← Акыда

Акыда · id 30121

القول المسدد في شرح رسالة الإمام أحمد

محمد بن خليفة التميمي

Полный текст (704 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

منهم فقال رسول الله ﷺ : «سبقك بها عكاشة» (١) الشفاعة الخامسة: الشفاعة فيمن قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه. • عن أبي هريرة ﵁ أنه قال قيل يا رسول الله من أسعد الناس (٢)

стр. 282

بشفاعتك يوم القيامة قال رسول الله ﷺ : «لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك لما رأيت من حرصك على الحديث أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه أو نفسه» (١). • وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ قال: «يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن برة، ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرة» (٢). الشفاعة السادسة: الشفاعة في أهل الكبائر من أمته. • عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» (٣).

стр. 283

• وعن ابن عمر رضي الله عنمها قال: " كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا رسول الله ﷺ يقول:﴾ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴿قال: «إني ادخرت دعوتي شفاعة لأهل الكبائر من أمتي». قال: فأمسكنا عن كثير مما كان في أنفسنا ثم نطقنا بعد ورجونا لهم (١). • وعن أسماء بنت عميس أنها قالت يا رسول ادع الله أن يجعلني ممن تشفع له يوم القيامة فقال لها رسول الله ﷺ : «إذن تخمشك النار فإن شفاعتي لكل هالك من أمتي تخمشه النار» (٢) قال ابن عباس رض الله عنهما: "السابق بالخيرات يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد يدخل الجنة برحمة الله، والظالم لنفسه وأصحاب الأعراف يدخلون الجنة بشفاعة محمد ﷺ " (٣) وقال جابر بن عبد الله ﵁: "من لم يكن من أهل الكبائر فما له

стр. 284

وللشفاعة (١) " (٢). الشفاعة السابعة: الشفاعة في رفع الدرجات. • عن أم سلمة ﵂ قالت: دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه ثم قال: «إن الروح إذا قبض تبعه البصر» فضج ناس من أهله فقال: «لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون». ثم قال: «اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين واخلفه

стр. 285

في عقبة في الغابرين واغفر لنا وله يا رب العالمين وأفسح له في قبره ونور له فيه» (١). • وعن أبي موسى ﵁ قال لما فرغ النبي ﷺ من حنين بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس فلقي دريد بن الصمة فقتل دريد وهزم الله أصحابه قال أبو موسى وبعثني مع أبي عامر فرمي أبو عامر في ركبته رماه جشمي بسهم فأثبته في ركبته فانتهيت إليه فقلت يا عم من رماك فأشار إلى أبي موسى فقال ذاك قاتلي الذي رماني فقصدت له فلحقته فلما رآني ولى فاتبعته وجعلت أقول له ألا تستحي ألا تثبت فكف فاختلفنا ضربتين بالسيف فقتلته ثم قلت لأبي عامر قتل الله صاحبك قال فانزع هذا السهم فنزعته فنزا منه الماء قال يا بن أخي أقرئ النبي ﷺ السلام وقل له استغفر لي واستخلفني أبو عامر على الناس فمكث يسيراً ثم مات فرجعت فدخلت على النبي ﷺ في بيته على سرير مرمل وعليه فراش قد أثر رمال السرير بظهره وجنبيه فأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامر وقال قل له استغفر لي فدعا بماء فتوضأ ثم رفع يديه فقال: " اللهم اغفر لعبيد أبي عامر ورأيت بياض إبطيه ثم قال اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس فقلت ولي فاستغفر فقال اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه وأدخله يوم القيامة مدخلاً كريماً قال أبو بردة إحداهما لأبي عامر والأخرى لأبي موسى (٢)

стр. 286

• وعن أبي هريرة ﵁ قال: "أنا أعلم الناس بشفاعة محمد ﷺ يوم القيامة قال فتداك الناس عليه فقالوا أيه يرحمك الله قال يقول: «اللهم اغفر لكل عبد مسلم لقيك مؤمن بي لا يشرك بك" (١). الشفاعة الثامنة: الشفاعة للخروج من النار. • عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله يخرج قوماً من النار بالشفاعة» (٢) • وعن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يخرج قوم من النار بعد ما مسهم منها سفع فيدخلون الجنة فيسميهم أهل الجنة الجهنميين» (٣). • وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن قوماً يخرجون من النار يحترقون فيها إلا دارات وجوههم حتى يدخلون الجنة» (٤). • وعن عمران بن حصين ﵄ عن النبي ﷺ قال: «يخرج قوم من النار بشفاعة محمد ﷺ فيدخلون الجنة يسمون الجهنميين». (٥)

стр. 287

• وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا أزال أشفع لأمتي حتى يقال يا محمد أخرج من النار من في قلبه وزن شعيرة إلى أن قال فيقال يا محمد أخرج مَنْ في قلبه مقدار جناح بعوضة من إيمان» (١). الشفاعة التاسعة: الشفاعة التي يجتمع فيها الله جل وعلا والنبيون والملائكة والمؤمنون. • عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قلنا يا رسول الله: هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: «هل تضارون في رؤية الشمس والقمر إذا كانت صحوا». قلنا: لا. قال: «فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم يومئذ إلا كما تضارون في رؤيتهما». ثم قال: «ينادي مناد ليذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون، فيذهب أصحاب الصليب مع صليبهم، وأصحاب الأوثان مع أوثانهم، وأصحاب كل آلهة مع آلهتهم، حتى يبقى من كان يعبد الله من بر أو فاجر وغبرات من أهل الكتاب، ثم يؤتى بجهنم تعرض كأنها سراب، فيقال لليهود: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزير بن الله. فيقال: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولد، فما تريدون؟ قالوا: نريد أن تسقينا؛ فيقال: اشربوا فيتساقطون في جهنم. ثم يقال للنصارى: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد المسيح ابن الله. فيقال: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولد؛ فما تريدون؟ فيقولون: نريد أن تسقينا. فيقال: اشربوا، فيتساقطون في جهنم. حتى يبقى من كان يعبد الله من بر

стр. 288

أو فاجر، فيقال لهم: ما يحبسكم وقد ذهب الناس. فيقولون: فارقناهم ونحن أحوج منا إليه اليوم، وإنا سمعنا منادياً ينادي ليلحق كل قوم بما كانوا يعبدون، وإنما ننتظر ربنا. قال: فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة؛ فيقول: أنا ربكم. فيقولون: أنت ربنا، فلا يكلمه إلا الأنبياء. فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه. فيقولون: الساق. فيكشف عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن؛ ويبقى من كان يسجد لله رياء وسمعة، فيذهب كيما يسجد فيعود ظهره طبقا واحدا؛ ثم يؤتى بالجسر فيجعل بين ظهري جهنم». قلنا: يا رسول الله وما الجسر؟ قال: «مدحضة مزلة عليه خطاطيف وكلاليب وحسكة مفلطحة لها شكوة عقيفة تكون بنجد يقال لها السعدان؛ المؤمن عليها كالطرف وكالبرق وكالريح وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلم، وناج مخدوش، ومكدوس في نار جهنم، حتى يمر آخرهم يسحب سحبا، فما أنتم بأشد لي مناشدة في الحق قد تبين لكم من المؤمن يومئذ للجبار، وإذا رأوا أنهم قد نجوا في إخوانهم يقولون: ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا ويعملون معنا. فيقول الله تعالى: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه، ويحرم الله صورهم على النار، فيأتونهم وبعضهم قد غاب في النار إلى قدمه، وإلى أنصاف ساقيه، فيخرجون من عرفوا ثم يعودون. فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار فأخرجوه؛ فيخرجون من عرفوا ثم يعودون. فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال

стр. 289

ذرة من إيمان فأخرجوه؛ فيخرجون من عرفوا». قال أبو سعيد فإن لم تصدقوني فاقرؤوا ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء الآية: ٤٠]، «فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون فيقول الجبار: بقيت شفاعتي فيقبض قبضة من النار فيخرج أقواما قد امتحشوا فيلقون في نهر بأفواه الجنة يقال له ماء الحياة، فينبتون في حافتيه كما تنبت الحبة في حميل السيل قد رأيتموها إلى جانب الصخرة إلى جانب الشجرة فما كان إلى الشمس منها كان أخضر وما كان منها إلى الظل كان أبيض فيخرجون كأنهم اللؤلؤ فيجعل في رقابهم الخواتيم؛ فيدخلون الجنة. فيقول أهل الجنة هؤلاء عتقاء الرحمن أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه فيقال لهم لكم ما رأيتم ومثله معه» (١). • وعن أبي هريرة ﵁ أن الناس قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ : «هل تضارون في القمر ليلة البدر». قالوا: لا يا رسول الله. قال: «فهل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب». قالوا: لا يا رسول الله. قال: «فإنكم ترونه، كذلك يجمع الله الناس يوم القيامة فيقول: من كان يعبد شيئاً فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس، الشمس ويتبع من كان يعبد القمر، القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت، الطواغيت، وتبقى هذه الأمة

стр. 290

فيها شافعوها أو منافقوها». شك إبراهيم «فيأتيهم الله فيقول: أنا ربكم، فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاءنا ربنا عرفناه. فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون فيقول: أنا ربكم فيقولون: أنت ربنا فيتبعونه، ويضرب الصراط بين ظهري جهنم فأكون أنا وأمتي أول من يجيزها، ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، ودعوى الرسل يومئذ اللهم سلم، سلم، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان هل رأيتم السعدان» قالوا: نعم يا رسول الله. قال: «فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم ما قدر عظمها إلا الله تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم المؤمن يبقى بعمله، أو الموبق بعمله، أو الموثق بعمله، ومنهم المخردل أو المجازى، أو نحوه، ثم يتجلى، حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئا ممن أراد الله أن يرحمه ممن يشهد أن لا إله إلا الله فيعرفونهم في النار بأثر السجود تأكل النار بن آدم إلا أثر السجود حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار قد امتحشوا، فيصب عليهم ماء الحياة فينبتون تحته كما تنبت الحبة في حميل السيل، ثم يفرغ الله من القضاء بين العباد ويبقى رجل مقبل بوجهه على النار هو آخر أهل النار دخولًا الجنة؛ فيقول: أي رب اصرف وجهي عن النار فإنه قد قشبني ريحها وأحرقني ذكاؤها، فيدعو الله بما شاء أن يدعوه. ثم يقول الله: هل عسيت إن أعطيت ذلك أن تسألني غيره. فيقول: لا، وعزتك لا أسألك غيره، ويعطي ربه من عهود ومواثيق ما شاء؛ فيصرف الله وجهه عن النار فإذا

стр. 291

أقبل على الجنة ورآها سكت ما شاء الله إن يسكت ثم يقول أي رب قدمني إلى باب الجنة. فيقول الله له: ألست قد أعطيت عهودك ومواثيقك أن لا تسألني غير الذي أعطيت أبدا، ويلك يا بن آدم ما أغدرك. فيقول: أي رب ويدعو الله. حتى يقول: هل عسيت إن أعطيت ذلك أن تسأل غيره. فيقول: لا وعزتك لا أسألك غيره. ويعطي ما شاء من عهود ومواثيق فيقدمه إلى باب الجنة فإذا قام إلى باب الجنة انفهقت له الجنة فرأى ما فيها من الحبرة والسرور، فيسكت ما شاء الله أن يسكت. ثم يقول: أي رب أدخلني الجنة. فيقول الله: ألست قد أعطيت عهودك ومواثيقك أن لا تسأل غير ما أعطيت، فيقول: ويلك يا بن آدم ما أغدرك. فيقول: أي رب لا أكونن أشقى خلقك؛ فلا يزال يدعو حتى يضحك الله منه، فإذا ضحك منه قال له ادخل الجنة، فإذا دخلها قال الله له: تمنه. فسأل ربه وتمنى حتى إن الله ليذكره يقول: كذا وكذا حتى انقطعت به الأماني. قال الله: ذلك لك ومثله معه». وفي لفظ «وعشرة أمثاله معه» (١) • وفي المسند من حديث أبي سعيد مرفوعاً: "ثم يشفع الأنبياء في كل من كان يشهد أن لا إله إلا الله مخلصاً، فيخرجونهم منها، قال: ثم يتحنن الله برحمته على من فيها فما يترك فيها عبداً في قلبه مثقال حبة من إيمان إلا أخرجه منها" (٢)

стр. 292

• وعن أبي سعيد ﵁ قال: "فيقول الله : شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين" (١) • وأخرج الإمام أحمد من مسند أبي بكر الصديق في إثبات شفاعة الصالحين والمؤمنين قوله ﷺ : «ثم يقال: ادعوا الأنبياء، فيشفعون، ثم يقال: ادعوا الصديقين، فيشفعون، ثم يقال: ادعوا الشهداء فيشفعون (٢). (٣)

стр. 293

• وكذا حديث أبي بكرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «يحمل الناس على الصراط، فينجي الله من شاء برحمته ثم يؤذن للملائكة، والنبيين، والشهداء، والصديقين فيشفعون» الحديث (١). كما ثبت أيضاً حصول شفاعة المؤمنين لإخوانهم قبل يوم القيامة، وذلك في الدنيا، وهي استشفاعهم إلى الله تعالى في الصلاة على من مات منهم بالرحمة والغفران والتجاوز. • فعن عائشة عن النبي ﷺ : «ما من ميت تصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه» (٢) • وعن عبد الله بن عباس «أنه مات ابن له بقديد أو بعسفان فقال: يا كريب، انظر ما اجتمع له الناس، قال: فخرجت، فإذا ناس قد

стр. 294

اجتمعوا له، فأخبرته، فقال: تقول: هم أربعون؟ قال: نعم، قال: فأخرجوه فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم فيه». (١) وتمام الحديث عن ابن ماجه: «ما من أربعين من مؤمن يشفعون لمؤمن إلا شفعهم الله فيه» (٢) • وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من صلى عليه مائة من المسلمين غفر له» (٣) الشفاعة العاشرة: الشفاعة في عمه أبي طالب في تخفيف العذاب عنه (٤).

стр. 295

• عن العباس بن عبد المطلب ﵁ أنه قال للنبي ﷺ : "ما أغنيت عن عمك فإنه كان يحوطك ويغضب لك قال: «هو في ضحضاح (١) من نار ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار» ". (٢)

стр. 296

• وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه سمع النبي ﷺ وذكر عنده عمه فقال لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه، وفي لفظ تغلي منه أم دماغه" (١). ولله بعد ذلك تفضل كثير فيمن يشاء فيخرج برحمته بقية أهل التوحيد الذين لم يشفع فيهم، كما جاء ذلك صريحا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا، فَإِنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلَا يَحْيَوْنَ، وَلَكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمُ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ-أَوْ قَالَ بِخَطَايَاهُمْ-فَأَمَاتَهُمْ إِمَاتَةً حَتَّى إِذَا كَانُوا فَحْمًا، أُذِنَ بِالشَّفَاعَةِ، فَجِيءَ بِهِمْ ضَبَائِرَ (٢) ضَبَائِرَ، فَبُثُّوا عَلَى أَنْهَارِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ قِيلَ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، أَفِيضُوا عَلَيْهِمْ، فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحِبَّةِ تَكُونُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ» (٣)

стр. 297

قال المصنف-رحمه الله تعالى-: "وأن الله كلم موسى تكليمًا". يشير المصنف ﵀ إلى ما جاء في: قوله تعالى: (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ) الأعراف: ١٤٣. وقوله تعالى: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) النساء: ١٦٤. وقوله تعالى (يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي)] الأعراف: ١٤٤ [ لا شك أن الله كلم موسى، وموسى كليم الله ، وتكليمه كان يوم الطور، وأن موسى سمع كلام الله بصوت وقع في مسامعه، وهذا الكلام من الله لموسى، ومن قال غير ذلك فقد كفر بالله العظيم، فنحن نؤمن بأن الله يتكلم وأن كلامه بحرفٍ وصوتٍ مسموعين وأن الله شاء أن يُسمع موسى كلامه، فلذلك موسى كليم الله .

стр. 298

قال المصنف-رحمه الله تعالى-: "واتخذ إبراهيم خليلا". يشير المصنف إلى ما ورد في قوله الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ سورة النساء آية (١٢٥). وعن جندب بن عبد الله البجلي أنه قال: سمعت النبي- ﷺ -قبل أن يموت بخمس، وهو يقول: (إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلا، كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلًا) (١). قال شارح العقيدة الطحاوية: "قوله: (ونقول: إن الله اتخذ إبراهيم خليلا، وكلم الله موسى تكليما، إيمانا وتصديقا وتسليما). ش: قال تعالى: ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلا﴾ (النساء: ١٢٥) وقال تعالى: ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾. الخلة: كمال المحبة. وأنكرت الجهمية حقيقة المحبة من الجانبين، زعما منهم أن المحبة لا تكون إلا لمناسبة بين المحب والمحبوب، وأنه لا مناسبة بين القديم والمحدث توجب المحبة!

стр. 299

وكذلك أنكروا حقيقة التكليم، كما تقدم، وكان أول من ابتدع هذا في الإسلام هو الجعد بن درهم، في أوائل المائة الثانية فضحى به خالد بن عبد الله القسري أمير العراق والمشرق بواسط، خطب الناس يوم الأضحى فقال: أيها الناس ضحوا، تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما، ثم نزل فذبحه، وكان ذلك بفتوى أهل زمانه من علماء التابعين ﵃، فجزاه الله عن الدين وأهله خيرا. وأخذ هذا المذهب عن الجعد -الجهم بن صفوان (١)، فأظهره وناظر عليه، وإليه أضيف قول "الجهمية". فقتله سلم بن أحوز أمير خراسان بها، ثم انتقل ذلك إلى المعتزلة أتباع عمرو بن عبيد، وظهر قولهم في أثناء خلافة المأمون، حتى امتحن أئمة الإسلام، ودعوهم إلى الموافقة لهم على ذلك. وأصل هذا مأخوذ عن المشركين والصابئة، وهم ينكرون أن يكون إبراهيم خليلا، وموسى كليما؛ لأن الخلة هي كمال المحبة المستغرقة للمحب، كما قيل: قد تخللت مسلك الروح مني … ولذا سمي الخليل خليلا ولكن محبته وخلته كما يليق به تعالى، كسائر صفاته. ويشهد لما دلت عليه الآية الكريمة ما ثبت في الصحيح عن أبي سعيد

стр. 300

الخدري، عن النبي ﷺ ، قال: «لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صاحبكم خليل الله»، يعني نفسه. وفي رواية: «إني أبرأ إلى كل خليل من خلته، ولو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا». وفي رواية: «إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا». فبين ﷺ أنه لا يصلح له أن يتخذ من المخلوقين خليلا. وأنه لو أمكن ذلك لكان أحق الناس به أبو بكر الصديق. مع أنه ﷺ قد وصف نفسه بأنه يحب أشخاصا، «كقوله لمعاذ: والله إني لأحبك». وكذلك قوله للأنصار. وكان زيد بن حارثة حب رسول الله ﷺ ، وابنه أسامة حبه. وأمثال ذلك. «وقال له عمرو بن العاص: أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، قال: فمن الرجال؟ قال: أبوها»، فعلم أن الخلة أخص من مطلق المحبة، والمحبوب بها لكمالها يكون محبوبا لذاته، لا لشيء آخر، إذ المحبوب لغيره هو مؤخر في الحب عن ذلك الغير، ومن كمالها لا تقبل الشركة [ولا] المزاحمة، لتخللها المحب، ففيها كمال التوحيد وكمال الحب. ولذلك لما اتخذ الله إبراهيم خليلا، وكان إبراهيم قد سأل ربه أن يهب له ولدا صالحا، فوهب له إسماعيل، فأخذ هذا الولد شعبة من قلبه، فغار الخليل على قلب خليله أن يكون فيه مكان لغيره، فامتحنه به بذبحه، ليظهر سر الخلة

стр. 301

في تقديمه محبة خليله على محبة ولده، فلما استسلم لأمر ربه، وعزم على فعله، وظهر سلطان الخلة في الإقدام على ذبح الولد إيثارا لمحبة خليله على محبته، نسخ الله ذلك عنه، وفداه بالذبح العظيم؛ لأن المصلحة في الذبح كانت ناشئة من العزم وتوطين النفس على ما أمر، فلما حصلت هذه المصلحة عاد الذبح مفسدة، فنسخ في حقه، وصارت الذبائح والقرابين من الهدايا والضحايا سنة في أتباعه إلى يوم القيامة" (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وكان الجعد بن درهم من أهل حران، وكان فيهم بقايا من الصابئين والفلاسفة -خصوم إبراهيم الخليل ﵇-فلهذا أنكر تكليم موسى وخلة إبراهيم، موافقة لفرعون ونمرود، بناءً على أصل هؤلاء النفاة، وهو أن الرب تعالى لا يقوم به كلام، ولا يقوم به محبة لغيره، فقتله المسلمون، ثم انتشرت مقالته فيمن ضل من هذا الوجه. والمحبة متضمنة للإرادة، ومسألة الكلام والإرادة ضل فيهما طوائف). (٢) وقال ﵀: (وكان أول من أنكر المحبة الجعد بن درهم، فضحى به خالد بن عبد الله القسري، وقال: «ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليماً، ولا اتخذ إبراهيم خليلاً تعالى الله عما يقول الجعد علواً كبيراً» ثم نزل فذبحه. فإن الخلة من توابع المحبة، فمن كان من أصله أن الله لا يُحِبُ ولا يُحَبُ،

стр. 302

لم يكن للخلة عنده معنى. (١) : هِيَ كَمَال المحبَّة المستلزمة من العَبْد كَمَال العُبُودِيَّة لله، ومن الربِّ سُبْحَانَهُ كَمَال الربوبية لِعِبَادِهِ الَّذين يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ. ولَفظ العُبُودِيَّة يتَضَمَّن كَمَالَ الذُّلِّ وكَمَالَ الحبّ؛ فَإِنَّهُم يَقُولُونَ: قلب مُتَيَّم، إِذا كَانَ متعبدًا للمحبوب. والمتيم: المتعبد، وتيم الله: عبد الله، وهَذَا-على الكَمَال-حصل لإِبْرَاهِيمَ ومُحَمَّدٍ صَلَّى الله عَلَيْهِمَا وسَلَّم. ولِهَذَا لم يكن لَهُ ﷺ من أهل الأَرْض خَلِيل؛ إِذْ الخُلَّة لَا تحْتَمل الشِّركَة؛ فَإِنَّهُ كَمَا قيل فِي المَعْنى: قد تخللت مَسْلَك الرُّوح مني … وبِذَا سُمِّي الخَلِيل خَلِيلًا (٢) بِخِلَاف أصل الحبِّ؛ فَإِنَّهُ ﷺ قد قَالَ فِي الحَدِيث الصَّحِيح فِي الحَسَن وأُسَامَة: «اللَّهُمَّ إني أُحِبُّهما؛ فأَحبَّهما وأحبَّ مَنْ يُحبهما» (٣)، وسَأَلَهُ عَمْرو بن العَاصِ: أَيُّ النَّاس أحبُّ إِلَيْك؟ قَالَ: «عَائِشَة». قَالَ: فَمِنْ

стр. 303

الرِّجَال؟ قَالَ: «أَبوهَا» (١). وقَالَ لعَليٍّ ?: «لَأُعْطيَن الرَّايَة غَدًا رجلًا يُحبُّ اللهَ ورَسُولَه، ويُحِبُّهُ الله ورَسُوله» (٢). وأمثال ذَلِك كثير. وقد أخبر تَعَالَى أَنه ﴿يحبُّ المُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ٧٦]، و ﴿يُحب المُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]، و ﴿يُحب المقسطين﴾ [المائدة: ٤٢]، و ﴿يُحب التوابين ويُحب المتطهرين﴾ [البقرة: ٢٢٢]، و ﴿يُحب الَّذين يُقَاتلُون فِي سَبيله صفا كَأَنَّهُمْ بُنيان مرصوص﴾ [الصف: ٤]، وقَالَ: ﴿فَسَوف يَأْتِي الله بِقوم يُحِبهُمْ ويُحِبُّونَهُ﴾ [المَائِدَة: ٥٤]؛ فقد أخبر بمحبته لِعِبَادِهِ المُؤمنِينَ ومحبة المُؤمنِينَ لَهُ، حَتَّى قَالَ: ﴿والَّذين آمنُوا أَشد حُبًّا لله﴾ [البَقَرَة: ١٦٥]. أمَّا الخلَّة فخاصَّة، وقَول بعض النَّاس: إِنْ مُحَمَّدًا حبيب الله، وإِبْرَاهِيم خَلِيل الله، وظنه أَنْ المحبَّة فَوق الخلَّة؛ قَول ضَعِيف؛ فَإِنْ مُحَمَّدًا-أَيْضًا-خَلِيل الله، كَمَا ثَبت ذَلِك فِي الأَحَادِيث الصَّحِيحَة المستفيضة. وكَانَ رَسُول الله ﷺ يحب المُؤمنِينَ الَّذين يُحِبُّهُمْ الله؛ لِأَنَّهُ أكمل النَّاس محبَّة لله، وأحقهم بِأَنْ يحب مَا يُحِبهُ الله، ويبغض مَا يبغضه الله، والخلة لَيْسَ لغير الله فِيهَا نصيب، بل قَالَ: «لَو كنتُ متخذًا من أهل الأَرْض خَلِيلًا لاتَّخذت أَبَا بكر خَلِيلًا» (٣) -علم مزِيد مرتبَة الخلَّة على مُطلق المحبَّة.

стр. 304

والمَقْصُود: هُو أَنْ الخلَّة والمحبة لله: تَحْقِيق عبوديته، وإِنَّمَا يغلط من يغلط فِي هَذِه من حَيْثُ يتوهمون أَنَّ العُبُودِيَّة مُجَرّد ذلٍّ وخضوع فَقَط، لَا محبَّة مَعَه، وأَن المحبَّة فِيهَا انبساط فِي الأَهْواء أَوْ إدلال لَا تَحتمله الربوبية، ولِهَذَا يُذكر عَنْ ذِي النُّون: أَنهم تكلمُوا عِنْده فِي مَسْأَلَة المحبَّة؛ فَقَالَ: «أَمْسكُوا عَنْ هَذِه المَسْأَلَة لَا تسمعها النُّفُوس فتدَّعيها». ونعلم أن إيمان أهل السنة بالصفات إيمان وجود، فإن كانت الخلة أو المحبة أمورًا شعورية وأكثر منها أمورًا حسية، فإن تعريف هذه الصفات هكذا إنما هو بالنسبة لاتصاف المخلوقين بها، ولا يعني أن يكون هذا هو تعريفها في حق الخالق ؛ وإنما يكون إثباتها للخالق إثبات وجود لا إثبات كيف. وقال شارح الطحاوية: "ثبت له ﷺ أعلى مراتب المحبة، وهي الخلة، كما صح عنه ﷺ أنه قال: «إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا. وقال: ولو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صاحبكم خليل الرحمن». والحديثان في الصحيح وهما يبطلان قول من قال: الخلة لإبراهيم والمحبة لمحمد، فإبراهيم خليل الله ومحمد حبيبه. وفي الصحيح أيضا: «إني أبرأ إلى كل خليل من خلته». والمحبة قد ثبتت لغيره. قال تعالى: ﴿والله يحب المحسنين﴾. ﴿فإن الله يحب المتقين﴾. ﴿إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ " (١).

стр. 305

وقال ابن تيمية: "ونعتقد أن الله تعالى اتخذ إبراهيم خليلا واتخذ نبينا محمدا ﷺ خليلا وحبيبا والخلة لهما منه على خلاف ما قاله المعتزلة: إن الخلة الفقر والحاجة. إلى أن قال: " والخلة والمحبة صفتان لله هو موصوف بهما ولا تدخل أوصافه تحت التكييف والتشبيه وصفات الخلق من المحبة والخلة جائز عليها الكيف؛ فأما صفاته تعالى فمعلومة في العلم وموجودة في التعريف قد انتفي عنهما التشبيه فالإيمان به واجب واسم الكيفية عن ذلك ساقط" (١).

стр. 306

قال المصنف-رحمه الله تعالى-: "و الصراط حق". قال ابن القيم-﵀: "ولا ريب أن كل من له التفات إلى سنة رسول الله صلى الله وعليه وسلم واعتناء بها يشهدون شهادة جازمة أن المؤمنين يرون ربهم عيانا يوم القيامة، وإن قومًا من أهل التوحيد يدخلون النار ثم يخرجون منها بالشفاعة، وأن الصراط حق، وتكليم الله لعباده يوم القيامة كذلك" (١) وروي عن الإمام سفيان بن عيينة في اعتقاده قوله: السنة عشرة فمن كن فيه فقد استكمل السنة ومن ترك منها شيئا فقد ترك السنة: إثبات القدر وتقديم أبي بكر وعمر والحوض والشفاعة والميزان والصراط والإيمان قول وعمل والقرآن كلام الله وعذاب القبر والبعث يوم القيامة ولا تقطعوا بالشهادة على مسلم. (٢) وقال شيخ الاسلام: "إذا ثبتت الرسالة ثبت ما أخبر به الرسول مما ينكره بعض أهل البدع كعذاب القبر وسؤال منكر ونكير وكالصراط والشفاعة" (٣). حديث أبي بكرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «يحمل

стр. 307

الناس على الصراط، فينجي الله من شاء برحمته ثم يؤذن للملائكة، والنبيين، والشهداء، والصديقين فيشفعون» الحديث (١). الصِّراط: جِسر منصوب على مَتن جهنم بين الجَنَّة والنَّار، يَمُرُّ النَّاسُ عليه على قَدْرِ أعمالِهم. قال السفاريني ﵀: «والصراط شرعًا: جِسر ممدود على مَتن جهنم يَرده الأولون والآخرون، فهو قنطرة جهنم بين الجنة والنار، وخُلِق مِنْ حين خُلِقت جهنم» (٢). وفي قوله : ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧١، ٧٢]. قال الشيخ السعدي: «هذا خطابٌ لسائر الخلائق؛ بَرِّهم وفاجرهم، ومؤمنهم وكافرهم: أنَّه ما منهم مِنْ أحدٍ إلا سيرد النار حكمًا حَتمه الله على نفسه، وأوعد به عباده، فلا بد مِنْ نفوذه، ولا محيد عن وقوعه» (٣). فالناس سيردون جهنم؛ لأنَّ الصراط مَنصوب على مَتْنِها.

стр. 308

وتختلف أحوال الناس في المرور عليه، كما جاء عن ابن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ قال: «يَرِدُ الناس النَّارَ، ثم يَصدرون عنها بأعمالهم؛ فأولهم كلمح البَرق، ثم كالرِّيح، ثم كحُضْر الفرس (١)، ثم كالرَّاكب في رَحْلِه، ثم كَشَدِّ الرَّجل ثم كمَشيه» (٢). وقد جاء في وصفه أنه: صراطٌ دقيق جدًّا، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: «بَلغني أنَّ الجسر أدق من الشعرة، وأحَدُّ من السيف» (٣). والصِّراط مِنْ عرصات وأهوال يوم القيامة، وأول مَنْ يجوز عليه: النبيُّ ﷺ وأمته؛ فعن أبي هريرة ﵁: « … ويُضْرَبُ الصِّراط بين ظَهْري جَهَنَّم فأكونُ أنا وأُمَّتي أَوَّل مَنْ يُجيزها، ولا يتكلم يومئذ إلَّا الرُّسل، ودَعوى الرُّسل يَومئذ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، وفي جهنم كلاليب مِثل شَوْك السَّعدان؛ هل رأيتم السَّعدان؟»، قالوا: نَعم يا رسول الله. قال: «فإنَّها مِثل شَوك السَّعدان غَير أنَّه لا يَعلم قَدْرَ عِظَمِها إلَّا الله ، تَخطف النَّاسَ بأعمالهم، فمَنهم المُوبق بعملِه، والمُوثق بعمله، ومنهم المُخَرْدَل والمُجَازَى» (٤).

стр. 309

قال الإمامُ القرطبيُّ رحمه الله تعالى: «فَتَفَكَّر الآن فيما يَحِلُّ بك من الفَزع بفؤادك إذا رأيتَ الصِّراط ودِقَّتَه، ثُمَّ وَقَعَ بصرُك على سَوَادِ جَهنم من تحته، ثم قَرَعَ سَمْعَك شَهِيقُ النارِ وتَغَيُّظُها، وقد كُلِّفْت أن تَمشي على الصِّراط مع ضَعف حالك، واضطراب قلبِك، وتَزَلزُلِ قَدَمِك، وثِقَل ظَهْرك بالأوزار المانعة لك مِنْ المَشي على بساط الأرض فضلًا عن حِدَّة الصِّراط، فكيف بك إذا وَضَعْتَ عليه إحدى رِجليك فَأَحْسَسْتَ بِحِدَّتِه، واضطررت إلى أن تَرفع القَدَم الثاني، والخلائق بين يديك يَزِلُّون ويَعثرون، وتتناولهم زبانيةُ النَّار بالخطاطيف والكلاليب، وأنت تنظر إليهم كيف ينكسون فَتَسْفُل إلى جهة النار رُءوسهم، وتَعْلُو أَرْجُلُهم؛ فَيَا له مِنْ مَنظر ما أَفْظَعَه! ومُرْتَقًى ما أَصْعَبَه! ومَجاز ما أَضْيَقَه!» (١). ومع كل هذا فالمؤمن يمر عليه مرورًا سريعًا جدًّا. ولذلك لا بد أن يعلم الإنسان أنه إذا أراد اجتياز الصراط إلى الجنة: أنه مطالب بمجاهدة نفسه في هذه الحياة؛ للثبات على منهج الله، وعليه النظر فيما هو مُقدم عليه من هذه الأهوال؛ قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨]؛ وإذا كان الإنسان يحتاط جدًّا في سفر الدنيا وخاصة إذا سَمِع أن فيه مشقة، وأنه قد يُصيبه العنت فيه-فماذا قَدَّم ليوم القيامة وما فيه من كربات وأهوال؟

стр. 310

وليحاسب نفسه هنا: لماذا هذه الغشاوة التي على عينيه، ولماذا هذه الغفلة التي في قلبه عن هذا المصير المحتوم؟! ولماذا الركون إلى الدنيا وعدم استثمار الأنفاس فيما ينفع وينجي في هذا اليوم؟! فكيف يوقن العبد بهذه الحقائق ومع ذلك يفرط في جنب الله؟! ولماذا لا يجتهد في تحصيل مرضاة الله؟! وليعلم كل امرئ أن نفسه إن لم يشغلها بالحق شغلته بالباطل، وأن الله قد أعطاه قوة كامنة في نفسه؛ إمَّا أن يُوجهها للخير، وإما أن يوجهها للشر، ولا ينفعه يوم القيامة إلا ما قَدَّمه من أعمال صالحة في هذه الحياة صار قلبه بها سليمًا؛ كما قال الله عن الخليل إبراهيم ﵇: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٧ - ٨٩]. فعلى حسب حال المؤمن هنا من التنافس في فعل الخيرات، والمسارعة إلى مغفرة الله-سيكون حاله في الآخرة على الصراط؛ فمن استقام على صراط الله (منهجه) في الدنيا-ثَبَّته الله على الصراط المنصوب على ظهر جهنم؛ فاللهم ثَبِّتنا وسَلِّمنا دنيا وآخرة.

стр. 311

قال المصنف-﵀: "و الميزان حق" (١). في هذا النص مسائل: المسألة الأولى: معنى الميزان في اللغة (٢): • أصل الكلمة: أصله من مِوْزان؛ انقلبت الواو ياء لكسر ما قبلها، وجمعه موازين. قال الجوهري رحمه الله تعالى: " … وأصله مِوْزانٌ، انقلبت الواو ياءً لكسر ما قبلها … ووزنتُ الشيء وزنًا وزِنَة، ويقال: وَزَنْتُ فلانًا ووَزَنْتُ لفلان، قال تعالى: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣]، وهذا يزن درهمًا" (٣). • وزنها وتصاريفها: الميزان مأخوذ من (وزن)، (يزن)، (وزنًا)، و (زنةً)، وأصله (مِوزَان) انقلبت الواو ياءً لكسر ما قبلها فصار (ميزان)، ويتعدَّى باللام وبدونها.

стр. 312

قال ابن فارس رحمه الله تعالى: "الْوَاوُ وَالزَّاءُ وَالنُّونُ: بِنَاءٌ يَدُلُّ عَلَى تَعْدِيلٍ وَاسْتِقَامَةٍ: وَوَزَنْتُ الشَّيْءَ وَزْنًا، وَالزِّنَةُ قَدْرُ وَزْنِ الشَّيْءِ، وَالْأَصْلُ وَزْنَةٌ … وَهَذَا يُوَازِنُ ذَلِكَ، أَيْ: هُوَ مُحَاذِيهِ، وَوَزِينُ الرَّأْيِ: مُعْتَدِلُهُ، وَهُوَ رَاجِحُ الْوَزْنِ: إِذَا نَسَبُوهُ إِلَى رَجَاحَةِ الرَّأْيِ وَشِدَّةِ الْعَقْلِ" (١). • معانيها: قال الليث: (الوزن ثقل شيء بشيء مثله) (٢). والميزان: اسم للآلة التي يوزن بها الأشياء، أو هو ما تُقَدَّرُ به الأشياء خفةً وثقلًا. وقد أطلقت لفظة الوزن والميزان على عدة معان: المعنى الأول: فهو يطلق ويراد به بيان قدر الشيء وقيمته، أو خسة الشيء وسقوطه، كما قال تعالى: فلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا [الكهف: ١٠٥]. قال ابن الأعرابي: العرب تقول: (ما لفلان عندنا وزن أي قدر؛ لخسته، ويقال: وزن الشيء إذا قدره، وزن ثمر النخيل إذا خرصه) (٣). المعنى الثاني: أن الميزان يأتي في باب اللغة مراداً به الميزان ذي الكفات. المعنى الثالث: ويأتي مراداً به العدل أيضاً.

стр. 313

المعنى الرابع: كما يأتي ويراد به الكتاب الذي فيه أعمال الخلق. ثم قال: وهذا كله في باب اللغة والاحتجاج سائغ (١). وقال الراغب: الوزن معرفة قدر الشيء … والمتعارف في الوزن عند العامة ما يقدر بالقسط والقبان. (٢) ثم ذكر بعض الآيات التي تدل على أنه يأتي مراداً به المعادلة في جميع ما يتحراه الإنسان من الأفعال والأقوال، مثل قوله تعالى: وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ. [الشعراء: ١٨٢]، وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ [الرحمن: ٩]. وأنه يأتي بمعنى العدل في محاسبة الناس، كما قال تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء: ٤٧]. • استعمالاتها: أما الميزان؛ فهو: (الآلة التي يوزن بها الأشياء) ويجمع على: موازين. (وجائز أن يقال للميزان الواحد - بأوزانه وجميع آلته - الموازين، قال الله : وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء: ٤٧] يريد نضع الميزان ذا القسط. وسيأتي تفصيل هذا. وجاء إطلاق الموازين على الأعمال: كما قال تعالى: (وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ

стр. 314

الْمُفْلِحُونَ) [الأعراف: ٨] قال الأزهري: (أراد والله أعلم-: فمن ثقلت أعماله التي هي حسناته). وذكر الراغب: (أن مجيء الميزان على صيغة الجمع تارة، ومجيئه تارة أخرى بالإفراد فإنما هو باعتبار المحاسب والمحاسبين، فمجيئه بلفظ الواحد اعتباراً بالمحاسب، ومجيئه بالجمع اعتباراً بالمحاسبين) المسألة الثانية: الأدلة على ثبوت الميزان. أولاً: الأدلة من القرآن: ومن أدلة الكتاب العزيز: • وقوله:﴾ وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ ﴿[الأعراف: ٨، ٩]. • وقال جل وعلا: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]. • وقال : ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩)﴾ [القارعة: ٦ - ٩]، وغير ذلك. ثانياً: الأدلة من السنة: • عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسولَ الله- ﷺ -قال: «كَلِمَتان خَفِيفتان على اللِّسان، ثَقِيلتان في المِيزان، حَبِيبتان إلى الرَّحمن: سُبحان الله وبحمده،

стр. 315

سبحان الله العظيم» (١). • وعن أبي هريرة ﵁ أيضًا: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «إنَّه لَيُؤتى بالرَّجل العَظيم السَّمين يوم القيامة لا يَزن عند الله جناح بَعُوضة، وقال: اقْرءوا إن شئتم: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥]» (٢). • وعن عبد الله بن عُمر أنَّ رسولَ الله- ﷺ -قال: «إنَّ الله سَيُخَلِّصُ رجلًا من أُمَّتي على رُءوس الخَلائق يوم القيامة، فَيَنْشُر عليه تِسعة وتِسعين سِجلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ مَدَّ البَصر، ثُمَّ يقول له: أَتُنْكِر مِنْ هذا شيئًا؟ أَظَلَمَتك كَتَبَتي الحَافظون؟ قال: لا يا رب. فيقول: أَلَكَ عُذْرٌ أو حَسَنة؟ فيهيب الرجل، فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى، إنَّ لك عندنا حسنة واحدة، لا ظُلم عليك؛ فَتُخرج له بطاقةٌ فيها أشهدُ أن لا إله إلا الله وأن مُحَمَّدًا رسولُ الله. فيقول: أَحْضِروه. فيقول: يا رب، وما هذه البطاقة مع هذه السِّجلات؟ فيُقال: إنَّك لا تُظلم. قال: فَتُوضع السِّجلات في كِفَّة والبطاقة في كِفَّة، قال: فَطاشت السِّجلات، وثَقُلت البِطاقة، ولا يَثْقُل شيءٌ بِسمِ الله الرَّحمنِ الرَّحيمِ» (٣). • وعن ابن مسعود ﵁: أنَّه كان يَجني سِوَاكًا من الأَرَاك، وكان دقيقَ السَّاقين، فَجَعَلت الرِّيح تَكفؤه، فَضَحِك القومُ مِنه، فقال رسولُ الله- ﷺ :» مِمَّ تَضْحَكُون؟ «. قالوا: يا نَبِيَّ الله مِنْ دِقَّة سَاقيه. فقال:» والَّذي نَفْسِي بيدِه لَهُما

стр. 316

أثقلُ في المِيزان مِنْ أُحُدٍ» (١). • وعن أبي مالكٍ الأشعريِّ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ - ﷺ : «الطُّهورُ شَطْرُ الإيمانِ، والحمدُ للهِ تَمْلَأُ المِيزانَ» (٢). ثالثاً: دليل الإجماع: فقد أجمع السلف على ثبوت ذلك. قال ابن حجر: قال أبو إسحاق الزجاج: أجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان، وأن أعمال العباد توزن به يوم القيامة، وأنكرت المعتزلة الميزان، وقالوا: هو عبارة عن العدل، فخالفوا الكتاب والسنة؛ لأن الله أخبر أنه يضع الموازين لوزن الأعمال؛ ليرى العباد أعمالهم ممثلةً ليكونوا على أنفسهم شهداء. قال القرطبي: «قد بلغت أحاديثه-أي: الميزان-مبلغ التواتر، وانعقد إجماع أهل الحق من المسلمين عليه» (٣). • وقال في موضع آخر: «أَجْمَع أكابرُ مُحَقِّقي هذه الأمة من أهل السُّنَّة بأنَّ الإيمان بثبوت الوزن والميزان حقٌّ واجبٌ وفَرْضٌ لازبٌ لِثُبوته، وعدم

стр. 317

استحالة ذلك عقلًا» (١). • قال السفاريني رحمه الله تعالى: "فَقَدْ دَلَّتِ الْآثَارُ عَلَى أَنَّهُ مِيزَانٌ حَقِيقِيٌّ ذُو كِفَّتَيْنِ وَلِسَانٍ … وَقَدْ بَلَغَتْ أَحَادِيثُهُ مَبْلَغَ التَّوَاتُرِ، وَانْعَقَدَ إِجْمَاعُ أَهْلِ الْحَقِّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْه" (٢) المسألة الثالثة: معنى الميزان في الشرع. الميزان في الشرع: هو ما يضعُه الله يوم القيامة لوزن أعمال العباد. والميزان الذي تُوزن بِهِ الأعمال هو: ميزان حسيٌّ حقيقي، له كفتان، وفي بعض الروايات: "ولسان"، والميزان عند أهل السنة ميزانٌ حقيقي توزن به أعمال العباد، وخالف في هذا القول المعتزلة وقلة قليلةٌ من أهل السنة. أقوال علماء الأمة: • قال السَّفارينيُّ: «قال علماؤنا كغيرهم: نُؤمن بأن الميزان الذي تُوزن به الحسنات والسيئات حقٌّ، قالوا: وله لسان وكفتان تُوزن به صحائف الأعمال؛ قال ابن عباس ﵄: تُوزن الحسنات في أحسن صورة، والسيئات في أقبح صورة. • قال العلامة الشيخ مرعي في «بهجته»: الصحيح: أنَّ المراد بالميزان: الميزان الحقيقي لا مجرد العدل، خلافًا لبعضهم.

стр. 318

• وقال القرطبي في «تذكرته»: «قال العلماء: إذا انقضى الحساب كان بعده وزن الأعمال؛ لأن الوزن للجزاء، فينبغي أن يكون بعد المحاسبة لتقرير الأعمال، والوزن لإظهار مقاديرها؛ ليكون الجزاء بحسبها». (١) الذين خالفوا قول الجمهور في الميزان: قال ابن فورك: أنكرت المعتزلة الميزان، بناء منهم على أن الأعراض يستحيل وزنها؛ إذ لا تُقَوَّم بأنفسها. قال: وروى بعض المتكلمين عن ابن عباس: "أن الله تعالى يقلب الأعراض أجسامًا، فيزنها"، وقد ذهب بعض السلف إلى أن الميزان بمعنى العدل والقضاء، وعَزَا الطبري القول بذلك إلى مجاهد، والراجح ما ذهب إليه الجمهور، وهو أن الميزان ميزان حقيقي توزنُ بِهِ أعمالُ العباد. (٢) المسألة الرابعة: صفات الميزان. الواقع أن العلماء لم يتفقوا على إثبات أوصاف الميزان-وقد تقدمت الإشارة إلى بعض الجوانب في وجوب الإيمان بالميزان، ومواقف الناس في ذلك-وأما خلافهم في ثبوت صفاته فقد انقسموا إلى فريقين: ١ - أما الفريق الأول: فهم المثبتون لصفات الميزان الحسية، من أن له كفتين … إلى آخر أوصافه، وهؤلاء وإن أثبتوا هذا لكنهم يرجعون صفة تلك الكفات

стр. 319

واللسان إلى علم الله تعالى. ٢ - أما الفريق الآخر: فهم النافون لتلك الصفات. وسنذكر رأي الفريقين فيما يلي: - (١) المثبتون لصفات الميزان: يثبت هؤلاء-وهم جمهور العلماء-أن الميزان له كفتان حسيتان مشاهدتان، وله لسان كذلك. يقررون هذه الحقيقة غير ملتفتين إلى من تشمئز قلوبهم من سماعها، لعدم قبول عقولهم لها، وعدم تفهم ما ورد عن المصطفى ﷺ في ذلك. ذلك أن الحق ضالة المؤمن، وما ورد به الشرع هو الذي ينبغي أن يقدم على هوى النفس وحكم العقل. وسنذكر فيما يلي بعض أقوال هؤلاء كأمثلة على ثبوت ما ذكرنا. قال القرطبي-ردًّا على من ينكر الميزان، ويؤول الوزن بأنه من ضرب المثل، وأن الوزن يراد به العدل والقضاء-قال: (وهذا مجاز. وليس بشيء، وإن كان شائعاً في اللغة - للسنة الثابتة في الميزان الحقيقي، ووصفه بكفتين ولسان، وأن كل كفة منها طباق السموات والأرض) (١). ويعزو القرطبي إلى ابن عباس أنه قال: (توزن الحسنات والسيئات في ميزان له كفتان ولسان) (٢).

стр. 320

وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس أنه قال: (الميزان له لسان وكفتان، يوزن فيه الحسنات والسيئات، فيؤتى بالحسنات في أحسن صورة فتوضع في كفة الميزان، فتثقل على السيئات؛ فتؤخذ فتوضع في الجنة … ويؤتى بالسيئات في أقبح صورة فتوضع في كفة الميزان فتخف … ) (١). ويقول ابن قدامة: (والميزان له كفتان ولسان، توزن به الأعمال، فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ [المؤمنون: ١٠٢، ١٠٣]) (٢). ويقول أبو الحسن الأشعري في معرض بيانه لاختلاف الناس في الميزان ومبيناً رأي أهل السنة: فقال أهل الحق: (له لسان وكفتان، توزن في إحدى كفتيه الحسنات وفي الأخرى السيئات، فمن رجحت حسناته؛ دخل الجنة، ومن رجحت سيئاته دخل النار، ومن تساوت حسناته وسيئاته، تفضل الله عليه فأدخله الجنة) (٣). ويثبت ابن كثير أن للميزان كفتين حسيتين، ويستدل على هذا من السنة بحديث صاحب البطاقة المشهور وغيره من الأحاديث (٤). وأخرج الطبري عن ابن جريج قال: قال لي عمرو بن دينار: (قوله: وَالْوَزْنُ
следующие страницы →