلاوة، وظهر صاحب الهراوة، وفاض وادي السماوة، وفاضت في عين بحيرة ساوة، وخمدت
стр. 130
نار فارس، فليس الشام لسطيح شاما، يملك منهم ملوك وملكات على عدد الشرفات، وكل ما هو آت آت، ثم قضى سطيح مكانه، فنهض عبد المسيح إلى رحله، وهو يقول (١):
شمر فإنك ماضي الهم شمير … ولا يغرنك تفريق وتغدير
إن يمس ملك بني ساسان أفرطهم … فإن ذا الدهر أطوار دهارير
فربما أصبحوا منها بمنزلة … تهاب صولهم الأسد المهاصير
منهم أخو الصرح بهرام وإخوته … والهرمزان وشابور وسابور
والناس أولاد علات فمن علموا … أن قد أقل فمحقور ومهجور
وهم بنو الأم أما إن رأوا نشبا … فذاك بالغيب محفوظ ومنصور
والخير والشر مقرونان في قرن … فالخير متبع والشر محذور
قال: فلما قدم عبد المسيح على كسرى، وأخبره بمقالة سطيح، قال: إلى أن يملك منا أربعة عشر ملكا، قد كانت أمور، قال: فملك منهم عشرة في أربعة سنين، وملك الباقون إلى أيام عثمان ﵁ (٢).
١١٦ - أخبرنا علي بن أحمد البسري، قال: أخبرنا ابن بطة إجازة، قال: حدثنا عبد الله
стр. 131
ابن محمد البغوي، قال: حدثنا شريح (١)، قال: حدثنا عباد بن عباد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة.
ويحيى بن عبد الرحمن، عن أسامة بن زيد، عن أبيه (٢).
وحدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال: حدثنا أبو أسامة، حدثني محمد بن عمرو، عن أبي سلمة.
ويحيى بن عبد الرحمن بن أبي حاطب، عن أسامة بن زيد، عن زيد بن حارثة، دخل لفظ أحدهما في حديث الآخر، قال: خرج رسول الله ﷺ وهو مردفي إلى نصب من هذه الأنصاب، فذبحنا له شاة، ثم صنعناها في [الإرة] (٣)، حتى إذا نضجت فاستخرجتها، فجعلتها في سفرتنا، ثم أقبل رسول الله ﷺ يسير وهو مردفي، في يوم حار من أيام مكة، حتى إذا كان على الوادي، لقيه زيد بن عمرو بن نفيل (٤)، فحيا أحدهما الآخر تحية الجاهلية، فقال له رسول الله ﷺ : «يا ابن عمي مالي أرى قومك وقد شنفوا لك (٥)»، قال: أما والله إن ذاك مني لغير ثائرة كانت لي فيهم، ولكن أراهم على الضلالة، فخرجت أبتغي هذا الدين، حتى قدمت على أحبار يثرب، فوجدتهم يعبدون الله ويشركون به، فقلت ما هذا الدين الذي أبتغي، فخرجت حتى أقدم على أحبار فدك (٦)، فوجدتهم يعبدون
стр. 132
الله ويشركون به، فقلت: ما هذا الدين الذي أبتغي، فخرجت حتى أتيت على أحبار الجزيرة، فوجدتهم يعبدون الله ويشركون به، فخرجت حتى أتيت أحبار الشام، فوجدتهم يعبدون الله ويشركون به، فقال لي حبر من أحبار الشام: إنك تسأل عن دين ما نعلم أحدا يعبد الله تعالى به اليوم، إلا راهبا بالحيرة (١)، فخرجت حتى قدمت عليه، فأخبرته الذي خرجت له، فقال لي: إن كل من رأيت في ضلال، إنك لتسأل عن دين الله، ودين ملائكته، وقد خرج في أرضكم نبي، وهو خارج.
زاد شريح في حديثه:
وقد طلع نجمه يدعو إليه، فارجع فصدقه، واتبعه، وآمن به، فرجعت فلم أحسن شيئا، فأناخ رسول الله ﷺ البعير الذي كان تحته، ثم قدمنا له السفرة التي فيها الشاة، فقال: «ما هذا»؟ فقلنا: هذه شاة ذبحناها لنصب كذا وكذا، فقال: «إني لا أكل شيئا ذبح لغير الله»، ثم تفرقنا وكان صنمان من نحاس، يقال لأحدهما إساف يعني، والآخر نائلة، يمسح بها المشركون إذا طافوا، فطاف رسول الله ﷺ وطفت معه، فلما مررت مسحته، فقال رسول الله ﷺ : «لا تمسه»، فطفنا، فقلت في نفسي: لأمسنه حتى أنظر ما يقول، فمسحته، فقال رسول الله ﷺ : «ألم تنه»؟ فقال زيد: فوالذي أكرمه وأنزل عليه الكتاب، ما استلم صنما حتى أكرمه الله بالذي أكرمه، قال: ومات زيد بن عمرو بن نفيل قبل أن يبعث النبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : «يأتي يوم القيامة أمة وحده» (٢).
стр. 133
١١٧ - أخبرنا محمد بن أبي محمد الداعي، قال: حدثنا إبراهيم بن أبي أحمد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد العطار، قال: حدثنا أبو علي الحسين بن أحمد بن عصمة البغدادي سنة سبع وثلاثمائة، قال: حدثنا الحسين بن محمد بن فهم، حدثنا زكرياء بن يحيى الطائي، حدثني عم أبي زجر بن حصين، عن جده حميد بن منهب، قال: قال عمي عروة بن مضرس، حدثني مخرمة بن نوفل، عن أمه رقيقة بنت أبي صيفي بن هاشم، وكانت لدة (١) ابن عبد المطلب قالت: تتابعت على قريش سنون أقحلت الضرع، وأدقت العظم، فبينا أنا راقدة، اللهم أو مهومة موهمة، إذا هاتف يهتف يصرخ بصوت صحل، يقول: يا معشر قريش إن هذا النبي المبعوث فيكم، وأنزل عليه الكتاب، قد أظلتكم أيامه، وهذا إبان نجومه، فحي هلا (٢) بالحياة والخصب، ألا فانظروا رجلا منكم، وسبطا عظاما جساما، أبيض بضا (٣)، أوطف الأهداب (٤)، سهل الخدين، أشم العرنين (٥)، فليخلص هو وولده، وليهبط إليه
стр. 134
من كل بطن رجل، فليسنوا من الماء، وليمسوا من الطيب، ثم ليستلموا الركن، ثم ليرقوا أبا قبيس (١)، فليدع الرجل وليؤمن القوم، فغشيتم ما شئتم، فأصبحت علم الله مذعورة، قد اقشعر جلدي، ووله عقلي، واقتصصت رؤياي، ونمت في شعاب مكة، فوالحرمة والحرم ما بقي بها أبطحي إلا قال: هذا شيبة الحمد، وتنامت إليه رجالات قريش، وهبط إليه من كل بطن رجل، فشنوا ومسوا واستلموا، ثم ارتقوا أبا قبيس، وطفقوا جانبيه، ما يبلغ سعيهم مهد، حتى إذا استووا بذروة الجبل، قام عبد المطلب ومعه رسول الله ﷺ غلام حتى قد أيفع أو قرب، فرفع يديه وقال: اللهم ساد الخلة، وكاشف الكربة، أنت معلم غير معلم، ومسؤول غير مبخل، وهذه عبداؤك وإماؤك بعذرات حرمك، يشكون إليك سنتهم، أذهبت الخيف والظلف (٢)، اللهم فأمطرنا غيثا مغيثا، مغدقا سريعا، فوالكعبة ما راموا حتى تفجرت السماء بماء فيها، واكتظ الوادي بثجثجة (٣)، وتسمعت شيخان قريش وجلتها عبد الله بن جدعان وحرب بن أمية، وهشام بن المغيرة، يقولون لعبد المطلب: هنيئا لك أبا البطحاء، عاش بك أهل البطحاء، وفي ذلك تقول رقيقة (٤):
بشبية الحمد أسقى الله بلدتنا … وقد فقدنا الحياة واجلود (٥) المطر
فجاد بالماء جوني له سيل … سحا فعاشت به الأنعام والشجر
стр. 135
من من الله بالميمون طائره … وخير من بشرت يوما به مضر
مبارك الأمر يستسقى الغمام به … ما في الأنام له عدل ولا خطر (١)
١١٨ - وبه حدثنا عبد الرحمن بن محمد، قال: حدثنا أبو زيد خالد بن النضر، قال: حدثنا أبو الأشعث أحمد بن المقدام، حدثنا هشام بن محمد الكلبي، قال: حدثنا عبد المجيد بن عيسى بن محمد بن أبي عبس بن جبر، عن أبيه (٢)، قال: سمعت قريش قائلا يقول في الليل على أبي قبيس، يقول (٣):
إن يسلم السعدان يصبح محمد … بمكة لا يخشى خلاف شقر ومخالف
فلما أصبحنا قال أبو سفيان: من السعدان: سعد بكر، وسعد تميم، وسعد
هذيل، فلما كانت الليلة الثانية سمعوه يقول (٤):
يا سعد سعد الأوس كن أنت ناصرا … ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف (٥)
أجيبا إلى داعي الهدى وتمنيا … على الله في الفردوس منية عارف
стр. 136
فإن ثواب الله لطالب الهدى … جنان من الفردوس ذات الرفارف
قال أبو سفيان: هو والله سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة (١).
١١٩ - أخبرنا أبو الحسين محمد بن المؤمل الحنفي الشيخ الصالح، قال: حدثنا علي بن عمر المقرئ، قال: حدثنا أحمد بن عبيد الله النهرديري، قال: حدثنا أبو يزيد خالد بن النضر القرشي، قال: حدثنا أبو شعيب محمد بن يحيى بن خرار المازني، قال: حدثنا بشر ابن حجر الشامي، قال: حدثنا علي بن منصور، عن عثمان بن عبد الرحمن، عن محمد بن كعب القرظي، قال: بينما عمر بن الخطاب ﵁ جالس في المسجد بالمدينة، ومعه نفر؛ إذ مر رجل من ناحية المسجد، فقال رجل من القوم: يا أمير المؤمنين أتعرف من هذا المار؟ قال: لا، فمن هو؟ قال: هذا رجل من أهل اليمن له فيهم شرف يقال له: سواد بن قارب (٢)، وهو الذي أتاه رئيه (٣) بظهور رسول الله ﷺ ، قال عمر ﵁: علي به، فدعي، فقال له عمر: أنت سواد بن قارب؟ قال: نعم، قال: أنت الذي أتاك رئيك بظهور رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، قال: فأنت على ما كنت عليه من كهانتك؟ قال: فغضب الرجل غضبا شديدا، وقال: يا أمير المؤمنين ما استقبلني بهذا أحد منذ أسلمت، فقال عمر ﵁: سبحان الله ما كنا عليه من الشرك، أعظم مما
стр. 137
كنت عليه من كهانتك، أخبرني بإتيان رئيك بإظهار رسول الله ﷺ ، قال: نعم يا أمير المؤمنين، بينما أنا ذات ليلة إذ أتاني رئتي فضربني برجله، وقال: قم يا سواد بن قارب، فافهم واعقل إن كنت تعقل، فإنه قد بعث رسول من لؤي بن غالب، يدعو إلى الله وإلى عبادته، ثم أنشأ الجني يقول (١):
عجبت للجن وأنجاسها … وشدها للعيس (٢) بأحلاسها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى … ما مؤمن الجن كأرجاسها
فارحل إلى الصفوة من هاشم … واسم بعينيك إلى رأسها
قال: فلم أرفع لقوله رأسا، فقلت: دعني أنام، فإني أمسيت ناعسا، فلما كانت الليلة الثانية، أتاني فضربني برجله، قال: قم يا سواد بن قارب، فافهم واعقل إن كنت تعقل، فإنه قد بعث رسول من لؤي بن غالب، يدعو إلى الله وإلى عبادته، ثم أنشأ الجني يقول (٣):
عجبت للجن وأخبارها … وشدها العيس بأكوارها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى … ما مؤمن الجن ككفارها
فارحل إلى الصفوة من هاشم … بين روابيها وأحجارها
قال: فلم أرفع لقوله رأسا، فلما كانت الليلة الثالثة، أتاني فضربني برجله، وقال: قم يا سواد بن قارب، فافهم واعقل إن كنت تعقل، إنه قد بعث رسول من لؤي بن غالب، يدعو إلى الله وإلى عبادته، ثم أنشأ الجني يقول (٤):
стр. 138
عجبت للجن وتطلابها … وشدها العيس بأقتابها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى … ما صادق الجن ككذابها
فارحل إلى الصفوة من هاشم … ليس قداماها كأذنابها
قال: فوقع في نفسي حب الإسلام، فرغبت فيه، فلما أصبحت شددت على راحلتي رحلها، وانطلقت متوجها إلى مكة، فبلغني أن رسول الله ﷺ قد هاجر إلى المدينة، فقدمت المدينة، فسألت عنه، فقيل في المسجد، فانتهيت إلى المسجد، فعقلت ناقتي، ثم دخلت المسجد، فإذا رسول الله ﷺ والناس حوله، فقلت: اسمع مقالتي يا رسول الله، قال: «ادنه»، فلم يزل يدنيني، حتى صرت بين يديه، فقال: «هات»؛ (١)
أتاني نجيي بين هدء ورقدة … ولم أك فيما قد تلوت بكاذب
ثلاث ليال قوله كل ليلة … أتاك رسول من لؤي بن غالب
فشمرت من ذيل الإزار ووسطت … بي الدعلب الوجناء (٢) بين السباسب
فأشهد أن الله لا شيء غيره … وأنك مأمون على كل غائب
وأنك أدنى المرسلين وسيلة … إلى الله يا ابن الأكرمين الأطائب
فمرنا بما يأتيك يا خير من مشى … وإن كان فيها جاء شيب الذوائب
وكن لي شفيعا يوم لا ذي شفاعة … سواك بمغن عن سواد بن قارب
قال: ففرح رسول الله ﷺ وأصحابه فرحا شديدا، حتى رؤي الفرح في
стр. 139
وجوههم، قال: فوثب إلى عمر ﵁، وقال: لقد كنت أحب أن أسمع هذا الحديث منك، فأخبرني عن رئيك، يأتيك اليوم؟ قال: من قرأت القرآن فلم يأت، ونعم العوض كتاب الله من الجن (١).
١٢٠ - أخبرنا أبو القاسم إبراهيم بن محمد المعدل المقرئ، قال: حدثنا أبو محمد الحسين بن إبراهيم بن المرزبان، قال: حدثنا محمد بن عبد الواحد بن محمد بن بهمرد، حدثنا محمد بن عمرو (٢)، قال: حدثنا عبد الله بن محمد (٣)، قال: حدثنا الحسن بن علي، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن زبريق، حدثني عمرو بن الحارث، حدثني عبد الله بن سالم، عن الزبيدي (٤)، أخبرني محمد بن مسلم، أن عمر بن الخطاب ﵁، قال يوما لمن حضره من جلسائه اذكروا شيئا من حديث الجن، فقال رجل: يا أمير المؤمنين، خرجت أنا وصاحبان لي نريد الشام، فأصبنا ظبية عضباء (٥)، وأدركنا راكب من خلفنا، وكنا أربعة، فقال: خل سبيلها، فقلت: لا لعمرك لا
стр. 140
أخلي سبيلها، قال: والله لربما رأينا في هذه الطريق ونحن أكثر من عشرة، فنخطف بعضنا، فأذهلني ما كان بي يا أمير المؤمنين، حتى نزلنا ديرا يقال له: دير العنيف، فارتحلنا وهي معنا، فإذا هاتف يهتف، يقول (١):
يا أيها الركب السراع الأربعه … خلوا سبيل النافر المروعه
مهلا عن العضبا فقدامي سعه … ولا أقول ما قال كذوب إمعه
قال: فخليت سبيلها يا أمير المؤمنين، فعرض لأزمة ركابنا، فأميل بنا إلى حي عظيم، فأميل علينا طعام وشراب، ثم مضينا حتى أتينا الشام، وقضينا حوائجنا، ثم رجعنا حتى إذا كنا بالمكان الذي ملن إليه، إذا أرض قفر ليس فيها سفر، فأيقنت يا أمير المؤمنين أنهم حي من الجن، فأقبلت سائرا إلى الدير، وإذا هاتف يهتف (٢):
إياك لا تعجل وخذها عن ثقة … إني أسير الجد يوم الحقحقه (٣)
قد لاح نجم فاستوى بمشرقه … ذو ذنب كالشعلة المحرقة
يخرج من ظلماء عسوم موبقة … إني امرؤ بينت بينا مصدقه (٤)
فأقبلت يا أمير المؤمنين، فإذا النبي ﷺ قد ظهر ودعا إلى الإسلام، فأسلمت.
وقال رجل: وأنا يا أمير المؤمنين، خرجت وصاحب لي نريد حاجة لنا، إذا
стр. 141
شخص راكب، حتى إذا كان منا مزجر الكلب (١)، هتف بأعلى صوته: أحمد يا أحمد، والله أعلى وأمجد مجدا بأمثاله، وللخير فاعمد، فراعنا ذلك، فأجابه صوت عن يسارنا، يقول (٢):
أنجر يا أبجر انشق القمر … الله أكبر للذي ظهر (٣)
فأقبلت، فإذا النبي ﷺ حين ظهر، ودعا إلى الإسلام، فأسلمت، فقال عمر ﵁: وأنا كنت عند ذرع لنا، إذ هتف هاتف من جوفه: يا آل ذرع، يا آل ذرع، صائح يصيح بأمر فليح، ذو رشد نجيح، يقول: لا إله إلا الله، فأقبلت، فإذا النبي ﷺ قد ظهر، ودعا إلى الإسلام، فأسلمت.
قال خريم بن فاتك (٤): وأنا ضللت إبلا لي، فخرجت في طلبهن، حتى كنت ببارق العراق، فأنخت راحلتي، ثم عقلتها، ثم أنشأت أقول: أعوذ بسيد هذا الوادي، أعوذ بعظيم هذا الوادي، ثم وضعت رأسي على جملي، فإذا هاتف من الليل يهتف، يقول (٥):
ألا فعذ بالله ذي الجلال … ثم اقرأ آيات من الأنفال
ووحد الله ولا تبال … ما هول الجن من الأهوال
فانتبهت فزعا، فقلت:
стр. 142
يا أيها الهاتف ما تقول … أرشد عندك أم تضليل
فأجابني (١):
هذا رسول الله ذو الخيرات … بيثرب يدعو إلى النجاة
ويزع الناس عن الهنات … يأمر بالصوم وبالصلاة
فوقع قوله في قلبي، فقمت إلى جملي فحللت عقاله، ثم استويت عليه، وقلت:
أرشدنا أرشدنا … لا جعت ما شئت ولا
بين لنا الرشد الذي أوتينا (٢)
فأجابني:
صاحب الله وسلم نفسكا … وعظم الأجر وأد أرجلكا
أومن به ربي أعلى كعبكا … وابذل له حتى الممات نصرا (٣)
قال: فقلت: من أنت؟ قال: أنا مالك بن مالك، سيد أهل نجد (٤)، أتيت النبي ﷺ فآمنت به، وأسلمت على يده، فأرسلني إلى جن نجد أدعوهم إلى عبادة الله
стр. 143
وطاعته، فالحق به يا خريم، وآمن بالله ، وأما إبلك فقد كفيتها حتى رأيتك في أهلك، قال: فانطلقت حتى أتيت المدينة، وذلك يوم الجمعة، فوافيت النبي ﷺ وهو يخطب على المنبر، فقلت: أنيخ بأبيات المسجد، فإذا صلى دخلت فأخبرته، فلما أنخت راحلتي، إذا أبو ذر ﵁ قد خرج إلي، فقال: يا خريم مرحبا بك، النبي ﷺ بعثني إليك وهو يقول: «مرحبا قد بلغني إسلامك، ادخل فصل مع الناس»، فدخلت فصليت مع الناس، ثم أتيته، فأخبرني الخبر، وقال: «قد وفى لك صاحبك، وقد بلغ لك الإبل، وهي في منزلك» (١).
١٢١ - وبه حدثنا ابن زبريق، قال: حدثنا أيوب بن سويد، حدثني يحيى بن زيد الباهلي، عن عمر بن عبد الله الليثي، عن واثلة بن الأسقع، قال: كان إسلام الحجاج بن علاط الفهري، أنه خرج في ركب من قومه يريد مكة، فلما جن عليهم الليل، وهم في واد وحش مخيف فقر فقال له أصحابه: يا أبا كلاب، قم فاتخذه لنفسك وأصحابك أمانا، فقام الحجاج، فجعل يطوف حولهم ويكلؤهم، ويقول (٢):
أعيذ نفسي وأعيذ صحيي … من كل جني بهذا النقب (٣)
حتى أؤوب سالما وركبي
قال: فسمع صوت قائل يقول: ﴿يمعشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا
стр. 144
من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان﴾ (١)، قال: فلما قدموا مكة، خبروا بذلك في نادي قريش، فقالوا: صدقت والله يا أبا كلاب، إن هذا مما يزعم محمد أنه أنزل عليه، قال: قد والله سمعته، وسمعه هؤلاء، فبينما هم كذلك؛ إذ جاء العاص بن وائل، فقال له: يا أبا هشام أما تسمع ما يقول أبو كلاب؟ قال: وما يقول؟ فخبروه بذلك، فقال: وما يعجبكم من ذلك؟ إن الذي يسمع هناك، هو الذي ألقاه على لسان محمد ﷺ ، فنهنه ذلك القوم عني، فلم يزدني في الأمر إلا بصيرة، فسألت عن النبي ﷺ ، فأخبرت أنه قد خرج من مكة إلى المدينة، فركبت راحلتي، وانطلقت حتى أتيت النبي ﷺ بالمدينة، فأخبرته بما سمعت، فقال: «سمعت والله الحق، وهو والله كلام ربي الذي أنزل علي، ولقد سمعت حقا يا أبا كلاب»، فقلت: يا رسول الله علمني الإسلام، فشهدني كلمة الإخلاص، وقال: «سر إلى قومك فادعهم إلى مثل ما أدعوك إليه، فإنه الحق» (٢).
١٢٢ - أخبرنا أبو الشمس محمد بن علي بن هارون التميمي، قال: حدثنا أبي (٣)، قال: حدثنا محمد بن عبيد الله (٤)، قال: حدثنا محمد بن يعقوب إمام جامع الأهواز (٥)، قال:
стр. 145
حدثنا علي بن عبد الحميد القرشي، قال: حدثنا محمد بن شيبة (١)، قال: حدثنا خالد بن القاسم المدائني، ومحمد بن عبد الرحمن البياضي، عن أبيه (٢)، عن جده (٣)، قال: قيل لأبي بكر الصديق ﵁: أخبرنا أنت عن نفسك، هل يعني: رأيت شيئا قط قبل الإسلام من دلائل نبوة محمد ﷺ ؟ فقال أبو بكر ﵁: نعم، وهل بقي أحد من قريش أو غير قريش، لم يجعل الله لمحمد ﷺ في نبوته حجة، وفي غيرها، ولكن الله هدى به من شاء، وأضل به من شاء، بينا أنا قاعد في ظل شجرة في الجاهلية؛ إذ تدلى لي غصن من أغصانها، حتى صار على رأسي، فجعلت أنظر إليه وأقول: ما هذا؟ فسمعت صوتا من الشجرة: هذا النبي ﷺ يخرج في وقت كذا وكذا، فكن أنت أسعد الناس به، فقلت: بينه لي ما اسم هذا النبي؟ قال: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي، قال أبو بكر ﵁: فقلت: صاحبي وأليفي وحبيبي، فتعاهدت الشجرة، حتى يبشرني بخروج النبي ﷺ ، فلما أتاه الوحي، سمعت صوتا من الشجرة: جد وشمر يا ابن أبي قحافة، فقد جاء الوحي ورب موسى، لا يسبقك إلى الإسلام أحد، قال أبو بكر: فلما أصبحت غدوت إلى النبي ﷺ ، فلما رآني، قال لي: «يا أبا بكر إني أدعوك إلى الله وإلى رسوله»، قال: قلت: أشهد أنك رسول الله، بعثك بالحق سراجا منيرا، فآمنت به وصدقته، وما ثنيت عليه القول (٤).
١٢٣ - أخبرنا أبو الحسن محمد بن علي السيرافي، قال: حدثنا القاضي أبو عبد الله أحمد ابن