← Тараджим

Тараджим · id 30120

تراجم الأوائل والخلفاء (الأعلام الصغرى)

خير الدين الزركلي

Полный текст (226 стр.). Показаны 211–226 · переход к 216.

стр. 211

بالمملكة فاضطرب أمرها حتى كانت أيامه كلها أيام ثورات تفرقت بها القلوب بعد ائتلافها وكثر عدد الخارجين عن سلطته حتى صار في كل جهة متغلب أو مستقل وليس ذلك يبدع فإن الجسم إذا طال فيه أمر العلة حتى أوشكت تزمن وجنته بالإصلاح والعلاج ثارت فيه ثائرة ربما خيف منها على سائر الأضلاع ذلك مثل عبد الله بن محمد في ملكه إذ فجأ أهل الدولة وهم بين مسيطر وسلاب ونهاب فنزع عن نفسه حجب الجلالة والعظمة وأمر ببناء ساباط بين قصره والجامع في قرطبة فكان يتعد فيه قبل صلاة الجمعة وبعدها فيرى الناس ويشرف على أخبارهم وحركاتهم ويسر بجماعاتهم ويسمع قول المتظلم ولا يخفى عليه شيء من أمورهم وأخذ يقعد أيضا على بعض أبواب قصره (سرايه) أياما معلومة فترفع إليه الظلامات وتصل إليه الكتب على باب حديد صنع لذلك فلا يتعذر على ضعيف إيصال بطاقة بيده ولا إنهاء مظلمة على لسانه. قال صاحب البيان المغرب: وكان أهل المكانات والمقربون منه يتحفظون من كل أمر يوجب الشكوى منهم .. وكانت اللذات مهجورة في أيامه واللهو غير مقترف من أكثر الأمة، ويسمى أحد أبواب القصر «باب العدل» يباشر فيه أحوال الناس بنفسه ولا يجعل بينه وبين المظلوم سترا، وربما عيب علي كرهه للسرف وميله إلى الاقتصاد في النفقة والعطايا إلا ما كان منها في سبيل الصدقات والمبرات فإنه لم يكن يرى بأسا بالإنفاق الغزير فيها مما يدل على أن اقتصاده الأول لا يسمى بخلا كما عرفه به بعض المؤرخين، فالبخيل الشحيح يتعلق بالدرهم والدينار فيحجبهما عن كل سبيل لا يفرق بين الصدقة والجائزة، ولا بين الإكرام والإحسان، وكان موصوفا بالورع وصلاح القلب، متفننا بضروب العلوم، بصيرا بلغات قبائل العرب، فصيح اللسان، حسن البيان؛ أما صورته فأبيض مشرب بالحمرة أصهب أزرق أقنى الأنف، ربعة إلى الطول، يخضب بالسواد، عظيم الكراديس، وكان أديبا حافظا لأشعار العرب وأيامهم، وسير

стр. 212

الخلفاء، راوية للشعر يحسن نظمه، وكانوا يعدونه من أصلح خلفاء بني أمية في الأندلس وأمثلهم طريقة، وأتمهم معرفة لولا ما كان ينغصه من دوام الفتن التي أجبر معها على إظهار القوة والإرهاب بالبطش حتى وصفه ابن حزم بأنه كان قتالا تهون عليه الدماء مع كثرة إقباله على الخيرات وإعراضه عن المنكرات. ويذكر أنه احتال على أخيه المنذر فقتله بأن سم له المبضع الذي قصد به بمواطأة حجامه وهو نازل بمعسكره على ابن حفصون الثائر. وقتل للمترجم ولدان وأخوان أيضا، فولداه محمد والد الناصر لدين الله و مطرف اختصما في ولاية عهده فقتل مطرف محمدا، ثم قتل الأمير عبد الله مطرفا وأخواه أحدهما يدعى هشاما قتله بالسيف والثاني القاسم قتله بالسم. ولم أجد فيما بين يدي من كتب التاريخ ما يصح أن يكون سببا حقيقيا لفعلته هذه إلا أن يكونا قد زاحماه على الإمرة أو حاولا إيقاظ فتنة جديدة عليه فصنع ما صنع، وتوفي في قرطبة فدفن في مدافن آبائه. وولايته اثنتان وعشرون سنة إلا شهرا، وخلف أحد عشر ولدا ذكرا أحدهم محمد المقتول والد عبد الرحمن الناصر الآتي ذكره. أمير المؤمنين عبد الرحمن الناصر ولد سنة ٢٧٧ هـ وتوفي سنة ٣٥٠ هـ بدأ الأمير عبد الله (صاحب الترجمة السالفة) بإصلاح بلاد الأندلس بعدما كادت تؤول إليه من استبداد الوزراء والأمراء بالحكم دون أهل الملك والسلطان؛ فكان عمله داعية لثورة المتحكمين وغضبهم فاشتعلت نار الفتنة في أيامه على ما تقدم ذكره ومات ولم يوفق إلى إخمادها. وتولى حفيده هذا والمملكة جمرة تلتهب فكان لها كالمرهم الحاسم طلي به

стр. 213

الجرح الناغل ولم يصف له الملك إلا بعد نحو عشرين سنة من تملكه أمضاها في قتال المخالفين واسترضاء النافرين حتى أذعنوا له واستقام أمر الدولة فعذب له موردها وابتسمت أيامه فكانت أزهى وأزهر ما عرفه الأندلسيون من أزمان الأمراء والخلفاء والملوك. أوردت في الترجمة السابقة أن الأمير عبد الله كان قد عهد بولاية الأمر من بعده إلى ولده محمد، وأن مطرفا أخا محمد حسده فقتله ثم قتله أبوه عبد الله به، وكان لمحمد طفل ولد قبل قتله بأحد وعشرين يوما سماه عبد الرحمن نشأ بين يدي جده عبد الله فرباه التربية الصالحة، وتفرس فيه النجابة فلما شب قربه واعتمد عليه في أموره حتى كان كثيرا ما يقعده في بعض الأيام والأعياد مقعد نفسه ويأمر الجند بالتسليم عليه بالإمارة فتعلقت آمال أهل الدولة به، ولم يشكوا في مصير الأمر إليه، ولما مات جده عبد الله أجلسوه مكانه دون ولده لصلبه، وكان يسكن القصر مع جده دونهم فتهيأ أجلاسه دونهم مكانه. ولي الأندلس وهو ابن ثلاث وعشرين سنة وحوله أعمامه فكانوا أول من بايعه ولم يعترضه أحد. كنيته أبو المطرف وهو عبد الرحمن بن محمد بن الأمير عبد الله بن محمد ابن عبد الرحمن بن الحكم الربضي بن هشام بن عبد الرحمن الداخل، ولي سنة ٣٠٠ هـ، وانصرف إلى تهدئة الثورات وإسكان القلاقل حتى صفا له الملك، ولما كانت سنة ٣١٦ هـ رأي ضعف الخليفة العباسي «المقتدر» في العراق وعرف بما هنالك من الانحلال فجمع الناس وخطب فيهم ذاكرا لهم حق بني أمية بالخلافة وأنهم أسبق إليها من بني العباس فأمر أن ينادوه أمير المؤمنين وأن يخطب باسمه بالخلافة وتلقب بلقب سلطاني وهو «الناصر لدين الله» فجرى ذلك سنة لمن بعده، وكان أسلافه يسمون بني الخلائف ويخطب لهم بالإمارة فقط.

стр. 214

قال ابن شفدة في المنتخب: عبد الرحمن الناصر أعظم أمراء بني أمية في الأندلس، كان كبير القدر، كثير المحاسن، محبا للعمران، مولعا بالفتح وتخليد الآثار، أنشأ مدينة الزهراء وهي عديمة النظير في الحسن وبنى بها قصر الزهراء المتناهي في الجلالة، وقال المؤرخ المقري في وصف القصر: أطبق الناس على أنه لم يين مثله في الإسلام البتة، بل لم يسمع بمثله، بل لم يتوهم كون مثله! والمؤرخون يبالغون في مقدار ما أنفق على الزهراء. قال ياقوت: مدينة صغيرة قرب قرطبة بالأندلس اختطها الناصر .. وعملها متنزها له وأنفق في عمارتها من الأموال ما تجاوز فيه حد الإسراف وجلب إليها الرخام من أقطار البلاد وأهدى إليه ملوك بلاده من آلاتها ما لا يقدر قدره وكان الناصر هذا قد قسم جباية بلاده أثلاثا: ثلث لجنده، وثلث لبيت ماله، وثلث لنفقة الزهراء وعمارتها .. بدأ فيها سنة ٣٢٥ هـ، ومات سنة ٣٥٠ هـ وهو لا يزال ينفق على تحسينها وتزيينها. كان الناصر أبيض أشهل حسن الوجه ربعة عظيم الجسم، قصير الساقين، ركاب سرجه يقارب الشبر، طويل الظهر جميلا بهيا يخضب بالسواد، طالت أيامه فحكم خمسين سنة وستة أشهر، وكان حريصا على الملك يقظا ومن عجيب أمره في هذا الشأن ما رأيته في كتاب الطبقات للسبكي (ج ٢، ص ٢٣٠)، قال في ترجمته عبد الله ابنه: عبد الله .. هو ابن الخليفة الناصر صاحب الأندلس كان فقيها شافعيا أديبا متنسكا شهما سمت نفسه إلى طلب الخلافة في حياة أبيه وتابعه قوم وأخفوا أمرهم وبيتوا على اغتيال والده وأخيه المستنصر ولي عهد أبيه، فبلغ أباه، فما لبث أن سجنه وسجن من اطلع على أمره من متابعيه، ثم أخرجه وأخرجهم يوم عيد الأضحى سنة ٣٣٩ هـ من الحبس وأحضره وأحضرهم بين يديه وقال لخواصه: هذا ضحيتي في هذا العيد، ثم اضطجع له ولده وذبحه بيده، وقال لأتباعه ليذبح كل أضحيته، فاقتسموا أصحاب ولده

стр. 215

عبد الله فذبحوهم عن آخرهم .. !! ومن غريب ما يؤثر عن الناصر ما قرأته في شذرات الذهب أنه كان يكتب في دفتر خاص أيام السرور التي كانت تصفو له من غير تكدير فيذكر تاريخها وما كان بها وقد اطلع كثيرون عليه بعد وفاته فإذا هي أربعة عشر يوما!! فيا الله ما أعجب ما نرى ملك كالناصر صفا له الملك خمسين عاما وضرب به المثل في ارتقاء ملكه في أيامه وخدمه السعد، لا يرى من أيام السرور غير ذلك العدد اليسير؟! ومن لطيف ما يذكر في أخباره أنه استدعى الطبيب يوما ليفصده فأخذ الآلة وحبس يد الملك وإذا بزرزور أشرف على المجلس، وارتقى إناء ذهب وجعل يكرر هذين البيتين: أيها الفاصد رفقا بأمير المؤمنينا … بأمير المؤمنينا إنما تفصد عرقا فيه محيى العالمينا … فيه محيى العالمينا فسر الناصر به وسأل عمن علمه، فقيل له عن أم ولده الحكم، فوهب لها ثلاثين ألف دينار. توفي الناصر وهو في قرطبة، وخلف أحد عشر ولدا ذكرا فيهم ولي عهده، الحكم بن عبد الرحمن الملقب بالمستنصر. المستنصر بن الناصر ولد سنة ٣٠٣ هـ وتوفي سنة ٣٦٦ هـ ولي بعد الناصر لدين الله ولده الحكم بن عبد الرحمن الناصر بن محمد بن عبد الله، ولقب المستنصر بالله، وكانت البلاد ساكنة مطمئنة إلا أن ملك الأسبان في عهده أردون بن الفونس طمع به بعد موت أبيه فهيأ جيشا وأراد الإغارة

стр. 216

على ما تملكه المسلمون من البلاد ولا سيما في عهد الناصر، فعلم المستنصر بعزم أردون فكتب كتائبه وغزا الأسبانيين بنفسه، فبادروا إلى عقد السلم معه وانقبضوا عما كانوا فيه وقوي الحكم وكثرت فتوحاته واتصلت الصداقة بينه وبين «أردون»، حتى إنه زار الخليفة المستنصر في قرطبة وأظهر خضوعه بين يديه. وكان الحكم محبا للعلوم مكرما لأهلها، أحضرهم من البلدان البعيدة ليستفيد منهم ويحسن إليهم، جماعا للكتب في أنواعها، جمع منها ما لم يجمعه أحد قبله حتى قيل: إنها كانت أربع مئة ألف مجلد، وكان عالما نبيها صافي السريرة عارفا بالأدب، يروى عنه شعر، ضليعا بالعلم بالأنساب ملما بالتاريخ. ولي سنة ٣٥٠ هـ، ومدة حكمه خمس عشرة سنة وخمسة أشهر، وكان أصهب أعين أقنى عظيم الصوت ضخم الجسم أفقم قصير الساقين غليظ العنق عظيم السواعد، وسيرته حسنة، وليس فيما رأيت من أخباره ما يبعث على الإطالة، توفي في قرطبة. المؤيد بن الحكم ولد سنة ٣٥٥ هـ وتوفي سنة ٤٠٣ هـ ما في ترجمة هذا الخليفة ما يجعله في عداد كبراء الأمراء إلا أن أخباره كانت عجيبة في شأنها طويلة في إيرادها لا يستغنى المؤرخ عن إشارة إليها فوجب أفراد ترجمة له ينتهي بها الكلام على رجال هذه الدولة. المؤيد أبو الوليد هشام بن الحكم بن عبد الرحمن الناصر، بويع يوم وفاة أبيه بعهد منه سنة ٣٦٦ هـ وعمره ١١ سنة وثمانية أشهر، فتولى أموره وتدبير مملكته الحاجب أبو عامر محمد بن عامر الملقب بالمنصور (انظر ترجمته في باب الأمراء والوزراء)، فحجبه عن الناس فلم يكن أحد يراه ولا يصل إليه فأحسن

стр. 217

أبو عامر المنصور سياسة الملك إلى أن توفي سنة ٣٩٢ هـ فخلفه ولده عبد الملك بن محمد الملقب بالمظفر، وسار كسيرة أبيه وتوفي سنة ٣٩٩ هـ، فولي بعده أخوه عبد الرحمن بن محمد، ولقب بالناصر فسلك غير طريقهما وأخذ في المجون، وكان المؤيد قد ركن إلى المنصور ثم إلى ابنه المظفر فأقرهما على تدبير المملكة والتزم بيته مستريحا من عنائها ولما رأى حال الناصر كرهه فدس له الناصر جماعة خوفوه منه إن لم يجعله ولي عهده ففعل المؤيد ذلك مرغما وشاع في الناس فحقدوا عليه، ولا سيما بني أمية، وأبغضوه، وغزا الناصر بعد توليته فأوغل في بلاد الجلالقة، وبينما هو راجع بلغة أن محمد بن هشام بن عبد الجبار بن الناصر لدين الله قد ظهر بقرطبة واستولى عليها وأخذ المؤيد أسيرا، وشاع الخبر في عسكر الناصر فتفرقوا عنه ولم يبق معه إلا خاصته فسار إلى قرطبة ليتلافى الخطب فخرج إليه عسكر محمد بن هشام فقتلوه، وحملوا رأسه إلى قرطبة وطافوا به، وذلك سنة ٣٩٩ هـ ثم صلبوه. وكان محمد بن هشام هذا قد تلقب بالمهدي ودعا الناس إليه لما رأى من ضعف المؤيد وأعلن ذلك ومعه اثنا عشر رجلا فبايعه الناس وملكوه وأخذ المؤيد فحبسه معه في القصر ثم لما قتل الناصر أخرج المؤيد ودعاه أن يعهد إليه ففعل المؤيد ثم أخفاه وأظهر أنه مات، وكان قد مات إنسان نصراني يشبه المؤيد فأبرزه للناس وذكر لهم أنه المؤيد فلم يشكوا في موته، وصلوا عليه ودفنوه في مقابر الخلفاء وبايع الناس ابن عبد الجبار الملقب (بالمهدي) ثم نقموا عليه أشياء منها أنه كان يعمل النبيذ في قصره فسموه نباذا، ومنها بغضه للبربر فضغنوا عليه، ومنها أنه كان متلونا سيئ الأخلاق فانقلبوا عليه. ولما وقع في قلوب أهل الأندلس من المهدي (ابن عبد الجبار) ما وقع قصدوا هشام بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر فأخرجوه من داره وبايعوه فتلقب (بالرشيد) وذلك في أواخر سنة ٣٩٩ هـ واجتمعوا بظاهر قرطبة فخرج

стр. 218

إليهم المهدي (ابن عبد الجبار) بأصحابه فقاتلهم، فانهزم أصحاب هشام (الرشيد) وأخذ هو أسيرا فقتله المهدي ومن كان معه من القواد واستقر أمره، وكان هشام ابن أخيه. وبعد هذه الواقعة بيومين انضم من انهزم من أصحاب هشام المقتول وكان معهم ابن أخ له اسمه سليمان بن الحكم بن سليمان بن الناصر فبايعوه ولقبوه (المستعين بالله) ثم لقب (الظاهر بالله) وساروا إلى من جاورهم من النصارى الأسبانيين فصالحوهم واستنجدوهم فأنجدوهم وساروا معهم إلى قرطبة فقاتلوا ابن عبد الجبار، فانهزم وتحصن بقصر قرطبة، ودخل سليمان (الظاهر بالله) البلد فحصره في القصر، وأغار البربر والروم على قرطبة فنهبوا وسبوا وقتلوا عددا عظيما، ولما رأى ابن عبد الجبار ما نزل به أظهر المؤيد - وكان لا يزال محبوسا عنده في القصر - وظن أن الناس متى رأوه يرجعوا إليه ويخلعوه هو وسليمان، ولكن الناس لم يسمعوا له لظنهم أن المؤيد قد مات، فهرب إذ ذاك، واختفى ودخل سليمان القصر فبايعه الناس بالخلافة (سنة ٤٠٠ هـ)، وكانت عدة القتلى في هذه الوقعة نحو خمسة وثلاثين ألفا. وسار ابن عبد الجبار سرا إلى طليطلة فجاءه بعض أصحابه فجمعوا جمعا من نهبة الأسبان وسلبتهم وخرج بهم إلى سليمان فحدثت وقعة انهزم فيها سليمان إلى شاطبة ودخل ابن عبد الجبار (المهدي) قرطبة وجدد البيعة لنفسه وحجب المؤيد الذي لم ينتبه له الناس. وكان مع سليمان جماعة من الفتيان وعدوه خيرا، وانصرفوا إلى ابن عبد الجبار يطلبون قبول طاعتهم، وأن يجعلهم في جملة رجاله فأجابهم إلى ذلك، فلما كان تاسع ذي الحجة سنة ٤٠٠ هـ اجتمعوا في القصر فملكوه وأخذوا ابن عبد الجبار أسيرا وأخرجوا المؤيد بالله فأجلسوه مجلس الخلافة وبايعوه

стр. 219

وأحضروا ابن عبد الجبار بين يديه فعدد ذنوبه عليه، ثم أمر بقتله، فقتل وطيف برأسه في قرطبة وعمره ثلاث وثلاثون سنة. عاد المؤيد إلى سرير الملك فسلم زمام تدبيره إلى رجل من العامريين، فتيان الوزير أبي عامر، يدعى واضحا وأدخل أهل قرطبة إلى حضرته فوعدهم ومناهم وأحبوه، وكتب إلى سليمان بن الحكم وأصحابه من البربر وهم في شاطبة يدعوهم إلى طاعته فلم يجيبوه فأمر أجناده بالحذر والاحتياط، ثم أن سليمان والبربر راسلوا ابن الفونس ملك الإفرنج أنهم يسلمون إليه حصونا كان المنصور بن أبي عامر قد فتحها، ويستمدونه فأرسل ملك الإفرنج إلى المؤيد يعرفه الحال ويطلب منه تسليم الحصون فسلمها إليه خيفة أن يعين عليه سليمان. ولما أيس البربر من أنجاد الفرنج رحلوا فنزلوا قريبا من قرطبة وجعلت خيلهم تغير يمينا وشمالا، وخربوا البلاد فعمل المؤيد سورا وخندقا على قرطبة أمام السور الكبير، فانتقل سليمان إلى الزهراء فملكها عنوة، وطغى البربر في أهلها، ثم أن واضحا كاتب سليمان يعرفه أنه يريد الانتقال عن قرطبة سرا ويشير عليه بمنازلتها بعد مسيره عنها، ونما الخبر إلى المؤيد فقتله وحدثت وقائع كثيرة بين المؤيد وسليمان راسل في آخرها سليمان نائب المؤيد بسرقسطة وغيرها يدعوهم إليه فأجابوه واتفقوا معه وانتهى إلى قرطبة فملكها بعد حرب وحصار وشدائد وأخرج المؤيد من القصر محمولا إلى سليمان ودخل سليمان قرطبة سنة ٤٠٣ هـ. ثم حدثت للمؤيد مع سليمان أمور فخرج المؤيد إلى شرق الأندلس في قول حيث قضى نحبه، وفي آخر أمره غموض (راجع في [ذلك] ابن الأثير، ج ٩، بحث تفرق ممالك الأندلس، وبحث ابتداء الدولة العلوية). * * * واستقر الملك لسليمان بن الحكم بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر

стр. 220

المتلقب بالمستعين بالله أولا، ثم أضاف إليه الظافر بحول الله آخرا، وكان أديبا شاعرا بليغا مولده سنة ٣٥٤ هـ، وقد أريقت في أيامه دماء كثيرة كما تقدم، وكان البربر هم الحاكمون في دولة لا يقدر على خلافهم لأنهم كانوا عامة جنده وهم الذين قاموا معه حتى ملكوه. ولا أرى بأسا بإيراد هذه القصيدة من شعر سليمان (المستعين/ الظافر) نقلا عن كتاب المعجب في أخبار المغرب، تفكهة، قال: عجبا يهاب الليث حد سناني … وأهاب لحظ فواتر الأجفان وأقارع الأهوال لا متهيبا … منها سوى الإعراض والهجران وتملكت نفسي ثلاث كالدمى … زهر الوجوه نواعم الأبدان ككواكب الظلماء لحن لناظر … من فوق أغصان على كثبان هذي الهلال تلك بنت المشترى … حسنا وهذي أخت غصن البان حاكمت فيهن السلو إلى الصبي … فقضى بسلطان على سلطان وأبحن من قلبي الحمى وثنينني … في عز ملكي كالأسير العاني لا تعذلوا ملكا تذلل للهوى … ذل الهوى عز وملك ثاني ما ضر أني عبدهن صبابة … وبنو الزمان وهن من عبداني إن لم أطع فيهن سلطان الهوى … كلفا بهن فلست من مروان وإذا الكريم أحب أمن إلفه … خطب القلى وحوادث السلوان وإذا تجارئ في الهوى أهل الهوى … عاش الهوى في غبطة وأمان وهذه القصيدة إنما نظمها المستعين معارضا بها الأبيات التي عملها العباس ابن الأحنف على لسان هارون الرشيد فنسبت إليه وهي:

стр. 221

ملك الثلاث الأنسات عنا في … وحللن من قلبي بكل مكان مالي تطاوعني البرية كلها … وأطيعهن وهن في عصياني ما ذاك إلا أن سلطان الهوى … وبه قوين أعز من سلطاني وهذه القطعة أرشق وأعذب، ومن لمثل المستعين وهو لا [ … ] (١) مشتغلا في ثورة يطفئها أو نار يوقدها وملك يدبره أو عرش يحافظ عليه، فيجاري العباس ابن الأحنف وهو الشاعر الرقيق المطبوع ولا عمل له يشغل قلبه إلا ترقيق شعره وترويقه. انتهى. وكان من جملة جند سليمان (المستعين/ الظافر) عند دخوله قرطبة، رجلان من ولد الحسن بن علي بن أبي طالب وهما القاسم وعلي ابنا حمود بن ميمون ابن أحمد بن علي بن عبيد الله بن عمر بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، فجعلهما سليمان قائدين على المغاربة ثم ولى أحدهما عليا وهو الأصغر منهما مدينتي سبتة وطنجة، وولى القاسم الجزيرة الخضراء، ورأى علي ما صارت إليه حال خلافة الأمويين فتحركت في نفسه غيرة العلويين فكاتب بعض العصاة من العبيد والبربر يخبرهم أن المؤيد لما كان محصورا في قرطبة كتب إليه يوليه عهده ويعدهم وعودا طائلة فاستجابوا له وبايعوه فزحف بهم إلى مالقة فتملكها ثم إلى قرطبة فدخلها بعد قتال عنيف، وكان ناقما على سليمان أشياء يضمرها له في نفسه فاستحضره إليه، وضرب عنقه بيده يوم الأحد لتسع بقين من المحرم (٢١ محرم) سنة ٤٠٧ هـ، وقتل أباه الحكم بن سليمان بن الناصر أيضا في ذلك اليوم وهو شيخ كبير له ٧٢ سنة. وكانت مدة ولاية سليمان منذ دخل قرطبة إلى أن قتل ثلاثة أعوام وثلاثة أشهر وأياما، وكان قد ملكها قبل ذلك ستة أشهر، وكانت مدته منذ قام مع البربر

стр. 222

إلى أن قتل سبعة أعوام وثلاثة أشهر، وبمقتله أطفئ ذكر دولة بني أمية على المنابر في هذا الوقت في جميع أقطار الأندلس. * * وولي علي بن حمود وتسمى بالخلافة وتلقب (بالناصر) وقد تقدم نسبه فاستمر له الأمر في قرطبة عاما وعشرة أشهر إلى أن قتله صقالبة له في الحمام سنة ٤٠٨ هـ، وخلف من الولد يحيى وإدريس. * * فولي بعده أخوه القاسم بن حمود، وكان أسن منه بعشرة أعوام، وكان وديعا رقيقا فلم يغير للناس عادة فأمنوا معه وبقي كذلك إلى شهر ربيع الأول سنة ٤١٢ هـ فقام عليه ابن أخيه يحيى بن علي بن حمود بمالقة فهرب القاسم من قرطبة بلا قتال ورحل إلى إشبيلية وزحف ابن أخيه يحيى المذكور من مالقة بعسكره، ودخل قرطبة بلا قتال وتسمى بالخلافة، وتلقب بيحيى (المعتلي). وبقي المعتلي كذلك إلى أن اجتمع للقاسم أمره واستمال البربر وزحف بهم إلى قرطبة فدخلها سنة ٤١٣ هـ وهرب يحيى (المعتلي) إلى مالقة، فبقي القاسم بقرطبة شهورا ثم اضطرب أمره وغلب ابن أخيه يحيى على الجزيرة الخضراء وابن أخيه الثاني إدريس بن علي صاحب سبتة على طنجة، ورأى تغيرا من أهل قرطبة عليه فخافهم وانتقل إلى إشبيلية وبها كان ابناه محمد والحسن، فلما عرف أهل إشبيلية خروجه عن قرطبة ومجيئه إليهم طردوا ابنيه ومن كان معهما من البربر، وضبطوا البلد؛ فلحق القاسم بشريش، واجتمع البربر على تقديم ابن أخيه يحيى فحصروه وأخذوه إلى يحيى أسيرا حيث ظل عنده وعند أخيه إدريس بعده إلى أن مات إدريس فقتل قبيل موته القاسم خنقا سنة ٤٣١ هـ، وحمل إلى ابنه محمد بن القاسم وهو بالجزيرة فدفن هناك.

стр. 223

فكانت ولاية القاسم منذ تسمى بالخلافة بقرطبة إلى أن أسره ابن أخيه ستة أعوام ثم كان مقبوضا عليه ست عشرة سنة عند ابني أخيه يحيى وإدريس إلى أن قتل وعمره ثمانون سنة وله من الولد محمد والحسن. * * وأقام يحيى بن علي الفاطمي (المعتلي) نافذ الأمر في الولاية إلا أنه لم يدخل قرطبة، وإنما كان مقيما بقرمونة، وبينما كان محاصرا لإشبيلية في أوائل سنة ٤٢٧ هـ خرجت عليه خيل كانت كامنة له فقتلته وانقطعت دعوته (١). * * وكان قد نقم أهل قرطبة على العلويين ميلهم إلى البرابرة وانقيادهم لهم فأزمعوا على رد الأمر إلى بني أمية فاختاروا منهم عبد الرحمن ابن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر، ولقبوه (المستظهر) وكان أديبا فهما رقيق النفس عارفا بالبلاغة وأساليبها، هكذا يصفه المؤرخون ولا أراهم ينعتونه بالخبرة في السياسة والمعرفة بشؤون الملك على أن الملوك لا يحسن البحث عن معرفتهم بالشعر والأدب والإغضاء عن بيان منزلتهم في السياسة. والدهاء ولكن ما الحيالة وجل أصحاب تواريخنا إنما يعنون بالملك إذا كانت له أخبار مع جواريه حسان، أو كان له اشتغال بالأدب وعلم بالمنظوم والمنثور! ولد المستظهر سنة ٣٩٢ هـ وكنيته أبو المطرف وبويع بالخلافة في رمضان سنة ٤١٤ هـ وعمره ٢٢ سنة فلم تطل مدته غير ٧٤ يوما، إذ ثار عليه محمد ابن عبد الرحمن بن عبيد الله بن عبد الرحمن الناصر مع طائفة من أراذل العامة فقتلوه في آخر ذي القعدة سنة ٤١٤ هـ ولا عقب له. * *

стр. 224

وولي بعده محمد بن عبد الرحمن المذكور، ومولده سنة ٣٦٦ هـ وكنيته أبو عبد الرحمن، ولقب (المستكفي بالله) وكان في غاية السخف وركاكة العقل، وسوء التدبير، فاستوزر رجلا حائكا! اسمه أحمد بن خالد، كان المدبر لأمره والمدير لدولته، قدامت خلافته ستة أشهر وأياما وساء القرطبيين سيرة فدخلوا عليه فقتلوا وزيره الحائك وأخرجوه هو إلى ظاهر المدينة مخلوعا مطرودا فلحق بالثغور ومعه قائد ضجر منه فعمد دجاجة فسمها وقدمها إليه فأكلها المستكفي فمات مكانه، وهو في قرية تعرف «بشمنت» بالقرب من مدينة سالم، وذلك سنة ٤١٨ هـ. وبعد ذلك اجتمع رأي رؤساء القرطبيين على تولية أبي بكر هشام بن محمد ابن عبد الملك بن عبد الرحمن الناصر، وكان مقيما بحصن يدعى البنت من ثغور قرطبة، فبايعوه في شهر ربيع الأول سنة ٤١٨ هـ وتلقب (المعتد بالله) وكان مولده في سنة ٣٦٤ هـ، وخاف إن دخل قرطبة أن يقتله أهلها فبقي يتنقل في الثغور ثلاثة أعوام والفتن قائمة في البلاد إلى أن اتفقوا على أن يسير إلى قرطبة عاصمة الملك فدخلها في ثامن ذي الحجة سنة ٤٢٠ هـ، ولكنه لم يقم بها إلا يسيرا حتى قامت عليه طائفة من الجند فخلعوه وأخرجوه من قصره هو ونساؤه وخدمه، فدخلوا الجامع الأعظم يتعطف عليهم بالطعام والشراب أياما، ثم أخرجوا عن قرطبة فقصد الثغور ولحق بابن هود، وكان متغلبا على مدينة لاردة وسرقسطة وإفراغة طرطوشة وتلك الجهات فأقام هشام عنده إلى أن مات في سنة ٤٢٧ هـ ولا عقب له. وهشام هذا آخر ملوك بني أمية في الأندلس، وبخلعه انقطعت الدعوة لهم، وانقطع ذكرهم على المنابر بجميع الأقطار، وآل أمر البلاد إلى استقلال كل عامل بما يلي فاستمرت بينهم الفتن والإحن يستنصرون بالأسبانيين تارة،

стр. 225

وبالروم طورا حتى سنة ٨٩٧ هـ حين انتزع الرئاسة منهم أهل البلاد من الأسبانيول وتفرقوا واضمحل شأنهم. وهذا آخر ما يقال على ضيق المجال في الكلام على خلفاء بني أمية في المغرب اعتمدت فيه على عدة كتب يثق بها العارفون بالتاريخ منها: كتاب نفح الطيب للمقري، والكامل لابن الأثير، والشذرات لابن شفده، والبيان المغرب لابن عذارى، والمعجب للتميمي، والاستقصا في أخبار المغرب الأقصى، وغيرها مما يطول شرحه تجدها في بيان الكتب، التي أخذت منها في آخر هذا الكتاب إن شاء الله (١). * * *

стр. 226

ملوك على غير تنسيق كشف قدمت الكلام في هذا المطلب، مطلب صدور الخلفاء والملوك، على دولة الراشدين في الحجاز فالأمويين في الشام، ثم العباسيين في العراق، فالأمويين في الأندلس، وأردت إكمال الشوط إلى زمننا هذا مترجما مشاهير كل دولة من دول الإسلام كالدولة الإدريسية بمراكش، والأغلبية بتونس، والطولونية بمصر، ودولة بني بويه بإيران، والمرابطين والموحدين بمراكش، والأيوبيين والخديويين بمصر وهلم جرا غير أني لم أجد في ذلك العمل كبير نفع؛ لأنه يشغل مكانا رحيبا من الكتاب أضطر فيه عند ذكر كل ملك إلى الإلمام بتاريخ دولته صعودها وانحطاطها، وقوتها وضعفها، وهذا يحتاج إلى كتاب كبير ينفرد له كما صنع أحد أدباء المعاصرين «رزق الله منقريوس الصدفي» فإنه جمع كتابا في ثلاثة مجلدات سماه «تاريخ دول الإسلام» تكلم فيه على سبع وستين دولة إسلامية، وبوبه تبويبا لم يسبق إليه، ولولا ما فيه من ضعف في الإنشاء وخلط في بعض المواضع لنال الحظوى عند الفضلاء. على أن كتابي هذا إنما جئت به للكلام على كبار الرجال وأعاظمهم لا لإحصاء أخبار الدول والبحث عن الممالك فرأيت أجدر بي أن أقف عند هذا الحد وأختم باب الخلفاء والملوك بأشهرهم بعد عباسية العراق، وأموية المغرب مكتفيا منهم بمن علا له صيت أو سار له ذكر. والسلام. * * *