الخبر عن الغائب لأن فيه أصل معنى الأمن والائتمان وهذا إنما يكون في الخبر عن الغائب، فلا يقال لمن قال طلعت الشمس آمنا له وإنما يقال صدقناه ولهذا لم يأت في القرآن وغيره لفظ آمن له إلا في الخبر عن الغائب.
-إن لفظ الإيمان ضده الكفر، والكفر لا يختص بالتكذيب فقط بل هو أعم منه، إذ يمكن أن يكون مخالفة ومعاداة بلا تكذيب ومع ذلك يسمى كفرا كما لو قال شخص: أنا أعلم أنك صادق، ولكن لا أتبعك بل أعاديك وأبغضك وأخالفك، فهذا كفر أعظم.
-أما كلمة "صدق" فلا تتعدى باللام فلا يقال "صدق له" إنما يقال "صدق به" فهي تتعدى بالباء وبنفسها فيقال صدقه .... -أما كلمة صدق فلا تتضمن معنى الأمن والأمانة.
-أما لفظ التصديق فيستعمل في كل مخبر عن مشاهد أو غيب، فمن قال السماء فوقنا، قيل له: صدقت.
-أما لفظ التصديق ضده التكذيب فقط.
стр. 142
وبهذا يتبين عدم الترادف التام بين اللفظين، وأن الإيمان ليس التصديق فقط (١) كما أن الكفر ليس التكذيب فقط.
ثانيًا: من المعلوم أن كلام الله وشرعه إنما هو خبر وأمر.
فالخبر: يستوجب تصديق الخبر.
والأمر يستوجب الانقياد له والاستسلام، وهو عمل في القلب، جماعه: الخضوع والانقياد للأمر، وإن لم يفعل المأمور به.
فإذا قوبل الخبر بالتصديق، والأمر بالانقياد، فقد حصل أصل الإيمان في القلب وهو "الطمأنينة والإقرار" فإن اشتقاقه من الأمن الذي هو القرار والطمأنينة، وذلك إنما يحصل إذا استقر في القلب التصديق والانقياد. فلو فُسِّر الإيمان بالتصديق فقط، كما قال أهل اللغة، فإن التصديق إنما يعرض للجزء الأول من الشرع فقط الذي هو الخبر، ولا يعرض للجزء الثاني وهو الأمر، لأن الأمر ليس فيه تصديق من حيث هو أمر.
ومن المعلوم أن إبليس لم يكفر بسبب عدم تصديقه، فإنه سمع أمر الله فلم يكذب رسولا، ولكن لم ينقد للأمر ولم يخضع له، واستكبر عن الطاعة فصار كافرا، قال تعالى: ﴿إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ البقرة: ٣٤، فسماه الله كافرا وسلب عنه وصف الإيمان لاستكباره وعدم انقياده لأمر الله له بالسجود لآدم.
стр. 143
لازم القول بأن الإيمان مجرد التصديق فقط.
وهذا موضع زاغ فيه خلق من الخلف تخيل لهم أن الإيمان ليس في الأصل إلا التصديق، ثم يرون مثل إبليس وفرعون مما لم يصدر عنه تكذيب أو صدر عنه تكذيب باللسان لا بالقلب وكفره من أغلظ الكفر فيتحيرون.
ومثل هؤلاء القوم لو أنهم هُدوا لما هُدي إليه السلف الصالح لعلموا أن الإيمان قول وعمل أعني في الأصل قولا في القلب، وعملا في القلب، فإن الإيمان بحسب كلام الله ورسالته-وكلام الله ورسالته يتضمن أخباره وأوامره-فيصدق القلب أخباره تصديقا يوجب حالا في القلب بحسب المصدق به، والتصديق هو من نوع العلم والقول، وينقاد لأمره ويستسلم، وهذا الانقياد والاستسلام هو من نوع الإرادة والعمل، ولا يكون مؤمنا إلا بمجموع الأمرين فمتى ترك الانقياد كان مستكبرا فصار من الكافرين وإن كان مصدقا، لأن الكفر أعم من التكذيب، فالكفر يكون تكذيبا وجهلا، ويكون استكبارا وظلما، ولهذا لم يوصف إبليس إلا بالكفر والاستكبار دون التكذيب، ولهذا كان كفر من يعلم مثل اليهود ونحوهم من جنس كفر إبليس، وكان كفر من يجهل مثل النصارى ونحوهم ضلالا وهو "الجهل" ألا ترى أن نفرا من اليهود جاءوا إلى النبي ﷺ وسألوه عن أشياء، فأخبرهم، فقالوا: نشهد أنك نبي، ولم يتبعوه، وكذلك هرقل وغيره، فلم ينفعهم هذا العلم وهذا التصديق.
ألا ترى أن من صدق الرسول بأن ما جاء به هو رسالة الله، وقد تضمنت خبرا وأمرا، فإنه يحتاج إلى مقام ثان، وهو تصديق خبر الله وانقياده لأمر الله،
стр. 144
فإذا قال: "أشهد أن لا إله إلا الله" فهذه الشهادة تتضمن تصديق خبره والانقياد لأمره. "وأشهد أن محمدا رسول الله" تضمنت تصديق الرسول فيما جاء به من عند الله.
فبمجموع هاتين الشهادتين يتم الإقرار.
فلما كان التصديق لا بد منه في كلا الشهادتين-وهو الذي يتلقى الرسالة بالقبول-ظن من ظن أنه أصل لجميع الإيمان وغفل عن أن الأصل الآخر لا بد منه وهو الانقياد، وإلا فقد يصدق الرسول، ظاهرا وباطنا ثم يمتنع من الانقياد للأمر، إذ غايته في تصديق الرسول أن يكون بمنزلة من سمع الرسالة من الله سبحانه كإبليس" (١).
ثالثا: ما استدل به أهل اللغة على أن معنى الإيمان في قوله تعالى ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ هو التصديق غير مسلم.
إذ يرى علماء السلف أن تفسيرها ب "أقررت" أقرب من تفسيرها ب " صدقت " وذلك لأن لفظ "آمن" متى عُدّي باللام يكون بمعنى "أقر" وليس بمعنى "صدق"، إذ لا يكون بمعنى صدق إلا إذا عُدّي بالباء أو بنفسه.
الجانب الثاني: المعنى الشرعي للإيمان:
تنوعت عبارات السلف في تعريف الإيمان:
أ-فتارة يقولون: الإيمان قول وعمل.
стр. 145
٢ - وتارة يقولون: هو قول وعمل ونية.
٣ - وتارة يقولون: هو قول وعمل ونية واتباع سنة. (١)
٤ - وتارة يقولون: الإيمان: قول اللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية (٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن أورد التعريفات الثلاثة الأول: "وكل هذا صحيح" (٣) وعلل ذلك بقوله (٤):
"فمن قال إن الإيمان قول وعمل فمرداه قول اللسان والقلب وعمل القلب والجوارح".
وقول اللسان وعمل الجوارح معروفان.
وأما المقصود من قول القلب: فهو إقراره ومعرفته وتصديقه.
وأما عمله: فهو انقياده لما صدق به.
ومن عبر عن الإيمان بهذا التعريف ليس مراده كل قول أو عمل وإنما المراد ما كان مشروعا من الأقوال والأعمال.
كما أن تعبير بعض السلف بهذه العبارة في تعريف الإيمان إنما جاء في
стр. 146
معرض الرد على المرجئة (١) الذين جعلوه قولا فقط، فقال بعض السلف ردا عليهم: بل قول وعمل (٢).
وأما من عرفه بقوله هو قول وعمل ونية، فمقصوده بزيادة لفظ "ونية": أن القول يتناول الاعتقاد وقول اللسان.
وأما العمل فقد لا يفهم منه النية فزاد ذلك (٣).
وأما من عرفه بأنه قول وعمل ونية واتباع سنة، فقد زاد لفظة "واتباع سنة" لأن ذلك كله لا يكون محبوبا لله إلا باتباع السنة (٤).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد سئل سهل بن عبد الله التستري عن
стр. 147
الإيمان ما هو؟، فقال: قول وعمل ونية واتباع سنة.
لأن الإيمان إذا كان قولا بلا عمل فهو كفر.
وإذا كان قولا وعملا بلا نية فهو نفاق.
وإذا كان قولا وعملا ونية بلا سنة فهو بدعة (١).
وأجمع التعاريف الواردة وأشملها هو: أن الإيمان قول اللسان واعتقاد بالجنان وعمل الجوارح يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
وهذا التعريف هو الذي يميز قول السلف في مسمى الإيمان عن قول غيرهم من الفرق (٢) ولهذا كان هذا التعريف هو أجمع التعاريف الواردة عن
стр. 148
السلف وأكثرها دقة في بيان قولهم.
الجانب الثالث: دلالة اسم الإيمان:
تتحدد دلالة اسم "الإيمان" بحسب سياق الكلام الذي تستعمل فيه هذه اللفظة فلفظ "الإيمان" إما أن يستعمل:
أ-مطلقا: أي يذكر مطلقا عن لفظ "العمل" و"الإسلام".
٢ - أو مقيدا: فتارة يقرن بالعمل الصالح، وتارة يقرن بالإسلام.
فإذا استعمل مطلقا: "فجميع ما يحبه الله ورسوله من أقوال العبد وأعماله الباطنة والظاهرة، يدخل في مسمى الإيمان عند عامة السلف والأئمة-من الصحابة والتابعين وتابعيهم-الذين يجعلون الإيمان قولا وعملا، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ويدخلون جميع الطاعات-فرضها ونفلها-في مسماه" (١).
ويلاحظ هنا أن لفظ "الإيمان" على هذا الاستعمال يكون مرادفا للفظ "العبادة" والعبادة كما هو معروف هي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من
стр. 149
الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة.
ومن استعمال الشارع للفظ الإيمان بهذا المعنى ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الإيمان بضع وسبعون شعبة أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» " (١).
فالإيمان في هذا الحديث شمل جميع أمور الدين بما في ذلك أمور الإسلام. ومن هذا الاستعمال أيضا ما جاء في حديث عبد الله بن عباس ﵄: أن وفد عبد القيس لما أتوا النبي ﷺ أمرهم بأربع ونهاهم عن أربع: "أمرهم بالإيمان بالله وحده، قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟، قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم خمس … " الحديث (٢).
فلفظ الإيمان استعمل في الحديث مطلقا فدخل فيه الأمور الظاهرة مع أنها من أمور الإسلام كما جاء في حديث جبريل المشهور.
وأما إذا استعمل اسم الإيمان مقيدا كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (٣)، وقوله ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا
стр. 150
يَتَّقُونَ﴾ (١).
وقول النبي ﷺ في حديث جبريل المشهور: "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره " (٢).
فهنا قد يقال: إنه متناول لذلك وإن عطف ذلك عليه من باب عطف الخاص على العام كقوله تعالى: ﴿وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ (٣)، وقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَم﴾ الآية (٤).
وقد يقال إن دلالة الاسم تنوعت بالإفراد والاقتران كلفظ الفقير والمسكين، فإن أحدهما إذا أفرد تناول الآخر، وإذا جمع بينهما كانا صنفين: كما في آية الصدقة، ولا ريب أن فروع الإيمان مع أصوله كالمعطوفين، وهي مع جميعه كالبعض مع الكل" (٥).
قلت: إن القول بأن عطف ذلك عليه من باب عطف الخاص على العام ينطبق على الآية وهي قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، وقوله تعالى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾.
والقول بأن دلالة الاسم تنوعت بالإفراد والاقتران ينطبق على حديث جبريل حيث ذكر الإسلام والإيمان فأصبح كل واحد منهما يختص بأمور
стр. 151
معينة فالإسلام اختص بالأمور الظاهرية، والإيمان اختص بالأمور الاعتقادية الباطنية.
"فلفظ الإسلام والإيمان إذا أفرد كل واحد من الاسمين دخل في مسمى الآخر إما تضمنا وإما لزوما، ودخوله فيه تضمنا أظهر، وكون أحدهما لا يدخل في الآخر عند الاقتران لا يدل على أنه لا يدخل فيه عند انفراد الآخر، وهذه قاعدة جليلة من أحاط بها زالت عنه إشكالات كثيرة أشكلت على كثير من الناس" (١).
خلاصة القول:
إن اسم الإيمان إذا أفرد: تناول جميع أمور الدين الظاهرة والباطنة كما في حديث الشعب.
وإذا اقترن اسم الإيمان مع الإسلام دل الإيمان على الأمور الباطنة ودل الإسلام على أمور الدين الظاهرة كما في حديث جبريل.
وإذا اقترن العمل مع الإيمان: فهو من باب عطف الخاص على العام (٢)
стр. 152
كما في قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.
الجانب الرابع: أقوال الناس في مسمى الإيمان.
اختلف الناس في مسألة مسمى الإيمان:
فهناك من قال: "إن الإيمان قول واعتقاد وعمل يزيد وينقص" (١).
وهناك من قال: "إن الإيمان قول واعتقاد وعمل لكن لا يزيد ولا ينقص" (٢).
وهناك من قال: "إن الإيمان هو المعرفة" (٣).
стр. 153
وهناك من قال: "إن الإيمان قول اللسان" (١).
وهناك من قال: "إن الإيمان هو التصديق" (٢).
وهناك من قال: "إن الإيمان هو التصديق والقول" (٣).
هذه جملة أقوال، والمسألة تحتاج إلى شيءٍ من البيان والتوضيح والبسط.
ونأتي أولاً إلى قول أهل السنة وهو ما أورده المصنف هنا، حيث قال: " والإيمان قول وعمل يزيد وينقص زيادته إذا أحسنت ونقصانه إذا أسأت".
فإن الناظر إلى هذا الإنسان باعتبار ما يجب عليه تجاه ما أخبر الله به وما أمر الله تعالى به؛ فنصوص الشرع لا تخرج عن أمرين: إما أخبارٌ وإما أوامر، فالأخبار حقها التصديق بأن تُصدق بها، والأوامر حقها أن تعمل بها، كما جاء في الحديث "إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن نهيٍ فانتهوا" (٤).
فأنت مأمور بأن تتبع، وأن تعمل بهذه الأوامر بحسب ما يأتي من حكمٍ عليها، فهذه الأمور أي الوحي تأتي لهذا الإنسان، وأول ما تأتي إليه في
стр. 154
باطنه؛ لأنه لابد وأن يعلم أن الصلاة مثلاً ركنٌ من أركان الإسلام، ثم إذا جئت إلى الصلاة تجد أن منها فرائض ومنها نوافل، ثم أن هذه النوافل منها سنن رواتب ومنها غير ذلك، فهذا أول ما يقابله بالعلم.
فإذاً هذا الإيمان سيخاطب هذا الباطن في الإنسان، وأول ما يخاطب أن يصدق بما أخبر الله به.
والثاني: أن ينقاد لأمر الله، فلابد أن يحصل الانقياد والتسليم لأوامر الله، فليس لك حق الاعتراض أن تقول: لا بدل خمس صلوات نجعلها ثلاثة أو نجعلها ستة، فهي خمس صلوات في اليوم الليلة لابد من أدائها في أوقاتها، فأصبح عليه أن يصدق وعليه أن ينقاد.
ومعلوم أن هنا ثلاثة أحوال:
القلب، والقلب يشمل أمرين:
يشمل جانب العلم، ويشمل جانب الإرادة هذا القلب.
والجانب الثاني: جانب اللسان.
والجانب الثالث: جانب الجوارح.
فهناك قول القلب، وعمل القلب، وقول اللسان، وعمل اللسان، وهناك عمل الجوارح فهذه خمسة، فإذا جئت إلى قول القلب فهذا هو العلم الذي هو التصديق فعليه أن يعلم هذه الأشياء ويصدق بها، هذا الواجب الأول على القلب، والقلب هو الباطن، والباطن مجموع الأمرين وهذه هي العقيدة.
стр. 155
لذلك قال المصنف: "الإيمان قولٌ وعمل"، فالقول هنا هو العلم والتصديق، تعلم وتصدق، هذا واجبٌ على الإنسان لكي يكون مؤمناً، وهذا وحده لا يكفي فلو قال قائل: أنا أعلم أن الصلوات خمس وهي كذا وكذا وهيئتها كذا لكن لن أصلي، فهو بهذا لا يكون مؤمناً إذ لابد من الجانب الثاني.
والجانب الثاني: هو انقياد القلب، فهذه الإرادة لابد أن تنقاد لهذه الأخبار وهذه الأوامر، ولذلك يأتي عمل القلب، والقلب أعماله كثيرة، منها مثلاً الإخلاص، والمحبة، والخوف، والرجاء، والتوكل، والإنابة، والخشية، والتقوى، ولذلك النبي ﷺ لما ذكر التقوى قال: «التقوى هاهنا التقوى هاهنا التقوى هاهنا وأشار بيده على صدره» (١)، فهذه أعمال القلوب، وهي التي تنطلق إلى سائر الجوارح
وأما قول اللسان وعمل اللسان، فقول اللسان جعله العلماء النطق بالشهادتين لأن هذا هو الفيصل بين الإسلام والكفر، «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله» (٢)، فأول ما يدخل الإنسان في الإسلام يُطالب بعد تطهره يطالب بالنطق بالشهادتين، فهذا يسميه العلماء: قول اللسان، فجعلوه في النطق بالشهادتين.
стр. 156
وأما عمل اللسان: فمنه قراءة القرآن وتلاوته، وذكر الله ، والتسبيح، والتهليل هذا كله عمل اللسان.
وأما أعمال الجوارح، فمنها الركوع والسجود والصوم والجهاد وغض البصر وغيرها فهذه أعمال الجوارح، وهذا بكله هو الذي يُسمى إيماناً عند أهل السنة.
وأما قول المصنف: "يزيد وينقص "
فأهل السنة يؤمنون أن الإيمان يزيد وينقص، ومن الأدلة على ذلك:
أولاً: أدلة زيادة الإيمان ونقصانه من القرآن (١).
لقد جاء في كتاب الله نصوص كثيرة تدل على زيادة الإيمان ونقصانه وأن أهله متفاضلون فيه بعضهم أكمل إيماناً من بعض، فمنهم السابق بالخيرات، ومنهم المقتصد، ومنهم الظالم لنفسه، منهم المحسن، ومنهم المؤمن، ومنهم المسلم، ليسوا في الدين سواء في مرتبة واحدة، بل فضل الله بعضهم على بعض ورفع بعضهم فوق بعض درجات.
وقبل الشروع في ذكر هذه الأدلة القرآنية الدالة على زيادة الإيمان ونقصانه أودّ التنبيه على نقطة هامة، وهي:
أن كل دليل دلّ على زيادة الإيمان فهو يدل على نقصانه، وكذا العكس، فما
стр. 157
دل على نقصان الإيمان فهو يدل على زيادته، فالآيات التي أوردها هنا وظاهرها الدلالة على زيادة الإيمان فقط، فهي تدل على نقص الإيمان باللزوم، وذلك لأن الزيادة تستلزم النقص، ولأن ما جاز عليه الزيادة جاز عليه النقص، ولأن الزيادة لا تكون إلا عن نقص.
ولهذا فإنا نجد أهل العلم كثيراً ما يستشهدون بأدلة زيادة الإيمان على نقصانه وكذا العكس للأسباب المتقدمة، وتأمل-مثالاً على ذلك-صنيع البخاري في صحيحه فقد أورد بعض الآيات المصرحة بزيادة الإيمان في باب زيادة الإيمان ونقصانه مستدلاً بها على الزيادة والنقصان معاً.
قال الإمام أحمد ﵀: "إن كان قبل زيادته-أي الإيمان-تاماً فكما يزيد كذا ينقص" (١).
فمن الأدلة:
• قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣. [
• وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢ [
• وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤].
стр. 158
• وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ [الأحزاب: ٢٢. [
• وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤].
• وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً﴾ [المدثر: ٣١].
• وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد: ١٧].
ثانياً: الأدلة من السنة على زيادة الإيمان ونقصانه:
• حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم وهو مؤمن" (١).
• حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" (٢)
ففي هذا الحديث "بيان أن الإيمان الشرعي اسم لمعنى ذي شعب وأجزاء،
стр. 159
له أعلى وأدنى، فالاسم يتعلق ببعضها كما يتعلق-بكلها، والحقيقة تقتضي جميع شعبها وتستوفي جملة أجزائها، كالصلاة الشرعية لها شعب وأجزاء، والاسم يتعلق ببعضها كما يتعلق بكلها، والحقيقة تقتضي جميع أجزائها وتستوفيها" (١).
وهذه الشعب متفاوتة ليست على درجة واحدة في الفضل، بل بعضها أفضل من بعض، كما هو ظاهر لفظ الحديث في قوله: "أعلاها "وقوله: "أدناها"، فشعب الإيمان منها ما يزول الإيمان بزوالها إجماعاً كشعبة الشهادتين، ومنها ما لا يزول بزوالها إجماعاً كترك إماطة الأذى عن الطريق، وبينهما شعب متفاوتة تفاوتاً عظيماً منها ما يقرب من شعبة الشهادتين، ومنها ما يقرب من شعبة إماطة الأذى" (٢).
وقال الشيخ العلامة ابن سعدي بعد ذكره لحديث أبي هريرة: "وهذا صريح في أن الإيمان يزيد وينقص بحسب زيادة هذه الشرائع والشعب، واتصاف العبد بها أو عدمه، ومن المعلوم أن الناس يتفاوتون فيها تفاوتاً كثيراً، فمن زعم أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص فقد خالف الحس، مع مخالفته لنصوص الشرع كما ترى" (٣).
• حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا إيمان لمن لا أمانة له" (٤).
стр. 160
فهذا الحديث دليل على أن من لا أمانة له، فقد نقص فيه شيء من واجبات هذا الدين، فيذهب عنه كمال الإيمان الواجب وتمامه، ويكون بذلك مؤمناً ناقص الإيمان (١).
يوضح الاستدلال بهذا الحديث ويبينه ما جاء عن عروة بن الزبير ﵀ أنه قال: "ما نقصت أمانة عبد قط إلا نقص إيمانه" (٢)، فنقص الأمانة في العبد دليل على نقص الإيمان وضعفه فيه
• ولهذا لما سئل الإمام أحمد ﵀ مرة عن نقصان الإيمان احتج بهذا، قال الفضل بن زياد سمعت أبا عبد الله وسئل عن نقص الإيمان فقال: حدثنا وكيع عن سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه قال: "ما انتقصت أمانة رجل إلا نقص إيمانه" (٣).
• حديث أبي سعيد الخدري ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع
стр. 161
فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" (١).
فبين النبي ﷺ في هذا الحديث مراتب إنكار المنكر، وأنه حسب الاستطاعة فإما أن يغير باليد أو باللسان أو بالقلب، بمعنى يكرهه بقلبه، وهذه المراتب الثلاث للإنكار يقوم بها المكلف على قدر استطاعته، ولا شك أن المرتبة الأخيرة باستطاعة جميع المكلفين، فمن رأى المنكر ولم يكرهه بقلبه وهو يعلم أنه منكر فإن هذا يكون علامة على ضعف إيمانه.
وقد احتج بهذا الحديث على زيادة الإيمان ونقصانه وتفاضل أهله فيه النسائيُ في سننه فبوب له ب"باب تفاضل أهل الإيمان" (٢).
وابن منده في كتابه الإيمان فقال: "ذكر خبر يدل على أن الإيمان قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالأركان يزيد وينقص" (٣) ثم ذكر حديث أبي سعيد ﵁.
وبوب له النووي في شرحه لمسلم ب "باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص … " (٤).
стр. 162
ثالثاً: أقوال السلف الصالح في زيادة الإيمان ونقصانه (١)
لقد جاء عن السلف الصالح آثار كثيرة قرروا فيها ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ من حجج ودلالات على زيادة الإيمان ونقصانه، فبينوا ﵏ أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وكثرة العبادة والمداومة عليها، وينقص باللهو والغفلة والمعصية والتقصير في فعل الطاعة، بل لقد حكى إجماعهم واتفاقهم على ذلك غير واحد من أهل العلم.
قال يحيى بن سعيد القطان: "ما أدركت أحداً من أصحابنا، إلا على سنتنا في الإيمان، ويقولون: الإيمان يزيد وينقص (٢).
وقال الإمام عبد الرزاق الصنعاني ﵀: "لقيت اثنين وستين شيخاً، … فذكر عدداً منهم ثم قال: كلهم يقولون: "الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص" (٣).
وقال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام: "هذه تسمية من كان يقول الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، … فسمى أكثر من مائة وثلاثين رجلاً من أهل العلم من الصحابة وغيرهم .. ثم قال: هؤلاء كلهم يقولون الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، وهو قول أهل السنة، والمعمول به عندنا" (٤).
стр. 163
وقال إمام أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل ﵀: "أجمع سبعون رجلاً من التابعين وأئمة المسلمين وفقهاء الأمصار على أن السنة التي توفي عليها رسول الله ﷺ . فذكر أموراً منها: الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية" (١).
وقال أمير المؤمنين في الحديث أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ﵀: "لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحداً يختلف في أن الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص" (٢).
رابعاً: الأقوال المخالفة لقول أهل السنة والجماعة في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه.
القول الأول: قول من قال الإيمان يزيد وتوقف في النقصان.
جاء عن الإمام مالك رحمه الله تعالى في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه روايتان، قال في إحداهما: إن الإيمان يزيد أما النقصان فتوقف فيه وطلب من السائل أن يكف عن السؤال عنه، لأنه لم يجد عليه دليلاً من كتاب الله.
стр. 164
أما الرواية الأخرى: فقد جاءت عنه من طرق متعددة صحيحة، قال فيها: إن الإيمان يزيد وينقص، كقول أهل السنة والجماعة سواء (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكان بعض الفقهاء من أتباع التابعين لم يوافقوا في إطلاق النقصان عليه. لأنهم وجدوا ذكر الزيادة في القران، ولم يجدوا ذكر النقص، وهذا إحدى الروايتين عن مالك" (٢).
القول الثاني: قول من قال الإيمان يزيد ولا ينقص.
وهذا قول طائفة من الأشاعرة، رواية عن أبي حنيفة، والغسانية، النجارية، الإباضية.
أما قول الطائفة من الأشاعرة: فقد أشار إليه البغدادي في "أصول الدين" فقال: "وأما من قال: إنه التصديق (٣) بالقلب فقد منعوا من النقصان فيه، واختلفوا في زيادته فمنهم من منعها ومنهم من أجازها" (٤).
وأما الرواية عن أبي حنيفة: أن الإيمان يزيد ولا ينقص، فقد ذكرها غير واحد ممن كتب في المقالات، من طريق غسان وغيره عن أبي حنيفة ﵀.
قال الأشعري: "فأما غسان وأكثر أصحاب أبي حنيفة فإنهم يحكون عن
стр. 165
أسلافهم أن الإيمان هو الإقرار والمحبة لله والتعظيم له والهيبة منه وترك الاستخفاف بحقه وأنه يزيد ولا ينقص" (١).
وقال الزبيدي: "وحكى غسان وجماعة من أصحاب أبي حنيفة أنه يزيد ولا ينقص" (٢)
وأما الغسانية: فقد ذكر البغدادي عن الغسانية، وهم أتباع غسان المرجئ أن من أقوالهم إن الإيمان يزيد ولا ينقص، ثم قال: "وزعم غسان هذا في كتابه أن قوله في هذا الكتاب كقول أبي حنيفة" (٣).
وأما النجارية: فلهم أصول باطلة جانبوا فيها الحق وفارقوه منها: قولهم إن الإيمان يزيد ولا ينقص، وقد حكى ذلك عنهم غير واحد ممن كتب في مقالات الفرق كالأشعري والإسفرايني والبغدادي وغيرهم (٤).
وأما الأباضيه: فقد ذكر أبو محمد عبد الله بن حميد السالمي من الأباضية في كتابه مشارق أنوار العقول: "الإيمان بالمعنى الشرعي الذي هو أداء الواجبات مطلقاً ليس ينقص نظراً إلى إيمان كل مؤمن، فإنه في ذاته غير
стр. 166
متفاوت بالنسبة إلى إيمان غيره" (١)
القول الثالث: قول من قال الإيمان لا يزيد ولا ينقص.
لقد قال بهذا القول طوائف كثيرة من أهل الكلام والإرجاء، والتجهم، وممن نسب له هذا القول:
أبو حنيفة وأصحابه:
لقد اشتهر عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى وغفر له أنه يقول بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، واستفاض هذا عنه، بحيث لا يدع مجالاً للشك أو التردد في نسبته إليه، ويمكن أن أبرز أهم الأسباب المؤكدة لصحة نسبة هذا القول إليه في النقاط التالية:
١ - إن عامة كتب الفرق والمقالات تنسب هذا القول إليه، كالمقالات لأبي الحسن الأشعري، والفَرْق بين الفِرَق للبغدادي، والمِلَلْ والنِحَلْ للشهرستاني، وغيرها (٢).
٢ - إن الكتب المؤلفة في العقيدة والمنسوبة إلى أبي حنيفة ﵀ تذكر هذا القول، كالفقه الأكبر، وكتاب العالم والمتعلم، والوسيطين الصغير والكبير والوصية ورسالته إلى البتي (٣).
стр. 167
وهذه الكتب إن لم يصح نسبتها جميعاً إليه، فلا بد أن يصح نسبة بعضها أو واحد منها على أقل تقدير إليه، وعلى كل إن لم يصح لا هذا ولا ذاك فإن هذه الكتب مطبوعة متداولة، وقد احتفى بها الأحناف شرحاً ونشراً ونقلاً، فهي عند عامتهم مسلم بما فيها، وقد شرح بعضها شروح مطولة عديدة، ونقل منها نقولٌ متكاثرة، واعتمد على ما فيها من عقائد (١).
وممن قال بهذا القول: الجهمية.
ومن مقولاتهم الفاسدة وآرائهم المنحرفة زعمهم أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص ولا يتفاضل أهله فيه.
قال الأشعري: "وزعمت الجهمية أن الإيمان لا يتبعض ولا يتفاضل أهله فيه" (٢).
وقال الشهرستاني: "قال أي الجهم: والإيمان لا يتبعض أي لا ينقسم إلى عقد وقول وعمل، قال: ولا يتفاضل أهله فيه، فإيمان الأنبياء وإيمان الأمة على نمط واحد، إذ المعارف لا تتفاضل " (٣).
وجهم وأتباعه إنما قالوا بهذا القول لأن الإيمان عندهم مجرد التصديق، فمن صدق بقلبه فهو عندهم مؤمن كامل الإيمان وإن تكلم بالكفر، وسب الله
стр. 168
ورسوله ﷺ وسخر بالدين، وأحل المحرمات، وفعل غير ذلك من الأمور التي هي كفر بواح.
والتصديق عندهم يتساوى فيه العباد، ولا يقبل الزيادة والنقصان فهو إما أن يعدم وإما أن يوجد، ولا يقبل التبعض، فإذا ذهب بعضه ذهب كله، ولا يتفاضل الناس فيه، فإيمان الملائكة والأنبياء والصديقين وإيمان فساق الأمة وأهل الخنا والفجور سواء (١).
وممن قال بهذا القول: الخوارج والمعتزلة:
ذهبت الخوارج والمعتزلة مذهب أهل السنة والجماعة في تعريف الإيمان من حيث إنه شامل للأعمال والأقوال والاعتقادات، إلا أنهم فارقوا أهل السنة والجماعة بقولهم إن الإيمان كل واحد لا يتجزأ إذا ذهب بعضه ذهب كله، وأنه لا يقبل التبعض.
ومن هنا كان الإخلال بالأعمال وارتكاب الكبائر عندهم مخرجاً من الإيمان كلية، على خلاف بينهم في تسميته كافراً، فالخوارج قطعوا بكفره، ونازعهم المعتزلة في الاسم وقالوا نحن لا نسميه مؤمناً ولا كافراً، وإنما هو في منزلة بين المنزلتين أي: بين منزلة الإيمان والكفر، وإن كانوا قد اتفقوا جميعاً أنه يوم القيامة خالد مخلد في نار جهنم (٢).
стр. 169
قال شيخ الإسلام: "قالت الخوارج والمعتزلة قد علمنا يقيناً أن الأعمال من الإيمان فمن تركها فقد ترك بعض الإيمان، وإذا زال بعضه زال جميعه؛ لأن الإيمان لا يتبعض ولا يكون في العبد إيمان ونفاق، فيكون أصحاب الذنوب مخلدين في النار إذ كان ليس معهم من الإيمان شيء" (١).
وأصل غلط هؤلاء ومنشأ ضلالهم كما قال شيخ الإسلام: "أنهم ظنوا أن الشخص الواحد لا يكون مستحقاً للثواب والعقاب والوعد والوعيد والحمد والذم، بل إما لهذا وإما لهذا فأحبطوا جميع حسناته بالكبيرة التي فعلها، وقالوا: "الإيمان هو الطاعة فيزول بزوال بعض الطاعة، ثم تنازعوا هل يخلفه الكفر على القولين ووافقتهم المرجئة والجهمية على أن الإيمان يزول كله بزوال شيء منه، وأنه لا يتبعض ولا يتفاضل فلا يزيد ولا ينقص وقالوا إن إيمان الفساق كإيمان الأنبياء والمؤمنين" (٢).
فهذه الشبهة هي التي أفسدت على هؤلاء قولهم، بل وعلى جميع المرجئة، كما قال شيخ الإسلام: "وإنما أوقع هؤلاء كلهم أي المرجئة بأقسامهم-ما أوقع الخوارج والمعتزلة في ظنهم أن الإيمان لا يتبعض بل إذا ذهب بعضه ذهب كله، ومذهب أهل السنة والجماعة أنه يتبعض وأنه ينقص ولا يزول جميعه" (٣).
стр. 170
وقال شيخ الإسلام: "وجماع شبهتهم في ذلك أن الحقيقة المركبة تزول بزوال بعض أجزائها كالعشرة فإنه إذا زال بعضها لم تبق عشرة، وكذلك الأجسام كالسكنجبين (١) إذا زال أحد جزئيه خرج عن كونه سكنجبين، قالوا فإذا كان الإيمان مركباً من أقوال وأعمال ظاهرة وباطنة لزم زواله بزوال بعضها" (٢).
وممن قال بهذا القول: الأشاعرة والماتريدية:
لقد ذهب جمهور الأشاعرة وجميع الماتريدية إلى أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، لشبه عقلية وأدلة نظرية، وذهب بعض الأشاعرة إلى أن الإيمان يزيد وينقص (٣).
قال الزبيدي: "وقال أبو حنيفة وأصحابه لا يزيد الإيمان ولا ينقص واختاره أبو منصور الماتريدي ومن الأشاعرة إمام الحرمين وجمع كثير" (٤).
وقال ابن أبي شريف الحنفي: "وهذا القول-أي أن الإيمان لا يزيد
стр. 171
ولا ينقص-اختاره من الأشاعرة أمام الحرمين وجمع كثير، وذهب عامتهم أي أكثر الأشاعرة إلى زيادته ونقصانه" (١).
وقال الفرهاري: "مذهب الإمام أبي حنيفة ﵀ والمتكلمين من أهل السنة أنه لا يزيد ولا ينقص" (٢).
فالماتريدية لهم قول واحد في المسألة وهو أن الإيمان غير قابل للزيادة والنقصان، وأما الأشاعرة فلهم في المسألة قولان: فجمهورهم على أنه لا يقبل الزيادة والنقصان، وذهب بعضهم إلى أنه يقبلهما، والأشاعرة يعرفون الإيمان بأنه التصديق وحده، فلا يدخل فيه القول والعمل، فبحثهم هنا هو في التصديق هل يقبل الزيادة والنقصان أو لا؟
فالذين قالوا لا يزيد ولا ينقص فبناء على أن الإيمان هو التصديق اليقيني الغير قابل للتفاوت، فإن نقص فنقصه شك وكفر، ولشبه أخرى.
ومن قال منهم يزيد وينقص فللقطع بأن تصديق آحاد الأمة ليس كتصديق النبي ﷺ ، واختاره النووي وعزاه التفتازاني في شرح العقائد لبعض المحققين وقال في المواقف إنه الحق (٣)
стр. 172
خامساً: ثمرة الخلاف في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه.
فمسائل الأسماء لها تناول معين لدى الفرق، ومسائل الأحكام لها تناول معين لدى الفرق، وهذه مسائل يطول شرحها لكن لعل ما أشرنا إليه يُبين ما مدى صفاء عقيدة أهل السنة وأن والإيمان عندهم قولٌ واعتقادٌ وعمل يزيد وينقص، زيادته بالطاعات ونقصانه بالمعاصي.
وزيادة الإيمان ونقصانه أمر يراه الإنسان من نفسه، فقد يكون حاله اليوم من الإيمان أحسن من حاله في الأمس، أو قد يكون حاله في الأمس أحسن من حاله في هذا اليوم، فالإيمان فيه زيادة ونقص، فيزيد إلى ما شاء الله، وينقص أحياناً حتى يزول هذا الإيمان ولا يبقى منه شيء، ويُصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافرا.
стр. 173
قال المصنف-﵀:
"ويخرج الرجل من الإيمان إلى الإسلام، [فإن تاب رجع إلى الإيمان] (١)، ولا يخرجه من الإسلام شيء إلا الشرك بالله العظيم أو يرد فريضة من فرائض الله- -جاحدًا بها، فإن تركها كسلا أو تهاونا، (٢) كان في مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه".
القول إن الإيمان يزيد وينقص في اعتقاد أهل السنة والجماعة، يترتب عليه بعض الأمور في مسائل الأحكام، فهذه المسألة مرتبطة بمسألتين:
الأولى: حكم مرتكب الكبيرة.
فالقول بزيادة الإيمان ونقصانه له تعلق بمسألة حكم مرتكب الكبيرة، فأهل السنة لا يرون تكفير مرتكب الكبيرة دون الشرك الأكبر، ويقولون إن صاحب الكبيرة مؤمن بإيمانه فاسق بمعصيته فلا يسلبون عنه اسم الإيمان بالكلية.
قال شيخُ الإسلام ابن تيمِيَّة ﵀: «وهم-أهل السُّنَّة-في باب الأسماء والأحكام والوَعْد والوَعِيد وسَطٌ بين الوَعِيدية الذين يَجعلون أهلَ الكبائر من
стр. 174
المسلمين مُخلَّدين في النار، ويُخرجونهم من الإيمان بالكُليَّة، ويُكذِّبون بشفاعة النَّبي ﷺ .
وبين المُرْجِئة الذين يقولون: إيمان الفُسَّاق مثل إيمان الأنبياء، والأعمال الصَّالحات ليست من الدِّين والإيمان، ويُكذِّبون بالوعيد والعِقاب بالكُليَّة.
فيُؤمِن أهل السُّنَّة والجَمَاعَة بأن فُسَّاق المسلمين معهم بعضُ الإيمان وأصلُه، وليس معهم جميعُ الإيمان الواجِب الذي يَستوجبون به الجنة، وأنهم لا يُخلَّدون في النار؛ بل يَخرج منها من كان في قلبه مِثقالُ حبَّة من إيمان أو مِثْقال خَرْدَلة من إيمان، وأن النَّبي ﷺ ادَّخَر شفاعَتهُ لأهل الكبائِر من أمَّته» (١).
فأهلُ السُّنَّة والجماعة لا يُوجِبون العذابَ في حقِّ كلِّ مَنْ أتى كبيرةً، ولا يَشهدون لمُسلم بعَيْنِه بالنار لأَجْلِ كبيرةٍ واحدة عَمِلَها، بل يجوزُ عندهم أن صاحِبَ الكبيرة يُدخِلُه اللهُ الجنةَ بلا عذابٍ؛ إما لحَسناتٍ تَمْحُو كبيرتَه منه أو من غيره، وإما لمَصائِبَ كفَّرَتْها عنه، وإما لدُعاءٍ مُستَجاب منه أو من غيره فيه، وإما لغير ذلك" (٢).
فهم بذلك قد توسطوا بين المفرطين من المرجئة الذين قالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وبين الوعيدية (الخوارج والمعتزلة)؛ فالخوارج يقولون: هو كافر في الدنيا، والمعتزلة يقولون: هو في منزلة بين
стр. 175
المنزلتين، ويتفقون على أنه في الآخرة خالد مخلد في النار.
"ولما كان ديدن أهل السنة هو السنة هو التمسك بكتاب الله ، وسنة رسوله ﷺ ، والقول بما دلَّا عليه وأَدَّيا إليه؛ فقد جاء قولهم في هذا الباب وسطًا بين إفراط الخوارج وأهل الاعتزال وتفريط أهل الإرجاء" (١).
فالإيمان عند المعتزلة والخوارج: قولٌ وعمل وعقيدة، ولكنه لا يزيد ولا ينقص، وعندهم أن الإنسان إذا ترك واجبًا؛ فإنه يكون خارجًا من الدين.
والمعتزلة لا يدخلونه في الكفر، والخوارج يدخلونه في الكفر ويخرجونه من الدين، أما المعتزلة فهم يقولون: هو في منزلة بين المنزلتين: لا مؤمن ولا كافر.
فالمعتزلةُ قالوا: إنَّ أصحابَ الكبائرِ لا مُسلمونَ ولا كفارَ، بل هم في منزلةٍ بينَ المَنزلتينِ، واتَّفقوا معَ الخوارجِ في الحكمِ الأُخرويِّ على صاحبِ الكبيرةِ: أنَّهُ مُخَلَّدٌ في النارِ.
وهذه أول بدعة ظهرت في الإسلام، وإنما أحدثوا هذا المُعتقد من سوء فهمهم للقرآن، فلم يقصدوا معارضته، لكن فهموا منه ما لم يدل عليه؛ فظنوا أنه يوجب تكفير أرباب الذنوب (٢).
стр. 176
وأما الإيمان عند المرجئة: فشيءٌ واحد لا يتفاوت، بل إيمان أفسق الناس مثل إيمان جبريل بلا فرق، وإيمان أهل السماء وأهل الأرض عندهم سواء، ولا يكون زائدًا ولا ناقصًا، وأخرجوا جميع الأعمال من الإيمان.
قال المصنف في «مَجموع الفَتاوى»: «تنازَع النَّاس في الأسماء والأحكام؛ أي: في أسماء الدِّين، مثل: مُسلِمٍ ومُؤمِنٍ وكافِرٍ وفاسِقٍ، وفي أحكام هؤلاء في الدُّنيا والآخرة، فالمُعتَزِلة وافَقوا الخَوارِجَ على حُكْمِهم في الآخِرَة دون الدُّنيا؛ فلم يَستَحِلُّوا مِنْ دمائِهم وأموالهم ما استَحَلَّتْهُ الخوارجُ، وفي الأسماء أحدَثوا المَنزِلةَ بين المَنْزِلتينِ، وهذه خاصَّة المُعتَزِلة التي انفَردوا بها، وسائِرُ أقوالهم قد شارَكهم فيها غيرُهم» (١).
وَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الإِيمَانَ وَالدِّينَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ.
فجاء اعتقاد أهل السنة والجماعة وسط بين هؤلاء وهؤلاء؛ فالإيمان عندهم قول وعمل واعتقاد، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية؛ فتوسطوا بذلك بين المرجئة الذين أخرجوا العمل عن مسمى الإيمان، والخوارج والمعتزلة الذين أنكروا زيادة الإيمان ونقصانه.
فهم وَسَطٌ بينَ الخوارجِ والمُعتزلةِ، وبينَ المُرجئةِ والجهميَّةِ.
«وأهلُ السُّنَّةِ نَقاوةُ المسلمين، فهم خير الناس للناس» (٢)، وأسعدُ النَّاسِ
стр. 177
بالحقِّ وأرحمهم بالخلق؛ فإنَّهم لم يُكَفِّروا أهلَ القِبْلَةِ بارتكابِ الكبائرِ، وإنَّما قالوا: مرتكب الكبيرة مؤمنٌ ناقصُ الإيمانِ، فهوَ مؤمنٌ بإيمانِهِ وفاسقٌ بمعصيتِهِ؛ فلم يُعطوهُ الإيمانَ المطلقَ، ولم يسلبوهُ مطلقَ الإيمانِ، ولم يَحكموا على الفاسقِ بأنَّهُ مُخَلَّدٌ في النارِ يومَ القيامةِ، بل قالوا: إنَّ مُرتكبي الكبائرِ من أهلِ القِبْلَةِ في مشيئةِ اللهِ يومَ القيامةِ؛ إن شاءَ عَفَا عنهم وأدخلَهُم الجنَّةَ بلا عذابٍ، وإن شاءَ عذَّبَهُم على قَدْرِ ذنوبِهِم، ثمَّ أدخلهمُ الجنَّةَ؛ كما قالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].
ومِن المعلوم: أنَّ أهل السنة يرون أن الإيمان قول وعمل؛ قول القلب وقول اللسان، وعمل القلب وعمل اللسان، وعمل الجوارح، ويريدون بقول القلب: التصديق الذي هو العلم.
والعقيدة يُراد بها الباطن، والباطن في أصله هو مجموع الأمرين؛ أي: مجموع الفِكر والنَّظر الذي يكون في العقل، ومجموع الإرادة والعمل الذي يكون في الصَّدر، فلا بد للقلب من واجبين هما: (جانب العلم، وجانب العمل)، ففي باب الإيمان لا بد من العلم بالله، وهذا قول القلب. ولا بد من عمل القلب الذي هو (الإقرار والانقياد)، ومن ذلك: الحُب والرَّجاء والخوف والتقوى والإنابة …
وكالإيمان بكتاب الله؛ فهو إمَّا أخبار وإما أوامر، فالأخبار حقُّها التصديق، والأوامر حقُّها العمل.
стр. 178
وعليه لكي نكون مؤمنين بالله: أن نكون مُصَدِّقين أوَّلًا بما أخبر، ثم مُتَّبعين لما أَمَرَ .
ونجمع بين قول القلب الذي هو العِلم، وقول اللسان الذي هو النُّطق بالشهادتين.
وقد تعارف العلماء على أن المقصود بقول اللسان: هو النطق بالشَّهادتين، كما قال رسولنا ﷺ : «أُمِرْتُ أن أُقاتل الناسَ حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمَن قال: لا إله إلا الله، فقد عَصم مِنِّي نفسَه ومالَه إلا بحقِّه، وحسابُه على الله» (١).
وعمل القلب: هو الأعمال القلبية التي مجموعها (الإقرار والانقياد)، ومن ذلك الحب والخوف والرجاء والإنابة والتقوى …
وعمل اللسان: الطاعات اللسانية من ذِكر الله وقراءة القرآن والدعوة إلى الله ونحو ذلك.
وعمل الجوارح: هو المعلوم من أركان الإسلام من صلاة وصيام وحج وسائر الطاعات التي تكون متعلقة بالبدن.
ثم أهل السنة يَرون أن الإيمانَ يَزيد وينقص؛ فقد قال ﷺ : «الإيمانُ بِضْعٌ وسَبعون-أو بِضع وستون-شُعبة، فأفضلها قول: لا إله إلا الله،
стр. 179
وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شُعبة من الإيمان» (١).
فعلى هذا فإن كلَّ الطاعات تُسَمَّى إيمانًا؛ فالصلاة تسمى إيمانًا؛ فعن البراء ?: «أنَّ رسول الله ﷺ صَلَّى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا، وكان يُعجبه أن تكون قِبلته قِبَلَ البيت، وأنَّه صَلَّى، أو صلاها، صلاة العصر وصلى معه قوم، فخرج رجلٌ ممن كان صلى معه فمَرَّ على أهل المسجد وهم راكعون، قال: أشهد بالله، لقد صَلَّيْتُ مع النبي ﷺ قِبَلَ مَكَّة؛ فَدَاروا كما هُمْ قِبَلَ البيت، وكان الذي مات على القبلة قبل أن تُحَوَّل قِبَلَ البيت رجالٌ قُتِلوا، لَم نَدْرِ ما نقول فيهم؛ فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣]» (٢).
قال الإمام مالك ﵀: «أهل الذنوب مُؤمنون مُذنبون وقد سَمَّى الله تعالى العمل إيمانًا، وقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ يريد صلاتَكم إلى بيت المقدس» (٣).
والوضوء يسمى إيمانًا؛ ففي الحديث: «الطُّهورُ شَطْرُ الإيمان» (٤)، أي: نصف الإيمان؛ لأنه نصف الصلاة.
وهكذا، فكل الطاعات تسمى إيمانًا.
стр. 180
والإيمانُ شُعَبٌ، كما سبق في الحديث، ومِن شُعب الإيمان ما لو زالت لزال الإيمان؛ فمثلًا (لا إله إلا الله) لو زالت لزال إيمان العبد.
وهناك شُعبة لو زالت لما زال الإيمان؛ كإماطة الأذى، فإن لم يفعل العبد ذلك ما زال إيمانُه، ولكن قد يكون هذا نقصًا في الإيمان، فعلى هذا قال ﷺ : «أدناها»، و «أعلاها»، فهي شُعَبٌ متفاوتة، وبقدر التزام العبد بتلك الطاعات يكون ذلك سببًا في زيادة إيمانه، والعكس بالعكس.
وفي المُقابل فالكفر شُعَبٌ، وكل المعاصي تسمى كفرًا، وإن كان هناك كفر دون كفر، إلا أن كل معصية فهي شُعبة من شعب الكفر.
فأهل السنة يَفترقون عن غيرهم بمسائل مهمة؛ ومنها: أن الإيمان يزيد وينقص؛ يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
ومن الأدلة على زيادة الإيمان: قوله : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]، وقوله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧].
ومن الأدلة على نُقصان الإيمان: عن أبي سعيد الخدري ?، قال: «خرج رسول الله ﷺ في أضحى أو فطر إلى المصلى، فمر على النساء، فقال: «يا معشر النساء تَصَدَّقن؛ فإني أُريتكن أكثر أهل النار». فقلن: وبم يا رسول الله؟ قال: «تُكثرن اللعن، وتَكفرن العَشير، ما رأيتُ مِنْ ناقصات عقل ودين أذهبَ لِلُبِّ الرجل الحازم مِنْ إحداكن»، قلن: وما نُقصان ديننا وعقلنا