← Тараджим

Тараджим · id 30120

تراجم الأوائل والخلفاء (الأعلام الصغرى)

خير الدين الزركلي

Полный текст (226 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

عليه برا وفضلا وكرما وعقلا ومجدا ونبلا، وإن كان في المال قل فإنما المال ظل زائل وعارية مسترجعة، وله في خديجة بنت خويلد رغبة ولها فيه مثل ذلك، وما أحببتم من الصداق فعلي». قال المبرد: وهذه الخطبة من أقصر خطب الجاهلية. وكان أبو طالب صاحب تجارة كباقي قريش، ومولده في موطنه مكة وبها نشأ وفيها مات ودفن، وأعقب أربعة واثنتين، وهم: علي، وجعفر، وعقيل، وطالب، والاثنتان هما: أم هانئ واسمها فاختة، وجمانة، وأمهم فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف. حمزة بن عبد المطلب ولد سنة ٥٤ قبل الهجرة وتوفي سنة ٣ للهجرة أبو عمارة حمزة بن عبد المطلب بن هاشم: عم رسول الله ﷺ ، وأحد صناديد قريش وسراتهم وسادتهم في الجاهلية والإسلام، ولد بمكة ونشأ بها، قال صاحب أسد الغابة: كان أعز قريش وأشدها شكيمة، وأول أخباره في الإسلام أن أبا جهل المخزومي القرشي (عدو النبي ومن أشد أعدائه عليه) تعرض لرسول الله فشتمه وأهانه، ورسول الله صامت لم يجبه، وكان حمزة غائبا في الصيد؛ فلما عاد أخبر بما صنع أبو جهل، فقصده، فرآه في الكعبة فضربه بقوس كانت في يده فشج رأسه شجة منكرة، وقال: أتشتمه وأنا على دينه أقول ما يقول؟ فاردد علي إن استطعت، فحدثت ضجة عظيمة وقامت رجال بني مخزوم على حمزة؛ فمنعهم أبو جهل وخاف اتساع الفتنة؛ فقالوا: ما نراك يا حمزة إلا قد صبأت، فقال حمزة: وما يمنعني؟ فقالت العرب: اليوم عز محمد، وإن حمزة سيمنعه، فكفوا عن بعض إساءاتهم إلى المسلمين، وثبت حمزة على إسلامه، وكان ذلك قبل موت أبي طالب، ثم هاجر حمزة مع النبي ﷺ إلى المدينة وحضر وقعة بدر وغيرها وأبدى من البسالة ما هو معروف عنه.

стр. 37

قال المدائني: أول لواء عقده رسول الله ﷺ كان لحمزة بن عبد المطلب، وكان حمزة يعرف في الحرب بريشة نعامة يضعها في صدره، ولما كان في وقعة بدر قاتل بسيفين، فقال أمية بن خلف، وهو أسير في يد المسلمين: من الرجل المعلم بريشة؟ فقيل له: حمزة، فقال: ذاك فعل بنا الأفاعيل! وقتل (﵁) في وقعة أحد بعد أن قتل أحدا وثلاثين نفسا، ثم عثر فوقع على ظهره، فرآه أحد العبيد فأدركه وضربه بحربة ذهبت بروحه، وأخذه المشركون فمثلوا به وبشهداء المسلمين، فلما رآه النبي ﷺ صعق وبكى، ثم قال: «رحمك الله أي عم؛ فلقد كنت وصولا للرحم فعولا للخيرات». وأخذه المسلمون فدفنوه في المدينة. قال ابن حزم وغيره من رجال التحقيق: إنه انقرض عقبه، فلا يثبت انتساب بعض الأسر إليه (رضوان الله عليه). العباس بن عبد المطلب ولد سنة ١٥ قبل الهجرة وتوفي سنة ٢٣ هجرية قال رسول الله ﷺ : «هذا العباس بن عبد المطلب: أجود قريش كفا وأوصلها؛ هذا بقية آبائي». كان العباس أحد عظماء قريش رئيسا في الجاهلية عظيما في الإسلام؛ وصولا لأرحام قريش محسنا إليهم ذا رأي سديد وعقل غزير؛ مولعا بإعتاق العبيد، كارها للرق. قال صاحب أسد الغابة: اشترى العباس سبعين عبدا وأعتقهم جميعا، وكانت له سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام (وهي أن لا يدع أحدا يسب أحدا في المسجد ولا يقول فيه هجرا). ولد بمكة بعد مولد رسول بسنتين، وأسلم قبل الهجرة وكتم إسلامه، وأقام

стр. 38

بمكة يكتب إلى رسول الله ﷺ أخبار المشركين، وبعد الهجرة أراد أن يرحل إلى المدينة مهاجرا فقال له النبي ﷺ : مقامك بمكة خير، ثم هاجر بعد زمن وشهد، ووقعة حنين فثبت مع رسول الله لما انهزم الناس، وشهد فتح مكة أيضا، وكان طويلا جميلا أبيض بضا له ضفيرتان، وعاش نيفا وثمانين عاما، أصيب في آخر عمره بمرض في عينيه فعميتا، وهو أبو الخلفاء العباسيين يتصل نسبهم به، وكان جليل القدر رفيع الجانب. قال الصفدي في نكت الهميان: ولم يمر (أي العباس) بعمر ولا بعثمان وهما راكبان إلا ترجلا: إجلالا له، وبارك الله في نسله. قال الجهشياري في كتاب الوزراء: أحصي ولد العباس في سنة مئتين فبلغوا ثلاثة وثلاثين ألفا (٣٣٠٠٠). وتوفي (﵁) بالمدينة ودفن في البقيع، وله عشرة أولاد ذكور، سوى الإناث، منهم حبر الإسلام عبد الله بن عباس. الحسن بن علي ولد سنة ٣ وتوفي سنة ٥٠ هـ. أبو محمد الحسن بن علي بن أبي طالب: خامس الخلفاء (الآتي ذكرهم) وآخرهم، أمه السيدة فاطمة بنت رسول الله ﷺ وهو أكبر أولادها وأولهم، ولد في المدينة المنورة ونشأ بها، وكان عاقلا حليما وقورا محبا للخير حسن الخلق والخلق، لما استشهد أبوه علي (وستأتي في ترجمته) عمد أهل العراق إليه فبايعوه على الخلافة سنة ٤٠ هـ، وأشاروا عليه بالمسير إلى الشام لمحاربة معاوية بن أبي سفيان، فأطاعهم وزحف بمن معه، [وعرف] خبره معاوية فسار من الشام إليه، فلما تقارب الجيشان في موضع يقال له مسكن بناحية من الأنبار، علم الحسن أن هاتين الطائفتين لا تغلب إحداهما الأخرى، إلا بفناء عدد عظيم منها، فعظم عليه

стр. 39

الأمر، وهاله نشوب القتال بين المسلمين؛ فمال إلى السلم، وكتب إلى معاوية يتنازل له عن الخلافة لقاء شروط يشترطها، فسر معاوية وصالحه وخلع الحسن نفسه وسلم الأمر إلى معاوية في بيت المقدس تورعا وحسما للشر، وسمي عام ذلك وهو سنة ١٤ هـ عام الجماعة لاجتماع كلمة الإسلام فيه واتفاقهما على حقن الدماء بعد تلك الحروب والفتن بين علي ومعاوية، ثم قصد معاوية الكوفة ورحل الحسن إلى المدينة؛ فأقام بها حتى توفي مسموما في قول بعضهم. ودفن بالبقيع عليه الرحمة والرضوان، ومدة خلافته ستة أشهر وخمسة أيام، وولد له أحد عشر ابنا وبنت واحدة. هذا ما يتعلق بسيرته. وأما فصاحته وبداهته فكان معاوية يوصي حاشيته باجتناب محاورة رجلين هما: الحسن وعبد الله بن عباس؛ لقوة بداهتهما. قال البيهقي: قدم الحسن على معاوية وعنده عمرو بن العاص ومروان بن الحكم والمغيرة بن شعبة وصناديد قومه ووجوه اليمن والشام، فأجلسه معاوية على سريره إكراما له فحسده مروان فقال: يا حسن، لولا حلم أمير المؤمنين ما أقعدك هذا المقعد ولقتلتك وأنت له مستوجب بقودك الجماهير فلما أحسست بنا وعلمت أن لا طاقة لك بفرسان أهل الشام وصناديد بني أمية أذعنت بالطاعة وبعثت تطلب الأمان، أما والله لولا ذلك لأريق دمك ولعلمت أنا نعطي السيوف حقها عند الوغى، فاحمد الله إذا ابتلاك بمعاوية فعفا عنك بحلمه، ثم صنع بك ما ترى .. فنظر إليه الحسن. وقال: ويحك يا مروان! لقد تقلدت مقاليد العار في الحروب عند مشاهدتها والمخاذلة عند مخالطتها، نحن! هبلتك الهوابل، لنا الحجج البوالغ والنعم السوابغ تفخر ببني أمية وتزعم أنهم صبر في الحروب أسد عند اللقاء؟ ثكلتك أمك! أولئك البهاليل السادة، والحماة الذادة، والكرام القادة، بنو عبد المطلب. أما والله لقد رأيتهم وجميع من في هذا البيت ما هالتهم الأهوال ولم يحيدوا عن الأبطال كالليوث الضارية الباسلة الحنقة فعندها وليت

стр. 40

هاربا وأخذت أسيرا فقلدت قومك العار، أيراق دمي زعمت؟ أفلا أرقت دم من وثب على عثمان في الدار فذبحه كما يذبح الجمل، وأنت تثغو ثغاء النعجة وتنادي بالويل والثبور كالأمة اللكعاء، ألا دفعت عنه بيد أو ناضلت عند بسهم؟ لقد ارتعدت فرائصك وغشي بصرك فاستغثت بي كما يستغيث العبد بربه فأنجيتك من القتل ومنعتك منه، ثم تحت معاوية على قتلي؟ ألا ولو رام ذلك معك لذبح كما ذبح ابن عفان! .. أنت معه أقصر يدا وأضيق باعا وأجبن قلبا من أن تجسرا على ذلك، ثم تزعم أني ابتليت بحلم معاوية؟ أما والله لهو أعرف بشأنه وأشكر لما وليناه من هذا الأمر، فمتى بدا له فلا يقضين جفنه على القذى معك، فوالله لأعقبن أهل الشام بجيش يضيق عنه فضاؤها ويستأصل فرسانها، ثم لا ينفعك عند ذلك الهرب والروغان ولا يردعنك الطلب تدريجك الكلام. انطق إن كنت صادقا! .. فانتصر عمرو ومعاوية للحسن وشتما مروان فانصرف مغضبا مفحما .. وسأله أبوه علي (﵄) ليمتحن بداهته يا بني ما السداد؟ قال: دفع المنكر بالمعروف. قال: فما الشرف؟ قال: اصطناع العشيرة والاحتمال للجريرة. قال: فما السماح؟ قال: البذل في العسر واليسر. قال: فما اللؤم؟ قال: إحراز المرء ماله وبذله عرضه. قال: فما المنعة؟ قال: شدة البأس ومنازعة أعز الناس، قال: فما الجبن؟ قال: الجراءة على الصديق والنكول عن العدو. قال: فما الغنى؟ قال: رضى النفس بما قسم الله لها. قال: فما الذل؟ قال: الفزع عند الصدمة. قال: فما المجد؟ قال: أن تعطي في العزم وتعفو في الجرم. اهـ. وتجد ترجمته بأطول مما هنا في تاريخ الشام لابن عساكر، وإسعاف الراغبين للصبان وأمثالهما من كتب التاريخ والسير والأخبار. وكان آخر كلامه ﵁ لأخيه الحسين وهو يجود بنفسه: «يا أخي أوصيك أن لا تطلب الخلافة؛ فإني والله ما أرى أن يجمع الله فينا النبوة والخلافة؛ فإياك أن يستخفك سفهاء الكوفة ويخرجوك فتندم من حيث لا ينفعك الندم».

стр. 41

والحسن (عليه الرضوان) ثاني الأئمة الاثنى عشر عند الإمامية، وذلك أن السادة الإمامية، وهم فرقة من فرق المسلمين تقول بإمامة علي ﵁ بعد النبي ﷺ (انظر كتاب الملل والنحل للشهرستاني)، يذهبون إلى أن إمامة المسلمين يتوارثها أبناء علي عنه، وهم مختلفون في أسماء بعضهم ولكنهم متفقون على عدوهم، وأنهم ختموا بالمهدي المنتظر وهو الإمام الثاني عشر، والأشهر في تسميتهم أنهم: الإمام علي، والحسن، والحسين، وزين العابدين، والباقر، والصادق، والكاظم، والرضا، والجواد، والهادي، والعسكري، والمهدي (رضوان الله عليهم أجمعين)، ولكل من هؤلاء الأئمة شأن معروف ومكان محفوظ، وأنا آت على تراجمهم فيما يلي إن شاء الله. وأما الإمام الأول علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه) فسيذكر في فصل الخلفاء الراشدين. الحسين بن علي ولد سنة ٤ وتوفي سنة ١٦ هـ السيد الشهيد أبو عبد الله الحسين بن الإمام علي بن أبي طالب، وأمه فاطمة الزهراء بنت رسول الله ﷺ : ولد في المدينة المنورة، ونشأ بين عظماء المسلمين وعقلائهم: أديبا عاقلا مفكرا. قال رسول الله ﷺ : «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة». وهو صاحب الفاجعة التي أدمت القلوب وقرحت الأجفان، وأنست الناس أحزانهم، وأبقت في قلوب بني هاشم ومن شايعهم ضغينة لبني أمية لا تنسى أبد الدهر وحسبك أنها ما زالت تغلي في الصدور حتى ضربوا آل أمية ومروان تلك الضربة القاضية فمحوا دولتهم وأزالوا صولتهم حتى لم يبق منهم في بلاد المشرق ديار.

стр. 42

وخلاصة الحادثة أنه لما مات معاوية بن أبي سفيان وولي الخلافة ابنه يزيد تخلف الحسين عن مبايعته ورحل إلى مكة في جماعة من أصحابه وافقوه على رأيه فأقام بمكة أشهرا؛ فبلغ أهل الكوفة ذلك، وكان لأبيه علي وأخيه الحسن فيها نصراء وأعوان فكتبوا إليه كتابا يطلبون به حضوره ليبايعوه على الخلافة ويذكرون له أنهم في جيش متهيئ للوثوب فوعدهم بالمسير إليهم، ثم نصحه جماعة من عقلاء قومه أن لا يذهب فأصر على ما ارتأى، وخرج في أسرته ومواليه ورجاله، وهم نحو الثمانين، قاصدا الكوفة، وبلغ يزيد بن معاوية خبره فأرسل إليه جيشا اعترضه في كربلاء، وبعد قتال عنيف نشب بين الفريقين أصيب الحسين بجراح شديدة فسقط عن فرسه فقتلوه. قيل: قاتله سنان بن أنس النخعي، وقيل: الشمر ابن ذي الجوشن، وأرسل رأسه ونساؤه وذراريه إلى يزيد بن معاوية في الشام، فأظهر يزيد حزنه عليه، ولكن ما ينفع الحزن وقد سبق السيف العذل، ونفذ القضاء والقدر. واختلفوا في الموضع الذي دفن رأس الحسين فيه فقاتل في الشام، وقائل بل دفن مع الجثة في كربلاء، وقائل غير ذلك مما أدى إلى تعدد مراقده وضياع ضريحه الحقيقي بينها. وكان مقتله، سقاه الله شأبيب رضوانه، يوم الجمعة عاشر محرم، ولا يزال هذا اليوم يوم حزن وكآبة عند جميع المسلمين، اللهم إلا جماعة من جهلة أهل السنة يتباركون به لثبوت صيام النبي المكرم في يوم عاشوراء، وفي طائفة الشيعة أيضا رجال يتجاوزون حد الحزن يقيمون له المآتم ويضربون أنفسهم بالسلاح وبعضهم يمثلون حادث مقتله، كما تمثل الحوادث التاريخية والخيالية على مسارح النوادي، وعقلاء الطائفتين غير راضين عما يفعله هؤلاء الجماعات منهم، أصلحنا الله! أما خروج الحسين يريد الكوفة بنسائه وأطفاله؛ فقد فسره الفيلسوف الألماني

стр. 43

«ماربين» في كتاب له سماه «السياسة الإسلامية» بما لا أرى مناصا من التفكير فيه. قال «ماربين»: «مات الرجلان العظيمان علي ومعاوية وتركا في الصدور أضغانا وجاء ولداهما: الحسين بن علي، ويزيد بن معاوية، والأول طامح، والثاني يراقبه ولا يستطيع البطش به. أما الحسين فلا أعلم في أصحاب الديانات من اختار سياسته المؤثرة؛ فإنه لما وجد قوته وقوة قومه ضعيفة بجانب قوى يزيد فكر في عمل كبير صرح به لقومه، وهو أنه يريد المسير إلى الموت .. وعلى أثر ذلك جمع نساءه وأطفاله وخرج من المدينة فلحق به عدد من أقربائه وأصدقائه .. ليس اختياره أخذ أطفاله إلا لحكمة كان يعلمها ويسعى إليها. أيقن أنه لابد ليزيد من قتله فأراد أن تكون المصيبة عامة، فاستصحب صغاره وهو معتقد أن يزيد سيفتك بهم جميعا، راقه ذلك لأنه علم أن الثورة الهاشمية لا يثيرها على بني أمية إلا دافع مؤثر يثب بالأمة الإسلامية جمعاء وثبة الحزن والإشفاق، وثبة التألم والغضب، وهي الأمنية التي كان يسعى إليها الحسين بأخذ أطفاله وصغاره، ولذلك كان؛ فإنها لم تقع الواقعة حتى نفرت من يزيد قلوب أخصائه، وما بلغت سبايا الحسين مدينة دمشق حتى تهيأت الثورة على يزيد، وما هي إلا أعوام قلائل تركت آل يزيد طعما للسيوف وشيدت على أثرها دعائم الخلافة الهاشمية العباسية .. لم يذكر لنا التاريخ رجلا ألقى بنفسه وأبنائه وأحب الناس إليه، في مهاوي الهلاك والفناء، إحياء لدولة سلبت منه إلا الحسين، ذلك الرجل الكبير الذي عرف كيف يزلزل ملك الأمويين الواسع، ويقلقل أركان سلطانهم». واستطرد الباحث إلى الكلام على الشيعة مما لا دخل له في بحثنا، وقد نقلت بعض مباحث كتابه إلى الفارسية والعربية، وكان لما فكر به مناصرون ومؤيدون، وهو رأي حسن على علاته؛ فإن الحسين إنما قصد الكوفة وهو واثق بنصرة أهلها، وأخذ أطفاله ونساءه للسكنى بها، ولئن صح تفكير الحسين بذلك ليكون دليلا ثابتا على ما كان يوصف به من سعة العقل وجودة الروية.

стр. 44

ولنختم ترجمته بشيء، من كلامه العذب. قال أكثر مترجميه: خطب الحسين بن علي يوما فقال: «يا أيها الناس! نافسوا في المكارم، وسارعوا إلى المغانم، ولا تحتسبوا المعروف لم تعجلوه، واكتسبوا الحمد بالنجح، ولا تكسبوا بالمطل ذما، واعلموا أن حوائج الناس إليكم من نعم الله عليكم فلا تملوا النعم، واعلموا أن المعروف يكسب حمدا ويكسب أجرا؛ فلو رأيتم المعروف رجلا رأيتموه حسنا جميلا يسر الناظرين ويفوق العالمين، ولو رأيتم اللؤم رأيتموه سمجا مشوها تنفر منه القلوب وتغض دونه الأبصار. أيها الناس: من جاد ساد، ومن بخل ذل، وإن أجود الناس من أعطى من لا يرجوه، وإن أعفى الناس من عفا عند قدرته، وإن أفضل الناس من وصل من قطعه، والأصول على مغارسها فروعها تنمو، من أحسن أحسن الله إليه، والله يحب المحسنين». ومن كلامه: الحلم زينة، والوفاء مروءة، والعجلة سفه، والسفه ضعف، والغلو ورطة، ومجالسة أهل الدناءة شر، ومجالسة أهل الفسوق ريبة. زين العابدين بن الحسين ولد سنة ٣٨ وتوفي سنة ٩٤ هـ أبو الحسن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب: رابع الأئمة الإثنى عشر عند الإمامية، وأحد من يضرب بهم المثل في الحلم والورع. ولد بالمدينة ونشأ بها ففاق أهلها تقى وصلاحا، وكان من العلم والكرم على جانب عظيم؛ فأما حلمه فله فيه حكايات عجيبة، خرج يوما من المسجد فلقيه رجل فسبه وبالغ وأفرط فبادر إليه العبيد والموالي، فكفهم وأقبل عليه، وقال: ما ستر عنك من أمرنا أكثر! ألك حاجة تعينك عليها؟ فاستحى الرجل وتنحى فأمر له بخمسة آلاف درهم.

стр. 45

ولقيه آخر فنال منه، فقال: يا هذا بيني وبين جهنم عقبة إن أنا جزتها فما أبالي بما قلت، وإن لم أجزها فأنا أكثر مما تقول! ألك حاجة؟ فخجل الرجل. وأما ورعه وتقاه: قال ابن المسيب: ما رأيت أورع منه. وكان كثير الصلاة منهمكا في العبادة فلقب زين العابدين، وقرب إليه الماء ليلة ليتوضأ فوضع يده في الإناء ليبدأ، ثم رفع رأسه فنظر إلى السماء والقمر والكوكب فجعل يتفكر في خلقها حتى أصبح وأذن المؤذن ويده في الإناء لا يفتكر بها. وأما كرمه فقال ابن عائشة: سمعت بعض أهل المدينة يقولون: ما فقدنا صدقة السر إلا بعد موت علي بن الحسين. وقال محمد بن إسحق: كان ناس من أهل المدينة يعيشون لا يدرون من أين معايشهم ومآكلهم؛ فلما مات علي بن الحسين فقدوا ما كانوا يؤتون به ليلا إلى منازلهم، ولما مات أحصي من كان يقوتهم فإذا هم نحو مئة بيت. ونقل كثير من المصنفين أن القصيدة التي مطلعها: هذا الذي تعرف البطحاء وطأته … والبيت يعرفه والحل والحرم قيلت في مدح زين العابدين، وأن قائلها الفرزدق ارتجلها ارتجالا في البيت الحرام، ولها قصة معروفة في كتب الأخبار، والقصيدة في طبقة عالية من الشعر، ونسبها أبو تمام في أشعار الحماسة للحزين الليثي قال: وقيل: إنها للفرزدق. ومن كلام زين العابدين: كان إذا بلغه أن أحدا ذكره بسوء، يقول: اللهم إن كان صادقا فاغفر لي، وإن كان كاذبا فاغفر له، وكان يقول: فقد الأحبة غربة. ومات في المدينة المنورة فدفن في البقيع.

стр. 46

الباقر بن زين العابدين ولد سنة ٥٧ وتوفي سنة ١١٧ هـ الإمام أبو جعفر محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين: (﵄): هو خامس الأئمة الاثنى عشر، وكان ناسكا عابدا، وله في العلم وتفسير القرآن آراء وأقوال: سأله العلاء بن عمرو بن عبيد عن قوله تعالى: ﴿أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما﴾ (الأنبياء: ٣٠)، ما معنى هذا الرتق والفتق؟ فقال أبو جعفر: كانت السماء رتقا لا تنزل مطرا، وكانت الأرض رتقا لا تخرج النبات ففتقناهما بنزول المطر وخروج النبات، وهذا رأي حسن في تفسير الآية لموافقة درجة علم العرب في عصر نزول القرآن الكريم. وأما سبب تلقيبه بالباقر فلم يذكروا له غير وجه واحد متمحل وهو أنه مشتق من مادة بقر. قالوا: لأنه بقر العلم أي شقه فعرف أصله وخفيه. ومن كلامه: بئس الأخ يراعيك غنيا ويقطعك فقيرا. وقال: ليس في الدنيا شيء أعون من الإحسان إلى الإخوان. وقال: ما دخل قلب امرئ شيء من الكبر إلا نقص من عقله مثل ذلك قل أو كثر. وقال: سلاح اللئام قبيح الكلام. وقال: لموت عالم أحب إلى الشيطان من موت سبعين عابدا. وقال: شيعتنا من أطاع الله. وقال: اعرف المودة في قلب أخيك بما له في قلبك. وتوفي بالمدينة ودفن بقبة العباس في البقيع (﵁).

стр. 47

جعفر الصادق ولد سنة ٨٠ وتوفي سنة ١٤٨ هـ أبو عبد الله جعفر الصادق بن محمد الباقر بن زين العابدين (عليهم رضوان الله): هو سادس الأئمة الاثنى عشر، وكان من أجلاء التابعين، وله منزلة في العلم معروفة وأخذ عنه جماعة من أئمة المسلمين كأبي حنيفة ومالك وابن جريج والسجستاني، وأشهر من ينتسب إليه من القارئين عليه جابر بن حيان الكيميائي العلامة المشهور. قال ابن خلكان وألف جابر كتابا يشتمل على ألف ورقة يتضمن رسائل جعفر الصادق وهي خمسمائة رسالة. والشيعة تذكر أن لجعفر كتابا يدعونه «الجفر» ذكر فيه كل ما يحتاجون إلى علمه إلى يوم القيامة، وهذا الوصف باطل. ولقب جعفر (﵁) بالصادق؛ لأنه لم يعرف له كذب قط. ومن كلامه: لا يتم المعروف إلا بثلاث: تعجيله وتصغيره وستره. - أربعة أشياء القليل منها كثير: النار والعداوة والفقر والمرض. - صحبة عشرين يوما قرابة. - من لم يستح عند العيب ويرعو عند الشيب ويخشى علي بظهر الغيب فلا خير فيه. - إياكم وملاحاة الشعراء؛ فإنهم يضنون بالمدح ويجودون بالهجاء. - من أكرمك فأكرمه، ومن استخف بك فأكرم نفسك عنه. ودخل عليه بعض شيعته فرآه يوصي ولده موسى بوصية حفظ منها قوله: «يا بني! اقبل وصيتي واحفظ مقالتي؛ فإنك إن حفظتها تعش سعيدا وتمت حميدا، يا

стр. 48

بني! إن من قنع بما قسم الله له استغنى، ومن مد عينيه إلى ما في يد غيره مات فقيرا، ومن لم يرض بما قسم الله له أتهم ربه في قضائه، ومن استصغر زلة نفسه استصغر زلة غيره، يا بني! من سل سيف البغي قتل به، ومن كشف حجاب غيره انكشف ستره، من داخل السفهاء حقر، ومن خالط العلماء وقر، ومن دخل مداخل السوء اتهم، يا بني! قل الحق لك أو عليك، وإياك والنميمة فإنها تزرع الشحناء في قلوب الرجال، يا بني! إذا زرت فزر الأخيار ولا تزر الأشرار؛ فإنهم صخرة لا يتفجر ماؤها، وشجرة لا يخضر ورقها، وأرض لا يظهر عشبها». وكان جريئا قوي البديهة: يذكر أنه كان عند المنصور فوقعت ذبابة على وجهه فذبها فعادت حتى أضجرته فالتفت إلى جعفر فقال له: يا أبا عبد الله لم خلق الله الذباب؟ قال: ليذل به الجبابرة! فسكت المنصور. توفي صاحب الترجمة في المدينة، ودفن في البقيع في قبر أبيه. موسى الكاظم ولد سنة ١٢٨ وتوفي سنة ١٨٣ هـ الإمام أبو الحسن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن الباقر (عليهم رضوان الله): سابع الأئمة، وأحد سادات بني هاشم، ومن أعلام أهل البيت، ولد بالأبواء، وسكن المدينة المنورة، وكان أعبد أهل زمانه، ومن كبار علمائهم وأسخيائهم، حذا حذو جده زين العابدين في تفقد الفقراء ليلا والناس نيام، وقيل فيه ما قيل بجده من أنه كان يحمل النفقات إلى منازل الفقراء في المدينة فلا يعرفون من أين أتيت حتى مات فانقطعت، فعرفوه. وكانت له سيادة ورياسة معروفة فوشى به بعض أعدائه إلى الرشيد العباسي، وقالوا له: إن الأموال تحمل لموسى من جميع الجهات والزكاة والأخماس،

стр. 49

وها هو قد اشترى ضيعة سماها السيرية بثلاثة آلاف دينار، وحج الرشيد في تلك السنة وفي نفسه شيء منه، فبدأ بالمدينة فدخلها فاستقبله موسى الكاظم في جماعة من الأشراف، ثم خلا به الرشيد فقال له: أنت الذي يبايعك الناس سرا؟ قال: أنا إمام القلوب وأنت إمام الجسوم، ثم اتفق اجتماعهما عند القبر الشريف؛ فقال الرشيد: سلام عليك يا بن عم. وقال موسى: السلام عليك يا أبت، فلم يحتملها الرشيد فحمله إلى البصرة وأمر واليها عيسى بن جعفر بن منصور أن يحبسه عنده فحبسه سنة، فكتب إليه الرشيد في سفك دمه وإراحته منه، فاستعفاه عيسى من ذلك ورجاه أن يكون قتله على غير يده؛ فأرسل إلى السندي بن شاهك في بغداد يأمره بتسلمه وقتله، فجعل له سما في طعام قدمه إليه، فأقام متوعكا ثلاثة أيام ومات. ودفن في مقابر قريش بباب التين في بغداد. ومن إنشائه رسالة بعث بها إلى الرشيد من السجن يقول فيها: «إنه لم ينقض عني يوم من البلاء إلا انقضى معه يوم عنك في الرخاء حتى نمضي جميعا إلى يوم ليس له انقضاء هنالك يخسر المبطلون». ولقب الكاظم لحلمه، وكظمه لغيظه، وأخباره شهيرة. علي الرضى ولد سنة ١٥٣ وتوفي سنة ٢٩٣ هـ أبو الحسن علي الرضى بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق: ثامن الأئمة عند الإمامية ومن أجلاء السادة أهل البيت وفضلائهم، وهو الذي يذكر أصحاب التواريخ والسير أن المأمون العباسي عهد إليه بالخلافة من بعده وزوجه ابنته وضرب اسمه على الدينار والدرهم، وغير من أجله الزي العباسي الذي هو السواد فاستعاض عنه بالأخضر؛ لأنه كان شعار أهل البيت، فثار العراق من ذلك النبأ وقام أهل بغداد فخلعوا المأمون، وبايعوا عمه إبراهيم بن المهدي فرحل إليهم المأمون بجيشه فاستخفى إبراهيم، ثم استسلم فعفا عنه المأمون، ومات

стр. 50

علي الرضى في حياة المأمون فلم تتم له الخلافة، وعاد إلى السواد فاستألف القلوب ورضي الناس عنه. وكان السيد علي الرضى أسود اللون؛ لأن أمه كانت سوداء، وولد بالمدينة، وكان موصوفا بطيب النفس وكرم الأخلاق والجود. حكى القرماني في تاريخه أنه دخل يوما الحمام فبينما هو في مكان منه إذ دخل عليه جندي فأزاله عن موضعه وقال له: صب على رأسي يا أسود! فنهض علي وأخذ يصب على رأس الجندي حتى دخل رجل عرفه فصاح: ويلك يا جندي هلكت! أتستخدم ابن بنت رسول الله؟ فانقلب الجندي يقبل قدميه ويقول: هلا عصيتني إذ أمرتك؟ فقال: إنها لمثوبة وما أردت أن أعصيك فيما أثاب عليه! ورآه أبو نواس ذات يوم وهو خارج من حضرة المأمون على بغلة فارهة، فدنا منه وسلم وقال: يا ابن رسول الله ﷺ ، قلت فيك أبياتا أحب أن تسمعها مني، قال: قل. فأنشأ أبو نواس يقول: مطهرون نقيات ثيابهم … تجري الصلاة عليهم كلما ذكروا من لم يكن علويا حين تنسبه … فما له في قديم الدهر مفتخر أولئك القوم أهل البيت عندهم … علم الكتاب وما جاءت به السور فقال: قد جئتنا بأبيات ما سبقك إليها أحد، ما معك يا غلام؟ قال: ثلاث مئة دينار، قال: ادفعها إليه، وبعد أن افترقا ووصل علي إلى منزله. قال: لعله يستقلها: يا غلام سق إليه البغلة. وكان دعبل الخزاعي شاعر أهل البيت وله في علي وأبيه مدائح كثيرة. توفي (﵁) بمدينة طوس ودفنه المأمون بجانب قبر أبيه الرشيد، وفي سبائك الذهب أن وفاته كانت سنة ٢٣٠ هـ، والصحيح ما ذكرته واعتمده ابن خلكان وأكثر المؤرخين؛ لأنهم جميعا [اتفقوا] على أنه توفي في حياة المأمون المتوفى سنة ٢١٨ هـ.

стр. 51

محمد الجواد ولد سنة ١٩٥ وتوفي سنة ٢٢٠ هـ أبو جعفر محمد الجواد بن علي الرضى بن موسى الكاظم، وبقية النسب معروفة: وهو تاسع الأئمة، كان كبير القدر، رفيع الذكر كأسلافه كرام أهل البيت ولد في المدينة، ثم انتقل مع والده الرضى إلى بغداد، ولما توفي أبوه كان صغيرا فاجتاز به المأمون يوما فعرفه وأخذه معه وأحسن إليه وقربه، وكان على صغر سنه ذكي الفؤاد طلق اللسان تلوح عليه أمارات النجابة؛ فعني به المأمون وبالغ في الإحسان إليه، ثم أراد أن يزوجه بابنته أم الفضل فمنعه العباسيون من ذلك خوفا من أن يعهد إليه كما عهد إلى أبيه فأظهر المأمون ميله إليه وحبه بفضله وعلمه على حداثة سنه فنازعوه باتصافه بصفة العلم واستصغروه فأرسل إلى يحيى بن أكثم وأمره أن يمتحن محمدا فلما حضر أمر له بفرش حسن فجلس عليه ثم سأله يحيى مسائل فأجاب عنها بأحسن جواب وسر الخليفة فقال: أحسنت يا أبا جعفر، ثم التفت إلى من حضر فقال: الحمد لله على ما من به علي من السداد في الأمر والتوفيق في الرأي، وأقبل على أبي جعفر فقال له: إني مزوجك ابنتي أم الفضل وإن رغمت لذلك أنوف قوم! فاخطب لنفسك فقد رضيتك لنفسي وابنتي، فقال أبو جعفر: الحمد لله إقرارا بنعمته، ولا إله إلا الله إخلاصا بوحدانيته، وصلى الله على سيدنا محمد سيد بريته والأصفياء من عترته، أما بعد؛ فقد كان من فضل الله على الأنام أن أغناهم بالحلال عن الحرام؛ فقال تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم﴾ (النور: ٣٢)، ثم إن محمد بن علي بن موسى خطب إلى أمير المؤمنين عبد الله المأمون ابنته أم الفضل وقد بذل لها من الصداق مهر جدته فاطمة بنت

стр. 52

رسول الله ﷺ وهو خمسمائة درهم جياد، فهل زوجتني يا أمير المؤمنين إياها على هذا الصداق؟ فقال المأمون: زوجتك ابنتي أم الفضل على هذا الصداق المذكور، فقال أبو جعفر: قبلت نكاحها لنفسي على هذا الصداق المذكور، ثم أمر المأمون بأنواع الطيب فتطيب الحاضرون ودعى بالحلواء فمدت موائدها وأكلوا وفرقت عليهم الجوائز وأخرجت الأموال للفقراء والمساكين، وبعد ذلك تم الزواج. وأقام أبو جعفر محمد عند المأمون معظما مكرما حتى عزم على التوجه بزوجته أم الفضل إلى المدينة المنورة فلبث حتى مات المأمون وآلت الخلافة العباسية إلى المعتصم فكتب إليه يستقدمه إلى بغداد ومعه زوجته فحضر، وذلك سنة ٢٢٠ هـ، و مرض فمات ببغداد شابا (رضوان الله عليه) ودفن في مقابر قريش في قبر جده أبي الحسن موسى الكاظم، وعادت امرأته أم الفضل إلى قصر المعتصم. ويقال: إنه مات مسموما كما يقال في أكثر الأئمة المذكورين، وخلف أربعة أولاد صبيان وبنتان. و من كلامه: ما عظمت نعمة الله على أحد إلا عظمت إليه حوائج الناس فمن لم يتحمل تلك المؤنة عرض تلك النعمة للزوال. - أهل المعروف إلى اصطناعه أحوج من أهل الحاجة إليه؛ لأن ثم أجره وفخره وذكره فمهما اصطنع الرجل من معروف فإنما يبتدئ فيه بنفسه. - من أجل إنسانا هابه، دون جهل شيئا عابه. - والفرصة خلسة، من كثر همه سقم جسمه. - عنوان صحيفة المسلم حسن خلقه، من استغنى بالله افتقر الناس إليه.

стр. 53

- الجمال في اللسان، والكمال في العقل، العفاف زينة الفقر، والشكر زينة البلاء، والتواضع زينة الحسب، والفصاحة زينة الكلام، وخفض الجناح زينة العلم، العامل بالظلم والمعين عليه والراضي به شركاء. - العلماء غرباء «لكثرة الجهال بينهم» - أخذه أبو العلاء فقال: أولوا الفضل في أوطانهم غرباء … تشذ وتنأى عنهم القرباء ومن كلام أبي جعفر: الصبر على المصيبة مصيبة على الشامت، لو سكت الجاهل ما اختلف الناس، الرأي مع الأناة، ومن وعظ أخاه سرا فقد زانه، ومن وعظه علانية فقد شانه. علي الهادي ولد سنة ٢١٤ وتوفي سنة ٢٥٤ هـ أبو الحسن العسكري علي الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضى: عاشر الأئمة الاثنى عشر: كان معروفا بالتقى والصلاح، ولد في المدينة المنورة وبها نشأ؛ فلما بلغ سن الشباب وأصبح في منزلة ينظر بها إليه تواترت الوشايات به على المتوكل العباسي الخليفة في بغداد فأرسل إليه فاستقدمه من المدينة وأنزله في سر من رأى (سامراء) وكانت تسمى مدينة العسكر؛ لأن المعتصم لما بناها انتقل إليها بعسكره فنسبت إلى العسكر، ولذلك لقب أبو الحسن علي المترجم [له] بالعسكري، فأقام بها، فسعى بعض أعدائه إلى المتوكل وأخبروه أن في منزل علي سلاحا وكتبا وغيرها من شيعته وأوهموه أنه يطلب الإمرة لنفسه فوجه إليه عددا من جند الأتراك ليلا فهجموا عليه وهو في منزله على الأرض وعليه مدرعة من الشعر وعلى رأسه ملحفة من صوف وهو مستقبل القبلة يترنم بآيات

стр. 54

من القرآن لا يفصل بينه وبين الأرض فاصل إلا الرمال والحصى، فأخذوه إلى المتوكل ووصفوا له حالته وكان المتوكل جالسا يستعمل الشراب فأجلسه إلى جانبه وعرض عليه كأسا فاعتذر بأنه لم يذقها فعافاه منها، ثم قال: أنشد في شعرا أستحسنه فقال: إني لقليل الرواية للشعر قال: لابد أن تنشدني، فأنشده: باتوا على قلل الأجبال تحرسهم … غلب الرجال فما أغنتهم القلل واستنزلوا بعد عز عن معاقلهم … فأودعوا حفرا يا بئس ما نزلوا ناداهم صارخ من بعد ما قبروا … أين الأسرة والتيجان والحلل أين الوجوه التي كانت منعمة … من دونها تضرب والاستار والكلل فأفصح القبر عنهم حين ساء لهم: … تلك الوجوه عليها الدود يقتتل قد طال ما أكلوا دهرا وما شربوا … فأصبحوا بعد طول الأكل قد أكلوا فهاجت الأبيات إشفاق المتوكل فبكى وأمر برفع الشراب، ثم قال: يا أبا الحسن عليك دين؟ قال: نعم، أربعة آلاف دينار فأمر بدفعها إليه ورده إلى منزله مكرما .. أقول: هذه الأبيات التي أنشدها صاحب الترجمة نقلتها وقصتها عن وفيات الأعيان. وحكى مؤلف سراج الملوك أنها مترجمة عن كتابة بالحميرية قديمة قبل الإسلام كانت منقوشة على بعض قصور ملوك حمير؛ وعبارته: قال وهب بن منبه: أصبت على غمدان وهو قصر سيف بن ذي يزن بأرض صنعاء اليمن، وكان من الملوك الأجلة مكتوبا بالقلم المسند مترجما بالعربية، وإذا هي هذه الأبيات، وفي الكنز المدفون جاءت الأبيات أكثر مما تقدم بزيادة الأبيات الآتية في أولها: انظر لماذا ترى يا أيها الرجل … وكن على حذر من قبل تنتقل وقدم الزاد من خير تسر به … فكل ساكن دار سوف يرتحل

стр. 55

وانظر إلى معشر باتوا على دعة … فأصبحوا في الثرى رهنا بما عملوا بنوا فلم ينفع البنيان وادخروا … مالا فلم يغنهم لما انقضى الأجل باتوا على قلل الأجبال … إلخ .. قال صاحبه: ووجد مكتوبا على قصر غمدان أيضا هذه الأبيات: من كان لا يطأ التراب برجله … وطئ التراب بصفحة الخد من كان بينك في التراب وبينه … شبران كان بغاية البعد لو بعثر الناس الشرى ورأوهم … لم يعرفوا المولى من العبد! وتوفي الإمام علي الهادي (عليه الرحمة والرضى) بمدينة سامراء فدفن في بيته وخلف ثلاثة أبناء وابنة. الحسن الخالص ولد سنة ٢٣٢ هـ وتوفي سنة ٢٦٠ هـ أبو محمد الحسن الخالص بن علي الهادي بن محمد الجواد: حادي عشر الأئمة عند طائفة الإمامية، ولد في المدينة المنورة وانتقل مع أبيه الهادي إلى سامراء (أو سر من رأى أو سر من راء أو مدينة العسكر = كلها أسماء بلدة واحدة في العراق)، وولي الإمامة بعد وفاة أبيه، وكان على سنن سلفه الصالح في التقى والنسك والعبادة يجله الناس ويحترمونه، قال صاحب الفصول المهمة: لما ذاع خبر وفاة الحسن ارتجت سر من رأى، وقامت صيحة واحدة وعطلت الأسواق وغلقت الدكاكين وركب بنو هاشم والقواد والكتاب والقضاة والمعدلون وسائر الناس إلى جنازته وصلى عليه أبو عيسى ابن المتوكل بأمر الخليفة، ودفن في البيت الذي دفن فيه أبوه وخلف محمدا الآتي ذكره.

стр. 56

وأصحاب القصص والأخبار ينقلون عنه وعمن تقدمه من أهل البيت (رضوان الله عليهم) كرامات وحكايات كثيرة أضربت عن ذكرها لأني لا أقول بها ولاسيما وجلها مملوء بالأوهام التي لا يتحصل منها للقارئ ما يفيده وأما التاريخ فأضيق صدرا من أن يتسع لهاتيك الأخبار والأقاصيص، وهو إنما يكرم الرجال الذين شرفوا بأعمالهم وسموا بأنفسهم وما أجدر أولئك بالإجلال والإعظام إذا هم جمعوا بين التالد والطارف والنسب والمكتسب ذلكم خيرة الخلق وصفوة البشر. محمد المهدي ولد سنة ٢٥٥ وتوفي سنة ٢٦٥ هـ أبو القاسم محمد المهدي بن الحسن العسكري بن علي الهادي: آخر الأئمة الاثنى عشر فيما تعتقده الإمامية، وهو المعروف عندهم بالمهدي وصاحب الزمان والمنتظر والحجة، والذي يحققه المؤرخون الثقات أنه ولد بسامراء، ومات أبوه وعمره خمس سنين، ولما بلغ التاسعة أو العاشرة؛ فقد فلم يعرف له أثر. هذا ما عرف من خبره. أما الشيعة فيروون أنه دخل سردابا كان في دار أبيه، ثم لم يخرج منه، وهم ينتظرون خروجه ويأتون بالأدلة الثابتة عندهم على أنه حي يرزق وأنه سيعود إلى هذا الوجود فيملأ الأرض رحمة وعدلا وسلاما، وهناك أقوال وآراء لا يدخل إيرادها والمناقشة بها في بحث هذا الكتاب وحسبي منها الإشارة إليها. وأمر خروج المهدي المنتظر لا خلاف فيه عند الشيعة ولكن بعضهم يرى أنه غير صاحب هذه الترجمة ويؤكد أنه محمد بن الحنفية ابن علي بن أبي طالب والقول الأول هو الشائع الذائع عندهم. قال ابن بطوطة الرحالة في حديث رحلته ما لفظه: ثم وصلت إلى مدينة الحلة وهي مستطيلة مع الفرات وأهلها كلهم إمامية اثنا عشرية وبها مسجد على بابه ستر

стр. 57

حرير يقولون: إن محمد بن الحسن العسكري دخل هذا المسجد وغاب فيه وهو عندهم الإمام المهدي المنتظر فيهم كل يوم يلبس آلة الحرب مئة منهم ويأتون باب المسجد ومعهم دابة مسرجة ملجمة ومعهم الطبول والبوقات ويقولون: اخرج يا صاحب الزمان فقد كثر الظلم والفساد وهذا أوان خروجك ليفرق الله بك بين الحق والباطل، ويقفون إلى الليل ثم يعودون، كذلك دأبهم أبدا. وأما أهل السنة فأكثرهم على اعتقاد ظهور رجل من نسل النبي ﷺ تصلح به الأرض بعد فسادها وتزهو بعد اكمدادها، وفيهم من يأخذ بالحديث الشريف: «لا يزداد الأمر إلا شدة، ولا الدنيا إلا إدبارا ولا الناس إلا شحا ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس ولا مهدي إلا عيسى ابن مريم»، وفيهم من يتكلم في هذا الحديث، وهذا بحث يطول فاطلبه إن شئت فيما ألف له خاصة من الأسفار والتصانيف أو في المصنفات الكبيرة مما له علاقة بأمر المهدي وظهوره ومن هو. وتأمل فيمن ظهر في الإسلام حتى اليوم يدعي أنه ذلك الرجل المصلح الإلهي وما أحسبنا معاشر المسلمين إلا ونبينا الأعظم (صلوات الله عليه) قد أغلق الله به باب التنبؤ وكفى الناس ظهور نبي جديد في كل جيل وقبيل: فأبينا نحن إلا أن نوجد تلك الشنشنة حية خالدة، لكن حرفنا الاسم وبدلنا مادة التنبؤ بمادة الهدي فكان القائم لإصلاح البشر قبل خاتم الأنبياء يدعوه الناس نبيا ورسولا فجئنا نحن ندعوه مهديا ومنتظرا، أقلق أبناء القرون الأولى والأجيال الخالية قيام كذبة دجالين تسربلوا رداء النبوة وظهروا بمظهر الرسل فأسكت الله تلك النأمة بآخر أنبيائه، ومهدنا نحن السبيل لمن نحا ذلك النحو وانتهج ذاك النهج فأوجدنا له سربالا من سرابيل الدعوة إلى الله والهداية إليه فعادوا يعاودون الكرة ويبرزون في هذه الأجيال المرة بعد المرة، ذلك بما جنت أيدينا و اقترفت أنفسنا فلا حول ولا قوة إلا بالله مرشد خليقته، إلى طريقته، وملهم كل قلب ما يشتغل به عما سواه. * * *

стр. 58

كتاب الملوك والأمراء بيان أمضينا الكلام في المطلب الأول من مطالب الكتاب على ما يتعلق بالنسب النبوي الطاهر والسادة من أهل البيت الكرام، وهانذا أفتتح الباب الثاني منه وفيه الكلام على الملوك والأمراء والخلفاء والوزراء جاهليتهم وإسلاميتهم، متقدميهم ومتأخريهم، ورتبته على فصول أربعة: الأول: في ملوك الجاهليين كحمير وسيف وتبع وجذيمة، وأمرائهم كقيس ابن زهير وزهير بن جناب. والثاني: في خلفاء الراشدين الأربعة وأولهم أبو بكر. والثالث: في صدور الخلفاء وأعيان الملوك بعد الجاهلية وفيه أشهر ملوك بني أمية ومروان وآل عباس وغيرهم. والرابع: وهو فصل الأمراء والوزراء في الإسلام كالبرامكة وأضرابهم (١). وإنما أنا متوخ أولئك الرجال الذين بنوا مجدهم بسواعدهم وقلوبهم غير المتكلمين على آبائهم وجدودهم، وهذا الباب من أجل أبواب الكتاب لاشتماله على أخبار الجاهليين في باديتهم والإسلاميين في حاضرتهم، وترى فيه نبذا كثيرة عن المدنية العباسية في العراق والحضارة الأموية في الأندلس مما يعرض في خلال تراجم أصحابها. والله الموفق للخير والمرشد للصواب. * * *

стр. 59

ملوك الجاهلية وأمراؤها (كلمة) جاهلية العرب لم تزل أمرا غامضا مستور الحقيقة في مدتها وأسماء ملوكها وأخبار قبائلها وأعمار رجالها، ولا سيما ما سلف منها، وإنما اندفع مؤرخونا المتقدمون بسائق حب الاطلاع فبحثوا ونقبوا فيما وصلت إليه يدهم من أساطير الأولين والآخرين، ولكن كان جل ما أتوا به من الأرقام التاريخية تكهنا وتقديرا ورميا في الغيب، ولقد قدر علينا أن نصنع صنيعهم فلم تكن نتيجة بحثنا غير العلم بأنهم يحققون ما لا يتحققون، ويدعون علم ما لا يعون، وأعظم ما استندوا إليه في أبحاثهم وعولوا عليه في أرقامهم أمران: الأول: علم الأنساب في الجاهلية، يسلسلون الرجال حتى يبلغوا بهم أبا البشر آدم ﵇ على ما يعترضهم من العقبات وما يضطرون إلى سلوكه من وعر المسالك، وفي هذا ما فيه من التصدي بما لا يدرك وحسبنا سندا في الوقوف عن الأخذ بأقوالهم ما صرح به النبي القرشي ﷺ ومن حوله النسابون والإخباريون والشعراء ودهاة الحجاز واليمن من كراهية الإغراق في نسبة نفسه إلى ما يتجاوز عدنان، وقوله عند بلوغه وإرادة اجتيازه: كذب النسابون! فيمثل هذا تسقط عندنا دعوى الوثوق بعلم الأنساب في الجاهلية الأولى، أي ما وراء عدنان، وفي ذلك اختلافنا. وأما الأمر الثاني: الذي عول عليه مؤرخونا بعد الأنساب فهو التوراة في أنبائها عن بدء الخليقة وأزمان آدم ونوح وغيرهما (١)، وقد أظهرت الاكتشافات

стр. 60

الجيولوجية وتنقيب علماء العاديات والآثار ما خالف كثيرا من أخبار التوراة وأرقامها وأبحاثها. والتوراة إنما هو كتاب دين يوضح قدرة الله في خلقه الأكوان ويشرح شريعة موسى التي سنها الله، لا كتاب تاريخ وعلم يبحث عن الحقائق الطبيعية (١) والعلمية؛ فإنه كثيرا ما تدخله الشبهة في مباحثه في الطبيعة والتاريخ (٢). ولا يهولنك دفاع علماء اللاهوت عما جاء به والتماسهم له الوجوه البعيدة؛ فالكتب السماوية وفي مقدمتها القرآن الكريم: إذا تعرضت للبحث الغامض في التاريخ أو العلم الطبيعي توجز فيه ولا تزيده بيانا عما يعلمه أهل ذلك العصر المرسل إليهم ذلك الكتاب. فإذا سقطت هاتان الدعوتان: دعوى الأنساب، ودعوى الوثوق بالتوراة، تلاشى ما يقال عن الحكم على الزمن الذي حكم فيه الحموربيون مملكة بابل والعراق، والذي كانت فيه قبائل طسم وجديس وعاد وثمود ذوات الذكر والشأن، وداخلنا الشك في عصر القحطانيين حكام البلاد اليمانية والجرهميين وأضرابهم. واخترنا ترك إرادة التحقيق في ذلك حتى تنبت أيدي الباحثين في أطراف العراق واليمن والحجاز بعناية قوية وغيرة على العلم كبيرة؛ فإذا بدت لهم الآثار وانكشفت الأستار زالت الأوهام وقام البت والقطع في الحكم مقام الوهم والتكهن والتقدير. ولما كان هذا المصنف مرتبا على السنين في أكثر أبوابه وفصوله اضطررت إلى أن أتابع فيه الأقرب إلى الحق واليقين، مما ذهبت إليه جماعة المؤرخين، بينما يظهر ما يثبته أو يعدله من عاديات الآثار، وربك يفعل ما يشاء ويختار.

стр. 61

حموربي كان في نحو سنة ٣٢٠٠ قبل الهجرة ما زالت شريعة حموربي ومؤسسها موضع عناية الباحثين وتنقيب المنقبين حتى تضاربت بهما الأقوال واختلفت إلى مظان آثارهما رحال الرجال، والذي اتضح لهم بعد البحث أن مقر الدولة الحموربية كان في القطر العراقي، وأن عاصمتها مدينة بابل: دلهم على ذلك ما وجدوه من آثارها الماثلة للباحث عنها فيما بين النهرين، حيث ظهرت أنقاض مدرسة صغيرة (في مدينة زيبارا) يرجع عهد بنائها إلى ما يقارب ثلاثة آلاف سنة قبل الهجرة، وعثروا بجوارها على كثير من الآجر المشوي والأحجار المنبسطة منقوشا عليها نصوص تاريخية وصكوك وعقود ورسائل وأدعية دينية كتبت بالحروف المسمارية مما استدل منه العلماء الجيولوجيون على أن تلك الدولة يرجع عهد تأسيسها إلى نحو القرن الثاني والثلاثين قبل الهجرة، وهو رأي القائلين بأن حموربي كان معاصرا لإبراهيم الخليل، وأنه هو المذكور في سفر التكوين من التوراة باسم (امرافل) موحد المملكة البابلية، قاله الأب شيل الدومنيكي، وحبذ هذا الرأي العلامة الأب انستاس الكرملي قال في لغة العرب: إن الرأي القائل بأن حموربي و امرافل اسمان لمسمى واحد قريب الاحتمال ولو اختلف مبناهما. وأمرافل: لفظة سنسكريتية من امر ابلا Amarapala ومعناها: حامي المخلدين، وحموربي: آرامية تفيد ما يقارب هذا المعنى وهو رب الأرباب. ودولة حموربي وإن جزم بعض فضلاء المؤرخين كصاحب (العرب قبل الإسلام) وغيره بأنها عربية الأصل واللسان؛ فإن جل علماء الآثار والعاديات ما برحوا في شك من ذلك: فيهم من يقول: إن حموربي عربي لا دولته، وفيهم القائل بأن الأسرة المالكة والدولة معا كانوا عربا ينطقون باللسان العربية المتداولة في تلك العصور، وهي تختلف عن لسان عرب اليوم، وتشبه لغة الآشوريين «سكان

стр. 62

نينوى وما جاورها»، وكانوا معاصريهم ومجاوريهم ويتفقون معهم في كثير من أزيائهم وعاداتهم وطراز بنائهم. والحموربيون إذا ثبتت عربيتهم بما سيكتشفه المنقبون من آثارهم يكونون أول دولة عربية عرف بها تاريخ البشر ووصف حضارتها ومدينتها بما أفصحت عنه الأطلال الشاخصة بها، وفي (العرب قبل الإسلام) أن بعض الباحثين ظفر في بلاد السوس (فيما وراء النهر) بمسلة (١) من الحجر الأسود الصلب قد نقشت عليها شريعة حموربي مؤلفة من ٢٨١ مادة تبحث في طبقات الأمة وحقوق المرأة وواجباتها والزواج والإرث، وعثر آخرون على كتابات تدل على معرفتهم بفنون الجراحة والطب، وبالجملة؛ فإن الأمة الحموربية وإن ظلمها التاريخ بإغفال ذكرها وإهمال أمرها فستظهرها آثارها الخالدة وتفصح عنها بناياتها وأنقاضها حتى تكون في عداد الدول القديمة المعروفة ذات المكانة الرفيعة والمنزلة السامقة والمجد والإعظام. قحطان توفي في نحو سنة ٢٦٩٠ قبل الهجرة سبقت الإشارة إلى صاحب هذه الترجمة في الكلام على عدنان وقلنا بأن الجيل الثاني من أجيال العرب الثلاثة، وهو المسمى «العرب المتعربة» يبتدئ بقحطان وأنه وابنه يعرب أخذا العربية عمن تقدمهما من قبائل العرب العاربة. وقحطان هو: ابن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، ذلك ما يذكره

стр. 63

علماء الأنساب ويقدمونه على ما عداه، واسم قحطان في التوراة يقطان، وأبوه عابر هو نبي الله هود ﵇، وكانت إقامة أبيه هود في حضرموت وهو من أشراف قومه ووجوههم وبها توفي وفيها قبره، وأما ابنه قحطان؛ فمولده ومنشأه الأول في حضرموت، ثم انتقل بجماعة من قبيلته وأهله إلى مدينة صنعاء وكانت أرضا خالية فابتنى بها واقتدى به من جاء معه فمصروها وصيروها مدينة تذكرهم آثارها بعد مر الألوف من السنين، وكثرت جماعة المنتقلين إلى صنعاء لما وجدوا بها من الخصب وطيب الهواء فنادوا بقحطان أميرا عليهم (ملكا) وكان كما قدمنا من أعيان قومه وأبوه ذو الشأن الرفيع بوجاهته بينهم ونبوته فيهم، وأحسن قحطان السياسة فأحبوه وكرموه، ورأى نفسه في قوة وسلطان فجمع جيشا وزحف به إلى العراق، وكان قد بلغه أن شداد بن عاد (أحد أمراء العرب العاربة) جاور العراقيين مدة واستولى في نحو سنة ٢٩٢٧ ق. هـ على مدينة بابل قاعدة مملكة الكلدانيين والحموربيين. ولما كانت سنة ٢٦٩٥ ق. هـ، وذلك في أيام قحطان، وثب الملك الآشوري بعلوس على من كان فيها من العرب فطردهم وجعلها عاصمة لمملكته الآشورية، فزحف إليه قحطان بما اجتمع لديه من المقاتلة ونشبت بين الفريقين حرب هائلة طالت أيامها، ومات في أثنائها قحطان سنة ٢٦٩٠ ق. هـ، ثم إن ابنه يعرب عقد الصلح مع بعلوس، وعاد إلى صنعاء مقر ملكه وملك أبيه من قبله. أما قحطان فيقال: إنه أول من لبس التاج ولعله لما قدم العراق ورأى حضارة بابل ونينوى في ذلك العهد قلد ملوكهم بلبس التاج فكان أول من لبسه من ملوك اليمن وجزيرة العرب، وهو وابنه يعرب أول من نطق باللغة العربية وكانت لغتهم اللغة الكلدانية وهي لسان أهل العراق الأصليين، واستبعد ابن خلدون ما ينقله المؤرخون من أن قحطان أول من تكلم بالعربية، وأنه أتى بها مخترعا من ذات نفسه، فقال: وقحطان تعلم العربية ممن أدركه من العرب العاربة (البائدة).

стр. 64

وولد لقحطان ثلاثة عشر ولدا، وكثر نسله حتى امتلأت به البلاد اليمنية بعد زمن يسير، وإنما تشعبت القبائل والبطون القحطانية من حفيده سبأ بن يشجب ابن يعرب بن قحطان، فكانت منه بطون حمير وبطون كهلان وانتشرت أبناؤهم في الشام والحجاز والعراق واليمن، ومن نسله التبابعة ملوك اليمن، واللخميون ملوك الحيرة، والغساسنة ملوك الشام، وفيه يقول الشاعر: فما مثل قحطان السماحة والندى … ولا كابنه رب الفصاحة يعرب يعرب مات في نحو سنة ٢٦٥٠ قبل الهجرة يعرب بن قحطان بن عابر: أحد ملوك العرب وحكمائهم وخطبائهم ومن ذوي البسالة والإقدام فيهم ولي إمارة صنعاء بعد موت أبيه، واشتد ساعده، وكثر رهطه بعد عودته من قتال الآشوريين في العراق وبابل، فأقام في مقر إمارته سنينا يعد عدده وينمي عدده، ورأى قوم عاد (الثانية) قد طغوا في اليمن فخاف زحفهم عليه، فجمع جموعه وابتدأهم فحاربهم فحالفه التوفيق والظفر فامتلك البلاد اليمانية، وصفا له الملك بها، ثم حارب العمالقة وكانوا في الحجاز فغلبهم على أمرهم، وولى إخوته الأعمال؛ فجعل جرهما على الحجاز، وعاد بن قحطان على الشحر، وحضرموت بن قحطان على جبال الشحر، وعمان بن قحطان على بلاد عمان. ويعرب هذا أول من حياه وولده بتحية الملك: أنعم صباحا! و: أبيت اللعن! وهو وأبيه اللذان نشرا لغة العرب في البلاد والممالك، وذلك بعد تفرق الألسن وتبلبلها واختلاف الناس في أساليب التعبير عن ضمائرهم وخواطرهم، وبذلك يقول حسان بن ثابت الأنصاري:

стр. 65

تعلمتم من منطق الشيخ يعرب … أبينا فصرتم معربين ذوي نفر وكنتم قديما ما لكم غير عجمة … كلام وكنتم كالبهائم في القفر ويزعم أصحاب الأخبار أن يعرب لما حضرته الوفاة جمع بنيه وأوصاهم بقوله: «أي بني! تعلموا العلم واعملوا به، واتركوا الحسد؛ فإنه داعية القطيعة بينكم، وتجنبوا الشر وأهله؛ فإن الشر لا يجلب عليكم إلا الشر، وأنصفوا الناس من أنفسكم؛ فإنهم ينصفونكم من أنفسهم، واجتنبوا الكبرياء؛ فإنها تبعد قلوب الرجال عنكم، وعليكم بالتواضع؛ فإنه يقربكم من الناس ويحببكم إليهم، وإذا استشاركم مستشير فأشيروا عليه بما تشيرون به على أنفسكم بمثل ما استشاركم فيه؛ فإنها أمانة قد ألقاها في أعناقكم». وملك بعد أبيه ثلاثا وثلاثين سنة، ومات في صنعاء. سبأ مات نحو سنة ٢٥٩٠ قبل الهجرة عبد شمس بن يشجب بن يعرب بن قحطان: أحد كبار ملوك اليمن ومن أصحاب الذكر والشأن في تاريخ تلك الأصقاع، ملك صنعاء وما جاورها من الديار التي أخضعها يعرب لسلطانه، كما قدمنا في ترجمته، وكان موصوفا بالشجاعة وعلو الهمة وحب الغزو؛ فإنه طمح ببصره إلى القبائل البعيدة عنه فتصدها وحاربها وأكثر السبي فيها فلما عاد إلى صنعاء أكبرت قبيلته أمره وأعظمت شأنه وكانت عادة السبي غير مألوفة فسنها عبد شمس. قال أصحاب التواريخ: ولذلك لقب بسبأ .. ولا يحسن عندي هذا التوجيه. وكان مولعا بالعمران وإقامة الأبنية الفخمة، فابتنى مدينة مأرب، وهي

стр. 66

من المدن التي ما زالت آثارها شاخصة إلى هذا الحين وقد عثر بعض علماء الآثار واللاهجين بالبحث والتنقيب من فضلاء الغرب على كثير من الكتابات منقوشة على الحجارة باللسان الحميري استدلوا منها على اسم المدينة ورأوا بعض الأنقاض الآخذة بالاندثار فعرفوا منها حدود المدينة، وفيها سور له بابان أحدهما شرقي والآخر غربي، وفي وسطها آثار هيكل يسميه سكان ذلك القطر الآن هيكل سليمان، وبنى بها السد المعروف بسد مأرب. قال المسعودي: ومات سبأ قبل أن يستتمه فأتمته ملوك حمير بعده. وفي المؤرخين من ينسب له بناء مدينة عين شمس في إقليم مصر وتعرف اليوم باسم مصر الجديدة، وما أحسبها إلا من بناء الفراعنة كما يفهم من صدر كلام ياقوت الحموي عنها. وكان موصوفا بقوة العارضة حتى قال واصفوه: هو أول من خطب في الجاهلية على الجماعة يريدون أنه أول خطيب جاهلي قام في ملأ من الناس فحذرهم أو أنذرهم أو وعظهم أو شجعهم، لم يكن ذلك معروفا عند من تقدمه من ملوك القبائل وأمرائها. وعاش بعد موت أبيه خمسا وثلاثين سنة، وأعقب نسلا حميدا. قال النسابة الكلبي: ولد لسبأ: حمير وكهلان وصيفي وبشر ونصر وأفلح وزيدان والعود ورهم وعبد الله ونعمان ويشجب و شداد وربيعة ومالك وزيد. فيقال لبني سبأ كلهم السبئيون إلا حميرا وكهلان؛ فإن القبائل قد تفرقت منهما؛ فإذا سألت الرجل: ممن أنت؟ فقال: سبئي، فليس بحميري ولا كهلاني. اهـ. وفي كثرة غزواته وفتوحه يقول الشاعر:

стр. 67

لقد ملك الآفاق من حيث شرقها … إلى الغرب منها عبد شمس بن يشجب سعى بالجياد الأعوجية والقنا … إلى بابل في مقنب بعد مقنب قال صاحب سبائك الذهب في معرفة قبائل العرب: «ويقال: إن سبأ أغار على بلبل (?) (١) بالخيل ففتحها وأخذ أتاوتها، وضرب بالخيل والرجال في الأرض؛ فكان لا يذكر له بلد إلا قصده وفتحه، وهو أول من فتح البلاد وأخذ أتاوتها». حمير مات نحو سنة ٢٥٤٠ قبل الهجرة الحميريون: ملوك عظام كانت منازلهم في اليمن ودام لهم الملك زمنا طويلا، وهم ينتسبون إلى صاحب هذه الترجمة: حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وكان ملكا شجاعا مظفرا، حكم بعد موت أبيه سبأ، ولم تزل عاصمة ملكه صنعاء، وغزا وافتتح حاذيا حذو آبائه في توسيع دائرة ملكهم حتى قيل: إن غزاته بلغوا الصين. وحمير: لقب عليه لاختياره الثياب الحمر وكثرة لبسه لها واسمه العرنجج: وهو مشتق من قولهم: اعر نجج في الأمر: إذا جد فيه، واتخذ من الذهب الوهاج تاجا، فكان أول من تتوج بالذهب، وله وقائع مشهورة منها أنه قاتل قبائل ثمود، وكان مقامها في اليمن ففرقها فارتحلت إلى الحجاز. والدولة الحميرية ذات ذكر وشأن في تاريخ جاهلية العرب، وأصحاب الأخبار لا يعولون في مدتها على رأي، ولكنهم يختلفون اختلافا عهدناه بهم في مثلها فلا غرابة فيه، وضعفت في منتهى أمرها، شأن غيرها من الدول الكبيرة، فأسست على أنقاضها دولة حبشية أسسها أرباط الحبشي الذي أغار بجيش كبير من أبناء جلدته على آخر الملوك الحميريين ذي نواس، وهو أحد الملوك

стр. 68

اليمانيين المعروفين بالأذواء (١)، فقاتله وامتلك اليمن سنة ٨٥ ق. هـ. فدام لأرياط الملك وتوارثه عنه بعض أبنائه، والعرب اليمانيون يتحفزون إلى الوثوب بهم، ولكنهم لا يستطيعون لاستئثار الحبشة بالقوة دونهم، حتى نهض فيهم شاب كان من سلالة الأذواء الحميريين واسمه: سيف بن ذي يزن فإنه دهم الأحباس بجيش أتى به من الفرس؛ على نحو ما سيأتي مفصلا في ترجمة سيف المذكور؛ فأعاد الملك إلى أهله واستقل به سنة ٢١ ق. هـ. و للحميريين لغة انفردت بها قبائل اليمن تختلف عن العربية الحجازية بفروق كثيرة في كتابتها وكلماتها، ولها ألفاظ لا يعرفها غير اليمانيين؛ فمما اختصوا من الألفاظ: العباهلة، والأقيال، والأرواع، والمشابيب (٢)، وغير ذلك مما ورد شيء منه في بعض رسائل النبي ( ﷺ ) التي بعث بها إليهم، وكان يخاطب كل قبيلة بلهجتها ولغتها، ورسائله محفوظة في أكثر كتب الأدب والتاريخ. ومما خالفوا فيه غيرهم من قبائل العرب الوثوب يعنون بن القعود، وإبدال لام التعريف بالميم، يقولون: طاب امهواء، وجاء امشتاء، وصفا امجو؛ يريدون الهواء والشتاء والجو، ويحفظ عن رسول الله ( ﷺ ) أن جماعة من الحميريين سألوه عن الصيام في السفر فأجابهم بلغتهم ليس من امبر الصيام في امسفر، يعني: ليس من البر الصيام في السفر. والعامة في مصر والشام اليوم يقولون امبارح «إذا أرادوا «ممم البارحة». ومنها: الوتم، وهو إبدالهم السين تاء، يقولن: ألنات بالنات، يعنون: الناس بالناس.

стр. 69

والشنشنة: وهي إبدالهم الكاف شيئا: سمع أحدهم في عرفة، يقول: لبيش اللهم لبيش، أي: لبيك اللهم لبيك، وهذه شائعة اليوم في كثير من القرى والبوادي، ويبدلون الباء جيما في الإضافة والنسب نحو غلامج (أي غلامي) وبصرج (أي بصري). ويقفون على الهاء بالتاء: يقولون: عربيت، ولغويت، ونجديت، وهم يريدون: عربية، ولغوية، وهذه أيضا شائعة اليوم في المدارس المسيحية، خاصة في بلاد الشام، والبحث في هذا الأمر يطول، وعلماء العربية لا يحتجون بكلامهم في اللغة لمخالطتهم الحبشة والهنود (المزهر: للسيوطي). وعلماء الآثار اليوم يرون بونا بعيدا بينها وبين العربية الحجازية، وذلك فيما عثروا عليه من كلامهم، حتى شك بعضهم في أنها فرع من العربية وعدوها لغة قائمة بنفسها. قال البستاني في دائرة المعارف (ج ٧ ص ٢٤٢): وذهب بعضهم إلى أن الحميرية تختلف جدا عن العربية، حتى أنه لا يجوز جعلهما معا، وأول من بين لأوروبا وجود الكتابة الحميرية في المقاطعات الجنوبية من بلاد العرب هو العالم نيبور، وذلك سنة ١١٩٠ هـ (١١٧٤ م)، ثم كشفت عدة كتابات وآثار في ظفار وصنعاء والخريبة ومأرب وحرم بلقيس وحضرموت، وفي المتحف الإنكليزي بلوندره نموذج منها منقول على ألواح نحاسية باللغة الحميرية وجدت في حضرموت، وجوهرتان عليهما كتابة حميرية جيء بهما من بابل، واكتشف الباحثان بليفير وكوغلان عدة ألواح برنزية عثرا عليها في القرب من صنعاء وأهدياها إلى المعرض. قال البستاني: ووجد حديثا كتابات كثيرة حتى صارت تعد بالمئات. والأحرف الحميرية اكتشفها موسيو كلدور في أبين (جهة في الشمال الشرقي من عدن) منقوشة على قطعة من البلاط، والكتابة الحميرية تختلف عن غيرها

стр. 70

من لغات القبائل العربية اختلافا واضحا وخطها يعرف بالمسند وهو قريب في صورته من الخط السرياني والحبشي. ونقل صاحب المطالع النصرية عن ابن خلكان قوله: والحميرية هي خط أهل اليمن قوم هود وهم عاد الأولى، وكانت كتابتهم تسمى المسند الحميري وكانت حروفها كلها منفصلة وكانوا يمنعون العامة من تعلمها فلا يتعاطاها أحد إلا بإذنهم. اهـ. وعاش حمير خمسين سنة في ملكه بعد أبيه، وولد له خمسة أولاد: مالك، وعامر، وعمرو، وسعد، ووائلة. كذا في المعارف لابن قتيبة. ومن بطون حمير على ما ذكره القلقشندي في كتاب الأنساب: السكاسك، والشعبيون، وبنو الريان، وقضاعة، وبطون قضاعة، وبنو عبد شمس. ومن ملوك حمير: التبابعة، والأذواء، والأقيال. وعلى ما في تاريخهم وأخبارهم من الغموض تجد في كتب التاريخ الكبيرة كتاريخ ابن خلدون وأشباهه كلاما كثيرا عنهم، وفيه ما تؤيده الآثار المكتشفة في عصرنا هذا. تبع مات في نحو سنة ١٠٥٣ ق. هـ الملك الأكبر من ملوك الدولة الحميرية الثانية في بلاد اليمن، كان يلقب بتبع، كما كان الفرس يدعون كل ملك منهم كسرى (معرب خسرو الفارسية)، والروم قيصر (معرب: Cesar)، والترك خاقان، والحبشة النجاشي (معرب انكاش، في الحبشية، وهي بالكاف المسمة بالجيم، كما في العبر). وامتاز تبع هذا بأنه ورد ذكره وذكر قومه كثيرا في الأخبار الإسلامية، وهو من ذوي الفتوح والشأن، واسمه حسان وأبوه تبع أسعد أبو كرب الحميري (قاله أبو الفداء). كان من أعاظم ملوك حمير، ولعله أكثرهم غارات وأظفرهم كتائب. قال الإمام ابن عساكر في تاريخ الشام: سار تبع بجيش عرمرم حتى انتهى إلى

стр. 71

سمرقند يغزو ويفتتح وكلما دخل مدينة أو قرية كبيرة اختار من كلمائها وذوي العقول الراجحة من أبنائها عددا لا يقل عن العشرة فاستصحبهم معه، ثم انصرف فأخذ طريق الشام، فامتلك دمشق واعتقل منها أحبارا من اليهود جعلهم فيمن سير معه من الحكماء، وما كر راجعا نحو اليمن إلا وبين يديه من الأحبار والكهنة والحكماء ما يناهز أربعة آلاف رجل، وبينما هو سائر إلى اليمن كان الأحبار يحدثونه عن الأديان والكتب السماوية حتى استمالوه إليهم، ولما قرب من مكة شاع في الناس أنه يريد هدم الكعبة؛ فهرع إليه الأحبار فحدثوه بشأن الكعبة وأنها بيت الله وما زالوا به إلى أن كانت لها في نفسه هيبة؛ فخلع ثيابه محرما واصطفى دين إبراهيم الخليل، ودخلها فقضى نسكه وكساها سبعة أثواب، فهو أول من كسى البيت، ثم مر ببقعة يثرب (المدينة) وعاد إلى اليمن فاستمرت بينه وبين قومه مناظرات في أمر دينه الجديد، وكانوا وثنيين يعبدون بيتا شيدوه يزعمون أن به إلها يكلمهم ويخرج إليهم، وثبت تبع، وتبعه جماعات منهم وأحرق كثيرا من الذين قاوموه في نشر دينه، واعتزله جماعة بقوا على دياناتهم فهدم تبع وأصحابه بيت عبادتهم، واتخذ في اليمن مدينتي «مأرب» و «ظفار»، فجعلهما سكنا له يقيم في أيام الشتاء بمنزل في مأرب مبني بالصفائح الذهبية، ويقضي فصل الصيف في «ظفار» بمنزله المبني من الرخام، وجعل في مأرب مكانا ينشأ أبناء الملوك من حمير يتعلمون به اللغة والأخلاق فهو كمدرسة للعلم والتربية، ثم ثار عليه جمع من قومه فقتلوه، وقيل: بل مات في «غلسان» من بلاد الهند. هذه أخبار تبع حسان اليماني لخصتها كما ترى عن بعض الكتب العربية الموثوق بها عند أصحاب هذه اللغة، وأما آثار التبابعة فحتى يومنا الذي نحن فيه لم ينكشف للباحثين من أمرها غامض ولا وضحت حقيقة وعساها تنبئ الأطلال الدارسة بأقدار بناتها وأهليها الأولين ولو بعد حين، أما زمن صاحب الترجمة فلم أر ما أثق به من الأقوال الصريحة في كتب التواريخ غير كلمة يستأنس بها الآن أوردها الحافظ ابن عساكر قال: وبين تبع ومولد رسول الله ﷺ ألف

стр. 72

سنة، فأضفت ما بين مولد النبي وهجرته إلى الألف فكان مجموعهما ألف سنة وثلاثا وخمسين سنة، وإنما هو تقدير وتقريب: وقد يحسن إيرادهما ويحتج بهما عند فقدان الحقيقة وامتناع التأكيد. وينسبون لتبع هذا شعرا يزعمون أنه ناظمه وأثبت شيئا منه ابن عساكر في تاريخه، أما عندي فلا يثبت من ذلك شيء ونحن نرى الخلاف في أسماء ملوكهم قائما فكيف بما يعزى إليهم من الشعر على كثرة ناظميه والمشتغلين فيه. عمرو بن لحي مات نحو سنة ٣٩٠ ق. هـ كانت العرب حتى سنة ٤٠٠ قبل الهجرة آخذة بدين إبراهيم الخليل ﵇ إلا قليلا منها اتبعوا ديانات مجاوريهم من الفرس والروم والوثنيين وغيرهم حتى نشأ في الحجاز ملك منهم يدعى «عمرو بن لحي» بن حارثة بن عمرو مزيقياء الأزدي من ولد كهلان بن سبأ، وكان ملكا مطاعا شائع الذكر داهية خضعت له الحجاز، وهو أول من أدخل الأصنام على تلك البقعة وجعلها في الكعبة، وذلك أنه أصيب بعلة شديدة أعياه شفاؤها فقيل له: لو قصدت البلقاء من أعمال الشام فإن بها حمة إن أتيتها برأت، فأتاها، فاستحم، فبرأ من مرضه، واختلط ببعض أهلها فرآهم يعبدون أصناما فسألهم عنها، فقالوا: هذه أرباب اتخذناها على شكل الهياكل العلوية والأشخاص البشرية نستنصر بها فتنصر ونستسقي بها فنسقى، فأعجبه ذلك، فطلب منهم صنما وبذل لهم ما يعدله من النقود فدفعوا إليه «هبل»، واسمه في العبرانية «هبعل»، وهو اسم أكبر أصنام الفينيقيين أو الكنعانيين ومن جاورهم من أمم الشام. قال النويري: وهبل: صنم من خرز العقيق على صورة الإنسان، فاحتمله عمرو به لحي وسار به إلى مكة فوضعه على الكعبة، واشترى صنمين أحدهما

стр. 73

«إساف»، والثاني «نائلة»، فعكف على عبادتهما وأمر قومه وعشيرته بعبادة الأوثان وتعظيمها، ثم دعا العرب كافة إلى رفع شأنها واحترامها والتقرب منها، فأجابه السواد الأعظم منهم رغبة أو رهبة، وشد جماعة من عقلائهم ومفكريهم، ففضلوا الديانات المعروفة في ذلك العصر كالإسرائيلية والنصرانية، ومنهم من اختار مذهب المجوس والزنادقة أو الثنوية، أو عبادة الكواكب، وثبت فريق على ديانته الأولى. واستمر الأكثرون على عبادة الأصنام وتقريب القرابين لها حتى جاء الإسلام فحطمها وحول الناس عن ابتغائها بعد أن كثر عددها وفشا أمرها واتخذت كل قبيلة من قبائل العرب صنما ابتدعته، ومنهم من بنى له بيتا ليكون كالكعبة يطاف حوله، حتى إذا ارتفع لصاحب ذلك الصنم شأن أو كان له سلطان على من جاوره من العشائر دعاهم إلى تعظيمه وعبادته وناضل عنه ببأسه وقوته، تشبها بقريش في سدانتها للكعبة وسيادتها بذلك. وقد حطم المسلمون نيفا وثلاثمائة صنم، وقيل: إنها كانت على عدد أيام السنة، ومن أشهر أصنام العرب: «هبل الأنف ذكره، و «إساف»، وكان على الصفا، ونائلة وكان على المروة، و «مناة» وكان عند الأوس والخزرج في مدينة يثرب، واللات» وكان لثقيف في الطائف، و «العزى» وكان لقريش وكنانة، وود لبني كلب بدومة الجندل، و «سواع» لهذيل، و «يغوث» لمذحج، و «يعوق» لهمذان، وأصنامهم كثيرة يضيق بها مجال هذا الكتاب. أما عمرو بن لحي المترجم: فقد كان في عصر سابور ملك العجم (قاله الشهرستاني)، وسوابير العجم ثلاثة: سابور بن أردشير (مات سنة ٣٩٨ ق. هـ) وسابور بن هرمز المعروف بذي الأكتاف (مات سنة ٢٧٨ ق. هـ)، وسابور ابن ذي الأكتاف (مات سنة ٢٦٩ ق. هـ)، وأشهرهم عند سكان جزيرة العرب ذو الأكتاف؛ فإنه غزاهم وكان له معهم حديث طويل، والذي ذهبت إليه في تاريخ صاحب الترجمة أنه كان في عصر سابور الأول ورجحه عندي قدم

стр. 74

الأصنام في الكعبة ورجوعها إلى عهد أبعد من عهد سابور الثاني أو الثالث، وكذلك صنع السيد رفاعة الطهطاوي في كتابه بداية القدماء وهداية الحكماء، اختار لعمرو معاصرة سابور الأول، وهو متردد في الحكم غير جازم. جذيمة الوضاح مات سنة ٣٦٥ ق. هـ جذيمة بن مالك بن فهم بن غانم بن دوس الأزدي: أحد ملوك العراق ومن ذوي الذكر الذائع والاسم الشائع. قال المؤرخ ابن الأثير: «كان من أفضل ملوك العرب رأيا، وأبعدهم مغارا، وأشدهم نكاية، وهو أول من غزا بالجيوش، وشن الغارات على قبائل العرب». كان مقره في الأنبار واليا على من جاوره من عرب العراق من قبل الأكاسرة ملوك العجم في أيام ازدهار ملكهم وامتداد سلطتهم، ثم استولى على السواد (في شمالي العراق) وانقادت له الحيرة والأنبار وسائر القرى المجاورة، ثم طمح بنظره إلى مشارف الشام وأرض الجزيرة فغزاها وحارب ملكها عمرو بن الظرب والد الزباء، فقتله وانتهب بلاده، وكان له من الفرات إلى تدمر، وفرت ابنته الزباء، حتى انصرف جذيمة فعادت إلى تدمر مقر ملك أبيها فجمعت شمل الجند واستعدت، ثم راسلته وعرضت عليه نفسها زوجة له، وكانت أجمل وأعقل وأشهر نساء عصرها، فقدم عليها جذيمة ليتزوجها فاغتالته وقتلته وأخذت بثأر أبيها: وقصتها مشهورة تجدها في أكثر كتب التاريخ والأدب العربي وفي حوادثها أمثال جيدة وأخبار تلذ الثلاة، ولبحثة الإفرنج اهتمام كبير بأمرها وهم يسمونها «زينوبيا - ملكة تدمر»، فارجع إن شئت البحث عنها إلى كتب المستشرقين وأهل التحقيق منهم، وابتعد ما استطعت عن كتب العرب وأقوالهم فيها إلا في ما لا بد منه كالأمثال العربية أو إرادة المقابلة.

стр. 75

وجذيمة أول ملك أو أمير عربي جلس على سرير اتخذه لنفسه في مجلسه: أخذ ذلك عن الفرس، وجبيت له أموال البلاد الخاضعة لحكمه فقال فيه شاعره: أضحى جذيمة في الأنبار منزله … قد حاز ما جمعت في عصرها عاد مستعمل الخير لا تفنى زيادته … في كل يوم وأهل الخير تزداد وضاع له ابن أخت يدعى عمرا وهو صغير فمضى عليه زمن ثم لقيه رجلان: اسم أحدهما مالك والثاني عقيل فأتياه به فقال لهما جذيمة: تمنيا علي ما شئتما، فطلبا منادمته ما بقي وبقيا فنادماه أربعين سنة، ورأى منهما عقلا وأدبا فصحبهما حتى مات وفرقت بينهما الأيام، فضربت العرب بهما الأمثال في تأكيد الألفة وطول الصحبة؛ قال أبو خراش الهذلي يرثي أخاه عروة: تقول أراه بعد عروة لاهيا … وذلك رزء لو علمت جليل فلا تحسبي أن قد تناسيت عهده … ولكن صبري يا أميم جميل ألم تعلمي أن قد تفرق قبلنا … خللا صفاء: مالك وعقيل وكان يقال لجذيمة «الأبرش» و «الأبرص» لبرص كان فيه، ولكن العرب هابته أن تنعته به فلقب بالوضاح، وقتل في تدمر كما ذكرنا واختلفوا في مدة ملكه بين ٥٠ سنة و [٦٠]. الضيزن السليحي مات سنة ٣٠٤ ق. هـ ما برحت الآثار الشاخصة والأطلال البالية تذكر رأيها بيانيها وتدل مشاهدها على شائدها، فإن علماء البلدان وأصحاب الرحلات المولعين بالأسفار والبحث عن الآثار كلما مر واحد منهم بتلك الأخربة المبعثرة في ذلك المكان
следующие страницы →