← Акыда

Акыда · id 30121

القول المسدد في شرح رسالة الإمام أحمد

محمد بن خليفة التميمي

Полный текст (704 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

قال المصنف-﵀: "والإيمان بمكر ونكير" (١). منكر ونكير هما ملكان جاء وصفهما في السنة بأنهما أسودان أزرقان، يأتيان العبد في قبره فيقعدانه ويسألانه من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فأما المؤمن فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبي محمد ﷺ ، فينعم في قبره. وأما الكافر فلا يحار جوابا، فيضرب بمرزبة من حديد يصيح منها صيحة يسمعها كل من يليه إلا الثقلين. الأدلة على ذلك. الأحاديث الواردة في الملكين متلقاة عند أهل العلم بالقبول، قال ابن أبي عاصم: وفي المساءلة أخبار ثابتة، والأخبار التي في المساءلة في القبر منكر ونكير أخبار ثابتة توجب العلم، فنرغب إلى الله أن يثبتنا في قبورنا عند مسألة منكر ونكير بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة" (٢). وقد ورد في بعض الأحاديث ذكر الملكين دون ذكر اسمهما، من ذلك: في حديث أنس ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ الْعَبْدَ إذا وُضِعَ

стр. 422

في قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عنه أَصْحَابُهُ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أَتَاهُ مَلَكَانِ، فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولَانِ: ما كُنْتَ تَقُولُ في هذا الرَّجُلِ؟ لِمُحَمَّدٍ ﷺ . فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فيقول: أَشْهَدُ أَنَّهُ عبد اللَّهِ وَرَسُولُهُ … » (١). • وفي الصحيحين من حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ العَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أَتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ، فَيَقُولَانِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ ، فَأَمَّا المُؤْمِنُ، فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الجَنَّةِ، فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا" (٢). • وفي مسند البزار وغيره من حديث أبي سعيد قال شهدنا مع النبي ﷺ جنازة فقال رسول الله ﷺ : " أيها الناس إن هذه الأمة تبتلى في قبورها فإذا دفن الإنسان وتفرق عنه أصحابه جاءه ملك في يده مطراق فأقعده فقال ما تقول في هذا الرجل يعني محمدا ﷺ فإن كان مؤمنا قال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده رسوله فيقولون له صدقت ثم يفتح له باب إلى النار فيقولون هذا كان منزلك لو كفرت بربك فأما إذا آمنت به فهذا منزلك فيفتح له باب إلى الجنة فيريد أن ينهض إلى الجنة فيقولون له اسكن " (٣). وذكر الحديث.

стр. 423

وقد ورد في الحديث والآثار ذكر اسميهما، من ذلك: • أما الحديث. فمن الأحاديث الواردة في هذا: ما رواه أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: «إذا قبر الميت-أو قال: أحدكم-أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما: المنكر، والآخر: النكير. فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول ما كان يقول: هو عبد الله ورسوله. أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا … » (١). (٢) وحديث أبي هريرة الذي عند الترمذي وغيره، وذكرهما يتقوى كما لا يخفى بالطريق التي عند الطبراني في المعجم الأوسط (٤٦٢٩)، وفيها ابن لهيعة

стр. 424

وموسى ابن جبير الحذاء، وهذا الأخير وثقه ابن حبان وقال: يخطئ ويخالف، وفي ابن لهيعة كلام معروف، وباقي رجاله ثقات، فتسمية الملكين حسن بمجموع الطريقين، • وأما الآثار. هذا بالإضافة أن تسميتهما وردت في أخبار أخرى مرسلة وموقوفة، وهي: ١ - مرسل عطاء بن أبي رباح: أخرجه الحارث بن أبي أسامة في مسنده (زوائده رقم ٢٨١)، والآجري في الشريعة (رقم ٨٦١ - دار الوطن) والبيهقي في إثبات عذاب القبر (رقم ١٠٣) من طريق إبراهيم بن سعد عن أبيه عن عطاء بن يسار قال: قال رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب ﵁: "يا عمر كيف بك إذا أنت مت، فانطلق أهلك فقاسوا لك ثلاثة أذرع وشبر في ذراع وشبر، ثم رجعوا إليك فغسلوك وكفنوك وحنطوك، ثم احتملوك حتى يضعوك فيه، ثم يهيلوا عليه التراب، فإذا انصرفوا عنك أتاك فتانا القبر منكر ونكير أصواتهما كالرعد القاصف، وأبصارهما مثل البرق الخاطف، فتلتلاك وثرثراك وهوّلاك، فكيف بك عند ذلك يا عمر؟ "، قال: يا رسول الله ومعي عقلي؟، قال: "نعم"، قال: "إذا أكفيكهما". ٢ - مرسل عمرو بن دينار المكي: عند عبد الرزاق في المصنف (٣/ ٥٨٢ - ٥٨٣) بسند صحيح عنه، ولفظه

стр. 425

نحو الذي قبله، وذكر تسمية الملكين عن عبيد بن عمير. فلا شك أن مجموع هذه الطرق يعطي قوة لتسمية الملكين، والله أعلم. • أقوال العلماء. وقد ذكر جملة من أئمة السلف عبارة (منكر ونكير) وممن ذكره هذه العبارة: ما ورد عن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين من ذلك: ما أخرجه ابن أبي شيبة والبيهقي من طريق غندر عن شعبة عن يعلى بن عطاء عن تميم بن غيلان بن سلمة قال: (جاء رجل إلى أبي الدرداء وهو مريض) … إلى أن قال أبو الدرداء: «ثم جاءك ملكان أسودان أزرقان جعدان أسماؤهما منكر ونكير … » (١) ومما ورد عن علماء السلف ما ورد أن أبا عبيد القاسم بن سلام سأل الإمام أحمد عنهما فقال: "هذه اللفظة (منكر ونكير) تقول هذا أو تقول ملكين؟، قال: نقول منكر ونكير

стр. 426

وهما ملكان" (١) وقال أبو بكر الاسماعيلي: "ويؤمنون بمسألة منكر ونكير على ما ثبت به الخبر عن رسول الله ﷺ " (٢). وقال أبي بكر بن أبي عاصم: "وفي المساءلة أخبار ثابتة والأخبار التي في المساءلة في القبر منكر ونكير أخبار ثابتة توجب العلم". (٣) وقال شيخ الاسلام: "إذا ثبتت الرسالة ثبت ما أخبر به الرسول مما ينكره بعض أهل البدع كعذاب القبر وسؤال منكر ونكير وكالصراط والشفاعة" (٤). وقال الإمام الطحاوي: (وبعذاب القبر لمن كان له أهلاً وسؤال منكر ونكير في قبره عن ربه ودينه ونبيه .. ) (٥). (٦)

стр. 427

وأما ما ورد في تفصيل صفة الملكين، وأن أعينهما مثل قدور النحاس، وأنيابهما مثل صياصي البقر، وأصواتهما مثل الرعد، ونحو ذلك أحاديث لا تصح. (١)

стр. 428

قال المصنف-﵀: "وعذاب القبر" (١). وقد دلَّ على سؤال القبر وما يكون فيه من نَعيم أو عذاب-بعض الآيات والسُّنَّة المُتواترة وكذلك إجماع أهل السُّنَّة والجَمَاعَة. أمَّا دلالة القرآن: فمنها: • قوله تعالى في قصة آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَاب﴾ [غافر: ٤٦]. قال الحافظ ابن كثير: «وهذه الآية أصلٌ كبير في استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ في القبور» (٢). وقال العلامة الفوزان: «هذا في البرزخ قبل الآخرة؛ يُعرضون على النَّار صباحًا ومساء إلى أن تقوم الساعة، وهذا دليلٌ على عذاب القبر، والعياذ بالله، ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] هذه ثلاثة عقوبات: الأولى: أنَّ الله أغرقهم ومحاهم عن آخرهم في لحظة واحدة. الثاني: أنَّهم يُعَذَّبون في البرزخ إلى أن تقوم الساعة.

стр. 429

الثَّالثة: أنهم إذا بعثوا يوم القيامة يدخلون أشد العذاب، والعياذ بالله» (١). • ومنها: قوله تعالى: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيم﴾ [التوبة: ١٠١]. قال ابنُ تيمِيَّة: «قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ العُلَمَاءِ: المَرَّةُ الأُولَى فِي الدُّنْيَا، وَالثَّانِيَةُ فِي البَرْزَخِ، ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيم﴾ فِي الآخِرَةِ» (٢). • ومنها: وقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾. وهذا خطابٌ لهم عند الَموت، وقد أخبر الملائكة-وهم الصادقون-أنَّهم حينئذ يُجزون عذاب الهون، ولو تأخَّر عنهم ذلك إلى انقضاء الدنيا؛ لما صَحَّ أن يقال لهم: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ﴾؛ فدل على أنَّ المراد به عذاب القبر (٣). وأمَّا السُّنَّة: فإنها متواترةٌ في ذلك، كما قال الحافظُ ابنُ رَجَب رحمه الله تعالى: «وقد تَوَاتَرَت الأحاديثُ في عذاب القبر» (٤). وقال ابنُ أبي العِزِّ رحمه الله تعالى: «وقد تواترت الأخبارُ عن رسول الله ﷺ

стр. 430

في ثُبُوت عذاب القبر ونعيمه لِمَنْ كان أهلًا» (١). وأمَّا الإجماعُ: • فقد قال ابن تيمِيَّة رحمه الله تعالى: «فَاعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَ سَلَفِ الأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا: أَنَّ المَيِّتَ إذَا مَاتَ يَكُونُ فِي نَعِيمٍ أَوْ عَذَابٍ» (٢). • وقال أيضًا: «العَذَابُ وَالنَّعِيمُ عَلَى النَّفْسِ وَالبَدَنِ جَمِيعًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ» (٣). • وقال ابن القيِّم رحمه الله تعالى: «وَهَذَا كَمَا أنه مُقْتَضى السُّنَّة الصَّحِيحَة فَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَين أهل السُّنَّة. قَالَ المروزي: قَالَ أَبُو عبد الله: عَذَاب القَبْر حقٌّ، لَا يُنكره إِلَّا ضالٌّ أَوْ مُضِلٌّ» (٤). والإنسانُ بمجرد موتِه يدخل فِي اليومِ الآخرِ بالنِّسبة له، وَلِهَذَا يُقَالُ: مَنْ مَاتَ قَامَت قِيَامَتُهُ. وقد ذكر شيخُ الإسلامِ رحمه الله تعالى هُنَا مَسأَلَتَينِ عَظيمَتَينِ: الأولى: فِتنَةُ القَبر، والثانية: مَا يَكُونُ بَعدَ تِلكَ الفِتنَةِ مِنْ نَعِيمٍ أَوْ عَذَابٍ.

стр. 431

المَسأَلَةُ الأُولى: فِتنَةُ القَبر: قَالَ شَيخُ الإسلامِ ابن تيمِيَّة رحمه الله تعالى: «وَأَمَّا الفِتْنَةُ فِي القُبُورِ فَهِيَ الِامْتِحَانُ وَالِاخْتِبَارُ لِلمَيِّتِ حِينَ يَسْأَلُهُ المَلَكَانِ» (١). وقَد رَوَت أَسمَاءُ بِنت أَبِي بَكر ﵄ أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّهُ قَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي القُبُورِ قَرِيبًا، أَوْ مِثْل فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ» (٢). وعن عثمانَ بن عفَّان ﵁ قالَ: كَانَ النَّبيُّ ﷺ إِذَا فَرغَ مِنْ دَفنِ الميتِ وَقَفَ عليهِ، فَقَالَ: «اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ، وَسَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ؛ فَإِنَّهُ الآنَ يُسْأَلُ» (٣). وَعَنْ أَبِي هُريرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يدعُو: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ» (٤). وعن البرَاءِ بنِ عَازب ﵁ عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: «إِنَّ العَبدَ المُؤمِنَ فِي قَبْرِهِ تُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ؛ فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللهُ. فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: دِينِيَ الإِسْلَامُ.

стр. 432

فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَيَقُولَانِ لَهُ: وَمَا عِلْمُكَ؟ فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتَابَ اللهِ؛ فَآمَنْتُ بِهِ، وَصَدَّقْتُ به … ». إِلَى أَنْ قَالَ فِي العَبدِ الكَافِرِ: «فتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ، وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ، فَيُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: هَاه هَاه، لَا أَدْرِي! فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: هَاه هَاهْ، لَا أَدْرِي! فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هَاه هَاه، لَا أَدْرِي» (١). وَغَيرِ ذَلِكَ مِنَ الأَحَادِيثِ التي بَلَغَت مَبلَغَ التَّوَاتُرِ. قَالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تيمِيَّة رحمه الله تعالى: «وَقَدْ تَوَاتَرَت الأَحَادِيثُ عَنْ النَّبِي ﷺ فِي هَذِهِ الفِتْنَةِ مِنْ حَدِيثِ البَراءِ بْنِ عَازِبٍ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَغَيْرِهِمْ ﵃» (٢). وَقوله: «مَنْ رَبُّك؟ وَمَا دِينُك؟ وَمَنْ نَبِيُّك؟» هَذِهِ الأسئلة الثلاثة الِتي تُوَجَّهُ للمَيِّتِ فِي قَبرِهِ؛ قال العلَّامةُ ابنُ عُثَيمين رحمه الله تعالى: «يَعنِي: مَنْ رَبُّكَ الذِي خَلَقَكَ وَتعبدُهُ وَتَخصُّهُ بِالعِبَادَةِ؟ لِأَجلِ أَنْ تَنتَظِمَ هَذِهِ الكَلمةُ توحيد الربوبيَّةِ، وَتوحيد الألوهيَّةِ. و «المُرتاب»: الشَّاكُّ والمُنافقُ وشبههمَا،

стр. 433

«فَيَقُولُ: هَاه هَاه؛ لَا أَدْري، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلتُهُ»، يعني: لم يَلجِ الإيمانُ قلبَهُ، وإنَّمَا كانَ يقولُ كما يقولُ النَّاسُ مِنْ غيرِ أن يَصِلَ الإيمانُ إلى قلبِهِ. وَتَأَمَّل قولَهُ: «هاه هاه» كأنَّ شيئًا غَابَ عنهُ يريدُ أن يَتذكرَه، وَهَذا أشدُّ في التَّحَسُّرِ أن يتخيَّلَ أنَّهُ يَعْرِفُ الجوابَ، ولكن يُحالُ بينهُ وبينهُ، ويقولُ: «هاه هاه»، ثمَّ يقولُ: «سمعتُ الناسَ يقولونَ شيئًا فقلتُهُ»، وَلَا يقولُ: رَبِّيَ الله، وَلَا ديني الإسلام، وَلَا نَبِيِّ محمَّد؛ لأَنَّهُ فِي الدُّنيا مُرتابٌ شاكٌّ. هذا إِذَا سُئِلَ فِي قَبرِهِ وَصَارَ أحوج مَا يكونُ إِلَى الجَوَابِ الصَّوَابِ يَعجزُ، وَيَقولُ: «لَا أدري سَمِعتُ النَّاسَ يقولونَ شَيئًا فقلتُهُ». إِذًا؛ إيمانُه قولٌ فَقَط» (١). وقولُ شيخِ الإسلامِ-رحمه الله تعالى-: «فَيُضرِبُ بِمرزَبَّةٍ مِنْ حديدٍ؛ فيصيحَ صحيةً يسمعهَا كُلُّ شيءٍ إِلَّا الإنسان، وَلَو سَمِعَها لصعقَ» -يُشير إلى حديث أنس ﵇ وفيه: «وأمَّا المُنافق والكافر فيُقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري كنتُ أقول ما يقول الناس، فيقال: لا دَرَيْتَ ولا تَلَيْتَ، ويُضرب بمطارقَ من حديد ضربةً؛ فيَصِيحُ صَيحةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ غَيرَ الثَّقَلينِ» (٢)، والثَّقلان: هُمْ الإنسُ والجنُّ.

стр. 434

قالَ ابنُ عُثَيمين رحمه الله تعالى: «فيُضرب»: يَعني الذِي لم يُجِب، سواء كانَ الكافرَ أو المنافقَ، والضارب لَهُ المَلَكَانِ اللذانِ يَسألانِهِ. والمرزبَّةُ: هِيَ مِطرقةٌ مِنْ حَدِيدٍ، وَقَدْ وَرَدَ فِي بعضِ الرواياتِ: أَنَّهُ لَوِ اجتَمَعَ عَلَيهَا أَهلُ مِنى مَا أَقَلُّوها، فَإِذَا ضُرِب يَصيح صيحةً يَسمعها كلُّ شيء إلا الإنسان، أي: صِياحًا مَسموعًا يَسمعه كلُّ شيء يكون حوله مِمَّا يسمع صوته، وليس كلُّ شيء في أقطار الدُّنيا يَسمعه، وأحيانًا يتأثر به ما يسمعه كما مَرَّ النَّبيُّ ﷺ بِأَقْبُر للمُشركين على بَغْلَتِه، فَحَادت به حتى كادت تُلقيه؛ لأنَّها سَمِعت أصواتَهم يُعَذَّبون. قوله: «إلا الإنسان»، وقد سبق أنَّ في الحديث إلا الثَّقلين. يعني: أنه لا يَسمع هذا الصِّياح، وذلك لحكمٍ عظيمة منها: أولًا: ما أشار إليه النبي ﷺ بقوله: «لَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ عَذَابَ القَبْرِ» (١). ثانيًا: أنَّ في إخفاء ذلك سترًا للميت. ثالثًا: أنَّ فيه عدم إزعاج لأهله؛ لأنَّ أهلَه إذا سَمعوا مَيِّتَهم يُعَذَّب ويَصيح لم يَسْتَقِرَّ لهم قَرَارٌ. رابعًا: عدم تَخْجِيل أهله؛ لأنَّ النَّاس يقولون: هذا ولدُكم، هذا أبوكم، هذا أخوكم، وما أشبه ذلك.

стр. 435

خامسًا: أننا قد نَهْلِك؛ لأنَّها صيحة ليست هينة، بل صيحة قد تُوجب أن تسقط القلوب من مَعاليقها، فيموت الإنسان، أو يُغشى عليه. سادسًا: لو سَمِع النَّاسُ صُرَاخ هؤلاء المُعَذَّبين لكان الإيمانُ بعذاب القبر من باب الإيمان بالشهادة لا من باب الإيمان بالغيب، وحينئذ تَفُوت مصلحة الامتحان؛ لأنَّ النَّاس سوف يُؤمنون بما شاهدوه قطعًا، لكن إذا كان غائبًا عنهم ولم يعلموا به إلَّا عن طريق الخبر صار من باب الإيمان بالغيب» (١). وإذ كان الموت بداية آخرة الإنسان وقيامته الصغرى تبدأ بالموت فأول منازل الآخرة هو القبر، وهو ما يُسمى البرزخ؛ لأنه مرحلة بين الدنيا والبعث والآخرة. فنؤمن بالقبر عذابه ونعيمه في هذا كما جاءت بهذه النصوص، فمن عقيدة أهل السنة إيمانهم بنعيم القبر وعذابه، وأشار المصنف هنا إلى عذاب القبر، فجاء من جاء من المعتزلة ونحوهم من أنكر عذاب القبر وهو أمرٌ ثابت بنص الكتاب وبنص السنة كما هو معلوم. فالإنسان إذا دُفن في قبره فهو بمجرد أن يتولى أهله ويذهب يسمع قرع نعالهم فيأتيه ملكان فيقعدانه ويسألانه من ربك من دينك ومن نبيك؟ فهذه أسئلة يُسألها فإذا كان مؤمناً وفق للجواب، وهذا قول الله : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾

стр. 436

[إبراهيم الآية: ٢٧]، فالمؤمن يثبت ويجيب، والمنافق والكافر يقول ها ها لا أدري (١). وهذا العذاب أي سؤال القبر وما يتعلق بنعيمه وعذابه أمرٌ قد ثبتت به النصوص، فلابد لكل مؤمن وكل صاحب سنة أن يؤمن ويستعد لهذا اليوم، سيذهب المال، ويذهب الأهل وتبقى أنت في هذه الوحشة، وفي هذه الظلمة، لا ينفعك في هذا المقام إلا إيمانك بالله ، فعند ذلك إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار. وللقبر ضمة تختلف فيها أضلاع الإنسان، ولو نجا من هذه الضمة أحد كما قال النبي ﷺ : «لنجا منها سعد» (٢)، ومعلوم من هو سعد الذي اهتز له عرش الرحمن عند موته، «اهتز عرش الرحمن لموت سعد» (٣)، ومع ذلك ما نجا من هذه الضمة التي تلحق الناس، وقيل أنه لا يستثنى من ذلك إلا الأنبياء في هذا الأمر. فهذه أول مراحل الحياة الآخرة حياة البرزخ وعذاب القبر ونعيمه، ثم بعد ذلك يأتي البعث. • فعَن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ مَنْ رَبُّكَ فَيَقُولُ رَبِّيَ اللَّهُ فَيَقُولَانِ لَهُ مَا دِينُكَ فَيَقُولُ ديني الْإِسْلَام فَيَقُولَانِ لَهُ مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ قَالَ فَيَقُول هُوَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَيَقُولَانِ وَمَا يُدْرِيكَ فَيَقُولُ قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ زَاد فِي حَدِيث جرير فَذَلِك قَول الله (يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت) الْآيَة ثمَّ اتفقَا قَالَ فينادي مُنَاد من السَّمَاء أَنْ قد صدق عَبدِي فأفرشوه مِنَ الْجَنَّةِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ وألبسوه من الْجنَّة قَالَ فيأتيه من روحها وطيبها قَالَ وَيفتح لَهُ فِيهَا مد بَصَره عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي

стр. 437

جَنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ وَلَمَّا يُلْحَدْ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِنَا الطَّيْرُ، وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ بِهِ فِي الْأَرْضِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: «اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، زَادَ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ «هَاهُنَا» وَقَالَ: " وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِهِمْ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ حِينَ يُقَالُ لَهُ: يَا هَذَا، مَنْ رَبُّكَ وَمَا دِينُكَ وَمَنْ نَبِيُّكَ؟ " قَالَ هَنَّادٌ: قَالَ: " وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: دِينِيَ الْإِسْلَامُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ " قَالَ: " فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [ص: ٢٤٠]، فَيَقُولَانِ: وَمَا يُدْرِيكَ؟ فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ «زَادَ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ» فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [إبراهيم: ٢٧] " الْآيَةُ-ثُمَّ اتَّفَقَا-قَالَ: " فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: أَنْ قَدْ صَدَقَ عَبْدِي، فَأَفْرِشُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ " قَالَ: «فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا» قَالَ: «وَيُفْتَحُ لَهُ فِيهَا مَدَّ بَصَرِهِ» قَالَ: «وَإِنَّ الْكَافِرَ» فَذَكَرَ مَوْتَهُ قَالَ: " وَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ، وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ: لَهُ مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ هَاهْ، لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ، لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانِ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ، لَا أَدْرِي، فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: أَنْ كَذَبَ، فَأَفْرِشُوهُ مِنَ النَّارِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ النَّارِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ " قَالَ: «فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا وَسَمُومِهَا» قَالَ: «وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ» زَادَ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ قَالَ: «ثُمَّ يُقَيَّضُ لَهُ أَعْمَى أَبْكَمُ مَعَهُ مِرْزَبَّةٌ مِنْ حَدِيدٍ لَوْ ضُرِبَ بِهَا جَبَلٌ لَصَارَ تُرَابًا» قَالَ: «فَيَضْرِبُهُ بِهَا ضَرْبَةً يَسْمَعُهَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ فَيَصِيرُ تُرَابًا» قَالَ: «ثُمَّ تُعَادُ فِيهِ الرُّوحُ» (١)

стр. 438

• وعن أم المؤمنين عائشة زوج النبي ﷺ : أن رسول الله ﷺ كان يدعو في الصلاة: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَفِتْنَةِ الْمَمَاتِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ" (١). • وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ" (٢). • قال الإمام أحمد بن حنبل: " .. وأن هذه الأمة تفتن في قبورها، وتسأل عن الإيمان والإسلام، ومن ربه ومن نبيه، ويأتيه منكر ونكير، كيف شاء وكيف أراد .. " (٣). • وورد أن أبا عبيد القاسم بن سلام سأل الإمام أحمد عنهما فقال: "هذه اللفظة (منكر ونكير) تقول هذا أو تقول ملكين؟، قال: نقول منكر ونكير وهما ملكان" (٤) • وقال أبوبكر الاسماعيلي: "ويؤمنون بمسألة منكر ونكير على ما ثبت به الخبر عن رسول الله ﷺ " (٥).

стр. 439

• وقال أبي بكر بن أبي عاصم: "وفي المساءلة أخبار ثابتة والأخبار التي في المساءلة في القبر منكر ونكير أخبار ثابتة توجب العلم". (١) • وقال الإمام الطحاوي: (وبعذاب القبر لمن كان له أهلاً وسؤال منكر ونكير في قبره عن ربه ودينه ونبيه .. ) (٢). (٣) • وقال شيخ الاسلام: "إذا ثبتت الرسالة ثبت ما أخبر به الرسول مما ينكره بعض أهل البدع كعذاب القبر وسؤال منكر ونكير وكالصراط والشفاعة" (٤). والإنسانُ بمجرد موتِه يدخل فِي اليومِ الآخرِ بالنِّسبة له، وَلِهَذَا يُقَالُ: مَنْ مَاتَ قَامَت قِيَامَتُهُ.

стр. 440

قال المصنف-﵀: "و الإيمان بملك الموت [أنه] (١) يقبض الأرواح". وردت النصوص بذكر ملك الموت وأنه يقوم بنزع الروح، فمن القرآن: قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة: ١١]. وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ. ثُمَّ رُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام: ٦١]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الأنفال: ٥٠]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٢٨ - ٣٢] وغيرها من الآيات.

стр. 441

ومن السنة: ما ورد عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي جِنَازَةِ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ وَلَمَّا يُلْحَدْ فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ وَكَأَنَّ عَلَى رؤوسنا الطَّيْرَ وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ فِي الْأَرْضِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا … ثمَّ ذكر صفة قبض روح المؤمن ونعيمه في القبر ثم قال-: وَإِنَّ الْعَبْدَ الْكَافِرَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنْ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنْ الآخِرَةِ نَزَلَ إِلَيْهِ مِنْ السَّمَاءِ مَلائِكَةٌ سُودُ الْوُجُوهِ مَعَهُمْ الْمُسُوحُ فَيَجْلِسُونَ مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَيَقُولُ أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ اخْرُجِي إِلَى سَخَطٍ مِنْ اللَّهِ وَغَضَبٍ قَالَ فَتُفَرَّقُ فِي جَسَدِهِ فَيَنْتَزِعُهَا كَمَا يُنْتَزَعُ السَّفُّودُ مِنْ الصُّوفِ الْمَبْلُولِ فَيَأْخُذُهَا فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَجْعَلُوهَا فِي تِلْكَ الْمُسُوحِ وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَنْتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ فَيَصْعَدُونَ بِهَا فَلَا يَمُرُّونَ بِهَا عَلَى مَلإٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ إِلا قَالُوا مَا هَذَا الرُّوحُ الْخَبِيثُ فَيَقُولُونَ فُلانُ بْنُ فُلَانٍ بِأَقْبَحِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانَ يُسَمَّى بِهَا فِي الدُّنْيَا حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيُسْتَفْتَحُ لَهُ فَلا يُفْتَحُ لَهُ ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ فَيَقُولُ اللَّهُ اكْتُبُوا كِتَابَهُ فِي سِجِّينٍ فِي الأَرْضِ السُّفْلَى فَتُطْرَحُ رُوحُهُ طَرْحًا ثُمَّ قَرَأَ: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي

стр. 442

بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولانِ لَهُ مَنْ رَبُّكَ فَيَقُولُ هَاهْ هَاهْ لا أَدْرِي فَيَقُولانِ لَهُ مَا دِينُكَ فَيَقُولُ هَاهْ هَاهْ لا أَدْرِي فَيَقُولانِ لَهُ مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ فَيَقُولُ هَاهْ هَاهْ لا أَدْرِي فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ السَّمَاءِ أَنْ كَذَبَ فَافْرِشُوا لَهُ مِنْ النَّارِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا وَسَمُومِهَا وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلاعُهُ ثُمَّ يُقَيَّضُ لَهُ أَعْمَى أَبْكَمُ مَعَهُ مِرْزَبَّةٌ مِنْ حَدِيدٍ لَوْ ضُرِبَ بِهَا جَبَلٌ لَصَارَ تُرَابًا قَالَ فَيَضْرِبُهُ بِهَا ضَرْبَةً يَسْمَعُهَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ إِلا الثَّقَلَيْنِ فَيَصِيرُ تُرَابًا قَالَ ثُمَّ تُعَادُ فِيهِ الرُّوحُ وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ قَبِيحُ الْوَجْهِ قَبِيحُ الثِّيَابِ مُنْتِنُ الرِّيحِ فَيَقُولُ أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُوءُكَ هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ فَيَقُولُ مَنْ أَنْتَ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالشَّرِّ فَيَقُولُ أَنَا عَمَلُكَ الْخَبِيثُ فَيَقُولُ رَبِّ لا تُقِمْ السَّاعَةَ» (١). اشتهر أن اسم ملك الموت عزرائيل، إلا أنه لم ترد تسمية ملك الموت بهذا الاسم في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية الصحيحة، وإنما ورد ذلك في بعض الآثار والتي قد تكون من الإسرائيليات. وعلى هذا، لا ينبغي الجزم بالنفي ولا بالإثبات، فلا نثبت أن اسم ملك الموت عزرائيل، ولا ننفي ذلك، بل نفوض الأمر إلى الله تعالى ونسميه بما سماه الله تعالى به "مللك الموت"

стр. 443

قال الله تعالى: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) السجدة/ ١١. قال ابن كثير: "وأما ملك الموت فليس بمصرح باسمه في القرآن، ولا في الأحاديث الصحاح، وقد جاء تسميته في بعض الآثار بعزرائيل، والله أعلم. وقد قال الله تعالى: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) السجدة/ ١١" (١). وقال السندي: لم يرد في تسميته حديث مرفوع اه. وقال المناوي بعد أن ذكر أن ملك الموت اشتهر أن اسمه عزرائيل، قال: "ولم أقف على تسميته بذلك في الخبر" (٢) وقال الشيخ ابن عثيمين: " (ملك الموت): وقد اشتهر أن اسمه (عزرائيل)، لكنه لم يصح، إنما ورد هذا في آثار إسرائيلية لا توجب أن نؤمن بهذا الاسم، فنسمي من وُكِّل بالموت ب (ملك الموت) كما سماه الله في قوله: (قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون) اه" (٣).

стр. 444

قال المصنف-﵀: "ثم ترد في الأجساد في القبور فيسألون عن الإيمان والتوحيد" (١). قَالَ ابن تيمِيَّة رحمه الله تعالى: «وَأَمَّا الفِتْنَةُ فِي القُبُورِ فَهِيَ الِامْتِحَانُ وَالِاخْتِبَارُ لِلمَيِّتِ حِينَ يَسْأَلُهُ المَلَكَانِ» (٢). وأما الأدلة على فتنة القبر. قَالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تيمِيَّة رحمه الله تعالى: «وَقَدْ تَوَاتَرَت الأَحَادِيثُ عَنْ النَّبِي ﷺ فِي هَذِهِ الفِتْنَةِ مِنْ حَدِيثِ البَراءِ بْنِ عَازِبٍ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَغَيْرِهِمْ ﵃» (٣). • رَوَت أَسمَاءُ بِنت أَبِي بَكر ﵄ أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّهُ قَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي القُبُورِ قَرِيبًا، أَوْ مِثْل فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ» (٤). • وعن عثمانَ بن عفَّان ﵁ قالَ: كَانَ النَّبيُّ ﷺ إِذَا فَرغَ مِنْ دَفنِ الميتِ وَقَفَ عليهِ، فَقَالَ: «اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ، وَسَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ؛ فَإِنَّهُ

стр. 445

الآنَ يُسْأَلُ» (١). • وَعَنْ أَبِي هُريرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يدعُو: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ» (٢). • وعن البرَاءِ بنِ عَازب ﵁ عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: «إِنَّ العَبدَ المُؤمِنَ فِي قَبْرِهِ تُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ؛ فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللهُ. فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: دِينِيَ الإِسْلَامُ. فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَيَقُولَانِ لَهُ: وَمَا عِلْمُكَ؟ فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتَابَ اللهِ؛ فَآمَنْتُ بِهِ، وَصَدَّقْتُ به … ». إِلَى أَنْ قَالَ فِي العَبدِ الكَافِرِ: «فتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ، وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ، فَيُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: هَاه هَاه، لَا أَدْرِي! فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: هَاه هَاهْ، لَا أَدْرِي! فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هَاه هَاه، لَا أَدْرِي» (٣). وَغَيرِ ذَلِكَ مِنَ الأَحَادِيثِ التي بَلَغَت مَبلَغَ التَّوَاتُرِ.

стр. 446

وقولُ شيخِ الإسلامِ-رحمه الله تعالى-: «فَيُضرِبُ بِمرزَبَّةٍ مِنْ حديدٍ؛ فيصيحَ صحيةً يسمعهَا كُلُّ شيءٍ إِلَّا الإنسان، وَلَو سَمِعَها لصعقَ» يُشير إلى حديث أنس ﵇ وفيه: «وأمَّا المُنافق والكافر فيُقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري كنتُ أقول ما يقول الناس، فيقال: لا دَرَيْتَ ولا تَلَيْتَ، ويُضرب بمطارقَ من حديد ضربةً؛ فيَصِيحُ صَيحةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ غَيرَ الثَّقَلينِ» (١)، والثَّقلان: هُمْ الإنسُ والجنُّ. قالَ ابنُ عُثَيمين رحمه الله تعالى: «فيُضرب»: يَعني الذِي لم يُجِب، سواء كانَ الكافرَ أو المنافقَ، والضارب لَهُ المَلَكَانِ اللذانِ يَسألانِهِ. والمرزبَّةُ: هِيَ مِطرقةٌ مِنْ حَدِيدٍ، وَقَدْ وَرَدَ فِي بعضِ الرواياتِ: أَنَّهُ لَوِ اجتَمَعَ عَلَيهَا أَهلُ مِنى مَا أَقَلُّوها، فَإِذَا ضُرِب يَصيح صيحةً يَسمعها كلُّ شيء إلا الإنسان، أي: صِياحًا مَسموعًا يَسمعه كلُّ شيء يكون حوله مِمَّا يسمع صوته، وليس كلُّ شيء في أقطار الدُّنيا يَسمعه، وأحيانًا يتأثر به ما يسمعه كما مَرَّ النَّبيُّ ﷺ بِأَقْبُر للمُشركين على بَغْلَتِه، فَحَادت به حتى كادت تُلقيه؛ لأنَّها سَمِعت أصواتَهم يُعَذَّبون. قوله: «إلا الإنسان»، وقد سبق أنَّ في الحديث إلا الثَّقلين. يعني: أنه لا يَسمع هذا الصِّياح، وذلك لحكمٍ عظيمة منها: أولًا: ما أشار إليه النبي ﷺ بقوله: «لَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللهَ أَنْ

стр. 447

يُسْمِعَكُمْ عَذَابَ القَبْرِ» (١). ثانيًا: أنَّ في إخفاء ذلك سترًا للميت. ثالثًا: أنَّ فيه عدم إزعاج لأهله؛ لأنَّ أهلَه إذا سَمعوا مَيِّتَهم يُعَذَّب ويَصيح لم يَسْتَقِرَّ لهم قَرَارٌ. رابعًا: عدم تَخْجِيل أهله؛ لأنَّ النَّاس يقولون: هذا ولدُكم، هذا أبوكم، هذا أخوكم، وما أشبه ذلك. خامسًا: أننا قد نَهْلِك؛ لأنَّها صيحة ليست هينة، بل صيحة قد تُوجب أن تسقط القلوب من مَعاليقها، فيموت الإنسان، أو يُغشى عليه. سادسًا: لو سَمِع النَّاسُ صُرَاخ هؤلاء المُعَذَّبين لكان الإيمانُ بعذاب القبر من باب الإيمان بالشهادة لا من باب الإيمان بالغيب، وحينئذ تَفُوت مصلحة الامتحان؛ لأنَّ النَّاس سوف يُؤمنون بما شاهدوه قطعًا، لكن إذا كان غائبًا عنهم ولم يعلموا به إلَّا عن طريق الخبر صار من باب الإيمان بالغيب» (٢). وَقوله: «مَنْ رَبُّك؟ وَمَا دِينُك؟ وَمَنْ نَبِيُّك؟» هَذِهِ الأسئلة الثلاثة الِتي تُوَجَّهُ للمَيِّتِ فِي قَبرِهِ؛ قال العلَّامةُ ابنُ عُثَيمين رحمه الله تعالى: «يَعنِي: مَنْ رَبُّكَ الذِي خَلَقَكَ وَتعبدُهُ وَتَخصُّهُ بِالعِبَادَةِ؟ لِأَجلِ أَنْ تَنتَظِمَ هَذِهِ الكَلمةُ توحيد الربوبيَّةِ، وَتوحيد الألوهيَّةِ.

стр. 448

و «المُرتاب»: الشَّاكُّ والمُنافقُ وشبههمَا، «فَيَقُولُ: هَاه هَاه؛ لَا أَدْري، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلتُهُ»، يعني: لم يَلجِ الإيمانُ قلبَهُ، وإنَّمَا كانَ يقولُ كما يقولُ النَّاسُ مِنْ غيرِ أن يَصِلَ الإيمانُ إلى قلبِهِ. وَتَأَمَّل قولَهُ: «هاه هاه» كأنَّ شيئًا غَابَ عنهُ يريدُ أن يَتذكرَه، وَهَذا أشدُّ في التَّحَسُّرِ أن يتخيَّلَ أنَّهُ يَعْرِفُ الجوابَ، ولكن يُحالُ بينهُ وبينهُ، ويقولُ: «هاه هاه»، ثمَّ يقولُ: «سمعتُ الناسَ يقولونَ شيئًا فقلتُهُ»، وَلَا يقولُ: رَبِّيَ الله، وَلَا ديني الإسلام، وَلَا نَبِيِّ محمَّد؛ لأَنَّهُ فِي الدُّنيا مُرتابٌ شاكٌّ. هذا إِذَا سُئِلَ فِي قَبرِهِ وَصَارَ أحوج مَا يكونُ إِلَى الجَوَابِ الصَّوَابِ يَعجزُ، وَيَقولُ: «لَا أدري سَمِعتُ النَّاسَ يقولونَ شَيئًا فقلتُهُ». إِذًا؛ إيمانُه قولٌ فَقَط» (١). وللناس في سؤال منكر ونكير: هل هو خاص بهذه الأمة أم لا ثلاثة أقوال: الثالث: التوقف، وهو قول جماعة، منهم: أبو عمر بن عبد البر، فقال: وفي حديث زيد بن ثابت عن النبي ﷺ ، قال: «إن هذه الأمة تبتلى في قبورها» (٢)، منهم من يرويه: تُسأل (٣)، وعلى هذا اللفظ يحتمل أن تكون هذه

стр. 449

الأمة قد خصت بذلك، وهذا أمر لا يقطع به، ويظهر عدم الاختصاص، والله أعلم" (١). (٢)

стр. 450

قال المصنف-﵀: "و الإيمان بالنفخ في الصور، والصور قرن ينفخ فيه إسرافيل" (١). قال تعالى: (ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله) [الزمر: ٦٨]. وفي الحديث: "ثم ينفخ في الصور، فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا، ورفع ليتا (٢)، قال: وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله. قال: فيصعق ويصعق الناس" (٣) الصور الذي ينفخ فيه الصور في لغة العرب القرن، وقد سئل الرسول ﷺ عن الصور، ففسره بما تعرفه العرب من كلامها، ففي سنن الترمذي وسنن أبي داود، وسنن ابن حبان، ومسند أحمد، ومستدرك الحاكم، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: جاء أعرابي

стр. 451

إلى النبي ﷺ فقال: " ما الصور؟ قال: الصور قرن ينفخ فيه" (١) قال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وقال الترمذي فيه: حديث حسن صحيح النافخ في الصور قال ابن حجر العسقلاني: "اشتهر أن صاحب الصور إسرافيل ﵇، ونقل فيه الحليمي الإجماع، ووقع التصريح به في حديث وهب ابن منبه، وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي، وفي حديث أبي هريرة عند ابن مردويه، وكذا في حديث الصور الطويل" (١). وقد أخبرنا الرسول ﷺ أن صاحب الصور مستعد دائما للنفخ فيه منذ أن خلقه الله تعالى، ففي مستدرك الحاكم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إن طرف صاحب الصور منذ وكل به مستعد ينظر نحو العرش، مخافة أن يؤمر قبل أن يرتد إليه طرفه، كأن عينيه كوكبان دريان " قال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي (٢). روى ابن المبارك في الزهد، والترمذي في سننه، وأبو نعيم في الحلية، وأبو يعلى في مسنده، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في المستدرك، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : " كيف أنعم،

стр. 452

وقد التقم صاحب القرن القرن، وحنى جبهته، وأصغى سمعه، ينتظر أن يؤمر أن ينفخ، فينفخ. قال المسلمون: فكيف نقول يا رسول الله؟ قال: قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، توكلنا على الله ربنا " وقال الترمذي: حديث حسن، وقد ذكر الشيخ ناصر رواته من الصحابة وطرقه ومتابعاته وشواهده في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» بما يدل على صحته (١). اليوم الذي يكون فيه النفخة. أخبر الرسول ﷺ أن الساعة تقوم في يوم الجمعة، وفيها يبعث العباد أيضا، فعن أوس بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ : "إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي" (٢) ". كم مرة ينفخ في الصور؟ (٣) الذي يظهر أن إسرافيل ينفخ في الصور مرتين، الأولى يحصل بها الصعق، والثانية يحصل بها البعث،

стр. 453

قال تعالى: (ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون) [الزمر: ٦٨]. وقد سمى القرآن النفخة الأولى بالراجفة، والنفخة الثانية بالرادفة، قال تعالى: (يوم ترجف الراجفة-تتبعها الرادفة) [النازعات: ٦ - ٧]. وفي موضع آخر سمى الأولى بالصيحة، وصرح بالنفخ بالصور في الثانية، قال تعالى: (ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون -فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون-ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون) [يس: ٤٩ - ٥١]. وقد جاءت الأحاديث النبوية مصرحة بالنفختين، ففي صحيح البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " ما بين النفختين أربعون ". قالوا: يا أبا هريرة، أربعون يوما؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون شهرا؟ قال: أبيت، قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيت" (١). وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " ثم ينفخ في الصور، فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا، ورفع ليتا (٢)، فأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله، قال: فيصعق، ويصعق الناس، ثم

стр. 454

يرسل الله -أو قال: ينزل الله مطرا، كأنه الطل، أو الظل، (نعمان (١) الشاك) فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون " (٢). وأخرج البيهقي بسند قوي عن ابن مسعود موقوفا: "ثم يقوم ملك الصور بين السماء والأرض، فينفخ فيه، والصور قرن، فلا يبقى خلق في السماوات ولا في الأرض إلا مات إلا من شاء ربك، ثم يكون بين النفختين ما شاء الله أن يكون" (٣) وروى أوس بن أوس الثقفي عن الرسول ﷺ قال: "إن أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه الصعقة وفيه النفخة" (٤)، وقد أخرجه أبو داود والنسائي وأحمد وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم (٥). وقد رجح هذا الذي دلت عليه هذه الآيات والأحاديث التي سقناها جمع من أهل العلم، منهم القرطبي (٦)، وابن حجر العسقلاني (٧). وذهب جمع من أهل العلم إلى أنها ثلاث نفخات، وهي نفخة الفزع،

стр. 455

ونفخة الصعق، ونفخة البعث. وممن ذهب هذا المذهب ابن العربي (١)، وابن تيمية (٢)، وابن كثير (٣)، والسفاريني (٤)، وحجة من ذهب هذا المذهب أن الله ذكر نفخة الفزع في قوله: (ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله) [النمل: ٨٧]. كما احتجوا ببعض الأحاديث التي نصت على أن النفخات ثلاث، كحديث الصور، وهو حديث طويل، أخرجه الطبري، وفيه: "ثم ينفخ في الصور ثلاث نفخات: نفخة الفزع، ونفخة الصعق، ونفخة القيام لرب العالمين" (٥). أما استدلالهم بالآية التي تذكر نفخة الفزع فليست صريحة ........ يقول ابن حجر رحمه الله تعالى: "ولا يلزم من مغايرة الصعق الفزع أن لا يحصلا معا من النفخة الأولى " (٦)، وجاء في تذكرة القرطبي: " ونفخة الفزع هي نفخة الصعق، لأن الأمرين

стр. 456

لازمين لها، أي: فزعوا فزعا ماتوا منه " (١). (٢) أما حديث الصور فهو حديث ضعيف مضطرب كما يقول الحجة في علم الحديث ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى، ونقل تضعيفه عن البيهقي (٣). وذهب ابن حزم رحمه الله تعالى إلى: "أن نفخات يوم القيامة أربع: الأولى نفخة إماتة، والثانية نفخة إحياء، يقوم بها كل ميت، وينشرون من القبور، ويجمعون للحساب. والثالثة: نفخة فزع وصعق، يفيقون منها كالمغشي عليه، لا يموت منها أحد. والرابعة: نفخة إفاقة من ذلك الغشى" (٤). قال ابن حجر بعد أن حكى مقالة ابن حزم: "هذا الذي ذكره من كون الثنتين أربعا ليس بواضح، بل هما نفختان فقط، ووقع التغاير في كل واحد منهما باعتبار من يستمعهما، فالأولى يموت فيها كل من كان حيا، ويغشى على من لم يمت ممن استثنى الله. والثانية: يعيش بها من مات، ويفيق بها من غشي

стр. 457

عليه، والله أعلم" (١). (٢) الذين لا يصعقون عند النفخ في الصور (٣): أخبرنا الباري جل وعلا أن بعض من في السماوات ومن في الأرض لا يصعقون عندما يصعق من في السماوات ومن في الأرض (ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله) [الزمر: ٦٨]. وقد اختلف العلماء في تعيين الذين عناهم الحق بالاستثناء في قوله: (إلا من شاء الله). ١ - فذهب ابن حزم إلى أنهم جميع الملائكة، لأن الملائكة في اعتقاده أرواح لا أرواح فيها، فلا يموتون أصلا (٤). وهذا الذي ذهب إليه من أن الملائكة لا يموتون لا يسلم له، فالملائكة خلق من خلق الله ﵎، وهم عبيد مربوبون مقهورون، خلقهم، وهو قادر على إماتتهم وإحيائهم، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ من غير وجه، وعن غير واحد من الصحابة أنه قال: " إن الله إذا تكلم بالوحي أخذ الملائكة منه مثل الغشى "، وفي رواية: " إذا سمعت الملائكة كلامه صعقوا "

стр. 458

فأخبر في هذا الحديث أنهم يصعقون صعق الغشي، فإذا جاز عليهم صعق الغشي، جاز عليهم صعق الموت " (١). ٢ - وذهب مقاتل وغيره إلى أنهم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت (٢). وأضاف إليه بعض أهل العلم حملة العرش (٣). وصحة هذا متوقف على أحاديث رووها، وأهل العلم بالحديث لا يصححون مثلها (٤). ٣ - وذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀ إلى أن المراد بهم الذين في الجنة من الحور العين والولدان، وأضاف إليهم أبو إسحاق بن شاقلا من الحنابلة، والضحاك بن مزاحم: خزان الجنة والنار، وما فيها من الحيات والعقارب (٥). يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وأما الاستثناء فهو متناول لما في الجنة من الحور العين، فإن الجنة ليس فيها موت " (٦). ٤ - وقد جنح القرطبي صاحب (المفهم إلى شرح مسلم) إلى أن المراد

стр. 459

بهم الأموات كلهم، لكونهم لا إحساس لهم، فلا يصعقون (١) وما ذهب إليه أبو العباس صحيح إذا فسرنا الصعق بالموت، فإن الإنسان يموت مرة واحدة، قال تعالى: (لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى) [الدخان: ٥٦]. وقد عقد ابن القيم في كتابه: «الروح» فصلا بين فيه أن أهل العلم قد اختلفوا في موت الأرواح عند النفخ في الصور. والذي رجحه ابن القيم أن موت الأرواح هو مفارقتها للأجساد، وخروجها منها، ورد قول الذين قالوا بفناء الأرواح وزوالها، لأن النصوص دلت على أن الأرواح تبقى في البرزخ معذبة أو منعمة (٢). أما إذا فسرنا الصعق بالغشي، فإن الأرواح تصعق بهذا المعنى ولا تكون داخلة فيمن استثنى الله ﵎، فإن الإنسان قد يسمع أو يرى ما يفزعه، فيصعق، كما وقع لموسى عندما رأى الجبل قد زال من مكانه (وخر موسى صعقا) [الأعراف: ١٤٣]. وقد جاء هذا المعنى صريحا في بعض النصوص، … قال رسول الله ﷺ : " لا تخيروني على موسى، فإن الناس يصعقون فأكون أول من يفيق، فإذا موسى باطش

стр. 460

بجانب العرش، فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي، أو كان ممن استثنى الله " (١) ......... وهذا الحديث صريح في أن الموتى يصعقون، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن الذي يصعق صعق غشي هم الشهداء دون غيرهم من الأموات، وأضاف إليهم آخرون من الأنبياء (٢). وذهب إلى أن الشهداء والأنبياء يصعقون صعق غشي البيهقي فقال في صعق الأنبياء: "ووجهه عندي أنهم أحياء عند ربهم كالشهداء، فإذا نفخ في الصور النفخة الأولى صعقوا، ثم لا يكون ذلك موتا في جميع معانيه، إلا في ذهاب الاستشعار، وقد جوز النبي ﷺ أن يكون موسى ممن استثنى الله، فإن كان منهم فإنه لا يذهب استشعاره في تلك الحالة بسبب ما وقع في صعقة الطور " (٣) وقد نقل عن ابن عباس وأبي هريرة وسعيد بن جبير أن الأنبياء والشهداء من الذين استثناهم الله (٤)، وعزاه ابن حجر إلى البيهقي (٥)، فإن كان المراد استثناؤهم من الموت فإن هذا حق، وإن كان المراد استثناؤهم من الصعق الذي
следующие страницы →