المبحث الرابع: طبعاتها.
طبعت الرسالة عدة طبعات ضمن عدد من المجاميع منها:
١ - طبعت ضمن مجموع شذرات البلاتين من طيبات كلمات سلفنا الصالحين بتحقيق الشيخ محمد حامد الفقي والرسالة ضمن مجموع الجزء الأول من ص ٧٩ - ٨٤. وقد اعتمد الفقي في طبع هذه الرسالة على ما ورد في طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى حيث قال في مقدمة ذكر للرسالة ما نصه: "قال القاضي أبو الحسين محمد بن القاضي أبي يعلى محمد بن الحسين بن الفراء (المتوفى سنة ٥٢٦ هـ) في طبقات الحنابلة في ترجمة مسدد بن مسرهد بن مسربل" ثم ذكر نص الرسالة.
٢ - طبعت ضمن "الجامع في عقائد ورسائل أهل السنة والأثر" جمعه واعتنى به عادل بن عبد الله آل حمدان الغامدي. وعنون لها بعنوان "أصول السنة رواية مسدد بن مسرهد" انظر: (ص ٣٥٩ - ٣٧١).
واعتمد في تحقيق نصها على ما ورد في طبقات الحنابلة وجعلها هي الأصل، وقابلها بما ورد في مناقب الإمام أحمد، وكتاب مختصر الحجة
стр. 37
على تارك المحجة لأبي الفتح المقدسي.
٣ - وطبعت ضمن مجموع بعنوان جمهرة عقائد أئمة السلف وحوى هذا المجموع على خمسة وأربعين مَتنًا في العقيدة السلفية (عقيدة أهل السُّنة والجماعة). وقام بجمعها وضبط نصوصها محمد محب الدين أبو زيد نشر مكتبة التوعية الإسلامية مصر.
والرسالة المذكورة حملت رقم التسلسل (١٥) وجاءت بعنوان "عقيدة الإمام أجمد بن حنبل رواية الزرندي عنه".
واقتصر جهد الجامع على ضبط النص مع تعليقات يسيرة ولَم يشر إلى مصادر التي اعتمد عليها في ضبط النص.
٤ - وقام الباحث خالد السكران التميمي بتحقيق النص بحسب ما توفر له من طبعات الرسالة، ونشر ذلك بدون ذكر الحواشي على موقع الألوكة، وقد تواصلت معه وزودني بنسخة من عمله في ضبط نصها، وأفد بأنه لم يقم بطبع الرسالة، وقد اعتمد في ضبط نصها على ما ورد في طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى، ومناقب الإمام أحمد لابن الجوزي، والمقصد الأرشد لابن مفلح، والمنهج الأحمد للعليمي. ?
فهذا جملة ما وقفت عليه بعد بذل الجهد والتحري وسؤال من لهم اهتمام بنشر كلام الإمام أحمد بن حنبل-رحمه الله تعالى-.
стр. 38
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال المصنف-رحمه الله تعالى-:
"الحمد لله الذي جعل في كل زمان بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، وينهون عن الردى، يحيون بكتاب الله تعالى الموتى، وبسنة رسول الله- ﷺ -أهل الجهالة والردى (١)، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه، فما أحسن آثارهم على الناس.
ينفون عن دين الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الضالين (٢) الذين عقدوا ألوية البدع، وأطلقوا عنان الفتنة [مختلفين في الكتاب] (٣) يقولون على الله وفي الله، -تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا- وفي كتابه بغير علم فنعوذ بالله من كل فتنة مضلة، وصلى الله على محمد [النبي وآله وسلم تسليما (٤)]. (٥).
стр. 39
أما بعد،
-وفقنا الله وإياكم لما فيه طاعته (١) وجنبنا وإياكم ما فيه سخطه (٢) واستعملنا وإياكم عمل [الخاشعين له] (٣) العارفين به الخائفين منه (٤). . . . . . . . . . . . .
стр. 40
إنه (١) المسئول (٢) ذلك".
نبه المصنف إلى أهمية العلم والعلماء وبين أن الله نفع بالعلماء في نشر الدين وتبليغه والدفاع عنه، وقد دلت النصوص على أن الله رفع من شأن العلم وأهله فالنصوص كثيرة في القرآن والسنة تؤكد على ذلك وتدل عليه.
ومما ورد في القرآن:
• قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ [النساء: ١١٣]
• وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]
• وقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [الحجرات: ١١]
قال ابن القيم-رحمه الله تعالى-: "إن العلم يرفع صاحبه في الدنيا والآخرة ما لا يرفعه المُلْك ولا المال ولا غيرهما، فالعلم يزيد الشريف شرفاً ويرفع العبد المملوك حتى يجلسه مجالس الملوك كما ثبت في الصحيح من حديث الزهري عن أبي الطفيل أن نافع بن عبد الحارث أتى عمر بن الخطاب بعسفان، وكان عمر استعمله على أهل مكة، فقال له عمر: من استخلفت على أهل الوادي قال:
стр. 41
استخلفت عليهم ابن أبزى، فقال من ابن أبزى؟ فقال: رجل من موالينا، فقال عمر: استخلفت عليهم مولى. فقال: إنه قارئ لكتاب الله عالم بالفرائض، فقال عمر: أما إن نبيكم ﷺ قد قال: "إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين" (١)
وقال أبو العالية: "كنت آتي ابن عباس وهو على سريره وحوله قريش فيأخذ بيدي فيجلسني معه على السرير فتغامز بي قريش، ففطن لهم ابن عباس، فقال: كذا هذا العلم يزيد الشريف شرفاً ويجلس المملوك على الأسرة" (٢)
• وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ [فاطر: ٢٨] فإن أهل العلم وطلبته هم أهل الخشية كما شهد الله بذلك
• وقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨]
قال ابن القيم: "استشهد -سبحانه-بأولي العلم على أجل مشهود عليه وهو توحيده، فقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ﴾ وهذا يدل على فضل العلم وأهله من وجوه:
أحدها: استشهادهم دون غيرهم من البشر
стр. 42
والثاني: اقتران شهادتهم بشهادته
والثالث: اقترانها بشهادة الملائكة
والرابع: أن في ضمن هذا تزكيتهم وتعديلهم، فإن الله لا يستشهد من خلقه إلا العدول.
والخامس: أنه وصفهم بكونهم أولي العلم وهذا يدل على اختصاصهم به وأنهم أهله وأصحابه ليس بمستعار لهم
والسادس: أنه-سبحانه-استشهد بنفسه وهو أجل شاهد ثم بخيار خلقه وهم الملائكة والعلماء من عباده ويكفيهم بهذا فضلاً وشرفاً" (١)
• وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾.
قال ابن القيم: "وكفى بهذا شرفاً للعلم أن أمر نبيه أن يسأله المزيد منه" (٢).
ومما ورد في السّنّة
• قوله ﷺ : " العلماء ورثة الأنبياء " (٣)
فالله-سبحانه-جعل العلماء وكلاءَ وأمناءَ على دينه ووحيه وارتضاهم لحفظه والقيام به والذبِّ عنه، وناهيك بها منزلة شريفة ومنقبة عظيمة
стр. 43
قال ابن القيم: "قوله: "إن العلماء ورثة الأنبياء" هذا من أعظم المناقب لأهل العلم فإن الأنبياء خير خلق الله، فورثتهم خير الخلق بعدهم، ولما كان كل موروث ينتقل ميراثه إلى ورثته إذ هم الذين يقومون مقامه من بعده، ولم يكن بعد الرسل من يقوم مقامهم في تبليغ ما أرسلوا به إلا العلماء كانوا أحق الناس بميراثهم، وفي هذا تنبيه على أنهم أقرب الناس إليهم فإن الميراث إنما يكون لأقرب الناس إلى الموروث، وهذا كما أنه ثابت في ميراث الدينار والدرهم فكذلك هو في ميراث النبوة والله يختص برحمته من يشاء" (١)
• قال ﷺ : "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين" (٢)
• وقال ﷺ : "من سلك طريقاً يلتمس به علماً سهل الله به طريقاً إلى الجنة وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم لرضى الله عنه، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورَّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافٍ" (٣)
قال بدر الدين بن جماعة: "اعلم أنه لا رتبة فوق رتبة من تشتغل الملائكة
стр. 44
وغيرهم بالاستغفار والدعاء له، وتضع له أجنحتها، وإنه لينافس في دعاء الرجل الصالح أو من يظن صلاحه فكيف بدعاء الملائكة، وقد اختلف في معنى وضع أجنحتها، فقيل: التواضع له، وقيل: النزول عنده والحضور معه، وقيل: التوقير والتعظيم له" (١)
• وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها" (٢)
قال ابن القيم: "فأخبر ﷺ أنه لا ينبغي لأحد أن يحسد أحداً يعني: حسد غبطة، ويتمنى مثل حاله من غير أن يتمنى زوال نعمة الله عنه إلا في واحدة من هاتين الخصلتين، وهي الإحسان إلى الناس بعلمه أو ماله، وما عدا هذين فلا ينبغي غبطته ولا تمني مثل حاله لقلة منفعة الناس به" (٣)
• وقال ﷺ : "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا" قالوا يا رسول الله وما رياض الجنة؟ قال: "حلق الذكر" (٤)
• وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا مات ابن آدم
стр. 45
انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتقع به أو ولد صالح يدعو له" (١)
قال ابن القيم ﵀: "وهذا من أعظم الأدلة على شرف العلم وفضله وعظم ثمرته، وإن ثوابه يصل إلى الرجل بعد موته ما دام ينتفع به، فكأنه حي لم ينقطع علمه، مع ما له من حياة الذكر والثناء، فجريان أجره عليه إذا انقطع عن الناس ثواب أعمالهم حياة ثانية" (٢).
ومما ورد عن السلف:
• فعن علي-﵁-قال: "كفى بالعلم شرفاً أن يدعيه من لا يحسنه، ويفرح به إذا نسب إليه، وكفى بالجهل ذماً أن يتبرأ منه من هو فيه" (٣)
• وكان عبد الله بن مسعود-﵁-يقول إذا رأى الشباب يطلبون العلم: "مرحباً بينابيع الحكمة ومصابيح الظُّلَم جدد القلوب حلس البيوت ريحان كل قبيلة". (٤)
• قال أبو الدرداء: "لو أن العالم طلب العلم لازداد علمًا وما نقص العلم شيئًا.
ولو أن الجاهل طلب العلم لوجد العلم قائمًا.
فمالي أراكم شبعًا
стр. 46
من الطعام جياعًا من العلم" (١).
• وقال وهب بن منبه: "يتشعب من العلم الشرف وإن كان صاحبه دنياً، والعز وإن كان مهيناً، والقرب وإن كان قصياً، والغنى وإن كان فقيراً، والمهابة وإن كان وضيعاً" (٢)
• وقال سفيان بن عيينة: "أرفع الناس عند الله منزلة من كان بين الله وبين عباده وهم الأنبياء والعلماء"
• وقال أيضاً: "لم يعط أحد في الدنيا شيئاً أفضل من النبوة، وما بعد النبوة شيء أفضل من العلم والفقه" فقيل: عمن هذا؟ قال: "عن الفقهاء كلهم" (٣)
• وعن سفيان الثوري والشافعي قالا: "ليس بعد الفرائض أفضل من طلب العلم" (٤)
• وقال بدر الدين بن جماعة: "إن الاشتغال بالعلم لله أفضل من نوافل العبادات البدنية من صلاة وصيام وتسبيح ودعاء ونحو ذلك، لأن نفع العلم يعم صاحبه والناس، والنوافل البدنية مقصورة على صاحبها، ولأن العلم مصحح لغيره من العبادات فهي تفتقر إليه وتتوقف عليه ولا يتوقف هو عليها، ولأن العلماء ورثة الأنبياء-عليهم الصلاة والتسليم-وليس ذلك للمتعبدين،
стр. 47
ولأن طاعة العالم واجبة على غيره فيه، ولأن العلم يبقى أثره بعد موت صاحبه، وغيره من النوافل تنقطع بموت صاحبها، ولأن في بقاء العلم إحياء الشريعة وحفظ معالم الملة" (١)
• قال ابن تيمية: «أهل السنة يموتون ويحيا ذكرهم، وأهل البدعة يموتون ويموت ذكرهم؛ لأن أهل السنة أحيوا ما جاء به الرسول ﷺ فكان لهم نصيب من قوله: ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾، وأهل البدعة شنئوا ما جاء به الرسول فكان لهم نصيب من قوله: ﴿إن شانئك هو الأبتر﴾» (٢)
• وقال ابن القيم: "السعادة الحقيقية هي سعادة العلم النًّافِعِ ثَمَرَتُهُ، فإنها هي الباقية على تقلب الأحوال، والمصاحبة للعبد في جميع أسفاره وفي دوره الثلاثة أعني: دار الدنيا ودار البرزخ ودار القرار، وبها يرتقي معارج الفضل ودرجات الكمال.
وإنما رغب أكثر الخلق عن اكتساب هذه السعادة وتحصيلها وعورة طريقها ومرارة مباديها وتعب تحصيلها، وأنها لا تنال إلا عن جد من التعب، فإنها لا تحصل إلا بالجد المحض" (٥).
• قال ابن الجوزي: "ولقد دخل إبليس على طائفة من المتزهدين بآفات، أعظمها أنه صرفهم عن العلم، فكأنه شرع في إطفاء المصباح ليسرق في الظلمة، حتى إنه أخذ قومًا من كبار العلماء، فسلك بهم من ذلك ما ينهى عنه
стр. 48
العلم.
فرأيت أبا حامد الطوسي (الغزالي) يحكي عن نفسه في بعض مصنفاته، قال: شاورت متبوعًا مقدمًا من الصوفية في المواظبة على تلاوة القرآن؟ فمنعني منه! وقال: السبيل أن تقطع علائقك من الدنيا بالكلية، بحيث لا يلتفت قلبك إلى أهل وولد ومال وعلم، بل تصير إلى حالة يستوي عندك وجود ذلك وعدمه، ثم تخلو بنفسك في زاوية، فتقتصر من العبادة على الفرائض والرواتب، وتجلس فارغ القلب، ولا تزال تقول: الله، الله، إلى أن تنتهي إلى حالة، لو تركت تحريك اللسان، رأيت كأن الكلمة جارية على لسانك، ثم تنظر ما يفتح عليك مما فتح مثله على الأنبياء والأولياء!!
قلت: وهذا أمر لا أتعجب أنا فيه من الموصي به؛ وإنما أتعجب من الذي قبله مع معرفته وفهمه!! وهل يقطع الطريق بالإعراض عن تلاوة القرآن؟! وهل فتح للأنبياء ما فتح بمجاهدتهم ورياضتهم؟! وهل يوثق بما يظهر من هذه المسالك؟! ثم ما الذي يفتح؟! أثم اطلاع على علم الغيب؟ أم هو وحي؟!
فهذا كله من تلاعب إبليس بالقوم، وربما كان ما يتخايل لهم من أثر الماليخوليا أو من إبليس.
فعليك بالعلم، وانظر في سير السلف، هل فعل أحد منهم من هذا شيئًا أو أمر به؟! وإنما تشاغلوا بالقرآن والعلم، فدلهم على إصلاح البواطن وتصفيتها. نسأل الله علمًا نافعًا، ودفعًا للعدو مانعًا، إنه قادر" (١).
فالله-سبحانه-جعل العلماء وكلاءَ وأمناءَ على دينه ووحيه وارتضاهم لحفظه
стр. 49
والقيام به والذبِّ عنه، وناهيك بها منزلة شريفة ومنقبة عظيمة
ولهذه النصوص وغيرها كانت قلوب أهل السنة نقية تجاه حَمَلة ميراث النبوة من العلماء الصَّادقين والدُّعاة المخلصين والمقتفين للآثار النبي الأمين ﷺ ؛ لأن النبي ﷺ قال: «العلماء ورثة الأنبياء، وإنَّ الأنبياء لم يُورثوا دينارًا ولا درهمًا، وَرَّثوا العلم؛ فمَن أَخَذَه أَخَذَ بحظٍّ وافرٍ» (١).
وقد عرف عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى حرصه على نشر السنة والحث على التمسك بها، وهذا الحرص توارثه أتباعه من بعده وفي هذا يقول ابن تيمية-﵀: "وأهل البدع في غير الحنبلية أكثر منهم في الحنبلية بوجوه كثيرة، لأن نصوص أحمد في تفاصيل السنة ونفى البدع أكثر من غيره بكثير" (٢).
وهذه المقدمة من كلام الإمام أحمد وردت كذلك في كتابه الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "ولهذا قال الإمام أحمد في أول ما كتبه في الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله، مما كتبه في حبسه قال في أوله: "الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضلَّ إلي الهدى ويبصرون
стр. 50
منهم على الأذى يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمي، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من تائه ضالٍّ قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم! ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عنان الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب، متفقون على مخالفة الكتاب، يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم فنعوذ بالله من فتن المضلين" (١)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في تعليقه على كلام الإمام أحمد ﵀: "المبتدعة يستعملون ألفاظ الكتاب والسنة واللغة ولكن يقصدون بها معاني أخر.
والمقصود هنا قوله: "يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم" (٢) وهذا الكلام المتشابه الذي يخدعون به جهال الناس هو الذي يتضمن الألفاظ المتشابهة المجملة، التي يعارضون بها نصوص الكتاب والسنة، وتلك الألفاظ تكون موجودة مستعملة في الكتاب والسنة وكلام الناس، لكن بمعانً أُخر غير المعاني التي قصدوها هم بها، فيقصدون هم
стр. 51
بها معاني أخر، فيحصل الاشتباه والإجمال" (١)
وقول المصنف: "ينفون عن دين الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الضالين الذين عقدوا ألوية البدع وأطلقوا عنان الفتنة يقولون على الله وفي الله، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا وفي كتابه بغير علم فنعوذ بالله من كل فتنة مضلة، وصلى الله على محمد".
قيض الله لهذه الأمة علماء أجلاء حملوا هذا العلم وبلغوه ونافحوا عنه ودافعوا عنه حتى يصل للناس صافيًا نقيًا لا تشوبه شائبة، ومما لا يخفى أنه في كل زمان ومكان هناك أعداء لهذا الدين حالوا بكل وسيلة إلى إبطاله والتشكيك فيه والخوض في نصوص بألوان من الباطل تناولت أصوله وتقريراته وحملته في محاولات شتى تهدف للصد عنه وإبطاله، ولكن الله حافظ هذا الدين بحفظه ببقاء أصوله وتسخير صيارفة هذا العلم من العلماء الربانيين الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه وما بدلوا تبديلا، فخاض هؤلاء العلماء الأجلاء معاركة شرسة لا هوادة فيها مع أهل الزيغ والباطل فصدوا باطلهم وردوا ما جاؤا به من أراء فاسدة وبدع مضلة فبقوا -بحمد الله- متمسكين بكتاب الله وسنة نبيه- ﷺ -وبما كان عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين مؤكدين بذلك ثبات هذا الدين وكماله واستمراره إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وقد كان شغل هؤلاء العلماء المتمسكون بنصوص الكتاب والسنة هو رد
стр. 52
الناس إلى هذين الأصلين، مع عرض الأقوال الباطلة على النصوص لبيان زيف تلك الأقوال وفسادها.
يقول ابن أبي العز: «ولا شكَّ أن مشايخ المعتزلة وغيرهم من أهل البدع معترفون بأن اعتقادهم في التوحيد والصفات والقدر لم يتلقوه لا عن كتاب ولا عن سنة، ولا عن أئمة الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وإنما يزعمون أن عقلهم دلَّهم عليه». ولا ريب أن عقيدة لم يأخذها صاحبها لا من الكتاب ولا من السنة، ولا من فهم أئمة الصحابة والتابعين لا ريب أنها عقيدة إبليسيَّة مستقاة من منهج إبليسيٍّ، ليست بأفضل من عقيدة أبي جهل وأضرابه كما قال الحافظ الذهبي: «وإذا رأيت المتكلم المبتدع يقول دعنا من الكتاب وأحاديث الآحاد وهات العقل فاعلم أنه أبو جهل» (١).
ومعلوم أن أراء المخالفين للكتاب والسنة هي أراء باطلة لا تخرج عن أحد هذه الأصناف التي قال عنها ابن القيم: "الرَّأْيُ الْبَاطِلُ أَنْوَاعٌ:
أَحَدُهَا: الرَّأْيُ الْمُخَالِفُ لِلنَّصِّ، وَهَذَا مِمَّا يُعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ فَسَادُهُ وَبُطْلَانُهُ، وَلَا تَحِلُّ الْفُتْيَا بِهِ وَلَا الْقَضَاءُ، وَإِنْ وَقَعَ فِيهِ مَنْ وَقَعَ بِنَوْعِ تَأْوِيلٍ وَتَقْلِيدٍ.
النَّوْعُ الثَّانِي: هُوَ الْكَلَامُ فِي الدِّينِ بِالْخَرْصِ وَالظَّنِّ، مَعَ التَّفْرِيطِ وَالتَّقْصِيرِ
يَنْزِلَ، وَفُرِّعَتْ وَشُقِّقَتْ قَبْلَ أَنْ تَقَعَ، وَتُكُلِّمَ فِيهَا قَبْلَ أَنْ تَكُونَ بِالرَّأْيِ الْمُضَارِعِ لِلظَّنِّ، قَالُوا: وَفِي الِاشْتِغَالِ بِهَذَا وَالِاسْتِغْرَاقِ فِيهِ تَعْطِيلُ السُّنَنِ، وَالْبَعْثُ عَلَى جَهْلِهَا، وَتَرْكُ الْوُقُوفِ عَلَى مَا يَلْزَمُ الْوُقُوفَ عَلَيْهِ مِنْهَا وَمِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَمَعَانِيهِ، احْتَجُّوا عَلَى مَا ذَهَبُوا إلَيْهِ بِأَشْيَاءَ، ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ طَرِيقِ أَسَدِ بْنِ مُوسَى ثنا شَرِيكٌ عَنْ لَيْثٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَا تَسْأَلُوا عَمَّا لَمْ يَكُنْ؛ فَإِنِّي سَمِعْت عُمَرَ يَلْعَنُ مَنْ يَسْأَلُ عَمَّا لَمْ يَكُنْ، ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيّ ثنا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ" (١)
فأهلُ الباطل جاؤوا بأصول عقلية، هم ابتدأوها ابتداءً، هذه الأصول العقلية رتَّبُّوا عليها قواعد، ورتِّبوا لها نتائج، وما تفرع عن الباطل فهو باطل.
وقول المصنف: "يقولون على الله وفي الله، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا وفي كتابه بغير علم"
عد الله المحرمات في قوله : ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣].
فجعل التقول على الله أخطر من الشرك، فقال العلماء: إن الله تعالى
стр. 56
في هذه الآية تدرج في المحرمات من الأدنى إلى الأعلى، فكان أعلاها وأخطرها أن نتقول على الله تعالى بغير علم، فالذي يخوض بفكره في ذات الله تعالى يكون قد وقع في أشد الأمور خطرا.
قال ابن القيم: "قال الله تعالى في المحرم لذاته ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ﴿ثم انتقل منه إلى ما هو أعظم منه فقال﴾ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴿، ثم انتقل منه إلى ما هو أعظم منه فقال﴾ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا ﴿، ثم انتقل منه إلى ما هو أعظم منه فقال﴾ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾، فهذا أعظم المحرمات عند الله وأشدها إثمًا فإنه يتضمن الكذب على الله، ونسبته إلى ما لا يليق به، وتغيير دينه وتبديله، ونفي ما أثبته، وإثبات ما نفاه، وتحقيق ما أبطله، وإبطال ما حققه، وعداوة من والاه، وموالاة من عاداه، وحب ما أبغضه، وبغض ما أحبه، ووصفه بما لا يليق به في ذاته وصفاته وأقواله وأفعاله؛ فليس في أجناس المحرمات أعظم عند الله منه ولا أشد إثمًا، وهو أصل الشرك والكفر ووعليه أسست البدع والضلالات فكل بدعة مضلة في الدين أساسها القول على الله بلا علم، ولهذا اشتد نكير السلف والأئمة لها وصاحوا بأهلها من أقطار الأرض، وحذروا فتنتهم أشد التحذير وبالغوا في ذلك ما لم يبالغوا مثله في إنكار الفواحش والظلم والعدوان إذ مضرة البدع وهدمها للدين ومنافاتها له أشد) (١).
стр. 57
قال ابن القيم: "فذنوب أهل البدع كلها داخلة تحت قوله تعالى﴾ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً ﴿" (١)
وقول المصنف: "أما بعد وفقنا الله وإياكم لما فيه طاعته وجنبنا وإياكم ما فيه سخطه واستعملنا وإياكم عمل العارفين به الخائفين منه إنه المسئول ذلك".
فيه تأكيد على أنه لابد من العلم والعمل معًا وفي هذا المعنى يقول ابن القيم-رحمه الله تعالى- "أهل القرآن هم العالمون به العاملون بما فيه وإن لم يحفظوه، وأما من حفظه ولم يفهمه ولم يعمل بما فيه فليس من أهله" (٢).
قال بعض السلف: "كنا نستعين على حفظ العلم بالعمل به". وقال بعض السلف أيضاً: "العلم يهتف بالعمل فإن أجابه حل وإلا ارتحل" (٣)
فالعمل به من أعظم أسباب حفظه، وثباته، وترك العمل به إضاعة له.
قال ابن تيمية ﵀: "من عرف ما أمر الله به، وما نهى عنه وعمل بذلك
стр. 58
فهو الولي لله وإن لم يقرأ القرآن كله، وإن لم يحسن أن يفتي الناس، ويقضي بينهم" (١)
قال الإمام ابن كثير ﵀: "لا تتم العبادة إلا بالخوف والرجاء، فبالخوف ينكف عن المعاصي، وبالرجاء يكثر من الطاعات" (٢).
стр. 59
قال المصنف-رحمه الله تعالى-:
"أوصيكم ونفسي بتقوى الله العظيم، ولزوم السنة [والجماعة] (١).
فقد علمتم ما حل بمن خالفها، وما جاء فيمن اتبعها، [فإنه] (٢) بلغنا عن النبي ﷺ -أنه قال: "إن الله- -ليدخل العبد الجنة بالسنة يتمسك بها" (٣).
الحث على التمسك بالسنة والتحذير من البدع هو وصية النبي ﷺ ووصية السلف الصالح من بعده من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ومن جاء بعدهم،
فعن العرباض بن سارية (١) ﵁ قال: "وعظنا رسول الله ﷺ موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون. فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا. قال: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة» (٢).
فوصية النبي ﷺ لأصحابه ولأمته من بعدهم هي أن يتمسكوا بما سنه من أحكام وتشريعات أشد التمسك وأن يحذروا الابتداع في الدين وحكم على تلك المحدثات بالضلال والانحراف عن الطريق الذي رسمه.
وقد رسم النبي ﷺ في هذا الحديث ركيزتين أساسيتين في هذا الدين هما:
١ - الاتباع.
стр. 64
٢ - ترك الابتداع.
ولقد سار الصحابة رضوان الله عليهم على هذه الوصية النبوية وعملوا بها، فلم يحيدوا عن سنته ﷺ ، بل عملوا بها ونقلوها للأمة المحمدية من بعدهم كما سمعوها منه ﷺ وكذلك فقد كانوا أشد الناس تمسكا بسنته، وأشدهم محاربة للابتداع، في الدين، وقد كان في هذا صلاحهم وفلاحهم ونجاتهم ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح أولها.
ومن المؤسف أن بعضًا من المسلمين في وقتنا الحاضر قد اختلت عندهم كلا الركيزتين فتركوا الاتباع والاقتداء بسنة النبي ﷺ حتى أصبحت السنة عندهم أمرا مستغربا مستنكرا لجهلهم بها وبعدهم عنها واستبدلوا بذلك البدع التي لا أصل لها ولا دليل عليها من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، فاتخذوها دينا يدينون به فانعكست بذلك الموازين لديهم فأصبحوا يرون الحق باطلا والباطل حقا، والمعروف منكرا والمنكر معروفا، وما ذلك إلا لكونهم لم يعرفوا من الإسلام إلا اسمه ولا من الدين إلا رسمه بسبب ما هم عليه من قلة العلم وعدم معرفتهم بالسنة.
فأين هؤلاء من وصية المصطفى ﷺ بأن يتبعوا ولا يبتدعوا.
والبدعة تكون:
إما باعتقاد خلاف الحق، الذي بعث الله به رسوله وأنزل به كتابه. وهذه هي البدعة الاعتقادية، أو القولية، ومنشؤها من القول على الله بلا علم. وهذا
стр. 65
من أعظم المحرمات، بل هو-كما يقول ابن القيم-أعظمها. كما قال الله تعالى: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ [الأعراف: ٣٣].
وإما أن تكون بالتعبد الله تعالى بما لم يشرعه من الأوضاع والرسوم المحدثة في الدين، كما قال تعالى: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾ [الشورى: ٢١]. وفي الحديث: "إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة".
ورد عن الإمام أحمد عدة نصوص في الحث على اتباع السنة ومنها قوله: "أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ والاقتداء بهم وترك البدع وكل بدعة فهي ضلالة، وترك الخصومات والجلوس مع أصحاب الأهواء، وترك المراء والجدال والخصومات في الدين.
والسنة عندنا آثار رسول الله ﷺ ، والسنة تفسر القرآن وهي دلائل القرآن، وليس في السنة قياس، ولا تضرب لها الأمثال ولا تدرك بالعقول ولا الأهواء إنما هي الاتباع وترك الهوى" (١).
وقال أيضا: "الاتباع أن يتبع الرجل ما جاء عن النبي ﷺ وأصحابه ثم هو بعد مع التابعين مخير" (٢).
стр. 66
قال المصنف-رحمه الله تعالى-:
"فآمركم (١) أن لا تؤثروا على القرآن شيئاً، فإنه كلام الله- -وما تكلم الله به فليس بمخلوق، وما أخبر به عن القرون الماضية فغير مخلوق وما في اللوح المحفوظ [فغير مخلوق (٢)]، وما في المصاحف وتلاوة الناس وكيفما قرئ وكيفما يوصف فهو كلام الله غير مخلوق (٣) فمن قال: مخلوق فهو كافر بالله العظيم، ومن لم يكفره فهو كافر".
يؤمنُ أهل السنة بأن القرآن كلامُ الله ، منه بدأ وإليه يعود، وأن هذا كلام الله بحرفٍ وصوتٍ مسموعين وأن الله أسمعه جبريل، وجبريل أبلغه محمد ﷺ ، وأن الكلام هو كلام الله .
وجاءَ أهلُ الباطل فأنكروا وقالوا إن كلامَ الله مخلوق، وجاءَ مَنْ قال إن القرآن حكاية عن كلامِ الله، أو عبارة عن كلامِ الله، وزعم مَنْ زعم أن الله تعالى لم يتكلم بهذا القرآن.
стр. 67
ونصوصُ القرآن واضحة بأنه كلامه (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللّهِ) [التوبة الآية: ٦] فهذا الكلام كلامه ، منه بدأ، تكلم به حقيقةً، ونثبتُ صفة الكلام لله كما أثبتها لنفسه وكما أثبتها له رسوله ﷺ ، وأن الله لكلامه صوت كما جاءَ في النصوص، وأنه بحرف وصوت مسموعين، وأنه يتكلم بما شاء متى شاء كيف شاء ، وأن القرآن كلامُ الله تعالى غيرُ مخلوق.
فالقرآن كلام الله، ليس ككلام البشر، وقد توعَّد الله من وصَف القرآن بأنه ككلام البشر، توعَّده بالنار فقال تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر: ٢٥، ٢٦]، فإن كان كلام البشر مخلوقًا لهم، فكلام الله ليس مخلوقًا له، إنما هو صفةٌ من صفاته سبحانه.
وقد تولى كِبْر مسألة القول بخلق القرآن: الجهميةُ والمعتزلة النفاة للصفات.
وادعاء القول بأن القرآن مخلوق، هو جرم عظيم وذنب كبير، لسببين:
الأول: أن هذا الادِّعاءَ قولٌ على الله بغير علم، وجعل الله القولَ عليه بغير علم فوق الشرك؛ قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣].
стр. 68
فجعل القول على الله بلا علم فوق الشرك.
الثاني: أنه كذب على الله؛ قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠]؛ فهو متوعَّدٌ بأن يسودَّ وجهُه يوم القيامة، نعوذ بالله.
ومعنى افتراء الجهمية والمعتزلة هذا: أن الله لم يكن قبل ذلك متكلمًا، ثم تكلم، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
ومذهب أئمَّة الحديث والسنَّة: أن الله تعالى لم يَزل متكلِّمًا، إذا شاء، ومتى شاء، وكيف شاء، وهو يتكلَّمُ بصوت يُسمَع، وأن نوع الكلام قديم، وإن لم يكن الصوت المعين قديمًا.
وقد أثبت الله الكلام لنفسه، خلافًا لما يعتقده الضالون، فقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وكذلك أثبته لنفسه في الآخرة بعد دخول أهل الجنة؛ فعن جابر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «بَيْنا أهلُ الجنة في نعيم إذ سطَع لهم نور، فرفعوا أبصارهم، فإذا الربُّ ﷻ قد أشرَف عليهم من فوقهم، فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة … »؛ الحديثَ (١).
وبوَّب البخاري في «صحيحه» على ذلك فقال: «باب كلام الرب ﵎ مع
стр. 69
أهل الجنة» (١)، وقال لأهل النار: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨].
وهذه مسألة من كبريات مسائلِ باب الصفات؛ فأكبرُ مسألتين في باب الأسماء والصفات ركَّز عليها أعداءُ الإسلام تركيزاً شديداً
• مسألةُ العلو.
• ومسألةُ الكلام.
لأنهم إذا أبطلوا كونَ القرآن كلام الله أبطلوا حقيقةَ الوحي، وإذا أبطلوا علوَّ الله تعالى أبطلوا وجوده، فهذه غايتهم وهدفهم الذي يريدون أن يصلوا إليه.
لأن أعظم ركيزتين لدى الفلاسفة هما:
١. أن العلمَ مصدره الإنسان.
وغي هذا تكذيب للوحي.
٢. وأن المعلومات والعلوم محصورةٌ في المحسوس المشاهَد.
وفي هذا إنكار للغيب وأعظم الغيب هو الله.
فلذلك وقفوا وقفةً خبيثة، وهجموا هجمةً شرسة ضد هاتين الصفتين، فإذا كنا نقول إنهم يزعمون أن العلوم مصدرها الإنسان، ونحن نقول إن العلم الشرعي مصدره الوحي فلمَّا هؤلاء يلغونَ أن الله تكلم حقيقة، ويشكَّكُّون في أن هناك وحي وقالوا: هذه عبارة محمد؛ أو عبارة جبريل، وأن الله ما تكلم
стр. 70
حقيقة.
لأنهم إذا أسقطوا الوحي وقطعوا عليك طريق الوحي فسيتساوى قولُ محمد مع قولِ أي بشرٍ من الناس.
فتسلَّط أعداءُ الله على باب الصفات من أجلِ أن يشكِّكُّوا في كلامِ الله وأن يشكِّكُّوا في وجودِ الله وذلك بإنكارهم بأن يكون القرآن كلامُ الله حقيقة، وإنكارهم لعلو الله .
فوقفَ أهلُ السنَّة موقفاً عظيماً صلباً حتى إنه كما هو معلوم في زمن فتنةَ القولِ بخلقِ القرآن، فقام المأمون وهو كان من المعتزلة ويتبنَّى قول المعتزلة، فعذَّب مَنْ عذَّب من العلماء وفصَلَهم عن وظائفهم وسجنهم وقام بتعذيبهم لأجلِ أن يرفعَ هذا الشعار؛ أن القرآنَ مخلوق وأنه ليس كلامُ الله حقيقة.
صفة الكلام تأتي-من حيث الأهمية-بعد صفة العُلو لله ؛ لذلك اهتم بها أئمة السلف، وأكدوا على ثُبوتها لله تعالى حقيقة، وأوردوا في ذلك أدلة كثيرة، ودفعوا شبهات المعطلة من الجهمية والمعتزلة ومَن دَار في فَلَكهم القائلين بأنَّ الله خلق القرآن في غيره، وردوا كذلك على الكلَّابية الذين قالوا: القرآن حكاية عن كلام الله، وردوا-أيضًا-على الأشاعرة الذين قالوا: القرآن عبارة عن كلام الله.
فالمعطلة أرادوا بقولهم هذا: إسقاط قيمة الوحي؛ ليصبح لدى الناس خلل في اتباع الوحي، فأهل السنة يؤمنون بأن أول مصدر للتشريع هو وحي الله تعالى إلى رسوله ﷺ ، أي: كلامه بحروفه ومعانيه، وأن الله تعالى قاله بحرف وصوت.
стр. 71
ومن أركان الإيمان السِّتة: الإيمانُ بالكُتُبِ التي أنزلها اللهُ، كما دلَّ على ذلك قولُه : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦]، وكذلك جاء في حديث جبريل ﵇، وفيه: «الإيمان، قال: «أن تُؤمن باللهِ، ومَلائكتِه، وكُتُبِه، ورُسُلِه، واليومِ الآخِر، وتُؤمن بالقَدَرِ؛ خَيْرِه وشَرِّه» (١).
ومن الإيمانِ بالكتب: الإيمانُ بِأَنَّ القرآنَ كلامُ اللهِ.
والقرآنُ في الأصل: مصدر قرأ قراءة وقرآنًا؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾، أي: قراءته، فهو مَصدر على وزن فُعلان-بالضم-كالغُفران والشُّكران (٢).
وفي الاصطلاح هو: «كلام الله المُنَزَّل على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد ﷺ ، المُعجز بلفظه ومعناه، المكتوب في المصاحف، المَنقول إلينا بالتواتر، المُتعبد بتلاوته، المَبدوء بسورة الفاتحة، المُختتم بسورة الناس» (٣).
والقرآنُ كلامُ الله، وهو صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ ؛ قال تَعَالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ
стр. 72
الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]، وروي عن جَابِر بن عبد الله ﵄ أنه قَالَ: «كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يَعْرِضُ نَفسَهُ فِي المَوْسِمِ؛ فَيَقُولُ: «أَلَا رَجُلٍ يَحْمِلُنِي إلَى قَوْمِهِ؛ لِأُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي» (١).
وَالذِي عَلَيهِ إِجماعُ السَّلفِ الصَّالحِ مِنَ الصَّحابةِ ﵃ وَالتَّابعِينَ لَهم بِإحسَانٍ: أَنَّ القرانَ كلامُ اللهِ غَيرُ مَخلوقٍ؛ حُرُوفه وَمَعَانِيه، مُنَزَّلٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ؛ نَزَلَ بِهِ جِبريلُ ﵇ إِلَى نَبِيِّنَا ﷺ .
وقالَ شيخُ الإسلامِ ابن تيمية ﵀: «وَمَذْهَبُ سَلَفِ الأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا وَخَلَفِهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ القُرْآنَ مِنْ جِبْرِيلَ، وَجِبْرِيلُ سَمِعَهُ مِنْ اللَّهِ » (٢).
ثم قال: «الآثار مُتواترة عنهم-أي: عن الصحابة والتابعين-بأنهم كانوا يقولون: القرآن كلام الله، ولمَّا ظهر مَنْ قال: إنه مخلوق، قالوا ردًّا لكلامه: إنه غير مخلوق، ولم يريدوا بذلك أنه مُفترى، كما ظنه بعض الناس؛ فإن أحدًا من المسلمين لم يَقل: إنه مفترى، بل هذا كفر ظاهر يَعلمه كل مسلم، وإنَّما قالوا: إنه مخلوق خلقه الله في غيره، فرَدَّ السلف هذا القول، كما تواترت الآثار عنهم
стр. 73
بذلك، وصنفوا في ذلك مصنفات متعددة، وقالوا: «منه بدأ وإليه يعود».
وأوَّل مَنْ عُرف أنه قال: مخلوق-الجعد بن درهم وصاحبه الجهم بن صفوان.
وأول مَنْ عُرف أنه قال: هو قديم عبد الله بن سعيد بن كلاب، ثم افترق الذين شاركوه في هذا القول؛ فمنهم مَنْ قال: الكلام معنى واحد قائم بذات الرَّبِّ، ومعنى القرآن كله والتوراة والإنجيل وسائر كتب الله وكلامه هو ذلك المعنى الواحد الذي لا يَتعدد ولا يتبعض، والقرآن العربي لم يتكلم الله به، بل هو مخلوق خلقه في غيره.
وقال جمهور العقلاء: هذا القول معلوم الفساد بالاضطرار؛ فإنَّه مِنْ المعلوم بصريح العقل أن معنى (آية الكرسي) ليس معنى (آية الدَّيْن)، ولا معنى ﴿قل هو الله أحد﴾ معنى ﴿تبت يدا أبي لهب وتب﴾؛ فكيف بمعاني كلام الله كله في الكتب المنزلة وخطابه لملائكته وحسابه لعباده يوم القيامة وغير ذلك من كلامه؟!
ومنهم مَنْ قال: هو حروف، أو حروف وأصوات قديمة أزلية لازمة لذاته لم يَزل ولا يزال موصوفًا بها.
وكلا الحزبين يقول: إن الله تعالى لا يتكلم بمشيئته وقدرته، وإنه لم يزل ولا يزال يقول: يا نوح، يا إبراهيم، يا أيها المزمل، يا أيها المدثر، ولم يقل أحد من السلف بواحد من القولين، ولم يقل أحدٌ من السلف: إنَّ هذا القرآن عبارة
стр. 74
عن كلام الله، ولا حكاية له، ولا قال أحد منهم: إن لفظي بالقرآن قديم أو غير مخلوق، فضلًا عن أن يقول: إن صوتي به قديم أو غير مخلوق؛ بل كانوا يقولون بما دلَّ عليه الكتاب والسنة من أن هذا القرآن كلام الله، والناس يَقرءونه بأصواتهم، ويكتبونه بمدادهم، وما بين اللوحين كلام الله، وكلام الله غير مَخلوق» (١).
وأما المعتزلة والجهمية فقالوا: القرآن كلام الله مخلوق؛ فهم أضافوا الكلام إلى الله من باب إضافة الوصف على حد قولهم: (ناقة الله).
ومن المتفلسفة مَنْ يزعم أن المعاني والحروف تأليفه؛ لكنها فاضت عليه كما يفيض العلم على غيره من العلماء.
وقال شيخُ الإسلام: «وَاَلَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ السَّلَفُ وَالأَئِمَّةُ: أَنَّ القُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ مُنَزَّلٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ، وَإِنَّمَا قَالَ السَّلَفُ: «مِنْهُ بَدَأَ» لِأَنَّ الجَهْمِيَّة-مِنْ المُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ-كَانُوا يَقُولُونَ: إنَّهُ خَلَقَ الكَلَامَ فِي المَحَلِّ. فَقَالَ السَّلَفُ: «مِنْهُ بَدَأَ». أَيْ: هُوَ المُتَكَلِّمُ بِهِ؛ فَمِنْهُ بَدَأَ، لَا مِنْ بَعْضِ المَخْلُوقَاتِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة: ١٣]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ [سبأ: ٦]، وقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢].