← Акыда

Акыда · id 30121

القول المسدد في شرح رسالة الإمام أحمد

محمد بن خليفة التميمي

Полный текст (704 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وأما الإيمان عند المرجئة: فشيءٌ واحد لا يتفاوت، بل إيمان أفسق الناس مثل إيمان جبريل بلا فرق، وإيمان أهل السماء وأهل الأرض عندهم سواء، ولا يكون زائدًا ولا ناقصًا، وأخرجوا جميع الأعمال من الإيمان. قال المصنف في «مَجموع الفَتاوى»: «تنازَع النَّاس في الأسماء والأحكام؛ أي: في أسماء الدِّين، مثل: مُسلِمٍ ومُؤمِنٍ وكافِرٍ وفاسِقٍ، وفي أحكام هؤلاء في الدُّنيا والآخرة، فالمُعتَزِلة وافَقوا الخَوارِجَ على حُكْمِهم في الآخِرَة دون الدُّنيا؛ فلم يَستَحِلُّوا مِنْ دمائِهم وأموالهم ما استَحَلَّتْهُ الخوارجُ، وفي الأسماء أحدَثوا المَنزِلةَ بين المَنْزِلتينِ، وهذه خاصَّة المُعتَزِلة التي انفَردوا بها، وسائِرُ أقوالهم قد شارَكهم فيها غيرُهم» (١). وَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الإِيمَانَ وَالدِّينَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ. فجاء اعتقاد أهل السنة والجماعة وسط بين هؤلاء وهؤلاء؛ فالإيمان عندهم قول وعمل واعتقاد، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية؛ فتوسطوا بذلك بين المرجئة الذين أخرجوا العمل عن مسمى الإيمان، والخوارج والمعتزلة الذين أنكروا زيادة الإيمان ونقصانه. فهم وَسَطٌ بينَ الخوارجِ والمُعتزلةِ، وبينَ المُرجئةِ والجهميَّةِ. «وأهلُ السُّنَّةِ نَقاوةُ المسلمين، فهم خير الناس للناس» (٢)، وأسعدُ النَّاسِ

стр. 177

بالحقِّ وأرحمهم بالخلق؛ فإنَّهم لم يُكَفِّروا أهلَ القِبْلَةِ بارتكابِ الكبائرِ، وإنَّما قالوا: مرتكب الكبيرة مؤمنٌ ناقصُ الإيمانِ، فهوَ مؤمنٌ بإيمانِهِ وفاسقٌ بمعصيتِهِ؛ فلم يُعطوهُ الإيمانَ المطلقَ، ولم يسلبوهُ مطلقَ الإيمانِ، ولم يَحكموا على الفاسقِ بأنَّهُ مُخَلَّدٌ في النارِ يومَ القيامةِ، بل قالوا: إنَّ مُرتكبي الكبائرِ من أهلِ القِبْلَةِ في مشيئةِ اللهِ يومَ القيامةِ؛ إن شاءَ عَفَا عنهم وأدخلَهُم الجنَّةَ بلا عذابٍ، وإن شاءَ عذَّبَهُم على قَدْرِ ذنوبِهِم، ثمَّ أدخلهمُ الجنَّةَ؛ كما قالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. ومِن المعلوم: أنَّ أهل السنة يرون أن الإيمان قول وعمل؛ قول القلب وقول اللسان، وعمل القلب وعمل اللسان، وعمل الجوارح، ويريدون بقول القلب: التصديق الذي هو العلم. والعقيدة يُراد بها الباطن، والباطن في أصله هو مجموع الأمرين؛ أي: مجموع الفِكر والنَّظر الذي يكون في العقل، ومجموع الإرادة والعمل الذي يكون في الصَّدر، فلا بد للقلب من واجبين هما: (جانب العلم، وجانب العمل)، ففي باب الإيمان لا بد من العلم بالله، وهذا قول القلب. ولا بد من عمل القلب الذي هو (الإقرار والانقياد)، ومن ذلك: الحُب والرَّجاء والخوف والتقوى والإنابة … وكالإيمان بكتاب الله؛ فهو إمَّا أخبار وإما أوامر، فالأخبار حقُّها التصديق، والأوامر حقُّها العمل.

стр. 178

وعليه لكي نكون مؤمنين بالله: أن نكون مُصَدِّقين أوَّلًا بما أخبر، ثم مُتَّبعين لما أَمَرَ . ونجمع بين قول القلب الذي هو العِلم، وقول اللسان الذي هو النُّطق بالشهادتين. وقد تعارف العلماء على أن المقصود بقول اللسان: هو النطق بالشَّهادتين، كما قال رسولنا ﷺ : «أُمِرْتُ أن أُقاتل الناسَ حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمَن قال: لا إله إلا الله، فقد عَصم مِنِّي نفسَه ومالَه إلا بحقِّه، وحسابُه على الله» (١). وعمل القلب: هو الأعمال القلبية التي مجموعها (الإقرار والانقياد)، ومن ذلك الحب والخوف والرجاء والإنابة والتقوى … وعمل اللسان: الطاعات اللسانية من ذِكر الله وقراءة القرآن والدعوة إلى الله ونحو ذلك. وعمل الجوارح: هو المعلوم من أركان الإسلام من صلاة وصيام وحج وسائر الطاعات التي تكون متعلقة بالبدن. ثم أهل السنة يَرون أن الإيمانَ يَزيد وينقص؛ فقد قال ﷺ : «الإيمانُ بِضْعٌ وسَبعون-أو بِضع وستون-شُعبة، فأفضلها قول: لا إله إلا الله،

стр. 179

وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شُعبة من الإيمان» (١). فعلى هذا فإن كلَّ الطاعات تُسَمَّى إيمانًا؛ فالصلاة تسمى إيمانًا؛ فعن البراء ?: «أنَّ رسول الله ﷺ صَلَّى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا، وكان يُعجبه أن تكون قِبلته قِبَلَ البيت، وأنَّه صَلَّى، أو صلاها، صلاة العصر وصلى معه قوم، فخرج رجلٌ ممن كان صلى معه فمَرَّ على أهل المسجد وهم راكعون، قال: أشهد بالله، لقد صَلَّيْتُ مع النبي ﷺ قِبَلَ مَكَّة؛ فَدَاروا كما هُمْ قِبَلَ البيت، وكان الذي مات على القبلة قبل أن تُحَوَّل قِبَلَ البيت رجالٌ قُتِلوا، لَم نَدْرِ ما نقول فيهم؛ فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣]» (٢). قال الإمام مالك ﵀: «أهل الذنوب مُؤمنون مُذنبون وقد سَمَّى الله تعالى العمل إيمانًا، وقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ يريد صلاتَكم إلى بيت المقدس» (٣). والوضوء يسمى إيمانًا؛ ففي الحديث: «الطُّهورُ شَطْرُ الإيمان» (٤)، أي: نصف الإيمان؛ لأنه نصف الصلاة. وهكذا، فكل الطاعات تسمى إيمانًا.

стр. 180

والإيمانُ شُعَبٌ، كما سبق في الحديث، ومِن شُعب الإيمان ما لو زالت لزال الإيمان؛ فمثلًا (لا إله إلا الله) لو زالت لزال إيمان العبد. وهناك شُعبة لو زالت لما زال الإيمان؛ كإماطة الأذى، فإن لم يفعل العبد ذلك ما زال إيمانُه، ولكن قد يكون هذا نقصًا في الإيمان، فعلى هذا قال ﷺ : «أدناها»، و «أعلاها»، فهي شُعَبٌ متفاوتة، وبقدر التزام العبد بتلك الطاعات يكون ذلك سببًا في زيادة إيمانه، والعكس بالعكس. وفي المُقابل فالكفر شُعَبٌ، وكل المعاصي تسمى كفرًا، وإن كان هناك كفر دون كفر، إلا أن كل معصية فهي شُعبة من شعب الكفر. فأهل السنة يَفترقون عن غيرهم بمسائل مهمة؛ ومنها: أن الإيمان يزيد وينقص؛ يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. ومن الأدلة على زيادة الإيمان: قوله : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]، وقوله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧]. ومن الأدلة على نُقصان الإيمان: عن أبي سعيد الخدري ?، قال: «خرج رسول الله ﷺ في أضحى أو فطر إلى المصلى، فمر على النساء، فقال: «يا معشر النساء تَصَدَّقن؛ فإني أُريتكن أكثر أهل النار». فقلن: وبم يا رسول الله؟ قال: «تُكثرن اللعن، وتَكفرن العَشير، ما رأيتُ مِنْ ناقصات عقل ودين أذهبَ لِلُبِّ الرجل الحازم مِنْ إحداكن»، قلن: وما نُقصان ديننا وعقلنا

стр. 181

يا رسول الله؟ قال: «أَليس شهادة المرأة مِثل نِصف شهادة الرجل». قلن: بلى، قال: «فذلك من نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تُصَلِّ ولم تَصُمْ؟». قلن: بلى، قال: «فذلك مِنْ نقصان دينها» (١). فبَيَّن النبيُّ ﷺ أن النقصان يقع في الدين (الإيمان)، كما يقع في العقل. ثم أهلُ السنة يستثنون في الإيمان؛ لأن الإيمان هو فِعل كل الواجبات ولا يَدَّعي إنسان أنه قد فعل كلَّ الواجبات، فلا يُزَكِّي نفسه، فيصح إذًا الاستثناء في الإيمان لا على سبيل الشك، وإنما على سبيل عدم تزكية النفس، فيقول: أنا مؤمن إن شاء الله. وكذلك يَرى أهلُ السنة أن العبد قد يجتمع فيه إيمان وكفر، وقد يجتمع فيه إيمان ونفاق، وإن كان هناك كفر دون كفر ونفاق دون نفاق. فتجد الرجل يصلي ويصوم وقد يكذب ويسرق، فهذا إن دلَّ فإنما يدل على أنه قد يجتمع فيه الإيمان وشُعبة من شُعَب الكفر؛ لذا تراه على جملة من الطاعات وكذلك يكون متلبسًا بجملة من المعاصي، فيجتمع فيه الإيمان والكفر غير المخرج من الملة (أي: كفر دون كفر). ولذلك كان الصَّحابة يخشون على أنفسهم النفاق؛ فعمر-﵁-يسأل حذيفة-﵁-وهو أمين سِرِّ رسول الله ﷺ : «أَنْشُدُكَ اللهَ، هل سَمَّانِي

стр. 182

لك رَسُولُ اللهِ. يعني في المنافقين! فيقول: لا، ولا أزَكِّي بعدك أحدًا» (١). فالنفاق على نوعين: أكبر وأصغر. فالأكبر: هو الكفر التام الذي يُبطنه صاحبه. والأصغر بأن يكون في قلب صاحبه مادة إيمان ومادة كفر؛ وعلى حسب قُربه من أحدهما يُختم له به؛ نسأل الله العافية من الكفر والنفاق، ونسأله الوفاة على الإيمان! والمسألة الثانية: مسألة مراتب الدين. فقد ثَبت فِي «الصَّحِيح» أَنَّ جِبْرِيل لما جَاءَ إِلَى النَّبِي ﷺ فِي صُورَة أَعْرَابِي وسَأَلَهُ عَنْ الإِسْلَام قَالَ: «الإِسْلَامُ: أَنْ تشهد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا الله وأَن مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وتقيمَ الصَّلَاةَ، وتؤتي الزَّكَاة، وتصوم رَمَضَانَ، وتحجَّ البَيْتَ إِنْ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلا». قَالَ: فَمَا الإِيمَان؟ قَالَ: «أَنْ تؤمن بِاللَّه ومَلَائِكَته وكُتُبه ورُسُله والبَعث بعد المَوْتِ، وتؤمن بِالقدرِ؛ خَيره وشره». قَالَ: فَمَا الإِحْسَان؟ قَالَ: «أَنْ تعبدَ الله كَأَنَّك ترَاهُ، فَإِنْ لم تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك»، ثمَّ قَالَ فِي آخر الحَدِيث: «هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَكُم يُعَلِّمُكم دينَكُمْ»، فَجعل هَذَا كُلَّه مِنْ الدَّين». فحديث جبريل هذا تَضَمَّن مراتبَ الدِّين، وهي: (الإسلام، والإيمان، والإحسان)، وفيه خص النبي ﷺ الإسلام بالأمور الظاهرة، وخَصَّ الإيمان بالأمور الباطنة، وجعل الإحسانَ مجموعَ الأمرين؛ لأن الإحسان في

стр. 183

اللغة: الإتقان، والمراد هنا: إتقان الظاهر والباطن. والإسلام يطلق أحيانًا ويُراد به جميع الدِّين، كما في قوله تعالى: ﴿إنَّ الدين عند الله الإسلام﴾ [آل عمران: ١٩]، ويُطلق تارة ويُراد به الأمور الظاهرة، كما في هذا الحديث حيث قال: «الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله … »، إلخ. والإيمان كذلك يُطلق ويراد به جميع الدِّين، كما في حديث: «الإيمانُ بِضْعٌ وسَبعون شُعبة … »، ويُطلق الإيمان ويراد به: الأمور الباطنة، كما هنا في حديث جبريل حيث قال ﷺ : «الإيمان: أن تُؤمن بالله وملائكته وكُتُبه ورسله … ». فلفظ الإسلام والإيمان إذا ذُكِرا معًا افترقا؛ فصار للإسلام معنى خاص، وللإيمان معنى خاص، كما هنا في حديث جبريل ﵇؛ فالإسلام خاص بالأعمال الظاهرة، والإيمان خاص بما يتعلق بأعمال القلوب. أما إذا ذُكِر الإسلام وحده أو الإيمان وحده؛ فإنَّ أحدهما يدخل في الآخر؛ لهذا يقول أهل العلم: «إنَّهما إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا»؛ فالإيمان عند أهل السنة والجماعة: هو عملٌ بالأركان، وقول باللسان، وتصديق بالجَنان، ويدخل فيه الإسلام؛ يكون قولًا باللسان وعملًا بالأركان وتصديقًا بالجنان؛ إذا ذكر وحده" (١).

стр. 184

ففيما يتعلق بدخول الإنسان إلى هذا الدين متى ينتقل في مراتب الدين؛ لأن مراتب الدين ثلاثة: الإسلام، الإيمان، الإحسان، فهي عبارة عن ثلاث دوائر أول دائرة فيه هي الإسلام، ثم هناك دائرة أضيق منها هي الإيمان، ويعني هذا الضيق أن من هو مؤمن هو مسلم، ولكن ليس بالضرورة من كان مسلماً أن يكون مؤمنا، ثم تأتي الدائرة الأضيق هي دائرة الإحسان؛ لأن الإحسان فحواه ومعناه أن تُتقن الظاهر والباطن، فعندما أقول أحسنت بمعنى أتقنت فالإحسان إتقان الظاهر والباطن، فإذا أُتقن الظاهر والباطن فهذه مرتبة عليا، فكل مسلم مؤمن مسلم، ولكن ليس كل مؤمن محسن، قد يكون محسن وقد لا يكون محسنا، فهذه عقيدة أهل السنة والجماعة في هذه المسألة. كما أنه مرتبط بتفاضل الناس في إيمانهم وتفاضل درجاتهم في الآخرة إلى غير ذلك من المسائل ذات الصلة. وقول المصنف: "فإن تركها كسلا أو تهاونا كان في مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه". قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: "الإيمان مركب، من قول وعمل، والقول قسمان: قول القلب، وهو: اعتقاده; وقول اللسان، وهو: التكلم بكلمة الإسلام; والعمل قسمان: عمل القلب، وهو: قصده، واختياره، ومحبته، ورضاه، وتصديقه; وعمل الجوارح، كالصلاة، والزكاة، والحج، والجهاد، ونحو ذلك من الأعمال الظاهرة؛ فإذا زال تصديق القلب، ورضاه، ومحبته لله، وصدقه، زال الإيمان بالكلية; وإذا زال شيء من

стр. 185

الأعمال، كالصلاة، والحج، والجهاد، مع بقاء تصديق القلب، وقبوله، فهذا محل خلاف، هل يزول الإيمان بالكلية، إذا ترك أحد الأركان الإسلامية، كالصلاة، والحج، والزكاة، والصيام، أو لا يزول؟ وهل يكفر تاركه أو لا يكفر؟ وهل يفرق بين الصلاة، وغيرها، أو لا يفرق؟ فأهل السنة مجمعون على أنه لا بد من عمل القلب، الذي هو: محبته، ورضاه، وانقياده؛ والمرجئة، تقول: يكفي التصديق فقط، ويكون به مؤمنا; والخلاف، في أعمال الجوارح، هل يكفر، أو لا يكفر؟ واقع بين أهل السنة؛ والمعروف عند السلف: تكفير من ترك أحد المباني الإسلامية، كالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج. والقول الثاني: أنه لا يكفر إلا من جحدها. والثالث: الفرق بين الصلاة، وغيرها. وهذه الأقوال، معروفة. وكذلك المعاصي والذنوب، التي هي فعل المحظورات، فرقوا فيها: بين ما يصادم أصل الإسلام، وينافيه، وما دون ذلك؛ وبين ما سماه الشارع كفرا، وما لم يسمه؛ هذا ما عليه أهل الأثر، المتمسكون بسنة رسول الله ﷺ وأدلة هذا مبسوطة في أماكنها". (١) وتعد الصلاة من أهم العبادات وأوجبها وأفرضها ومسألة ترك الصلاة

стр. 186

لها أحوال بينها العلماء ومن تلك الأحوال: من ترك الصلاة متعمدًا حتى خرج وقتها فهذه الصورة من صور الترك وردت في السنة والآثار ما يبين حكمها ومن ذلك: • قوله ﷺ "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر" (١) • وفي المسند: " من ترك الصلاة متعمداً فقد برئت منه الذمة" (٢) • وقوله: "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة" (٣) • وقال عمر بن الخطاب-﵁ -يقول: "لاحظ في الإسلام لمن ترك الصلاة " (٤) • وقال عبد الله بن شقيق يقول: "كان أصحاب رسول الله ﷺ -لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة " (٥).

стр. 187

وهذا القول قال به جملة من العلماء من عصر الصحابة إلى يومنا هذا ومن النقول الواردة في ذلك: قال أبو محمد بن حزم: "وقد جاء عن عمر، ومعاذ، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاذ بن جبل، وأبي هريرة، وغيرهم من الصحابة-﵃-أن من ترك صلاة فرض واحدةً متعمداً حتى يخرج وقتها فهو كافر مرتد (١) " (٢). وقال الحافظ المنذري: "وقد ذهب جماعة من الصحابة ومن بعدهم إلى تكفير من ترك الصلاة متعمداً لتركها حتى يخرج جميع وقتها، منهم عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، ومعاذ بن جبل، وجابر بن عبد الله، وأبو الدرداء-﵃، ومن غير الصحابة أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعبد الله ابن المبارك، والنخعي، والحكم بن عتيبة، وأيوب السختياني، وأبو داود الطيالسي، وأبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وغيرهم ﵀" (٣) أ. هـ. قال ابن رجب: "ظاهر كلام أحمد وغيره من الأئمة الذين يرون كفر تارك الصلاة: أن من تركها كفر بخروج الوقت عليه، ولم يعتبروا أن يستتاب، ولا أن يُدعى إليها وعليه يدل كلام المتقدمين من أصحابنا، لقوله ﷺ : "بين

стр. 188

الرجل وبين الكفر ترك الصلاة (١) ". واختاره كفره أيضاً: ابن حبيب من المالكية، والعز بن عبد السلام من الشافعية (٢)، وغيرهم. ولفيف من أئمة الدعوة السلفية المباركة (٣)، ومن آخرهم العلامة الجليل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ (٤)، والشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين (٤)، والشيخ عبد الرزاق عفيفي، والشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين، والشيخ عبد الله بن غديان، والشيخ عبد الله بن قعود (٥)، وغيرهم كثير (٦). بل أفتى العلماء بأنَّ من أخر الصلاة وفوَّتَها عن وقتها الذي أمر الله بإيقاعها فيه عمدًا لم يقبلها الله منه بعد خروج وقتها، ولا تصح منه، ولا تبرأ ذمته منها. وقال ابن حزم: "من تعمَّد ترك الصَّلاة حتى خرج وقتها، فهذا لا يقدر على قضائها أبدًا، فليكثر من فعل الخير وصلاة التطوُّع؛ ليثقل ميزانه يوم القيامة، ولْيَتُب وليستغفر الله ". (٧)

стр. 189

وقال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: "تارك الصلاة عمدًا لا يشرع له قضاؤها، ولا تصحُّ منه، بل يكثر من التطوُّع، وكذا الصوم، وهو قول طائفة من السَّلف؛ كأبي عبد الرحمن صاحب الشافعي، وداود وأتباعه، وليس في الأدلة ما يُخالف هذا بل يوافقه". (١) وقال ابن رجب: "المعذور إنَّما أمره بالقضاء؛ لأنَّه جعل قضاءه كفَّارة له، والعامد ليس القضاء كفَّارة له؛ فإنه عاصٍ تلزمه التوبة من ذنبه بالاتِّفاق … والعامد لم يأتِ نصٌّ بأن القضاء كفَّارة له، بل ولا يدل عليه النظر؛ لأنَّه عاصٍ آثم يَحتاج إلى توبة، كقاتل العمد، وحالف اليمين الغموس … وقد نص الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله: على أن المصلي لغير الوقت كالتارك للصلاة في استتابته وقتله، فكيف يؤمر بفعل صلاة حكمها حكم ترك الصلاة؟ … ولا يُعرف عن أحد من الصَّحابة في وجوب القضاء على العامد شيء، بل ولم أجد صريحًا عن التابعين-أيضًا-فيه شيئًا، إلا عن النخعي، وقد وردت آثارٌ كثيرة عن السَّلف في تارك الصلاة عمدًا أنَّه لا تقبل منه صلاة، كما رُوي عن الصديق ﵁". (٢) قال ابن القيِّم ﵀ في مقرِّرًا لهذه المسألة: "ما وقته أوسع من فعله كالصلاة فِعْلُه في وَقْته شرطٌ في كَوْنه عبادة مأمورًا بها، فإنَّه إنَّما أمر به على هذه الصِّفة، فلا تكون عبادة على غيرها … فما أَمَر الله به في الوقت، فتَرْكُه

стр. 190

المأمورَ حتَّى فات وقته لم يُمكن فعله بعدَ الوقت شرعًا؛ ولهذا لا يُمكن فعل الجُمُعة بعد خروج وَقْتها، ولا الوقوف بعرفة بعد وقته … ولا مشروع إلاَّ ما شرعه الله ورسوله، وهو سبحانه ما شرع فِعْلَ الصلاة والصِّيام والحج إلاَّ في أوقات مُختصة به، فإذا فاتت تلك الأوقات لم تكن مشروعة، ولم يشرع الله سبحانه فعل الجمعة يوم السبت، ولا الوقوف بعرفة في اليوم العاشر، ولا الحج في غير أشهره. ومن أخَّر صلاة النهار، فصلاَّها بالليل أو صلاة الليل، فصلاَّها بالنَّهار، فهذا الذي فعله غير الذي أمر به وغير ما شرعه الله ورسوله، فلا يكون صحيحًا ولا مقبولاً … والله سبحانه قد جعل لكلِّ صلاة وقتًا محدودَ الأول والآخر، ولم يأذن في فعلها قبل دخول وقتها، ولا بعد خُرُوج وقتها، والمفعول قبل الوقت وبعده أمرٌ غير المشروع، فلو كان الوقت ليس شرطًا في صِحَّتها، لكان لا فرق في الصِّحة بين فعلها قبل الوقت وبعده؛ لأنَّ كلتا الصَّلاتين صلاَّها في غير وقتها، فكيف قبلت من هذا المفرِّط بالتفويت، ولم تقبل من المفرط بالتعجيل؟! وقد أمر الله سبحانه المسلمين حال مواجهة عدوِّهم أن يصلوا صلاةَ الخوف، فيقصروا من أركانها، ويفعلوا فيها الأفعالَ الكثيرة، ويستدبروا فيها القبلة، ويسلمون قبل الإمام، بل يصلُّون رجالاً وركبانًا، حتَّى لو لم يُمكنهم إلا الإيماء، أَتَوا بها على دوابِّهم إلى غير القبلة في وقتها، ولو قبلت منهم في غير وقتها وصحَّت، لجاز لهم تأخيرها إلى وقت الأمن وإمكان الإتيان بها، وهذا

стр. 191

يدل على أنَّها بعد خروج وقتها لا تكون جائزة ولا مقبولة منهم مع العُذر الذي أصابهم في سبيله وجهاد أعدائه، فكيف تقبل من صحيحٍ مقيمٍ لا عذر له الْبَتَّةَ وهو يسمع داعيَ الله جهرة، فيدعها حتى يخرج وقتها، ثم يصليها في غير الوقت؟! وكذلك لم يفسح في تأخيرها عن وقتها للمريض، بل أمره أنْ يصلي على جنبه بغير قيام ولا ركوع ولا سجود إذا عَجَز عن ذلك، ولو كانت تقبل منه وتصح في غير وقتها، لجاز تأخيرها إلى زمن الصِّحَّة. فأخبرونا: أيُّ كتابٍ أو سنة أو أَثَرٍ عن صاحب نطق بأنَّ من أخر الصلاة وفوَّتَها عن وقتها الذي أمر الله بإيقاعها فيه عمدًا يقبلها الله منه بعد خروج وقتها، وتصح منه، وتبرأ ذمته منها، ويثاب عليها ثواب من أدَّى فريضته؟! هذا والله ما لا سبيلَ لكم إليه البتة، حتَّى تقوم الساعة ونحن نُوجِد لكم عن أصحاب رسول الله مثل ما قلناه وخلاف قولكم. فصل: في قول أبي بكر الصديق الذي لم يُعلَم أن أحدًا من الصحابة أنكره عليه؛ قال عبد الله بن المبارك: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن زيد: أن أبا بكر قال لعمر بن الخطاب: إنِّي موصيك بوصية إنْ حفظتها: إنَّ لله حقًّا بالنهار لا يقبله باللَّيل، وحقًّا بالليل لا يقبله بالنَّهار … فهذا أبو بكر قال: إنَّ الله لا يقبل عَمَل النهار بالليل، ولا عمل الليل بالنَّهار، ومن يُخالفنا بهذه المسألة يقولون بخلاف هذا صريحًا، وأنَّه يقبل صلاةَ العشاءِ الآخرة وقت الهاجرة، ويقبل صلاةَ العصر نصف النَّهار … فهذا قول أبي بكر،

стр. 192

وعمر، وابنه عبد الله، وسعد بن أبي وقاص، وسلمان الفارسي، وعبد الله بن مسعود، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وبديل العقيلي، ومحمد بن سيرين، ومطرف بن عبد الله، وعمر بن عبد العزيز ﵃ وغيره" (١). قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: "تارك الصلاة عمدًا لا يشرع له قضاؤها، ولا تصحُّ منه، بل يكثر من التطوُّع، وكذا الصوم، وهو قول طائفة من السَّلف؛ كأبي عبد الرحمن صاحب الشافعي، وداود وأتباعه، وليس في الأدلة ما يُخالف هذا بل يوافقه". (٢) وقال ابن حزم: "من تعمَّد ترك الصَّلاة حتى خرج وقتها، فهذا لا يقدر على قضائها أبدًا، فليكثر من فعل الخير وصلاة التطوُّع؛ ليثقل ميزانه يوم القيامة، ولْيَتُب وليستغفر الله ". (٣) وقال ابن رجب: "المعذور إنَّما أمره بالقضاء؛ لأنَّه جعل قضاءه كفَّارة له، والعامد ليس القضاء كفَّارة له؛ فإنه عاصٍ تلزمه التوبة من ذنبه بالاتِّفاق … والعامد لم يأتِ نصٌّ بأن القضاء كفَّارة له، بل ولا يدل عليه النظر؛ لأنَّه عاصٍ آثم يَحتاج إلى توبة، كقاتل العمد، وحالف اليمين الغموس … وقد نص الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله: على أن المصلي لغير الوقت كالتارك للصلاة في استتابته وقتله، فكيف يؤمر بفعل صلاة حكمها حكم ترك الصلاة؟ …

стр. 193

ولا يُعرف عن أحد من الصَّحابة في وجوب القضاء على العامد شيء، بل ولم أجد صريحًا عن التابعين-أيضًا-فيه شيئًا، إلا عن النخعي، وقد وردت آثارٌ كثيرة عن السَّلف في تارك الصلاة عمدًا أنَّه لا تقبل منه صلاة، كما رُوي عن الصديق ﵁". (١)

стр. 194

قال المصنف-رحمه الله تعالى-: "وأما المعتزلة الملعونة (١) فقد أجمع من أدركنا من أهل العلم أنهم يكفرون بالذنب، ومن كان منهم كذلك فقد زعم أن آدم كان كافرًا، وأن إخوة يوسف حين كذبوا أباهم يعقوب كانوا كفارًا، وأجمعت المعتزلة أن من سرق حبة فهو كافر تبين منه امرأته ويستأنف الحج إن كان حج؛ فهؤلاء الذين يقولون بهذه المقالة كفار لا يناكحون ولا تقبل شهادتهم" (٢). ذهبت الخوارج والمعتزلة مذهب أهل السنة والجماعة في تعريف الإيمان إلى إنه شامل للأعمال والأقوال والاعتقادات، إلا أنهم فارقوا أهل السنة والجماعة بقولهم إن الإيمان كل واحد لا يتجزأ إذا ذهب بعضه ذهب كله، وأنه لا يقبل التبعض. ومن هنا كان الإخلال بالأعمال وارتكاب الكبائر عندهم مخرجاً من الإيمان كلية، على خلاف بينهم في تسميته كافراً، فالخوارج قطعوا بكفره،

стр. 195

ونازعهم المعتزلة في الاسم وقالوا نحن لا نسميه مؤمناً ولا كافراً، وإنما هو في منزلة بين المنزلتين أي: بين منزلة الإيمان والكفر، وإن كانوا قد اتفقوا جميعاً أنه يوم القيامة خالد مخلد في نار جهنم (١). قال شيخ الإسلام: "قالت الخوارج والمعتزلة قد علمنا يقيناً أن الأعمال من الإيمان فمن تركها فقد ترك بعض الإيمان، وإذا زال بعضه زال جميعه؛ لأن الإيمان لا يتبعض ولا يكون في العبد إيمان ونفاق، فيكون أصحاب الذنوب مخلدين في النار إذ كان ليس معهم من الإيمان شيء" (٢). وأصل غلط هؤلاء ومنشأ ضلالهم كما قال شيخ الإسلام: "أنهم ظنوا أن الشخص الواحد لا يكون مستحقاً للثواب والعقاب والوعد والوعيد والحمد والذم، بل إما لهذا وإما لهذا فأحبطوا جميع حسناته بالكبيرة التي فعلها، وقالوا: "الإيمان هو الطاعة فيزول بزوال بعض الطاعة، ثم تنازعوا هل يخلفه الكفر على القولين ووافقتهم المرجئة والجهمية على أن الإيمان يزول كله بزوال شيء منه، وأنه لا يتبعض ولا يتفاضل فلا يزيد ولا ينقص وقالوا إن إيمان الفساق كإيمان الأنبياء والمؤمنين" (٣). فهذه الشبهة هي التي أفسدت على هؤلاء قولهم، بل وعلى جميع المرجئة،

стр. 196

كما قال شيخ الإسلام: "وإنما أوقع هؤلاء كلهم أي المرجئة بأقسامهم-ما أوقع الخوارج والمعتزلة في ظنهم أن الإيمان لا يتبعض بل إذا ذهب بعضه ذهب كله، ومذهب أهل السنة والجماعة أنه يتبعض وأنه ينقص ولا يزول جميعه" (١). وقال شيخ الإسلام: "وجماع شبهتهم في ذلك أن الحقيقة المركبة تزول بزوال بعض أجزائها كالعشرة فإنه إذا زال بعضها لم تبق عشرة، وكذلك الأجسام كالسكنجبين (٢) إذا زال أحد جزئيه خرج عن كونه سكنجبين، قالوا فإذا كان الإيمان مركباً من أقوال وأعمال ظاهرة وباطنة لزم زواله بزوال بعضها" (٣).

стр. 197

قال المصنف-رحمه الله تعالى-: وأما الرافضة فقد أجمع من أدركنا من أهل العلم أنهم قالوا: إن علي بن أبي طالب أفضل من أبي بكر الصديق، وأن إسلام علي كان أقدم من إسلام أبي بكر؛ فمن زعم أن علي بن أبي طالب أفضل من أبي بكر فقد رد الكتاب والسنة لقول الله ﴿محمد رسول الله والذين معه﴾ فقدم الله أبا بكر بعد النبي ﷺ (١) - . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 198

[ولم يقدم عليًا] (١)، وقال النبي- ﷺ : «لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن الله قد اتخذ صاحبكم خليلاً ولا نبي بعدي»، ومن زعم أن إسلام علي أقدم من إسلام أبي بكر فقد كذب (٢)، لأن أول من أسلم . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 199

[أبو بكر] (١)، وهو يومئذ ابن خمس وثلاثين سنة، وعلي ابن سبع سنين لم تجر عليه الأحكام والفرائض والحدود". أما الشيعة فشعارهم الطعن في سائر الصحابة-عدا بعض آل البيت-وغلاتهم من السبئية والبيانية وغيرهم قد حكم علماء الإسلام عليهم بالردة والخروج من الدين بالكلية. والإمامية منهم ادعت ردة أكثر الصحابة بعد النبي ﷺ . ومقالة الشيعة حدثت في خلافة علي ﵁ (٣٥ - ٤٠ هـ) لكن أصحابها كانوا مختفين بقولهم لا يظهرونه لعلي وشيعته، بل كانوا ثلاث طوائف. الطائفة الأولى: "الغلاة" المدعين لإلهية علي، وهؤلاء لما ظهر عليهم أحرقهم بالنار، فإنه خرج ذات يوم فسجدوا له، فقال لهم: ما هذا؟ فقالوا: أنت هو. قال: من أنا؟ قالوا: أنت الله الذي لا إله إلا هو. فقال: ويحكم هذا كفر فارجعوا عنه وإلا ضربت أعناقكم، فصنعوا به في اليوم الثاني والثالث كذلك، فأخرهم ثلاثة أيام -لأن المرتد يستتاب ثلاثة أيام-فلما لم يرجعوا أمر بأخاديد من نار فخدت عند باب كنده، وقذفهم في تلك النار، وروى عنه أنه قال:

стр. 200

لما رأيت الأمر أمراً منكراً/ أججت ناري ودعوت قنبراً و الطائفة الثانية: "السابة" الذين يسبون أبا بكر وعمر، فإن علياً لما بلغه ذلك طلب ابن السوداء الذي بلغه ذلك عنه، وقيل إنه أراد قتله فهرب منه إلى أرض قرقيسيا أي ما تسمى اليوم (قرغيزيا). و الطائفة الثالثة: "المفضلة" الذين يفضلونه على أبي بكر وعمر، فأمر بجلدهم، فقد روى عنه أنه قال: "فلا أوتي بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا ضربته حد المفتري". وقد تواتر عنه أنه كان يقول على منبر الكوفة: "خير هذه الأمة بعد نبيها أبوبكر ثم عمر، روى هذا عنه من أكثر من ثمانين وجهاً ورواه البخاري (١) وغيره) قال الهروي: (وأما فتنة قصب السلف [أي الرفض] فإن الكوفة دارها التي حرفتها، ثم طار في الأفاق شررها، واستطار فيها ضررها، وإنما هاجتها أحلام فيها ضيق، وأشربتها قلوب فيها حمق، ولها عروق خفية، السلامة للقلوب في ترك إظهار بعضها، وأربابها أحمق خلق الله تعالى، عرضت تساوى بين علي بن أبي طالب وأبي بكر وعمر، ثم أخذت تفضله عليهما وتخاصمهما وتضلهما وتوليه حقهما، ثم جاءت تعدله بالمصطفى ﷺ وتشركه في

стр. 201

وحي السماء، ثم خطأت جبريل ﵇ في نزوله، فخلّت الأمة من النبوة، وأحوجتها إلى علي ﵁، ثم ادعت له الإلهية ثم ادعتها لولده. قال الإمام المطلبي: "لو كانوا دواباً لكانوا حُمُراً، ولو "كانوا طيراً لكانوا رخماً". (١) فاستظهرت بهؤلاء الغالية أرباب القلوب المريضة، فتظاهرت على قصب السلف الذين هم الناقلون وفيهم قانون الدين والملة، فهؤلاء الذين قالوا في السلف الصالح بالقول السيئ أرادوا القدح في الناقل لأن القدح في الناقل إبطال المنقول، فأرادوا إبطال الشرع الذي نقلوا، وإنما تعلقوا بعلي بن أبي طالب تسلحاً. ومنذ أن ظهر التشيع واليهود (٢) والمجوس (٣) يوقدون ناره تحت دعوى أن للرسول ﷺ وصياً هو علي بن أبي طالب، ولكن الصحابة تمالؤا على ظلمه وكتمان الوصية على حد زعمهم الكاذب. "ولم يزل التشيع يتطور بتطرفه وتشيعه، حتى صار ملجأً لكل من يريد أن يحارب الإسلام والمسلمين، فقد دخل في الرافضة أهل الزندقة والإلحاد من "النصيرية" و "الإسماعيلية" وأمثالهم من الملاحدة "القرامطة" وغيرهم ممن كان

стр. 202

بخراسان والعراق والشام وغير ذلك. (١) "ولم يزل الرفض يبتعد بأهله عن الدين والعقل والفطرة إلى يومنا هذا. (٢) والمسائل المتعلقة بالمفاضلة بين أصحاب النبي ﷺ يذكرها العلماء دائماً توطئة لمسائل الخلافة والإمامة. ومسألة تفضيل أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ على باقي الصحابة، ويدخل فيها كذلك مسألة تفضيل عثمان على علي، أهل السنة يعتقدون فيها بأن خير هذه الأمة بعد النبي ﷺ أبو بكر وعمر وعثمان، ثم علي وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح، ثم بعد ذلك يأتي بقية العشرة، ثم يأتي بعد هذا أهل بدر، ثم يأتي بعد ذلك أهل بيعة شجرة الرضوان، ثم بعد ذلك يأتي أهل الفتح فتح مكة ثم بعد ذلك يتوالى الفضل بحسب أقدمية ذلك الذي أسلم من الصحابة. وسيأتي مزيد بيان لهذه المسألة في شرح كلام المصنف المتعلق بها. وقول المصنف عن الرافضة: "وأما الرافضة فقد أجمع من أدركنا من أهل العلم أنهم قالوا: إن علي بن أبي طالب أفضل من أبي بكر الصديق، وأن إسلام علي كان أقدم من إسلام أبي بكر" روى الإمام أحمد بسنده عن ابن سيرين قال: "أول من أسلم من الرجال

стр. 203

أبو بكر، وأول من أسلم من النساء خديجة" (١). وروى عن إبراهيم قال: "أول من أسلم أبو بكر" (٢). وروى الخلال بسنده عن ابن عطاء، عن أبيه، قال: «أول من أسلم من الرجال أبو بكر الصديق ﵁» (٣). قال السخاوي: "وجمع ابن عبد البر بين الاختلاف في ذلك بالنسبة إلى أبي بكر وعلي بأن الصحيح أن أبا بكر أول من أظهر إسلامه، ثم روي عن محمد بن كعب القرظي أن عليا أخفى إسلامه من أبيه أبي طالب، وأظهر أبو بكر إسلامه؛ ولذلك شبه على الناس. ونحوه قول شيخنا في قول عمار: «رأيت النبي- ﷺ -وما معه إلا خمسة أعبد وامرأتان وأبو بكر» (٤)، مراده ممن أظهر إسلامه، وإلا فقد كان حينئذ جماعة ممن أسلم، لكنهم كانوا يخفونه من أقاربهم. وكذا قال ابن إسحاق: أول من آمن خديجة، ثم علي.

стр. 204

قال: فكان أول ذكر آمن، وهو ابن عشر سنين، ثم زيد، فكان أول ذكر أسلم بعد علي، ثم أبو بكر فأظهر إسلامه ودعا إلى الله، فأسلم بدعائه عثمان والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة، فكأن هؤلاء النفر الثمانية أسبق الناس بالإسلام. وقيل فيما نقله أبو الحسن المسعودي عن بعضهم: أولهم إسلاما بلال; لحديث عمرو بن عبسة الماضي. وقد جمع ابن الصلاح بين هذه الأقوال فقال: والأورع أن يقال: أول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر، ومن الصبيان علي، ومن النساء خديجة، ومن الموالي زيد، ومن العبيد بلال. وهو أحسن ما قيل؛ لاجتماع الأقوال به. على أنه قد سبق به ما عدا بلالا، فذكر ابن قتيبة أن إسحاق ابن راهويه ذكر الاختلاف في أول من أسلم، فقال: الخبر في كل ذلك صحيح، أما أول من أسلم من النساء فخديجة، وأما أول من أسلم من الرجال فأبو بكر، وأما أول من أسلم من الموالي فزيد، وأما أول من أسلم من الصبيان فعلي" (١).

стр. 205

قال المصنف-رحمه الله تعالى-: "ونؤمن بالقضاء والقدر خيره وشره وحلوه ومره [من الله] (١) " قوله: "ونؤمن بالقضاء والقدر". تعددت الأقوال في الفرق بين القضاء والقدر: القول الأول: ذهب بعض العلماء إلى أن القضاء والقدر مترادفان. وهذا موافق لقول بعض أئمة اللغة الذين فسروا القدر بالقضاء، قال الفيروزآبادي: القدر: "القضاء والحكم". (٢) القول الثاني: وذهب آخرون من العلماء إلى التفريق بينهما. ولكن اختلفوا في أيهما أعم وأسبق فمنهم من ذهب إلى أن القضاء سابق على القدر. فقال: القضاء: هو ما علمه الله وحكم به في الأزل. والقدر: هو وجود المخلوقات موافقة لهذا العلم والحكم. قال الحافظ ابن حجر: "قال العلماء: القضاء: هو الحكم الكلي الإجمالي

стр. 206

في الأزل. والقدر: جزئيات ذلك الحكم وتفاصيله". (١) وقال في موضع آخر: " القضاء: الحكم بالكليات على سبيل الإجمال في الأزل. والقدر: الحكم بوقوع الجزئيات التي لتلك الكليات على سبيل التفصيل" (٢) وقال الجرجاني " القدر: خروج الممكنات من العدم إلى الوجود، واحدا بعد واحد، مطابقا للقضاء. والقضاء في الأزل، والقدر فيما لا يزال. والفرق بين القدر والقضاء: هو أن القضاء: وجود جميع الموجودات في اللوح المحفوظ مجتمعة. والقدر: وجودها متفرقة في الأعيان بعد حصول شرائطها". (٣) ومن العلماء فريق آخر عكس هذا القول، فجعلوا القدر سابقا على القضاء: فالقدر: هو الحكم السابق الأزلي. والقضاء: هو الخلق. قال الراغب الأصفهاني: "والقضاء من الله تعالى أخص من القدر؛ لأنه الفصل بين التقدير، فالقدر هو التقدير، والقضاء هو الفصل والقطع.

стр. 207

وقد ذكر بعض العلماء أن القدر بمنزلة المُعَدِّ للكيل، والقضاء بمنزلة الكيل، ويشهد لذلك قوله تعالى: (وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا)، وقوله: (كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا)، وقوله: (وَقُضِيَ الأَمْرُ). أي فصل، تنبيهًا أنه صار بحيث لا يمكن تلافيه ". (١) القول الثالث: ومن العلماء من اختار أنهما بمعنى واحد إذا افترقا، فإذا اجتمعا في عبارة واحدة: صار لكل واحد منهما معنى. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " القدر في اللغة؛ بمعنى: التقدير؛ قال تعالى: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) [القمر: ٤٩]، وقال تعالى: (فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ) [المرسلات: ٢٣]. وأما القضاء؛ فهو في اللغة: الحكم. ولهذا نقول: إن القضاء والقدر متباينان إن اجتمعا، ومترادفان إن تفرقا؛ على حد قول العلماء: هما كلمتان: إن اجتمعتا افترقتا، وإن افترقتا اجتمعتا. فإذا قيل: هذا قدر الله؛ فهو شامل للقضاء، أما إذا ذكرا جميعًا؛ فلكل واحد منهما معنى. فالتقدير: هو ما قدره الله تعالى في الأزل أن يكون في خلقه. وأما القضاء؛ فهو ما قضى به الله في خلقه من إيجاد أو إعدام أو تغيير، وعلى هذا يكون التقدير سابقًا.

стр. 208

فإن قال قائل: متى قلنا: إن القضاء هو ما يقضيه الله في خلقه من إيجاد أو إعدام أو تغيير، وإن القدر سابق عليه إذا اجتمعا؛ فإن هذا يعارض قوله تعالى: (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) [الفرقان: ٢]؛ فإن هذه الآية ظاهرها أن التقدير بعد الخلق؟ فالجواب على ذلك من أحد وجهين: - إما أن نقول: إن هذا من باب الترتيب الذكري لا المعنوي، وإنما قدم الخلق على التقدير لتتناسب رؤوس الآيات. ألم تر إلى أن موسى أفضل من هارون، لكن قدم هارون عليه في سورة طه في قوله تعالى عن السحرة: (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى) [طه: ٧٠]؛ لتتناسب رؤوس الآيات. وهذا لا يدل على أن المتأخر في اللفظ متأخر في الرتبة. -أو نقول: إن التقدير هنا بمعنى التسوية؛ أي: خلقه على قدر معين؛ كقوله تعالى: (الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى) [الأعلى: ٢]؛ فيكون التقدير بمعنى التسوية. وهذا المعنى أقرب من الأول؛ لأنه يطابق تمامًا لقوله تعالى: (الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى)؛ فلا إشكال". (١) والخلاصة: أن الخطب في هذه المسألة يسير جدا، وليس وراءها كبير فائدة، ولا تتعلق بعمل ولا اعتقاد، وغاية ما فيها اختلاف في التعريف، ولا دليل

стр. 209

من الكتاب والسنة يفصل فيها، والمهم هو الإيمان بهذا الركن العظيم من أركان الإيمان، والتصديق به. قال الخطابي ﵀ بعد أن ذكر أن القدر هو التقدير السابق وأن القضاء هو الخلق، قال: "جماع القول في هذا الباب -أي القضاء والقدر-أنهما أمران لا ينفك أحدهما عن الآخر؛ لأن أحدهما بمنزلة الأساس، والآخر بمنزلة البناء، فمن رام الفصل بينهما فقد رام هدم البناء ونقضه" (١) انتهى. وقال الشيخ عبد الرحمن المحمود: "لا فائدة من هذا الخلاف؛ لأنه قد وقع الاتفاق على أن أحدهما يطلق على الآخر … فلا مشاحة من تعريف أحدهما بما يدل عليه الآخر". (٢) وعلى المسلم أن يتيقن أن كل شيء بقضاء الله وقدره، فالآجال والأعمار والذوات والأشخاص والصفات والحركة والسكون والأفعال وكل شيء قد قضاه الله وقدره وكتبه في اللوح المحفوظ، قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]. فلا بد للمسلم أن يؤمن بقضاء الله وقدره في كل شيء، وأن الله قد علم

стр. 210

الأشياء قبل كونها، وكتبها في اللوح المحفوظ، وأراد كل شيء في هذا الوجود قضاءً وقدراً، وخلق كل شيء في هذا الوجود. والإيمان بالقدر أحد أركان الإيمان الستة، وقد ورد ذكر القدر في القرآن ومنه ما جاء في قوله تعالى: ﴿إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾ [القمر: ٤٩]. وقوله تعالى: ﴿وكان أمر الله قدرا مقدورا﴾ [الأحزاب: ٣٨]. القَدَرُ في اللغة: التقديرُ، وهو مصدرٌ، يقال: قَدَرتُ الشيءَ أَقْدُرُه قَدْرًا وقَدَرًا إذا أحَطْتُ بمقداره، والقَدَرُ: وقتُ الشيءِ أو مكانُه المقدَّرُ له، ويُطْلَقُ القَدَرُ على القضاء الذي يقضي به اللهُ على عِبَادِه، وجمعُه أقدارٌ. (١) قال الأزهريُّ: «قال الليث: القَدَرُ: القضاءُ الموفَّق، يقال: قدَّر اللهُ هذا تقديرًا، قال: وإذا وافَقَ الشيءُ الشيءَ قلتَ: جاء قَدَرُه» (٢). وَقَدَرُ اللهِ تَعَالَى هُوَ: تَعَلُّقُ عِلْمِهِ وَإِرَادَتِهِ أَزَلًا بِالكَائِنَاتِ كُلِّهَا قَبْلَ وُجُودِهَا؛ فَلَا حَادِثَ إِلَّا وَقَدْ قَدَّرَهُ اللهُ تَعَالَى، أَيْ: سَبَقَ بِهِ عِلْمُهُ وَتَقَدَّمَتْ بِهِ إِرَادَتُهُ؛ فَكُلُّ حَادِثٍ فَهُوَ حَادِثٌ عَلَى وَفْقِ مَا سَبَقَ بِهِ عِلْمُ اللهِ وَمَضَتْ بِهِ إِرَادَتُهُ والإيمانُ بالقَدَرِ ركنٌ عظيمٌ مِنْ أركانِ الإسلام، لا يَصِحُّ إيمانُ المسلمِ إلَّا بتحقيقه، وقد انعقد إجماعُ السلفِ قاطبةً ومَن بَعْدَهم مِنْ أئمَّةِ السنَّةِ العدولِ

стр. 211

الأثباتِ على وجوبِ الإيمان بالقَدَر، وأنَّ الأمور كُلَّها: خيرَها وشرَّها، نَفْعَها وضَرَّها بتقديرِ الله تعالى، قال عبدُ الغنيِّ المقدسيُّ ﵀ في: «وأَجْمَعَ أئمَّةُ السلفِ مِنْ أهل الإسلام على الإيمانِ بالقَدَرِ خيرِه وشرِّه، حُلْوِه ومُرِّه، قليلِه وكثيرِه، بقضاءِ الله وقَدَرِه، لا يكون شيءٌ إلَّا بإرادته، ولا يجري خيرٌ وشرٌّ إلَّا بمَشيئته، خَلَقَ مَنْ شاءَ للسعادة واستعمله بها فضلًا، وخَلَقَ مَنْ أراد للشقاء واستعمله به عدلًا؛ فهو سرٌّ استأثر به، وعِلْمٌ حَجَبَه عن خَلْقِه، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، قال اللهُ ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ﴾ [الأعراف: ١٧٩]، وقال-تعالى-: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]، وقال- ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩ [" (١). وأكَّد ابنُ تيمية ﵀ هذا الإجماعَ بقوله: "وأمَّا السلفُ والأئمَّةُ كما أنهم مُتَّفِقون على الإيمانِ بالقَدَر، وأنه ما شاءَ كان وما لم يَشَأْ لم يكن، وأنه خالِقُ كُلِّ شيءٍ مِنْ أفعال العباد وغيرِها، وهُمْ مُتَّفِقون على إثباتِ أَمْرِه ونَهْيِه، ووَعْدِه ووَعِيدِه، وأنه لا حُجَّةَ لأَحَدٍ على الله في تركِ مأمورٍ ولا فعلِ محظورٍ؛ فهُمْ أيضًا مُتَّفِقون على أنَّ اللهَ حكيمٌ رحيمٌ، وأنه أَحْكَمُ الحاكمين وأَرْحَمُ الراحمين" (٢).

стр. 212

والواجبُ في معرفةِ القَدَر الذي هو الإيمانُ بتَقَدُّمِ عِلْمِ الله بما يكون مِنْ أسباب الخَلْق، وصدورِ جميعِ المخلوقات عن تقديرٍ منه يَتَمَحْوَرُ على أمرين أساسيَّيْن وهُما: الأوَّل: وجوبُ الإيمانِ بالقَدَر، والإقرارِ بجميعه، والاعتمادِ في معرفته على الكتاب والسنَّة، والحذرِ مِنْ الاعتماد على نظرِ العقل والقياس المحض. الثاني: التسليمُ بقضاءِ الله وقَدَرِه، وتركُ التنقير والبحث عن القَدَرِ والتعمُّقِ في التفكير فيه والنظر، واجتنابُ السؤالِ عنه والمُناظَرةِ عليه والخصومةِ به؛ «لأنَّ القَدَرَ سِرٌّ مِنْ سِرِّ الله ، بل الإيمان بما جَرَتْ به المَقاديرُ مِنْ خيرٍ أو شرٍّ واجبٌ على العباد أَنْ يُؤْمِنوا به، ثمَّ لا يأمن العبدُ أَنْ يبحث عن القَدَرِ فيُكذِّبَ بمَقاديرِ اللهِ الجاريةِ على العباد؛ فيَضِلَّ عن طريقِ الحقِّ … هذا مذهبُ المسلمين، وليس لأَحَدٍ على الله حجَّةٌ، بل لله الحجَّةُ على خَلْقه، قال اللهُ : ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البَالِغَةُ فَلَو شَاءَ لَهَدَاكُم أَجمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩]» (١) ولهذا نَهَى النبيُّ ﷺ عن التنقير والبحثِ عن القَدَرِ وعَدَمِ التوقُّف عند بابِه في قوله ﷺ : « … وَإِذَا ذُكِرَ القَدَرُ فَأَمْسِكُوا» (٢) وقوله: "خيره وشره" هذا اللفظ ورد في قوله ﷺ عندما سأله

стр. 213

جبريل ﵇ عن الإيمان: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره» (١) والحديثُ دَلَّ دلالةً ظاهرةً على مذهبِ أهلِ السنَّةِ في إثباتِ القَدَرِ ووجوبِ الإيمانِ بجميعِ المَقادير: خيرِها وشرِّها، حُلْوِها ومُرِّها، نَفْعِها وضرِّها، قليلِها وكثيرِها، وأنه واقعٌ مِنْ الله تعالى على العباد في الوقت الذي أراد أَنْ يَقَعَ، لا يَتقدَّمُ الوقتَ ولا يَتأخَّرُ على ما سَبَقَ بذلك في علمِ الله، تجري الواقعاتُ بقضاءِ اللهِ وقَدَرِه، وتحت تصرُّفه وإرادته؛ فما شاءَ كان وما لم يَشَأْ لم يكن، وما أصابَ العبدَ لم يكن لِيُخْطِئَه وما أَخطأَهُ لم يكن لِيُصيبَه، وما تَقَدَّمَ لم يكن لِيتأخَّرَ وما تَأخَّرَ لم يكن لِيَتَقدَّمَ؛ فلا مانِعَ لِمَا أعطى ولا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعَ، ولا يكون في مُلْكِه إلَّا ما يُريدُ، وهو سبحانه غيرُ ظلَّامٍ للعبيد. وقوله: "وحلوه ومره" وجاء في لفظ:» أن تؤمن بالقدر خيره وشره، حلوه ومره. «بزيادة حلوه ومره، قد جاءت في عدة أحاديث: فمنها حديث عمر الطويل في قصة جبريل، وأصل الحديث في الصحيح، ولكن هذه الزيادة عند ابن حبان. (٢)

стр. 214

وحديث ابن عمر عند ابن أبي شيبة (١) والبيهقي والطبراني، والسنة لابن أبي عاصم. (٢) وكذلك في حديث جبريل الطويل، وحديث عبد الله بن عمرو عند الطبراني في الأوسط (٣)، وحديث عدي بن حاتم عند ابن ماجه (٤)، وحديث أنس عند ابن النجار (٥). وقال الحافظ ابن حجر "إنها من باب التقرير بالإبدال، يعني أنها وردت لتأكيد المعنى" (٦). ويمكن أن يقال: إن لفظ خيره وشره أعم من حلوه ومره، فهو من باب

стр. 215

ذكر الخاص بعد العام، وذلك لأن الخير قد يكون مراً، والشر قد يكون حلواً، قال تعالى: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ)] البقرة: ٢١٦]. وقال ابن القيم: "الفرق بين كون القدر خيرًا شرًا وكونه حلوًا ومرًا قيل الحلاوة والمرارة تعود إلى مباشرة الأسباب في العاجل، والخير والشر يرجع إلى حسن العاقبة وسوئها فهو حلو ومر في مبدأه وأوله، وخير وشر في منتهاه وعاقبته، وقد أجرى الله سبحانه سنته وعادته أن حلاوة الأسباب في العاجل تعقب المرارة في الآجل، ومرارتها تعقب الحلاوة فحلو الدنيا مر الآخرة ومر الدنيا حلو الآخرة، وقد اقتضت حكمته سبحانه أن جعل اللذات تثمر الآلام والآلام تثمر اللذات، والقضاء والقدر منتظم لذلك انتظاما لا يخرج عنه شيء البتة. والشر مرجعه إلى الآلام وأسبابها، والخير مرجعه إلى اللذات وأسبابها، والخير المطلوب هو اللذات الدائمة، والشر المرهوب هو الآلام الدائمة، فأسباب هذه الشرور وإن اشتملت على لذة ما وأسباب تلك الخيرات وإن اشتملت على ألم ما، فألم تعقبه اللذة الدائمة أولى بالإيثار والتحمل من لذة يعقبها الألم الدائم، فلذة ساعة في جنب ألم طويل كلا لذة وألم ساعة في جنب لذة طويلة كلا ألم (١). "
следующие страницы →