تقديم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علي الهادي الأمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه إلى يوم الدين وبعد.
فهذا كتاب جديد للإمام خير الدين الزركلي، نقدمه للقارئ العربي للمرة الأولى بعد ما ظل حبيس الأدراج لسنوات طويلة.
خير الدين بن محمود بن محمد بن علي بن فارس الزرقي (الأزرقي) المعروف فيما بعد بالزركلي (بكسر الزاي والراء) الدمشقي، وأصل نسبه (الزركلي) هو: الزرقلي، نسبة إلى قبيلة كردية زعيمها حسن الأزرقي حاكم ولاية ماردين ولما كانت نسبة الأعلام عند الأتراك في الأسماء هي (لي) فقد عرفت القبيلة بالزرقلية أو الزركلية.
ولد ليلة ٩ من ذي الحجة ١٣١٠ هـ (٢٥ يونية ١٨٩٣ م) في بيروت، وكانت لوالده تجارة فيها، وهو وأمه دمشقيان.
ونشأ بدمشق، فتعلم في إحدى مدارسها الأهلية. وأخذ عن علمائها، على الطريقة القديمة، واتفق أن رأى أحد الصبيان المجاورين لبيته وهو متأبط كتابا صغيرا حسن التجليد، وتبرق ورقته الأولى جدة وحسنا فاندفع إلى سؤاله عنه، وكان مولعا بقراءة القصص كقصة عنترة وبني هلال وأشتات من تلك الأساطير، فلما رأى الكتاب يتأبطه الصغير، وسأله عن اسمه أجابه بكل كبرياء وعجب: هذا كتاب علم .. وبعد جهد بذله الزركلي عرف أنه كتاب (الآجرومية) في النحو فأحدث في نفسه هوى جديدا، فأقبل على دراسة النحو واللغة والأدب، ثم مال إلى التاريخ فقرأ جانبا من تاريخ الإسلام، وقليلا من التاريخ العام واتسع نطاق الميل، فدرس العروض والمعاني والبيان والفقه والتوحيد، وأولع بكتب
стр. 2
الأدب، ونظم الأبيات من الشعر، في صباه، وأدى امتحان «القسم العلمي» في المدرسة الهاشمية. ودرس فيها.
وأصدر مجلة «الأصمعي» أسبوعية، فصادرتها الحكومة العثمانية، لصورة كتبت أنها صورة «الخليفة العربي» المأمون.
وذهب إلى بيروت، فانقطع إلى الكلية العلمانية (لاييك) تلميذا في دراساتها الفرنسية، ثم أستاذا للتاريخ والأدب العربي فيها.
ورجع، في أوائل الحرب العالمية الأولى، إلى دمشق. وأصدر بها، بعد الحرب (١٩١٨) جريدة «لسان العرب» يومية، مع أحد الأصدقاء. وأقفلت؛ فشارك في إصدار «المفيدة» يومية أيضا. وهيأ للطبع مجموعة من شعره أطلق عليها «عبث الشباب» فالتهمتها النار، وأكلت أصولها!
وعلى إثر وقعة «ميسلون»، في صباح اليوم الذي كان الفرنسيون يدخلون به دمشق (١٩٢٠) غادر إلى فلسطين، فمصر، فالحجاز. وصدر حكم الفرنسيين (غيابيا) بإعدامه، وحجز أملاكه.
وفي سنة ١٩٢١ تجنس بالجنسية العربية في الحجاز. وانتدبه الملك حسين ابن علي، لمساعدة ابنه «الأمير عبد الله»، وهو في طريقه إلى شرقي الأردن، فمهد السبيل لدخول عبد الله وإنشاء الحكومة الأولى في عمان. وسمي في تلك الحكومة مفتشا عاما للمعارف، فرئيسا لديوان رئاسة الحكومة.
وفي خلال ذلك أبلغت حكومة «الجمهورية الفرنسية» بيته في دمشق، أنها قررت وقف تنفيذ حكمها عليه، فكانت فرصة له لزيارة دمشق، والعودة منها بعائلته إلى العاصمة الأردنية.
وقصد مصر، فأنشأ «المطبعة العربية» في القاهرة (أواخر ١٩٢٣) وطبع فيها بعض كتبه، ونشر كتبا أخرى.
وثارت سورية على الاحتلال الفرنسي (١٩٢٥)، فأذاع الفرنسيون حكما ثانيا (غيابيا أيضا) بإعدامه!
стр. 3
وساءت صحته في عمله بالمطبعة، فباعها (سنة ١٩٢٧).
واستجم ثلاث سنوات، زار خلالها الحجاز، مدعوا، بعد أن تسلم آل سعود مقاليد الحكم فيه.
وذهب إلى القدس (١٩٣٠) فأصدر، مع زميلين، جريدة «الحياة» يومية.
وعطلتها الحكومة الإنجليزية. فاتفق مع آخرين على إصدار جريدة يومية أخرى في «يافا» وأعد لها مطبعة، وأصدر العدد الأول منها.
وأبلغه صاحب السمو الملكي الأمير فيصل آل سعود، تعيينه (١٩٣٤) مستشارا للوكالة (ثم المفوضية العربية السعودية بمصر؛ فترك الجريدة لمن والى إصدارها، وتحول إلى القاهرة.
ومثل حكومة السعودية، في عدة مؤتمرات دولية. وشارك في مؤتمرات أدبية واجتماعية.
وانتدب (١٩٤٦) لإدارة وزارة الخارجية بجدة. وصدر مرسوم ملكي بأن يتناوب مع صديقه الشيخ يوسف ياسين - وزير الخارجية بالنيابة - العمل في الوزارة وفي جامعة الدول العربية، معا.
وسمي (١٩٥١) وزيرا مفوضا ومندوبا دائما لدى الجامعة، فشعر بالاستقرار بمصر.
وعين (١٩٥٧) سفيرا ومندوبا ممتازا - حسب التعبير الرسمي - في المغرب، حيث آل إليه عمادة السلك السياسي في المغرب، فقام بها مدة ثلاث سنوات.
ومرض سنة (١٩٦٣) ودعي إلى الرياض، فمنح إجازة للراحة والتداوي، غير محدودة. واختار الإقامة في بيروت، فعكف على إنجاز كتاب كان قد بدأ بوضعه في سيرة عاهل الجزيرة الأول «الملك عبد العزيز آل سعود» وهيأه للطبع سنة ١٩٧٠.
وكان المجمع العلمي العربي بدمشق، قد تفضل عام ١٩٣٠) فضمه إلى
стр. 4
أعضائه. وكذلك مجمع اللغة العربية بمصر (١٩٤٦) والمجمع العلمي العراقي في بغداد (سنة ١٩٦٠).
وقام برحلات إلى الخارج أفادته:
الأولى: إلى إنجلترا (١٩٤٦) ومنها إلى فرنسا، ممثلا للحكومة في اجتماعات المؤتمر الطبي الدولي، بباريس.
والثانية: إلى الولايات المتحدة الأمريكية (١٩٤٧) بمهمة رسمية، غير سياسية، أمضى فيها سبعة أشهر بين كاليفورنيا وواشنطن ونيويورك وغيرها.
وحضر في خلالها بعض اجتماعات هيأة الأمم المتحدة.
والثالثة: إلى أثينا العاصمة اليونانية (١٩٤٥) بصفة وزير مفوض ومندوب فوق العادة وجعل طريق عودته منها إلى استانبول لزيارة بعض مكتباتها، وإلى حلب، فبيروت، فالقاهرة.
والرابعة إلى تونس (١٩٥٥) مندوبا لحضور مؤتمر أقامه الحزب الدستوري فيها وعاد منها مارا بإيطاليا، حيث تيسر له في خلال شهرين الطواف في أهم مكتباتها.
أما ما نشر من كتبه، فهو:
١ - ما رأيت وما سمعت. وهو رحلته الأولى من دمشق إلى فلسطين، فمصر، فالحجاز، طبع سنة ١٩٢٣.
٢ - عامان في عمان. من مذكراته عن عامين في مدينة عمان، عاصمة الأردن. طبع الجزء الأول منه سنة ١٩٢٥.
٣ - الجزء الأول من «ديوانه» الشعري. وفيه بعض ما نظم إلى سنة صدوره (١٩٢٥). ثم نشر ديوانه بعد وفاته بتقديم الأستاذ سليم الزركلي.
٤ - الأعلام. الطبعة الأولى في ثلاثة أجزاء (سنة ١٩٢٧).
٥ - الأعلام. الطبعة الثانية، في عشرة مجلدات. ووصل عدد طبعاته نحو عشر طبعات.
стр. 5
٦ - ماجدولين والشاعر. قصة شعرية صغيرة.
٧ - شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز.
أصيب أوائل عام ١٩٧٦، وهو في بيروت، بدوار وغيبوبة، نقل على أثرهما إلى مستشفى الجامعة الأمريكية ببيروت والأحداث فيها ملتهبة، فظل غائبا عن الوعي خمسة أيام متواصلات، وفي اليوم السادس أفاق وكان أول ما طلب فنجانا من القهوة، ثم غاب صوته وأخذ يطلب حاجاته كتابة، حتى أجريت له عدة عمليات، زرعت في إحداها بطارية في جوار قلبه. فأخذ يسترد بعد ذلك عافيته شيئا فشيئا.
ولما أصبح قادرا على المشي نصحه أطباؤه بمغادرة المستشفى.
وفي شهر سبتمبر ١٩٧٦ قدم إلى دمشق فمكث أياما في ضيافة ابن عمه الشاعر سليم الزركلي، ثم قصد مصيف بلودان.
وفي أواخر سبتمبر سافر إلى القاهرة؛ حيث ولده الدكتور غيث وبنتان له.
أدخل بعيد هبوطه القاهرة مستشفى في المعادي، وسرعان ما أخذت صحته في التحسن لكنها عادت فساءت مرة أخرى فنقل إلى مستشفى في الزمالك، وهناك ساءت أكثر وتدهورت سريعا، إلى أن فاضت روحه إلى بارئها في الثالث من ذي الحجة ١٣٩٦ هـ الموافق ٢٥ نوفمبر ١٩٧٦ في إحدى مستشفيات حي الزمالك بمدينة القاهرة.
لقد طوى الموت العلم الذي خلد الأعلام، وهيهات أن تجود بمثله الأيام.
الزركلي شاعرا:
الزركلي شاعر أصيل، تعلق بعمود الشعر العربي، والتزمه، وصاغ من الموشحات على منوال الأندلسيين.
شعره يتصف بمتانة التعبير، ودقة التصوير، وحسن الديباجة وروعة الموسيقا في حب الوطن والحنين إليه وفي وصف جمال الطبيعة وفي تصوير مآسي شعبه
стр. 6
ووصف معاناتهم في ظل الاحتلال وفي رثاء عظماء الأمة ومشهوريها.
وهو واحد من الشعراء الذين أعادوا للشعر العربي روعته وعظمته وجلال هيبته وخلصوه من التكلف والصنعة، الأمر الذي جعل الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الجامع الأزهر يقول عنه: «من أدباء دمشق الشاعر المجيد السيد خير الدين الزركلي .. رأيته ينحو في شعره فلسفة المعري».
وقال عنه دكتور شكري فيصل أن الزركلي «أحيا بشعره أمة»، وقال أيضا: «شعر الزركلي نمط رفيع البيان، ورائع التصوير، ونير الأداء لم يبق من القادرين عليه إلا القلة».
وكان شعره أيقونة الثورة السورية .. فتغنت الآلاف بشعره، وهو يقول:
يا راقدا في الشام … يسقيك غاديها
قد خلت الآجام … من رابض فيها
توالت الآلام … وانقض مزجيها
هل ترجع الأيام … بيضا لياليها؟!
ويضم ديوان الزركلي، والذي طبع بعد موته نحو أربع مئة وثماني قصائد تترواح بين البيت المفرد والأربعين بيتا، أكثره في القضايا الوطنية، وغابت المرأة عن ديوانه (إلا قليلا) .. وقارئ ديوان الزركلي يجد أن أغلب شعره كتب ما بين عامي ١٩١٩، وعام ١٩٣٩ ويجده أنه كتب في أماكن متفرقة كثيرة كدمشق وعمان وبيروت والطائف والقاهرة وجده والقدس …
وقد أرخ الزركلي لبعض قصائده، فقد أرخ لنحو (٣٢٤) قصيدة ولم يؤرخ للباقي .. وقد وجدت بعضا من القصائد التي لم تنشر بالديوان وآمل أن يتيسر لي نشره كاملا مضافا إليه مسرحيته الشعرية المخطوطة «وفاء العرب».
стр. 7
كتابه الأعلام:
لعل هذا الكتاب هو واحد من أشهر كتب التراجم ومن أنفسها، جمع فيه الزركلي نحو خمس عشرة ألف ترجمة من العصر الجاهلي حتى عام ١٣٩٥ هـ (١٩٧٥ م)، وقد أصاب به الرجل شهرة عظيمة وأصبح من خلاله صاحب مدرسة مستقلة في فن التراجم.
صنفه الرجل في نحو خمسين عاما، وكان «الأعلام» شغله الشاغل وعمله فيه مستمرا ما امتدت به الحياة، وود لو استطاع أن يعمل فيه وهو في المستشفى ورهن مبضع الجراح .. وبلغ من حرصه على استمرار «الأعلام» أن رصد مبلغا من المال أودعه البنك العربي باسم المجمع العلمي بدمشق مع وصية بها للمجمع بمتابعة العمل فيه بعد وفاته .. حتى أنه قال: «لو أحرق الأعلام لألقيت بنفسي في البحر أسنا عليه» كما ذكر زكريا زعيتر.
الأعلام .. صنعه الزركلي كلمة كلمة وتعهده بالعناية والتوسعة وسد الثغرات ويسهر الليل ويلحق به النهار بين أكوام الفهارس ومجموعة المصورات إلى أن استوى على سوقه.
طريقته في ترتيب التراجم أن يرتبها ترتيب المعجم، فآمنة قبل إبراهيم لوجود ألفين في بدء (آمنة)، وأحمد قبل إدريس … غير أنه لم يعتمد سوى الأول والثاني، فكل (محمد علي) عنده في نسق واحد، ولكنه يرتب بينهم بحسب الوفاة معتمدا على التاريخ الهجري.
وعندما يذكر العلم يذكره بشهرته أو لقبه في بابه من حروف المعجم، ثم يحيل على الاسم الذي تجيء الترجمة تحته، ففى البحث عن (الطبري) يأتي به في حرف (ط/ ب/ ر) وهو ترتيبه بحسب الشهرة، ثم يحيل إلى الترجمة في موضوعها فيكتب (=) ويعني انظر: محمد بن جرير ٣١٠ هـ والرقم الذي يلي الاسم هو تاريخ الوفاة بالهجري.
وتبدأ الترجمة بشهرة المترجم عنوانا لها، محددا تاريخ الولادة والوفاة
стр. 8
بالهجري وما يقابلها بالتاريخ الميلادي، ثم يذكر الاسم كاملا ويثبت لقبه وكنيته ونسبته من الأعم إلى الأخص (الأنصاري الخزرجي) مثلا، ثم يذكر المدينة التي ينسب إليها صاحب الترجمة والفرقة التي ينتمي إليها، ثم حرفته، ثم نشأته وتعلمه والمجال الذي تخصص فيه وأهم الأعمال التي تولاها ويبين منزلته، ثم أهم مؤلفاته، ويحيل إلى المصادر والمراجع موضحا الخلافات بين المصادر ومصححا لبعض أوهام القدامى ومشيرا إلى المطبوع منها والمخطوط.
الأعلام الصغرى:
لهذا الكتاب قصة طريفة .. فقد تلقيت دعوة كريمة من ابنته السيدة (حياة الزركلي) وقد اصطحبني في تلك الدعوة الأستاذ مصطفى موسى المحقق التراثي المعروف، ولأننا لا نعرف الطريق إليها فكان لزاما علينا أن يصحبنا إليها ابنها المهندس محمود عبد العاطي وكان موعد لقائنا مغرب الخميس ٢٦/ ١١/ ٢٠١٣ م، بالقرب من ميدان الدقي لننطلق لمقابلة السيدة الفاضلة .. ولكن الطريف أن المهندس ليس خبيرا بدروب القاهرة وشوارعها الأمر الذي جعله يصطحب حرمه المصون السيدة صافيناز الجمال فهي الخبيرة بتلك الدروب .. وبالفعل كان لقاؤنا على الموعد .. انطلقت السيارة تطوي الأرض طيا في طريقها للمعادي يصطحبنا في المسير نيل مصر العظيم .. وعندما وصلنا كانت السيدة «حياة» في استقبالنا بحفاوة بالغة هي سيدة طويلة ممشوقة القوام .. نحيلة الجسم .. بيضاء .. عليها آثار السنين من خلال بعض تجاعيد الزمن .. تحتفظ بذاكرتها عن والدها وأخباره وأحبابه وحياته .. وقصت علينا قصصا عن كتبه ورحلاته وحبه للعلم .. ثم قدمت لنا حقيبة سوداء كبيرة مملوءة بالأوراق والملفات تولى أ/ مصطفى موسى مهمة فتح الأوراق وتقديمها لنا .. فتجد - مثلا - مخطوطا لمسرحية شعرية ومخطوطا لمقال لم ينشر .. وصورة دراسة مقدمة الدورية ما، وصور لشهادات تقدير مقدمة من المملكة المغربية … . وفي مظروف أبيض صغير كانت تلك المفاجأة - مخطوط كامل بخط صغير
-
стр. 9
وجميل ومقروء، على صفحته الأولى أشار الزركلي أنه كتاب لم يكتب له مقدمة ولم يختر له اسما، ولم يكمله، ويظن أنه كتبه عام ١٩٢٨!!
أخذتنا الأوراق الكثيرة للنظر فيها ومعرفة ما يصلح للنشر وما يمكننا تقديمه .. بينما أخذت حرم المهندس محمود عبد العاطي جانبا ومعها المخطوط الصغير .. تقرأ فيه باهتمام بالغ - فهي متخصصة في التاريخ والآثار ولأن الزركلي لم يختر له اسما .. فكانت دعابتها أنه (الكتاب الأمور)، وتتعالى - ضحكاتنا لهذه التسمية الطريفة …
أخذت «المخطوط» وبعض أوراقه، وودعنا السيدة «حياة» لتكون رحلة العودة .. لم أنم في تلك الليلة بضيفي الجديد في غرفتي .. كتاب جديد .. لم يذكره كل من كتب عن الزركلي .. بل لم يذكره الرجل عندما ترجم لنفسه .. مبكرا استيقظت صباح الجمعة لأقرأ في تلك الدرة النادرة .. ولأول مرة أعرف قلة صبري .. فلم احتمل ليوم الأحد فأمسكت بهاتفي واتصلت بالأستاذ الدكتور أحمد مجاهد رئيس مجلس إدارة الهيئة وأخبرته بالموضوع والذي رحب بنشره وأحسست أنه يشاطرني فرحتي بهذا الكتاب النادر والمجهول .. مر يوم الجمعة ببطء ثم تلاه السبت ببطء أشد، ويوم الأحد مبكرا ذهبت إلى الهيئة ويبدأ نقاشنا حول كيفية الطبع .. هل نكتبه على الكمبيوتر أم نصوره بخط الرجل ليكون تحفة فريدة .. وبعد التجارب والنقاشات العديدة من فريق عمل متكامل استقر الرأي على كتابته بالكمبيوتر، ثم نصوره وليكون الكتاب بصورتيه الجديدة والمخطوطة في غلاف واحد، وأرسلنا الكتاب لقسم «الإسكانر» لتصويره على الكمبيوتر .. ولعمري إنني انظر إليه بعد تسليمه لهم تماما كرضيع حرم من صدر أمه لتوه!!
خصصت موظفا خاصا لهذا الكتاب ليأتيني بأخباره يوميا .. لا عمل له إلا مراعاته والحفاظ عليه وطمأنتي عليه من وقت إلى آخر ويعود به آمنا إلى ليستقر .. يوميا .. بأحضاني.!!
أخيرا هذا كتاب أطلقت عليه «تراجم الأوائل والخلفاء - الأعلام الصغرى»
стр. 10
تيمنا بكتاب «الأعلام»، ذلك الكتاب، الذي ملأ الدنيا وشغل الناس وخلد ذكرهم.
والكتاب صغير الحجم لا يتعدى المائتين من الصفحات، وهو أيضا في مجال التراجم، ولكن أي تراجم التي أفرد لها الزركلي كتابه الصغير؟!
يبدأ الكتاب بترجمة ليست وجيزة للنبي ﷺ اسمه وحياته وزواجه وغزواته وبعض أقواله … ثم ينتقل إلى تراجم «بيت النبوة» أجداده بدءا من عدنان وحتى عبد الله بن عبد المطلب مرورا بمضر وكعب بن لؤي وقصي وعبد مناف وهاشم بن عبد مناف وعبد المطلب … ثم ينتقل الزركلي مترجما لأسرة بني هاشم وفيها ترجمة أبي طالب وحمزة والعباس والحسن بن علي والإمام الحسين ثم ترجمة الأئمة الاثنى عشرية، وتضم ترجمة زين العابدين بن علي والإمام الباقر ثم جعفر الصادق وموسى الكاظم ثم علي الرضى … ثم ينتهي بالإمام المهدي، ثم ينتقل الزركلي مترجما لملوك الجاهلية بدءا من حموربي وقحطان ويعرب وسبأ وحمير وتبع وعمرو بن لحي وحذيمة الوضاح وكليب … .. فإذا ما انتهى إلى قيس بن زهير. فيبدأ بابا جديدا - في تراجمه لتكون تراجم الخلفاء الراشدين بأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ثم يبدأ بتراجم الخلفاء بني أمية، فإذا ما انتهى منهم فتكون تراجم الخلفاء العباسيين، ومنها إلى خلفاء المسلمين في الأندلس. المتأمل بين تراجمه في كتابنا وردت - بعضها - مفصلة وقد يروي بعضا من سيرته وأشعاره ولذا قد تمتد الترجمة لصفحة أو اثنتين وقد تزيد أحيانا، وقد تقصر فتصل لثلث الصفحة.
وعلى هذا فإن هذه التراجم - بمادتها - غير موجودة بكتاب الأعلام وإن ورد أصحاب التراجم بالأعلام.
وإذا كان كتاب «الأعلام» ضم نحو خمس عشرة ألف ترجمة، وأورد صورا لبعض من ترجم لهم كما أورد خطوطا لبعض منهم ممن تيسر له في العهود القريبة. فإن كتابنا هذا ضم ما يقرب من مائة وخمسين ترجمة.
стр. 11
وإذا كان الزركلي في كتابه «الأعلام»، بدأ مبوبا ومرتبا الأعلام حسب الترتيب الألفبائي .. فإن ترتيبه هنا في الأعلام الصغرى ترتيبا زمنيا عدا ترجمة النبي ﷺ التي تصدرت الكتاب.
وإذا كان الزركلي لم يختر له اسما ولم يكتب له مقدمة كما نص بخطه .. فكان حريا بنا أن نكتب له مقدمة نعرف فيها بالزركلي وكتابه هذا ومنهجه ومصادره والفرق بينه وبين كتابه الكبير «الأعلام»، ثم كان لزاما علينا أن نعطيه - أي الكتاب - عنوانا، ولذا كان العنوان الأقرب إلينا وإلى روح الزركلي «تراجم الأوائل والخلفاء - الأعلام الصغرى».
يبدأ الزركلي ترجمته باسم الشهرة للمترجم أو اسمه الحقيقي إذا كان المترجم له مشهور به .. فنجد تراجم - مثلا - بالأسماء الحقيقية وعبد مناف، ولهاشم ابن عبد مناف، وعبد المطلب بن هاشم وعبد الله بن عبد المطلب، والحسن ابن علي، والحسين بن علي … . وقد تجد ترجمة بأسماء الشهرة دون الاسم الحقيقي، فنجد ترجمة لجذيمة الوضاح، وتبع، حتى ما وصلنا للعباسيين فتجد تراجم أبو العباس السفاح، والراضي بالله، والمقتدر بالله … ثم ينتقل الزركلي بعد الاسم المترجم له بذكر سنة الميلاد وكذا سنة الوفاة على أرجح الأقوال.
ثم تبدأ الترجمة ولكن يلاحظ أن تراجمه في صدر الكتاب (بيت النبوة والأئمة الاثنى عشرية والملوك والأمراء، والخلفاء الراشدين)، كان الزركلي يبدأ الترجمة مباشرة، باسم المترجم له وميلاده ونشأته … . ولكن مع خلفاء بني أمية وبني العباس والأندلسيين كان حريصا أن يصدر الترجمة بعدة سطور عن شخصية المترجم له، يدرك القارئ منها أهمية تلك الشخصية وقوتها أو ضعفها .. انظر - مثلا - ترجمة (سليمان عبد الملك) يقول: «لم يكن صاحب هذه الترجمة من أولئك الرجال الذين حالفهم التوفيق فشادوا وسادوا، ولكنه قصرت مدته، وحاول القيام بعمل عظيم فلم يفلح، وكان الناس قد استبشروا بتوليه بعد أخيه … ... ».
стр. 12
كما كان الرجل حريصا على ذكر خاتمة للترجمة يضمنها مدة تولية الخلافة بالسنين والشهور وأحيانا الأيام، وذكر عدد أولاده ومكان دفنه.
- حرص الزركلي أن يذكر مصادره في كتابه - على الرغم من تصريحه المباشر على أنه سيذكرهم بقائمة في نهاية الكتاب، ولكنه لم يفعل - وقد أحصيت عدد المصادر التي ذكرها في ثنايا التراجم فتعدت السنين مصدرا، ما بين مصادر تختص بالتاريخ العربي والإسلامي في الشرق كتاريخ الشام لابن عساكر، وتاريخ بغداد والمعارف لابن قتيبة، والأغاني للأصفهاني، وبين كتب تضم التاريخ المغربي والأندلسي كنفح الطيب للمقري، والبيان المغرب لابن عذارى المراكشي أو المعجب في تلخيص أخبار المغرب، كما اعتمد على كتب تاريخيه عامة كالكامل في التاريخ لابن الأثير وتاريخ الطبري، وتاريخ ابن الوردي .. كما اعتمد على كتب الأنساب ككتاب .. «سبائك الذهب» للقلقشندي، وكذا نجد كتب التراجم، فتجد وفيات الأعيان لابن خلكان، وشذرات الذهب لابن العماد، وتاريخ النحاة للسيوطي .. لم يتوقف الزركلي على الكتب العربية فتعداها إلى كتب مترجمة ككتاب «السياسة الإسلامية» لماربين، وتاريخ الجاهلية لدى برسفال كما اعتمد على العديد من الدوريات كمجلة لغة العرب، ومجلة الشرق.
- وكما كان الرجل حريصا على ذكر المصادر والمراجع .. كان - أيضا - حريصا على ذكر خلافات المؤرخين، ولكنه عند الخلاف يتجاذب الزركلي جانبان ..
الأول منهما .. أنه يذكر الخلاف فقط كما في ترجمة (الحسين بن علي)، قال: وبعد قتال عنيف نشب بين الفريقين، أصيب الحسين بجراح شديدة، فسقط عن فرسه، فقتلوه، قيل قاتله سنان بن أنس النخعي، وقيل: الشمر بن ذي الجوشن، وأرسل رأسه ونساؤه وذراريه إلى يزيد … . واختلفوا في الموضع الذي دفن رأس الحسين فيه، فقائل في الشام، وقائل بل دفن مع الجثة في كربلاء وقائل غير ذلك فقد ذكر الزركلي الخلاف ولم يبد رأيا فيه.
стр. 13
والثاني: نرى الزركلي يدخل طرفا في الخلافات ويرجح رأيا أو يصوب تاريخا أو موقفا كما في ترجمة (علي الرضى) فيقول: « … وفي سبائك الذهب للقلقشندي أن وفاته كانت سنة ٢٣٠ هـ والصحيح ما ذكرته [٢٠٣ هـ] واعتمده ابن خلكان وأكثر المؤرخين».
والزركلي لم ينقل فقط، ولكنه حاضر في كتابه له آراؤه، ففي ترجمة (جعفر الصادق) يقول: «والشيعة تذكر أن لجعفر كتابا يدعونه (الجفر) ذكر فيه كل ما يحتاجون إلى علمه إلى يوم القيامة. وهذا الوصف باطل» .. كما أنه لم يقر للفيلسوف الألماني ماربين في كتابه «السياسة الإسلامية» بشأن الحسين (انظر: ترجمة الحسين بن علي) ولذلك نرى للزركلي آراء كثيرة، فله رأي في البدع والأوهام والخرافات (انظر: ترجمة علي الخالص) ورأي عن أهل السنة والشيعة (انظر: ترجمة: المعتصم بالله).
كما نجد له رأيا أدبيا ونقديا، ففي ترجمة (سليمان بن الحكم الأندلسي) وقد أورد أبياتا شعرية ثم قال: «وهذه القصيدة إنما نظمها المستعين معارضا الأبيات التي عملها العباس بن الأحنف على لسان هارون الرشيد، وأورد منها أبياتا ثم قال .. وهذه القطعة أرشق وأعذب … ».
- والكتاب على الرغم من صغر حجمه فإنه يضم الكثير من اللقطات، فتجد لقطات لغوية (ترجمة حمير/ تبع/ الضيزن السليحي/ الناصر)، ففي ترجمة حمير - مثلا - يتعرض للغة اليمن التي تختلف عن لغة العرب الحجازيين، فيتكلم عن (الوتم) وهو إبدال السين تاء فيقول: النات بدلا من الناس، وكذلك عن (الشنشنة) وهي إبدال الكاف شيئا، وإبدال لام التعريف ميما، وقد ورد أن رسول الله ﷺ تكلم بتلك اللغة، حيث قال: «ليس من امبر امصيام في امسفر»، ويقصد: «ليس من البر الصيام في السفر … » إلخ.
كما نراه يعدد أسماء الأصنام عند العرب، وما تعبده القبائل منها (ترجمة عمرو بن لحي).
- اعتمد الزركلي على بعض كتب ليست لدينا تلك النسخ التي اعتمد عليها
стр. 14
ففي (ترجمة علي الهادي) أورد أبياتا شعرية، وذكر أن الأبيات أكثر من ذلك في كتاب «الكنز المدفون» ولكن بالرجوع للكنز المدفون لم نر الأبيات على ما ذكره الزركلي، وعلى هذا فقد اعتمد الرجل على نسخة للكنز ليست بين أيدينا الآن .. وفي هذا السياق ذكر الزركلي كتابا له تحت عنوان «الصيب المنثال في شرح أرجوزة الأمثال»، كما أشار إليه في ترجمة (كليب) وأسأل الله أن نعثر عليه في قابل الأيام، ليعد إضافة حقيقية لتراث الرجل الأدبي والثقافي.
- في ثنايا بعض الترجمات ينوه الرجل إلى أن هناك تراجم للشعراء والقواد وغيرهم، ففي ترجمة (كليب) - مثلا - أشار إلى أنه سيترجم للمهلهل في (ديوان الشعراء)، وكذلك في ترجمة (عمرو بن هند) ذكر أنه سيترجم لعبيد بن الأبرص … إلخ مما يؤكد أن الرجل بدأ كتابه بطموحات كبيرة وآمال عريضة ثم عدل عنها، وهو ما أشار إليه في نهاية الكتاب، وربما وجد في كتابه «الأعلام» غنى عن هذه التراجم فتوقف عند هذا الحد.
- وأخيرا إليك عزيزي القارئ، هذا الكتاب الصغير حجما، الكبير مقاما، الكثير علما فهو بحق موسوعة أدبية جامعة به الأنساب والشعر، والحكم والتاريخ، والمعارك والفتوحات، والأقوال والنوادر …
وبعد .. فهذه نسخة خطية واحدة .. اجتهدت لضبطها ما استطعت ولم أتدخل في النص إلا نادرا وقد وضعته بين معقوفتين [] لنبين للقارئ أن ما بينهما ليس للزركلي. فإن باءت اجتهاداتي بالفلاح فمن الله وحده، وإن كانت الأخرى فمني التقصير وللقارئ، الاعتذار، والله أسأل التوفيق والسداد، إنه نعم المولى ونعم النصير، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
د. محمد علوان سالمان
القاهرة في مساء الإثنين
١٢ من ربيع الأول ١٤٣٥ هـ
١٣ من يناير ٢٠١٤ م
стр. 15
«لم أضع لهذا الكتاب اسما، ولا مقدمة، ولا أكملته .. وأظني كتبته حوالي سنة ١٩٢٨ م أيام وضعت «معجم ما ليس في المعاجم» لقصاصات الصحف».
خير الدين
стр. 16
بيت النبوة
إيضاح
تحت لواء عنوان «بيت النبوة»؛ كل من انعقد نسبه بنسب النبي القرشي (عليه أفضل الصلاة والتسليم)؛ ممن تقدمه من عهد عدنان، أو من تأخر عنه إلى هذا الزمان، وذلك أمر يطول على مثل هذا المصنف، وأحر به أن يكون في تأليف ينفرد له، أما ما عولت على الاكتفاء به في هذا الباب فهو أنني سأفتتحه بذكر خلاصة ترجمة الرسول الأعظم، ثم ألحقها بأخبار أشهر رجال نسبه الشريف، ثم بالكلام على أنبه أعمامه ذكرا وأرفعهم قدرا وأختمه بالسبطين الأكملين (رضوان الله عليهما)، وبقية الأئمة الاثنى عشر وأما أشباههم [ … ] (١) الفضيلتين: الارتباط بالنسب النبوي الأغر، والنبوغ؛ كالعلم والرياسة والشجاعة وأمثالها: مما أفردت لكل منه فصلا أشبعت الكلام فيه على ما أردت الإتيان عليه، فيلتمسهم طالب الوقوف على أخبارهم وآثارهم في مظانهم من فصول الكتاب.
الله أسأل تسديد خطاي إلى واضح السبيل
стр. 17
محمد رسول (الله)
ولد سنة ٥٧١ م - ٥٣ ق. هـ
وهاجر سنة ٦٢٢ م - ١ هـ، وتوفي سنة [١١ هـ]
بينما العرب في ليلة ليلاء، من جاهلية عمياء، يأكل قويهم ضعيفهم، ويفضل غويهم شريفهم، وأنصاب الفتنة منصوبة، سيوف مسلولة، وأرواح مبذولة، ولا رادع، ولا حكم ولا مسيطر، وهم إلى الفناء أقرب منهم إلى [ … ] (١)، بعيدون عن فضائل العلم والمدنية، لا هم لهم إلا القتال والنزال، على كثرة ما فيهم من ذوي العقول الرجيحة، والألسنة الفصيحة، وما في أخلاقهم من الألفة، والنجدة، والإباء، والغيرة، وما في أجسامهم من القوة والمتانة والصلابة، وما في عشائرهم من التضامن والتراص، لولا إحن وأحقاد، تتوارثها الأحفاد، عن الآباء، عن الأجداد؛ رأت في قلوبهم مكانا خاليا فتحكمت، فشغلتهم عن مجاراة غيرهم من [ … ] (٢) الفرس والروم في حلبة الحضارة والعمران، والعلم والعرفان [ … ] (٣)، أراد الله بهم الخير؛ فأرسل لهم من أنفسهم هاديا حكيما مرشدا، ضم كلمتهم ووحد جمعهم، وأمات كامن أضغانهم، وأسس فيهم بنيانا لا يتهدم، وأودع في أدمغتهم نورا لا تطفئه العصور والدهور، ذلك هو: النبي الأعظم: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة ابن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، وإلى هنا ينتهي نسبه الشريف وما وراء ذلك فالخلاف فيه كثير. ولد ﷺ بمكة، ومات أبوه بعد مولده بشهور، فكفله جده عبد المطلب، وماتت أمه آمنة بنت وهب وعمره ست
стр. 18
سنوات، ثم مات جده وله من العمر ثمانية أعوام، فأتم تربيته عمه أبو طالب، فنشأ معروفا بالشجاعة والهمة والأمانة والصدق والأخلاق الفاضلة والعقل وقوة الإدراك، ولقبه قومه بالأمين.
ولما بلغ الخامسة والعشرين زوجه عمه بخديجة بنت خويلد القرشية الأسدية، وكانت قد أرسلته بتجارة إلى الشام فأفلح وربح، وفي العام الأربعين من مولده بعثه الله إلى الناس مبشرا ونذيرا؛ فجعل يدعوهم ويرشدهم خفية مدة ثلاث سنين، ثم أعلن الدعوة وكان قد آمن به جماعة من أهله وذوي قرباه، فهزأت به قريش وآذته، فصبر، وأقام بمكة مدة مات في أثنائها عمه وأكبر عاصم له من أعدائه أبو طالب بن عبد المطلب، وأسلم في أواخرها عمه حمزة بن عبد المطلب نجدة لابن أخيه ونصرة له، وأسلم عمر بن الخطاب، وكثر عدد نصرائه وفيهم ابن عمه علي بن أبي طالب، ومولاه زيد بن حارثة، وصديقه أبو بكر، وصاحبه عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله. فرأى النبي ﷺ أن يأذن لمن ليس له عشيرة تحميه من شر قريش بالهجرة إلى أرض الحبشة، فهاجر جماعة من أصحابه، ثم أسلم ستة من الأوس والخزرج من سكان المدينة، وذهبوا إليها فنشروا الإسلام في أبنائها، فجاءه منها اثنا عشر من الأنصار فآمنوا به فبعث معهم مصعب ابن عمير بن هاشم بن عبد مناف ليعلمهم شرائع الإسلام والقرآن، فلم يمض غير قليل حتى لم تبق دار في المدينة من دور الأنصار إلا وبها مسلمون إلا دار بني أمية بن زيد. ثم ذهب إلى مكة جماعة منهم فعرضوا على النبي وأصحابه الهجرة إليهم والإقامة في يثرب وهي المدينة المنورة، وعاهدوه على أن يدافعوا عنه، فاستوثق منهم، وأمر أصحابه بالخروج من مكة ثم لحقهم، وبلغ قريشا خبر رحلته فقصدوه ليقتلوه فحماه الله منهم، ودخل المدينة مهاجرا بعد إقامته بمكة ثلاثة عشر عاما.
стр. 19
ومن سنة دخوله المدينة يبتدئ التاريخ الهجري. وكانت الدعوة الإسلامية لا تخرج عن حد الدليل والبرهان، ولكنه لما اطمأن في المدينة وعلم أن أعداءه غير تاركيه بل لابد لهم من قصده ومحاولة إيذائه، رأى أن السيف لا يدفعه إلا السيف؛ فأمر المسلمين بإعداد القوة ومحاربة خصومهم وبغاة الشر بهم. فحدثت مناوشات يسيرة ثم عظم أمرها.
فلما كانت السنة الثانية من الهجرة في شهر رمضان كانت غزوة بدر الكبرى. وفي هذه السنة كانت غزوة بني قينقاع، والكذر والسويق. وفي السنة الثالثة كانت غزوة أحد، وغزوة حمراء الأسد، وفي الرابعة غزوة الرجيع، وغزوة ذات الرقاع، وغزوة بدر الثانية. وفي السنة الخامسة كانت غزوة الخندق، وغزوة بني قريظة، وفي السادسة غزوة بني لحيان، وغزوة ذي قرد، وغزوة بني المصطلق، وفيها بعث رسول الله الرسل إلى كسرى وقيصر والنجاشي وغيرهم من عظماء الملوك كالمقوقس بمصر، والحارث الغساني بالشام. وفي السنة السابعة من هجرته كانت غزوة خيبر. وفي الثامنة غزوة ذات السلاسل، وغزوة مؤتة، وفيها فتح المسلمون مكة المكرمة، وكانت غزوة هوازن بحنين. وفي التاسعة غزوة تبوك، وغزوة طيئ … وكل هذه الغزوات كانت حروبا بين المسلمين وعرب الحجاز، وأكثرها تم به النصر للمسلمين، حتى ارتفع شأنهم، وطأطأت لهم العرب رؤوسها؛ فدخلوا في الدين أفواجا، وأرسلت القبائل وفود الطاعة.
ولم يتوفه الله إلا بعد أن فتحت له بلاد الحجاز واليمن وجميع جزيرة العرب وما داني ذلك من الشام والعراق، وحبي له من أخماسها وصدقاتها وجزيتها ما لا يجبى للملوك إلا بعضه، وهاداه جماعة من ملوك الأقاليم فلم يستأثر بشيء مما ورد عليه ولا أمسك منه درهما بل صرفه على مصارفه وأغنى به غيره وقوى به المسلمين.
وكان ﷺ شجاعا مقداما، خطيبا، أوتي جوامع الكلم، متصفا بصفات
стр. 20
الكمال، قال أنس بن مالك: كان رسول الله ﷺ : أشجع الناس وأسمح الناس، وأحسن الناس، وقع في المدينة فزع فركب فرسا عريا، فسبق الناس إليه وهو يقول: أيها الناس لم تراعوا لم تراعوا.
وقال علي بن أبي طالب ﵁: كنا إذا اشتد البأس اتقينا برسول الله ﷺ ؛ فكان أقربنا إلى العدو.
ودونت كلماته من بعده. قال ﷺ : «أوتيت جوامع الكلم واختصر لي الكلام اختصارا».
وهذه نبذة من أقواله في الاجتماع والسياسة والأخلاق:
- «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان».
- «أحب الجهاد إلى الله: كلمة حق تقال لإمام جائر».
- «أحبب حبيبك هونا ما، عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وابغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما».
- «اطلبوا الحوائج بعزة الأنفس؛ فإن الأمور تجري بالمقادير».
- «أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك».
- «ألا أدلكم على أشدكم؟ أملككم لنفسه عند الغضب».
- «الاقتصاد نصف العيش، وحسن الخلق نصف الدين».
- «الجنة تحت أقدام الأمهات».
- «الجنة تحت ظلال السيوف».
- «الحزم سوء الظن».
- «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده».
- «خير الناس أنفعهم للناس».
стр. 21
- «دعوا الحسناء العاقر، وتزوجوا السوداء الولود، فإني أكاثر بكم الأمم يوم القيامة».
- «الرمي خير ما لهوتم به».
- «زر غبا تزدد حبا».
- «الصبر عند الصدمة الأولى».
- «عرامة الصبي في صغره زيادة في عقله في كبره».
- «ليس المؤمن بالذي يشبع وجاره جائع إلى جنبه».
- «من استعمل رجلا من عصابة وفيهم من هو أرضى الله منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين».
- «من مشى مع ظالم ليعينه وهو يعلم أنه ظالم فقد خرج من الإسلام».
- «المستشار مؤتمن فإذا استشير فليشر بما هو صانع لنفسه».
ومما أثبته رجال الحديث وثقاة الرواة من نعوته وأوصافه ( ﷺ -):
كان إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته، واشتد غضبه كأنه منذر جيش.
وكان إذا خطب في الحرب خطب على قوس وإذا خطب في الجمعة خطب على عصا.
كان طويل الصمت قليل الضحك، وإذا تكلم تبسم.
كان يجلس على الأرض ويأكل على الأرض ويجيب دعوة المملوك على خبز الشعير.
كان يخيط ثوبه ويخصف نعله ويجالس المساكين.
كان إذا مشى لم يلتفت، وإذا التفت التفت جميعا، يتكفأ في مشيه كأنما ينحط من صبب (١).
стр. 22
كان إذا ضحك وضع يده على فيه.
كان إذا اهتم أكثر من مس لحيته.
كان إذا أراد غزوة ورى بغيرها، وهو القائل: الحرب خدعة.
كان أشد حياء من العذراء في خدرها.
كان ضخم الرأس واليدين والقدمين، ليس بالطويل ولا القصير، سبط الشعر.
كان فيه دعابة قليلة، وإذا مزح غض بصره.
كان في كلامه ترتيل و ترسل
كان لونه أسمر، وخلقته تامة، عيناه سوداوان، وفي خديه حمرة.
كان متواضعا في غير مذلة.
كان يأخذ المسك فيمسح به رأسه ولحيته.
كان يرسل شعره إلى أنصاف أذنيه.
كان يلبس قلنسوة بيضاء.
وكتب الحديث مفعمة بدرر ألفاظه مشحونة بمحاسن أوصافه، وأما معجزاته فحسبنا منها المعجزة الخالدة التي هي القرآن الكريم المبكم بفصاحته بلغاء الجاهلية المحير بأحكامه حكماء الناس أجمعين، وهو الذي أجمع عقلاء الأسم كافة على أنه أفضل الكتب السماوية وأجدرها بالبقاء وأصلحها للبشر وأنفعها للناس، وكان رسول الله ﷺ كثير الزوجات، قال ابن الكلبي النسابة: تزوج النبي خمس عشرة امرأة، دخل بثلاث عشرة منهن، وجمع بين إحدى عشرة، وتوفي وعنده تسع نسوة، وولد له سبعة أولاد: ثلاثة ذكور، وأربع بنات. فأما الذكور؛ فالقاسم - وبه كان يكنى -، وعبد الله، وإبراهيم، وكلهم ماتوا صغارا لم يتجاوز أحدهم السنتين. وأما البنات فزينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة. وكلهن عشن حتى كبرن وتزوجن، ولم يكن لرسول الله ﷺ نسل
стр. 23
إلا من ابنته فاطمة، تزوجها ابن عمه علي بن أبي طالب، فولدت له الحسن والحسين، وإليهما نسبة كل منتسب إلى النبي المصطفى (صلوات الله عليه)، وولد لها ولد ثالث سمته محسنا، مات صغيرا، وكان لرسول الله كتاب يستعين بهم؛ لأنه لم يتعلم الكتابة، منهم: عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وزيد ابن ثابت، ومعاوية بن أبي سفيان، وكان له سيافون يضربون الأعناق بين يديه، وحراس اتخذهم حتى نزل قوله تعالى: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ (المائدة: ٦٧)، فتركهم، ومؤذنون، ورسل، وشعراء، وخطباء، وخدم، وخيل، وبغال، وابل، وحماران، وسلاح كثير من سيوف ودروع وقسي ورماح وحراب وخوذة ومجن. وفي آخر سنة من حياته الشريفة حج حجة الوداع وخطب فيها فأبان للناس ما لهم وما عليهم وهي من أطول خطبه وأكثر من استيعابا لأمور الدين والدنيا. وفي المدينة المنورة بدأ به ألم في آخر صفر، وحم واشتد به الصداع فتوفي يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول. وفي مثل هذا اليوم كان مولده، فدفن في مرقده الشريف في المدينة المنورة، بعد أن أسس للناس مدينة أشرقت شمسها اليوم في جميع أقطار الأرض ودينا يعتنقه نيف ومئتا مليون من البشر، صلى الله تعالى عليه وسلم تسليما كثيرا.
* * *
стр. 24
عدنان
كان في نحو سنة ١١٠٠ قبل الهجرة
كان النبي ﷺ إذا انتسب فبلغ عدنان يمسك ويقول: كذب النسابون. فلا يتجاوزه، وإجماع المؤرخين ورجال الأنساب على أن عدنان من أبناء إسماعيل ابن إبراهيم ﵉، والذي اعتمده القلقشندي في نسبته إلى إسماعيل أن عدنان ابن أد بن أدد الهميسع بن سلامان بن نبت بن حمل بن قيدار بن إسماعيل ﵇، وإسماعيل يبتدئ به القسم الثالث من أقسام العرب في جاهليتهم، وذلك أن المؤرخين يسمون الجيل الأول من أجيال العرب «العرب العاربة» وهم الذين انقطعت أخبارهم وبادت آثارهم، وربما سموهم العرب البائدة، ومنهم قبائل عاد وثمود وطسم وجديس وجرهم الأولى. والجيل الثاني يبتدئ بقحطان وسموه «العرب المتعربة» يذهبون إلى أن قحطان وابنه يعرب أخذا العربية عمن تقدمهم وسيأتي الكلام على قحطان وبنيه. والجيل الثالث «العرب المستعربة» ويبدأ بإسماعيل ﵇ وسموهم مستعربين لأن إسماعيل لم يكن عربيا، وإنما هاجر ومعه أمه هاجر من الشام إلى الحجاز، وكان الحجاز وتهامة حينئذ مقر العمالقة، فأصابت سكان اليمن مجاعة نشأت عن قحط أصاب بلادهم فأقبلوا مهاجرين نحو تهامة يطلبون الماء والمرعى، فاجتمع بهم إسماعيل وأمه فأقبلا معهم، واحتلوا أسفل مكة، ثم حاربوا العمالقة سكان الحجاز فأهلكوا أكثرهم، وأقام اليمانيون المهاجرون في ربوع الحجاز وتهامة وفيهم بقية من جرهم الثانية (وهم من العرب المتعربة) فنشأ إسماعيل فيهم وتعلم منهم اللغة العربية، وكان يتكلم بالعبرانية، وزوجوه من بناتهم فخرج فيهم نسله وكان من أحفاده عدنان المترجم وإليه ينسب الجم الغفير من عرب الحجاز: وذلك أنه ولد له معد وولد لمعد نزار، ومن نزار ربيعة ومضر: وهذان هما اللذان كثرت بطونهما.
стр. 25
فكان من ربيعة قبائل كثيرة لها شهرة وذكر في تاريخ العرب إذ كانوا يناصون مضر في الشرف والرفعة، ومنهم كان أكثر الخوارج في الإسلام، ومنهم بنو أسد وبنو عبد القيس، وعنزة وبكر وتغلب ووائل والأراقم والدول وغيرهم مما بسطه علماء الأنساب - انظر أنساب العرب للقلقشندي.
وتشعبت قبائل مضر إلى شعبتين قيس بن عيلان بن مضر، وبطون إلياس ابن مضر. فمن بني قيس بن عيلان بنو غطفان، وبنو سليم بن منصور، ومن غطفان بغيض بن ريث، وعبس وذبيان ابنا بغيض، وما يتفرع منهما، ومن سليم ابن منصور بن بهتة وبنو هوازن.
وإما إلياس: فكان من بنيه تميم بن مر، وهذيل بن مدركة، وبنو أسد ابن خزيمة وبطون كنانة بن خزيمة، ومن كنانة قريش وهم أولاد فهر ابن مالك ابن النضر بن كنانة.
وانقسمت قريش، فكان منها جمح وسهم ابنا هصيص بن كعب، وعدي بن كعب، ومخزوم بن يقظة بن مرة، وتيم بن مرة، وزهرة بن كلاب، وعبد الدار ابن قصي، وأسد بن عبد العزي بن قصي، وعبد مناف بن قصي، وكان من عبد مناف أربع فصائل: عبد شمس، ونوفل، والمطلب، وهاشم. وبيت هاشم هو الذي كان منه سيدنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم. ومنه العباسيون أولاد عباس بن عبد المطلب. ومن بني عبد شمس بن عبد مناف بنو أمية الخلفاء.
هذه خلاصة موجزة عن بعض بطون عدنان وقبائلها الذين انتشروا في أنحاء الحجاز وتهامة ونجد والعراق، ثم اليمن، ونحن وإن أطلنا في إيرادها، ولكن البحث يضطرنا إلى ذكر أكثر مما ذكرنا. والله بخليقته أعلم.
стр. 26
مضر
مات في نحو سنة ٩٥٠ قبل الهجرة
مضر بن نزار بن معد بن عدنان: أحد سادات قريش، وبنوه كما في العبر: أهل الكثرة والغلبة بالحجاز من سائر بني عدنان. ولهم الرياسة بمكة والحرم. ومضر: أول من سن الحداء للإبل، وكان من أحسن الناس صوتا، وهو صاحب المثل السائر «بصبصن، إذ حدين بالأذناب»، قاله وكان في سفر فوقع فرضت يده فجعل يصيح من ألمه يا يداه! يا يداه! فأتته الإبل القريبة منه وكانت ترعى فلما صلح وركب حدا، فأعجبه ما رأى من الإبل فقال: بصبصن … إلخ، فذهبت مثلا. ومات بمكة.
كعب بن لؤي
مات في نحو سنة ٣٠٠ - ٤٠٠ قبل الهجرة
أبو هصيص كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر: قرشي من كبار سادات العرب في الجاهلية وله أعمال مشهورة وذكر في تاريخ الجاهليين معروف. قال القلقشندي: كان كعب عظيم القدر عند العرب فلما مات أرخوا بموته إلى عام الفيل (وهو عام مولد النبي ﷺ )، ثم أرخوا بالفيل إلى أن ظهر الإسلام؛ فكانوا يؤرخون بالوقائع العظيمة إلى أن قر رأي عمر بن الخطاب ﵁ على اتخاذ هجرة الرسول الأعظم تأريخا للمسلمين … وهو أي كعب أول من سن الاجتماع في الجمعة، وكانت العرب تسميه يوم العروبة. كانت قريش تجتمع إليه في هذا اليوم فيخطبهم ويعظهم، وقيل: كان يذكر لهم أنه سيكون من ولده نبي يبعثه الله. وهو الذي سمى يوم العروبة بيوم الجمعة. وقال ابن الأثير المؤرخ: كان كعب يخطب الناس أيام الحج. فهو من الخطباء الأمراء. وهو الأب الثامن للنبي الهاشمي المختار، وكانت إقامته بمكة وفيها مات.
стр. 27
قصي
مات في نحو سنة ٢٠٠ قبل الهجرة
أبو المغيرة قصي، واسمه زيد، بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي: كان سيد قريش ورئيسهم والمشار إليه منهم. مات أبوه وهو طفل صغير. فتزوج [ت] أمه، فاطمة بنت سعد، رجل من بني عذرة يدعى ربيعة بن حرام، وسار بها الشام فأخذت قصيا معها، فشب في حجر ربيعة، وسمي قصيا لبعده عن دار قومه، فكان قصي ينتمي إلى ربيعة إلى أن كبر فكان بينه وبين رجل من قضاعة شيء فعيره القضاعي بانتسابه لغير أبيه، فعاد إلى أمه فسألها فأخبرته، فلما كان الشهر الحرام خرج مع الحاج حتى قدم مكة فتعرف إلى قومه من قريش فعرفوه؛ فأقام بينهم وكثر ماله، وكان موصوفا بالدهاء والعقل ومعرفة الطرق الموصلة إلى السيادة والرياسة، فعظم شرفه، وولي الكعبة، ثم كانت له مع القبائل حروب ووقائع رفعت ذكره واضطرته أن يجمع قومه إلى مكة من الشعاب والأودية والجبال فسموه مجمعا. وملكوه عليهم فكان أول قرشي من ولد كعب بن لؤي أصاب ملكا أطاعه به قومه. وقسم مكة أرباعا و منازل بين قومه فبنوا بها المساكن، وكان إليه الحجابة والسقاية والرفادة والندوة واللواء فحاز شرف قريش كله. قال في كامل التواريخ: وتيمنت قريش بأمره ورأيه فكانت لا تعقد نكاحا إلا في داره ولا يتشاورون في أمر ينزل بهم إلا في داره، ولا يعقدون لواء للحرب إلا في داره يعقده بعض ولده، وكان أمره في قومه كالدين المتبع في حياته وبعد مماته.
وحفر بمكة بئرا سماها العجول وهي أول بئر حفرتها قريش بمكة، ولما كبر وبلغ سن الهرم جلس في دار الندوة، وهي دار في مكة كانت قريش تجتمع بها في قضاء أمورها، وجمع بنيه وكانوا قد شبوا وسادوا فرأى أكبرهم سنا أضعفهم شأنا، وهو ولده عبد الدار، فأشفق عليه فقال له: والله لألحقنك بهم، فأعطاه
стр. 28
رئاسة دار الندوة، وحجابة الكعبة، واللواء - فكان يعقد لقريش ألويتهم في الحروب - والسقاية - فكان يسقي الحاج، والرفادة وهي سنة سنها قصي في قريش، وذلك أنهم كانوا يأتونه في كل موسم بشيء من أموالهم يصنع منه طعاما للحاج يأكله الفقراء.
قال ابن الأثير في كلامه على الرفادة وكان قصي قد قال لقومه إنكم جيران الله وأهل بيته، وإن الحاج ضيف الله وزوار بيته وهم أحق الضيف بالكرامة فاجعلوا لهم طعاما وشرابا أيام الحج ففعلوا فكانوا يخرجون من أموالهم فيصنع به الطعام أيام منى. قال وجرى الأمر على ذلك في الجاهلية والإسلام إلى الآن فهو الطعام الذي يصنعه الخلفاء كل عام بمنى.
ثم مات قصي بمكة فخلفه بالسيادة أبناؤه ودفن بالحجون فكانوا يزورون قبره ويعظمونه، وهو الأب الخامس من آباء النبي ﷺ وفي جمعه القبائل يقول الشاعر:
أبوكم قصي كان يدعى مجمعا … به جمع الله القبائل من فهر
عبد مناف
مات في نحو سنة ١٣٥ قبل الهجرة
عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة سيد من سادات الجاهلية كانت له الشوكة في قريش، ساد في أيام أبيه قصي وترأس بعد أبيه، وعبد مناف لقب له، وإنما اسمه المغيرة، ويكنى أيضا أبا عبد شمس، وكان يقال له القمر لجماله، وكانت أمه حين ولدته دفعته إلى مناف، وهو صنم بمكة تدينا فغلب عليه عبد مناف. وكان دون أبيه السالف ذكره بالحكمة والتدبير، فلم يحدث جديدا في قومه بعده، وانقادت له قريش لمكانة أبيه عندهم ولشدة تعلقهم به وحبهم له ولبنيه.
стр. 29
قال الجوهري: والنسبة إلى عبد مناف منافي. قال: والقياس عبدي، عدلوا عنه لإزالة اللبس.
وهو الأب الرابع لرسول الله ﷺ ، وفي آله يقول الشاعر:
قل للذي طلب السماحة والندى … هلا مررت بآل عبد مناف
الرائشون وليس يوجد رائش … والقائلون هلم للأضياف
هاشم بن عبد مناف
ولد سنة ١٠٢ ومات سنة ١٢٧ قبل الهجرة
هاشم بن عبد مناف بن قصي: أحد من انتهت إليهم سيادة قريش في الجاهلية، اسمه عمرو وكنيته أبو نضلة، ولقب هاشما لأنه أول من هشم الثريد لقومه بمكة، وذلك أنه كان أحد الأجواد الذين ضرب بهم المثل في الكرم والسخاء وللشعراء فيه قصائد وأبيات مأثورة.
واتفق أنه أصاب الناس محل فخرج هاشم إلى الشام فاشترى دقيقا وكعكا و قدم به مكة في الموسم فهشم الخبز والكعك ونحر الجزر وجعله ثريدا وأطعم الناس حتى أشبع الجياع فسمي هاشما. قال الشاعر:
عمرو العلا هشم الثريد لقومه … ورجال مكة مستون عجاف
وكان هاشم قد بلغ السيادة وهو صغير فعرف شأنه في حياة أبيه عبد مناف، ولما مات أبوه تولى سقاية الحاج ورفادته (وهي إطعام الفقراء من الحجاج كما قدمنا)، فحسده ابن أخ له اسمه أمية بن عبد شمس (وهو جد بني أمية ملوك
стр. 30
الشام) فتكلف أن يقلده في كرمه فعجز وظهر عليه أنه يصنع فوق طبعه فشمتت به ناس من قريش فغضب ودعا هاشما للمنافرة فكره هاشم ذلك لسنه وقدره، فألحت عليه قريش حتى رضي فتنافرا إلى كاهن من بني خزاعة بعسفان واتفقا على أن ينحر المفضول خمسين ناقة بمكة يطعمها الناس ويرحل عن مكة عشر سنين، فانصرفا إلى الكاهن فقال: «والقمر الباهر، والكوكب الزاهر، والغمام الماطر، وما بالجو من طائر، وما اهتدى بعلم مسافر، من منجد وغائر، لقد سبق هاشم أمية إلى المفاخر». فقضي بتفضيل هاشم وأخذ هاشم الإبل فنحرها وأطعمها وغاب أمية عن مكة بالشام عشر سنين؛ فكانت هذه أول عداوة وقعت بين هاشم وأمية، ثم توارثها بنوهما.
وبينما كان هاشم في سفر إلى الشام مرض فتحول إلى غزة فمات بها وهو في عصر الشباب لم يتجاوز سنه خمسا وعشرين، وكان موصوفا بالجمال وكرم الخلال، وهو جد أبي القاسم محمد ﷺ ، وفي هاشم يقول الشاعر:
عمرو العلا ذو الندى من لا يسابقه … مر السحاب ولا ريح تجاريه
جفانه كالجوابي للوفود إذا … لبوابمكة ناداهم مناديه
أو أمحلوا أخصبوا منها وقد ملئت … قوتا للحاضر منهم وباديه
عبد المطلب بن هاشم
ولد سنة ١٢٧ ومات سنة ٤٥ قبل الهجرة
أبو الحارث شيبة الحمد بن هاشم بن عبد مناف: أحد عظماء قريش وسيد من كبار سادات العرب، اسمه شيبة الحمد، قيل: لأنه ولد وفي رأسه شيبة فسموه بها، وغلب عليه لقبه عبد المطلب، وذلك أن أباه هاشما سافر في تجارة إلى الشام فمر بالمدينة فنزل على عمرو بن لبيد الخزرجي من بني النجار فرأى
стр. 31
ابنته سلمى فأعجبته فتزوجها ولما عاد من سفره أخذها معه إلى مكة، ثم أراد السفر إلى الشام فأخذها إلى المدينة على أن يعيدها عند رجوعه وكانت حبلى، فلما بلغ غزة مات بها (كما تقدم في ترجمته)، وولدت سلمى غلاما شيبة (أو شيبة الحمد) فنشأ في المدينة، وبعد نحو سبع سنين مر بالمدينة رجل من بني الحارث؛ فإذا غلمان ينتضلون (يتبارون في رمي السهام) وشيبة بينهم كلما أصاب قال: أنا ابن هاشم، أنا ابن سيد البطحاء، فقال له الحارثي: من أنت؟ قال: أنا ابن هاشم بن عبد مناف، فلما أتى الحارثي مكة أخبر المطلب بن عبد مناف (أخا هاشم) بما رأى وما سمع، فسر المطلب وركب وارتحل إلى المدينة فرأى غلمانا يضربون كرة فعرف ابن أخيه فأخذه واستأذن أمه وأركبه على عجز الناقة حتى قدم مكة ضحوة والناس في مجالسهم فسألوه: من هذا وراءك؟ وكانت بزته غير حسنة فخجل أن ينسبه لهم فقال: عبد لي، ثم ألبسه حلة تليق به وأخرجه للناس فحدثهم بخبره؛ فكان بعضهم إذا ذكروه قالوا: عبد المطلب فغلب عليه، ثم شب بينهم فكانت له السقاية والرفادة، ولاحت عليه أمارات السيادة والإمارة وكان عاقلا ذا أناة ونجدة وخبرة فأحبه قومه؛ فرفعوا من شأنه وطال عمره، وحفر بئر زمزم، وهي البئر التي احتفرها إسماعيل بن إبراهيم ﵉ ودفنتها جرهم، فأعادها وظهر ماؤها. وكان فصيح اللسان حاضر الجنان، وفد بجماعة من قريش على ملك اليمن سيف بن ذي يزن الحميري حين أدرك ملك آبائه، يهنئونه بالنيابة عن أهل الحجاز، فلما دخلوا عليه، استأذنه عبد المطلب في الكلام، فقال: إن كنت ممن يتكلم بين يدي الملوك أذنا، فقال عبد المطلب: «إن الله قد أحلك أيها الملك محلا رفيعا، صعبا منيعا، باذخا شامخا، وأنبتك منبتا طابت أرومته، وعزت جرثومته، وثبت أصله، وبسق فرعه، في أكرم معدن، وأطيب موطن، فأنت أبيت اللعن رأس العرب، وربيعها الذي به تخصبه، وملكها الذي له تنقاد، وعمودها الذي عليه العماد، ومعقلها الذي إليه يلجأ
стр. 32
العباد، فسلفك خير سلف، وأنت لنا بعدهم خير خلف، فلن يهلك من أنت خلفه، ولم يحمل من أنت سلفه، نحن أيها الملك أهل حرم الله وذمته وسدنة بيته أشخصنا إليك من أنهجك لكشف الكرب الذي فدحنا، فنحن وفد التهنئة، لا وفد المرزئة، لا زلت ناعم البال، مهنا في كل حال».
فقال سيف الملك: من أنت أيها المتكلم؟ قال: أنا عبد المطلب ابن هاشم، قال: ابن أختنا؟ قال: نعم، فأقبل عليه من بين القوم وقال: «مرحبا وأهلا ومناحا سهلا، وناقة ورحلا، وملكا [ … ] (١)، يعطى عطاء جزلا، قد سمعت مقالتكم وعرفت قرابتكم، أهل الشرف والنباهة ولكم الكرامة ما أقمتم والحباء إذا طعنتم»، ثم أمر بهم إلى دار الضيافة فأقاموا شهرا لا يؤذن في مقابلته ولا في الانصراف، ثم دعا بعبد المطلب فأخبره أن كتبهم السماوية تبشر بنبي يظهر من ذريته، وأمره أن يكتم ذلك، وأجزل له العطايا وأكرم من جاء معه، وأذن لهم فعادوا.
وكان عبد المطلب إذا دخل شهر رمضان صعد حراء فتحنث (أي تعبد)، وأطعم المساكين جميع الشهر، وهو أول من خضب بالسواد من العرب. مات وعمره ٨٢ سنة - كما في عيون التواريخ - وفي الكامل أنه عاش ١٢٠ سنة، وفي سبائك الذهب ١٤٠ سنة، وخلف اثني عشر ولدا وهم: عبد الله، وأبو طالب، والزبير، وعبد الكعبة، والعباس، وضرار، وحمزة، والمقوم، وأبو لهب، وقثم، والغيداق، والحارث. وبعض الناسبين يعدهم عشرة، يهمل عبد الكعبة وقثم ويزيد ست بنات، وأنا ذاكر فيما يلي تراجم أشهر هؤلاء، وفي كتب السيرة النبوية أن رسول الله كان إذا انتخى في الحرب يقول:
«أنا النبي لا كذب … أنا ابن عبد المطلب!»
стр. 33
عبد الله بن عبد المطلب
ولد سنة ١٨ ومات سنة ٣٥ قبل الهجرة
أبو قثم عبد الله الذبيح بن عبد المطلب بن هاشم: والد رسول الله ﷺ ، ولد في مكة ونشأ بها، وهو أصغر ولد عبد المطلب وأقصرهم عمرا، وكان عبد المطلب أبوه قد نذر: لئن ولد له عشرة أبناء وشبوا في حياته وكانوا أعوانا له على أعدائه لينحرن أحدهم عند الكعبة الله تعالى! فما زال يلد له حتى بلغ أبناؤه عشرة أشداء، فذهب بهم إلى هبل وهو أكبر أصنام الكعبة فضربت القداح (يفعلون ذلك كالقرعة) فخرجت على عبد الله .. وهو أحب بنيه إليه وأصغرهم، وكان عبد المطلب واقفا يدعو؛ فلما خرج القدح على عبد الله انبرى إليه فأخذه وذهب به إلى أساف ونائلة (وهما صنمان كانوا إذا أرادوا ذبح شيء نحروه عندهما)؛ فقامت قريش من أنديتها فمنعوه من ذبحه، فأصر، فقالوا: هلم فانطلق إلى كاهنة الحجر فسلها؛ فإن أمرتك بذبحه فافعل، فذهب معهم إليها وهي بخيبر، فقص عليها عبد المطلب خبره، فقالت: ارجعوا اليوم حتى يأتيني تابعي فأسأله، فرجعوا عنها، ولما أصبحوا غدوا إليها، فقالت: نعم قد جاءني الخبر، فكم الدية عندكم؟ قالوا: عشر من الإبل، قالت: ارجعوا إلى بلادكم فقربوا عشرا من الإبل واضربوا عليها وعلى عبد الله بالقداح؛ فإن خرج على صاحبكم فزيدوا عشرا حتى يرضى ربكم، وإن خرجت على الإبل فانحروها فقد رضي ربكم ونجا صاحبكم، فخرجوا حتى أتوا مكة؛ فاجتمعوا ثم قربوا عبد الله وعشرا من الإبل؛ فخرجت القداح على عبد الله فزادوا عشرا فخرجت عليه فما برحوا يزيدون عشرا وتخرج القداح عليه حتى بلغت الإبل مئة، ثم ضربوا فخرجت القداح على الإبل، فقال من حضر: قد رضي ربك يا عبد المطلب، فقال عبد المطلب: لا والله! حتى أضرب ثلاث مرات، فضربوا ثلاثا، فخرجت القداح على الإبل،
стр. 34
فنحرت، وتركت لا يصد عنها إنسان ولا سبع، وانصرف عبد المطلب بابنه فرحا به، فزوجه بآمنة بنت وهب (أم رسول الله ﷺ )، ثم أرسله إلى المدينة يمتار لهم تمرا، فمرض بالمدينة، ومات بها ودفن في دار النابغة الجعدي الشاعر.
وبعضهم يقول: إنه سافر إلى الشام في تجارة فلما عاد نزل في المدينة وهو مريض فتوفي بها، وله من العمر ثمان وعشرون سنة، وكانت وفاته قبل ولادة سيد الخلق وهادي الهداة محمد بن عبد الله ﵊، وجل هذه الترجمة ملخص عن المجلد الثاني من الكامل لابن الأثير.
أبو طالب بن عبد المطلب
ولد سنة ٨٥ وتوفي سنة ٣ قبل الهجرة
أبو طالب واسمه عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم: والد علي بطل الإسلام، وعم النبي الأمين وناصره، وكافله ومربيه، وهو من أبطال بني هاشم والمطاعين منهم.
قال رسول الله ﷺ : ما نالت قريش مني شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب. وذلك أنه لما أعلن الدعوة ثارت عليه بنو قريش وأرادوا قتله، فانتصر له عمه أبو طالب، فصدهم عن أذيته، فلما مات أخرجوه فاضطر إلى الهجرة بمن معه كما قدمنا في الترجمة الأولى.
وكان أبو طالب خطيبا عاقلا حسن الروية طاهر القلب أبي النفس، وعرض عليه ابن أخيه الإيمان بدينه فوعده بنصرته وحمايته، ولكنه امتنع عن قبول الإسلام خوفا من أن تعيره العرب وتعيبه، فنزلت آية ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ (القصص: ٥٦)، فتركه واكتفى منه بصد أعدائه عنه، وأورد الفاضل السهيلي في كتابه الروض الأنف نقلا عن هشام بن السائب الكلبي خطبة قالها
стр. 35
أبو طالب حين حضرته الوفاة، واجتمعت عليه وجوه قريش نذكرها عنه قال:
«يا بني قريش! إنكم صفوة الله من خلقه، وقلب العرب، وفيكم السيد المطاع، والمتقدم الشجاع، والواسع الباع، لم تتركوا للعرب في المآثر نصيبا إلا أحرزتموه، ولا شرفا إلا أدركتموه، فلكم على الناس بذلك الفضيلة، ولهم به إليكم الوسيلة، والناس لكم حرب، وعلى حربكم ألب، وإني أوصيكم بتعظيم هذه البنية؛ فإن فيها مرضاة للرب، وقواما للمعاش، وثباتا للوطأة، صلوا أرحامكم ولا تقطعوها؛ فإن في صلة الرحم منسأة في الأجل، وزيادة في العدد، واتركوا البغي والعقوق؛ ففيهما هلكت القرون قبلكم، وأجيبوا الداعي وأعطوا السائل؛ فإن فيهما شرف الحياة والممات، وعليكم بصدق الحديث وأداء الأمانة؛ فإن فيهما محبة في الخاص ومكرمة في العام، وأنا أوصيكم بمحمد خيرا؛ فإنه الأمين في قريش، والصديق في العرب، وهو جامع لكل ما أوصيكم به، وقد جاء بأمر: قبله الجنان وأنكره اللسان مخافة الشنان، وأيم الله كأني أنظر إلى صعاليك العرب وأهل البر في الأطراف والمستضعفين من الناس: قد أجابوا دعوته وصدقوا كلمته وعظموا أمره فخاض بهم غمرات فصارت رؤساء قريش وصناديدها أذنابا، ودورها خرابا، وضعفاؤها أربابا، وإذا أعظمهم عليه أحوجهم إليه وأبعدهم منه أحظاهم عنده، قد محضته العرب ودادها، وأصغت له فؤادها وأعظمته قيادها، دونكم يا معاشر قريش ابن أبيكم، كونوا له ولاة ولحزبه حماة ووالله لا يسلك أحد منكم سبيله إلا رشد، ولا يأخذ أحد بهديه إلا سعد، ولو كان لنفسي مدة ولأجلي تأخير لكفيت عنه الهزاهز، ولدفعت عنه الدواهي».
ومن خطبه ما ذكره الإمام المبرد قال: خطب أبو طالب لرسول الله ﷺ في تزويجه خديجة بنت خويلد فقال: «الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم، وزرع إسماعيل، وجعل لنا بلدا حراما، وبيتا محجوجا، وجعلنا الحكام على الناس، ثم إن محمد بن عبد الله ابن أخي: من لا يوازن به فتى من قريش إلا رجح
стр. 36
عليه برا وفضلا وكرما وعقلا ومجدا ونبلا، وإن كان في المال قل فإنما المال ظل زائل وعارية مسترجعة، وله في خديجة بنت خويلد رغبة ولها فيه مثل ذلك، وما أحببتم من الصداق فعلي».
قال المبرد: وهذه الخطبة من أقصر خطب الجاهلية.
وكان أبو طالب صاحب تجارة كباقي قريش، ومولده في موطنه مكة وبها نشأ وفيها مات ودفن، وأعقب أربعة واثنتين، وهم: علي، وجعفر، وعقيل، وطالب، والاثنتان هما: أم هانئ واسمها فاختة، وجمانة، وأمهم فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف.
حمزة بن عبد المطلب
ولد سنة ٥٤ قبل الهجرة وتوفي سنة ٣ للهجرة
أبو عمارة حمزة بن عبد المطلب بن هاشم: عم رسول الله ﷺ ، وأحد صناديد قريش وسراتهم وسادتهم في الجاهلية والإسلام، ولد بمكة ونشأ بها، قال صاحب أسد الغابة: كان أعز قريش وأشدها شكيمة، وأول أخباره في الإسلام أن أبا جهل المخزومي القرشي (عدو النبي ومن أشد أعدائه عليه) تعرض لرسول الله فشتمه وأهانه، ورسول الله صامت لم يجبه، وكان حمزة غائبا في الصيد؛ فلما عاد أخبر بما صنع أبو جهل، فقصده، فرآه في الكعبة فضربه بقوس كانت في يده فشج رأسه شجة منكرة، وقال: أتشتمه وأنا على دينه أقول ما يقول؟ فاردد علي إن استطعت، فحدثت ضجة عظيمة وقامت رجال بني مخزوم على حمزة؛ فمنعهم أبو جهل وخاف اتساع الفتنة؛ فقالوا: ما نراك يا حمزة إلا قد صبأت، فقال حمزة: وما يمنعني؟ فقالت العرب: اليوم عز محمد، وإن حمزة سيمنعه، فكفوا عن بعض إساءاتهم إلى المسلمين، وثبت حمزة على إسلامه، وكان ذلك قبل موت أبي طالب، ثم هاجر حمزة مع النبي ﷺ إلى المدينة وحضر وقعة بدر وغيرها وأبدى من البسالة ما هو معروف عنه.
стр. 37
قال المدائني: أول لواء عقده رسول الله ﷺ كان لحمزة بن عبد المطلب، وكان حمزة يعرف في الحرب بريشة نعامة يضعها في صدره، ولما كان في وقعة بدر قاتل بسيفين، فقال أمية بن خلف، وهو أسير في يد المسلمين: من الرجل المعلم بريشة؟ فقيل له: حمزة، فقال: ذاك فعل بنا الأفاعيل!
وقتل (﵁) في وقعة أحد بعد أن قتل أحدا وثلاثين نفسا، ثم عثر فوقع على ظهره، فرآه أحد العبيد فأدركه وضربه بحربة ذهبت بروحه، وأخذه المشركون فمثلوا به وبشهداء المسلمين، فلما رآه النبي ﷺ صعق وبكى، ثم قال: «رحمك الله أي عم؛ فلقد كنت وصولا للرحم فعولا للخيرات».
وأخذه المسلمون فدفنوه في المدينة. قال ابن حزم وغيره من رجال التحقيق: إنه انقرض عقبه، فلا يثبت انتساب بعض الأسر إليه (رضوان الله عليه).
العباس بن عبد المطلب
ولد سنة ١٥ قبل الهجرة وتوفي سنة ٢٣ هجرية
قال رسول الله ﷺ : «هذا العباس بن عبد المطلب: أجود قريش كفا وأوصلها؛ هذا بقية آبائي».
كان العباس أحد عظماء قريش رئيسا في الجاهلية عظيما في الإسلام؛ وصولا لأرحام قريش محسنا إليهم ذا رأي سديد وعقل غزير؛ مولعا بإعتاق العبيد، كارها للرق.
قال صاحب أسد الغابة: اشترى العباس سبعين عبدا وأعتقهم جميعا، وكانت له سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام (وهي أن لا يدع أحدا يسب أحدا في المسجد ولا يقول فيه هجرا).
ولد بمكة بعد مولد رسول بسنتين، وأسلم قبل الهجرة وكتم إسلامه، وأقام
стр. 38
بمكة يكتب إلى رسول الله ﷺ أخبار المشركين، وبعد الهجرة أراد أن يرحل إلى المدينة مهاجرا فقال له النبي ﷺ : مقامك بمكة خير، ثم هاجر بعد زمن وشهد، ووقعة حنين فثبت مع رسول الله لما انهزم الناس، وشهد فتح مكة أيضا، وكان طويلا جميلا أبيض بضا له ضفيرتان، وعاش نيفا وثمانين عاما، أصيب في آخر عمره بمرض في عينيه فعميتا، وهو أبو الخلفاء العباسيين يتصل نسبهم به، وكان جليل القدر رفيع الجانب.
قال الصفدي في نكت الهميان: ولم يمر (أي العباس) بعمر ولا بعثمان وهما راكبان إلا ترجلا: إجلالا له، وبارك الله في نسله.
قال الجهشياري في كتاب الوزراء: أحصي ولد العباس في سنة مئتين فبلغوا ثلاثة وثلاثين ألفا (٣٣٠٠٠).
وتوفي (﵁) بالمدينة ودفن في البقيع، وله عشرة أولاد ذكور، سوى الإناث، منهم حبر الإسلام عبد الله بن عباس.
الحسن بن علي
ولد سنة ٣ وتوفي سنة ٥٠ هـ.
أبو محمد الحسن بن علي بن أبي طالب: خامس الخلفاء (الآتي ذكرهم) وآخرهم، أمه السيدة فاطمة بنت رسول الله ﷺ وهو أكبر أولادها وأولهم، ولد في المدينة المنورة ونشأ بها، وكان عاقلا حليما وقورا محبا للخير حسن الخلق والخلق، لما استشهد أبوه علي (وستأتي في ترجمته) عمد أهل العراق إليه فبايعوه على الخلافة سنة ٤٠ هـ، وأشاروا عليه بالمسير إلى الشام لمحاربة معاوية بن أبي سفيان، فأطاعهم وزحف بمن معه، [وعرف] خبره معاوية فسار من الشام إليه، فلما تقارب الجيشان في موضع يقال له مسكن بناحية من الأنبار، علم الحسن أن هاتين الطائفتين لا تغلب إحداهما الأخرى، إلا بفناء عدد عظيم منها، فعظم عليه
стр. 39
الأمر، وهاله نشوب القتال بين المسلمين؛ فمال إلى السلم، وكتب إلى معاوية يتنازل له عن الخلافة لقاء شروط يشترطها، فسر معاوية وصالحه وخلع الحسن نفسه وسلم الأمر إلى معاوية في بيت المقدس تورعا وحسما للشر، وسمي عام ذلك وهو سنة ١٤ هـ عام الجماعة لاجتماع كلمة الإسلام فيه واتفاقهما على حقن الدماء بعد تلك الحروب والفتن بين علي ومعاوية، ثم قصد معاوية الكوفة ورحل الحسن إلى المدينة؛ فأقام بها حتى توفي مسموما في قول بعضهم. ودفن بالبقيع عليه الرحمة والرضوان، ومدة خلافته ستة أشهر وخمسة أيام، وولد له أحد عشر ابنا وبنت واحدة. هذا ما يتعلق بسيرته.
وأما فصاحته وبداهته فكان معاوية يوصي حاشيته باجتناب محاورة رجلين هما: الحسن وعبد الله بن عباس؛ لقوة بداهتهما.
قال البيهقي: قدم الحسن على معاوية وعنده عمرو بن العاص ومروان بن الحكم والمغيرة بن شعبة وصناديد قومه ووجوه اليمن والشام، فأجلسه معاوية على سريره إكراما له فحسده مروان فقال: يا حسن، لولا حلم أمير المؤمنين ما أقعدك هذا المقعد ولقتلتك وأنت له مستوجب بقودك الجماهير فلما أحسست بنا وعلمت أن لا طاقة لك بفرسان أهل الشام وصناديد بني أمية أذعنت بالطاعة وبعثت تطلب الأمان، أما والله لولا ذلك لأريق دمك ولعلمت أنا نعطي السيوف حقها عند الوغى، فاحمد الله إذا ابتلاك بمعاوية فعفا عنك بحلمه، ثم صنع بك ما ترى .. فنظر إليه الحسن. وقال: ويحك يا مروان! لقد تقلدت مقاليد العار في الحروب عند مشاهدتها والمخاذلة عند مخالطتها، نحن! هبلتك الهوابل، لنا الحجج البوالغ والنعم السوابغ تفخر ببني أمية وتزعم أنهم صبر في الحروب أسد عند اللقاء؟ ثكلتك أمك! أولئك البهاليل السادة، والحماة الذادة، والكرام القادة، بنو عبد المطلب. أما والله لقد رأيتهم وجميع من في هذا البيت ما هالتهم الأهوال ولم يحيدوا عن الأبطال كالليوث الضارية الباسلة الحنقة فعندها وليت
стр. 40
هاربا وأخذت أسيرا فقلدت قومك العار، أيراق دمي زعمت؟ أفلا أرقت دم من وثب على عثمان في الدار فذبحه كما يذبح الجمل، وأنت تثغو ثغاء النعجة وتنادي بالويل والثبور كالأمة اللكعاء، ألا دفعت عنه بيد أو ناضلت عند بسهم؟ لقد ارتعدت فرائصك وغشي بصرك فاستغثت بي كما يستغيث العبد بربه فأنجيتك من القتل ومنعتك منه، ثم تحت معاوية على قتلي؟ ألا ولو رام ذلك معك لذبح كما ذبح ابن عفان! .. أنت معه أقصر يدا وأضيق باعا وأجبن قلبا من أن تجسرا على ذلك، ثم تزعم أني ابتليت بحلم معاوية؟ أما والله لهو أعرف بشأنه وأشكر لما وليناه من هذا الأمر، فمتى بدا له فلا يقضين جفنه على القذى معك، فوالله لأعقبن أهل الشام بجيش يضيق عنه فضاؤها ويستأصل فرسانها، ثم لا ينفعك عند ذلك الهرب والروغان ولا يردعنك الطلب تدريجك الكلام. انطق إن كنت صادقا! .. فانتصر عمرو ومعاوية للحسن وشتما مروان فانصرف مغضبا مفحما ..
وسأله أبوه علي (﵄) ليمتحن بداهته يا بني ما السداد؟ قال: دفع المنكر بالمعروف. قال: فما الشرف؟ قال: اصطناع العشيرة والاحتمال للجريرة. قال: فما السماح؟ قال: البذل في العسر واليسر. قال: فما اللؤم؟ قال: إحراز المرء ماله وبذله عرضه. قال: فما المنعة؟ قال: شدة البأس ومنازعة أعز الناس، قال: فما الجبن؟ قال: الجراءة على الصديق والنكول عن العدو. قال: فما الغنى؟ قال: رضى النفس بما قسم الله لها. قال: فما الذل؟ قال: الفزع عند الصدمة. قال: فما المجد؟ قال: أن تعطي في العزم وتعفو في الجرم. اهـ.
وتجد ترجمته بأطول مما هنا في تاريخ الشام لابن عساكر، وإسعاف الراغبين للصبان وأمثالهما من كتب التاريخ والسير والأخبار.
وكان آخر كلامه ﵁ لأخيه الحسين وهو يجود بنفسه: «يا أخي أوصيك أن لا تطلب الخلافة؛ فإني والله ما أرى أن يجمع الله فينا النبوة والخلافة؛ فإياك أن يستخفك سفهاء الكوفة ويخرجوك فتندم من حيث لا ينفعك الندم».