← Акыда

Акыда · id 30121

القول المسدد في شرح رسالة الإمام أحمد

محمد بن خليفة التميمي

Полный текст (704 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن قتادة قال: كانوا يقولون إن الجنة في السموات السبع، وإن جهنم لفي الأرضين السبع. • وروى ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ﴿الذاريات: ٢٢﴾. قال: الجنة في السماء، • وقد استدل بعضهم لهذا بأن الله تعالى أخبر أن الكفار يعرضون على النار غدواً وعشياً يعني في مدة البرزخ وأخبر أنه لا تفتح لهم أبواب السماء، فدل على أن النار في الأرض، وقال تعالى: إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ﴿المطففين: ٧﴾. اه • قال ابن الجوزي في المنتظم: ومما يدل على أن النار في الأرض حديث أبي هريرة قال: كنا عند رسول الله ﷺ يوماً فسمعنا وجبة فقال النبي ﷺ : "أتدرون ما هذا؟ قلنا: الله أعلم. قال: هذا حجر أرسل في جهنم منذ سبعين خريفاً، فالآن انتهى إلى قعرها. " انفرد بإخراجه مسلم. فإن قيل كيف تكون جهنم في الأرض، وقد رآها رسول الله ﷺ ليلة المعراج فجوابه من وجهين: أحدهما: أنه رآها في الأرض في طريقه إلى بيت المقدس، وقد روينا عن ابن الصامت أنه رؤي على سور بيت المقدس الشرقي يبكي، فقيل له في ذلك، فقال ههنا رسول الله ﷺ أخبرنا أنه رأى جهنم. والثاني: أنه لا يمتنع في القدرة أن يرى جهنم في الأرض وهو في السماء، وقد بدى له المقدس وهو بمكة فوصفه للقوم.

стр. 247

المسألة الثالثة: أبدية النار. قال ابن أبي العز في شرح العقيدة الطحاوية: "وَأَمَّا أَبَدِيَّةُ النَّارِ وَدَوَامُهَا، فَلِلنَّاسِ فِي ذَلِكَ ثَمَانِيَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ مَنْ دَخَلَهَا لَا يَخْرُجُ مِنْهَا أَبَدَ الْآبَادِ، وَهَذَا قَوْلُ الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ. وَالثَّانِي: أَنَّ أَهْلَهَا يُعَذَّبُونَ فِيهَا، ثُمَّ تَنْقَلِبُ طَبِيعَتُهُمْ وَتَبْقَى طَبِيعَةً نَارِيَّةً يَتَلَذَّذُونَ بِهَا لِمُوَافَقَتِهَا لِطَبْعِهِمْ! وَهَذَا قَوْلُ إِمَامِ الِاتِّحَادِيَّةِ ابْنِ عَرَبِيٍّ الطَّائِيِّ!! الثَّالِثُ: أَنَّ أَهْلَهَا يُعَذَّبُونَ فِيهَا إِلَى وَقْتٍ مَحْدُودٍ، ثُمَّ يَخْرُجُونَ مِنْهَا، وَيَخْلُفُهُمْ فِيهَا قَوْمٌ آخَرُونَ، وَهَذَا الْقَوْلُ حَكَاهُ الْيَهُودُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، وَأَكْذَبَهُمْ فِيهِ، وَقَدْ أَكْذَبَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، فَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: " ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ-بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨٠ - ٨١]. الرَّابِعُ: يَخْرُجُونَ مِنْهَا، وَتَبْقَى عَلَى حَالِهَا لَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ. الْخَامِسُ: أَنَّهَا تَفْنَى بِنَفْسِهَا، لِأَنَّهَا حَادِثَةٌ وَمَا ثَبَتَ حُدُوثُهُ اسْتَحَالَ بَقَاؤُهُ!! وَهَذَا قَوْلُ الْجَهْمِ وَشِيعَتِهِ، وَلَا فَرْقَ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، كَمَا تَقَدَّمَ. السَّادِسُ: تَفْنَى حَرَكَاتُ أَهْلِهَا وَيَصِيرُونَ جَمَادًا، لَا يُحِسُّونَ بِأَلَمٍ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الْهُذَيْلِ الْعَلَّافِ.

стр. 248

السَّابِعُ: أَنَّ اللَّهَ يُخْرِجُ مِنْهَا مَنْ يَشَاءُ، كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ، ثُمَّ يُبْقِيهَا شَيْئًا، ثُمَّ يُفْنِيهَا، فَإِنَّهُ جَعَلَ لَهَا أَمَدًا تَنْتَهِي إِلَيْهِ. الثَّامِنُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُخْرِجُ مِنْهَا مَنْ شَاءَ، كَمَا وَرَدَ فِي السُّنَّةِ، وَيَبْقَى فِيهَا الْكُفَّارُ، بَقَاءً لَا انْقِضَاءَ لَهُ" (١). وهذا ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، ومن ذلك: • قوله تعالى عن أهل النار: (إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقاً *إلا طريق جهنم خالدين فيها أبداً) [النساء: ١٦٨ - ١٦٩] • وقوله: (إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيراً* خالدين فيها أبداً) [الأحزاب: ٦٣ - ٦٥]. • وقوله: (ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا) [الجن: ٢٣] • وقوله: (إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون* لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون) [الزخرف: ٧٤ - ٧٥] قال ابن أبي العز في شرح العقيدة الطحاوية: "وَقَوْلُهُ: "لَا تَفْنَيَانِ أَبَدًا وَلَا تَبِيدَانِ "-هَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْأَئِمَّةِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ. وَقَالَ بِبَقَاءِ الْجَنَّةِ وَبِفَنَاءِ النَّارِ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَالْقَوْلَانِ مَذْكُورَانِ فِي كَثِيرٍ مِنْ كُتُبِ التَّفْسِيرِ وَغَيْرِهَا.

стр. 249

وَقَالَ بِفَنَاءِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ الْجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ إِمَامُ الْمُعَطِّلَةِ، وَلَيْسَ لَهُ سَلَفٌ قَطُّ، لَا مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَا مِنَ التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، وَلَا مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ. وَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِ عَامَّةُ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَكَفَّرُوهُ بِهِ، وَصَاحُوا بِهِ وَبِأَتْبَاعِهِ مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ. وَهَذَا قَالَهُ لِأَصْلِهِ الْفَاسِدِ الَّذِي اعْتَقَدَهُ، وَهُوَ امْتِنَاعُ وُجُودِ مَا لَا يَتَنَاهَى مِنَ الْحَوَادِثِ! وَهُوَ عُمْدَةُ أَهْلِ الْكَلَامِ الْمَذْمُومِ، الَّتِي اسْتَدَلُّوا بِهَا عَلَى حُدُوثِ الْأَجْسَامِ، وَحُدُوثِ مَا لَمْ يَخْلُ مِنَ الْحَوَادِثِ، وَجَعَلُوا ذَلِكَ عُمْدَتَهُمْ فِي حُدُوثِ الْعَالَمِ. فَرَأَى الْجَهْمُ أَنَّ مَا يَمْنَعُ مِنْ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا فِي الْمَاضِي، يَمْنَعُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ! فَدَوَامُ الْفِعْلِ عِنْدَهُ عَلَى الرَّبِّ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مُمْتَنِعٌ، كَمَا هُوَ مُمْتَنِعٌ عِنْدَهُ عَلَيْهِ فِي الْمَاضِي! وَأَبُو الْهُذَيْلِ الْعَلَّافُ شَيْخُ الْمُعْتَزِلَةِ، وَافَقَهُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ، لَكِنْ قَالَ: إِنَّ هَذَا يَقْتَضِي فَنَاءَ الْحَرَكَاتِ، فَقَالَ بِفَنَاءِ حَرَكَاتِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، حَتَّى يَصِيرُوا فِي سُكُونٍ دَائِمٍ، لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى حَرَكَةٍ!! وَقَدْ تَقَدَّمَ الْإِشَارَةُ إِلَى اخْتِلَافِ النَّاسِ فِي تَسَلْسُلِ الْحَوَادِثِ فِي الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ دَوَامِ فَاعِلِيَّةِ الرَّبِّ تَعَالَى، وَهُوَ لَمْ يَزَلْ رَبًّا قَادِرًا فَعَّالًا لِمَا يُرِيدُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَزَلْ حَيًّا عَلِيمًا قَدِيرًا. وَمِنَ الْمُحَالِ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ مُمْتَنِعًا عَلَيْهِ لِذَاتِهِ، ثُمَّ يَنْقَلِبُ فَيَصِيرُ مُمْكِنًا لِذَاتِهِ، مِنْ غَيْرِ تَجَدُّدِ شَيْءٍ، وَلَيْسَ لِلْأَوَّلِ حَدٌّ مَحْدُودٌ حَتَّى يَصِيرَ الْفِعْلُ مُمْكِنًا لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ الْحَدِّ، وَيَكُونُ قَبْلَهُ مُمْتَنِعًا عَلَيْهِ. فَهَذَا الْقَوْلُ تَصَوُّرُهُ كَافٍ فِي الْجَزْمِ بِفَسَادِهِ.

стр. 250

فَأَمَّا أَبَدِيَّةُ الْجَنَّةِ، وَأَنَّهَا لَا تَفْنَى وَلَا تَبِيدُ، فَهَذَا مِمَّا يُعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ أَخْبَرَ بِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هُودٍ: ١٠٨] أَيْ غَيْرَ مَقْطُوعٍ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٨] " (١).

стр. 251

قال المصنف-رحمه الله تعالى-: "وأن أهل الجنة يرون ربهم [بأبصارهم] (١)، لا محالة". من عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يؤمنون بأن أهلَ الإيمان يرون ربهم يومَ القيامة كما وردت الأدلة بذلك فمن القرآن: • قوله تعالى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) [يونس: ٢٦] فقد فسرت الحسنى بالجنة والزيادة بالنظر إلى وجه الله الكريم، قال القرطبي: (وقد ورد هذا عن أبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب في راوية وحذيفة وعبادة بن الصامت وكعب بن عجرة وأبي موسى وصهيب وابن عباس في رواية وهو قول جماعة من التابعين وهو الصحيح في الباب. وروى مسلم في صحيحه عن صهيب عن النبي ﷺ قال:)) إذا دخل أهل الجنة الجنة قال الله ﵎ تريدون شيئا أزيدكم فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟! ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟! قال

стр. 252

فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم . وفي رواية ثم تلا (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) (١). (٢) • قوله تعالى: (لَهُمْ مَا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) [ق: ٣٥] فقد فسر المزيد في هذه الآية بأنه النظر إلى الله تعالى كالآية السابقة. قال ابن كثير: (إن المزيد الذي يتفضل الله به على عباده فوق ما يشاءون هو ظهوره تعالى لهم). (٣) وبهذا فسر الآية ابن جرير الطبري والقرطبي وغيرهما ودلالتها عن الرؤية كالآية السابقة. • قوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) [القيامة: ٢٢ - ٢٣] ووجه الاستدلال بالآية على الجواز ما نقل من أن (نَاظِرَةٌ) أي رائية رؤية بصرية يوم القيامة كما قال أهل السنة والجماعة. قال أبو الحسن الأشعري: "قال الله : (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ) [القيامة: ٢٢ [يعني: مشرقة) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) [القيامة: ٢٣] يعنى: رائية، ولا يجوز أن يكون بمعنى نظر التفكر والاعتبار لأن الآخرة ليست بدار الاعتبار، ولا يجوز أن يكون عني نظر

стр. 253

الانتظار لأن النظر إذا ذكر مع ذكر الوجه فمعناه نظر العينين اللتين في الوجه". (١) الأدلة من السنة: أخبرَ بذلك النبي ﷺ : «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلةَ البدر، لا تُضامُّون في رؤيته» (٢). وعن جرير بن عبد الله قال: قال النبي ﷺ : «إنكم سترون ربكم عيانا» (٣). قال ابن القيم (وأما الأحاديث عن النبي ﷺ وأصحابه الدالة على الرؤية فمتواترة رواها عنه أبو بكر الصديق، وأبو هريرة، وأبو سعيد الخدري، وجرير بن عبد الله البجلي، وصهيب بن سنان الرومي، وعبد الله بن مسعود الهذلي، وعلي بن أبي طالب، وأبو موسى الأشعري، وعدي بن حاتم الطائي، وأنس بن مالك الأنصاري، وبريدة بن الخصيب الأسلمي، وأبو رزين العقيلي، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأبو أمامة الباهلي، وزيد بن ثابت، وعمار بن ياسر، وعائشة أم المؤمنين، وعبد الله بن عمر، وعمارة بن رويبة، وسلمان الفارسي، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو بن

стр. 254

العاص وحديثه موقوف، وأبي بن كعب، وكعب بن عجرة، وفضالة بن عبيد وحديثه موقوف، ورجل من أصحاب النبي ﷺ غير مسمى. فهناك سياق أحاديثهم من الصحاح والمسانيد والسنن وتلقها بالقبول والتسليم، وانشراح الصدر لا بالتحريف والتبديل وضيق الطعن ولا تكذب بها فمن كذب بها لم يكن إلى وجه ربه من الناظرين وكان عنه يوم القيامة من المحجوبين) (١) ثم ذكر بعد ذلك سياق الأحاديث بكاملها. تنبيهات مهمة: بعد شرح ما يتعلق بالنص الذي جاء في كلام المصنف يجدر التنبيه على أمور مهمة تتعلق بمسألة الرؤية، فمسألة رؤية الله مُتشعبة؛ إذ تشتمل على المسائل الآتية: • ما يتعلق برؤيته في الدنيا عيانًا. • ورؤيته جل وعلا منامًا. • ورؤية النبي ﷺ لربِّه ليلة المعراج. • ورؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة وفي الجنة. • وكذلك رؤية المنافقين والكافرين له ﷻ يوم القيامة. ومسألة رؤية الله يُلحقها العلماء بباب الصِّفات، مع أن البحث في رؤية

стр. 255

العبد لربه وليس العكس، ولكنهم يُلحقونها بباب الصفات. وأعطي نبذة عن هذه المسائل فأقول: أولًا: رؤية الله في الدنيا يقظة. رؤية الله في الدنيا يقظة غير واقعة شرعًا، وغير مُمكنة، وقد اتفقت الأمةُ على أن الله تعالى لا يراه أحدٌ في الدنيا بعينه، ولم ينازعوا في ذلك إلا ما شَذَّ من بعض غُلاة الصُّوفية؛ فقد زعموا أنه يجوز رؤية الله في الدنيا، وأنه يَزورهم ويَزورونه في الحضرة الإلهية ويَرَوْنه (١)، وهؤلاء لا عبرة بخلافهم؛ إذ كله كذب ودجل. ومَن ادَّعى رؤية الله في الدنيا بعيني رأسه فدعواه باطلة باتفاق أهل السنة والجماعة، وهو ضالٌّ. قال شيخ الإسلام ابن تيمية-﵀-في ردِّه على مَنْ زعم رؤية الله في الدنيا يقظة: «مَنْ قال من الناس: إن الأولياء أو غيرهم يرى الله بعينه في الدنيا فهو مبتدع ضالٌّ، مُخالف للكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة، لا سيما إذا ادَّعوا أنهم أفضل مِنْ موسى، فإن هؤلاء يُستتابون، فإن تابوا وإلا قُتلوا» (٢). وقد بَيَّن-﵀-علة عدم إمكان رؤية الله في الدنيا بالعين، حيث قال: «وإنَّما لم نَره في الدنيا لعجز أبصارنا، لا لامتناع الرؤيا، فهذه الشمس إذا حدق

стр. 256

الرائي البصر في شعاعها ضعف عن رؤيتها لا لامتناع في ذات المرئي، بل لعجز الرَّائي، فإذا كان في الدار الآخرة أكمل الله قُوى الآدميين حتى أطاقهم رؤيته، ولهذا لما تجلى الله للجبل خَرَّ موسى صعقًا، قال: سبحانك! تُبت إليك، وأنا أول المؤمنين بأنَّه لا يراك حيٌّ إلا مات، ولا يابس إلا تَدَهْدَه، ولهذا كان البشر يَعجزون عن رؤية المَلَك في صورته إلَّا مَنْ أيده الله، كما أيَّد نبينا ﷺ (١). والأدلة التي استند عليها أهل السنة في إجماعهم على عدم وقوع رؤية الله في الدنيا يقظة-كثيرة؛ منها: قول النبي ﷺ كما في «صحيح مسلم»: «تَعَلَّمُوا أنَّه لن يرى أحدٌ مِنكم ربه- -حتى يَموت» (٢)، فهو صريح في عدم وقوع الرؤية البصرية لأحد من الناس لله جل وعلا في هذه الدار الدنيا حتى ولو كان نبيًّا؛ لأن الله-جل وعلا-قد مَنع موسى-﵇-مِنْ أن يَرَاه، وهو أحد أُولي العزم من الرسل، فكيف بمن دونه مِنْ سائر المؤمنين؟! فإن الله-جل وعلا-لما قال له موسى: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] قال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] فمنعه من أن يراه، وفي قوله: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ أي: لما تجلى الله للجبل تدكدك ولم يَثبت، فكيف يَثبت البشر الضعيف؟!

стр. 257

ثانيًا: رؤية الله- -في المنام. ذهب جمهور العلماء إلى جواز رؤية الله في المنام، وأنها قد تقع صحيحة، بل ذكر القاضي عياض-﵀-اتفاق العلماء على هذه المسألة؛ فقال: «ولم يختلف العلماء في جواز صحة رؤية الله في المنام» (١). وقال الإمام البَغوي ﵀: «رؤية الله في المنام جائزة؛ قال معاذ عن النبي ﷺ : «إني نَعست فرأيت ربِّي»، وتكون رؤيته-جَلَّت قُدرته-ظهور العدل والفرج والخصب والخير لأهل ذلك الموضع، فإن رآه فوعد له جنة، أو مغفرة، أو نجاة من النار، فقوله حق، ووعده صدق، وإن رآه ينظر إليه فهو رحمته، وإن رآه معرضًا عنه فهو تحذير من الذنوب؛ لقوله : ﴿أُوْلَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ٧٧]، وإن أعطاه شيئًا من متاع الدنيا فأخذه، فهو بلاء ومحن وأسقام تصيب بدنه، يَعظم بها أجرُه، لا يَزال يضطرب فيها حتى يُؤديه إلى الرحمة، وحسن العاقبة» (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (ومن رأى الله- -في المنام فإنَّه يراه في صورة من الصور بحسب حال الرَّائي؛ إن كان صالحًا رآه في صورة حسنة، ولهذا رآه النبي ﷺ في أحسن صورة … » (٣). وقال في موضع آخر: «وقد يرى المؤمن ربه في المنام في صورة متنوعة على

стр. 258

قدر إيمانه ويقينه، فإذا كان إيمانه صحيحاً لم يره إلا في صورة حسنة، وإذا كان في إيمانه نقص رأى ما يُشبه إيمانه، ورؤيا المنام لها حكم غير رؤيا الحقيقة في اليقظة، ولها تعبير وتأويل لما فيها من الأمثال المضروبة للحقائق … » (١). وقال الإمام ابن كثير ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [ص: ٦٩]: فأمَّا الحديث الذي رواه الإمام أحمد: « … فإذا أنا بربي- -في أحسن صورة، فقال: يا محمد، أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري يا رب». أعادها ثلاثًا، «فرأيته وضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين صدري، فتجلى لي كل شيء وعرفتُ … »، فهو حديث المنام المَشهور، ومَن جعله يقظة فقد غَلط، وهو في السُّنن من طرق» (٢). ثالثًا: رؤية الله- -في الآخرة. وهذه المسألة تقدم الحديث عنها في بداية شرح كلام المصنف عن رؤية الله، وقد حاول المعتزلة إنكارها ورد النصوص الواردة فيها، وقد أجاب أهل السنة على شبههم وبينوا أن رؤية الله في الآخرة جائزة عقلًا وواقعة شرعًا، ولا يَرِد على هذا قوله تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، فقد استدل به المعتزلة على نفي الرؤية مطلقًا، مع أن المراد بالآية ليس نفي الرؤية، وإنما المراد نفي الإدراك؛ لأنها سِيقت مساق المدح، ولو كان المراد

стр. 259

نفي الرؤية لما كان في ذلك مدح؛ لأن المعدوم هو الذي لا يُرَى، والكمال في إثبات الرؤية هو نفي الإدراك؛ لأن النفي المحض لا يأتي في صفات الله، وإنما الذي يأتي هو النفي الذي يستلزم إثبات ضده من الكمال. فالمعنى: أنه يُرى ولا يحاط به رؤيةً، ف ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾؛ لكمال عظمته، كما أنه يُعلم ولا يُحاط به علمًا لكمال عظمته، و ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾؛ لكمال قوته واقتداره، وهكذا. وقد ورد عن بعض السلف أن الآية تفيد نفي الرؤية في الدنيا، فروى ابن كثير عن إسماعيل بن علية في قول الله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار﴾ أنه قال: «هذا في الدنيا». وقد ذهب الآخرون إلى أن هذا النفي العام لرؤية جميع الأبصار له مُخَصَّصٌ بما ثبت من رؤية المؤمنين له جل وعلا في الآخرة. (١) وقال ابنُ القيِّم ﵀: "دلَّ الكتابُ والسنَّةُ المُتواتِرَةُ وَإجماعُ الصَّحابةِ وأئمةُ أهلِ الإسلامِ والحديثِ عَلَى أَنَّ اللهَ يُرى يومَ القيامَةِ بِالأبصارِ عِيَانًا، كَمَا يُرى القَمَرُ ليلةَ البدرِ صَحْوًا، وَكَمَا تُرى الشَّمسُ في الظَّهيرة، فَإِنْ كَانَ مَا أَخبَرَ به اللهُ وَرَسُوله عنه من ذلك حَقِيقَةً-وإنَّ له والله حقَّ الحقيقة-فَلَا يُمكِنُ أن يَروهُ إِلَّا مِنْ فَوقِهم؛ لاستِحَالَةِ أَنْ يَروهُ أسفل منهم، أو مِنْ خلفهم، أَوْ أمامهم، وَنَحو ذَلِكَ … ، فلَا يَجتَمِعُ فِي قَلبِ العبد بعد الاطلاع عَلَى هَذِهِ الأَحَادِيث

стр. 260

وَفَهِمَ مَعنَاهَا إنكارُها والشهادةُ بِأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ أَبَدًا» (١). أ-رؤية المؤمنين لربِّهم جل وعلا: بَيَّن المصنفُ ﵀ هنا أنه قَدْ دَخَلَ فِي الإيمانِ باللهِ وَكُتبِهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسلِهِ: الإيمانُ بِأَنَّ المُؤمِنِينَ يرونَهُ يومَ القيامةِ؛ فَمَنِ لَم يُؤمن بِأَنَّهُ-سبحانه-يُرَى يومَ القيامةِ فَقَد رَدَّ أَدِلَّةَ الكتابِ والسُّنَّةِ، وَخَالَفَ مَا عَلَيهِ سَلفُ الأُمَّةِ وَأَئِمَّتها، وَلَم يُؤمن بِاللهِ وَمَلائكتِهِ وكتبِهِ وَرسلِهِ. فالله سيخص المؤمنين بمزيد من الإنعام يوم القيامة، وهو رؤيته جل وعلا، فقد روى أبو هريرة ﵁ أن ناسًا قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربَّنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله: «هَلْ تُضَارُّون في رؤية القمر ليلة البدر؟». قالوا: لا يا رسول الله. قال: «هل تُضارون في الشَّمس ليس دونها سحاب؟». قالوا: لا. قال: «فإنَّكم ترونه كذلك … »، الحديث (٢). وسيخصهم في الجنة بأعظم نعمة أنعم عليهم بها؛ ألا وهي تشريفهم وإكرامهم بالنظر إلى وجهه الكريم في جنة عدن، كما قال تعالى: ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]. وقال تعالى عن الكافرين: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾ [المطففين: ١٥].

стр. 261

قال الإمامُ الشافعيُّ: «فَدَلَّ هذا على أنَّ المؤمنين لا يُحجبون عنه ﵎». وقال جل شأنه: ﴿لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد﴾ [ق: ٣٥]. فالمزيد هنا هو: النَّظر إلى وجه الله ، كما فسَّره بذلك علي وأنس بن مالك ﵄. وقال سبحانه: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ [يونس: ٢٦]. فالحسنى: الجنة، والزيادة: هي النظر إلى وجه الله الكريم، كما فَسَّرها بذلك رسول الله ﷺ بقوله: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ ﵎: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ! فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنْ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَمَا اعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِم مِنْ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ ، وهي الزيادة، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾» (١). قال الإمام ابن كثير ﵀: «وأمَّا السنة، فقد تواترت الأخبار عن أبي سعيد، وأبي هريرة، وأنس، وجرير، وصهيب، وبلال، وغير واحد من الصحابة عن النبي ﷺ : أن المؤمنين يرون الله في الدار الآخرة في العرصات، وفي روضات الجنات، جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه. آمين (٢).

стр. 262

ب-رؤية الكفار والمنافقين لربِّهم جل وعلا: أَمَّا الكفارُ والمُنَافِقِينَ، فَقَد ذكر شيخُ الإسلام أنَّ الناسَ قد تَنَازَعَوا في ذلك على ثَلَاثَةِ أَقوالٍ؛ فقال: «فَأَمَّا مَسْأَلَةُ رُؤْيَةِ الكُفَّارِ فَأَوَّلُ مَا انْتَشَرَ الكَلَامُ فِيهَا، وَتَنَازَعَ النَّاسُ فِيهَا-فِيمَا بَلَغَنَا-بَعْدَ ثَلَاثمِائَةِ سَنَةٍ مِنْ الهِجْرَةِ، وَأَمْسَكَ عَنْ الكَلَامِ فِي هَذَا قَوْمٌ مِنْ العُلَمَاءِ، وَتَكَلَّمَ فِيهَا آخَرُونَ؛ فَاخْتَلَفُوا فِيهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، مَعَ أَنِّي مَا عَلِمْت أَنَّ أُولَئِكَ المُخْتَلِفِينَ فِيهَا تَلَاعَنُوا وَلَا تَهَاجَرُوا فِيهَا؛ إذْ فِي الفِرَقِ الثَّلَاثَةِ قَوْمٌ فِيهِمْ فَضْلٌ، وَهُمْ أَصْحَابُ سُنَّةٍ». ثم قال ﵀: «وَالأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ فِي (رُؤْيَة الكُفَّارِ): أَحَدُهَا: أَنَّ الكُفَّارَ لَا يَرَوْنَ رَبَّهُمْ بِحَالِ؛ لَا المُظْهِرُ لِلكُفْرِ، وَلَا المُسِرُّ لَهُ، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ العُلَمَاءِ المُتَأَخِّرِينَ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ عُمُومُ كَلَامِ المُتَقَدِّمِينَ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِ الإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِمْ. الثَّانِي: أَنَّهُ يَرَاهُ مَنْ أَظْهَرَ التَّوْحِيدَ مِنْ مُؤْمِنِي هَذِهِ الأُمَّةِ، وَمُنَافِقِيهَا، وَغَبَرَاتٍ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، وَذَلِكَ فِي عَرْصَةِ القِيَامَةِ، ثُمَّ يَحْتَجِبُ عَنْ المُنَافِقِينَ، فَلَا يَرَوْنَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ بْنِ خُزَيْمَة مِنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَقَدْ ذَكَرَ القَاضِي أَبُو يَعْلَى نَحْوَهُ فِي حَدِيثِ إتْيَانِهِ- -لَهُمْ فِي المَوْقِفِ؛ الحَدِيث المَشْهُور. الثَّالِثُ: أَنَّ الكُفَّارَ يَرَوْنَهُ رُؤْيَةَ تَعْرِيفٍ وَتَعْذِيبٍ؛ كَاللِّصِّ إذَا رَأَى السُّلطَانَ، ثُمَّ يَحْتَجِبُ عَنْهُمْ؛ لِيَعْظُمَ عَذَابُهُمْ، وَيَشْتَدَّ عِقَابُهُمْ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الحَسَنِ بْنِ سَالِمٍ وَأَصْحَابِهِ، وَقَوْلِ غَيْرِهِمْ؛ وَهُمْ فِي الأُصُولِ مُنْتَسِبُونَ إلَى الإِمَامِ أَحْمَد بْنِ

стр. 263

حَنْبَلٍ، وَإِلَى سَهْل بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التَّسْتري» (١). وممَّن رَجَّحَ رؤيَةَ الكُفَّارِ وَالمُنَافِقِينَ للهِ فِي عَرَصاتِ القيامةِ العَلَّامةُ ابنُ القيِّم ﵀ فِي «حادي الأرواح» (ص ٢٦٢). أما أهل الكفر فكما قالَ الله عنهم: (كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُون) [المطفِّفين: ١٥]، فيُحجبون عن رؤية الله ، ولا شك أن أعظم عطاءٍ يُعطاه المؤمن؛ النظرُ إلى وجهه الكريم. ولذلك أحد الصحابة لما سمعَ ذلك قال: (لن نعدِم من ربٍ يضحكُ خيرا) (٢) فالله سيتجلَّى لعباده المؤمنين وسيرونه، وهذه الرؤية منها ما يكون في عرصاتِ يوم القيامة، ومنها ما يكون بعد دخولهم الجنة. فمن عقيدةِ أهلِ السنَّةِ والجماعة أن رؤية الله ثابتة بنصوصِ القرآن والسنَّة، فنؤمنُ بها ونصدِّقُ بها كما أخبرت بذلك النصوص. رؤية النبي ﷺ ربه ليلة المعراج. بعد اتفاق أهل السنة والجماعة على أن الله تعالى لا يراه أحد في الدنيا يقظة فقد اختلفوا في رؤية نبينا ﷺ ربه ليلة المعراج. رؤية النبي ﷺ لربه في ليلة المعراج فقد وقع الخلاف فيها بين أحد قولين:

стр. 264

إما إنكار هذه الرؤيا وأنها لم تقع. وإما إثباتها ولكن على أنها رؤية بالقلب، وليست رؤية بالعين، فقد حصل الاختلاف بين الصحابة في هذه المسألة، فعائشة-﵂-ومن معها لم يثبتوا هذه الرؤية. وابن عباس أثبتها، ولكن رواية عند عباس بين أن تكون مطلقة حيث قال: "رأى محمد ربه" ومقيده بقوله: "رأى محمد ربه بقلبه" (١) والصواب: كما يرى شيخ الإسلام بن تيمية أن الرؤيا وقعت بالقلب ولم تقع بالعين. قال الإمام ابن القيم: «حكى عثمان بن سعيد الدارمي في كتاب (الرؤية) له: إجماع الصحابة على أنه لم ير ربه ليلة المعراج، وبعضهم استثنى ابن عباس فيمن قال ذلك، وشيخنا-أي: ابن تيمية-يقول: ليس ذلك بخلاف في الحقيقة، فإن ابن عباس لم يقل: رآه بعيني رأسه، وعليه اعتمد أحمد في إحدى الروايتين حيث قال: إنه- ﷺ -رآه ، ولم يقل: بعيني رأسه، ولفظ أحمد لفظ ابن عباس ﵄، ويدل على صحة ما قال شيخنا في معنى حديث أبي ذر-﵁ عن النبي- ﷺ -في الحديث الآخر: «حجابُه النُّورُ» (٢)، فهذا النور هو-والله

стр. 265

أعلم-النور المذكور في حديث أبي ذر-﵁: «رأيتُ نُورًا» " (١) (٢). وهو ما رجَّحه-أيضًا-شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى»، حيث قال ﵀: «ولم يتنازعوا إلا في النبي- ﷺ -خاصة مع أن جماهير الأئمة على أنَّه لم يَره بعينه في الدنيا، وعلى هذا دَلَّت الآثار الصحيحة الثابتة النبي- ﷺ -والصحابة وأئمة المسلمين، ولم يثبت عن ابن عباس ولا عن الإمام أحمد وأمثالهما أنهم قالوا: إن محمدًا رأى ربه بعينه، بل الثابت عنهم: إمَّا إطلاق الرؤية. وإمَّا تقييدها بالفؤاد. وليس في شيء من أحاديث المعراج الثابتة أنه رآه بعينه، وقوله: «أتاني البارحةَ رَبِّي في أحسن صورة» (٣) الحديث الذي رواه الترمذي وغيره إنما كان بالمدينة في المنام هكذا جاء مفسرًا) (٤). فحملوا الآثار المُطلقة الواردة في الرؤية؛ كأثر ابن عباس: «رأى محمدٌ ربَّه» على الرؤية القلبية، وحملوا الآثار النافية للرؤية؛ كأثر عائشة-﵂-على الرؤية البصرية؛ لأنه-من خلال التَّتبع-لم يَرِد عن أحد منهم أنه قال: رآه بعينه، وعليه فلا تعارض بين هذه النصوص.

стр. 266

قال المصنف-رحمه الله تعالى-: "وأن الله يخرج أقوامًا من النار بشفاعة محمد- ﷺ " (١). جاء في إثبات الشفاعة أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ بلغت حد التواتر، وصرحت هذه الأحاديث بأنه يدخل النار جملة من أهل الكبائر، من أهل التوحيد، مؤمنون موحدون، لكن دخلوا النار بذنوب ومعاص ارتكبوها ولم يتوبوا منها. أنواع شفاعات النبي ﷺ يوم القيامة. اختلف أهل العلم في عدد شفاعات النبي ﷺ يوم القيامة (٢)،

стр. 267

فبعضهم أوصلها إلى عشر شفاعات وهو الراجح-إن شاء الله-لما تدل عليه الأحاديث الصحيحة وتقوم عليه الأدلة وهي كما يلي: الأولى: الشفاعة العظمى: وهي في فصل الموقف بعد دلالة الرسل عليه واعتذارهم عنها. • فعن أبي هريرة ﵁ قال: أتي رسول الله ﷺ يوماً بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهس منها نهسة فقال: «أنا سيد الناس يوم القيامة وهل تدرون بم ذاك؟ يجمع الله يوم القيامة الأولين والآخرين في صعيد واحد فيسمعهم الداعي وينفذهم البصر وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب مالا يطيقون ومالا يحتملون. فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون ما أنتم فيه ألا ترون

стр. 268

ما قد بلغكم ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: ائتوا آدم فيأتون آدم فيقولون يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه ألا ترى إلى ما قد بلغنا. فيقول آدم: إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته نفسي، نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى نوح. فيأتون نوحاً فيقولون: يا نوح أنت أول الرسل إلى الأرض وسماك الله عبدا شكورا اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه ألا ترى ما قد بلغنا. فيقول لهم: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإنه قد كانت لي دعوة دعوت بها على قومي نفسي، نفسي اذهبوا إلى إبراهيم ﷺ . فيأتون إبراهيم فيقولون: أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه ألا ترى إلى ما قد بلغنا. فيقول لهم إبراهيم: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله وذكر كذباته نفسي، نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى موسى. فيأتون موسى ﷺ فيقولون: يا موسى أنت رسول الله فضلك الله

стр. 269

برسالاته وبتكليمه على الناس اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه ألا ترى ما قد بلغنا. فيقول لهم موسى ﷺ : إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإني قتلت نفساً لم أو مر بقتلها نفسي، نفسي اذهبوا إلى عيسى ﷺ . يأتون عيسى فيقولون: يا عيسى أنت رسول الله وكلمت الناس في المهد وكلمة منه ألقاها إلى مريم وروح منه فاشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه ألا ترى ما قد بلغنا. فيقول لهم عيسى ﷺ : إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله ولم يذكر له ذنبا نفسي، نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى محمد ﷺ . فيأتوني فيقولون: يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء وغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه ألا ترى ما قد بلغنا. فانطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدا لربي، ثم يفتح الله علي ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه لأحد قبلي، ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك سل تعطه اشفع تشفع، فأرفع رأسي فأقول: يا رب أمتي، أمتي فيقال يا محمد أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من

стр. 270

أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، والذي نفس محمد بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة لكما بين مكة وهجر أو كما بين مكة وبصرى» (١) • وعن أنس أن النبي ﷺ قال: «يجمع الله المؤمنين يوم القيامة كذلك فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا. فيأتون آدم فيقولون: يا آدم أما ترى الناس خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء اشفع لنا إلى ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا. فيقول: لست هناك، ويذكر لهم خطيئته التي أصاب، ولكن ائتوا نوحا فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض. فيأتون نوحا فيقول: لست هناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب، ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن. فيأتون إبراهيم فيقول: لست هناكم، ويذكر لهم خطاياه التي أصابها، ولكن ائتوا موسى عبدا آتاه الله التوراة وكلمه تكليما. فيأتون موسى فيقول: لست هناكم، ويذكر لهم خطيئته التي أصاب، ولكن ائتوا عيسى عبد الله ورسوله وكلمته وروحه. فيأتون عيسى فيقول: لست هناكم، ولكن ائتوا محمدا ﷺ عبدا غفر

стр. 271

له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. • فيأتونني فأنطلق فأستأذن على ربي فيؤذن لي عليه، فإذا رأيت ربي وقعت له ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقال: لي ارفع محمد وقل يسمع وسل تعطه واشفع تشفع، فأحمد ربي بمحامد علمنيها ثم أشفع فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة، ثم أرجع فإذا رأيت ربي وقعت ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقال: ارفع محمد وقل يسمع وسل تعطه واشفع تشفع، فأحمد ربي بمحامد علمنيها ربي، ثم أشفع فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة، ثم أرجع فإذا رأيت ربي وقعت ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقال: ارفع محمد قل يسمع وسل تعطه واشفع تشفع، فأحمد ربي بمحامد علمنيها، ثم أشفع فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة، ثم أرجع فأقول: يا رب ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن ووجب عليه الخلود؛ قال النبي ﷺ : «يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن برة، ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه ما يزن من الخير ذرة» (١) • وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لكل نبي دعوة فأريد إن شاء الله أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة» (٢).

стр. 272

• وعن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «كل نبي سأل سؤلا، أو قال لكل نبي دعوة قد دعا بها فاستجيب، فجعلت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة». (١) • وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة (٢)، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع

стр. 273

وأول مشفع (١) (٢) قال ابن عبد البر: "في قوله ﷺ «فاختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة». وفي هذا الحديث إثبات الشفاعة وهو ركن من أركان اعتقاد أهل السنة، وهم مجمعون أن تأويل قول الله :﴾ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ

стр. 274

مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء الآية: ٧٩]، المقام المحمود هو شفاعته ﷺ في المذنبين من أمته، ولا أعلم في هذا مخالفاً إلا شيئاً رويته عن مجاهد، وقد روي عنه خلافه على ما عليه الجماعة فصار إجماعاً منهم والحمد لله". (١) الشفاعة الثانية هي: لمن يصبر على لأواء المدينة (٢) وشدتها: وقد جاءت الأحاديث الصحيحة في الترغيب في الصبر على لأواء المدينة وشدتها وأن ذلك من موجبات شفاعته ﷺ فمنها: • عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من صبر على لأوائها (٣) وشدتها كنت له شفيعاً

стр. 275

أو شهيداً (١)

стр. 276

يوم القيامة» (١) • وعن يحنس مولى الزبير أخبره أنه كان جالساً عند عبد الله بن عمر في الفتنة فأتته مولاة له تسلم عليه فقالت إني أردت الخروج يا أبا عبد الرحمن اشتد علينا الزمان فقال لها عبد الله اقعدي لكاع فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول لا يصبر على لأوائها وشدتها أحد إلا كنت له شهيداً أو شفيعاً يوم القيامة. (٢). • وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يصبر على لأواء المدينة وشدتها أحد من أمتي إلا كنت له شفيعاً يوم القيامة أو شهيدًا» (٣). • وعن أبي سعيد مولى المهري أنه جاء أبا سعيد الخدري ليالي الحرة فاستشاره في الجلاء من المدينة وشكا إليه أسعارها وكثرة عياله، وأخبره أن لا صبر له على جهد المدينة ولأوائها فقال له: ويحك لا آمرك بذلك، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يصبر أحد على لأوائها فيموت إلا كنت له شفيعاً أو شهيداً يوم القيامة إذا كان مسلماً (٤). • وعن أسماء بنت عميس ﵂ أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يصبر على لأواء المدينة وشدتها أحد إلا كنت له شهيداً أو شفيعاً

стр. 277

يوم القيامة. (١). • وعن عامر بن سعد عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :» إني أحرم ما بين لابتي المدينة أن يقطع عضاهها أو يقتل صيدها» وقال: «المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، لا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير منه، ولا يثبت أحد على لأوائها وجهدها إلا كنت له شفيعاً أو شهيداً يوم القيامة» (٢) • وعن أفلح مولى أبي أيوب الأنصاري ﵁ أنه مر بزيد بن ثابت وأبي أيوب وهما قاعدان عند مسجد الجنائز فقال أحدهما لصاحبه: تذكر حديثاً حدثناه رسول الله ﷺ في هذا المجلس الذي نحن فيه؟ قال: نعم عن المدينة سمعته وهو يزعم أنه «سيأتي على الناس زمان يفتح فيه فتحات الأرض، فيخرج إليها رجال يصيبون رخاء وعيشا وطعاما فيمرون على إخوان لهم حجاجاً أو عماراً فيقولون: ما يقيمكم في لأواء العيش وشدة الجوع» قال رسول الله ﷺ : «فذاهب وقاعد» حتى قالها مراراً «والمدينة خير لهم، لا يثبت بها أحد فيصبر على لأوائها وشدتها حتى يموت إلا كنت له يوم القيامة شهيداً أو شفيعاً " (٣)

стр. 278

الشفاعة الثالثة: الشفاعة لمن يموت بالمدينة (١). وقد جاءت الأحاديث الصحيحة في الترغيب في الموت بالمدينة وأن ذلك من موجبات شفاعته ﷺ ، ومنها: • عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليمت بالمدينة (٢) فإني أشفع لمن يموت

стр. 279

بها" (١). • وعن صفية بنت أبي عبيد ﵂ أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول:» من استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليمت فإنه من مات بها كنت له شهيداً أو شفيعاً يوم القيامة» (٢) الشفاعة الرابعة: الشفاعة في دخول الجنة بغير حساب. • عن ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون وعلى

стр. 280

ربهم يتوكلون" (١). • وعن سهل بن سعد ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفا أو سبعمائة ألف شك في أحدهما متماسكين أخذ بعضهم ببعض حتى يدخل أولهم وأخرهم الجنة، ووجوههم على ضوء القمر ليلة البدر» (٢). • وعن عمران بن حصين ﵁ قال: قال نبي الله ﷺ : «يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب». قالوا ومن هم يا رسول الله قال: «هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون». فقام عكاشة فقال ادع الله أن يجعلني منهم قال: «أنت منهم». قال: فقام رجل فقال يا نبي الله ادع الله أن يجعلني منهم قال: «سبقك بها عكاشة» (٣). • وعن أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يدخل من أمتي زمرة هم سبعون ألفا تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر» قال أبو هريرة فقام عكاشة بن محصن الأسدي يرفع نمرة عليه فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فقال رسول الله ﷺ : «اللهم اجعله منهم» ثم قام رجل من الأنصار فقال يا رسول الله ادع الله أن يجعلني

стр. 281

منهم فقال رسول الله ﷺ : «سبقك بها عكاشة» (١) الشفاعة الخامسة: الشفاعة فيمن قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه. • عن أبي هريرة ﵁ أنه قال قيل يا رسول الله من أسعد الناس (٢)

стр. 282

بشفاعتك يوم القيامة قال رسول الله ﷺ : «لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك لما رأيت من حرصك على الحديث أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه أو نفسه» (١). • وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ قال: «يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن برة، ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرة» (٢). الشفاعة السادسة: الشفاعة في أهل الكبائر من أمته. • عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» (٣).

стр. 283

• وعن ابن عمر رضي الله عنمها قال: " كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا رسول الله ﷺ يقول:﴾ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴿قال: «إني ادخرت دعوتي شفاعة لأهل الكبائر من أمتي». قال: فأمسكنا عن كثير مما كان في أنفسنا ثم نطقنا بعد ورجونا لهم (١). • وعن أسماء بنت عميس أنها قالت يا رسول ادع الله أن يجعلني ممن تشفع له يوم القيامة فقال لها رسول الله ﷺ : «إذن تخمشك النار فإن شفاعتي لكل هالك من أمتي تخمشه النار» (٢) قال ابن عباس رض الله عنهما: "السابق بالخيرات يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد يدخل الجنة برحمة الله، والظالم لنفسه وأصحاب الأعراف يدخلون الجنة بشفاعة محمد ﷺ " (٣) وقال جابر بن عبد الله ﵁: "من لم يكن من أهل الكبائر فما له

стр. 284

وللشفاعة (١) " (٢). الشفاعة السابعة: الشفاعة في رفع الدرجات. • عن أم سلمة ﵂ قالت: دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه ثم قال: «إن الروح إذا قبض تبعه البصر» فضج ناس من أهله فقال: «لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون». ثم قال: «اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين واخلفه

стр. 285

في عقبة في الغابرين واغفر لنا وله يا رب العالمين وأفسح له في قبره ونور له فيه» (١). • وعن أبي موسى ﵁ قال لما فرغ النبي ﷺ من حنين بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس فلقي دريد بن الصمة فقتل دريد وهزم الله أصحابه قال أبو موسى وبعثني مع أبي عامر فرمي أبو عامر في ركبته رماه جشمي بسهم فأثبته في ركبته فانتهيت إليه فقلت يا عم من رماك فأشار إلى أبي موسى فقال ذاك قاتلي الذي رماني فقصدت له فلحقته فلما رآني ولى فاتبعته وجعلت أقول له ألا تستحي ألا تثبت فكف فاختلفنا ضربتين بالسيف فقتلته ثم قلت لأبي عامر قتل الله صاحبك قال فانزع هذا السهم فنزعته فنزا منه الماء قال يا بن أخي أقرئ النبي ﷺ السلام وقل له استغفر لي واستخلفني أبو عامر على الناس فمكث يسيراً ثم مات فرجعت فدخلت على النبي ﷺ في بيته على سرير مرمل وعليه فراش قد أثر رمال السرير بظهره وجنبيه فأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامر وقال قل له استغفر لي فدعا بماء فتوضأ ثم رفع يديه فقال: " اللهم اغفر لعبيد أبي عامر ورأيت بياض إبطيه ثم قال اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس فقلت ولي فاستغفر فقال اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه وأدخله يوم القيامة مدخلاً كريماً قال أبو بردة إحداهما لأبي عامر والأخرى لأبي موسى (٢)
следующие страницы →