← Тараджим

Тараджим · id 30120

تراجم الأوائل والخلفاء (الأعلام الصغرى)

خير الدين الزركلي

Полный текст (226 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الدولة العباسية بعجز ملوكها وخور عزائمهم وهو الذي قوض بعد ذلك أركانها وهدم بنيانها وزلزل سلطانها وفرق أعوانها، وكان حسب الرجل العظيم منهم أن يستميل بعض أولئك الدخلاء إليه ويجعل لكلمته بعض النفوذ ولقوته بعض التأثير كما كان شأن صاحب هذه الترجمة وأبيه من قبله وإليك طرفا من حديثهما: لما تولى المعتمد (سنة ٢٥٦ هـ) وهو الخليفة المتقدم ذكره أراد أن ينهض بأعباء الملك فأثقلته فلجأ إلى أخيه أبي أحمد طلحة بن المتوكل فعهد إليه بالخلافة ولقبه الموفق بالله واستعان به على أعدائه فكان الموفق من كبار الرجال صد عن أخيه المعتمد غارات الطامعين بملكه، ولكنه اختص بأمور المملكة نفسه وحجر على المعتمد حتى كان يتمنى الشيء اليسير فلا يناله، وكان الموفق شجاعا كثير الحروب موفقا في جميع أعماله، عادلا حسن السيرة يجلس للمظالم وعنده القضاة وغيرهم فينتصف الناس بعضهم من بعض، وهو عالم بالأدب والنسب والفقه وسياسة الملك وأخباره مستطابة (راجع الكامل جـ/ ٧)، ولم تخدم الموفق السعادة فيتولى الخلافة اسما كما تولاها فعلا فإنه توفي في أيام أخيه المعتمد بعلة النقرس سنة ٢٧٨ هـ ودفن ببغداد، ولما مات الموفق بايع القواد بولاية العهد بعد المفوض [إلى الله] بن المعتمد للمعتضد بالله أحمد ابن الموفق. وفي مبدأ سنة ٢٧٩ هـ خلع المعتمد على الله ابنه جعفر الملقب بالمفوض إلى الله من ولاية العهد وعهد بالخلافة من بعده للمعتضد ابن أخيه الموفق، فأسقط اسم المفوض من السكة والخطبة وأثبت اسم المعتضد وهو صاحب هذه الترجمة: أبو العباس المعتضد بالله أحمد بن أبي أحمد الموفق بالله طلحة بن المتوكل: ولد ببغداد ونشأ بها، فكان عضد أبيه الموفق وساعده في حياته أيام خلافة

стр. 177

المعتمد وأظهر بسالة ودراية في حروبه مع الزنج والأعراب وهو في سن الشباب وبويع بالخلافة بعد وفاة عمه المعتمد سنة ٢٧٩ هـ: فحل عن بني العباس عقدة المتغلبين وظهر بمظهر الخلفاء العاملين، ثم جعل يتوجه بنفسه إلى المفسدين في البلاد وأصحاب الشعب فيقمع ثائرتهم ويفرق عصبتهم ويعود ظافرا فاخرا. قال ابن الأثير: «وكان المعتضد شهما شجاعا مقداما، وكان ذا عزم مهيبا عند أصحابه يتقون سطوته ويكفون عن الظلم خوفا منه». وكانوا يقولون: قامت الدولة بأبي العباس وجددت بأبي العباس، يريدون بالأول السفاح وبالثاني المعتضد، قال ابن الرومي: هنيئا بني العباس أن إمامكم … إمام الهدى والجود والناس أحمد كما بأبي العباس أنشئ ملككم … كذا بأبي العباس أيضا يجدد وكان المعتضد عارفا بالأدب والشعر، قال ابن خلكان في وفيات الأعيان (ج ١، ص ٢٠٣ من طبعة باريس): «كان أبو بكر المعروف بابن العلاف النهرواني الشاعر ينادم الإمام المعتضد بالله قال: بت ليلة في دار المعتضد مع جماعة من ندمائه فأتانا خادم ليلا فقال: أمير المؤمنين يقول: أرقت الليلة بعد انصرافكم فقلت: ولما انتبهنا للخيال الذي سرى … إذا الدار قفرى والمزار بعيد وقد أرتج علي تمامه فمن أجازه بما يوافق غرضي أمرت له بجائزة، قال: فأرتج على الجماعة وكلهم شاعر فاضل فابتدرت وقلت: فقلت لعيني عاودي النوم واهجعي … لعل خيالا طارقا سيعود فرجع الخادم إليه ثم عاد فقال: أمير المؤمنين يقول: قد أحسنت وأمر لك بجائزة» .. والمعتضد ممن اتصف بالحلم العجيب، نقل صاحب تاريخ دول

стр. 178

الإسلام (ج ١، ص ١٢٨) عن أحد وزراء المعتضد عبد الله بن سليمان قال: كنت عند المعتضد يوما، وخادم بيده المذبة (المروحة)، إذ ضربت قلنسوة المعتضد، فسقطت، فكدت أختلط إعظاما للحال، ولم يتغير المعتضد، وقال: هذا الغلام قد نعس، ولم ينكر عليه، فقبلت الأرض وقلت: والله يا أمير المؤمنين ما سمعت بمثل هذا، ولا ظننت أن حلمه يسعه، فقال: وهل يجوز غير هذا؟ أنا أعلم أن هذا الصبي البائس لو دار في خلده ما جرى لذهب عقله وتلف، والإنكار لا يكون إلا على [المتعمد] دون الساهي الخاطئ، ولم يكن حلمه فيما يحسن به الحلم دونه شدته فيما تجب به الشدة؛ فإنه كان صارم العقوبة اتخذ للمجرمين وذوي المفاسد مطامير تحت الأرض، (وهي حفائر كانت تخبأ فيها الحبوب)، فجعل يزجهم بها ولما مات وولي ابنه المكتفي أمر بهدمها، ومرض المعتضد في بغداد فجدد البيعة لابنه المكتفي بالله ومات بها ومدة خلافته تسع سنين وتسعة أشهر، ونصف شهر إلا يومين. مات المعتضد، وابنه أبو محمد علي الملقب بالمكتفي بالله في الرقة فلما جاءه الخبر أخذ البيعة على من عنده من الأجناد، وقدم بغداد فاستلم زمام الملك فقام به قياما حسنا وظفر في أكثر ما كان بينه وبين العصاة والثائرين من الوقائع، مولده سنة ٢٦٣ هـ و خلافته سنة ٢٨٩ هـ ووفاته سنة ٢٩٥ هـ، وعاصمته بغداد مقر آبائه وهو: المكتفي بن المعتضد بن الموفق بن المتوكل، مرض وهو شاب في الثانية والثلاثين من عمره وطال مرضه فعهد بالخلافة إلى أخيه جعفر المقتدر، ومات ومدة حكمه ستة سنين وستة أشهر وتسعة عشر يوما، ولم يكن كأبيه. وبويع أبو الفضل جعفر بن المعتضد بالخلافة ولقب نفسه المقتدر بالله بعد وفاة أخيه المكتفي، وكان صغير السن لا يتجاوز الثالثة عشرة فاستصغر وتكلم الناس في أمره فخلعوه.

стр. 179

وولوا أبا العباس عبد الله بن المعتز بالله ولقب بالمرتضى بالله ثم خذله أصحابه وهجم عليه بعض غلمان المقتدر فانهزم واختفى ثم عثروا عليه فقتل وستأتي ترجمته في ديوان الشعراء. وصفا الملك للمقتدر وطالت أيامه على ما ضمت من الفتن والمحن وكان يستعين في أكثر شؤونه بخادم له يدعى مؤنسا، فبلغ هذا الخادم أن الخليفة يريد به الشر فأعلن عصيانه فأرسل إليه المقتدر يحلف له أن ما بلغه كذب فعاد إلى الطاعة، ثم نكث وجمع أنصاره ودخل بهم دار المقتدر فأخرجوا المقتدر وأمه وأولاده وخواص جواريه من دار الخلافة إلى دار مؤنس فاعتقلوا بها. وبايعوا أخاه المقتدر وهو القاهر بالله محمد بن المعتضد فاستخلف يومين ثم ثارت فرقة من الجيش تعرف بالرجالة فقتلت بعض رؤساء الغلمان ودعت بالخلافة للمقتدر فأعيد إلى الملك ثانية وخرج مؤنس من بغداد وقد علم أن قلب الخليفة لن يصفو عليه فاجتمعت عليه العساكر والغلمان وقصد الموصل فاحتلها، ثم سار بمن معه يريد بغداد فخرج له المقتدر بعسكره فانهزم أصحاب المقتدر وبقي منفردا فرآه جماعة من المغاربة فقتلوه وسلبوه ثيابه وزينته، ثم دفن في موضعه، وكان مولده سنة ٢٨٢ هـ وخلافته سنة ٢٩٥ هـ وخلع بابن المعتز سنة ٢٩٦ هـ، وأعيد بها ثم خلع ثانية بالقاهر سنة ٣١٧ هـ، وأعيد فقتله بعض أصحاب خادمه مؤنس الملقب بالمظفر سنة ٣٢٠ هـ، وكان المقتدر ضعيفا في إرادته وقوته وسياسته فاستولى على الملك خدمه ونساؤه وخاصته وكان مبذرا كثير الإنفاق على البذخ والجواري والندماء مضياعا لماله، والبون شاسع بينه وبين أبيه المعتضد: ذاك أعاد للدولة العباسية شأنها، وهذا هدم ركنها، وقد أطلنا في هذه الكلمة عليه وكان يجدر بناء إغفاله؛ لأنه لا يدخل في رجال هذا الكتاب ضعفاء الرجال وصغارهم. قر الرأي بعد المقتدر على إعادة أخيه لأبيه محمد بن المعتضد الملقب

стр. 180

بالقاهر فلما ولي ساء السياسة فأحضر أم المقتدر وطلب منها أموال ابنها فأقسمت له أنها لا تملك غير ما في منزلها من متاع الزينة والثياب والأثاث فضربها وعذبها وصادر جميع أصحاب المقتدر وباع أملاكهم وأوقافهم وبلغه أن بعض وزرائه ساءهم ما صنع فهم يتآمرون عليه فقتل مؤنسا، وعلي بن بليق وأباه، وطلب ابن مقلة، وكلهم من خاصته، فاختفى وهيج عليه الجند فزحفوا إلى دار الخلافة ببغداد فاستيقظ القاهر، وفر فقبضوا عليه، وحبسوه وسحلت عيناه فبقي أعمى لا يبصر إلى أن مات، ومولده سنة ٢٨٧ هـ وخلافته الثانية سنة ٣٢٠ هـ وخلعه سنة ٣٢٢ هـ ومدة حكمه سنة وسبعة أشهر ووفاته سنة ٣٢٢ هـ. الراضي بالله ولد سنة ٢٩٧ وتوفي سنة ٣٢٩ هـ علمت كما أسلفناه ما صارت إليه حال الدولة العباسية من الضعف وتحكم الخاملين، مما أدى بها إلى عصيان أمراء البلاد واستقلال كثير من العمال بما كانوا يلون، وانتهى أمرها إلى صاحب هذه الكلمة. وهو: أبو العباس أحمد بن المقتدر بالله، وكان محبوسا مع والدته في أيام القاهر فلما خلع أخرج وبويع بالخلافة سنة ٣٢٢ هـ ولقب بالراضي بالله وكان فاضلا أديبا سمحا يحب محادثة الأدباء والفضلاء والجلوس معهم. وختم الخلفاء في أمور عدة منها: أنه آخر خليفة له شعر يدون، وآخر خليفة كان يجيد الخطبة على المنبر ويطيلها، وآخر خليفة جالس الجلساء ووصل إليه الندماء، وآخر خليفة كانت نفقته وجوائزه وعطاياه وجراياته وخزائنه ومطابخه ومجالسه وخدمه وحجابه وأموره على ترتيب الخلفاء المتقدمين، وشعره رقيق جيد منه قوله:

стр. 181

يصفر وجهي إذا تأمله … طرفي ويحمر وجهه خجلا حتى كأن الذي بوجنته … من دم جسمي إليه قد نقلا وقوله في رثاء أبيه المقتدر: ولو أن حيا كان قبرا لميت … لصيرت أحشائي لأعظمه قبرا ولو أن عمري كان طوع مشيئتي … وساعدني في التقدير قاسمته العمرا بنفسي ثرى ضاجعت في تربة البلى … لقد ضم منك الغيث والليث والبدرا وولي الخلافة فحاول رتق ما فتق أسلافه فلم يستطع، ولكن البلاد زاد اضطرابها واتسع خرقها فكتب إلى محمد بن رائق عامله على واسط والبصرة والأهواز يستقدمه إلى بغداد وقلده إمارة الجيش وجعله أمير الأمراء وولاه الخراج والدواوين، وذلك سنة ٣٢٤ هـ فاستولى ابن رائق على جميع ما ذكر، وأصبح الحاكم المطلق فتصرف بالأمور والأموال والخليفة الراضي راضي بما وقع لا يملك لنفسه قوة يدفع بها ما أصابه، وتفاقم أمر العمال فلم يبق اسم للخليفة في غير بغداد وأعمالها، فكانت بلاد فارس في أيدي بني بويه، والموصل وديار بكر ومضر وربيعة في يد بني حمدان، ومصر والشام في يد محمد بن طغج [الإخشيدي]، والمغرب وإفريقية في يد أمير المؤمنين القائم بأمر الله العلوي، والأندلس في يد الناصر من ملوك بني أمية، وخراسان وما وراء النهر في يد نصر ابن أحمد الساماني، وطبرستان وجرجان في يد الديلم. وهكذا تفرقت هذه المملكة وانحلت رابطتها وانفرط عقدها، ولبث الخليفة الراضي يتلهى بمن كانوا يسامرونه وينادمونه من رجال الأدب وأعيان البيان حتى كانت سنة ٣٢٩ هـ فتوفي في بغداد ودفن بالرصافة وخلافته ست سنين وعشرة أيام. * * *

стр. 182

ونودي من بعده باسم أخيه أبي إسحق إبراهيم بن المقتدر ولقب المتقي لله مولده سنة ٢٩٧ هـ وخلافته سنة ٣٢٩ هـ، ودامت خلافته أربع سنين إلا شهرا أو أياما فلم يصنع شيئا إلا أنه تغيرت في أيامه بعض أسماء قواده أو بكلمة أجمع أسماء المسيطرين على الملك الذين كان هو وأشباهه آلة صماء في أيديهم، وكان موصوفا بالصلاح والتقى وفي أيامه قتل محمد بن رائق قتله ناصر الدولة بن حمدان (سنة ٣٣٠ هـ) وفي سنة ٣٣١ هـ تولى إمارة الأمراء تورون (أوطوزون) التركي ثم خافه المتقي على نفسه فخرج في أهله من عاصمته بغداد إلى الموصل ومنها إلى الرقة وتورون يأمر وينهى، وفي سنة ٣٣٣ هـ بعث إلى تورون يستأمنه فأقسم له بالأمان، فركب الفرات حتى إذا وصل السندية قبض عليه تورون وخلعه، وسمل عينيه فعمي، وأتى به إلى بغداد فأقام وهو أعمى حتى مات سنة ٣٥٧ هـ. * * وبايع تورون وأصحابه يوم خلع المتقي لأبي القاسم عبد الله المستكفي بالله بن المكتفي بالله بن المعتضد، وكان مستترا فلم تطل مدته غير سنة وأربعة أشهر مات في خلالها تورون (سنة ٣٣٤ هـ) وقدم عليه معز الدولة بن بويه الديلمي والي الأهواز، فخلع عليه المستكفي ولقبه منذ ذلك اليوم معز الدولة ولقب أخاه عليا عماد الدولة، وأخاه الحسن ركن الدولة وأمر أن تضرب ألقابهم وكناهم على الدنانير والدراهم فعل ذلك كله اتقاء لشرهم وخوفا من بطشهم به، ثم تغير عليه معز الدولة؛ فبينما كان المستكفي جالسا وحوله معز الدولة وبعض الأعيان أقبل رجلان من الديلم فتناولا يد المستكفي فظن أنهما يريدان تقبيلها فجذباه عن السرير وجعلا عمامته في رقبته وقاداه إلى منزل معز الدولة ثم سحل فعمي وسجن إلى أن مات، وكان مولده سنة ٢٩٦ هـ، وخلافته سنة / ٣٣٣ هـ، وخلعه سنة ٣٣٤ هـ ووفاته سنة ٣٣٨ هـ. * *

стр. 183

وكان للمقتدر ابن آخر اسمه الفضل وكنيته أبو القاسم يطمع بالخلافة بعد أخيه المتقي؛ فلما خلع أخوه وولي المستكفي خاف الفضل واستتر فطلبه المستكفي فلم يظفر به، فلما قدم معز الدولة بغداد انتقل إليه وأغراه بالمستكفي حتى فعل به ما فعل، وقدمه معز الدولة للخلافة فبايعه الناس ولقب المطيع لله وازداد أمر الخلافة العباسية إدبارا في توليته ولم يبق للخلفاء من الأمر شيء البتة وقد كانوا يراجعون ويؤخذ أمرهم فيما يفعل والحرمة قائمة بعض الشيء، فلما كانت أيام معز الدولة زال ذلك جميعه بحيث إن الخليفة لم يبق له وزير إنما كان له كاتب يدبر إقطاعه وإخراجاته لا غير، وصارت الوزارة لمعز الدولة يستوزر لنفسه من يريد. قال ابن الأثير (في حوادث سنة ٣٣٤ هـ): وكان من أعظم الأسباب في ذلك أن الديلم كانوا يتشيعون ويغالون في التشيع ويعتقدون أن العباسيين قد أغصبوا الخلافة وأخذوها من مستحقيها فلم يكن عندهم باعث ديني يحثهم على الطاعة … إلخ. وكان مولد المطيع سنة ٣٠١ هـ وخلافته سنة ٣٣٤ هـ، وفي سنة ٣٥٦ هـ مات معز الدولة وقد عهد إلى ابنه بختيار الملقب بعز الدولة فأساء السيرة وزاد أمر الدولة تقهقرا وضعفا ثم مرض المطيع الله وفلج وثقل لسانه، وتعذرت الحركة عليه فدعاه سبكتكين وهو حاجب بختيار إلى أن يخلع نفسه من الخلافة ويسلمها إلى ولده ففعل ذلك، واشهد على نفسه بالخلع في أواخر سنة ٣٦٣ هـ بعد أن أقام يدعى بلقب الخليفة تسعا وعشرين سنة وخمسة أشهر ومات بعد شهرين من استقالته وذلك سنة ٣٦٤ هـ. * * وعلى أثر خلع المطيع بويع ولده أبو الفضل عبد الكريم ولقب الطائع لله سنة ٣٦٣ هـ، وفي أيامه ثار الأتراك ببختيار لتبديده الأموال وتأخيره مرتباتهم

стр. 184

فكتب إلى ابن عمه عضد الدولة بن ركن الدولة بن بويه يستنصره فدخل عضد الدولة بغداد. ثم أخرجه بختيار وابنه المرزبان منها، وفي سنة ٣٦٧ هـ طمع عضد الدولة بختيار وأقبل على بغداد فانهزم بختيار منها إلى تكريت فأدركه عضد الدولة وأسره ثم قتله وعاد إلى بغداد فعمر منها ما خربته وفرق الأموال وأجرى الجرايات على الفقهاء والمحدثين والمتكلمين والمفسرين والشعراء والأطباء والمهندسين، وزوج ابنته للطائع ليكون لها عقب منه وتكون الخلافة فيهم، ثم مات عضد الدولة سنة ٣٧٢ هـ فقام مقامه ابنه بهاء الدولة. وفي سنة ٣٨١ هـ قبض بهاء الدولة على الطائع وحبسه في داره وأشهد عليه بالخلع ونهب دار الخلافة، ومولد الطائع سنة ٣١٥ هـ وولي سنة ٣٦٣ هـ. وخلع سنة ٣٨١ هـ ومات سنة ٣٩٣ هـ. القادر بالله ولد سنة ٣٣٦ هـ وتوفي سنة ٤٢٢ هـ لقد هزلت دولة بني العباس حتى استامها الديلم والأتراك وضعفت قوى ملوكها حتى طمع بها المتغلبون وامتدت إليها الأيدي وانصرفت نحوها وجوه الطامعين وأصبح بهاء الدولة بن عضد الدولة الديلمي بعد أن خلع الخليفة الطائع حاكما مطلقا لا يد تعلو يده، غير أنه خاف ثورة الجند إذا علموه قد استقل بالملك فلم ير إلا أن ينصب في مقام الخلافة رجلا يكون له مطيعا ولأمره سميعا فشاور خاصته في الأمر فاتفقوا على: أبي العباس أحمد بن إسحق بن المقتدر بن المعتضد، وكان بالبطيحة (وهي أرض واسعة بين واسط والبصرة)؛ فأرسل إليه بهاء الدولة خواص أصحابه فقدموا عليه وأخبروه فركب وأتى بغداد فبايعه الناس، وخطب له في اليوم الثالث عشر من شهر رمضان سنة ٣٨١ هـ، ولقب القادر بالله، فأقام بضعة أشهر

стр. 185

ينظر في أمور الدولة ويبحث عن أسباب وهنها، ثم طلب الخليفة المخلوع الطائع الله فسلمه إليه بهاء الدولة وكان قد سجنه في منزل منفرد، فأكرمه القادر بالله وأنزله في حجرة من أفضل حجره ووكل به من يقوم بخدمته وحسن ضيافته بحيث لم يختلف أمره بين خلافته وخلعه إلا بالخطبة له. وطالت أيام القادر، وكان حازما مطاعا فألقى الله هيبته في القلوب فأطاعه الذين كانت لهم السيطرة والغلبة على الخلفاء أحسن إطاعة وكان موصوفا بالحلم والكرم وحب الخير والبعد عن الشر إلا فيما يتعلق بالأمور السياسية فأحبه الناس وصفا له الملك، وأصلح من شؤون الدولة ما استطاع إلى إصلاحه سبيلا وحسبه أنه كف عنها آمال المشرئبين بأعناقهم إلى التسلط والتملك عليها، وكان محبا للعلم فاضلا في نفسه، وقد ألف كتابا في اعتقاد أهل السنة، فقد مع فقد من قديم الكتب وحديثها، وكان الخليفة القادر كثيرا ما يلبس لباس العامة ويخرج يتجول في دار السلام يزور قبور الصالحين ويتفقد أمور الأمة. ودامت له الخلافة إحدى وأربعين سنة وتوفي ببغداد عن سبع وثمانين سنة إلا شهرين، ومات في أيامه بهاء الدولة (سنة ٤٠١ هـ)، وانتهى أمر رئاسة الأمراء إلى ابنه أبي طاهر جلال الدولة، وتوفي الخليفة في أيامه بعد أن عهد بالملك من بعده إلى ولده الذي لقب القائم بأمر الله الآتي خبره. القائم بأمر الله ولد سنة ٣٩١ هـ وتوفي سنة ٤٦٧ هـ كان الخليفة القادر بالله قد عهد بالخلافة إلى ابنه أبي جعفر عبد الله ولقبه القائم بأمر الله سنة ٤٢١ هـ، ولما كانت سنة ٤٢٢ هـ توفي القادر على ما تقدم ذكره فصلى عليه ابنه القائم واتبع سنته في إدارة شؤون ما بقي له من ملك بني

стр. 186

العباس، وكان ورعا دينا له فضل وعناية بالأدب ومعرفة حسنة بالكتابة ولم يكن يرتضي أكثر ما يكتب من الديوان فكان يصلح فيه أشياء وكان مؤثرا للعدل والإنصاف يريد قضاء حاجات الناس لا يرى منعهم من شيء، هو لهم ولا يضجر من إلحاحهم وتكاثرهم على بابه، قال ابن الأثير: قال محمد بن علي بن عامر الوكيل: دخلت يوما إلى المخزن فلم يبق أحد إلا أعطاني قصة (عرض حال) فامتلأت أكمامي منها، فقلت في نفسي: لو كان الخليفة أخي لأعرض عن هذه كلها فألقيتها في بركة والقائم ينظر ولا أشعر فلما دخلت إليه أمر الخدم بإخراج الرقاع من البركة فأخرجت ووقف عليها، فوقع فيها بأغراض أصحابها، ثم قال لي: يا عامي! ما حملك على هذا؟ فقلت: خوف الضجر منها، فقال: لا تعد إلى مثلها فإنا ما أعطيناهم من أموالنا شيئا إنما نحن وكلاء! .. هذه ترجمة القائم بأمر الله في نفسه وأما ملكه فلم يزد على ما كان لأبيه ومن تقدمه، وقد طال عمره وحدثت في أيامه أمور ليست من أمور هذا الكتاب فارجع إليها في تواريخ الممالك والأزمنة إن أردتها، وكانت مدة خلافته أربعا وأربعين سنة وثمانية أشهر، وعهد بالخلافة إلى ابن ابنه أبي القاسم عبد الله بن محمد بن القائم بأمر الله، ولم يكن للقائم من أعقابه ذكر سواه؛ لأن ابنه أبا العباس محمدا توفي في أيامه ولا عقب له إلا أن إحدى جواريه واسمها أرجوان كانت حاملا فوضعت بعد ستة أشهر من موت محمد بن القائم ولدا سمي عبد الله وكني أبا القاسم وسيأتي الكلام عليه.

стр. 187

المقتدي بأمر الله ولد سنة ٤٤٩ هـ وتوفي سنة ٤٨٧ هـ مات القائم بأمر الله بعد أن عهد إلى حفيده أبي القاسم عبد الله بن محمد بن القائم، ولقبه المقتدي بأمر الله، وذلك سنة ٤٦٧ هـ وعمره ثماني عشرة سنة، فانصرف إلى عمران بغداد وخدمة الأمة فكانت أيامه أيام خير وسعة وعظمت في عهده الخلافة أكثر مما كانت قبله وبني في بغداد عدة محال منها ما لا يزال عامرا حتى اليوم. وأمر بنفي المغنيات والمفسدات من بغداد وبيع دورهن فنفين، وكان المغتسلون ربما دخل بعضهم الحمام غير مؤتزر فأمر بالاتزار والاستتار، وأمر بقلع أبراج الطيور ومنع الناس من اللعب بها حفظا للحرم المصونات في الخدور من اطلاع أولئك عليهن، ومنع من إجراء ماء الحمامات إلى دجلة وألزم أربابها بحفر آبار للمياه، ومنع الملاحين أن يحملوا في زوارقهم الرجال والنساء مجتمعين، وكان قوي النفس عظيم الهمة أحبه الناس وودوا لو طال عمره؛ فإنه حكم تسع عشرة سنة وثمانية أشهر ومات فجأة وهو شاب لم يبلغ الأربعين، ولادته ووفاته ببغداد. المستظهر بالله ولد سنة ٤٧٠ هـ وتوفي سنة ٥١٢ هـ لما توفي المقتدي بأمر الله أحضر ولده أبو العباس أحمد المستظهر بالله وهو ولي عهده فأعلم بموته وبايعه من حضر وله من العمر ست عشرة سنة وشهران، واتسق له الأمر على ما كان لأبيه وجده، أما أخلاقه فكان ممدوحها. قال صاحب الكامل: كان المستظهر لين الجانب كريم الأخلاق يحب

стр. 188

اصطناع الناس ويفعل الخير ويسارع إلى أعمال البر والمثوبات مشكور المساعي لا يرد مكرمة تطلب منه، وكان كثير الوثوق بمن يوليه غير مصغ إلى سعاية ساع ولا ملتفت إلى قوله واشي، ولم يعرف عنه التلون أو انحلال العزم بأقوال أصحاب الأغراض، وهذه من أحسن خصال الحزم؛ فإن الملك والأمر إذا ضعفت ثقته برجاله تلاعب فيه الناس وسلكوا به كل مسلك ولم تبق له إرادة يعزم بها على المهمات وكيف يخلص الوزير أو المستشار في خدمة مولاه وهو يعتقد أن كلمة من عدو أو وشاية من حاسد تزلزل منزلته وتذهب بإخلاصه وخدمه، على أن هذه الحسنة ربما انقلبت سيئة إذا لم تتخذ الحيطة في شأنها، فإن صاحب الأمر لا ينبغي له إذا وثق أن يفرغ ثقته ويستنيم إلى صاحبه بحيث لا ينظر في شيء يرد عنه، بل لابد لمن ولي من أمور الناس جانبا أن يكون شديد الثقة في غير اطمئنان، كثير الحذر في غير استرابة، وإلا فلا يتم له أمره، وكان المستظهر عارفا بالأدب والإنشاء والشعر، وله توقيعات لا يقاربه فيها أحد تدل على فضل غزير وعلم واسع، وباسمه ألف العلامة الغزالي كتابه في التاريخ الذي سماه «المستظهري». وكانت خلافته أربعا وعشرين سنة وثلاثة أشهر وعشرين يوما، ومات ببغداد وله من العمر واحد وأربعون عاما وستة أشهر، ودفن في حجرة له كان يألفها وقد عهد بالخلافة من بعده إلى ولده الفضل الملقب بالمسترشد بالله. * * وكان المسترشد بالله شهما شجاعا بعيد الهمة فصيحا بليغا جيد التوقيعات واسمه الفضل وكنيته أبو منصور، إلا أنه ارتكب خطأ ذهب بحياته وأخر دولته بعد تقدمها، وذلك أنه بلغ من أمر الخلافة العباسية أن أصبح الحكم فيها لرجلين أحدهما الوازع السياسي المنفذ وهو صاحب الحل والعقد والأمر والنهي في

стр. 189

شؤون الدولة داخلها وخارجها وكان يسمى أمير الأمراء، ثم صار من أسندت إليه هذه الإمارة يلقب بملك أو سلطان، والثاني وهو صاحب الاسم الديني يبايع وتعرض عليه الأمور قبل عرضها على الأول فيرى فيها رأيه وهو الخليفة، فكأن الدولة في ذلك العهد بين سلطتين: نظرية وتنفيذية. فالنظرية يتولاها الخليفة، والتنفيذية يتولاها الملك أو السلطان أو أمير الأمراء، وكان المعاصر للخليفة المسترشد بالله هو السلطان مسعود بن ملك شاه بن ألب أرسلان السلجوقي ومقره في همذان، زار بغداد فأكرمه المسترشد، ثم إن الخليفة شعر بخيانة جماعة من الأمراء فأراد عقابهم فلجأوا إلى السلطان مسعود فطلبهم الخليفة منه فأبى ردهم إليه، فحدثت بينهما النقرة والوحشة. وسافر السلطان مسعود إلى همذان فلما استقر بها، علم الخليفة أن مسعودا يستعد لقتاله فتجهز هو أيضا وجاءته رسائل من الأمراء الذين انضموا إلى مسعود يعرضون عليه طاعتهم ويستأمنونه فأمنهم الخليفة، وحضروا فأكرمهم وخرج من بغداد بجيش يريد فيه ابتداء السلطان مسعود بالقتال وجعل أولئك الأمراء في الميمنة وزحف عليه السلطان مسعود فتلاقيا بموضع يقال له «دايمرج» فلما حمي القتال انحازوا إلى السلطان مسعود استداروا حول عساكر الخليفة المسترشد وهو ثابت في مقره وانهزم عسكره فأخذ هو أسيرا فأنزل في خيمة وترددت بينه وبين السلطان الرسل في الصلح فاتفقا على مال يؤديه الخليفة وأن لا يعود يجمع العساكر، وأن لا يخرج من داره ورضي الخليفة وعزم على الرجوع إلى بغداد فدخل عليه جماعة من فرقة تسمى «الباطنية» فقتلوه ومثلوا به، وذلك على باب مراغة لأن السلطان مسعودا كان قد أخذه معه حتى انتهى إليها فدفنه أهل مراغة عندهم، وكان مولد المسترشد سنة ٤٨٥ هـ وخلافته سنة ٥١٢ هـ، وقتله سنة ٥٢٩ هـ، والخطأ الذي أودى به هو اعتماده على جماعة

стр. 190

خانوه أولا فخانوه ثانيا ثم خروجه من بغداد يقود جيشه، وكان الأجدر به أن يوجه قائدا يعتمد عليه في مثل هذا الشأن. * * * ولما قتل المسترشد كتب السلطان مسعود إلى رئيس الشحنة ببغداد أن يبايع ابن المسترشد وكان ولي عهده واسمه المنصور وكنيته أبو جعفر ولقبه الراشد بالله، فبويع في بغداد على شروط كتبها للسلطان مسعود بخط يده وحلف عليها وهي أنه متى جند جندا، أو خرج للقاء أحد من أصحاب السلطان بالسيف فقد وجب خلعه، فلم تطل أيامه حتى وقع نفور بينهما فتهيأ الراشد لقتاله فعلم مسعود فزحف على بغداد فحاصرها حتى دخلها وفر الخليفة الراشد إلى الموصل ومنها إلى أصفهان فأقام بها حتى قتل. مولده سنة ٥٠٤ هـ وخلافته سنة ٥٢٩ هـ، وخلعه سنة ٥٣٠ هـ، وقتله سنة ٥٣٢ هـ، قتله بأصفهان بعض خدمه للتخلص منه لأنه لم يكن يستقر في مكان، ودفن بظاهرها في شهرستان. المقتفي لأمر الله ولد سنة ٤٨٩ هـ وتوفي سنة ٥٥٥ هـ لما خلع الراشد بالله استشار السلطان مسعود جماعة من أعيان بغداد فيمن يصلح أن يلي الخلافة فاتفقوا على أبي عبد الله بن المستظهر فدعا به فحضر وأكرمه السلطان واشترط عليه ما كان يشترطه على غيره فبايعه الناس ولقب المقتفي لأمر الله، وهو: أبو عبد الله محمد بن المستظهر بالله أحمد بن المقتدي، تولى الخلافة وهي على ما علمت من الوهن والضعف وذلك سنة ٥٣٠ هـ فجعل لا يترك سببا من أسباب تقوية ملكه ألا تعلق به دون أن يجاهر السلطان مسعودا أو غيره بعداوة

стр. 191

فجمع مالا كثيرا وقوة وسلاحا حتى كانت سنة ٥٤٧ هـ، وبها توفي السلطان مسعود بهمذان فلم يتصل خبره بالخليفة المقتفي حتى ثار ثورة الأسد فاستولى على دار السلطان مسعود ببغداد وقبض على أصحابه وأعوانه من السلجوقيين وغيرهم وضبط أموالهم وأمر بأن يراق في الطرق ما في بيوتهم وبيت السلطان من الخمر فأريق مقدار غير يسير و به نفر الناس إلى الخليفة منكرين على أعوان السلطان ما رأوه، وشمر الخليفة عن ساعد الجد فاستقل بالملك وقهر كل مزاحم له عليه، وكان من الرجال ذوي الرأي والعقل والدهاء، وهو أول من استبد من ملوك العراق منفردا عن سلطان يكون معه من أول أيام الديلم إلى أيامه، وأول خليفة تمكن من الخلافة وحكم على عسكره وأصحابه من حين تحكم المماليك على الخلفاء من عهد المستنصر إلى أيامه، إلا أن يكون المعتضد - قاله ابن الأثير. وكان المقتفي شجاعا مقداما مباشرا للحروب بنفسه، وكان يبذل الأموال العظيمة لأصحاب الأخبار في جميع البلاد حتى كان لا يفوته منها شيء، وهو موصوف بالحلم والكرم والعدل وحسن السيرة، وكانت مدة خلافته أربعا وعشرين سنة وثلاثة أشهر صفت له الخلافة منها ثماني سنين بعد وفاة السلطان مسعود السلجوقي، وعهد إلى ابنه يوسف الملقب المستنجد بالله. المستنجد بالله ولد سنة ٥١٠ هـ وتوفي سنة ٥٦٦ هـ أبو المظفر يوسف المستنجد بالله بن المقتفي لأمر الله بن المستظهر بالله، ولي الخلافة على إثر وفاة أبيه (سنة ٥٥٥ هـ) فسار سيرته وضبط الدولة ضبط الحازم العاقل وأول ما بدأ أنه أزال المكوس ورفع عن الناس الضرائب حتى لم

стр. 192

يترك في العراق شيئا منها، وكان من أحسن الخلفاء سيرة مع الرعية عادلا فيهم كثير الرفق بهم شديدا على هل العبث والفساد والسعاية بالناس. يذكر أنه سجن إنسانا كان يسعى بالناس فأطال حبسه فشفع فيه بعض أصحابه المختصين بخدمته وبذل عنه عشرة آلاف دينار فقال: أنا أعطيك عشرة آلاف دينار وتحضر لي إنسانا آخر مثله لأكف شره عن الناس ولم يطلقه. وقبض على قاض يعرف بابن المرخم كان سيئ المسلك وقد ثبت له أنه أخذ أموالا كثيرة من بعض الرعية فصادر أمواله ورد للناس ما أخذه منهم، ولكنه أساء إلى العلم إساءة لا تغتفر لأنه لم يكتف بأن صادر ذلك القاضي وحبسه وسلبه نعمته حتى امتدت يده إلى كتبه فأحرق منها في الرحبة ما كان من علوم الفلاسفة وفيها كتاب الشفاء لابن سينا، وكتاب إخوان الصفا، وما يشاكلهما، فهي وصمة في تاريخ حياته سوداء. حكم إحدى عشرة سنة ثم مرض، وكان قد خانه بعض خاصته فأرغم طبيبه على أن يصف له الحمام فوصفه له فامتنع المستنجد لضعفه فما زالوا به حتى أدخلوه وأغلقوا عليه الأبواب فصاح واستغاث فلم يلبوه حتى مات فأعلنوا وفاته. وفي الليلة التي مات بها المستنجد بالله بويع ابنه أبو محمد الحسن، ولقب المستضيء بأمر الله ففرق أموالا كثيرة وحذا في الحكم حذو أبيه وكان حليما جدا قليل المعاقبة على الذنوب محبا للعفو والصفح عن المذنبين، كريم اليد، صفت له الخلافة تسع سنين وسبعة أشهر، ولا يذكر له فيها أثر، ولد سنة ٥٣٦ هـ، وبويع سنة ٥٦٦ هـ، وتوفي سنة ٥٧٥ هـ.

стр. 193

الناصر لدين الله ولد سنة ٥٥٢ هـ وتوفي سنة ٦٢٢ هـ وبويع بالخلافة بعد موت المستضيء، بأمر الله ولده أبو العباس أحمد بن المستضيء بن المستنجد بن المتقي بن المقتدي بن محمد بن القائم بن القادر ابن المقتدر بن المعتضد بن الموفق بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد بن المهدي بن المنصور بن محمد بن عبد الله بن عباس، ولقب أحمد الناصر لدين الله، وذلك سنة ٥٧٥ هـ، فلما تملك طالت أيامه حتى إنه لم يل لخلافة من بني العباس أطول منه مدة، وكان شديد السياسة داهية خبيرا بشؤون الملك إلا أنه ربما تشدد في بعض الأمور فنسب إلى الظلم، والمؤرخ يحار في ما يكتب عنه لأنه لم يكن مستقيم الأطوار، فبينما تراه مولعا بالمصلحة العامة يفتتح دور الضيافة للناس وللحجاج، ويطلق المكوس، ويرفع عن الناس الضرائب والمظالم، ويتفقد شؤونهم مختفيا في الحنادس الداجية يجوب المنازل ويجول في الشوارع العامة والأزقة مرتديا جلباب سوقي أو شيوخ أو غريب إذا بك تراه قد أغلق تلك الدور، وأعاد تلك الضرائب، وانصرفت همته إلى اللهو واللعب برمي البندق والاشتغال بالطيور والعناية بسراويلات الفتوة (المعروفة اليوم باسم التبانات يتخذها المصارعون، واحدها تبان وليس بعربي)، ويقال: إنه هو الذي كاتب التتر وأطمعهم في البلاد بسبب ما كان بينه وبين خوارزم شاه السلطان محمد من العداوة ليشغل خوارزم شاه بهم عن قصد العراق، ولئن صح ذلك ليكونن لطخة عار تشوهت بها صحيفته، وقد شك فيه المؤرخون ورأوا أن العجم ينسبونه إليه. وكانت خلافته ستا وأربعين سنة وأحد عشر شهر إلا يومين، وفي آخر عمره ذهبت إحدى عينيه وضعف بصر الثانية، وفلج فبطلت حركته ثلاث سنين ثم أصابته دوسنطاريا فمات ﵀ وله من العمر نحو سبعين سنة. * * *

стр. 194

وولي بعده ابنه أبو نصر محمد الملقب الظاهر بأمر الله وكانت أيامه في عصر المؤرخ ابن الأثير فذكره وأثنى عليه كثيرا حتى داخلني الشك في أنه ربما كان محسنا إليه فقابله على الإحسان إحسانا لأن المؤرخ مهما تمكن من الحرية وانطلاق القلم في الحق لابد له من أن تأخذه على معاصره وولي أمره عاطفة فيثني ويطرئ ويعدد المحامد ويستر المثالب دفعا للشر أو جلبا للخير، والذي يجدر بنا أن ننقله عن مؤرخنا مما يتعلق بهذا الخليفة أنه كان على عكس أبيه مستقيما محبا للخير أطلق المكوس التي كان قد وضعها والده وخفف الأموال عن بعض رعيته، وأخرج المسجونين، ومنع جاسوسية الحراس وكانوا يكتبون للخلفاء كل ما يدور بين الناس من الحديث فأعفاهم من هذا، ولم تطل مدته، ولد سنة ٥٧١ هـ، وحكم سنة ٦٢٢ هـ، ومات سنة ٦٢٣ هـ ومدة حكمه تسعة أشهر. المستنصر بالله ولد سنة ٥٨٨ هـ وتوفي سنة ٦٤٩ هـ البنيان أفضل ما خلد به الذكر، ولا سيما إذا كان أثرا نافعا كمدينة أو مدرسة فخمة أو بناء عظيم يأوي إليه المحاويج أو مستشفى يطيب فيه أصحاب العاهات والأمراض أو ما ضارعه من الأبنية النافعة وحسبك من أدلتنا أن صاحب هذه الترجمة وهو أبو جعفر المنصور بن الظاهر بن الناصر الملقب بالمستنصر بالله عاش كغيره من الخلفاء أو كالمحسنين منهم لأنه كان عاقلا عادلا محبا للحق، ولكنهم إذا كرت الأجيال وأنكرت الأطلال الرجال ذهب ذكر أولئك الخلفاء وبقيت آثار مدرسة عظيمة أقيمت في بغداد، ودعيت المستنصرية فهي ترشد الأمم التالية إلى بانيها كما ترشد آثار سامراء إلى المعتصم وكما أرشدت أطلال نينوي إلى حمورابي، والمستنصرية هذه مدرسة كبيرة من أشهر مدارس

стр. 195

الإسلام بناها في بغداد مترجمنا المستنصر بالله على شط دجلة من الجانب الشرقي مما يلي دار الخلافة، وجعل عليها من الأوقاف شيئا كثيرا وأقام لها الأطباء والصيادلة حتى ظهرت في أبهر حلة من الاتساع والزخرفة وما فيها من رجال العلوم الدينية والفنون الدنيوية وهي اليوم مهملة تكاد تعفو آثارها وقد أصبح قسم منها دارا للمكس وآخر مطبخا وآخر قهوة تعرف بقهوة الشط. كانت سيرة المستنصر حميدة كسيرة أبيه، وكان جده الناصر يحبه ويسميه القاضي لوفرة عقله، ولكن ما ينفع العقل والفضل والأعمال منتقضة والدولة ذاهبة إلى الخراب، وفي أيامه قويت شوكة قبيلة المغول التترية (وعلا شأنها بظهور جنكيز خان سنة ٥٩٩ هـ، وأصلها من جنوبي سيبريا) فاستولوا على كثير من المملكة الإسلامية حتى أوشكوا يدخلون بغداد في عهده إلا أنهم دفعوا عنها، وكانت مدة خلافته سبع عشرة سنة إلا شهرا وإقامته بغداد وفيها توفي ودفن. المستعصم بالله ولد سنة ٥٨٨ هـ وتوفي سنة ٦٥٦ هـ أتى على الدولة العباسية حين من الدهر كان فيه الخليفة يقنع بامتلاك دار السلام عاصمة ملكه فلا يرى إلى تلك الأمنية من سبيل، ذلك بعد أن ملكوا البلاد وسادوا العباد وامتدت سلطتهم وعظمت سلطنتهم، ولكن الدول في رأي بعض الباحثين من علماء الاجتماع كالأناسي إذا أدركها الهرم لم تنجع في دائها الأدواء، قال ابن خلدون: « .. وإذا كان الهرم طبيعيا في الدولة كان حدوثه بمثابة حدوث الأمور الطبيعية كما يحدث الهرم في المزاج الحيواني والهرم من الأمراض المزمنة التي لا يمكن دواؤها ولا ارتفاعها لما أنه طبيعي والأمور الطبيعية لا تتبدل .. وربما يحدث عند آخر الدولة قوة توهم أن الهرم قد ارتفع

стр. 196

عنها ويومض ذبالها إيماضة الخمود كما يقع في الذبال المشتعل فإنه عند مقاربة انطفائه يومض إيماضة توهم أنها اشتعال وهي انطفاء». انتهى أمر الخلفاء العباسيين إلى السابع والثلاثين منهم وهو آخرهم في القطر العراقي، أبو أحمد عبد الله ولقبه المستعصم بالله بن المستنصر بالله، بويع بعد وفاة أبيه باتفاق آراء رجال الدولة ووزرائها عليه (سنة ٦٤٠ هـ)، فلما ولي الخلافة كان مثال الضعف والوهن والانقياد إلى اللهو والعكوف على الدد فألقى زمام الملك إلى الأمراء والقواد واعتمد في أكثر الشؤون على وزيره مؤيد الدين ابن العلقمي، وكان يتشيع للعلويين، وقد علمت من ترجمة المستنصر السابقة أن المغول عظم أمرهم وخيف شرهم فأشار بعض الناجمين على المستعصم أن يتخذ الحيطة لدرء هجماتهم وأن يعد جيشا يقوى به عليهم فغلبت عليه غفلته فقال: «إن هؤلاء لا يطمعون بإخراجي من دار ملكي وهم يكتفون مني بأن أترك لهم البلاد ويدعوا لي بغداد وهي تكفيني!». واتفق أن فتنة حدثت في بغداد بين رجال السنة والشيعة العلويين وهذا مرض قديم في الإسلام ولد منذ توفى الله نبيه محمدا ﷺ وانحاز فريق من أهل الإسلام يرون أن عليا أجدر بالخلافة بعد ابن عمه ثم اتسع ذلك الخرق بعد زمن فكان في المسلمين الداء الذي لا يحسم والعلة التي لا تشفى وهو حتى اليوم سبب تأخر المسلمين الأعظم، وعلة تفرقهم، ومنشأ نزاعهم، وحكماء الفريقين دائبون على إصلاح ذات البين ولا أراهم يوفقون إليه إلا بعد أن لا يبقى غير الندم والأمل الأكبر بزوال تلك الشنشنة معقود بناصية دور العلم الحديث والفنون فإذا اشتغل فيهما المسلمون وعرفوا حقائق الأديان وسبروا أغوار السياسة والاجتماع كان لهم من أنفسهم زاجر ولكنني أقول: فيا دارها بالخيف إن مزارها … قريب ولكن دون ذلك أهوال

стр. 197

وجارت السنة في هذه الفتنة على إخوانها من الشيعة فانتهبت بيوتها وسفكت دماءها وذلك بتحريض أبي بكر ابن الخليفة وبعض الأمراء الكارهين لابن العلقمي الوزير، وظهر من الخليفة ضعف أو إغضاء، آثار في قلب وزيره مؤيد الدين ابن العلقمي مراجل حقد كانت كامنة وحزن لما أصاب إخوانه الشيعة من الكوارث فكتب إلى قائد المغول وهو هولاكو حفيد جنكيز خان يعلمه بضعف الخليفة ويهون عليه أمر احتلال بغداد ويعده بالإعانة على خليفته، فزحف هولاكو بخيله ورحله يقود جيشا عرمرما من التتر، وذلك سنة ٦٥٥ هـ، وخرجت إليه عساكر الخليفة ثم انهزمت ونزل هولاكو على بغداد من الجانب الشرقي وانتشر عسكره في جميع جهاتها، فقدم عليه الوزير ابن العلقمي فتوثق منه لنفسه وعاد إلى الخليفة المستعصم، وقال: إن هولاكو يبقيك في الخلافة كما فعل بسلطان الروم ويريد أن يزوج ابنته من ابنك أبي بكر وحسن له الخروج إلى هولاكو فخرج إليه المستعصم في جمع من أكابر أصحابه فأنزل في خيمته ثم استدعى الوزير الفقهاء والأماثل فاجتمع هناك جميع سادات بغداد والمدرسون والعلماء فلما تكاملوا أمر بهم هولاكو فأحاطت فيه العساكر وقتلوا عن آخرهم، وأبقى الخليفة حيا حتى دلهم على مواضع الأموال والدفائن ثم قتلوه ودخلوا بغداد فأعملوا السيف فيها فدام القتل بها والنهب نحو أربعين يوما وأحرق وأغرق ما فيها من كتب العلم والتاريخ وهدم كثير من الأبنية الشامخة والقصور العامرة ثم نودي بالأمان. وبموت الخليفة المستعصم بالله انقرضت الدولة العباسية في العراق وعدة خلفائها ٣٧ خليفة ومدة ملكهم من سنة ١٣٢ هـ إلى موت المستعصم سنة ٦٥٦ هـ، ودام لهم الملك يصفو ويكدر ٥٢٤ سنة، والملك لله يؤتيه من يشاء.

стр. 198

خاتمة انقرضت دولة بني العباس في العراق وانمحت آثارها فلم يطل أمد احتجابها غير نيف وثلاث سنين وظهرت في مصر بوفود أبي القاسم أحمد بن الخليفة الظاهر بن الناصر بن المستضيء، العباسيين على الملك الظاهر بيبرس البندقداري أحد ملوك دولة المماليك في مصر، وكان أبو القاسم هذا غائبا عند حدوث واقعة بغداد فنجا من شرها وأثبت نسبه العباسي لدى الملك الظاهر بمصر أمام جمع من العلماء وأركان الدولة ففرح به الظاهر؛ لأنه وجده قوة جديدة لملكه، ولا يخفى أن المسلمين لا ينظرون أن الملوك بعين الرضى والخضوع إلا إذا قرنوا إلى ألقابهم السياسية لقبا دينيا كالخليفة أو أمير المؤمنين، وهذا اللقب لا يحرزه إلا أصحاب النسب الثابت كالعلويين والعباسيين وأشباههم، فلما ظفر الملك الظاهر بالخليفة العباسي جمع الناس وأعلن فيهم أن دولته أصبحت دولة ثابتة الأساس بانتسابها إلى دولة العباسيين وبايع أبا القاسم العباسي ولقب المستنصر، وكذلك بايعه أركان دولة الملك الظاهر وخطب باسمه على المنابر ونقش على النقود وأقيمت له المظاهر وأنزل في دار فخمة، وذلك سنة ٦٥٩ هـ فهو أول الخلفاء العباسيين في الديار المصرية ولم يكن له ولا لمن بعده أثر يذكر لأنهم إنما كان لهم من الخلافة الاسم والأبهة والخطبة ولا يحق لهم أن ينظروا في شيء من شؤون الدولة فهي خلافة كاذبة وملك وهمي ودام لهم ذلك بمصر ٢٥٥ هـ سنة تعاقب منهم خمسة عشر رجلا على الإمارة، وهذه خلاصة أخبارهم، اعتمدت فيها على تاريخ ابن الوردي: ١ - المستنصر: أبو القاسم أحمد بن أمير المؤمنين الظاهر العباسي، بويع سنة ٦٥٩ هـ وجهز له الملك الظاهر البندقداري جيشا زحف به إلى العراق لاسترداد بغداد فحارب التتر فانهزم جيشه، وفقد هو ولم يعلم خبره وذلك سنة ٦٦٠ هـ.

стр. 199

٢ - الحاكم بأمر الله: أبو العباس أحمد بن علي بن أحمد بن المسترشد بن المستظهر، ظهر في الديار المصرية بعد أن شاع خبر فقدان المستنصر فأثبت نسبه أمام الملك الظاهر بيبرس سنة ٦٦٠ هـ فبايعه الظاهر وجعل له ما كان للمستنصر وتوفي بمصر سنة ٧٠١ هـ فدفن بها. ٣ - المستكفي بأمر الله: أبو الربيع سليمان بن أحمد الحاكم، بويع بعد وفاة أبيه سنة ٧٠١ هـ وتوفي بقوص سنة ٧٤٠ هـ، ومولده سنة ٦٩٠ هـ، وكان قد أخرج إلى الصعيد سنة ٧٣٨ هـ وعلى لسانه يقول ابن الوردي في تاريخه: «مثلي يعيش بالموت، ويبلغ المنى بالفوت، … إلى كم لهم العيشة الرطبة، ولي مجرد الخطبة، فلهم الملك الصريح، وسليمان الريح!». ٤ - الواثق بالله: أبو إسحاق إبراهيم ابن أخي المستكفي، بويع بعد موت المستكفي سنة ٧٤٠ هـ عاشر السفلة فخلع بعد أن مكث سنة وأياما. ٥ - الحاكم بأمر الله (الثاني): أبو العباس أحمد بن المستكفي بالله بن الحاكم (الأول)، بويع في المحرم من سنة ٧٤٢ هـ وتوفي سنة ٧٥٣ هـ. ٦ - المعتضد بالله: أبو بكر بن المستكفي، بويع بعهد من أخيه الحاكم الثاني سنة ٧٥٣ هـ، وتوفي سنة ٧٦٣ هـ. ٧ - المتوكل على الله: أبو عبد الله محمد بن المعتضد، بويع سنة ٧٦٣ هـ، وتوفي سنة ٨٠٨ هـ، وخلف أولادا كثيرين، قيل: إنهم نحو المئة. ٨ - المستعين بالله: أبو الفضل بن المتوكل، بويع بعهد من أبيه سنة ٨٠٨ هـ وتوفي سنة ٨٣٣ هـ. ٩ - المعتضد بالله (الثاني): أبو الفتح داود بن المتوكل بن المعتضد (الأول)، بويع بعد أخيه المستعين سنة ٨٣٣ هـ، وتوفي سنة ٨٤٥ هـ.

стр. 200

١٠ - المستكفي بالله (الثاني): أبو الربيع سليمان بن المتوكل، بويع بعهد من أخيه المعتضد سنة ٨٤٥ هـ، وتوفي سنة ٨٥٥ هـ. ١١ - القائم بأمر الله: أبو البقاء حمزة بن المتوكل، بويع بعد أخيه المستكفي الثاني سنة ٨٥٥ هـ، فأقام شهرا واثني عشر يوما ووقع خلاف بينه وبين الملك الأشرف سلطان مصر فذهب إلى الإسكندرية فأقام بها حتى مات سنة ٨٦٣ هـ. ١٢ - المستنجد بالله: أبو المحاسن يوسف بن المتوكل، بويع بعد انصراف أخيه القائم بالله إلى الإسكندرية سنة ٨٥٥ هـ، ومات مفلوجا سنة ٨٨٤ هـ. ١٣ - المتوكل على الله (الثاني): أبو العز عبد العزيز بن يعقوب، بويع سنة ٨٨٤ هـ، وتوفي سنة ٩١٣ هـ. ١٤ - المستمسك بالله: أبو الصبر يعقوب بن عبد العزيز، بويع بعد أبيه المتوكل الثاني سنة ٩١٣ هـ، وتوفي سنة ٩٢٧ هـ. ١٥ - المتوكل على الله (الثالث): محمد بن يعقوب المستمسك، بويع بعد أبيه سنة ٩٢٧ هـ، وفي أيامه افتتح السلطان سليم أحد سلاطين آل عثمان، بلاد الشام ومصر سنة ٩٢٢ هـ، فاستلم من المتوكل الآثار النبوية وهي الراية والسيف والبردة ومفاتيح الحرمين الشريفين، وأخذه معه إلى القسطنطينية بعد أن تنازل له المتوكل عن الخلافة، وأصبح كل سلطان عثماني يلقب بالخلافة وإمارة المؤمنين منذ ذلك الحين فاجتمعت لهم السلطة الدينية والسلطة الدنيوية، وأقام المتوكل في القسطنطينية مدة ثم عاد إلى مصر؛ فمات سنة ٩٤٥ هـ، وهو آخر الخلفاء العباسيين في العراق والديار المصرية وبه تم الكلام عليهم. * * *

стр. 201

بنو أمية في الأندلس دخول علمت مما سبق من أخبار الدولة العباسية أن مؤسسها الخراساني أبا مسلم ضرب الأمويين في المشرق ضربة تابعه بأشد منها الخليفة العباسي الأول انتقاما من تلك الأسرة الحاكمة لما كان لبني هاشم عند معاوية وبنيه من الثأر القديم، وسعيا وراء توطيد الخلافة العباسية بحيث لا تطلع الشمس على مزاحم لهم عليها من آل أمية أو مروان بعد ذلك، وقد تفرق الناجون من القتل والحبس من الأمويين والمروانيين في أنحاء الأرض فكان منهم عبد الرحمن الأول المعروف بالداخل، وهو الذي ركب الأخطار وقصد بلاد الأندلس فأسس فيها دولة خفقت أعلامها ٢٧٦ عاما وانتشرت مدنيتها وعلومها وصناعاتها حتى كان ابن القارة الأوربية يسعى إليها بالأمس كما يسعى السوري، والأندلسي (١)، والمصري إلى باريز [ … ] (٢) ولوزان وموينخ اليوم. يبتدئ تاريخ هذه الدولة في المغرب من سنة ١٣٨ هـ وهي سنة إمارة عبد الرحمن الأول على قرطبة، وينتهي سنة ٤٢٢ هـ، وهي السنة التي خلع فيها آخر خلفائهم هشام بن محمد وتفرقت البلاد من بعده فاستقل كل وال بما ولي على نسق ما أصاب دولة آل عباس في آخر أمرها. وقد خرجت الإمارة من أيدي الأمويين في أثناء تملكهم مدة سبع سنين وثمانية أشهر حكم فيها رجال من الفاطميين (نذكرهم إن شاء الله بعد ترجمة

стр. 202

سليمان بن الحكم الأموي) (١)، ثم عادت إلى بني أمية فلم تطل أيامهم، وإنه ليؤلمني أن ألتزم جانب الإيجاز في البحث عن تراجم ملوك هذه الدولة ذات الحضارة العجيبة والذكر المجيد غير أن المجال يضيق عن الإسهاب والإطالة فأكتفي بانتداب مؤرخينا وأهل البحث والنظر الثاقب من علمائنا الأعلام إلى وضع كتاب كبير يضم أجزاء تاريخها ويجمع ما تفرق في الكتب العربية والإفرنجية من أخبارها فهي الخدمة الجليلة والعمل النافع أثاب الله من يقوم به خيرا. * * *

стр. 203

عبد الرحمن الداخل ولد سنة ١١٣ هـ وتوفي سنة ١٧٢ هـ فتح المسلمون بلاد الأندلس وأخذت تتعاقب عليها ولاتهم وأمراؤهم من قبل دولة الأمويين في الشام أولا حتى ضعف شأنهم وتزلزل سلطانهم فاستبد الأندلسيون بأمر أنفسهم يعزلون ويولون من يشاؤون، وظهرت بينهم في أوائل القرن الثاني للهجرة ثورات واضطرابات كان أمراؤهم يعالجون منها ما يمكنهم علاجه إلى أن أصيب بنو أمية بتلك الرائعة التي شتتت شملهم ومزقت ملكهم، فتفرق من نجا منهم في بلاد الله وتملك بنو العباس (على ما تقدم بيانه) وكان فيمن فر من أيدي المسودة (آل عباس) أمير من سلالة ملوك بني أمية يدعى أبا المطرف عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان، أمه بربرية من المغرب، ولد بموضع يعرف بدير حسيبة (١) من دمشق، ومات أبوه وهو صغير السن فنشأ في جهات الشام ولما حل بقومه ما حل انهزم وأقام في قرية على الفرات فتبعته الخيل فأوى إلى بعض الأدغال حتى أمن فقصد المغرب، فبلغ إفريقية فلج عاملها بطلبه حين علم به، وهو حينئذ عبد الرحمن بن حبيب الفهري. وانصرف المترجم إلى مكناسة وقد لحقه مولاه بدر بنفقة وجواهر كان قد طلبها من أخت له تعرف بأم الأصبع، ولم تطب له الإقامة في مكناسة، فارتحل منها ونزل بآل نفزادة وهم جيل من البربر منهم أمه فأكرموه حين عرفوا صلته بهم ولبث مدة يكاتب الأمويين من أهل الأندلس يعلمهم بقدومه ويدعوهم إلى نفسه ووجه بدرا مولاه إليهم فأجابوه وسيروا إليه مركبا فيه جماعة من

стр. 204

كبرائهم فأبلغوه طاعتهم وأخذوه وعادوا إلى الأندلس فأرسى بهم المركب في المنكب (وذلك في شهر ربيع الأول سنة ١٣٨ هـ)، ثم انتقلوا إلى إشبيلية ومنها إلى قرطبة فعلم بهم والي الأندلس يوسف بن عبد الرحمن الفهري، وكان غائبا عن قرطبة بنواحي طليطلة فأقبل ونشب قتال بين عسكره ومن التف حول عبد الرحمن بن معاوية انتهى بظفر عبد الرحمن فدخل قرطبة واستقر بها وبنى فيها القصر والمسجد الجامع ومساجد للجماعات ووافاه عدد كبير من الأمويين، وكان يدعو للمنصور العباسي ويظهر أنه لا يميل إلى الخروج عن طاعة ملوك العباسيين في العراق فهدأت به ثائرة الأندلس واطمأن الناس إليه وأحبوه لعدله ورأفته ثم قطع خطبة العباسيين وجهر بالاستقلال. « … وكان من أهل العلم والمعرفة بالأدب وله شعر، ووصفه صاحب البيان المغرب فقال: «أظن صفته: طويل القد، أصهب، أعور، خفيف العارضين، بوجهه خال، له ضفيرتان»، وكان المنصور يلقبه بصقر قريش، ولقب الداخل لأنه أول من دخل الأندلس من ملوك بني أمية: قال ابن الأثير في نعته: وكان لسنا شاعرا حليما عالما حازما سريع النهضة في طلب الخارجين عليه لا يخلد إلى راحة ولا يسكن إلى دعة، ولا يكل الأمور إلى غيره، ولا ينفرد في الأمور برأيه، شجاعا مقداما بعيد الغور شديد الحذر، سخيا جوادا، يكثر لبس البياض، يقاس بالمنصور في حزمه وشدته وضبط المملكة، وبنى الرصافة بقرطبة تشبها بجده هشام حيث بنى الرصافة بالشام»، وعند أول نزوله بالرصافة رأى فيها نخلة منفردة فهاجت شجنه، وتذكر وطنه فقال: تبدت لنا وسط الرصافة نخلة … تناءت بأرض الغرب عن بلد النخل فقلت شبيهي في التغرب والنوى … وطول التنائي عن بني وعن أهلي نشأت بأرض أنت فيها غريبة … فمثلك في الإقصاء والمنتأى مثلي سقتك غوادي المزن من صوبها الذي … يسح ويستمري السماكين بالوبل

стр. 205

توفي الداخل بقرطبة ودفن بقصرها، وكان دخوله على الأندلس وهو ابن خمس وعشرين سنة، وبويع بقرطبة يوم الأضحى من سنة ١٣٨ هـ ومدة خلافته ٣٣ سنة، وأربعة أشهر ونصف، وعقد العهد لابنيه هشام ثم سليمان، ومن شعره يتشوق إلى بلاد الشام: أيها الراكب الميمم أرضي … أقر من بعضي السلام لبعضي أن جسمي كما علمت بأرض … وفؤادي ومالكيه بأرض قدر البين بيننا فافترقنا … وطوى البين عن جفوني غمضي قد قضى الله بالفراق علينا … فعسى باجتماعنا سوف يقضي هشام بن عبد الرحمن ولد سنة ١٣٩ وتوفي سنة ١٨٠ هـ لم يكن هشام أكبر ولد عبد الرحمن فإن سليمان أكبر منه ولكن أباه كان يتوسم منه الشهامة والاضطلاع في أمر الملك فعهد إليه قبل أخيه، ولما توفي عبد الرحمن كان هشام بماردة متوليا لها، وأخوه سليمان بطليطلة، وكان يروم الأمر لنفسه ويحسد أخاه هشاما على تقديم والده له ولهما أخ ثالث اسمه عبد الله ويعرف بالبلنسي كان بقرطبة عند موت والده فجدد البيعة لهشام وكتب إليه يخبره فحضر هشام بعد ستة أيام، فبويع سنة ١٧٢ هـ، وحشد أخوه سليمان أجناده وقصد قرطبة مخالفا لأخيه فانضم إليه أخوهما عبد الله فخرج هشام إليهما بجيشه فالتقى الجيشان بجهة بلج، وانهزم سليمان وعبد الله بعد حرب شديدة [وقتل] هشام إلى قرطبة ظافرا، وكان يكنى بأبي الوليد، وصفه ابن الأثير وابن عذاري فقالا: «كان أبيض، أشهل، مشربا بحمرة، بعينيه حول»، ومن محاسن سيرته أنه كان يبعث إلى الكور قوما عدولا يسألون الناس عن سير

стр. 206

العمال، وكان ذا حزم ورأي وشجاعة وعدل محبا لأهل الخير والصلاح شديدا على الأعداء، راغبا في الجهاد. ومن غريب ما يذكر عن أيامه من عز الإسلام أن رجلا مات وأوصى أن يفك أسير من أسرى المسلمين من تركته فطلب ورثته ذلك فلم يوجد في دار الأعداء أسير مسلم يشترى أو يفك لضعف العدو وقوة المسلمين، وأهل الأندلس يعددون مناقبه ويبالغون فيها حتى قالوا: إنه كان يشبه في سيرته بعمر بن عبد العزيز .. خلافته سبع سنين وتسعة أشهر [وثمانية] أيام، بنى عدة مساجد، وتمم بناء جامع قرطبة الذي بدأ أبوه به. الحكم بن هشام ولد سنة ١٥٤ هـ وتوفي سنة ٢٠٦ هـ أبو العاصي الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل الأموي، أحد ملوك بني أمية العظام في الأندلس، قال المقري في نفخ الطيب: هو أول من جعل للملك أبهة بأرض الأندلس، وأول من جند بها الأجناد وجمع الأسلحة والعدد وارتبط الخيول على بابه، وكانت له عيون يأتونه بأخبار الناس، وكان يباشر الأمور بنفسه، ويقرب الفقهاء والعلماء والصالحين، وهو الذي مهد الملك لعقبه في تلك البلاد. ولد بقرطبة مقر ملكه، وبها نشأ، وولي أمر المسلمين بعد أبيه هشام بعهد منه إليه سنة ١٨٠ هـ، وكانت في أيامه حروب وفتن كثيرة أثارها عليه جماعات من الخوارج والثوار فاشتغل في حسم شرورهم فجاءه نبأ مجاوريه من الفرنج، وأنهم أخذوا يعيثون فسادا في الثغور، فسار إليهم بنفسه سنة ١٩٦ هـ، فافتتح

стр. 207

الحصون وخرب النواحي، وأثخن في القتل والسبي والنهب وعاد إلى قرطبة ظافرا، وأرسل سنة ٢٠٠ هـ فرقة من الجيش لصد غارات المعتدين على بلاده فأمن بذلك شرهم وتفرغ السياسة الملك وتدبيره فنظم شؤونه واستقر له الأمر حتى توفي، فدفن في قرطبة، وكان أفحل بني أمية بالأندلس وأشدهم إقداما ونجدة - قاله المثري. وترك أولادا كثيرين منهم عشرون ذكرا، عشرون أنثى، وكان أسمر طوالا أشم نحيفا لم يخضب ونظم الشعر الرقيق يتفكه به أورد بعضه صاحب البيان المغرب (ج ٢، ص ٧٠)، وفي نفخ الطيب قوله وأنشده بعد واقعة: رأيت صدوع الأرض بالسيف رافعا … وقدما لأنت الشعب مذ كنت يافعا فسائل ثغوري هل بها اليوم ثغرة … أبادرها مستنضي السيف دارعا تنبئك أني لم أكن في قراعهم … بوان وقدما كنت بالسيف فارعا وهل زدت إذ وفيتهم صاع قرضهم … فوافوا منايا قدرت ومصارعا فهذي بلادي إنني قد تركتها … مهادا ولم أترك عليها منازعا وعدد له صاحب الكامل صفات منها أنه تشبه بالجبابرة، وأنه أول من استكثر من المماليك بالأندلس، وأول من جند بها الأجناد المرتزقين .. وقال المراكشي صاحب المعجب في تلخيص أخبار المغرب في الكلام عليه: الحكم بن هشام الملقب بالربضي كان طاغيا وله آثار سوء وهو الذي أوقع بأهل الربض فقتلهم وهدم ديارهم ومساجدهم، والربض محلة متصلة بقصره اتهم أهلها بمكيدة يدبرونها للإيقاع به ففعل بهم ذلك فسمي الحكم الربضي. قال: وفي أيامه أحدث الفقهاء إنشاد أشعار الزهد والحض على قيام الليل في صوامع المساجد وأمروا أن يخلطوا مع ذلك شيئا من التعريض به مثل أن

стр. 208

يقولوا: يا أيها المسرف المتمادي في طغيانه، المصر على كبره، المتهاون بأمر ربه أفق من سكرتك، وتنبه من غفلتك، وما نحا هذا النحو، فكان هذا من جملة ما هاجه وأوغر صدره عليهم، وكان أشد الناس عليه في أمر فتنة الربض الفقهاء هم الذين كانوا يحرضون العامة ويشجعونهم إلى أن أوقع بهم .. وجملة ما يتحصل من أقوال المؤرخين فيه أنه كان شديدا جبارا ضابطا لأمر مملكته يقظا، إذا هم ألقى بين عينيه عزمه، لا يرده عن سبيله راد قوي الإرادة، وأكثر خلاله تدل على رجل كبير. وإن شئت التوسع في أخباره فارجع إلى نفح الطيب، وكامل التواريخ، والبيان المغرب، والمعجب وأشباهها. عبد الرحمن بن الحكم ولد سنة ١٧٦ هـ وتوفي سنة ٢٣٨ هـ بعد موت الحكم بن هشام، استطاع ولده عبد الرحمن أن يقوم بالملك حق القيام، وكنيته أبو المطرف، وله بطليطلة أيام كان أبوه الحكم يتولاها لأبيه لهشام، وبويع بعد وفاة والده بيوم واحد، كان جسيما طويلا أسمر، حسن الوجه أقنى أعين أكحل، عظيم اللحية، يخضب بالحناء والكتم. قال صاحب البيان المغرب في وصفه: «هو أول من جرى على سنن الخلفاء في الزينة والشكل وترتيب الخدمة وكسا الخلافة أبهة الجلالة، فشيد القصور وأجلب الماء العذب إلى قرطبة وبنى له مصنعا كبيرا يرده الناس، وبنى الرصيف وعمل عليه السقائف وبنى المساجد بالأندلس وعمل السقاية على الرصيف واتخذ السكة بقرطبة وفخم ملكه». وزاد عليه غيره من المؤرخين فقالوا: إنه علا عن التبذل للعامة، وكانت أيامه

стр. 209

أيام سكون وعافية وكثرت عنده الأموال، وكان عالي الهمة له غزوات كثيرة، وكان أديبا ينظم الشعر للهو به في بعض أوقات خلوه، عالما بعلوم الشريعة وغيرها من علوم الفلاسفة، وهو معدود في جملة من عشق جواريه كان يأنس بهن ويداعبهن كلما فرغ من عناء غزوة أو انتهى من نصب حرب، وكان يميل إلى جارية له اسمها طروب ونظم بها شعرا فشهر بها وأغدق عليها الأموال وله أخبار معها، ولم يكن في بطشه كأبيه بل خالفه في كثير من أخلاقه فاستعاض باللين عن الشدة وبتهدئة الفتن عن اقتحام حروبها، وشعره جيد، منه قوله يصف حالة المعزول: أرى المرء بعد العزل يرجع عقله … وقد كان في سلطانه ليس يعقل فتلفيه جهم الوجه ما كان واليا … ويسهل منه ذاك ساعة يعزل ومن كلامه ما وقع به إلى بعض عماله وقد كتب إليه يسأله عملا لم يكن أهلا له فذيله بقوله: «من لم يصب وجه مطلبه كان الحرمان أولى به». ولد له نحو مئة ولد أكثرهم ذكور وخلف خمسة وأربعين ولدا ذكورا (١)، وكان ممدوح السيرة، مدة ولايته ٣١ سنة وثلاثة أشهر [وستة أيام]، وتوفي بقرطبة، وكان يشبه بالوليد بن عبد الملك في سياسته وتأنقه. * * ولما مات عبد الرحمن بن الحكم ملك ابنه أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام، فجرى على سيرته عدلا وإحسانا للرعية ورأى الملك ثابت الأساس هادئا مطمئنا فصفت له أيامه، مولده في قرطبة سنة ٢٠٧ هـ، ووفاته سنة ٢٧٣ هـ وحكم خمسا وثلاثين سنة إلا شهرا، كان أبيض مشربا بحمرة ربعة أو قص وافر اللحية يخضب بالحناء، خلف ٣٣ ولدا ذكرا و ٢١ بنتا، وكان

стр. 210

مثبتا في شؤونه وفيا لمواليه أنفسهم وأعقابهم لا يكدح عنده كادح في شيء عن أحدهم فيَسْمعه أو يُسْمعه، أحبه أهل البلدان المستقلة في عصره حتى كان بنو مدرار بسجلماسة ومحمد بن أفلح صاحب تاهرت لا يقدمون ولا يؤخرون في أمورهم ومعضلاتهم إلا عن رأيه وأمره، وما يحفظ عنه أنه قال لهاشم بن عبد العزيز أحد وزرائه وقد أنكر عليه شيئا من عدم التثبت: يا هاشم من آثر السرعة أفضت به إلى الهفوة، ولو أنا أصغينا نحو زلاتك وأصحنا إلى هفواتك لكنا شركاءك في الزلة وقسماءك في العجلة، فمهلا عليك رويدا بك فإنك إن تعجل يعجل بك» … ودفن بقرطبة، وكان ذكيا فطنا. * * * ولي بعد موته بثلاثة أيام ابنه أبو الحكم المنذر بن محمد بن عبد الرحمن، مولد سنة ٢٢٩ هـ، اتصل به خبر موت أبيه وهو يحارب الفرنج محاصرا لفريق منهم في حصن يعرف بحصن الحمامة فقفل راجعا إلى قرطبة فجددت له البيعة، وفرق العطاء في الجند وتحبب إلى أهل قرطبة والرعايا بأن أسقط عنهم عشر. ذلك العام وما يلزمهم من جميع الغرم، وكان أسمر، طويلا، جعد الشعر، كث اللحية، بوجهه أثر جدري يخضب بالحناء والكتم، وكان جوادا يصل الشعراء ويحب الشعر، ولم تطل مدته فتوفي وهو في غزوة له على بريشتر سنة ٢٧٥ هـ فكان ملكه سنتين إلا عشرين يوما. عبد الله بن محمد ولد سنة ٢٢٩ هـ وتوفي سنة ٣٠٠ هـ خالف عبد الله أباه وأخاه في سيرتهما إذ ظهر بالملك في مظهر جديد وأعاد للدولة ما كادا يذهبان به من رونقها ونضرتها، وهو أبو محمد عبد الله بن محمد ابن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام، بويع يوم وفاة أخيه المنذر، وأراد النهوض

стр. 211

بالمملكة فاضطرب أمرها حتى كانت أيامه كلها أيام ثورات تفرقت بها القلوب بعد ائتلافها وكثر عدد الخارجين عن سلطته حتى صار في كل جهة متغلب أو مستقل وليس ذلك يبدع فإن الجسم إذا طال فيه أمر العلة حتى أوشكت تزمن وجنته بالإصلاح والعلاج ثارت فيه ثائرة ربما خيف منها على سائر الأضلاع ذلك مثل عبد الله بن محمد في ملكه إذ فجأ أهل الدولة وهم بين مسيطر وسلاب ونهاب فنزع عن نفسه حجب الجلالة والعظمة وأمر ببناء ساباط بين قصره والجامع في قرطبة فكان يتعد فيه قبل صلاة الجمعة وبعدها فيرى الناس ويشرف على أخبارهم وحركاتهم ويسر بجماعاتهم ويسمع قول المتظلم ولا يخفى عليه شيء من أمورهم وأخذ يقعد أيضا على بعض أبواب قصره (سرايه) أياما معلومة فترفع إليه الظلامات وتصل إليه الكتب على باب حديد صنع لذلك فلا يتعذر على ضعيف إيصال بطاقة بيده ولا إنهاء مظلمة على لسانه. قال صاحب البيان المغرب: وكان أهل المكانات والمقربون منه يتحفظون من كل أمر يوجب الشكوى منهم .. وكانت اللذات مهجورة في أيامه واللهو غير مقترف من أكثر الأمة، ويسمى أحد أبواب القصر «باب العدل» يباشر فيه أحوال الناس بنفسه ولا يجعل بينه وبين المظلوم سترا، وربما عيب علي كرهه للسرف وميله إلى الاقتصاد في النفقة والعطايا إلا ما كان منها في سبيل الصدقات والمبرات فإنه لم يكن يرى بأسا بالإنفاق الغزير فيها مما يدل على أن اقتصاده الأول لا يسمى بخلا كما عرفه به بعض المؤرخين، فالبخيل الشحيح يتعلق بالدرهم والدينار فيحجبهما عن كل سبيل لا يفرق بين الصدقة والجائزة، ولا بين الإكرام والإحسان، وكان موصوفا بالورع وصلاح القلب، متفننا بضروب العلوم، بصيرا بلغات قبائل العرب، فصيح اللسان، حسن البيان؛ أما صورته فأبيض مشرب بالحمرة أصهب أزرق أقنى الأنف، ربعة إلى الطول، يخضب بالسواد، عظيم الكراديس، وكان أديبا حافظا لأشعار العرب وأيامهم، وسير

стр. 212

الخلفاء، راوية للشعر يحسن نظمه، وكانوا يعدونه من أصلح خلفاء بني أمية في الأندلس وأمثلهم طريقة، وأتمهم معرفة لولا ما كان ينغصه من دوام الفتن التي أجبر معها على إظهار القوة والإرهاب بالبطش حتى وصفه ابن حزم بأنه كان قتالا تهون عليه الدماء مع كثرة إقباله على الخيرات وإعراضه عن المنكرات. ويذكر أنه احتال على أخيه المنذر فقتله بأن سم له المبضع الذي قصد به بمواطأة حجامه وهو نازل بمعسكره على ابن حفصون الثائر. وقتل للمترجم ولدان وأخوان أيضا، فولداه محمد والد الناصر لدين الله و مطرف اختصما في ولاية عهده فقتل مطرف محمدا، ثم قتل الأمير عبد الله مطرفا وأخواه أحدهما يدعى هشاما قتله بالسيف والثاني القاسم قتله بالسم. ولم أجد فيما بين يدي من كتب التاريخ ما يصح أن يكون سببا حقيقيا لفعلته هذه إلا أن يكونا قد زاحماه على الإمرة أو حاولا إيقاظ فتنة جديدة عليه فصنع ما صنع، وتوفي في قرطبة فدفن في مدافن آبائه. وولايته اثنتان وعشرون سنة إلا شهرا، وخلف أحد عشر ولدا ذكرا أحدهم محمد المقتول والد عبد الرحمن الناصر الآتي ذكره. أمير المؤمنين عبد الرحمن الناصر ولد سنة ٢٧٧ هـ وتوفي سنة ٣٥٠ هـ بدأ الأمير عبد الله (صاحب الترجمة السالفة) بإصلاح بلاد الأندلس بعدما كادت تؤول إليه من استبداد الوزراء والأمراء بالحكم دون أهل الملك والسلطان؛ فكان عمله داعية لثورة المتحكمين وغضبهم فاشتعلت نار الفتنة في أيامه على ما تقدم ذكره ومات ولم يوفق إلى إخمادها. وتولى حفيده هذا والمملكة جمرة تلتهب فكان لها كالمرهم الحاسم طلي به

стр. 213

الجرح الناغل ولم يصف له الملك إلا بعد نحو عشرين سنة من تملكه أمضاها في قتال المخالفين واسترضاء النافرين حتى أذعنوا له واستقام أمر الدولة فعذب له موردها وابتسمت أيامه فكانت أزهى وأزهر ما عرفه الأندلسيون من أزمان الأمراء والخلفاء والملوك. أوردت في الترجمة السابقة أن الأمير عبد الله كان قد عهد بولاية الأمر من بعده إلى ولده محمد، وأن مطرفا أخا محمد حسده فقتله ثم قتله أبوه عبد الله به، وكان لمحمد طفل ولد قبل قتله بأحد وعشرين يوما سماه عبد الرحمن نشأ بين يدي جده عبد الله فرباه التربية الصالحة، وتفرس فيه النجابة فلما شب قربه واعتمد عليه في أموره حتى كان كثيرا ما يقعده في بعض الأيام والأعياد مقعد نفسه ويأمر الجند بالتسليم عليه بالإمارة فتعلقت آمال أهل الدولة به، ولم يشكوا في مصير الأمر إليه، ولما مات جده عبد الله أجلسوه مكانه دون ولده لصلبه، وكان يسكن القصر مع جده دونهم فتهيأ أجلاسه دونهم مكانه. ولي الأندلس وهو ابن ثلاث وعشرين سنة وحوله أعمامه فكانوا أول من بايعه ولم يعترضه أحد. كنيته أبو المطرف وهو عبد الرحمن بن محمد بن الأمير عبد الله بن محمد ابن عبد الرحمن بن الحكم الربضي بن هشام بن عبد الرحمن الداخل، ولي سنة ٣٠٠ هـ، وانصرف إلى تهدئة الثورات وإسكان القلاقل حتى صفا له الملك، ولما كانت سنة ٣١٦ هـ رأي ضعف الخليفة العباسي «المقتدر» في العراق وعرف بما هنالك من الانحلال فجمع الناس وخطب فيهم ذاكرا لهم حق بني أمية بالخلافة وأنهم أسبق إليها من بني العباس فأمر أن ينادوه أمير المؤمنين وأن يخطب باسمه بالخلافة وتلقب بلقب سلطاني وهو «الناصر لدين الله» فجرى ذلك سنة لمن بعده، وكان أسلافه يسمون بني الخلائف ويخطب لهم بالإمارة فقط.

стр. 214

قال ابن شفدة في المنتخب: عبد الرحمن الناصر أعظم أمراء بني أمية في الأندلس، كان كبير القدر، كثير المحاسن، محبا للعمران، مولعا بالفتح وتخليد الآثار، أنشأ مدينة الزهراء وهي عديمة النظير في الحسن وبنى بها قصر الزهراء المتناهي في الجلالة، وقال المؤرخ المقري في وصف القصر: أطبق الناس على أنه لم يين مثله في الإسلام البتة، بل لم يسمع بمثله، بل لم يتوهم كون مثله! والمؤرخون يبالغون في مقدار ما أنفق على الزهراء. قال ياقوت: مدينة صغيرة قرب قرطبة بالأندلس اختطها الناصر .. وعملها متنزها له وأنفق في عمارتها من الأموال ما تجاوز فيه حد الإسراف وجلب إليها الرخام من أقطار البلاد وأهدى إليه ملوك بلاده من آلاتها ما لا يقدر قدره وكان الناصر هذا قد قسم جباية بلاده أثلاثا: ثلث لجنده، وثلث لبيت ماله، وثلث لنفقة الزهراء وعمارتها .. بدأ فيها سنة ٣٢٥ هـ، ومات سنة ٣٥٠ هـ وهو لا يزال ينفق على تحسينها وتزيينها. كان الناصر أبيض أشهل حسن الوجه ربعة عظيم الجسم، قصير الساقين، ركاب سرجه يقارب الشبر، طويل الظهر جميلا بهيا يخضب بالسواد، طالت أيامه فحكم خمسين سنة وستة أشهر، وكان حريصا على الملك يقظا ومن عجيب أمره في هذا الشأن ما رأيته في كتاب الطبقات للسبكي (ج ٢، ص ٢٣٠)، قال في ترجمته عبد الله ابنه: عبد الله .. هو ابن الخليفة الناصر صاحب الأندلس كان فقيها شافعيا أديبا متنسكا شهما سمت نفسه إلى طلب الخلافة في حياة أبيه وتابعه قوم وأخفوا أمرهم وبيتوا على اغتيال والده وأخيه المستنصر ولي عهد أبيه، فبلغ أباه، فما لبث أن سجنه وسجن من اطلع على أمره من متابعيه، ثم أخرجه وأخرجهم يوم عيد الأضحى سنة ٣٣٩ هـ من الحبس وأحضره وأحضرهم بين يديه وقال لخواصه: هذا ضحيتي في هذا العيد، ثم اضطجع له ولده وذبحه بيده، وقال لأتباعه ليذبح كل أضحيته، فاقتسموا أصحاب ولده

стр. 215

عبد الله فذبحوهم عن آخرهم .. !! ومن غريب ما يؤثر عن الناصر ما قرأته في شذرات الذهب أنه كان يكتب في دفتر خاص أيام السرور التي كانت تصفو له من غير تكدير فيذكر تاريخها وما كان بها وقد اطلع كثيرون عليه بعد وفاته فإذا هي أربعة عشر يوما!! فيا الله ما أعجب ما نرى ملك كالناصر صفا له الملك خمسين عاما وضرب به المثل في ارتقاء ملكه في أيامه وخدمه السعد، لا يرى من أيام السرور غير ذلك العدد اليسير؟! ومن لطيف ما يذكر في أخباره أنه استدعى الطبيب يوما ليفصده فأخذ الآلة وحبس يد الملك وإذا بزرزور أشرف على المجلس، وارتقى إناء ذهب وجعل يكرر هذين البيتين: أيها الفاصد رفقا بأمير المؤمنينا … بأمير المؤمنينا إنما تفصد عرقا فيه محيى العالمينا … فيه محيى العالمينا فسر الناصر به وسأل عمن علمه، فقيل له عن أم ولده الحكم، فوهب لها ثلاثين ألف دينار. توفي الناصر وهو في قرطبة، وخلف أحد عشر ولدا ذكرا فيهم ولي عهده، الحكم بن عبد الرحمن الملقب بالمستنصر. المستنصر بن الناصر ولد سنة ٣٠٣ هـ وتوفي سنة ٣٦٦ هـ ولي بعد الناصر لدين الله ولده الحكم بن عبد الرحمن الناصر بن محمد بن عبد الله، ولقب المستنصر بالله، وكانت البلاد ساكنة مطمئنة إلا أن ملك الأسبان في عهده أردون بن الفونس طمع به بعد موت أبيه فهيأ جيشا وأراد الإغارة
следующие страницы →