سمرقند يغزو ويفتتح وكلما دخل مدينة أو قرية كبيرة اختار من كلمائها وذوي العقول الراجحة من أبنائها عددا لا يقل عن العشرة فاستصحبهم معه، ثم انصرف فأخذ طريق الشام، فامتلك دمشق واعتقل منها أحبارا من اليهود جعلهم فيمن سير معه من الحكماء، وما كر راجعا نحو اليمن إلا وبين يديه من الأحبار والكهنة والحكماء ما يناهز أربعة آلاف رجل، وبينما هو سائر إلى اليمن كان الأحبار يحدثونه عن الأديان والكتب السماوية حتى استمالوه إليهم، ولما قرب من مكة شاع في الناس أنه يريد هدم الكعبة؛ فهرع إليه الأحبار فحدثوه بشأن الكعبة وأنها بيت الله وما زالوا به إلى أن كانت لها في نفسه هيبة؛ فخلع ثيابه محرما واصطفى دين إبراهيم الخليل، ودخلها فقضى نسكه وكساها سبعة أثواب، فهو أول من كسى البيت، ثم مر ببقعة يثرب (المدينة) وعاد إلى اليمن فاستمرت بينه وبين قومه مناظرات في أمر دينه الجديد، وكانوا وثنيين يعبدون بيتا شيدوه يزعمون أن به إلها يكلمهم ويخرج إليهم، وثبت تبع، وتبعه جماعات منهم وأحرق كثيرا من الذين قاوموه في نشر دينه، واعتزله جماعة بقوا على دياناتهم فهدم تبع وأصحابه بيت عبادتهم، واتخذ في اليمن مدينتي «مأرب» و «ظفار»، فجعلهما سكنا له يقيم في أيام الشتاء بمنزل في مأرب مبني بالصفائح الذهبية، ويقضي فصل الصيف في «ظفار» بمنزله المبني من الرخام، وجعل في مأرب مكانا ينشأ أبناء الملوك من حمير يتعلمون به اللغة والأخلاق فهو كمدرسة للعلم والتربية، ثم ثار عليه جمع من قومه فقتلوه، وقيل: بل مات في «غلسان» من بلاد الهند.
هذه أخبار تبع حسان اليماني لخصتها كما ترى عن بعض الكتب العربية الموثوق بها عند أصحاب هذه اللغة، وأما آثار التبابعة فحتى يومنا الذي نحن فيه لم ينكشف للباحثين من أمرها غامض ولا وضحت حقيقة وعساها تنبئ الأطلال الدارسة بأقدار بناتها وأهليها الأولين ولو بعد حين، أما زمن صاحب الترجمة فلم أر ما أثق به من الأقوال الصريحة في كتب التواريخ غير كلمة يستأنس بها الآن أوردها الحافظ ابن عساكر قال: وبين تبع ومولد رسول الله ﷺ ألف
стр. 72
سنة، فأضفت ما بين مولد النبي وهجرته إلى الألف فكان مجموعهما ألف سنة وثلاثا وخمسين سنة، وإنما هو تقدير وتقريب: وقد يحسن إيرادهما ويحتج بهما عند فقدان الحقيقة وامتناع التأكيد.
وينسبون لتبع هذا شعرا يزعمون أنه ناظمه وأثبت شيئا منه ابن عساكر في تاريخه، أما عندي فلا يثبت من ذلك شيء ونحن نرى الخلاف في أسماء ملوكهم قائما فكيف بما يعزى إليهم من الشعر على كثرة ناظميه والمشتغلين فيه.
عمرو بن لحي
مات نحو سنة ٣٩٠ ق. هـ
كانت العرب حتى سنة ٤٠٠ قبل الهجرة آخذة بدين إبراهيم الخليل ﵇ إلا قليلا منها اتبعوا ديانات مجاوريهم من الفرس والروم والوثنيين وغيرهم حتى نشأ في الحجاز ملك منهم يدعى «عمرو بن لحي» بن حارثة بن عمرو مزيقياء الأزدي من ولد كهلان بن سبأ، وكان ملكا مطاعا شائع الذكر داهية خضعت له الحجاز، وهو أول من أدخل الأصنام على تلك البقعة وجعلها في الكعبة، وذلك أنه أصيب بعلة شديدة أعياه شفاؤها فقيل له: لو قصدت البلقاء من أعمال الشام فإن بها حمة إن أتيتها برأت، فأتاها، فاستحم، فبرأ من مرضه، واختلط ببعض أهلها فرآهم يعبدون أصناما فسألهم عنها، فقالوا: هذه أرباب اتخذناها على شكل الهياكل العلوية والأشخاص البشرية نستنصر بها فتنصر ونستسقي بها فنسقى، فأعجبه ذلك، فطلب منهم صنما وبذل لهم ما يعدله من النقود فدفعوا إليه «هبل»، واسمه في العبرانية «هبعل»، وهو اسم أكبر أصنام الفينيقيين أو الكنعانيين ومن جاورهم من أمم الشام.
قال النويري: وهبل: صنم من خرز العقيق على صورة الإنسان، فاحتمله عمرو به لحي وسار به إلى مكة فوضعه على الكعبة، واشترى صنمين أحدهما
стр. 73
«إساف»، والثاني «نائلة»، فعكف على عبادتهما وأمر قومه وعشيرته بعبادة الأوثان وتعظيمها، ثم دعا العرب كافة إلى رفع شأنها واحترامها والتقرب منها، فأجابه السواد الأعظم منهم رغبة أو رهبة، وشد جماعة من عقلائهم ومفكريهم، ففضلوا الديانات المعروفة في ذلك العصر كالإسرائيلية والنصرانية، ومنهم من اختار مذهب المجوس والزنادقة أو الثنوية، أو عبادة الكواكب، وثبت فريق على ديانته الأولى. واستمر الأكثرون على عبادة الأصنام وتقريب القرابين لها حتى جاء الإسلام فحطمها وحول الناس عن ابتغائها بعد أن كثر عددها وفشا أمرها واتخذت كل قبيلة من قبائل العرب صنما ابتدعته، ومنهم من بنى له بيتا ليكون كالكعبة يطاف حوله، حتى إذا ارتفع لصاحب ذلك الصنم شأن أو كان له سلطان على من جاوره من العشائر دعاهم إلى تعظيمه وعبادته وناضل عنه ببأسه وقوته، تشبها بقريش في سدانتها للكعبة وسيادتها بذلك.
وقد حطم المسلمون نيفا وثلاثمائة صنم، وقيل: إنها كانت على عدد أيام السنة، ومن أشهر أصنام العرب: «هبل الأنف ذكره، و «إساف»، وكان على الصفا، ونائلة وكان على المروة، و «مناة» وكان عند الأوس والخزرج في مدينة يثرب، واللات» وكان لثقيف في الطائف، و «العزى» وكان لقريش وكنانة، وود لبني كلب بدومة الجندل، و «سواع» لهذيل، و «يغوث» لمذحج، و «يعوق» لهمذان، وأصنامهم كثيرة يضيق بها مجال هذا الكتاب.
أما عمرو بن لحي المترجم: فقد كان في عصر سابور ملك العجم (قاله الشهرستاني)، وسوابير العجم ثلاثة: سابور بن أردشير (مات سنة ٣٩٨ ق. هـ) وسابور بن هرمز المعروف بذي الأكتاف (مات سنة ٢٧٨ ق. هـ)، وسابور ابن ذي الأكتاف (مات سنة ٢٦٩ ق. هـ)، وأشهرهم عند سكان جزيرة العرب ذو الأكتاف؛ فإنه غزاهم وكان له معهم حديث طويل، والذي ذهبت إليه في تاريخ صاحب الترجمة أنه كان في عصر سابور الأول ورجحه عندي قدم
стр. 74
الأصنام في الكعبة ورجوعها إلى عهد أبعد من عهد سابور الثاني أو الثالث، وكذلك صنع السيد رفاعة الطهطاوي في كتابه بداية القدماء وهداية الحكماء، اختار لعمرو معاصرة سابور الأول، وهو متردد في الحكم غير جازم.
جذيمة الوضاح
مات سنة ٣٦٥ ق. هـ
جذيمة بن مالك بن فهم بن غانم بن دوس الأزدي: أحد ملوك العراق ومن ذوي الذكر الذائع والاسم الشائع. قال المؤرخ ابن الأثير: «كان من أفضل ملوك العرب رأيا، وأبعدهم مغارا، وأشدهم نكاية، وهو أول من غزا بالجيوش، وشن الغارات على قبائل العرب».
كان مقره في الأنبار واليا على من جاوره من عرب العراق من قبل الأكاسرة ملوك العجم في أيام ازدهار ملكهم وامتداد سلطتهم، ثم استولى على السواد (في شمالي العراق) وانقادت له الحيرة والأنبار وسائر القرى المجاورة، ثم طمح بنظره إلى مشارف الشام وأرض الجزيرة فغزاها وحارب ملكها عمرو بن الظرب والد الزباء، فقتله وانتهب بلاده، وكان له من الفرات إلى تدمر، وفرت ابنته الزباء، حتى انصرف جذيمة فعادت إلى تدمر مقر ملك أبيها فجمعت شمل الجند واستعدت، ثم راسلته وعرضت عليه نفسها زوجة له، وكانت أجمل وأعقل وأشهر نساء عصرها، فقدم عليها جذيمة ليتزوجها فاغتالته وقتلته وأخذت بثأر أبيها: وقصتها مشهورة تجدها في أكثر كتب التاريخ والأدب العربي وفي حوادثها أمثال جيدة وأخبار تلذ الثلاة، ولبحثة الإفرنج اهتمام كبير بأمرها وهم يسمونها «زينوبيا - ملكة تدمر»، فارجع إن شئت البحث عنها إلى كتب المستشرقين وأهل التحقيق منهم، وابتعد ما استطعت عن كتب العرب وأقوالهم فيها إلا في ما لا بد منه كالأمثال العربية أو إرادة المقابلة.
стр. 75
وجذيمة أول ملك أو أمير عربي جلس على سرير اتخذه لنفسه في مجلسه: أخذ ذلك عن الفرس، وجبيت له أموال البلاد الخاضعة لحكمه فقال فيه شاعره:
أضحى جذيمة في الأنبار منزله … قد حاز ما جمعت في عصرها عاد
مستعمل الخير لا تفنى زيادته … في كل يوم وأهل الخير تزداد
وضاع له ابن أخت يدعى عمرا وهو صغير فمضى عليه زمن ثم لقيه رجلان: اسم أحدهما مالك والثاني عقيل فأتياه به فقال لهما جذيمة: تمنيا علي ما شئتما، فطلبا منادمته ما بقي وبقيا فنادماه أربعين سنة، ورأى منهما عقلا وأدبا فصحبهما حتى مات وفرقت بينهما الأيام، فضربت العرب بهما الأمثال في تأكيد الألفة وطول الصحبة؛ قال أبو خراش الهذلي يرثي أخاه عروة:
تقول أراه بعد عروة لاهيا … وذلك رزء لو علمت جليل
فلا تحسبي أن قد تناسيت عهده … ولكن صبري يا أميم جميل
ألم تعلمي أن قد تفرق قبلنا … خللا صفاء: مالك وعقيل
وكان يقال لجذيمة «الأبرش» و «الأبرص» لبرص كان فيه، ولكن العرب هابته أن تنعته به فلقب بالوضاح، وقتل في تدمر كما ذكرنا واختلفوا في مدة ملكه بين ٥٠ سنة و [٦٠].
الضيزن السليحي
مات سنة ٣٠٤ ق. هـ
ما برحت الآثار الشاخصة والأطلال البالية تذكر رأيها بيانيها وتدل مشاهدها على شائدها، فإن علماء البلدان وأصحاب الرحلات المولعين بالأسفار والبحث عن الآثار كلما مر واحد منهم بتلك الأخربة المبعثرة في ذلك المكان
стр. 76
الماثل بين الكوفة والقادسية استوقفه منظرها طويلا فنقب وبحث ثم كتب ما لاح له، فأما ياقوت فثبت عنده أن مجاوري ذلك الموضع كانوا يسمونه في عصره «طيز ناباذ» وسبقه إلى بيان ذلك المؤرخ البلاذري، واتفقا على أن اسمه الأول «ضيز ناباذ»، ولكن مجاوريه الفرس حرفوا الضاد طاء؛ لأن لغتهم خالية من الضاد، وقالا: ضيز ناباذ مؤلفة من كلمتين «ضيزن» وهو اسم بانيها و «أباذ» ومعناها بالفارسية العمارة فتكون ترجمتها «عمارة ضيزن»، وحرفتها العامة في العهد الأخير فقالت: «طعيريزات»، وهو اسمها الشائع اليوم على ما جاء في مجلة لغة العرب البغدادية، ص ٣١٩، وربما قالوا العريسات، كما جاء بها أيضا في مواضع مختلفة، وهي كما في معجم البلدان تبعد عن القادسية في جادة الحاج مسافة ميل، وكانت في صدر الإسلام من أنزه المواضع محفوفة بالكروم والشجر والحانات والمعاصر مقصودة للهو والبطالة، وفي القرن السادس كانت خرابا ولم يبق بها إلا أثر قباب كانوا يسمونها «قباب أبي نواس» لأبيات نظمها أبو نواس فيها أوردها ياقوت (ج ٦، ص ٧٩)، وهي اليوم آثار أبنية في تلال وهضاب.
أما مشيد دعائمها والمنسوبة إليه فهو صاحب هذه الترجمة: الضيزن بن معاوية بن الإحرام (أو الأجرام) بن سعد بن سليح بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة (كذا نسبه في كتابي المعجم والفتوح رواية عن الكلبي)، وكان ملكا مذكورا بالبأس والمنعة تخشاه أقيال العرب وملوكها، فكانوا يهادونه ويسالمونه خوفا من بطشه، وكان قد ملك الجزيرة إلى الشام، والعرب في ذلك العهد، كما تدلك كتب الثقاة من مؤرخيهم، كانوا بين جاذبين سياسيين قويين:
أحدهما دولة الفرس وهي لا تألو جهدا في تقريب من داناها من أمراء القبائل وملوك العشائر فتنعم عليهم وتحسن إليهم ثم تطلقهم في بلاد الروم يعيثون بها فسادا ويقلقون سكانها، والثاني الروم، يصنعون صنيع الفرس، حذوك النعل بالنعل وكان الضيزن مشايعا للروم متحيزا إليهم يغير رجاله على العراق
стр. 77
والسواد، وذلك في أيام كسرى سابور ذي الأكتاف وهو من بغاة الأكاسرة وأشدهم عداوة للعرب، فجمع جيشا كبيرا وزحف به إلى بلاد الجزيرة حتى بلغ «الحضر» وهو بناء بناه الضيزن، أو مدينة له فيها حصن، فلجأ الضيزن إلى الحصن، وأقام سابور مدة لا يرشد إلى فتحه وزعموا أنه كان للضيزن بنت تدعى «النضيرة» رأت سابور فأحبته وراسلته، ثم مهدت له سبيل دخول الحصن، فدخله، وقتل الضيزن، وانتهبه وأمر بهدمه، ولعله هو «أخو الحضر» الذي أراده صاحب القصيدة المشهورة وهو عدي بن زيد بقوله:
[أين] كسرى كسرى الملوك أنوشر … وان أم أين قبله سابور
وبنو الأصفر الكرام ملوك الـ … ـروم لم يبق منهم مذكور
وأخو الحضر إذ بناه وإذ دجـ … ـلة تجبي إليه والخابور
شاده مرمرا وجلله كلـ … ـسا فللطير في ذراه وكور
لم يهبه ريب المنون فباد … الملك عنه فبابه مهجور
النعمان السائح
مات في نحو سنة ٢٢٠ ق. هـ
النعمان بن امرئ القيس بن عمرو اللخمي الأعور السائح: أحد ملوك الحيرة من قبل ملوك الفرس، وكان شجاعا كثير الغارات رفيع الذكر، غزا الشام مرارا بتحريض الفرس، كما سبقت في الترجمة السالفة الإشارة إليه، فغنم وربح وظفر واتخذ كتيبتين حازهما عن جنده، إحداهما كانت مؤلفة من رجال الفرس، وسماها الشهباء. والثانية من تنوخ وسماها دوسر، وبهذه يضرب المثل في البطش والفتك؛ فيقال: أفتك من دوسر.
واجتمعت له في حروبه أموال كثيرة، وكان موصوفا بالعقل والدهاء منعوتا
стр. 78
بالحزم وبعد النظر، وكان معاصرا ليزدجرد، المعروف بالأثيم، ملك الفرس، فدفع إليه ابنه بهرام (الذي سمي بهرام جور) ليربيه ويهذبه، فأنشأه على غاية ما يكون من حسن الأخلاق والشجاعة والفروسية، وطالت أيام النعمان، وهو باني القصرين العظيمين الخورنق والسدير، وللشعراء فيهما كلام كثير، ولما بلغ سن الكهولة فكر في أمر الحياة الدنيا فلم يرها إلا غرورا، فسلك مسلك النساك والحكماء. واستعاض عهد داء الملك، بقباء النسك، وانصرف سائحا في البلاد، فانقطع خبره، وخفي أثره، وذلك بعد أن حكم ثلاثين سنة، وفيه يقول عدي بن زيد من قصيدة تقدم بعضها:
وتدبر رب الخورنق إذ … أشرف يوما وللهدى تفكير
سره ماله وكثرة ما يملـ … ـك والبحر معرضا والسدير
فارعوى قلبه وقال: فما غبـ … ـطة حتي إلى الممات يصير
ومطلع هذه القصيدة:
أيها الشامت المعير بالدهر … أأنت المبرأ الموفور
وفي ختامها بعد ذكر الملوك وآثارهم:
ثم بعد الفلاح والملك والنعمة … وارتهم هناك القبور
ثم صاروا كأنهم ورق جف … فألوت به الصبا والدبور
ولما غاب النعمان وتحدث الناس بأمره عثروا على بعض آثار منه عرفوا منها ما صار إليه حاله فتولى مكانه المنذر الأولى، وتعاقبت الأبناء والإخوة من بني لخم حتى آل الأمر إلى المنذر بن ماء السماء الآتي خبره. [أورده الزركلي في الترجمة التالية بالفعل، ثم أدخل تعديلا، فتأخرت ترجمة المنذر قليلا].
стр. 79
كليب وائل
ولد سنة ١٨٧ وقتل سنة ١٣٣ ق. هـ
من أمراء العرب الذين تشبهوا بالملوك في سلطتهم وسعة ديار دان، وأن لهم وخضع لحكمهم صاحب هذه الترجمة كليب واسمه وائل بن ربيعة بن الحارث بن مرة التغلبي الوائلي من أحفاد عدنان، سيد الحين بكر وتغلب ابني وائل، ومن الشجعان المذكورين في الجاهلية، كانت منازله في نجد وأطرافها، وكانت الإمارة في بني ربيعة ابن نزار للأكبر، فالأكبر من ولده وكلما ولي الإمارة حي منهم اتخذ له شارة أو سنة يعرف بها؛ فكان لواء الإمارة، بعد جدهم ربيعة، في بني عنزة بن أسد بن ربيعة فجعلوا سنتهم التي يمتازون بها أنهم يوفرون لحاهم ويقصون شواربهم ولا يباح لغيرهم من قبائل ربيعة أن يفعل ذلك إلا من أراد حربهم وقتالهم فيفعل خرقا لحرمتهم ونبدا لطاعتهم.
ثم تحول اللواء إلى بني عبد القيس بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد؛ فكانت سنتهم أنهم إذا شتم أحدهم لنظم من شمة، وإذا لطم قتل من لطمه يرون ذلك حقا لهم لا ملام فيه.
وانتقل اللواء إلى بكر بن وائل فكانوا يوثقون فرخ طائر ويضعونه في قارعة الطريق فإذا علم بمكانه لم يسلك أحد ذلك الطريق وإنما يتنحى عنه بعيدا ومن دنا منه أو حاذاه فقد خرق حرمة الأسرة المالكة وجاز قتله، ومنهم تحول اللواء إلى تغلب فوليه كليب بن ربيعة بعد أبيه، فاتخذ جروا كان إذا جلس في روضة أو مكان يضربه ويلقيه فيعوي فحيثما بلغ صوته كان في حمايته فلا يرعى كلا منه ولا يصاد فيه ولا يأوي أحد إليه.
وقالوا: إن اسمه وائل ولكنه لما اتخذ الجرو فكان إذا عوى ابتعد الناس يحذر بعضهم بعضا ويقولون: هنا كليب وائل فغلب ذلك عليه، وزاد في منزلة
стр. 80
كليب انضمام قبائل معد له وقيادته لجموعهم يوم خزاز، وهو من أيام العرب المشهورة كان بين معد واليمن فأظهر كليب شجاعة وبسالة ففض جموع اليمن وهزمهم وأطاعته معد فوثق بها ودخله زهو شديد وبغى على قومه حتى بلغ من بغيه أنه كان يحمي مواقع السحاب فيقول: ما أظلته هذه السحابة في حماي، فلا يرعى ما تظله، وكان يقول: وحش أرض كذا في جواري، فلا يصاد، ولا يورد أحد مع إبله، ولا توقد نار مع ناره، ولا يمر أحد بين بيوته، ولا يجتبي أحد في مجلسه، وحمى أرضا من العالية في أول الربيع فكان لا يقربها أحد، وبه يضرب المثل: يقال: «هو في حمى كليب» لمن كان آمنا، ومن أجله ثارت حرب البسوس التي هي أطول حرب نشبت في الجاهلية: قيل: دامت أربعين سنة، وسببها أنه رأى ناقة غريبة ترعى في أرض العالية التي هي في حماه فرماها بسهم فقتلها، وكانت الناقة لرجل يقال له سعد بن شمس الجرمي نزل ضيفا عند البسوس بنت منقذ التميمية خالة جساس بن مرة، وهو أخو زوجة كليب، فوقع الشقاق بين جساس وكليب على ما هو مسطور في كتب الأمثال (انظر كتاب «الصيب المنثال» لصاحب هذا الكتاب) وجعل جساس يترقب كليبا حتى انفرد به يوما فقتله، ونشبت الحرب بين التغلبيين رهط كليب، والبكريين رهط جساس، وكان بطل تلك المواقع مهلهل بن ربيعة أخو كليب، وسيأتي ذكره في ديوان الشعراء، وفي كامل التواريخ كلام طويل على يوم البسوس كما في أكثر كتب التاريخ والأخبار، وجاء في معجم البلدان (ج ٤ ص ١٩٨): قوله: وسوق الذنائب قرية دون زبيد من أرض اليمن وبه قبر كليب وائل .. قال مهلهل يرثيه:
أليلتنا بذي حسم أنيري … إذا أنت انقضيت فلا تحوري
فإن يك بالذنائب طال ليلي … فقد أبكي من الليل القصير
стр. 81
ولو نبش المقابر عن كليب … لخبر بالذنائب أي زير!
فلولا الريح أسمع أهل حجر … صليل البيض تقرع بالذكور
والزير لقب كان يدعوه به كليب؛ لأن مهلهلا كان في صباه يكثر من معاشرة النساء فسماه أخوه «زير النساء» فلما قتل هجر مهلهل ذاك النعيم، وعكف على السلاح والكفاح .. والبيت الأخير يقال: إنه أول كذب ورد في شعر العرب لأن بين الذنائب وحجر سبع ليال، وله في كليب مراث كثيرة يأتي بعضها في ترجمته إن شاء الله.
ذو نواس الحميري
ولد سنة ١٧٥ ومات سنة ١٠٩ ق. هـ
أشرت في بعض ما تقدم إلى ملوك الحميريين ومآثرهم في القطر اليماني، وصاحب هذه الكلمة هو: ذرعة بن كعب الحميري، أحد ملوكهم والأعزة فيهم، ولقبه ذو نواس؛ لأنه كان له ضفيرتان تنوسان (أي تضطربان) على عاتقه.
وهو صاحب الأخدود المذكور في القرآن الكريم، وكان من حديثه أنه بلغه أن رجلا من الدعاة إلى النصرانية والمبشرين بها بعثته آل جفنة ملوك غسان إلى أهل نجران فتنصروا وكان دينه اليهودية فغاظه ذلك وسار إليهم بنفسه فأمر بأخاديد حفرت وملأها جمرا وجمع من في المدينة فجعل يعرضهم على النار من تبعه نجا، ومن أبى هوى حتى قتل منهم جمعا كثيرا.
وأفلت رجل منهم اسمه «دوس ذو ثعلبان» فركب البحر وفر إلى النجاشي ملك الحبشة، وكان على النصرانية فحدثه بما حدث، فكتب النجاشي إلى قيصر يعلمه ذلك ويستأذنه في التوجه إلى اليمن فأتاه الجواب بالإيجاب فجهز جيشا عدته سبعون ألف مقاتل وزحف يريد صنعاء فاستقبله ذو نواس بجيشه على
стр. 82
ساحل البحر الأحمر عند عدن فتقاتل الجيشان وشعر ذو نواس بالغلبة فرأى أن الموت قد كمن له بين شغار أسياف العبيد فركض جواده برجله ركضة أبلغتهما البحر وودع ذو نواس الحياة وهو يلاطم الموج ويعارك الحيتان مختارا بطون الأسماك وهو عزيز كريم على الوقوع في أسر السودان وامتهانهم وإذلالهم له؛ فمات شريفا!
زهير بن جناب الكلبي
مات سنة ٦٤ هـ
زهير بن جناب بن هبل بن عبد الله (أو عبد اللات) به كنانة بن بكر بن عوف ابن عذرة الكلبي من أهل اليمن: أحد أمراء العرب المشهورين وشعرائهم وذوي الرأي فيهم، وكان يدعى الكاهن لصحة رأيه، وكان شجاعا مظفرا ميمون النقيبة، عاش طويلا: ومؤرخونا يذكرون عن عمره ما يقولونه عن سائر المعمرين، وهو أحد الذين شربوا الخمر صرفا حتى ماتوا (انظر ترجمته ملاعب الأسنة)، ومن أخباره أنه لما بلغه أن بني بغيض بن ريث بن غطفان بنوا حرما كحرم مكة لا يقتل صيده ولا يهاج عائده قال: والله لا يكون ذلك وأنا حتي! فنادى في قومه فغزا بني بغيض فظفر بهم وأخذ فارسا منهم في حرمهم فقتله وعطل ذلك الحرم، ثم مر على غطفان ورد النساء وأخذ الأموال، وقال في ذلك من أبيات:
فلم تصبر لنا غطفان لما … تلاقينا وأحرزت النساء
فلولا الفضل منا ما رجعتم … إلى عذراء شيمتها الحياء
نفينا نخوة الأعداء عنا … بأرماح أسنتها ظماء
واشتهرت واقعته مع بكر وتغلب ابني وائل وسببها: أن أبرهة الأشرم حين طلع إلى نجد أتاه زهير فأكرمه وفضله على من أتاه من العرب ثم أمره على بكر
стр. 83
وتغلب فوليهم حتى أصابهم قحط فلم يؤدوا الخراج فقاتلهم زهير فترقبه ابن زيابة وكان فاتكا حتى نام فاعتمد بالسيف على بطن زهير حتى ظن أنه قتله، وسلمت أمعاء زهير فلم يتحرك لئلا يعود إليه، فلما انصرف التيمي إلى قومه أخبرهم أنه قتل زهيرا، ولم يكن مع زهير إلا نفر من قومه فأمرهم أن يظهروا أنه ميت ورحلوا به مجدين إلى قومهم فشفي وجمع جموعا من أهل اليمن فهاجم بكرا وتغلب فأثخن فيهم وأسر كليبا ومهلهلا ابني ربيعة وجماعة من فرسانهم وقال في ذلك من قصيدة:
أين أين الفرار من حذر الموت … إذا يتقون بالأسلاب
إذ أسرنا مهلهلا وأخاه … وابن عمرو في القيد وابن شهاب
وسبينا من تغلب كل بيضاء … رقود الضحى برود الرضاب
واستدارت رحى المنايا عليهم … بليوث من عامر وجناب
فهم بين هارب ليس يألو … وقتيل معفر في التراب
فضل العز عزنا حين نسمو … مثل فضل السماء فوق السحاب
وكان زهير خطيب قضاعة، وسيدها، وشاعرها، ووافدها إلى الملوك، وبطلها، واجتمعت فيه خصال محمودة لم تجتمع في غيره وأحصى بعضهم ما عرف له من الغزوات والحروب فبلغ مئتي واقعة، وأسن وطال عمره حتى ضعف عقله فمات منتحرا بشرب الخمر صرفا على ما سيأتي بيانه.
المنذر بن ماء السماء
مات نحو سنة ٦٤ ق. هـ
المنذر بن امرئ القيس اللخمي: أحد ملوك الحيرة وما بينها من جهات العراق وهو من أعظم رجال هذه الطائفة المالكة ومن كبار مشاهيرها ومغاويرها، أمه ماء
стр. 84
السماء أخت كليب وائل؛ السابق ذكره، وكان المنذر ينتخي بها في بعض حروبه فيقول: أنا ابن ماء السماء! فنسب لها، وقيل: لأنها كانت جميلة، وصاحب هذه الترجمة هو المنذر الثالث: ولي ملك الحيرة بعد أبيه سنة ١١٠ ق. هـ، وذلك من قبل ملوك الأعاجم وملكهم المعاصر له كسرى قباذ: وفي أيامه ظهر مزدك الفارسي ينشر مذهب الزندقة فاختاره قباذ على المجوسية ودعا إليه المنذر بن ماء السماء وهو نائبه على العرب فأبى المنذر متابعته، فأضمر له قباذ حقدا، وكان قد اشتهر في زمنه ملك من ملوك العرب يدعى الحارث بن عمرو بن حجر الكندي: منازله في نجد، وهو من بسل الأمراء وذوي النجدة منهم، وسيأتي ذكره في الكلام على ابنه امرئ القيس الشاعر. فدخل الحارث هذا في مذهب مزدك وهجر الأوثان وبلغ ذلك ملك العجم قباذ فسر وطرد المنذر من ملك العراق وولى مكانه الحارث، فدام للحارث الملك حتى مات قباذ وتولى مملكة فارس كسرى أنو شروان المعروف بالملك العادل، وذلك سنة ٩٣ ق. هـ، وكان كارها للزندقة وأشياعها فقتل مزدك الزنديق وأصحابه وطرد الحارث الكندي وأعاد المنذر بن ماء السماء، فدام ملك العراق في بني لخم حتى جاء الإسلام.
والمنذر هذا هو باني الغريين وصاحب يومي البؤس والنعيم، وذلك في رواية الأغاني، وأمالي القالي، ومعجم ياقوت، وكامل ابن الأثير، وقال الجاحظ في المحاسن والأضداد، وابن قتيبة في الشعر والشعراء والمعارف، والجوهري في الصحاح، والزبيدي في التاج، بل هو النعمان بن المنذر الآتي ذكره، هذا خلاف المؤرخين فاختر أحد القولين.
والغريان: بناءان في ظاهر الكوفة دفن فيهما رجلان كانا ينادمان المنذر وهما: خالد بن المضلل وعمرو بن مسعود الأسديان، غضب عليهما يوما وهم يشربون فأمر بهما فقتلا، فلما أصبح وصحا سأل عنهما فأخبر بما كان فندم وأمر أن يبنى عليهما طربالان ليعرفا بهما، وجعل لنفسه في كل سنة يومين أحدهما للبؤس
стр. 85
والثاني للنعيم؛ فكان يضع سريره بينهما، فأول من يظهر له في يوم بؤسه يذبحه ويطلي الغرين بدمه، وأول من يراه في يوم النعيم يمنحه مئة من الإبل ويغدق عليه إحسانه، وظهر له في أحد أيام بؤسه عبيد بن الأبرص الأسدي الشاعر وافدا عليه رجاء خيره ولم يكن داريا بذلك اليوم فتردد فيه المنذر ثم قتله (انظر ترجمة عبيد في ديوان الشعراء).
وما زال على تلك الحال حتى أتاه في يوم بؤس حنظلة بن أبي عفراء الطائي، فعرضه على القتل وكانت له عند الملك المنذر يد فسأله أن يمهله سنة يرجع بها إلى أهله فينظر في أمرهم ويعود في مثل هذا اليوم فأجابه وكفله شريك بن عمرو الشيباني فلما كان اليوم الموعود أقبل حنظلة وقد تكفن وتحنط وجاء بنادبته فعجب المنذر من وفائه وسأله عما جاء به بعد أن أفلت من القتل، فقال: إن لي دينا يمنعني من الغدر. قال: وما دينك؟ قال: النصرانية. ووصفها له فرآها المنذر أحب إليه مما كان عليه فتنصر ودعا أهل الحيرة إلى النصرانية، وبنى بها الكنائس وعفا عن الطائي وأبطل تلك العادة.
وعاش إلى أن حدثت بينه وبين الحارث بن أبي شمر الغساني شؤون وتلاقيا بجيشهما في موضع يعرف بعين أباغ، وهو واد وراء الأنبار على طريق الفرات إلى الشام، فقتل المنذر وانهزم جمعه وهذه الواقعة مذكورة في أيام العرب مشهورة باسم الموضع الذي كانت فيه.
الحارث الغساني
ولد نحو سنة ١٣٤ ومات نحو سنة ٦٢ ق. هـ
الغسانيون هم عرب الشام قبل الإسلام ترجع أنسابهم إلى أصول يمانية تفرق أهلها من اليمن عند انفجار سد مأرب، والمؤرخون مختلفون في أخبارهم على ما سنورده وإنما يتلخص لنا أن الغسانيين كانت لهم الولاية على جميع أطراف
стр. 86
الشام من الجنوب والشرق والشمال الشرقي تمتد جنوبا إلى الحجاز وشرقا إلى حدود ملوك العراق من اللخميين، ولم يصح ملكهم لدمشق، وإنما كانت لهم الزعامة والإمارة على عرب الشام كافة، وكانت عاصمتهم بصرى (اسكي شام) في حوران، أما دمشق فكان أكثر سكانها من الروم يحكمها أمراء من قبل القياصرة أصحاب القسطنطينية كانوا يقربون أمراء غسان منهم ويكرمونهم ليكونوا للشام مجنا يدفعون به غارة مهاجميها من عرب الحجاز والعراق، وسموا غسانين لنزولهم على ماء يدعى غسان بالقرب من الشام وهم قادمون من اليمن، وكانت الديانة الشائعة فيهم هي النصرانية وفيهم وثنيون كثيرون، وطالت مدتهم نحوا من خمس مئة سنة، أولهم جفنة بن عمرو بن ثعلبة بن عمرو ابن مزيقياء، وآخرهم جبلة بن الأيهم الذي أسلم وارتد.
والعجب من ديار الشام فإنها على كثرة ما تضم من الآثار الشواخص لا تزال موضع بحث الباحثين من المستشرقين وعلماء العاديات والآثار والتاريخ، والخلاف ما برح قائما فيما يتعلق بالغسانيين من وجوه أربعة:
أولها: هل ملك الغسانيون بلاد الشام كلها أم بعضها؟
ثانيها: هل حكموا دمشق؟
ثالثها: لماذا سموا غسانيين؟
رابعها: هل كانوا جميعهم نصارى؟
فأما امتلاكهم الديار الشامية فلا دليل عليه غير ما جاء في كتاب «أشهر مشاهير الإسلام» قال مؤلفه الفاضل (ج ٢ ص ٢٣٣): « … والذي يترجح عندنا أن الفرس لما دوخوا الولايات الرومانية سنة ٦١٤ م أقروا ملوك غسان على ما كان لهم وأقاموهم ملوكا على الشام ولما استعاد هرقل من الفرس البلاد لم يشأ أن ينزع من ملوك غسان الولاية لضعفه في حرب الفرس وخوفه من شغب القوم
стр. 87
فاستمرت بيدهم ولاية دمشق إلى حين الفتح الإسلامي، بل هناك دليل آخر على أن سلطة بني غسان يومئذ تجاوزت ولاية دمشق، وربما شملت سورية كلها فقد ذكر المؤرخون أن جبلة بن الأيهم آخر ملوك غسان ابتنى بين اللاذقية و طرابلس مدينة سماها باسمه وهي جبلة التي لم تزل عامرة إلى هذا العهد … لا جرم إن سلطة العرب كانت يومئذ مبسوطة على الشام، وكانت عاصمة ملوكهم دمشق ولولا ذلك لما تسنى لجبلة أن يبتني تلك المدينة ويسميها باسمه»، وهذا القول لم يشاركه فيه غيره من أهل البحث والنقد فيما نعلم فيثبت أو يسقط.
وأما الخلاف في حكمهم دمشق فقوي جدا ولفريقي المختلفين أدلة وحجج؛ فمن القائلين بالسلب المستشرق الكبير نلدك صاحب تاريخ أمراء غسان (ص ٤٧).
قال: «وأما عاصمة الغسانيين فكانت الجابية في الجولان، وهي عبارة عن قرية كان يسكنها قوم من الحضر مع لواحق تحدق بها يأوي إليها أهل الوبر، وكان ملوك غسان في وسطهم كشيوخ القبيلة يقطنون قصرا ابتنوه في ظهرانيهم»، كذا نقلته المشرق وقد نقصهم هذا المحقق قدرهم لما ثبت في التاريخ من إعظام ملوك الروم لهم وتقدمهم عندهم مما لا يكون لشيوخ القبائل مثله، وأيد أحد الباحثين رأي نلدك (راجع مجلة المشرق ج ١، ص ٤٨٤، وج ٣، ص ٤٣٨)، ومن القائلين بأن الغسانيين حكموا دمشق المستشرق الدكتور فانديك قال في كتابه «المرآة الوضية»: «وكانت - يعني دمشق - قبل الإسلام تحت آل جفنة ملوك غسان الذين يقول فيهم حسان بن ثابت:
أولاد جفنة حول قبر أبيهم … قبر ابن مارية المعم المخول
يسقون من ورد البريص عليهم … بردى يصفق بالرحيق السلسل
ومن نقض هذا القول فحجته قول حسان في نفس القصيدة:
стр. 88
لله در عصابة نادمتهم … يوما بجلق في الزمان الأول
وعنده أن جلق قرية من قرى الغوطة يمر بها نهر بردى، لا دمشق نفسها، ذهب إلى هذا الرأي تلدك صاحب أمراء غسان ودي برسفال في تاريخ الجاهلية:
وفي أشهر مشاهير الإسلام (جـ ١، ص ٦٠، وجـ ٢، ص ٢٢٩) بحث حاول صاحبه فيه إثبات حكم الغسانيين للشام فراجعه.
وأما سبب تسميتهم غسانيين فلم يكن من الأمور التي فكر بها الباحثون، ولكن ياقوت في معجمه (٦ ص ٢٩٢)، اضطرب فيه فقال: «يجوز أن يكون فعلان من الغس وهو دخول الرجل في البلاد، وهو اسم ماء نزل عليه بنو مازن بن الأزد بن الغوث وهم الأنصار (الأوس والخزرج)، وبنو جفنة وخزاعة فسموا به، ويقال: غسان ماء بالمشكل قريب من الجحفة - وهي قرية بين المدينة ومكة وقال نصر: غسان ماء باليمن بين رمع وزبيد وإليه تنسب القبائل المشهورة إلى آخر كلامه».
وأما نصرانيتهم فالأكثر على أن الدين الذي كان غالبا على تلك القبائل هو النصرانية لا أن جميعهم كانوا نصارى، وللأب أنستاس الكرملي بحث موجز مفيد يؤخذ منه هذا القول (راجع مجلة لغة العرب، ج ٣، ص ١٤١).
هذه خلاصة يسيرة لا تفي بالمراد، ولكنها ترشد الباحث إلى مظان البحث، ومواضع الخلاف ولعل الآثار توضح لنا ما جهلناه وتكشف ما وددناه.
أما صاحب هذه الترجمة فإن «الحارث الغساني» لقب يتناول كل من ملك أو أمر في بني غسان، ولفظ الحارث فيهم كلفظ قيصر في الروم وكسرى في الفرس، والذي أردناه هو ترجمة أشهر ملوك غسان ذكرا وأبعدهم صيتا: الحارث الخامس المعروف بالأعرج بن أبي شمر جبلة بن الحارث الرابع بن حجر،
стр. 89
صاحب الوقائع المشهورة في عرب الحجاز والعراق وممدوح حسان بن ثابت الأنصاري الشاعر.
قال ابن قتيبة في كتاب المعارف: وأمه (أي الحارث) مارية ذات القرطين، وكان غزا خيبر فسبى من أهلها ثم أعتقهم بعدما قدم الشام، وكان سار إليه المنذر بن المنذر بن ماء السماء في مئة ألف فوجه إليهم مئة رجل، وأظهر أنه إنما بعث بهم لمصالحته فأحاطوا برواقه فقتلوه وقتلوا من معه في الرواق وركبوا خيلهم فنجا بعضهم وقتل بعض، وحملت خيل الغسانيين على عسكر المنذر فهزموهم، كما قدمنا في ترجمة المنذر، وكان للحارث بنت جميلة حليمة كانت تطيب أولئك الفتيان الذين دخلوا على المنذر وأوقعوا به وهي التي ألبستهم الأكفان وفوقها الدروع التي كانت تحجبها الثياب في الظاهر، وهذه الواقعة ذكرها ابن الأثير أيضا وسماها يوم مرج حليمة (انظر الكامل، ج ١/ ١، ص ١٩٥)، وفي هذه الحادثة خلاف عند أصحاب الأخبار فبعضهم يقول: إن الذي قتل بها هو المنذر بن ماء السماء، وبعض يقول: بل مات المنذر في وقعة عين أباغ - المذكورة في ترجمة المنذر - وفي الكامل تفصيل الخلاف فراجعه في الكلام على يوم عين أباغ ويوم مرج حليمة، وفي عين أباغ يقول ابن الرعلاء الضبالي:
كم تركنا بالعين عين أباغ … من ملوك وسوقة أكفاء
أمطرتهم سحائب الموت تترى … إن في الموت راحة الأشقياء
ليس من مات فاستراح بميت … إنما الميت ميت الأحياء
стр. 90
سيف بن ذي يزن
مات سنة ٤٩ ق. هـ
اسمه معد يكرب ولقبه سيف بن ذي يزن المكنى بأبي مرة الحميري: أحد ملوك العرب اليمانيين ودهاتهم المذكورين، ولد ونشأ في صنعاء، وكانت الحبشة قد تغلبت على البلاد اليمنية (سنة ١٠٧ ق. هـ)، وملكتها بعد أن قتلت ملوكا من آل حمير (السابق ذكرهم)، ثم اشتد ضغط الحبشان السود على الأمة الخاضعة، وحاولوا بها أمورا لم تطق الصبر عليها، فتحركت سواكن اليمانيين وهاجت أضغانهم وأخذوا ينتظرون وثبة ثائر ينحرفون إليه، حتى نهض من بينهم أحد أبناء ملوكهم سيف بن ذي يزن الحميري: وكان شابا عاقلا شجاعا، فقصد قيصر ملك الروم وهو حينئذ في أنطاكية، فشكا إليه أمره وما صنعت الحبشة من اغتصاب ملك آبائه وسوء تحكمهم بأهل البلاد وأطمعه بأنه يملكه اليمن إذا أخرج الحبشة منها فلم يلبه قيصر، فقصد النعمان بن المنذر وهو عامل كسرى على الحيرة وما يليها من أرض العراق، فشكا إليه ما حل بهم، فقال له النعمان: إن لي في كل عام رحلة إلى كسرى فانتظر، فلبث سيف حتى كان الموعد ثم خرج معه فأدخله على كسرى «أنو شروان» ملك الفرس، فسأله عن شأنه، فقال له: أيها الملك غلبتنا على بلادنا الأغربة. فقال له كسرى: أي الأغربة الحبشة أم السند؟ قال: بل الحبشة، وقد جئتك لتنصرني، ويكون ملك بلادي لك. قال: بعدت بلادك مع قلة خيرها فلم أكن لأورط جيشا من فارس بأرض العرب، ثم أمر له بعشرة آلاف درهم وصرفه، فلما قبض سيف الدراهم رأى خير الأمور أن يحتال فخرج وجعل ينثر تلك الدراهم للناس، فبلغ ذلك الملك، فقال: إن لهذا شأنا وأمر بإعادته فعاد فقال له: عمدت إلى حباء الملك تنثره للناس؟ قال: وما أصنع بهذا وكل جبالنا مملوءة بالذهب والفضة! فجمع كسرى مرازبته فاستشارهم فقال أحدهم: أيها الملك إن في سجونك رجالا قد حبستهم للقتل
стр. 91
فلو بعثتهم معه فإن يهلكوا كان ما تريد، وإن ظفروا ملكت بلادا بلا مشقة، فبعث كسرى معه من في سجونه وهم نحو ثمان مئة رجل وأمر عليهم رجلا من أشراف العجم اسمه وهرز بن الكامجار وهو شيخ مسن، فسار بهم حتى بلغوا الأبلة، فركبوا البحر في ثمان سفائن وخرجوا بساحل عدن فأقبل عليهم رجال اليمن يناصرونهم، فقتلوا ملك الحبشة وهو مسروق بن أبرهة الأشرم، ودخلوا صنعاء وضبطوا البلاد وكتبوا إلى كسرى بالفتح، فألحقت اليمن ببلاد الفرس، على أن يكون ملكها والمتصرف في إدارتها سيف بن ذي يزن الحميري، واتخذ سيف غمدان قصرا له، وعاد الفارسيون إلى بلادهم بأمر كسرى، واستبقى سيف جماعة من السودان أشفق عليهم وجعلهم خدما له، ووفدت عليه وفود العرب تهنئه، ومكث في الملك نيفا وعشرين سنة، فاتفق عبيده الذين كانوا من بقايا الدولة الحبشية على قتله، فشدوا عليه يوما وهم بين يديه في موكبه بصنعاء فضربوه بحرابهم حتى قتلوه (سنة ٤٩ ق. هـ)، وبلغ كسرى خبر قتله فأرسل إلى اليمن جيشا آخر أفنى من بها من السودان.
وظلت اليمن تابعة لملوك فارس حتى جاء الإسلام وافتتحها المسلمون سنة ١٣ للهجرة .. وتجد أخبار الملك سيف في كتاب مروج الذهب للمسعودي، والكامل، وتاريخ الطبري، والسيرة لابن هشام، والأخبار الطوال للدينوري، وتاريخ الحبشان للقنائي ودائرة المعارف للبستاني وأكثر كتب التاريخ والأخبار.
عمرو بن هند
قتل سنة ٤٤ ق. هـ
أوردنا فيما تقدم ترجمة المنذر بن ماء السماء من ملوك الحيرة الذي قتله الحارث الغساني، وقد استولى على ملك العرب من قبل الفرس بعد المنذر ابنه صاحب هذه الترجمة عمرو بن المنذر بن ماء السماء، واسم أم عمرو: هند
стр. 92
الكندية عمة امرئ القيس الشاعر، وإليها ينتسب عمرو، كما انتسب أبوه إلى أمه ماء السماء، ولما تملك عمرو وانتظم أمره أكثر الغزو وأظهر قوة وبأسا، فشاع خبره، وهابته العرب، وأطاعته القبائل، وكان شجاعا فاتكا، وأخباره كثيرة، وهو صاحب صحيفة المتلمس (انظر قصتها في ترجمته). وقاتل طرفة ابن العبد (انظر ترجمته)، ويلقب بالمحرق: لشدته وبطشه، أو لأنه أحرق مئة رجل من بني تميم وقصتهم لا بأس بالإشارة إليها، وذلك أن ملوك العرب كانوا كثيرا ما يرسلون أطفالهم إلى بعض القبائل المطيعة لهم ليتربوا بها تربية بعيدة عن زهو الملوك وكبرياء الأمراء قريبة من السذاجة ويتعلموا الفروسية والرماية ومهاجمة الأبطال، وكان لعمرو أخ اسمه أسعد (١)، دفعه أبوه إلى بني تميم يتربى بينهم، فلما ترعرع وأخذ يتعلم الرماية مرت به ناقة سمينة فعبث بها فرماها بسهم أصابها فقتلها، فغضب صاحبها سويد الدارمي التميمي فضرب أسعد فقتله، ثم علم الملك عمرو بن هند بما أصاب ابنه فحلف ليحرقن من بني دارم مئة رجل وقصدهم بجيش حتى بلغ أوارة (موضع لبني تميم بناحية البحرين) فظفر منهم بجماعة فأحرقهم، وبآخرين فألحقهم بهم حتى قتل تسعة وتسعين رجلا فمر رجل من البراجم (وهم خمسة رجال من بني تميم) فشم رائحة الحريق فظن وليمة، ولم يبلغه الخبر، فمال إليه، فلما رآه عمرو بن هند قال: ممن أنت؟ فقال: رجل من البراجم، فقال عمرو: إن الشقي وافد البراجم فأرسلها مثلا، وأمر به فألقي في النار، وبرت يمينه.
وصارت تميم تعير بالشره وحب الأكل. قال شاعر يهجوهم:
إذا ما مات ميت من تميم … فسرك أن يعيش فجي بزاد
وعاد عمرو وقد خافته القبائل، فبينما هو يوما في مجلس له قال لجلسائه:
стр. 93
هل تعلمون أن أحدا من العرب من أهل مملكتي يأنف أن تخدم أمه أمي، قالوا: ما نعرفه، إلا أن يكون عمرو بن كلثوم التغلبي؛ فإن أمه ليلى بنت مهلهل بن ربيعة وعمها كليب وائل وزوجها كلثوم وابنها عمرو، فكتب الملك عمرو إلى عمرو بن كلثوم يستزيره ويدعو والدته إلى زيارة أمه، فقدم عمرو بن كلثوم في فرسان من بني تغلب ومعه أمه ليلى فنزل على شاطئ الفرات، وعلم الملك عمرو بقدومه فأمر فضربت له الخيام بين الحيرة والفرات، وضرب سرادقا لأميهما: هند وليلى، وقال: لأمه هند، إذا فرغ الناس من الطعام فنحي خدمك عنك ومري ليلى فلتناولك الشيء بعد الشيء يريد أن تستخدمها، ثم أرسل إلى عمرو بن كلثوم ومن معه فحضروا ونزلوا في الخيام، وجلس القوم للطعام في سرادق الملك، فلما انتهى وقت الطعام طلبت هند من ليلى أن تناولها حاجة، فقالت: لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها، فألحت عليها، فصاحت ليلى: واذلاه يا آل تغلب فسمعها ولدها عمرو بن كلثوم وكان السرادقان متقاربين، فثار الدم في وجهه والقوم يشربون، فقفز من بينهم إلى سيف ابن هند وهو معلق في السرادق وليس هناك سيف غيره فأخذه فضرب به رأس الملك عمرو ابن هند فقتله وخرج فتبعه أصحابه فانتهبوا ما في الخيام وانهزم رجال عمرو بن هند.
قال أفنون التغلبي:
لعمرك ما عمرو بن هند وقد دعا … لتخدم ليلى أمه بموفق
فقام ابن كلثوم إلى السيف مصلتا … وأمسك من ندمائه بالمخنق
وجلله عمرو على الرأس ضربة … بذي شطب صافي الحديدة رونق
ولعمرو بن كلثوم قصيدة هي من أفضل المعلقات بناها على قتله لعمرو بن هند وسيأتي ذكرها في ترجمته (انظر ديوان الشعراء)، وبعد قتل الملك عمرو تولى مكانه أخوه قابوس بن المنذر الذي تلاه المنذر الرابع الذي ولي بعده ولده النعمان بن المنذر الآتي ذكره.
стр. 94
النعمان بن المنذر
مات سنة ١٨ ق. هـ
أشهر ملوك الحيرة على الإطلاق، أبو قابوس النعمان بن المنذر اللخمي: داهية أبي شجاع كثير الأخبار، ملك الحيرة إرثا عن أبيه، وكان قد ضعف شأن دولتهم بعد قتل ابن كلثوم لابن هند، فلما ولي النعمان أعادها سيرتها الأولى وأبلغها من الترف منتهاه ومن العزة أقصاها، وهو صاحب إيفاد العرب على كسرى، والقصة مشهورة، نذكر خلاصتها وذلك أنه قدم النعمان على كسرى هرمز؛ فإذا عنده وفود من الروم والهند والصين فذكروا ملوكهم وبلادهم وشاركهم النعمان في الحديث فافتخر بالعرب وفضلهم على جميع الأمم لا يستثني فارس ولا غيرها، فتألم كسرى فذم العرب وأجابه النعمان بما كذب ظنه في حديث طويل، ثم عاد النعمان إلى الحيرة فبعث إلى عشرة رجال هم من خيار العرب في ذلك العهد فحضروا وهم: أكثم بن صيفي «من بني تميم»، وحاجب بن زرارة «تميمي»، والحارث بن ظالم «بكري»، وقيس بن مسعود «بكري»، وخالد بن جعفر «عامري»، وعلقمة بن علاثة «عامري»، وعامر بن الطفيل «عامري»، وعمرو بن الشريد «سلمي»، وعمرو بن معد يكرب «زبيدي»، والحارث بن ظالم «من بني مرة»، فلما وفدوا عليه جمعهم في الخورنق وقال لهم: «لقد عرفتم هذه الأعاجم وقرب جوار العرب منها، وقد سمعت من كسرى مقالات تخوفت أن يكون لها غور، أو يكون إنما أظهرها لأمر أراد أن يتخذ به العرب خولا كبعض طماطمته في تأديتهم الخراج إليه كما يفعل بملوك الأمم الذين حوله»، ثم حدثهم بما كان بينه وبين كسرى، ودعاهم إلى الوفود على كسرى وأن يخطبوا بين يديه ليعلم أن في العرب رجالا ذي عقول كبيرة وألسنة فصيحة، فأجابوه إلى ما انتدبهم إليه، فرتبهم في الكلام بين يدي كسرى وقدم عليهم أكثم بن صيفي، خلع عليهم الخلع وكتب معهم كتابا إلى كسرى يذكرهم
стр. 95
فيه، فارتحلوا حتى بلغوا المدائن، فدفعوا الرسالة إلى أحد الحجاب فأوصلها إلى كسرى، فعقد لهم مجلسا لسماع أقوالهم ودعاهم، فمثلوا بين يديه وألقى كل واحد منهم ما تهيأ له من الكلام، ولولا خوف الإطالة لذكرت أقوالهم لما فيها من الحكمة والإبداع، وكان الترجمان يؤدي إليه معنى ما يقولون. فلما انتهوا قال كسرى: «قد فهمت ما تكلم به خطباؤكم ولولا علمي بأن الأدب لم يثقف أودكم وأنه ليس لكم ملك يجمعكم فتنطقون بين يديه منطق الرعية الخاضعة لم أجز لكم كثيرا مما تكلمتم به، وإني لأكره أن أجبه وفودي وقد قبلت ما كان في منطقكم من صواب وصفحت عما كان فيه من خلل فانصرفوا إلى ملككم فأحسنوا مؤازرته والتزموا طاعته واردعوا سفهاءكم وأقيموا أودهم وأحسنوا أدبهم فإن في ذلك صلاح العامة»، ثم أكرمهم وأحسن إليهم فعادوا إلى ديارهم، وإن شئت الإطالة في قصة الوفود فقد وردت في المجلد الأول من العقد الفريد لابن عبد ربه فارجع إليه.
ولما انتقل ملك فارس إلى كسرى ابرويز بن هرمز الرابع أراد مصاهرة العرب فأرسل إلى النعمان يخطب منه بعض بنات عمه لأولاده، فامتنع النعمان وقال للرسول: «ما في عين السواد وفارس ما تبلغون به حاجتكم؟» وكتب إلى كسرى يعتذر له بأنه ليس في بنات عمه ما يرضيه، وانصرف الرسول فأعاد ما قاله النعمان وترجم له لفظة «العين» بالبقر: وهي من الأوصاف الحسنة في العربية لتشبيه عيون النساء بعيون البقر في السعة والملاحة، فكان كلامه: «ما في بقر السواد وفارس ما تبلغون به حاجتكم» فأغضب هذا القول كسرى، وسكت أشهرا، ثم بعث إلى النعمان يستقدمه إليه، وعلم النعمان بما كان، فأخذ سلاحه وأمواله ونجأ إلى بعض القبائل فلم يحموه حتى نزل على بني شيبان سرا فأودعهم أهله وماله وتوجه مستسلما إلى كسرى، فقبض عليه وأرسله مبعدا إلى خانقين، فأقام بها مسجونا حتى أصابها وباء فمات بالطاعون.
وبسببه كانت واقعة ذي قار بين الفرس والعرب؛ فإن كسرى لما اعتقل
стр. 96
النعمان أرسل إلى بني شيبان يطلب ما أودع عندهم، فامتنعوا من تسليمه، فجهز لهم الجيوش واجتمعوا في مكان يعرف بذي قار فثبتت العرب وأبلت بلاء حسنا وانهزمت العجم، وذلك بعد البعثة النبوية وقبل الهجرة.
وكان كسرى قد ولى على الحيرة إياس بن قبيصة الطائي فلما ضعف أمرهم عن قتال العرب عاد بنو لخم إلى ملكهم فتولى الأسود بن المنذر أخو النعمان، ثم المنذر الخامس بن النعمان، وهو آخر ملوك العراق، وفي زمنه استولى خالد ابن الوليد على الحيرة فصالحه أهلها كما هو مسطور في كتب الفتوح.
وصاحب هذه الترجمة النعمان بن المنذر ذهب جماعة من ثقاة المؤرخين إلى أنه صاحب الغريين، ويومي البؤس والنعيم، وقاتل عبيد بن الأبرص وقد أوردنا الكلام على كل ذلك في ترجمة المنذر بن ماء السماء السالفة فارجع إليه، وأنت تعلم أن مثل هذه الحوادث من وقائع الأجيال الخالية لا يجد المؤرخ اليوم ما يعول عليه فيها إلا النقل وتحري أصح الأقوال وقد تعارضت في هذا الأمر الآراء وصعب الترجيح فانظر وتأمل واختر ما يقوى لديك.
قيس بن زهير
مات سنة ١٠ هـ
الأمير قيس بن زهير بن جذيمة بن رواحة العبسي: أمير عبس وداهيتها وأحد السادة القادة في عرب العراق، كان يلقب بقيس الرأي؛ لجودة رأيه وهو معدود في الأمراء، والدهاة، والشجعان، والحكماء، والخطباء، والشعراء؛ فأما إمارته فقد ورثها عن أبيه زهير بن جذيمة أمير عبس من قبله، وأما دهاؤه ففيه المثل السائر «أدهى من قيس»، وأما شجاعته فحروبه مع بني فزارة وذبيان شاهد صدق على ما يقال، وأما كلمته فله في أقواله غرر تحفظ من الشعر والنثر، وهو خطيب
стр. 97
مذكور، وشاعر مفطور، عرفت بقيس تلك الخلال بعد مقتل أبيه، وذلك أن أباه زهيرا كان سيدا شريفا فتزوج ملك الحيرة النعمان بن امرئ القيس ابنته (وهو جد النعمان بن المنذر) وأرسل النعمان إلى زهير يستزيره بعض أولاده فسير إليه ابنه شأسا، فأكرمه وحباه ورده إلى أبيه، فلما كان شأس في طريقه بماء بني غني اعترضه رباح بن الأشل الغنوي فقتله وأخذ ما معه، ثم علم زهير بالأمر فأغار على بني غني، وكانوا حلفاء بني عامر فقتل منهم عددا كثيرا، ووقع الشر بين بني عامر وبني عبس، فترقب خالد بن جعفر العامري فرصة بزهير حتى قتله، وانطلق إلى ملك الحيرة النعمان بن امرئ القيس فاستجار به فأجاره فلحقه الحارث بن ظالم المري الفاتك المشهور فقتله في الحيرة، وأخذ قيس ابن زهير العبسي يتجهز لقتل بني عامر أخذا بثأر أبيه، فوقع خلاف بينه وبين أحد شيوخ بني عبس الربيع بن زيارد، فانضم إلى الربيع أكثر القبيلة، فارتحل قيس بأهله ومن انحاز إليه حتى نزل بجوار حذيفة وحمل ابني بدر الفزاريين، وكان لبني عبس قرابة في بني فزارة فأكرموه فأقام فيهم، وكان مع قيس أفراس له ولإخوته رآها حذيفة فحسده عليها، وجرى حديث الخيل يوما فقال حذيفة لقيس: فرسي الغبراء أسبق من فرسك وأحسن، فخالفه قيس، فتراهنا، وضمر الفرسين واختار كل منهما فارسا لفرسه، وأرسلاهما ورجال القبيلة، وقوف ينظرون، وكانت مسافة السباق بعيدة فأقام حذيفة رجلا في الطريق وأمره إذا رأى داحسا سابقا فليعترضه حتى تجوزه الغبراء، وسبق داحس فلطمه الرجل فحوله عن السير وهو على شفير واد فهوى الفرس بفارسه فكادا يهلكان، ومرت الغبراء فسبقت، ثم أقبل راكب داحس يسير الهوينا فقص عليهم خبره فكذبه حذيفة فتشاحن حذيفة وقيس وافترقا فأرسل حذيفة ابنه ندبة يطالب قيسا بالرهان فرده قيس فأغلظ ندبة الكلام لقيس فطعنه فقتله، ونادى قيس بأهله فركبوا وابتعدوا، وبلغ حذيفة ما كان بابنه فطلب قيسا فلم يدركه، وكان
стр. 98
مالك ابن زهير أخو قيس متزوجا في فزارة وهو مقيم بينهم، فرآه حذيفة بعد ذلك فقتله، وشاع مقتل مالك فحزنت عليه عبس وبعثوا إلى قيس أن يأتيهم بمن معه فجاءهم قيس فلتيه الربيع بن زياد فتعانقا وبكيا لمصابهم بمالك، فقال قيس للربيع: «إنه لم يهرب منك من لجأ إليك ولم يستغن عنك من استعان بك، وقد كان لك شر يومي فليكن لي خير يوميك، وإنما أنا بقومي، وقومي بك وقد أصاب القوم مالكا ولست أهم بسوء؛ لأني إن حاربت بني بدر نصرتهم بنو ذبيان وإن حاربتني خذلني بنو عبس، إلا أن تجمعهم علي وأنا والقوم في الدماء سواء، قتلت ابنهم وقتلوا أخي فإن نصرتني طمعت فيهم وإن خذلتني طمعوا في».
فقال الربيع: «يا قيس إنه لا ينفعني أن أرى لك من الفضل ما لا أراه لي، ولا ينفعك أن ترى لي ما لا أراه لك، وقد مال علي قتل مالك، وأنت ظالم ومظلوم، ظلموك في جوادك وظلمتهم في دمائهم وقتلوا أخاك بابنهم، فإن يبو الدم بالدم فعسى أن تلقح الحرب أقم معك وأحب الأمرين إلي مساعدتهم وتخلو بطلب ثأر أبيك»، وعلم حذيفة باتفاقهما فشق ذلك عليه واستعد للقتال، ثم حدثت الوقائع المعروفة بحروب داحس والغبراء وعظم الشر والبلاء، وانضمت ذبيان إلى فزارة فكانت وقعة جفر الهباءة وبها قتل حذيفة وحمل ابنا بدر، وعدد كبير من فزارة وعبس، وبموت حذيفة وأخيه انحسم الشر ودخل بعض أمراء القبائل في الإصلاح بينهم، فأذن قيس لقومه بالصلح، وتنسك وسار عنهم لا يريد إمارة ولا سيادة فنزل ببني النمر ابن قاسط، ثم دعاهم يوما فخطبهم فقال:
«يا معاشر النمر أنا قيس بن زهير: غريب حريب طريد شريد موتور فانظروا لي امرأة قد أدبها الغنى، وأذلها الفقر»، فزوجوه بامرأة منهم، فقال لهم: «إني لا أقيم فيكم حتى أخبركم بأخلاقي: أنا فخور غيور أنف، ولست أفخر حتى أبتلى ولا أغار حتى أرى ولا أنف حتى أظلم»، فرضوا أخلاقه، فأقام فيهم حتى
стр. 99
ولد له، ثم أراد أن يتحول عنهم، فقال: «يا معاشر النمر إن لكم حقا علي في مصاهرتي فيكم ومقامي بين أظهركم وإني موصيكم بخصال آمركم بها وأنهاكم عن خصال: عليكم بالأناة؛ فإن بها تدرك الحاجة وتنال الفرصة، وتسويد من لا تعابون بتسويده، والوفاء بالعهود؛ فإن به يعيش الناس، وإعطاء ما تريدون إعطاءه قبل المسألة. ومنع ما تريدون منعه قبل الإنعام، وإجارة الجار على الدهر، وتنفيس البيوت عن منازل الأيامى، وخلط الضيف بالعيال [بالإكرام]، وأنهاكم عن الغدر؛ فإنه عار الدهر، حاد عن الرهان؛ فإن به ثكلت مالكا أخي، وعن البغي؛ فإن به صرع زهير أبي، وعن السرف في الدماء؛ فإن قتلى أهل الهباءة أورثتني العار، ولا تعطلوا في الفضول؛ فتعجزوا عن الحقوق، وأنكحوا الأيامى الأكفاء؛ فإن لم تصيبوا بهن الأكفاء فخير بيوتهن القبور، واعلموا أني أصبحت ظالما مظلوما، ظلمني بنو بدر بقتل أخي مالك، وظلمتهم بقتل من لا ذنب له»، ثم رحل إلى عمان فتنصر بها وتقشف وعف عن المأكل حتى أكل الحنظل، وما زال بها إلى أن مات.
وقد روي له شعر جيد، منه قوله بعد وقعة جفر الهباءة يرثي حمل ابن بدر:
تعلم أن خير الناس ميت … على جفر الهباءة لا يريم
ولولا ظلمه ما زلت أبكي … عليه الدهر ما طلع النجوم
لكن الفتى حمل بن بدر … بغي والبغى مرتعه وخيم
أظن الحلم دل علي قومي … وقد يستجهل الرجل الحليم
ومارست الرجال ومارسوني … فمعوج علي ومستقيم
فلا تغش المظالم، لن تراه … يمتع بالغني الرجل الظلوم
стр. 100
وقوله:
شفيت النفس من حمل بن بدر … وسيفي من حذيفة قد شفاني
شفيت بقتلهم لغليل صدري … ولكني قطعت بهم بناني!
وقوله:
إذا أنت أقررت الظلامة لامرئ … رماك بأخرى شعبها متفاقم
فلا تبد للأعداء إلا خشونة … فما لك منهم إن تمكن راحم
وأخباره كثيرة تجدها في كامل التواريخ (ج ١، ص ٢٠٤)، وفي شرح النهج لابن أبي الحديد (ج ٤، ص ١٥٠)، وأكثر مصنفات الأخبار.
* * *
стр. 101
الخلفاء الراشدون
علاوة
الخليفة لقب كل ملك شرعي من ملوك الإسلام وهو كقيصر عند الروم والنجاشي عند الحبشة، وامتاز من خلفاء المسلمين أربعة هم سادة من ملك بعدهم نهجوا منهج رسول الله ﷺ واهتدوا بهديه، أولهم أبو بكر، والثاني عمر، والثالث عثمان، والرابع علي (رضوان الله تعالى عليهم)، وهم الذين قاموا بجمع شتات المسلمين بعد وفاة النبي (صلوات الله عليه) وسنوا القوانين الإسلامية بأعمالهم وأقوالهم، وجمعوا القرآن الكريم، وكانوا قدوة من تلاهم، وينفردون بنعت خاص بهم دون سائر خلفاء الإسلام، وهو لقب الراشدين، كما أن ثانيهم عمر بن الخطاب (رض) حدث في الإسلام تلقيب كل ملك منهم بأمير المؤمنين وجرت سنته في الملوك مقترنة بلقب الخلافة فكل ملك مسلم جمعت فيه شرائط التمليك على المسلمين يحق له أن يدعي «أمير المؤمنين الخليفة … ».
وهذا الفصل إنما أفردته لترجمة هؤلاء الأربعة الكرام وسيعقبه إن شاء الله الكلام على غيرهم كخلفاء الأمويين في المشرق والمغرب وخلفاء بني مروان وبني العباس وأمثالهم ممن حكموا البلاد وساسوا العباد، وكان لهم القول والحول والطول والسيادة والقيادة والوفادة، نقدم المتقدم في عصره ونؤخر عنه من تلاه جريا مع العصور والأزمنة بحيث تتألف منذ هذا الفصل إلى بدء فصل الأمراء والوزراء سلسلة محكمة ينتظم بها ذكر أشهر الخلفاء الإسلاميين مرة، وسألتزم في ذلك جانب الاختصار والإيجاز ما استطعت وما تضامت أجزاء الفوائد التاريخية فلا يفوتني من أخبار المترجم إلا ما هو دون ما ذكرت وأوردت، والله نعم العون.
стр. 102
أبو بكر الصديق
ولد سنة ٥١ ق. هـ وتوفي سنة ١٣ هـ
توفي رسول الله ﷺ واضطرب أمر المسلمين من بعده في من يتولى أمرهم؛ فما زالوا حتى اتفقت كلمتهم على الصحابي الجليل أبي بكر، عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عمرو بن كعب التيمي القرشي، أقرب الناس مودة من النبي، وأول من آمن به من الرجال، وأحد عظماء أصحابه الذين جاهدوا في الله حق جهاده وبذلوا النفس والنفيس في سبيل إعزاز دينه.
بويع بالخلافة يوم وفاة النبي في ١٢ ربيع الأول سنة ١١ هـ، فخطب في المسلمين خطبة طويلة يحفظ منها: «أيها الناس، قد وليت عليكم ولست بخيركم، وإن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ له حقه، وإن أضعفكم عندي القوي حتى آخذ الحق منه، لا يدع أحد منكم الجهاد؛ فإنه لا يدعه قومه إلا ضربهم الله بالذل. أيها الناس، إنما أنا متبع لا مبتدع، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله؛ فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم، إن أصبت الحق فأعينوني عليه، وإن زغت فقوموني».
وحاله في الجاهلية حال سيادة ورئاسة، وكانت العرب تدعوه «عالم قريش»، وله ثروة طائلة، وربما عالج تجارة البز، وهو من علماء الأنساب المذكورين كان عارفا بأخبار القبائل وبطون العرب وجماهيرهم كارها للسيئ من عادات الجاهلية وحرم على نفسه الخمر فلم يشربها، ولما نال الخلافة في الإسلام قام بشؤون الأمة حق القيام فحارب الذين ارتدوا عن الدين الإسلامي وقاتل الذين امتنعوا من إعطاء الزكاة، ثم اتجه إلى الاستعمار (١) والفتح فافتتحت في أيامه الشام وقسم كبير من العراق واتفق له قواد أمناء كخالد بن الوليد وعمرو بن
стр. 103
العاص، وأبي عبيدة بن الجراح، والعلاء بن الحضرمي، ويزيد بن أبي سفيان، والمثنى بن حارثة، وازدهرت أيام العالم الإسلامي في زمنه، وود الناس لو طال ولكن المنية عاجلته فأصابته حمى شديدة فعهد بالأمر من بعده لعمر بن الخطاب حذرا من اختلاف الأمة بعده، كما اختلفت بعد رسول الله.
ومات بعد أن حكم سنتين وثلاثة أشهر ونصف شهر وعمره ثلاث وستون سنة.
وكان موصوفا بالحلم والصبر والرأفة بالعامة عادلا في أحكامه أثبت في الوقائع الإسلامية في حياة الرسول وبعده حبا عجيبا وولوعا غريبا بخير الأمة ونفعها وأظهر شجاعة وبسالة يدلك عليها ما أخرجه البزاز في مسنده عن علي أنه قال: «أخبروني من أشجع الناس، فقالوا: أنت؟ قال: أما إني ما بارزت أحدا إلا انتصفت منه ولكن أخبروني بأشجع الناس، قالوا: لا نعلم فمن؟ قال: أبو بكر، إنه لما كان يوم بدر فجعلنا لرسول الله عريشا فقلنا من يكون مع رسول الله لئلا يهوي إليه أحد من المشركين، فوالله ما دنا منا أحد إلا أبا بكر شاهرا سيفه على رأس رسول الله ﷺ لا يهوي إليه أحد إلا هوى إليه فهو أشجع الناس» .. إلى آخر الحديث.
وقد شهد مع النبي ﷺ أكثر الغزوات وهو صاحبه في الغار ساعة لا ثالث لهما إلا الله، وكان خطيبا لسنا، وله مقالات محفوظة وكلمات مأثورة، ومن خيار ما ينقل عنه وصيته ليزيد بن أبي سفيان لما ولاه قيادة جمهور من المسلمين وسيره لفتح الشام فإنه شيعه ماشيا، وهو يقول له:
«إني قد وليتك لأبلوك وأجربك؛ فإن أحسنت رددتك إلى عملك، وزدتك، وإن أسأت عزلتك، فعليك بتقوى الله؛ فإنه يرى من باطنك مثل الذي يرى من ظاهرك، وإذا قدمت على جندك فأحسن صحبتهم وابدأهم بالخير وعدهم إياه،
стр. 104
وإذا وعظتهم فأوجز فإن كثير الكلام ينسي بعضه بعضا، وأصلح نفسك يصلح لك الناس، وإذا قدم عليك رسل عدوك فأكرمهم وأقلل لبثهم حتى يخرجوا من عسكرك وهم جاهلون به، وأنزلهم في ثروة عسكرك، وامنع من قبلك من محادثتهم، وكن أنت المتولي لكلامهم، وإذا استشرت فاصدق الحديث تصدق المشورة ولا تخزن عن المشير خبرك فتؤتى من قبل نفسك، واسهر بالليل في أصحابك تأتك الأخبار، وتنكشف عندك الأستار، وأكثر حرسك وبددهم في عسكرك، وأكثر مفاجأتهم في محارسهم بغير علم منهم؛ فمن وجدته غفل عن حرسه فأحسن أدبه وعاقبه في غير إفراط، وأعقب بينهم بالليل واجعل النوبة الأولى أطول من الأخيرة؛ فإنها أيسرهما لقربها من النهار، لا تجالس العباثين وجالس أهل الصدق والوفاء، واصدق اللقاء ولا تجبن فيجبن الناس، ولا تغفل عن أهل عسكرك فتفسده، ولا تجسس عليهم فتفضحهم، ولا تكشف الناس عن أسرارهم، واكتف بعلانيتهم، وستجد أقواما حبسوا أنفسهم في الصوامع فدعهم وما حبسوا أنفسهم له».
ومن كلامه: «ثلاث من كن فيه كن عليه: البغي والنكث والمكر، قال الله تعالى: ﴿ياأيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم﴾ (يونس: ٢٣)، وقال: ﴿فمن نكث فإنما ينكث على نفسه﴾ (الفتح: ١٠)، وقال: ﴿ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله﴾ (فاطر: ٤٣)».
وهو القائل لخالد بن الوليد: «فر من الشرف يتبعك الشرف، واحرص على الموت توهب لك الحياة» يريد بالشرف الرياسة والسيادة.
ولما عهد بالخلافة إلى عمر بن الخطاب ﵁ كان كتاب عهده ما ترى:
«بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما عهد به أبو بكر خليفة محمد رسول الله ﷺ عند آخر عهده بالدنيا، وأول عهده بالآخرة في الحال التي يؤمن فيها الكافر، ويتقي الفاجر، إني استعملت عليكم عمر بن الخطاب؛ فإن بر وعدل فذلك
стр. 105
علمي، ورأيي فيه، وإن جار وبدل فلا علم لي بالغيب، والخير أردت، ولكل امرئ ما اكتسب، ﴿وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون﴾ (الشعراء: ٢٢٧).
فانظر إلى الإنشاء العذب الذي يمثل لك البلاغة بأوضح معانيها، كما أنت تراه في تضاعيف كلامه وخطبه ووصاياه (رضوان الله عليه)، وكان إذا خطب يقول في ختام كلامه: «اللهم اجعل خير زماني آخره، وخير عملي خواتمه، وخير أيامي يوم ألقاك»، فيعرف أنه انتهى.
واطلع على هذه النبذة مما نقله عنه المؤرخون. قال أحدهم: كان أبو بكر إذا سقط خطام ناقته ينيخها ويأخذه، فقيل له: هلا أمرتنا؟ فقال: إن رسول الله ﷺ أمرني أن لا أسأل الناس شيئا.
ومن قصار خطبه مما أورده له ابن عبد ربه في العقد قوله:
«أيها الناس، اتقوا الله في سريرتكم وعلانيتكم، وأمروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، ولا تكونوا مثل قوم كانوا في سفينة فأقبل أحدهم على موضعه يخرقه، فنظر إليه أصحابه فمنعوه، فقال: هو موضعي ولي أن أحكم فيه، فإن أخذوا على يده سلم وسلموا، وإن تركوه هلك وهلكوا معه، وهذا مثل ضربته لكم رحمنا الله وإياكم».
وقد جمع الفاضل صاحب كتاب أشهر مشاهير الإسلام طائفة كبيرة من أخباره وآثاره بلغت مئة وخمسين صفحة فارجع إلى الجزء الأول منه إن شئت الاطلاع على أكثر مما قدمت لك، وأما كتب التاريخ كتاريخ أبي جعفر الطبري وتاريخ ابن الأثير وتاريخ ابن خلدون وأشباهها؛ فهناك الكثير من أنبائه ﵁. ودفن مع النبي ﷺ في حجرة عائشة.
стр. 106
عمر بن الخطاب
ولد سنة ٤٠. ق. هـ وتوفي سنة ٢٣ هـ
مضى الخليفة الراشد الأول لسبيله بعد أن اختار للمسلمين إماما كان له من الذكر ما لم يكن لأحد من قبله ومن بعده أعني ثاني الخلفاء الراشدين أبا حفص عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي، ذلك الرجل الكبير، وما أحسبني إلا على شيء من الجرأة وقد هممت بالإشارة إلى بعض نبأه في صفحات يسيرة من هذا الكتاب الذي يضيق عن الإطالة والإكثار من الأخبار، ولكن قول: ما لا يستطاع كله لا يترك قله، حدا بي أن أقول:
كان عمر ﵁ من شرفاء العرب ووجوههم في الجاهلية والإسلام.
أما في الجاهلية فكانت له السفارة في قريش، وذلك أنهم إذا وقعت بينهم وبين غيرهم حرب بعثوه سفيرا، وإن نافرهم حتي لمفاخرة جعلوه منافرا وراضوا به. وأما في الإسلام فحسبك أن رسول الله ﷺ كان يدعو ربه أن يعز به دينه، وكان يرزق من التجارة بين الشام والحجاز حتى ولي الخلافة.
أسلم قبل الهجرة بخمس سنين ونصر الإسلام نصرا بينا، وكان شجاعا مهيبا طويل القامة، إذا مشى فكأنه راكب والناس يمشون.
وبويع بالخلافة سنة ١١ هـ يوم وفاة أبي بكر، فحذا حذوه وسلك سبيله، فسير البعوث وجيش الجيوش؛ فأتم فتح الشام والعراق وفتح القدس والمدائن ومصر والجزيرة، ودون الدواوين على الطريقة الفارسية لإحصاء أرباب الأعطيات وتوزيع المرتبات المالية عليهم، ووضع للمسلمين التاريخ الهجري، وكانوا يؤرخون بالوقائع الشهيرة كعام الفيل وعام الفجار، وكانوا يتعاملون بالدراهم والدنانير الفارسية والرومية فضرب عمر الدراهم على نقش الكسروية وزاد في
стр. 107
بعضها «الحمد لله» وبعض «محمد رسول الله»، واتخذ بيت مال للمسلمين، وأمر ببناء مدينتي البصرة والكوفة فشيدتا، وهو أول من دعي بأمير المؤمنين، وكانوا ينادونه يا خليفة خليفة رسول الله، فاستثقلت، وضرب بعدله المثل.
قال علي بن أبي طالب ﵁: «إن الله جعل أبا بكر وعمر حجة على من بعدهما من الولاة إلى يوم القيامة فسبقا والله سبقا بعيدا، وأتعبا والله من بعدهما إتعابا شديدا، فذكرهما حزن للأمة وطعن على الأئمة … »
وكان يطوف في الأسواق منفردا ويقضي بين الناس حيث أدركه الخصوم، وقصة «اضرب ابن الأكرمين» من غريب أخباره روى أنس بن مالك فقال: بينا كان عمر جالسا أتاه رجل من أهل مصر، فقال: يا أمير المؤمنين هذا مقام العائذ بك، فقال عمر: لقد عذت بمجير فما شأنك؟ فقال: سابقت بفرسي ابنا لعمرو بن العاص (وهو يومئذ أمير مصر) فجعل يعلوني بسوطه، ويقول: أنا ابن الأكرمين، فبلغ ذلك أباه عمرا فخشي أن آتيك، فحبسني في السجن، فانفلت منه حتى أتيتك، فكتب عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص: إذا أتاك كتابي هذا فاشهد الموسم أنت وولدك فلان، وقال للمصري: أقم حتى يأتيك، فأقام حتى قدم عمرو وشهد موسم الحج، وقعد عمر مع الناس وعمرو بن العاص وابنه إلى جانبه، فقام المصري، فرمى إليه عمر بالدرة (وهي سوطه)، وأشار إليه أن يضرب ابن عمرو.
قال أنس: فلقد ضربه ونحن نشتهي أن يضربه فلم ينزع حتى اشتهينا أن ينزع من كثرة ما ضربه وعمر يقول: اضرب ابن الأكرمين! فقال المصري: يا أمير المؤمنين قد استوفيت واشتفيت، قال: ضعها على ضلع عمرو، قال: يا أمير المؤمنين لقد ضربت الذي ضربني، قال: أما والله لو فعلت ما منعك أحد حتى تكون أنت الذي تنزع، ثم أقبل على عمرو بن العاص وقال: يا عمرو! متى
стр. 108
تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟ فجعل عمرو يعتذر إليه، ويقول: إني لم أشعر بهذا.
قال الغزالي في إحياء علوم الدين: وشهد عند عمر شاهد فقال: ائتني بمن يعرفك، فأتاه برجل: فأثنى عليه خيرا، فقال له عمر: أنت جاره الأدنى الذي يعرف مدخله ومخرجه؟ قال: لا، فقال: كنت رفيقه في السفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق؟ قال: لا، قال: فعاملته بالدينار والدرهم الذي يستبين به ورع الرجل؟ قال: لا، قال: أظنك رأيته قائما في المسجد يهمهم بالقرآن يخفض رأسه طورا ويرفعه أخرى؟ قال: نعم! فقال: اذهب فلست تعرفه، وقال للرجل: اذهب فائتني بمن يعرفك.
وذكر عنده رجل فقيل: يا أمير المؤمنين، فاضل لا يعرف من الشر شيئا، فقال: ذاك أوقع له فيه.
وكتب إلى أبي موسى الأشعري كتابا يوصيه فيه: نقله ابن قتيبة في عيون الأخبار، نصه: «أما بعد؛ فإن للناس نفرة عن سلطانهم فأعوذ بالله أن تدركني، وإياك عمياء مجهولة وضغائن محمولة، أقم الحدود ولو ساعة من نهار، وإذا عرض لك أمران: أحدهما لله والآخر للدنيا؛ فآثر نصيبك من الله؛ فإن الدنيا تنفد والآخرة تبقى، أخف الفساق واجعلهم يدا يدا ورجلا رجلا، وعد مريض المسلمين، واشهد جنائزهم، وافتح لهم بابك، وباشر أمورهم بنفسك؛ فإنما أنت رجل منهم غير أن الله جعلك أثقلهم حملا، وقد بلغني أنه فشا لك ولأهل بيتك هيئة في لباسك ومطمعك ومركبك ليس للمسلمين مثلها؛ فإياك يا عبد الله أن تكون بمنزلة البهيمة: مرت بواد خصيب فلم يكن لها هم إلا السمن، وإنما حتفها في السمن، واعلم أن العاقل إذا زاغ زاغت رعيته، وأشقى الناس من شقي الناس به والسلام».
стр. 109
وهذه خطبة أوردها له أبو جعفر الطبري قال: قال عمر:
«إن الله قد ولاني أمركم وقد علمت أنفع ما بحضرتكم لكم وإنني أسأل الله أن يعينني عليه، وأن يحرسني عنده كما حرسني عند غيره، وأن يلهمني العدل في قسمكم كالذي أمر به، ولن يغير الذي وليت من خلافتكم من خلقي شيئا، فلا يقولن أحد منكم: إن عمر قد تغير منذ ولي، أعقل الحق من نفسي وأتقدم وأبين لكم أمري فأيما رجل كانت له حاجة أو ظلم مظلمة أو عتب علينا في خلق فليؤذنني إنما أنا رجل منكم، فعليكم بتقوى الله في سركم وعلانيتكم وحرماتكم وأعراضكم، وأعطوا الحق من أنفسكم، ولا يحمل بعضكم بعضا على أن تحاكموا إلي فإنه ليس بيني وبين أحد من الناس هوادة، وأنا حبيب إلي صلاحكم، عزيز علي عتبكم، وأنتم أناس عامتكم حضر في بلاد الله وأهل بلد لا زرع فيه ولا ضرع، إلا ما جاء الله به إليه، وإن الله قد وعدكم كرامة كثيرة وأنا مسؤول عن أمانتي وما أنا فيه، ومطلع على ما بحضرتي بنفسي إن شاء الله لا أكله إلى أحد، ولا أستطيع ما بعد منه إلا بالأمناء وأهل النصح منكم للعامة ولست أجعل أمانتي إلى أحد سواهم إن شاء الله».
ومن كلامه ﵁: لا تؤخر عمل يومك إلى غدك.
- لست بخب والخب لا يخدعني.
- اتقوا من تبغضه قلوبكم.
- إنما مثل العرب: مثل جمل أنف اتبع قائده فلينظر قائده حيث يقوده.
- لا ينبغي أن يلي هذا الأمر إلا رجل فيه أربع خلال اللين في غير ضعف، والشدة في غير عنف، والإمساك في غير بخل، والسماحة في غير سرف؛ فإن سقطت واحدة منهن فسدت الثلاث.
- من كتم سره كان الخيار في يده.
стр. 110
- من ذوي القرابات أن يتازوروا ولا يتجاوروا.
- تعلموا المهنة؛ فإنه يوشك أحدكم أن يحتاج إلى مهنته.
- إياكم والمعاذير؛ فإن كثيرا منها كذب.
ولما كان فجر يوم الأربعاء لأربع ليال بقين من ذي الحجة سنة ٢٣ هـ، ووقف عمر للصلاة بالناس فاجأه فيروز أبو لؤلؤة الفارسي غلام المغيرة بن شعبة فطعنه في خاصرته بخنجر ذي رأسين مسموم فسقط عمر، فانهال الناس على الفارسي يريدون القبض عليه فطعن منهم ثلاثة عشر رجلا هلك سبعة منهم، ثم طعن نفسه فمات منتحرا.
واختلف أصحاب الأخبار في الدافع الحقيقي لأبي لؤلؤة على عمله فقيل: إنه شكا لعمر ارتفاع الخراج الذي ضربه عليه مولاه المغيرة فلم يره كثيرا فحقد عليه فضربه.
وقيل غير ذلك، وكله وهم وأمور اتخذها الغلام الفارسي ليستر بها مؤامرة سياسية كانت بينه وبين جنينة النصراني من أهل الحيرة، والهرمزان الفارسي، ولا يعلم إن كان ثمة غيرهما فإن عمر أبقى في قلوب الفرس والروم جروحا لا تأسوها اليوم، أو ليس الذي قوض أركان دولة الأكاسرة وزلزل عروش القياصرة بحزمه وبأس رجاله؟ كان فيروز الفارسي رجلا غيورا على أمته أخذته الآلام مما صنع أمير المؤمنين بقومه فأراد الانتقام ففعل ما فعل.
وأخذ عمر إلى داره فدعا بعلي وعثمان والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف، وأمرهم أن يتشاوروا في أمر الخلافة وأن ينتظروا طلحة؛ فإن أبطأ فليقضوا بأحدهم وأن يشهدهم عبد الله بن عمر (ابنه) وليس له أن يولي، وإنما صنع ذلك ليتخلص من تبعة خلفه وليكون أمر المسلمين شورى، وقيل له في ذلك، فقال: إن تركتكم فقد ترككم من هو خير مني (يريد رسول الله) وإن استخلفت فقد