المقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
لقد تنبه الذين أوتوا العلم من المسلمين على خطورة البدع منذ فجر الإسلام؛ فأفردوها بالتصنيف في مؤلفات جليلة ذات قيمة علمية عظيمة، لا يعرفها إلا من غاص في أحشائها، وسبر غورها، فذاق نسغها، واستنبط علومها، وأجراها أنهارا يرتوي من سلسبيلها النمير، ومعينها الذي لا ينضب إخوان رسول الله ﷺ .
ولقد استخرت الله في كتابة رسالة صغيرة الحجم، كبيرة الفائدة بإذن الله، وسيجدها طالب العلم الشرعي إن شاء الله لبابا في موضوعها، وعنوانا في بابها، وشذورا يلتقطها بيسر، ونقاط اتفاق يجتمع عليها المؤمنون العاملون الصادقون المخلصون الذين لا يقدمون بين يدي الله ورسوله؛ فتقوى أواصر مودتهم، وتتوثق عرى دعوتهم، وسميتها «البدعة وأثرها السييء في الأمة» لتكون عونا لهم على فهم النصوص القرآنية، والأحاديث النبوية الصحيحة الواردة في ذم البدع والنهي عنها، ومدخلا للمطولات في هذا الموضوع
стр. 2
«كالاعتصام» لأبي إسحاق الشاطبي، «والبدع والحوادث» لأبي بكر الطرطوشي، و «اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم» لشيخ الإسلام أبي العباس تقي الدين أحمد بن تيمية، و «البدع والنهي عنها» لابن وضاح القرطبي، و «الباعث على إنكار البدع والحوادث» لأبي شامة ﵏ جميعا وألحقنا بهم في عليين مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
وكتبه الفقير إلى ألطاف مولاه القدير طالب العلم الشرعي أبو أسامة سليم الهلالي الأردن - عمان البلقاء غرة ذي الحجة ١٤٠٣ هـ
стр. 3
تعريف البدعة
١ - البدعة لغة لها معنيان:
أحدهما: الشيء المخترع على غير مثال سابق، ومنه قول العزيز الحميد: ﴿قل ما كنت بدعا من الرسل﴾ (١).
أي ما كنت أول المرسلين فقد أرسل قبلي رسل كثير، وجئت على فترة منهم، ويقال لمن أتى بأمر لم يسبقه إليه أحد: أبدع وابتدع وتبدع: أي أتى ببدعة، ومنه قول الله تعالى: ﴿ورهبانية ابتدعوها﴾ (٢)، وبديع السماوات والأرض صفة من صفات الله ﵎ الإبداعه إياها وإحداثه لها لا عن مثال سابق لقوله تعالى: ﴿بديع السماوات والأرض﴾ (٣).
الثاني: التعب والكلال، يقال: أبدعت الإبل إذا بركت في الطريق من هزال أو داء أو كلال، وقد لا يكون الإبداع إلا بظلع، يقال أبدعت به راحلته إذا ظلعت. (٤)
٢ - إلا أن المعنى الثاني يعود إلى الأول، لأن معنى أبدعت الراحلة بدأبها التعب بعد أن لم يكن بها، وقد أشار ابن منظور إلى هذا المعنى فقال في «لسان العرب» (٨/ ٨): «كأنه جعل انقطاعها عما كانت مستمرة عليه من
стр. 4
عادة السير إبداعا أي إنشاء أمر خارج عما اعتيد منها؛ ومنه الحديث: كيف أصنع بما أبدع علي منها؟» (٥). وكذلك ابن الأثير في «النهاية في غريب الحديث والأثر» (١/ ١٠٧).
٣ - مما سبق يتبين أن البدعة اسم هيئة من الابتداع، وهي كل ما أحدث على غير مثال سابق، وهي تطلق في عالم الشر والخير (٦)، وأكثر ما تستعمل عرفا في الذم (٧).
٤ - اختلف العلماء في تحديد معنى البدعة شرعا، فمنهم من جعلها في مقابل السنة، ومنهم من جعلها عامة تشمل كل ما أحدث بعد عصر الرسول ﷺ سواء كان محمودا أم مذموما، ولعل أحسنها وأوضحها وأجمعها وأقومها: الطريقة المخترعة في الدين تضاهي الشريعة، يقصد بها التقرب إلى الله، ولم يقم على صحتها دليل شرعي صحيح أصلا أو وصفا (٨).
قلت: بقصد التقرب إلى الله خرجت البدع الدنيوية كالسيارات، والبارود، والطائرات، وتصنيف الكتب وأشباه ذلك، فكلها وسائل مشروعة لأنها تؤدي إلى ما هو مشروع بالنص، وهي التي تقبل التقسيم إلى الأحكام الخمسة، لا البدعة الدينية، وهذا كما يقال: «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب»، وليس كما قال العز بن عبد السلام في تقسيم البدع الدينية إلى خمسة أقسام (٩).
* * *
стр. 5
من استحسن فقد شرع
١ - تقسيم البدع إلى حسنة وقبيحة أو محمودة ومذمومة، تقسيم لا مستند له في الشرع، وكيف يكون له أصل وهو ينافي صريح القرآن وصحيح الأحاديث؟! وهاك البيان على وجه التفصيل:
(أ) اعلم أرشدك الله أن من أصول الدين الواجب اعتقادها، ولا يصح إيمان المرء دونها، أن الإسلام دين أتقن الله بناءه وأكمله، فمجال الناس التطبيق والتنفيذ (السمع والطاعة) وهذا أمر أدلته ظاهرة. قال اللطيف الخبير ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ (١٠).
(ب) وكان لزاما على المبعوث رحمة للعالمين ﷺ أن يقوم بحق الرسالة، فيبلغ الإسلام غير منقوص، ولقد فعل ﷺ وإلا فما بلغ رسالته - وحاشاه - فما انتقل إلى جوار ربه راضيا مرضيا إلا والدين كامل لا يحتاج إلى زيادة، شهد الله له بذلك والمؤمنون، وكفى بالله شهيدا (١١).
قال ﷺ : «ما تركت شيئا مما أمركم الله به إلا وقد أمرتكم به، ولا شيئا مما نهاكم عنه إلا وقد نهيتكم عنه» (١٢).
стр. 6
وقال ﷺ : «إني قد تركتكم على مثل البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» (١٣).
(ت) وهذا أمر شهد به أعداء الإسلام رغم أنوفهم فلم يستطيعوا كتمان إعجابهم ودهشتهم من هذا النظام الرباني الشامل الكامل الذي لم يدع صغيرة ولا كبيرة في كتاب الحياة إلا أحصاها، وعلمها للمسلم من يوم مولده إلى وضعه في لحده، فقالت يهود لسلمان ﵁: «لقد علمكم نبيكم ﷺ كل شيء حتى الخراءة» فقال: «أجل نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول وأن نستنجي باليمين وأن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار أو أن نستنجي برجيع أو بعظم» (١٤).
(ث) إن التشريع حق لرب العالمين، وليس من حق البشر، ولئن جازت الزيادة في الإسلام جاز النقص، لذلك نهى ﷺ عن الزيادة في الدين: «إذا حدثتكم حديثا، فلا تزيدن علي» (١٥)، والله در القائل:
بدين المسلمين، إن جاز زيد … فجاز النقص أيضا أن يكونا
كفى ذا القول قبحا يا خليلي … ولا يرضاه إلا الجاهلونا
فإذا كان الأمر كذلك فالمبتدع إنما محصول قوله بلسان حاله أو مقاله أن الشريعة لم تتم، وأنه بقي منها أشياء يجب أو يستحب استدراكها، لأنه لو كان معتقدا لكمالها وتمامها من كل وجه لم يبتدع ولا استدرك عليها، وقائل هذا
стр. 7
ضال عن الصراط المستقيم لا خلاف فيه بين أهل السنة.
(ج) إن المبتدع نصب نفسه مضاهيا للشارع الحكيم، لأن الشارع وضع الشرائع وألزم الخلق الجري على سنتها، وصار هو المنفرد بذلك لأنه حكم بين العباد فيما كانوا فيه يختلفون.
ولو كان التشريع من مدركات الخلق لم تتنزل الشرائع ولم تبعث الرسل، وهذا الذي ابتدع في دين الله قد صير نفسه ندا لله حيث شرع مع الشارع، وفتح للاختلاف بابا، ورد قصد الشارع في الانفراد بالتشريع.
وقد فهم السلف الصالح هذا فقال الشافعي ﵀: «من استحسن فقد شرع»، وهذا الإمام أحمد ﵀ يقول: «أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ ، والاقتداء بهم وترك البدع، وكل بدعة ضلالة»، ومن قبلهما إمام دار الهجرة إمام علم وهدى قال: «من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدا خان الرسالة، لأن الله يقول: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ فما لم يكن يومئذ دينا لا يكون اليوم دينا».
٢ - واستحق محسنو البدع هذا الحكم الشنيع، الذي مقره سقر وبئس المستقر، لأنهم أحدثوا فيما جرت سنته، وكفوا مؤنته، وردوا حكم الله، لأن السنة إنما سنها من قد عرف ما في خلافها من الخطل والزلل، ولم يرض لنفسه بما رضي به السلف الصالح لأنفسهم، فإنهم على علم وقفوا، وببصر ثاقب قد كفوا، وهم على كشف الأمور أقوى، وبفضل كانوا أحرى، فقد تكلموا منه بما يكفي، ووضعوا منه ما يشفي، وكانت سبيلهم بيضاء ناصع لونها تسر السالكين.
стр. 8
٣ - وإنما أتي المبتدع من باب التحسين والتقبيح العقلي، والحقيقة أن العقل غير مستقل ألبتة، ولا ينبني على غير أصل، وإنما ينبني على أصل متقدم على الإطلاق، ففي الأمور الشرعية لا يستقل بإدراكها دون الوحي، وفي الأمور الدنيوية لا بد من معلومات سابقة وقد بسطت هذا المعنى في كتابي «القرآن يتحدى».
* * *
стр. 9
كل بدعة ضلالة
١ - اعلم أيها السالك سنن الهدى أن البدع كلها ضلالات، للأحاديث الصريحة الفصيحة الصحيحة الآتية:
عن العرباض بن سارية ﵁ قال: «صلى رسول الله ﷺ صلاة الغداة، ثم أقبل علينا بوجهه فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها الأعين، ووجلت منها القلوب، فقال رجل: يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع! فقال: اتقوا الله وعليكم بالسمع والطاعة وإن عبدا حبشيا، وإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة» (١٦).
عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يخطب الناس فيحمد الله ويثني عليه بما هو أهله ثم يقول: «من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وخير الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة» (١٧).
عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لكل
стр. 10
عمل شرة، ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى غير ذلك هلك (١٨).
عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد» (١٩) وفي رواية: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٢٠).
٢ - لفظ: «كل بدعة ضلالة» الوارد في حديثي العرباض بن سارية وجابر بن عبد الله للعموم لأن كل من صيغ العموم ولا مخصص له، قال الحافظ في فتح الباري (١٣/ ٢٥٤): «وهذه الجملة قاعدة شرعية كلية بمفهومها ومنطوقها، أما بمنطوقها فكأن يقال: حكم كذا بدعة، وكل بدعة ضلالة. فلا تكون من الشرع لأن الشرع كله هدى، فإن ثبت أن الحكم المذكور بدعة، صحت المقدمتان، وانتجتا المطلوب» أما حديثا عبد الله بن عمرو وعائشة فمن جوامع الكلم، وهما ميزان للأعمال الظاهرة، فلا يقبل عمل المسلم إلا بشرطين:
أحدهما: أن يكون العمل خالصا لله خلاص الذهب الإبريز، لقوله: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾ (٢١).
стр. 11
الثاني: أن يكون موافقا للسنة، وهذا واضح جلي في حديث عائشة ﵂، ولأهل العلم فيه قولان أهونهما شر، وأحلاهما مر، فأما الأول: فهو ما تقدم آنفا فيكون العمل مردودا على صاحبه فلا يقيم له الله وزنا بل يجعله الله هباء منثورا، وأما الثاني: قد يكون المقصود أن المبتدع رد أمر الله لأنه نصب نفسه مضاهيا لأحكم الحاكمين؛ فشرع في الدين ما لم يأذن به الله، وقد تقدم تفصيل هذا الوجه آنفا.
٣ - مما تقدم ظهر لذي حجر أن القول بالبدعة الحسنة والسيئة قسمة ضيزى، بل هو في نفسه بدعة ضلالة، ومن شر أنواع البدع، لأن الأدلة جاءت عامة مطلقة على كثرتها لم يقع فيها استثناء ألبتة، ومن المقرر في علم الأصول أن كل قاعدة شرعية كلية، أو دليل شرعي كلي إذا تكرر في مواضع كثيرة، وأتى بها شواهد على معان أصولية أو فرعية، ولم يقترن بها تقييد ولا تخصيص مع تكررها وإعادة تقررها، فذلك دليل على بقائها على مقتضى لفظها من العموم كقوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ فإن هذه الجملة وردت في عدة آيات من سورة الأنعام والإسراء والزمر.
* * *
стр. 12
كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة
١ - اتفق أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن يليهم من أئمة المسلمين المشهود لهم بالخير في قرون الخير على ذم البدع وتقبيحها، والهروب منها وعمن اتسم بشيء منها، ولم يقع في ذلك منهم تردد ولا توقف وإليك أقوالهم المسندة الصحيحة، وصورا من أفعالهم الحية الصريحة.
٢ - لو أخذنا أمثلة من طبقة الصحابة لوجدنا ما يأتي لقلب المسلم المتبع بالثلج، ويبطل رأي المبتدع بالفلج، وهاك من الحقائق حتى يأتيك البلج.
قال عبد الله بن مسعود ﵁: «اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم» (٢٢) قال عبد الله بن عمر ﵁: «كل بدعة ضلالة، وإن رآها الناس حسنة» (٢٣).
ولو نظرنا إلى أفعالهم لرأيناها موافقة لأقوالهم: «كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود قبل صلاة الغداة، فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد، فجاءنا أبو موسى الأشعري، فقال: أخرج إليكم أبو عبد الرحمن بعد؟ قلنا: لا فجلس معنا حتى خرج، فلما خرج قمنا إليه جميعا، فقال له أبو موسى: يا
стр. 13
أبا عبد الرحمن إني رأيت في المسجد آنفا أمرا أنكرته، ولم أر والحمد لله إلا خيرا، قال: فما هو؟ فقال: إن عشت فستراه، قال: رأيت في المسجد قوما حلقا جلوسا ينتظرون الصلاة في كل حلقة رجل وفي أيديهم حصا فيقول: كبروا مائة؛ فيكبرون مائة، فيقول: هللوا مائة؛ فيهللون مائة، ويقول: سبحوا مائة؛ فيسبحون مائة، قال: فماذا قلت لهم؟ قال: ما قلت لهم شيئا انتظار رأيك أو انتظار أمرك، قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم، وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم، ثم مضى ومضينا معه، حتى أتى حلقه من تلك الحلق فوقف عليهم، فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟! قالوا: يا أبا عبد الرحمن حصا نعد به التكبير والتهليل والتسبيح، قال: فعدوا سيئاتكم فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم، هؤلاء صحابة نبيكم ﷺ متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده انكم لعلى ملة أهدى من ملة محمد أو مفتتحو باب ضلالة، قالوا والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير، قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه، إن رسول الله ﷺ حدثنا: ﴿أن قوما يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم﴾ وايم الله ما أدري لعل أكثرهم منكم، ثم تولى عنهم، فقال عمرو ابن سلمة: رأينا عامة أولئك الحلق يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج (٢٤) قلت هذا الأثر العظيم تضمن أصولا عظيمة لا يعلمها إلا المتبعون الذين لا يقدمون بين يدي الله ورسوله، وقولهم سمعنا وأطعنا.
(أ) الذي شرع الغاية لم ينس الوسيلة، عندما شرع الله الذكر لم ينس
стр. 14
وسيلته، فقد كان رسول الله ﷺ يعقد التسبيح بيمينه، ويقول إنهن مستنطقات.
(ب) البدعة الإضافية ضلالة، وهي التي تستند إلى دليل من جهة الأصل، وغير مستندة من جهة الكيف والصفة، فسميت إضافية لأنها لم تخلص لأحد الطرفين: المخالفة الصريحة أو الموافقة الصحيحة.
فهؤلاء القوم لم يقولوا كفرا، ولم يفعلوا نكرا بل كانوا يذكرون الله وهو أمر مشروع بالنص، إلا أنهم خالفوا الكيفية والصفة التي سنها محمد ﷺ ، فأنكر الصحابة عليهم وأمروهم أن يعدوا سيئاتهم.
(ت) الله لا يعبد إلا بما شرع لا بالأهواء والعوائد والبدع.
(ث) البدعة تميت السنة، فهؤلاء النفر من المبتدعين اخترعوا صفة للذكر لم تؤثر عن رسول الله ﷺ فأماتوا هدى محمد ﷺ ، وهذا أصل فهمه السلف الصالحون وعلموا يقينا أن البدعة والسنة لا تجتمعان، قال التابعي الجليل حسان بن عطية ﵀: «ما ابتدع قوم بدعة في دينهم، إلا نزع من سنتهم مثلها» (٢٥).
(ج) البدعة سبب الهلاك، لأنها تقود إلى ترك السنة، وفي ذلك ضلال بعيد، قال الصحابي عبد الله بن مسعود ﵁ «ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم» (٢٦)، وإذا ضلت الأمة هلكت لذلك قال عبد الله بن مسعود.
стр. 15
لتلك الحلق: «يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم»، وفهم هذا الصحابي له اعتبار خاص يظهر من سياق الأثر، فأبو موسى الأشعري ﵁ لم ينكر عليهم انتظار رأي أو أمر عبد الله بن مسعود، وهذا الموقف ليس محاباة أو مجاملة لابن أم عبد بل رضي أبو موسى لنفسه ما ارتضاه رسول الله ﷺ لنفسه ولأمته فقال ﷺ : «رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد» (٢٧).
(حـ) البدعة بريد الكفر، لأن المبتدع نصب نفسه مشرعا ولله ندا، فاستدرك على أحكم الحاكمين، وظن أنه على ملة اهدى من ملة محمد ﷺ .
(خـ) البدع تفتح باب الخلاف على مصراعيه، وهو باب ضلالة، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص من أوزارهم شيء، لأن الدال على الشر كفاعله.
(د) التقليل من شأن البدع يقود إلى الفسوق والعصيان، ألم تر أن هؤلاء النفر أصبحوا في صفوف الخوارج يوم النهروان يقاتلون الصحابة ﵃ بقيادة أمير المؤمنين على ﵁ الذي استأصل شأفتهم في ذلك اليوم المشهود.
قال أحد علماء المسلمين الأوائل هو حسن بن علي البربهاري من أصحاب إمام أهل السنة أحمد بن حنبل رحمهما الله: «واحذر صغار المحدثات، فإن صغار البدع تعود حتى تصير كبارا، وكذلك كل بدعة أحدثت في هذه الأمة، كان أولها صغيرا، يشبه الحق فاغتر بذلك من دخل فيها، ثم لم يستطع المخرج منها، فعظمت، وصارت دينا يدان به، فخالف الصراط
стр. 16
المستقيم، فخرج من الإسلام، فانظر رحمك كل من سمعت كلامه من أهل زمانك خاصة، فلا تعجلن، ولا تدخلن في شيء منه حتى تسأل وتنظر: هل تكلم فيه أحد من أصحاب النبي ﷺ ، أو أحد من العلماء؟ فإن أصبت فيه أثرا عنهم؛ فتمسك به، ولا تجاوزه لشيء، ولا تختر شيئا فتسقط في النار» (٢٨).
(ذ) إنما الأعمال الصالحة بالنيات الصالحة، والنية الحسنة لا تجعل الباطل حقا، لأن النية وحدها لا تكفي لتصحيح الفعل فلا بد أن ينضم إليها التقيد بالشرع (٢٩).
(ر) زيادة الخير ليست خيرا، لأن الزيادة في الخير شر، وهذا أمر مشاهد في كل شيء، فإن الأمر إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده، فالشجاعة إذا زادت أصبحت تهورا، وإذا نقصت صارت جبنا، والكرم إذا زاد عن حدوده أضحى إسرافا وتبذيرا، وإذا قل أمسى بخلا وتقتيرا، إذن فخير الأمور أوساطها.
وعبد الله بن مسعود ليس بدعا من الصحابة المنكرين للبدع فهذا عبد الله ابن عمر ﵁ كان من أشد الصحابة إنكارا للبدع وهجرا للمبتدعين فقد سمع رجلا عطس فقال: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، فقال له: ما هكذا علمنا رسول الله ﷺ بل قال: إذا عطس أحدكم فليحمد الله، ولم يقل: وليصل على رسول الله (٣٠).
стр. 17
وعن سالم قال: «إني لجالس مع ابن عمر ﵁ في المسجد إذ جاءه رجل من أهل الشام فسأله عن التمتع بالعمرة إلى الحج؟ فقال ابن عمر: حسن جميل، فقال: فإن أباك كان ينهى عن ذلك؟ فقال: ويلك فإن كان أبي قد نهى عن ذلك وقد فعله رسول الله ﷺ وأمر به، فبقول أبي تأخذ أم بأمر رسول الله ﷺ ؟! قال: بأمر رسول الله ﷺ ، فقال: فقم عني» (٣١) قلت: هذه الآثار تضمنت فوائد طيبة:
(أ) رد الصحابة على كل من خالف السنة الصحيحة وربما اغلظوا في الرد، حتى لو على آبائهم وأبنائهم وعلمائهم.
(ب) البدعة التركية ضلالة، وهي أعمال قام الدليل عليها إلا إنه تقصد تركها تدينا أو شبه تدين كالمتصوفه عندما تركوا الزواج فاختصوا، ويدل على ضلالها من كتاب الله قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين، وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون﴾ (٣٢). وهذه الآية تدور حول معنى واحد هو تحريم ما أحل الله من الطيبات تدينا، والله نهى عن ذلك وجعله اعتداء، لأنه اعتداء على حق الله في التفرد بالتشريع والله لا يحب المعتدين، ثم قرر الإباحة تقريرا زائدا على ما قرر بقوله ﴿وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا﴾ ثم أمرهم بالتقوى، وذلك مشعر بأن تحريم ما أحل الله على أي شكل خارج درجة التقوى، لذلك قال الرسول للرهط الثلاثة الذين جاءوا إلى بيوت النبي
стр. 18
يسألون عن عبادته ﷺ وتقالوها « … . أما إن أعلمكم بالله، واتقاكم الله أنا» (٣٣).
٣ - وإذا كان الصحابة ﵃ قد تركوا لنا مثل تلك الكلمات البصيرة التي تنفذ بنورها إلى القلوب فتحييها، فإن رجالا من بعدهم أصابوا مواقع الحق ببصائرهم ما أصابوا فتركوا كلمات تكاد تكون هي كلمات الصحابة وما ذلك إلا لأنهم ترسموا خطى الصحابة، واقتفوا آثارهم حذو القذة بالقذة وفيهم يصح أن نقول: وكلهم للحق ملتمس.
وقد تقدمت أقوالهم ونضيف هنا صورا من مواقفهم المضيئة بنور الحق، فهذا الإمام مالك ﵀ أتاه رجل فقال: يا أبا عبد الله من أين أحرم؟ قال: من ذي الحليفة، من حيث أحرم رسول الله ﷺ ، فقال: إني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر، قال: لا تفعل فإني أخشى عليك الفتنة، فقال: وأي فتنة في هذه؟ إنما هي أميال أزيدها، قال: وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت فضيلة قصر عنها رسول الله ﷺ ؟! إني سمعت الله يقول: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ (٣٤).
стр. 19
الرد على محسني البدع
عرضت لمحسني البدع شبه دعتهم للتمسك بتقسيمهم المزعوم الموهوم، إلا إنها عند تدبرها وبيان وجه الحق فيها لا تزيدهم إلا ضغثا على إبالة.
١ - «ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون سيئا فهو عند الله سيء».
هذا الحديث لا يصح مرفوعا بل من كلام ابن مسعود ﵁، قال العجلوني في «كشف الخفاء» (٢/ ٢٦٣) نقلا عن الحافظ ابن عبد الهادي: «إسناده ساقط والأصح وقفه على ابن مسعود»، وقال السخاوي في «المقاصد الحسنة»: «هو موقوف حسن»، وقال العلامة الألباني في «سلسلة الأحاديث الضعيفة» (٢/ ١٧): «لا أصل له مرفوعا وإنما ورد موقوفا على ابن مسعود»، وعليه فالحديث لا يصح مرفوعا فلا يجوز أن يحتج به في معارضة الأحاديث القاطعة في أن كل بدعة ضلالة.
وعلى افتراض صحة الحديث مرفوعا فإن (أل) في كلمة المسلمون، إن كان للاستغراق، أي كل المسلمين فإجماع، والإجماع حجة لا ريب فيه، والإجماع الأصولي المعتبر هو إجماع أهل العلم في عصر، وليس من شك أن المقلدين ليسوا من أهل العلم (٣٥). وإن كان للجنس فيستحسن بعض المسلمين هذا الأمر، ويستقبحه آخرون، كما هو الحال في أكثر البدع، وذلك
стр. 20
لاختلاف العقول والأهواء والآراء، وعليه سقط الاحتجاج بهذا الأثر.
واعلم أخا الإيمان أرشدك الله أن (أل) هنا للعهد، وعليه فالمراد بهذا الأثر إجماع الصحابة واتفاقهم على أمر كما يدل عليه السياق: « … ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد ﷺ فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه فما رأى المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رأوا سيئا فهو عند الله سيء» أخرجه أحمد (١/ ٣٧٩)، والطيالسي في «مسنده» ص ٢٣، والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١/ ١٦٦) وروى الحاكم الجملة الأخيرة وزاد: «وقد رأى الصحابة جميعا أن يستخلفوا أبا بكر ﵁»، وهذه الجملة الأخيرة بيان للمراد فقد استدل عبد الله بن مسعود على استخلاف أبي بكر بإجماع الصحابة.
ويزيد الأمر وضوحا أن ابن مسعود من أشد الصحابة إنكارا للبدع، وهجرا لأصحابها وقد تقدم بعض أقواله وأفعاله، فتدبر.
٢ - «نعمت البدعة هذه»
شاع بين المتأخرين الاستدلال بقول عمر: «نعمت البدعة هذه» فخصصوا به عموم قوله ﷺ : «كل بدعة ضلالة»، وهو احتجاج مردود لأن صلاة القيام مشروعة بنص حديث رسول الله ﷺ ، عن جابر بن عبد الله ﵁: «أن النبي ﷺ لما أحيا بالناس ليلة في رمضان صلى ثماني ركعات وأوتر (٣٦)، وصلاتها جماعة مشروعة أيضا لأن الرسول ﷺ صلاها بالصحابة
стр. 21
ثلاث ليال، وإنما ترك ذلك مخافة أن تفرض عليهم والدليل حديث عائشة ﵂ الذي أخرجه الشيخان في «صحيحيهما» وفيه: «ولكن خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها»، فلما انقطع الوحي أمن ما خاف منه الرسول ﷺ ، لأن العلة تدور مع المعلول وجودا وعدما، فبقيت السنة للجماعة لزوال العارض، ثم جاء عمر ﵁ وأمر بصلاتها إحدى عشرة ركعة وفقا للسنة، فأحيا السنة (٣٧).
فإذا علمت رحمك الله ما تقدم فمفهوم البدعة الشرعية لا ينطبق على فعل عمر، وإنما أراد ﵁ بقوله البدعة اللغوية، فالبدعة في الشرع لا تستخدم إلا في موضع الذم بخلاف اللغة فإن كل ما أحدث على غير مثال سابق بدعة سواء كان محمودا أو مذموما وقد تقدم بسط هذا المعنى.
قال العلامة ابن تيمية ﵀: «وأما قول عمر نعمت البدعة هذه، فأكثر المحتجين بهذا لو أردنا أن نثبت بقول عمر الذي لم يخالف فيه لقالوا قول الصاحب ليس بحجة فلا يعتقده إذا خالف الحديث، فعلى التقديرين: لا يصح معارضة الحديث بقول الصاحب، نعم يجوز تخصيص عموم الحديث بقول الصاحب الذي لم يخالف على إحدى الروايتين، فيفيدهم هذا حسن تلك البدعة أما غيرها فلا، ثم نقول أكثر ما في هذه تسمية عمر تلك بدعة، مع حسنها، وهذه تسمية لغوية لا تسمية شرعية، وذلك لأن البدع في اللغة تعم
стр. 22
كل ما فعل ابتداء على غير مثال سابق، أما البدعة الشرعية فكل ما لا يدل عليه دليل شرعي، فإذا كان نص رسول الله ﷺ قد دل على استحباب فعل أو إيجابه بعد موته أو دل عليه مطلقا، ولم يعمل إلا بعد موته، ككتاب الصدقة الذي أخرجه أبو بكر ﵁، فإذا عمل أحد ذلك العمل بعد موته صح أن يسمى بدعة في اللغة لأنه عمل مبتدأ، كما أن نص الدين الذي جاء به النبي ﷺ يسمى بدعة ويسمى محدثا في اللغة (٣٨)، ثم العمل الذي يدل عليه الكتاب والسنة ليس بدعة في الشريعة، وإن سمي بدعة في اللغة، فلفظ البدعة في اللغة أعم من لفظ البدعة في الشريعة، وقد علم أن قول النبي ﷺ : «كل بدعة ضلالة» لم يرد به كل عمل مبتدأ، وإنما أراد من الأعمال التي لم يشرعها هو ﷺ (٣٩) اه مختصرا.
٣ - «من سن في الإسلام سنة حسنة»
وقبل تفنيد زعم المبتدعين الذين اتخذوا من هذا الحديث حجة في تحسين البدع نسوق الحديث بتمامه.
عن جرير بن عبد الله قال: كنا عند رسول الله ﷺ في صدر النهار (٤٠) قال: فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار (٤١)، أو العباء، متقلدى السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، فتمعر (٤٢) وجه رسول الله ﷺ لما رأى
стр. 23
بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج، فأمر بلالا فأذن وأقام فصلى، ثم خطب فقال: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة … ﴾ الآية، والآية التي في الحشر: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد﴾ تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره، حتى قال: «ولو بشق تمرة»، قال: فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها بل قد عجزت، قال: ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب حتى رأيت وجه رسول الله ﷺ يتهلل كأنه مذهبة (٤٣)، فقال رسول الله ﷺ : «من سن في الإسلام (٤٤) سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها، ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» (٤٥)
إن مثل من نظر إلى هذا الحديث دون مناسبته التي أوردناها كمثل من قرأ قوله تعالى: ﴿ويل للمصلين﴾ ولم يكمل ما بعدها حتى يتم معناها، لأنه يكون بفعله هذا عكس الحقائق وقلب الموازين، فإن الله لم يتوعد المصلين كيف وهو أمر بإقامة الصلاة؟! لكنه توعد صنفا من المصلين وهم الذين وصفهم: ﴿الذين هم عن صلاتهم ساهون، الذين هم يراءون ويمنعون الماعون﴾، أو كمن قرأ: ﴿ولا تقربوا الصلاة﴾ ولم يتم الآية حيث يتضح المعنى والمراد وهو قوله تعالى: ﴿وأنتم سكارى﴾ من هذه الأمثلة وغيرها في الكتاب والسنة كثير نشأت فكرة السياق والسباق في أصول الفقه
стр. 24
إن سياق الحديث يدحض تفسيره الذي شاع عند المبتدعين: «من ابتدع في الإسلام بدعة حسنة» فخصصوا عموم قوله ﷺ : «كل بدعة ضلالة»، ويدل على أن تفسيرهم هراء وإفك مبين فهو بالرد قمين، فإن كل ما فعله الأنصاري إنما هو ابتداؤه الصدقة في تلك الحادثة، والصدقة مشروعة من قبل بالنص، أفترون هذا الصحابي أتى ببدعة حسنة؟! وتلاه الرسول ﷺ في القصة نفسها، وعليه فالسنة الحسنة هي إحياء أمر مشروع لم يعهد العمل بين الناس لتركهم السنن، ففي عصرنا الحاضر لو أن إنسانا أحيا سنة مهجورة يقال: أتى بسنة حسنة، ولا يقال أتى ببدعة حسنة، إذن فالسنة الحسنة هي ما كان أصله مشروعا بنص صحيح وترك الناس العمل به ثم جاء من يجدده بين الناس ومثال ذلك ما فعله عمر ﵁ عندما أحيا سنة صلاة التراويح جماعة إحدى عشرة ركعة، وفي السنوات الأخيرة كان الناس عندنا في بلاد الشام لا يصلون صلاة العيدين إلا في المساجد ظنا منهم أنها السنة فظهر في هذه البلاد من حمل لواء السنة فنبه الناس أن السنة أن تصلى صلاة العيدين في المصلى، وكذلك أطبق السواد الأعظم في هذه الديار على الاعتقاد أن صلاة التراويح عشرون ركعة فنبهوا إلى السنة الصحيحة التي فعلها رسول الله ﷺ وتبعه الصحابة رضوان الله عليهم، فأمثال هؤلاء من الدعاة يقال سنوا في الإسلام سنة حسنة.
ومن السنن المهجورة التي تنتظر من يعيدها الى حيز التنفيذ فترى النور في دنيا المسلمين شريعة الله التي أقصاها الطواغيت عن سدة الحكم، واستبدلوها بنفايات موائد الغرب، وحثالة أفكار المشركين، وجعلوها مهيمنة على كل صغيرة وكبيرة في حياة الفرد والمجتمع، فلو أن حاكما أنقذ البشرية من هذه الحمأة الوبيئة التي أركست فيها، وخلصها من هذه الأحكام الدنيئة، وجعل
стр. 25
شريعة الله آمرة ناهية في شؤون عباد الله، يقال سن في الإسلام سنة حسنة فإذا اقتدى به جماهير الحكام فإنه له أجرهم من غير أن ينقص من أجورهم شيء، فاهتبلوها فرصة يا حكام المسلمين، وكذلك فإن محمد علي باشا عندما استورد قوانين فرنسا وترجمها له رفاعة طهطاوي وطبقها على مصر ثم حذا الحكام حذوه فإنه سن في الإسلام سنة سيئة.
٤ - قال تعالى: ﴿ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فأتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون﴾ (٤٦).
وليس في هذه الآية دليل على استحسان البدع من كل الوجوه المحتملة، إذا كان قوله تعالى: ﴿إلا ابتغاء رضوان الله﴾ يرجع إلى قوله تعالى: ﴿ابتدعوها﴾ فمعناه أن الله لم يكتبها عليهم إلا أنهم ابتدعوها بقصد التقرب إلى الله وفي هذا ذم لها لأن الله لم يفرضها عليهم، ويزداد التقبيح أنهم مع اختراعهم لها لم يرعوها حق رعايتها وقصروا فيها ألزموا أنفسهم به وهذا ضرب من التقبيح والتشنيع المضاعف.
وإذا كان راجعا إلى قوله ﴿ما كتبناها﴾ فمعناه أنهم ألزموا انفسهم بابتداعها فكتبها الله عليهم أي أصبحت دينا مشروعا من لدن أحكم الحاكمين، وهذا ضرب من التقرير وقد حدث مثله في ديننا فكان الرسول يقر أصحابه على أقوال وأفعال يأتون بها لم تكن مشروعة من قبل وبتقريره لها تصبح شرعا يعبد الله به وأمثلة ذلك في السنة كثير، أما بعد موت الرسول ﷺ فإن
стр. 26
الشرع لم يعد بحاجة إلى زيادة لأن الله أتمه وأكمله، ولم يترك الرسول شيئا مما يقربنا من الجنة إلا وقد أمرنا به، ولم يدع أمرا يقربنا من النار إلا وقد نهانا عنه ﷺ .
وجملة القول أن هذه الآية من شرع ما قبلنا، والراجح في علم الأصول أنه ليس شرعا لنا لأدلة كثيرة منها قوله ﷺ : «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي .. (فذكرها وآخرها) وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة» (٤٧).
وهذا دليل على أن شرائع الأنبياء السابقين خاصة بأقوامهم، لذلك فالإسلام بعقائده وعباداته وأحكامه وشرائعه شرع تام غير محتاج إلى غيره بل جعله الله مهيمنا ناسخا لغيره من الرسالات السابقة بحيث يجب على المسلم أن لا يرجع إلا إليه، فهو الشريعة التي حفظ الله أصولها وفروعها، وارتضاها لعباده من كل بني آدم إلى أن يرث الأرض ومن عليها، وكيف يكون ما عليه المغضوب عليهم والضالون شرعا لنا وهو باطل وضلال وشرك وكفر وفساد وغير صالح إلا ما جاء في القرآن والسنة الصحيحة؟!
ثم إن من معاني هذه القاعدة أن شرعنا محتاج إلى تكميل بما عند أهل الكتاب ما لم يأت فيه ما يخالفه، كيف يستقيم أمر هذه القاعدة والنصوص صريحة الأمر في مخالفة أهل الكتاب في كل صغيرة وكبيرة؟! والمتدبر لكتاب الله وسنة نبيه الصحيحة وهدى السلف الصالح يجد في كل ذلك ما يقيم سدا منيعا بين المسلمين وأهل الكتاب، ويدفع المسلم أن يفر سراعا مبعدا عن هؤلاء.
стр. 27
لقد أصل الشارع الحكيم بذلك أصلا خطيرا، وهو تعمد مخالفة أهل الكتاب والأمم الأخرى، حتى تتحقق ميزة الأمة بالمنهج والأفعال المستقلة، وحتى لا تختلط أفعال الأمة وعباداتها بأفعال الأمم الأخرى، وقد وضح شيخ الإسلام هذا الأصل توضيحا لم أر مثله في كتابه القيم «اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم» ص (١١ - ٣١)، وبين فساد هذه القاعدة: «شرع ما قبلنا شرع لنا» وأيده الشاطبي في الاعتصام (١/ ٣٣٢) حيث قال: «فيبقى ما كان شرعا لغيرنا منفيا عن شرعنا كما تقرر في علم الأصول»
قلت هذا كلام الإمام الشاطبي، رحمهما الله، وهو يلتقي مع كلام شيخ الإسلام، ومن الغرائب أن هذا مشرقي وذاك مغربي، جمع بينهما على بعد الدار، المنهج العلمي الصحيح، والحرص على تصفية الإسلام من كل شائبة علقت بمنهله الصافي في عصور الفساد والانحطاط.
ومن شاء المزيد فعليه بالمطولات من كتب الأصول وخاصة التي لم يقلد أصحابها كالإحكام في أصول الأحكام لابن حزم ﵀ (٥/ ١٦٠ - ١٨٧).
وهب صواب قول من قال: «شريعة من قبلنا شريعة لنا … » فذلك مشروط بشرطين:
أحدهما: أن يثبت أن ذلك شرع ارتضاه الله لهم بنقل موثوق.
الثاني: أن لا يكون في شرعنا بيان خاص لذلك.
стр. 28
وعليه فالآية لا حجة فيها لمحسني البدع، لأن الإسلام بين أن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
٥ - العرف
المخصص هو الأدلة من كتاب أو سنة أو إجماع نصا واستنباطا، وأما عادة بعض البلاد أو أكثرها، وقول كثير من العلماء أو العباد، أو أكثرهم ونحو ذلك فليس مما يصلح أن يكون معارضا لكلام الرسول ﷺ .
ومن اعتقد أن أكثر هذه العادات المخالفة مجمع عليها بناء على أن الأمة أقرتها ولم تنكرها كسنة الجمعة القبلية (٤٨) والموالد (٤٩) والتمذهب (٥٠) فهو مخطئ في هذا الاعتقاد، فإنه لم يزل ولا يزال في كل وقت من ينكرها، وإذا كان أكثر العلماء لم يعتمدوا على عمل أهل المدينة وإجماعهم في عصر مالك، بل رأوا السنة حجة عليهم كما هي حجة على غيرهم، مع ما أوتوه من الإيمان والعلم، فكيف يعتمد على عادات العامة وعرفهم الفاسد أو من قيدته العامة، أو قوم مترئسون بالجهالة لم يرسخوا في العلم، ولا يعدون من أولي الأمر، ولعلهم لم يتم إيمانهم بالله ورسوله. والله در القائل:
الحر من خرق العادات منتهجا … نهج الصواب ولو ضد الجماعات
ومن إذا خذل الناس الحقيقة عن … جهل أقام لها في الناس رايات
ولم يخف في اتباع الحق لائمة … ولو أتته بحد المشرفيات
стр. 29
واعلم أخي بارك الله فيك أن الحق لا يعرف بكثرة الأصابع المرفوعة أو الضجيج الإعلامي بل إن على الحق نورا يتلألأ ولو كان في الحياة وحيدا منفردا، ولقد جاءت كلمات السلف الصالح تترى تؤيد هذا المعنى.
قال عبد الله بن مسعود ﵁: «الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك» (٥١). قال القاضي عياض ﵀: «عليك بطريق الحق، ولا تستوحش لقلة السالكين، وإياك وطريق الباطل، ولا تغتر بكثرة الهالكين» (٥٢). وهذه الأقوال مأخوذة من وصف الرسول ﷺ للثلة المؤمنة التي تعض على سنة رسول الله ﷺ بالنواجذ عندما يفسد السواد الأعظم، فتتمسك هذه القلة بالصراط المستقيم ولا تكترث بمخالفة الناكبين عنه له، فإنهم هم الأقلون قدرا، وإن كانوا الأكثرين عددا.
قال ﷺ : «إن الإسلام بدأ غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء. قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس» (٥٣).
وهؤلاء الغرباء الذين يصلحون إذا فسد الناس قليلون لتمسكهم بالسنن ومحاربتهم للبدع.
قال ﷺ : «طوبى للغرباء، أناس صالحون في أناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم» (٥٤).
стр. 30
فيا أخا الإيمان كن حريصا أن تكون أخا لرسول الله ﷺ بتمسكك بسنته ومجانبتك البدع وأصحابها قال ﷺ : «وددت أنا قد رأينا إخواننا، قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد» (٥٥)
فهؤلاء الغرباء هم إخوان رسول الله ﷺ المتمسكون بسنته عند افتراق الأمة، والمهتدون بهديه في حنادس الظلمة؛ فطوبى لهم وحسن مآب.
٦ - الأمور المنهي عنها بخصوصها
لا يجوز حمل قوله ﷺ : «كل بدعة ضلالة» على المعاصي التي نهى عنها الشارع الحكيم بخصوصها مثل الزنى، السرقة، الربا … الخ، لأن هذا تعطيل لفائدة الحديث، وهو نوع من التحريف والإلحاد، وفيه من المفاسد أشياء:
(أ) سقوط الاعتماد على هذا الحديث، فإن المنهي عنه علم حكمه بذلك التخصيص.
(ب) إن اسم البدعة يكون عديم التأثير.
(ت) ليس كل بدعة جاء نهي عنها خاص، وليس كل ما جاء فيه نهي خاص بدعة، فالتكلم بأحد الاسمين وإرادة الآخر تلبيس وتدليس.
(ث) مساواة البدع بالمعاصي، والحقيقة أن البدع شر من المعاصي،
стр. 31
كما قال سفيان الثوري: «البدعة أحب إلى إبليس من المعصية؛ فإن المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها» (٥٦)
وهذا التفريق جاءت به السنة فالمعاصي مثل ما أخرجه البخاري في صحيحه: أن رجلا يدعى حمارا، وكان يشرب الخمر، وكان يضحك النبي ﷺ ، وكلما أتي به النبي ﷺ جلده الحد فلعنه رجل مرة، وقال لعنه الله، ما أكثر ما يؤتى به إلى النبي ﷺ !
فقال ﷺ : «لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله» أما البدع فمثل ما أخرجه الشيخان أن النبي كان يقسم، فجاءه رجل ناتئ الجبين، كث اللحية، محلوق الرأس، بين عينيه أثر السجود، فاعترض على قسمة الرسول ﷺ ، فقال الرسول ﷺ : «يخرج من ضئضئ هذا قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد».
فهذا الرجل الذي شرب الخمر نهى رسول الله ﷺ عن لعنه وشهد له بصحة الاعتقاد وذلك نص أن المعصية انحراف في العمل والجوارح، أما الرجل الذي اعترض على رسول الله ﷺ مع كثرة صيامه وصلاته حتى أن فيه علامات على كثرة السجود، أمر الرسول بقتل ذريته على كثرة صلاتهم وصيامهم وقراءتهم للقرآن وما هم عليه في العبادة والزهادة، لكنهم مبتدعة وهم من الذين أنكر عليهم عبد الله بن مسعود تحلقهم للذكر في القصة المشهورة
стр. 32
ثم قتلهم الصحابة بقيادة علي بن أبي طالب يوم النهروان، بل إن رسول الله ﷺ قال: «من أحدث فيها أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين». (٥٧)
وهكذا يتضح ويظهر قبح البدع في الإسلام، وأنها أظلم من المعاصي، لأن البدع زيغ في العقيدة، وانحراف في التصور، وفساد في الإيمان بينما المعاصي انحراف في عمل الجوارح.
(جـ) وقصر البدع على الأمور المنهي عنها بخصوصها لا ينطبق على البدع، لأن البدع لا يدل على شرعيتها دليل أصلا، أما المعاصي فدل الدليل على شرعية اجتنابها والبعد عنها؛ فتدبر.
٧ - جمع القرآن، وكتابته في المصحف، والاقتصار على مصحف عثمان.
زعم محسنو البدع أن جمع القرآن، وكتابته في المصحف، والاقتصار على مصحف عثمان ﵁ بدعة في الدين أحدثها الصحابة والتابعون، وهذا عندهم دليل على استحسان البدع.
وقبل أن نفند مقولتهم، ونبين خلال سعيهم لا بد من بسط ما ذكروه بالأمثلة الموثقة والأدلة الصحيحة.
اتفق أصحاب النبي ﷺ على جمع القرآن، أخرج البخاري في مواضع كثيرة من «صحيحه» وغيره: «أن زيد بن ثابت ﵁ قال: أرسل إلي أبو بكر ﵁ مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال
стр. 33
أبو بكر ﵁: إن عمر أتاني فقال إن القتل استحر (٥٨) يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى إن استمر القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، قلت لعمر: كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر، قال زيد: قال أبو بكر، إنك رجل شاب عاقل لانتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، فتتبع القرآن فاجمعه، فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن قلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر ﵄، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب والأخاف وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم﴾ حتى آخر براءة، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر ﵁» وأخرج أيضا عن أنس بن مالك ﵁: «أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن
стр. 34
العاص وعبد الله بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما أنزل بلسانهم، ففعلوا، حتى نسخوا الصحف في المصاحف، ورد عثمان الصحف إلى حفصة، فأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق».
إذا تأملت أيها المنصف أرشدك الله للهدى ما تقدم تبين لك اعتبار أمور:
(١) ملائمة ما فعله الصحابة لمقاصد الشرع بحيث لا تنافي أصلا من أصوله ولا دليلا شرعيا من دلائله، وقول أبي بكر الصديق لعمر الفاروق ﵄: كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ ومثله قول زيد بن ثابت لأبي بكر ﵄ ليس فيه ما يدل على أنهم يعلمون أن فعلهم ينافي الشرع، فإن المانع من جمعه على عهد رسول الله ﷺ لما كان من ترقبه من ورود الناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته، لأن الوحي كان لا يزال ينزل، فيغير الله ما يشاء، ويحكم ما يريد، فلو جمع في مصحف واحد لتعسر أو تعذر تغييره كل وقت، فلما انقضى نزوله بوفاته ﷺ استقرت الشريعة، وأمن الناس من زيادة القرآن ونقصه، وأمنوا من زيادة الإيجاب والتحريم، ألهم الله الخلفاء الراشدين بجمع القرآن ونسخه والاقتصار على مصحف عثمان، والمقتضى للعمل قائم بسنته، وكذلك أوفى الله بموعده الصادق بضمان القرآن وحفظه على هذه الأمة المحمدية زادها الله شرفا، قال تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ (٥٩)، فكان ابتداؤه على يد الصديق بمشاورة الفاروق
стр. 35
﵂، والقرآن كان مكتوبا في الصحف لقوله تعالى: ﴿يتلو صحفا مطهرة﴾ (٦٠)، لكنها كانت مفرقة، ألم تر إلى قول زيد بن ثابت: «فتتبعت القرآن أجمعه من العسف واللخاف وصدور الرجال»
(ب) إن جمع القرآن لم يأت به الصحابة من تلقاء أنفسهم بل هو تحقيق لوعد الله تعالى أيضا بجمعه كما وعد بحفظه: ﴿إن علينا جمعه وقرآنه﴾ (٦١) فإذا جمعنا بين آية سورة الحجر التي وعد الله فيها بحفظ القرآن، وآية سورة القيامة التي وعد الله فيها بجمع القرآن تبين لنا يقينا أصل عظيم قررناه سابقا أن الذي شرع الغاية لم ينس الوسيلة، فكما أن حفظ القرآن غاية شرعها الله كذلك جمعه وسيلة بينها الله، فكان على عهد النبوة مكتوبا في الصحف التي هي العسف واللخاف وكذلك صدور الرجال فلما رأى الصحابة أن القتل استحر بالقراء يوم اليمامة لجأوا إلى الوسائل الأخرى التي كان القرآن مكتوبا فيها فجمعوها وكان ذلك ايذانا من الله بتحقيق جمع القرآن وحفظه.
(ت) إن اتفاق الصحابة وقع على جمع القرآن، وذلك إجماع منهم وهو حجة لا ريب. كيف وهم القوم لا يجتمعون على ضلالة؟
(ث) فعل الصحابة إنما هو فيما عقل والذي لو عرض على العقول تلقته بالقبول، ولا مدخل للأمور التعبدية التي لا يعقل معناها على التفصيل فيه، ومن أجل ذلك قال حذيفة ﵁ الذي أشار على عثمان بنسخ الصحف: «كل عبادة لم يتعبدها أصحاب رسول الله ﷺ فلا تعبدوها فإن الأول لم يدع للآخر مقالا».
стр. 36
(جـ) إن حاصل ما فعله الصحابة وسائل لحفظ أمر ضروري، أو دفع ضرر اختلاف المسلمين في القرآن، والأمر الأول من باب «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب» والأمر الثاني من باب: «درء المفاسد، وسد الذرائع» وهي قواعد أصولية مستنبطة من الكتاب والسنة.
(حـ) إن هذه الوسائل غير مقصودة في ذاتها لكنها تؤدي إلى ما هو مشروع نصا.
(خـ) إن ما فعله الصحابة بجمع القرآن، ونسخه، والاقتصار على مصحف عثمان، وحرب المرتدين، وإخراج أهل الكتاب من جزيرة العرب، واستخلاف أبي بكر لعمر ﵄، وترك الأمور شورى من بعده، وتعريب الدواوين تهم الأمة الإسلامية بأسرها.
إذا تقررت هذه الأمور علم أن البدع مضادة لما فعله الصحابة لأن البدع لا تلاءم مقاصد الشريعة بل تلاءم مصالح مبتدعيها.
وأيضا فإن ما فعله الصحابة معقول المعنى بينما البدع فمجالها التعبديات وإن حدثت في العاديات ففي الجانب التعبدي منها، والتعبديات لا يعقل معناها على وجه التفصيل لذلك لم يكل الشارع الحكيم بيانها إلى الآراء والأهواء فلم يبق إلا الوقوف عند ما حده، والزيادة عليه بدعة كما أن النقصان منه بدعة.
والبدع ليست من باب الوسائل بل مقصودة التعبد بها، وهذا الذي يؤدي إلى زيادة في الشرع ونقصان، وفي ذلك تشديد وتعسير وهذا مضاد لمقاصد الشريعة برفع الحرج واليسر.
стр. 37
وكذلك الأمور المبتدعة لا تهم الأمة بأسرها بل تهم أهواء قوم رأوا فيها تحقيق مصالحهم وشهواتهم، ومن استقرأ واقع المبتدعة على مر العصور علم ذلك واستيقن.
وأمر البدع في قول مختلف على مر العصور وكر الدهور كما قدمنا في موضوع العرف حيث يستحسنها قوم ويردها آخرون، وهذا خلاف ما وقع للصحابة فإنه عن إجماع واتفاق.
وبذلك تعلم أيها المتبع أن تعلق المبتدعة بما فعله الصحابة لا يقيم لهم حجة، ولا يسند لهم قولا، وإنما يزيدهم وهنا على وهن.
٨ - تقسيم البدع الى الأحكام الخمسة.
أجرى بعض العلماء أحكام الشريعة الخمسة على البدع ولم يعدوها قسما واحدا مذموما، فجعلوا منها الواجب والمندوب والمباح والمكروه والحرام، وقد ذهب الى هذا التقسيم القرافي في «الفروق» وأصل مقالته مأخوذة عن شيخه عز الدين بن عبد السلام القائل: «البدعة فعل ما لم يعهد في عصر رسول الله ﷺ وهي منقسمة إلى بدعة واجبة، وبدعة محرمة، وبدعة مندوبة، وبدعة مكروهة، وبدعة مباحة … » (٦٢).
وهذا تقسيم لا يحسن لأمور:
(أ) أنه أمر مخترع لا يدل عليه دليل شرعي بل يريد أن ينقض على نفسه، لأن أصل البدعة أن لا يدل عليها دليل شرعي، فإذا كان هنالك ما
стр. 38
يدل على وجوب أو ندب أو إباحة أو تحريم أو كراهية لما كان ثم بدعة، ولكان الأمر مشروعا حسب دليله.
(ب) الجمع بين الأمور القائمة على أدلة صحيحة والبدع جمع بين متناقضين.
(ت) قول الرسول ﷺ : «كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» دليل على أن كل البدع محرمة تؤدي إلى الضلال والضلال في النار.
(ث) الإثم قدر مشترك بين البدع كلها، فلا يجوز أن نحكم على بدعة بأنها أقل إثما من غيرها، والتفريق في الوصف قائم على الرأي المحض وهو بدعة في نفسه، ويعمل على استصغار البدع ولقد تعلمت سابقا أن صغار البدع يعود حتى يصير كبارا.
(جـ) قسم الواجب في قول ابن عبد السلام يدخل في باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب وقد صرح هو بذلك، ولقد علمت أن هذا الباب يؤدي إلى حفظ ما هو ضروري شرعا، وأنه والبدع لا يستويان.
وأما قسم المندوب فليس من البدع بحال، فبناء القناطر والربط والمدارس وسائل لدفع ضرر أو جلب منفعة عامة للأمة، فالربط تدفع كيد الأعداء وترهبهم، والقناطر تسهل حركة الناس وتنقلاتهم وتحفظ أرواحهم، والمدارس تحقق فريضة طلب العلم، أما صلاة التراويح فسنة فعلها رسول الله ﷺ ، وقد تقدم بيانه في توضيح معنى قول عمر: «نعمت البدعة هذه»، وعلى هذا المنوال يمكن تخريج كل الأمثلة التي أتى بها، وقد أجاد الشاطبي في كتابه «الاعتصام» (١٨٨/ ١ - ٢٢٠) عندما ناقش هذا التقسيم وبين فساده فليراجع فإنه مهم.
стр. 39
٩ - زعم محسنو البدع أن الإمام الشافعي ﵀ يقول بتحسين البدع، وإنما اغتروا بما روي عنه ﵀ بشأن البدع: «المحدثات من الأمور ضربان: ما أحدث يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا، فهذه البدعة ضلالة، وما أحدث من الخير لا خلاف لواحد من هذا، فهذه محدثة غير مذمومة، قد قال عمر في قيام رمضان: نعمت البدعة هذه يعني أنها محدثة لم تكن، وإذا كانت فليس فيها رد لما مضى» (٦٣) وله شاهد آخر بلفظ: «البدعة بدعتان: بدعة محمودة، وبدعة مذمومة فما وافق السنة فهو محمود، وما خالف السنة فهو مذموم، واحتج بقول عمر ﵁ في قيام رمضان: نعمت البدعة» (٦٤).
(أ) وقول الشافعي إن صح لا يصح أن يكون معارضا أو مخصصا لعموم حديث رسول الله ﷺ ، فالشافعي نفسه ﵀ نقل عنه أصحابه أن قول الصحابي إذا انفرد ليس حجة ولا يجب على من بعده تقليده (٦٥)، فكيف يكون قول الشافعي حجة وقول الصحابي ليس بحجة؟!
(ب) الشافعي ﵀ كيف يقول بالبدعة الحسنة وهو صاحب العبارة المشهورة: «من استحسن فقد شرع»، والقائل في «الرسالة».
стр. 40
ص ٥٠٧: «إنما الاستحسان تلذذ» وعقد فصلا في كتابه «الأم» (٧/ ٢٩٣ - ٣٠٤) بعنوان «إبطال الاستحسان» لذلك من أراد أن يفسر كلام الشافعي ﵀ فليفعل ضمن قواعد وأصول الشافعي وهذا يقتضي أن يفهم أصوله، وهذا الأمر مشهود في كل العلوم فمن جهل اصطلاحات أربابها جهل معنى أقاويلهم، وأبعد النجعة في تفسيرها، وهاك مثالا ليتبين قولنا.
(١) «متفق عليه» عند أهل الحديث يعني ما اتفق عليه البخاري ومسلم فأخرجاه، لكنها عند أبي البركات عبد السلام بن تيمية صاحب «منتقى الأخبار» يعني ما أخرجه أحمد والبخاري ومسلم واتفقوا عليه.
(٢) «الشيخان» عند أصحاب التاريخ يعني أبا بكر وعمر ﵄، وعند المحدثين يعني البخاري ومسلم، وعند الشافعية يعني الرافعي والنووي.
(ت) إن محسني البدع يحرفون الكلام عن مقاصده، ويلوون أعناق الألفاظ حتى توافق أهواءهم، فالشافعي مراده يوضحه علم من أعلام المسلمين وهو ابن رجب الحنبلي في كتابه القيم «جامع العلوم والحكم» ص ٢٥٣: «ومراد الشافعي ﵁ ما ذكرنا من قبل أن أصل البدعة المذمومة ما ليس له أصل في الشريعة ترجع إليه وهي البدعة في إطلاق الشرع، وأما البدعة المحمودة فما وافق السنة، يعني: ما كان لها أصل من السنة ترجع إليه، وإنما هي بدعة لغة لا شرعا لموافقتها السنة» اهـ.