كما قال نوح ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ (١) قال تعالى ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (٢).
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٣).
وكل داع شافع، دعا الله سبحانه وشفع: فلا يكون دعاؤه وشفاعته إلا بقضاء الله وقدره ومشيئته، فهو الذي يجيب الدعاء من جملة الأسباب التي قدرها الله .
وإذا كان كذلك: فالالتفات إلى الأسباب بالكلية شرك في التوحيد ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا نقص في العقل.
والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع، بل العبد يجب أن يكون توكله ودعاؤه وسؤاله ورغبته إلى الله والله يقدر له من الأسباب من دعاء الخلق وغيرهم ما شاء.
فالدعاء للغير، ينتفع به الداعي، والمدعو له، وإن كان الداعي دون المدعو في الدرجة والمنزلة.
فدعاء المؤمن لأخيه ينتفع به الداعي والمدعو له.
فمن قال لغيره أدع لي وقصد انتفاعهما جميعا بذلك كان هو وأخوه متعاونين على البر والتقوى. فهو نبه المسئول وأشار عليه بما ينفعهما، بمنزلة من يأمر غيره ببر وتقوى، فيثاب المأمور على فعله، والآمر أيضا يثاب مثل ثوابه
стр. 387
لكونه دعا إليه. وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: "دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكل كلما دعا لأخيه قال الملك الموكل به آمين ولك بمثل" (١).
وعند النظر في نصوص الشرع الواردة في شفاعة النبي ﷺ نجد أن هناك شفاعة أخروية له في يوم القيامة، وشفاعة دنيوية في حياته.
أما الشفاعة الأخروية: فقد أجمع المسلمون على أن النبي ﷺ يشفع للخلق يوم القيامة بعد أن يسأله الناس ذلك، وبعد أن يأذن الله له في الشفاعة.
ثم إن أهل السنة والجماعة متفقون على ما اتفق عليه الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، واستفاضت به السنن من أنه ﷺ يشفع لأهل الكبائر من أمته ويشفع لعموم الخلق.
فله ﷺ شفاعات يختص بها لا يشركه فيها أحد، وشفاعات فيها وغيره من الأنبياء والصالحين سواء، ولكن ما له فيها أفضل مما لغيره، فإنه ﷺ أفضل الخلق وأكرمهم على ربه ، وله من الفضائل التي ميزه الله بها على سائر النبيين ومن ذلك المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون، وأحاديث الشفاعة كثيرة متواترة منها في الصحيح أحاديث متعددة،
стр. 388
وفي السنن والمسانيد مما يكثر عدده.
أما الشفاعة الدنيوية (التي كانت في حياته)، فقد أجمع أهل العلم على أن الصحابة كانوا يستشفعون به ويتوسلون به في حياته بحضرته. كما ثبت في أحاديث الاستسقاء، وهذا الاستشفاع هو طلب للدعاء منه، فإنه كان يدعو للمستشفع والناس يدعون معه، كما جاء في الحديث الثابت في الاستسقاء أن المسلمين لما أجدبوا على عهد النبي ﷺ دخل عليه أعرابي فقال: يا رسول الله هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا. فرفع النبي ﷺ يديه وقال: "اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا" (١).
فهذا يبين أن معنى الاستشفاع بالنبي ﷺ هو استشفاع بدعائه وشفاعته. وهذا ما فهمه الصحابة وعملوا به بعد وفاة النبي ﷺ فعمر بن الخطاب استسقى بالعباس بن عبد المطلب وقال "اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا" (٢). وكذلك معاوية بن أبي سفيان -لما أجدب الناس بالشام-استسقى بيزيد بن الأسود الجرشي (٣) فقال: "اللهم إنا نستشفع ونتوسل بخيارنا، يا يزيد ارفع
стр. 389
يديك "فرفع يديه ودعا، ودعا الناس حتى سقوا" (١).
فهم لم يستسقوا ولم يتوسلوا ولم يستشفعوا في هذه الحال بالنبي ﷺ لا عند قبره ولا غير قبره، بل عدلوا إلى البدل كالعباس وكيزيد.
فجعلوا هذا بدلا عن ذلك لما تعذر أن يتوسلوا به على الوجه المشروع الذي كانوا يفعلونه.
وقد كان من الممكن أن يأتوا إلى قبره فيتوسلوا ويستشفعوا به ويقولوا في دعائهم في الصحراء بالجاه ونحو ذلك من الألفاظ التي تتضمن القسم بالمخلوق على الله أو السؤال به، فيقولون نسألك أو نقسم عليك أو نستشفع عليك أو نستشفع بنبيك أو جاه نبيك، ونحو ذلك مما يفعله بعض الناس.
ولكنهم لم ينقل عنهم أنهم توسلوا أو استشفعوا بمثل هذه العبارات فهذا يؤكد ويبرهن على أن التوسل بالذات في حضور الشخص أو مغيبة أو بعد موته أمر لم يشرعه لهم الشارع ولم يكن معروفا عندهم.
стр. 390
قال المصنف-﵀:
و الإيمان بالعرش والكرسي (١).
قول المصنف: «والإيمان بالعرش».
وفيه مسائل:
أولًا: الأدلة على إثبات العرش.
الأدلة القرآنية على إثبات العرش.
لقد جاء ذكر عرش الرحمن في القرآن الكريم في واحد وعشرين موضعاً:
١ - قال تعالى ﴿إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين﴾ [الأعراف ٥٤]
٢ - وقال تعالى ﴿فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم﴾ [التوبة ١٢٩].
٣ - وقال تعالى ﴿إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون﴾ [يونس ٣].
стр. 391
٤ - وقال تعالى ﴿وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام و كان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملاً﴾ [هود ٧].
٥ - وقال تعالى ﴿الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى﴾ [الرعد ٢].
٦ - وقال تعالى ﴿قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا﴾ [الإسراء ٤٢].
٧ - وقال تعالى ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه ٥].
٨ - وقال تعالى ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون﴾ [الأنبياء ٢٢].
٩ - وقال تعالى ﴿قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم﴾ [المؤمنون ٨٦].
١٠ - وقال تعالى ﴿فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم﴾ [المؤمنون ١١٦].
١١ - وقال تعالى ﴿الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا﴾ [الفرقان ٥٩].
١٢ - وقال تعالى ﴿الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم﴾ [النمل ٢٦].
١٣ - وقال تعالى ﴿الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش مالكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون﴾ [السجدة ٤].
стр. 392
١٤ - وقال تعالى ﴿وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين﴾ [الزمر ٧٥].
١٥ - وقال تعالى ﴿الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلماُ فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم﴾ [غافر ٧].
١٦ - وقال تعالى ﴿رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق﴾ [غافر ١٦].
١٧ - وقال تعالى ﴿سبحان رب السموات والأرض رب العرش عما يصفون﴾ [الزخرف ٨٢].
١٨ - وقال تعالى ﴿هو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير﴾ [الحديد ٤].
١٩ - وقال تعالى ﴿والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية﴾ [الحاقة ١٧].
٢٠ - وقال تعالى ﴿ذو قوة عن ذي العرش مكين﴾ [التكوير ٢٠].
٢١ - وقال تعالى ﴿ذو العرش المجيد﴾ [البروج ١٥].
الأدلة من السنة على إثبات العرش
أورد الذهبي ﵀-في كتابه "العرش" جملة طيبة من الأحاديث والآثار الواردة في العرش وصفته، وفي هذا المبحث لن نذكر تلك الأحاديث والآثار التي أوردها لأنها ستأتي، وإنما سنورد ههنا بعض الأحاديث الصحيحة في
стр. 393
العرش وصفته والتي لم يذكرها الذهبي في كتابه، وهذه الأحاديث كثيراً ما يوردها السلف في كتبهم ويستدلون بها لما فيها من الصحة والقوة ولما فيها من الصفات الدالة على عرش الخالق .
١ - فقد جاء في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «بينا رسول الله ﷺ جالس، جاء يهودي فقال: يا أبا القاسم ضرب وجهي رجل من أصحابك، فقال: من؟ قال: رجل من الأنصار، قال: ادعوه، فقال: أضربته؟ فقال: سمعته بالسوق يحلف والذي اصطفى موسى على البشر، قلت: أي خبيث على محمد ﷺ ، فأخذتني غضبة فضربت وجهه، فقال النبي ﷺ : لا تخيروا بين الأنبياء فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من تنشق عنه الأرض، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أكان صعق أم حوسب بصعقته الأولى» (١).
والشاهد لنا من هذا الحديث قوله: «فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش»، حيث أن للعرش قوائم، ولم يرد في الشرع تحديد عدد لها، وهذا الحديث هو من أقوى الأدلة على أن العرش ليس المراد به الملك أو الفلك التاسع.
٢ - وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض
стр. 394
بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء» (١).
وفي الحديث دلالة واضحة على أن العرش كان مخلوقاً على الماء قبل خلق السموات.
٣ - وفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: كان النبي ﷺ يقول عن الكرب: «لا إله إلا الله العليم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم" (٢).
٤ - وعن ابن عباس عن جويرية أن النبي ﷺ خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة فقال: «ما زلت على الحال التي فارقتك عليها»، قالت: نعم، قال النبي ﷺ : «لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن، سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته» (٣).
قال ابن تيمية: (فهذا يبين أن زنة العرش أثقل الأوزان) (٤).
٥ - وعن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: «أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش أن ما بين شحمة أذنه إلى
стр. 395
عاتقه مسيرة سبعمائة عام" (١).
٦ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان، كان حقاً على الله أن يدخله الجنة، هاجر في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها، قالوا: يا رسول الله أفلا ننبئ الناس بذلك؟ قال: إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، كل درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة» (٢).
٧ - وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله» (٣).
٨ - وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأبي ذر حين غربت الشمس: «أتدري أين تذهب؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها، فيقال لها: ارجعي من حيث جئتي فتطلع من مغربها،
стр. 396
فذلك قوله تعالى ﴿والشمس تجري لمستقر لها، ذلك تقدير العزيز العليم﴾» (١).
٩ - وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لما قضى الله الخلق كتب في كتابه، فهو عنده فوق العرش إن رحمتي غلبت غضبي» (٢).
١٠ - وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «المتحابون في الله يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله» (٣).
ثانيًا: قول السلف في تعريف العرش.
قال الطبري عند قوله تعالى: ﴿وترى الملائكة حافين من حول العرش﴾ [الزمر ٧٥] (يعني بالعرش: السرير)، ثم ذكر بسنده عن السدي في تفسير هذه الآية قوله: (محدقين حول العرش قال: العرش: السرير) (٤).
وقال الطبري في موضع آخر ﴿ذو العرش﴾ [غافر ١٥] يقول: (ذو السرير المحيط بما دونه) (٥).
стр. 397
وقال البيهقي: (وأقاويل أهل التفسير على أن العرش هو السرير وأنه جسم مجسم خلقه الله وأمر ملائكته بحمله وتعبدهم بتعظيمه والطواف به كما خلق في الأرض بيتاً وأمر بني آدم بالطواف به واستقباله في الصلاة، وفي الآيات والأحاديث والأثار دلالة واضحة على ما ذهبوا إليه) (١).
وقال أيضاً: (العرش هو السرير المشهور فيما بين العقلاء) (٢).
وقال ابن كثير: (هو سرير ذو قوائم تحمله الملائكة وهو كالقبة على العالم، وهو سقف المخلوقات) (٣).
وقال الذهبي -بعد أن ذكر سرر أهل الجنة-: (فما الظن بالعرش العظيم الذي اتخذه العلي العظيم لنفسه في ارتفاعه وسعته، وقوائمه وماهيته وحملته، والكروبيين الحافين من حوله، وحسنه ورونقه وقيمته، فقد ورد أنه من ياقوتة حمراء) (٤).
ثالثًا: صفات العرش.
وهذا الذي ذكره الطبري والبيهقي وابن كثير والذهبي في تعريف العرش، هو الذي جاءت به الآيات والأحاديث والآثار، وهو ما ذهب إليه سلف الأمة وأئمتها في عرش الله، فهم يعتقدون أن عرش الرحمن هو:
стр. 398
• سرير:
قال ابن قتيبة: (وطلبوا للعرش معنى غير السرير، والعلماء في اللغة لا يعرفون للعرش معنى إلا السرير، وما عرش من السقوف وأشباهها، قال أمية بن أبي الصلت:
مجدوا الله وهو للمجد أهل … ربنا في السماء أمسى كبيرا
بالبناء الأعلى الذي سبق الن … اس وسوى فوق السماء سريرا
شرجعاً لا يناله بصر العي … ن ترى دونه الملائك صورا) (١)
وقال ابن كثير: (العرش في اللغة عبارة عن السرير الذي للملك، كما قال تعالى ﴿ولها عرش عظيم﴾ [النمل ٢٣]. وليس هو فلكاً ولا تفهم منه العرب ذلك، والقرآن إنما نزل بلغة العرب، فهو سرير ذو قوائم … ) (٢).
• وأنه ذو قوائم:
قال شارح الطحاوية: (قد ثبت في الشرع أن له قوائم تحمله الملائكة، كما قال ﷺ : «فإن الناس يصعقون، فأكون أول من يفيق، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور» (٣). (٤).
стр. 399
• وأنه مخلوق:
قال الحافظ ابن حجر: (قوله ﴿وهو رب العرش العظيم﴾ [التوبة ١٢٩]، إشارة إلى أن العرش مربوب، وكل مربوب مخلوق … وفي إثبات القوائم للعرش دلالة على أنه جسم مركب له أبعاض وأجزاء، والجسم المؤلف محدث مخلوق) (١).
• وأن الله سبحانه قد أمر ملائكته بحمله وتعبدهم بتعظيمه:
قال تعالى: ﴿الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم﴾ [غافر ٧]، وقال تعالى ﴿ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذٍ ثمانية﴾ [الحاقة ١٧].
وعن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ أنه قال: «أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش، إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام» (٢).
• وهو أعلى المخلوقات، وأعظمها، وسقفها، وهو كالقبة على العالم وما تحته بالنسبة إليه كحلقة في فلاة:
قال أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي زمنين في كتابه "أصول السنة": (ومن قول أهل السنة أن الله خلق العرش واختصه بالعلو والارتفاع فوق جميع ما خلق … ) (٣).
стр. 400
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأما العرش فإنه مقبب، لما روي في السنن لأبي داود عن جبير بن مطعم قال: «أتى رسول الله ﷺ أعرابي فقال: يا رسول جهدت الأنفس، وجاع العيال -وذكر الحديث إلى أن قال رسول الله ﷺ : إن الله على عرشه وإن عرشه على سمواته وأرضه كهكذا» (١) وقال بأصابعه مثل القبة … وفي علوه قوله ﷺ : «إذا
стр. 401
سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه وسط الجنة وأعلاها وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة" (١).
فقد تبين بهذه الأحاديث أنه أعلى المخلوقات، وسقفها، وأنه مقبب … ) (٢).
وفي حديث أبي ذر المشهور قال: قلت يا رسول الله أيما أنزل عليك أعظم؟ قال: «آية الكرسي، ثم قال: يا أبا ذر ما السموات السبع مع الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة" (٣).
وهذا القول للسلف في عرش الله هو ما جاءت به الآيات والأحاديث الصحيحة، وقد كان سلف الأمة وأئمتها دائماً يصرحون بذلك في كتبهم عند
стр. 402
الحديث عن هذه المسألة.
وقد وافقهم في هذا القول في عرش الله الكلابية، والكرامية، ومتقدمو الأشاعرة، وبعض الجهمية، والمعتزلة (١).
رابعًا: أقوال المخالفين
القول الأول:
ما زعمه طائفة من الجهمية، والمعتزلة، والماتريدية (٢)، وعامة متأخري الأشاعرة (٣)، من أن معنى العرش في قوله تعالى ﴿الرحمن على العرش استوى﴾، هو الملك.
قال الدارمي في كتابه "الرد على الجهمية": (باب الإيمان بالعرش وهو أحد ما أنكرته المعطلة. فادعت هذه العصابة أنهم يؤمنون بالعرش ويقرون به، فقلت لبعضهم: ما إيمانكم به إلا كإيمان ﴿الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم﴾ [المائدة ٤١]، وكالذين ﴿إذا لقوا الذين ءامنوا قالوا آمنا، وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤون﴾ [البقرة ١٤]،
стр. 403
أتقرون أن لله عرشاً معلوماً، موصوفاً فوق السماء السابعة، تحمله الملائكة، والله فوقه كما وصف نفسه، بائن من خلقه! فأبى أن يقر به كذلك، وتردد في الجواب وخلط ولم يصرح.
قال أبو سعيد: فقال لي زعيم منهم كبير: لا، ولكن لما خلق الله الخلق يعني السموات والأرض وما فيهن سمى ذلك كله عرشاً له، واستوى على جميع ذلك كله) (١).
وقال ابن تيمية -في سياق كلامه على حملة العرش-: (ثم إن قوله تعالى ﴿الذين يحملون العرش ومن حوله﴾ [غافر ٧]، وقوله ﴿ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية﴾ [الحاقة ١٧]، يوجب أن لله عرشاً يحمل، يوجب أن ذلك العرش ليس هو الملك، كما تقوله طائفة من الجهمية) (٢).
وقال الزمخشري: (إنه لما كان الاستواء على العرش وهو سرير الملك مما يرادف الملك جعلوه كناية عن الملك، فقالو: استوى فلان على العرش يريدون ملك، وإن لم يقعد على السرير البتة، وقالوه أيضاً في شهرته في ذلك المعنى ومساواته ملك في مؤداه، وإن كان أشرح، وأبسط، وأدل، على صورة الأمر) (٣).
وقال البغدادي: (والصحيح عندنا تأويل العرش في هذه الآية على معنى
стр. 404
الملك، كأنه أراد أن الملك ما استوى لأحد غيره، وهذا التأويل مأخوذ من قول العرب: ثُلَ عرش فلان، إذا ذهب ملكه، قال متمم بن نويرة في هذا المعنى:
عروشٌ تفانوا بعد عز وأمة … هووا بعد ما نالوا السلامة والبقا
وأراد بالعروش، ملوكاً انقرضوا.
وقال سعيد بن زائدة الخزاعي في النعمان بن المنذر:
قد نال عرشاً لم ينله حائل … جن ولا إنس ولا ديار
وأراد بالعرش، الملك والسلطان.
وقال النابغة:
بعد ابن جفنة وابن هاتك عرشه … والحارثين يؤمنون فلاحا
وأراد بهاتك عرش ابن جفنة سالب ملكه، فصح بهذا تأويل العرش على الملك في آية الاستواء على ما بيناه) (١).
الرد عليهم:
ما ذهب إليه هؤلاء المخالفون من تفسير معنى العرش الوارد في الآيات بمعنى الملك، إنما هو تأويل باطلٌ، وصرف للفظ عن معناه إلى معنى آخر لا يحتمله.
стр. 405
والمتأمل لهذا القول يرى ما فيه من التلبيس والمخالفة.
فقد سبق أن ذكرنا في المبحث اللغوي لكلمة (عرش)، أن لهذه الكلمة عدة معاني في اللغة العربية، ومن المعلوم أن معرفة المعنى المراد من تلك المعاني لهذه الكلمة أو غيرها، إنما يتحدد بحسب سياق الكلمة وبحسب ما أضيفت إليه، وليس في سياق الآيات ما يثبت صحة ما ذهبوا إليه، كما أن ما استدل به هؤلاء المخالفون من الأبيات الشعرية ليس إلا دليلا على أن الملك هو من المعاني اللغوية لكلمة (عرش)، وهذا أمر لا خلاف فيه، وهذا الاستدلال يماثل ما لو استدللنا على أن من معاني كلمة العرش: السقف، بقوله تعالى ﴿وهي خاوية على عروشها﴾ [البقرة ٢٥٩]، فليس في هذه الأبيات أي إشارة لا من قريب ولا من بعيد على أن الملك هو المعنى المراد في الآيات الواردة في العرش، بل إن المتأمل للآيات والأحاديث الواردة في هذه المسألة يرى أنها تدل دلالة واضحة وصريحة على أن المراد بالعرش هو ذلك المخلوق العظيم الذي خلقه الله تعالى فوق العالم كله، ثم استوى عليه بعد أن خلق السموات والأرض، وكذلك ترد على هؤلاء المخالفين زعمهم الباطل الذي هو في الحقيقة تحريف لكلام الله.
فيا ترى ماذا يصنع ذلك المخالف الذي يزعم أن العرش إنما هو كناية عن الملك والسلطان بقوله تعالى ﴿وكان عرشه على الماء﴾ [هود ٧]، هل يزعم أن الملك كان على الماء؟
стр. 406
وكذلك ماذا يصنع بقوله تعالى ﴿ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية﴾ [الحاقة ١٧]، أيقول: ويحمل ملكه يومئذ ثمانية؟
وقوله ﷺ : «فإذا موسى آخذ بقائمة من قوائم العرش" (١). أيقول آخذ بقائمة من قوائم الملك؟ وكذا قوله ﷺ : «اهتز عرش الرحمن" (٢)، أيقول: اهتز ملكه وسلطانه؟
القول الثاني:
زعم طائفة من الفلاسفة أن العرش فلك مستدير من جميع الجوانب محيط بالعالم من كل جهة، وهو محدود الجهات، وربما سموه الفلك الأطلس، أو الفلك التاسع، أو الأثير، أو الفلك الأعلى (٣).
وفي ذلك يقول ابن سينا في رسالته " إثبات النبوات وتأويل رموزهم وأمثالهم": (ومن السهل عليك أن تفهم كيف أن العرش بنص القرآن يحمله ثمانية، فهذه الثمانية هي: الثمانية أفلاك التي تحت هذا الفلك المحيط) (٤).
стр. 407
الرد عليهم:
إن المتأمل لكلام هؤلاء الفلاسفة كابن سينا وأمثاله يرى مدى انحرافهم، حتى أنهم وصلوا إلى درجة اعتقادهم أنه لا موجود إلا ما علموه.
ولهذا كان هؤلاء الذين عرفوا ما عرفته الفلاسفة إذا سمعوا إخبار الأنبياء بالملائكة والعرش والكرسي والجنة والنار، صاروا حائرين ومتأولين لكلام الأنبياء على ما عرفوه وعلى ما تعلموه، وإن كان هذا التأويل لا دليل لهم عليه سوى ظنهم الفاسد بأنه لا موجود إلا ما عرفوه، فقالوا العرش هو: الفلك التاسع، والكرسي هو: الفلك الثامن، فنفوا ما ليس لهم به علم (١) فانطبق عليهم قوله تعالى ﴿بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله﴾ [يونس ٣٩].
وقد ثبت أنه ليس لهؤلاء دليل يتمسكون به لا من الشرع ولا من العقل، وأن الذي دفعهم إلى هذا القول هو أنهم نظروا في علم الهيئة وعلوم الفلسفة فرأوا أن الأفلاك تسعة، وأن التاسع وهو الأطلس محيط بها ومستدير كاستدارتها وهو الذي يحركها الحركة الشوقية، وأن لكل فلك حركة تخصه غير هذه الحركة العامة، ثم سمعوا في أخبار الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ذكر عرش الله، وذكر السموات السبع، فقالوا بطريق الظن أن العرش هو الفلك التاسع، لاعتقادهم أنه ليس وراء التاسع شيء، إما مطلقاً وإما أنه ليس وراءه مخلوق (٢).
стр. 408
وهم معترفون بأنه لم يقم لديهم دليل عقلي على صحة قولهم هذا، وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن أئمة الفلاسفة مصرحون بأنه لم يقم عندهم دليل على أن الأفلاك هي تسعة فقط، بل يجوز أن تكون أكثر من ذلك، ولكن دلتهم الحركات المختلفة والكسوفات ونحو ذلك على ما ذكروه، ومالم يكن لهم دليل على ثبوته فهم لا يعلمون ثبوته ولا انتفاءه.
مثال ذلك: أنهم علموا أن هذا الكوكب تحت هذا بأن السفلي يكسف العلوي من غير عكس، فاستدلوا بذلك على أنه من فلك فوقه، كما استدلوا بالحركات المختلفة على أن الأفلاك مختلفة حتى جعلوا في الفلك الواحد عدة أفلاك، كفلك التدوير وغيره، فأما ما كان موجوداً فوق هذا ولم يكن لهم ما يستدلون به على ثبوته، فهم لا يعلمون نفيه ولا إثباته بطريقهم … وإذا كان هؤلاء ليس عندهم ما ينفي وجود شيء أخر فوق الأفلاك التسعة، كان الجزم بأن ما أخبرت به الرسل من أن العرش هو الفلك التاسع رجماً بالغيب وقولاً بلا علم) (١).
ومع عدم وجود الدليل العقلي عند هؤلاء على صحة زعمهم فكذلك الأدلة الشرعية ترد زعمهم هذا وتبطله.
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض رده على هؤلاء الفلاسفة المتكلمين في رسالته العرشية أن الآيات والأحاديث قد دلت على أن العرش
стр. 409
مباين لغيره من المخلوقات وأن الله قد اختصه وميزه بأمور كثيرة منها، أن له حملة يحملونه اليوم ويوم القيامة، وأن الله قد أخبر بوجوده قبل خلق السموات والأرض وقبل وجود الأفلاك وأن الله سبحانه تمدح نفسه بأنه ذو العرش، ووصف العرش بأنه مجيد، وعظيم، وكريم، فكل هذه الميزات والخصائص تبطل قول المنازع لأنه يقول بأن نسبة الفلك الأعلى إلى ما دونه كنسبة الآخر إلى ما دونه، ذلك لأنه لو كان العرش من جنس الأفلاك لكان إلى ما دونه كنسبة الآخر إلى ما دونه، وهذا لا يوجب خروجه عن الجنس وتخصيصه بالذكر (١).
كما أن مما يدل على فساد قولهم ما ثبت في الشرع من أن للعرش قوائم وأنه يهتز، ومعلوم أن الأفلاك مستديرة وليس لها قوائم، كما أنها متحركة دائماً بحركة متشابهة لا تتغير، كما ثبت أيضاً أن العرش أثقل الأوزان، وهم يقولون إن الفلك لا ثقيل ولا خفيف (٢).
فعلم مما تقدم انتفاء الدليل العقلي عند هؤلاء كما علم مخالفتهم للأدلة الشرعية وإبطالها لأقوالهم، ويضاف إلى هذا مخالفتهم للغة العرب، فالعرب لا تفهم من كلمة العرش هذا المعنى ولا هو مستعمل في لغتها، والقرآن إنما نزل بما يفهمون.
وبعد هذا كله لا تبقى أدنى شبهة في فساد هذا القول وبطلانه والله أعلم.
стр. 410
وقول المصنف:] والكرسي].
جاء ذكر الكرسي في موضع واحد في القرآن الكريم وهو قوله تعالى ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السموات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السموات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم﴾ [البقرة ٢٥٥].
وهذه الآية هي أفضل الآي، وقد سميت بآية الكرسي، وقد تضمنت العديد من المعاني، قال ابن القيم في شرحها: (ففي آية الكرسي ذكر الحياة التي هي أصل جميع الصفات، وذكر معها قيوميته المقتضية لدوامه وبقائه وانتفاء الآفات جميعها عنه، ومنها النوم والسنة والعجز وغيرها، ثم ذكر كمال ملكه، ثم عقبه بذكر وحدانيته في ملكه وأنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ثم ذكر سعة علمه وإحاطته، ثم عقبه بأنه لا سبيل للخلق إلى علم شيء من الأشياء إلا بعد مشيئته لهم أن يعلموه، ثم ذكر سعة كرسيه منبهاً على سعته سبحانه وعظمته وعلوه، وذلك توطئة بين يدي علوه وعظمته، ثم أخبر عن كمال اقتداره وحفظه للعالم العلوي والسفلي من غير اكتراث ولا مشقة ولا تعب) (١).
وأما الأحاديث والآثار الواردة في الكرسي فهي كثيرة جداً.
стр. 411
وقد تعددت الأقوال واختلفت في الكرسي كما تعددت واختلفت من قبل في العرش. و الأقوال في الكرسي هي:
القول الأول:
أن المراد بالكرسي: العلم.
وهذا القول هو قول الجهمية (١)، فقد أولوا الكرسي بمعنى العلم كما أولوا العرش بمعنى الملك، وكل ذلك فراراً منهم عن إثبات علو الله واستوائه على عرشه وقد استدلوا بما روي عن ابن عباس ﵄ في تفسير قوله تعالى ﴿وسع كرسيه السموات والأرض﴾، قال: (كرسيه علمه) (٢).
وهذا القول قد رجحه الطبري بقوله: (وأما الذي يدل على صحته ظاهر القرآن، فقول ابن عباس الذي رواه جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد ابن جبير عنه
стр. 412
أنه قال: هو علمه) (١).
القول الثاني:
أن المراد بالكرسي هو العرش نفسه.
وهذا القول مروي عن الحسن البصري، فقد روى ابن جرير بسنده عن جويبر عن الضحاك قال: كان الحسن يقول: (الكرسي هو العرش)، وقد مال ابن جرير إلى هذا القول (٢)، واعتمد في ذلك على حديث عبد الله بن خليفة قال: أتت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: أدع الله أن يدخلني الجنة، فعظم الرب تعالى ذكره، ثم قال: «إن كرسيه وسع السموات والأرض وإنه ليقعد عليه فما يفضل منه مقدار أربع أصابع، ثم قال بأصابعه فجمعها: وإن له أطيط كأطيط الرحل الجديد إذا ركب من ثقله" (٣).
القول الثالث:
أن المراد بالكرسي قدرته التي يمسك بها السموات والأرض (١)، ويقول هؤلاء: أن العرب تسمي أصل كل شيء الكرسي، كقولك: اجعل لهذا الحائط كرسياً، أي اجعل له ما يعمده ويمسكه (٢).
القول الرابع:
أن الكرسي هو الفلك الثامن، أو ما يسمونه فلك البروج، أو فلك الكواكب الثوابت (٣).
وقد قال بهذا القول بعض المتكلمين في علم الهيئة من الفلاسفة المنسوبين للمسلمين كابن سينا وغيره وهؤلاء هم الذين قالوا أن العرش هو الفلك التاسع.
القول الخامس:
إن الكرسي جسم عظيم مخلوق بين يدي العرش، والعرش أعظم منه، وهو موضع القدمين للبارئ (٤).
وهذا القول هو مذهب السلف من الصحابة والتابعين ومن سار على نهجهم
стр. 417
واقتدى بسنتهم، وهذا هو ما دل عليه القرآن والسنة والإجماع ولغة العرب التي نزل القرآن بها.
فالأحاديث والآثار الثابتة على هذا وبينته بياناً واضحاً لا يدعو إلى الشك أو الارتياب، ومن تلك الأحاديث والآثار:
حديث أبي ذر الغفاري ﵁ قال: دخلت المسجد الحرام فرأيت رسول الله ﷺ وحده فجلست إليه، فقلت يا رسول الله: أيما أنزل عليك أفضل؟ قال: «آية الكرسي، وما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة" (١).
وقال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (رقم ١٠٩) بعد أن سرد الطرق لهذا الحديث: (وجملة القول إن الحديث بهذه الطرق صحيح، والحديث خرج مخرج التفسير لقوله تعالى ﴿وسع كرسيه السموات والأرض﴾ وهو صريح في كون الكرسي أعظم المخلوقات بعد العرش، وأنه قائم بنفسه وليس شيئاً معنوياً وفيه رد على من تأوله بمعنى الملك وسعة السلطان).
وأيضاً ما جاء عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى ﴿وسع كرسيه السموات والأرض﴾، قال: (الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر قدره أحد) (٢).
وهذا ثابت عن ابن عباس في تفسير معنى الكرسي الوارد في الآية، وهذا
стр. 418
القول في الكرسي نقل عن كثير من الصحابة والتابعين منهم ابن مسعود (١)، وأبو موسى الأشعري (٢)، ومجاهد (٣)، وغيرهم، ولذلك فقد ذكر كثير من العلماء أن هذا القول في الكرسي قد حصل عليه إجماع السلف.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (الكرسي ثابت بالكتاب والسنة وإجماع السلف) (٤)، وقال شارح العقيدة الطحاوية: (وإنما هو -الكرسي-كما قال غير واحد من السلف بين يدي العرش كالمرقاة إليه) (٥).
стр. 419
وقال محمد بن عبد الله بن زمنين: (ومن قول أهل السنة أن الكرسي بين يدي العرش وأنه موضع القدمين) (١).
وقال القرطبي: (والذي تقتضيه الأحاديث أن الكرسي مخلوق بين يدي العرش، والعرش أعظم منه) (٢).
كما أن أهل اللغة لا يعرفون معنى الكرسي غير هذا المعنى، قال الزجاج: (والذي نعرفه من الكرسي في اللغة: الشيء الذي يعتمد ويجلس عليه، فهذا يدل على أن الكرسي عظيم دونه السموات والأرض) (٣).
وقال ثعلب: (الكرسي ما تعرفه العرب من كراسي الملوك) (٤).
ومن هذا كله يتبين لنا مدى صحة هذا القول وموافقته للكتاب والسنة وإجماع الأمة ومطابقته لما جاء في لغة العرب وأما الأقوال الأخرى فهي أقوال باطلة ومخالفة لما عليه جمهور أهل السنة من سلف الأمة وخلفها.
وأما ما استدل به أهل القول الأول من قول ابن عباس، فهو غير صحيح كما بيناه في تخريجه، والصحيح عن ابن عباس هو قوله: (الكرسي موضع القدمين .... )، وهذه رواية اتفق أهل العلم على صحتها.
وأما القول الثاني: إن الكرسي هو العرش نفسه، فلم يثبت عن الحسن
стр. 420
البصري، لأن في اسناده جوبير وهو متفق على ضعفه، وقال فيه الحافظ ابن حجر: (ضعيف جداً).
وقال ابن كثير: (رواه ابن جرير من طريق جوبير، وهو ضعيف، وهذا لا يصح عن الحسن بل الصحيح عنه وعن غيره من الصحابة والتابعين أنه غيره) (١).
وقال البيهقي عند الكلام على هذا القول: (هذا ليس بمرضي، والذي تقتضيه الأحاديث أن الكرسي مخلوق بين يدي العرش، والعرش أعظم منه) (٢).
ومساندة ابن جرير الطبري لهذا القول غير صحيحة، لأن حديث عبد الله ابن خليفة ضعيف كما تقدم.
أما القول الثالث: فهو قول مخالف لما دلت عليه الأحاديث والآثار، ومخالف لما عليه الجمهور من أهل السنة والجماعة ومخالف للغة العربية، وهو تأويل باطل ترده الأحاديث، وهو أيضاً تكذيب بالكرسي، وتكذيب للأحاديث الصحيحة التي دلت على وجود الكرسي.
وأما القول الرابع: فيكفي في إثبات بطلانه أن جماعة من أنفسهم ردوا عليهم هذا القول كما ذكره ابن كثير وبالإضافة إلى ذلك فإن أصحاب هذا القول ليس لديهم أي دليل على قولهم هذا كما سبق وأن بيناه في قولهم في العرش.
стр. 421
قال المصنف-﵀:
"والإيمان بمكر ونكير" (١).
منكر ونكير هما ملكان جاء وصفهما في السنة بأنهما أسودان أزرقان، يأتيان العبد في قبره فيقعدانه ويسألانه من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فأما المؤمن فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبي محمد ﷺ ، فينعم في قبره. وأما الكافر فلا يحار جوابا، فيضرب بمرزبة من حديد يصيح منها صيحة يسمعها كل من يليه إلا الثقلين.
الأدلة على ذلك.
الأحاديث الواردة في الملكين متلقاة عند أهل العلم بالقبول، قال ابن أبي عاصم: وفي المساءلة أخبار ثابتة، والأخبار التي في المساءلة في القبر منكر ونكير أخبار ثابتة توجب العلم، فنرغب إلى الله أن يثبتنا في قبورنا عند مسألة منكر ونكير بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة" (٢).
وقد ورد في بعض الأحاديث ذكر الملكين دون ذكر اسمهما، من ذلك:
في حديث أنس ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ الْعَبْدَ إذا وُضِعَ
стр. 422
في قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عنه أَصْحَابُهُ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أَتَاهُ مَلَكَانِ، فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولَانِ: ما كُنْتَ تَقُولُ في هذا الرَّجُلِ؟ لِمُحَمَّدٍ ﷺ . فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فيقول: أَشْهَدُ أَنَّهُ عبد اللَّهِ وَرَسُولُهُ … » (١).
• وفي الصحيحين من حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ العَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أَتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ، فَيَقُولَانِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ ، فَأَمَّا المُؤْمِنُ، فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الجَنَّةِ، فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا" (٢).
• وفي مسند البزار وغيره من حديث أبي سعيد قال شهدنا مع النبي ﷺ جنازة فقال رسول الله ﷺ : " أيها الناس إن هذه الأمة تبتلى في قبورها فإذا دفن الإنسان وتفرق عنه أصحابه جاءه ملك في يده مطراق فأقعده فقال ما تقول في هذا الرجل يعني محمدا ﷺ فإن كان مؤمنا قال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده رسوله فيقولون له صدقت ثم يفتح له باب إلى النار فيقولون هذا كان منزلك لو كفرت بربك فأما إذا آمنت به فهذا منزلك فيفتح له باب إلى الجنة فيريد أن ينهض إلى الجنة فيقولون له اسكن " (٣). وذكر الحديث.
стр. 423
وقد ورد في الحديث والآثار ذكر اسميهما، من ذلك:
• أما الحديث.
فمن الأحاديث الواردة في هذا: ما رواه أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: «إذا قبر الميت-أو قال: أحدكم-أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما: المنكر، والآخر: النكير. فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول ما كان يقول: هو عبد الله ورسوله. أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا … » (١). (٢)
وحديث أبي هريرة الذي عند الترمذي وغيره، وذكرهما يتقوى كما لا يخفى بالطريق التي عند الطبراني في المعجم الأوسط (٤٦٢٩)، وفيها ابن لهيعة
стр. 424
وموسى ابن جبير الحذاء، وهذا الأخير وثقه ابن حبان وقال: يخطئ ويخالف، وفي ابن لهيعة كلام معروف، وباقي رجاله ثقات، فتسمية الملكين حسن بمجموع الطريقين،
• وأما الآثار.
هذا بالإضافة أن تسميتهما وردت في أخبار أخرى مرسلة وموقوفة، وهي:
١ - مرسل عطاء بن أبي رباح: أخرجه الحارث بن أبي أسامة في مسنده (زوائده رقم ٢٨١)، والآجري في الشريعة (رقم ٨٦١ - دار الوطن) والبيهقي في إثبات عذاب القبر (رقم ١٠٣) من طريق إبراهيم بن سعد عن أبيه عن عطاء بن يسار قال: قال رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب ﵁: "يا عمر كيف بك إذا أنت مت، فانطلق أهلك فقاسوا لك ثلاثة أذرع وشبر في ذراع وشبر، ثم رجعوا إليك فغسلوك وكفنوك وحنطوك، ثم احتملوك حتى يضعوك فيه، ثم يهيلوا عليه التراب، فإذا انصرفوا عنك أتاك فتانا القبر منكر ونكير أصواتهما كالرعد القاصف، وأبصارهما مثل البرق الخاطف، فتلتلاك وثرثراك وهوّلاك، فكيف بك عند ذلك يا عمر؟ "، قال: يا رسول الله ومعي عقلي؟، قال: "نعم"، قال: "إذا أكفيكهما".
٢ - مرسل عمرو بن دينار المكي: عند عبد الرزاق في المصنف (٣/ ٥٨٢ - ٥٨٣) بسند صحيح عنه، ولفظه
стр. 425
نحو الذي قبله، وذكر تسمية الملكين عن عبيد بن عمير.
فلا شك أن مجموع هذه الطرق يعطي قوة لتسمية الملكين، والله أعلم.
• أقوال العلماء.
وقد ذكر جملة من أئمة السلف عبارة (منكر ونكير) وممن ذكره هذه العبارة:
ما ورد عن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين من ذلك:
ما أخرجه ابن أبي شيبة والبيهقي من طريق غندر عن شعبة عن يعلى بن عطاء عن تميم بن غيلان بن سلمة قال: (جاء رجل إلى أبي الدرداء وهو مريض) … إلى أن قال أبو الدرداء: «ثم جاءك ملكان أسودان أزرقان جعدان أسماؤهما منكر ونكير … » (١)
ومما ورد عن علماء السلف
ما ورد أن أبا عبيد القاسم بن سلام سأل الإمام أحمد عنهما فقال: "هذه اللفظة (منكر ونكير) تقول هذا أو تقول ملكين؟، قال: نقول منكر ونكير