بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إنَّ الحمد لله نحمده، ونَستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيِّئات أعمالنا، مَنْ يَهده الله فلا مضلَّ له، ومَن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحْده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١].
أمَّا بعدُ:
فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله، وأحسنَ الهَدْي هدي محمدٍ، وشرَّ الأُمُور مُحدثاتها، وكلَّ مُحدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالة في النار.
فهذا شرح في سلسلة شروح متون في العقيدة حوت على مجمل مسائل الاعتقاد أسميتها "سلسلة فقه الاعتقاد"، فقد عقدت العزم بعد عون الله على شرح تلك المتون، ومن بين ما من الله علي بإتمامه:
"إتحاف القارئ بشرح شرح السنة" للإمام البربهاري".
стр. 2
و"تمام المنة في شرح أصول السنة" للإمام أحمد بن حنبل.
وهذا الشرح الثالث وهو "القول المسدد في شرح رسالة الإمام أحمد بن حنبل إلى الإمام مسدد بن مسرهد".
فقد حوى المتن على جملة من مسائل الاعتقاد أحببت بيانها وتوضيحها.
وقد سلكت في هذه الشروح مسلك البسط والتوسع في بيان المسائل وليس مسلك التعليق المختصر، كما قد وقفت عليه عند بعض من تناول هذه المتون بالتعليق، وذلك لقناعتي بأن غالب من يطلع على هذه الشروح هم من المبتدئين من الطلبة، وهذا الصنف لديه الرغبة والهمة في معرفة ما يتعلق بهذه المسائل من تفاصيل وتفريعات، كما أن للتعليق بابه الذي يصلح له فهو يصلح لمن يسلك مسلك قراءة بعض الكتب على بعض العلماء ومن ثم التعليق المختصر على مواطن من تلك الكتب، وأما شرح الكتب فله بابه الذي يتميز به، وللأسف الشديد أن البعض لا يفرق بين الأمرين.
وقد عرف الإمام أحمد-رحمه الله تعالى، ورَضِي عنه-بأن له كُتبًا ومُصنَّفات كثيرة؛ إمَّا أنه قد كتَبها خصِّيصًا لأبواب معينة، أو كُتِبت من خلال سؤالات أصحابه، وسُمِّيت بمسمَّيات شتَّى.
ومن تلك الرسائل رسالة الإمام أحمد بن حنبل إلى لمُسدد (١) بْن مسرهد.
وقد أحببت أن أقدم بين يدي شرح هذه الرسالة بمقدمة أسميتها
"الرأي المسدد في صحة نسبة رسالة الإمام أحمد بن حنبل إلى الإمام مسدد بن مسرهد".
وقسمت المقدمة إلى المباحث الآتية:
стр. 5
المبحث الأول: من ذكر هذه الرسالة من العلماء
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: من أورد نص هذه الرسالة.
وورد نصها في عدد من المراجع:
وأرتبهم بحسب الترتيب الزمني فأقدم من ذكر نص هذه الرسالة:
١. أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن بطة العكبري الحنبلي ﵀ (المتوفى: ٣٨٧) (١) في كتابه "الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية" المعروف بالإبانة الكبرى حسبما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حيث قال: «وأما رسالة أحمد بن حنبل إلى مسدد بن مسرهد؛ فهي مشهورة عند أهل الحديث والسنة … وقد ذكرها أبو عبد الله بن بطة (المتوفى: ٣٨٧ هـ) في كتاب الإبانة (٢).
ولكنها غير موجودة في النسخة المطبوعة من كتاب الإبانة الكبرى.
стр. 6
٢. وأورد نصها كاملًا ابن أبي يعلى (المتوفى: ٤٥٨ هـ) في «طبقات الحنابلة، في ترجمة مسدد (١)، بسنده عن طريق ابن بطة (٢).
٣. كما أورد نص الرسالة كاملًا الإمام نصر بن إبراهيم المقدسي (المتوفى: ٤٩٠ هـ) كما في "مختصر الحجة على تارك المحجة". (٣) وقد قام مختصر كتاب الحجة بحذف أسانيد الكتاب وإلا فالرسالة رواها المؤلف بإسنادها حيث قال صاحب المختصر: " وقد قصرت الهمم عن حفظ أسانيده بشغلها وشهواتها ودنياها، فاستخرت الله تعالى بحذف أسانيده، مقتصرًا على من من الصحابة أو التابعين رواها" وقال في آخر الكتاب "هذا ما تيسر لي من اختصار كتاب الحجة نفعني الله تعالى به" (٤).
٤. وأورد نص الرسالة أبو الفرج ابن الجوزي-﵀ (المتوفى: ٥٩٧ هـ) بسنده في كتابه "مناقب الإمام أحمد" (٥).
٥. وأورد نصها برهان الدين إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن مفلح الراميني المقدسي الصالحي الحنبلي (المتوفى: ٨٨٤ هـ) في "المقصد الأرشد
стр. 7
في ذكر أصحاب الإمام أحمد". (١) ولم يذكر إسنادًا لهذه الرواية، ومن خلال مقابلة النص يظهر أنه اعتمد على نسخة طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى.
٦. وأورد نصها أبو اليمن العليمي (المتوفى: ٩٢٨ هـ) في "المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد" (٢)، وفيما يظهر من خلال مقابلة النص أنه نقله عن ابن الجوزي أو المقدسي صاحب مختصر الحجة على تارك المحجة، وإن لم يشر لذلك.
٧. وأورد نصها نعمان خير الدين بن محمود بن عبد الله بن محمد الآلوسي (المتوفى: ١٣١٧ هـ) في "جلاء العينين في محاكمة الأحمدين" نقلًا عن ابن الجوزي. (٣)
٨. وأورد نصها عبد القادر بن أحمد بن مصطفى بن عبد الرحيم بن محمد بدران (المتوفى: ١٣٤٦ هـ)، في "المدخل إلى مذهب أحمد" وقال: "وفي الأصول التي نقلنا عنها خلاف في بعض المسائل بحيث توجد المسألة في رواية ابن الجوزي ولم توجد فيما نقله صاحب المقصد وقد ضممنا زيادة بعض إلى بعض". وقد علق على بعض المسائل الواردة في هذه الرسالة. (٤)
стр. 8
المطلب الثاني: من أشار إلى ذكر هذه الرسالة
جاء ذكر هذه الرسالة عند جمع من العلماء إما بنقل نصوص منها أو الإشارة إليها وممن ذكر هذه الرسالة ونقل بعضًا منها:
• القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن محمد بن خلف ابن الفراء (المتوفى: ٤٥٨ هـ) في كتابه إبطال التأويلات حيث قال: (وقد قال أحمد في رسالته إلى مسدد: إن الله ينزل في كل ليلة إلى السماء الدنيا ولا يخلو من العرش. فقد صرح أحمد بالقول إن العرش لا يخلو منه) (١).
• محمد بن محمد (أبي يعلى) بن الحسين بن محمد أبو الحسين ابن الفراء، المعروف ابن أبي يعلى (المتوفى: ٥٢٦ هـ) في كتابه "المسائل التي حلف عليها أحمد بن حنبل". (٢)
• ابن القيم أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حريز الزرعي (المتوفى: ٧٥١ هـ) في كتابه: "إعلام الموقعين" حيث نقل نقلًا عن ابن أبي يعلى فقال: "وذكر أحمد في "رسالته إلى مسدد": "ولا عينٌ تطرف بعد النبي- ﷺ -خير من أبي بكر، ولا بعد أبي بكر عين تطرف خير من عمر، ولا بعد عمر عين تطرف خير من عثمان، ولا بعد عثمان عين تطرف خير من علي بن أبي طالب ﵁، ثم قال أحمد: هم واللَّه الخلفاء
стр. 9
الراشدون المهديون" (١).
• وابن تيمية تَقِيُّ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْحَلِيمِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ النُّمَيْرِيُّ الْحَرَّانِيُّ (المتوفى: ٧٢٨ هـ) في كتابه "منهاج السنة" فقد ذكر قطعة منها فقال: "ونقلوه عن أحمد بن حنبل في رسالته إلى مسدد [يقول]: "وهم متفقون على أن الله ليس كمثله شيء، وأنه لا يعلم كيف ينزل، ولا تمثل صفاته بصفات خلقه" (٢)، وإن كان هذا النص لم يرد ذكره في بقية الكتب التي ذكرت نص الرسالة.
وكذلك في مجموع الفتاوى (٣) كما سيأتي الإشارة إليه.
• والزركلي في الأعلام، وقال: "كتب إلى الإمام أحمد بن حنبل، يسأله عما وقع الناس فيه من الفتنة في القدر والرفض والاعتزال وخلق القرآن والإرجاء، فأجابه ابن حنبل برسالة في نحو أربع صفحات. جمعت وأوعت" (٤).
المطلب الثالث: مخطوطات الرسالة.
وهناك مخطوطتان بعنوان: رسالة إلى مسدد بن مسرهد للإمام أحمد بن حنبل مذكورة في كتاب خزانة التراث وهو من إصدارات مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية بالرياض. وهذه بياناتها.
стр. 10
رقم التسلسل: ٦٢١٤٧
الفن: عقائد
عنوان المخطوطة: رسالة إلى مسدد بن مسرهد.
اسم المؤلف: ابن حنبل، أحمد بن محمد بن حنبل.
تاريخ وفاة المؤلف: ٢٤١ هـ.
القرن: ٣ هـ.
مصدر التواجد: بروكلمان ٣/ ٣١١ (ع)
المكتبة: التيمورية (ضمن دار الكتب المصرية)
البلد: مصر.
المدينة: القاهرة.
رقم الحفظ في المكتبة: ٣٥٤ حديث
مصدر التواجد: بروكلمان ٣/ ٣١١ (ع)
المكتبة: بوهار.
البلد: الهند.
المدينة: بوهار.
رقم الحفظ في المكتبة: ٢٦٧/ ٢.
وقد حاولت الحصول على نسخ هاتين المخطوطتين عن طريق بعض
стр. 11
المعتنين بالمكتبات ولكن دون نتيجة، حيث أبلغني بعض الباحثين أن نسخة التيمورية بدار الكتب المصرية غير موجودة بحسب الرقم الذي ذكره بروكلمان، وأما النسخة الهندية فقد اطلعت على فهرس موجود في قسم المخطوطات بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة للمكتبة الوطنية بكلكتا بالهند والتي يوجد فيها مكتبة بوهار ولكن الفهرس لا يوجد منه سوى المجلد الثاني ولا توجد فيه معلومات عن النسخة المذكورة، ولم أوفق إلى من يرشدني إلى معلومات عنها.
стр. 12
المبحث الثاني: أسانيدها.
لهذه الرسالة أربعة أسانيد:
السند الأول: ما ذكره ابن أبي يعلى في الطبقات:
قال: "أنبأنا علي (١) عن ابن بطة (٢)، حدثني علي بن أحمد المقري المراغي (٣)، حدثنا محمد بن جعفر بن محمد السونديني (٤)، حدثنا علي بن محمد بن موسى الحافظ المعروف بابن المعدل (٥)، حدثنا أحمد بن محمد
стр. 13
التميمي الزرندي (١)(٢)، قال: لما أشكل علي مسدد بن مسرهد أمر الفتنة … كتب إلى أحمد بن حنبل … " (٣)
السند الثاني: ما ذكره ابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد.
قال: أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم (٤) قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأنصاري (٥)، قال: أخبرنا أبو يعقوب الحافظ (٦) قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن
стр. 14
الفضل (١) قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن بشر بن بكر (٢) قال. حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد البردعي التميمي قال: لما أشكل على مسدد … " (٣)
السند الثالث: ما أشار شيخ الإسلام ابن تيمية فيما ذكره في مجموع الفتاوى (٥/ ٤١٤)، نقلًا عن ابن مندة حيث قال: "أَخْرَجَهُ أَبُو سَعِيدٍ النَّقَّاشُ فِي "أَقْوَالِ أَهْلِ السُّنَّةِ" عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَرْوَزِي (٤) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ الدِّينَوَرِيّ (٥) عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَد بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى عَنْ أَحْمَد بْنِ مُحَمَّدٍ البردعي التَّمِيمِيِّ
السند الرابع: ما جاء في مختصر الحجة على تارك المحجة وللأسف أن هذا السند حذفه مختصر كتاب الحجة على تارك المحجة ولم يترك منه إلا "قال الحافظ أبو الحسن علي بن محمد البردعي" (٦). ولعله أن يتيسر من يجد أصل الكتاب أو من نقل منه ليظهر هذا السند بتمامه.
стр. 15
المبحث الثالث: صحة نسبة هذه الرسالة إلى الإمام أحمد
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: قول من يقول بصحة نسبتها إلى الإمام أحمد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح حديث النزول عند الكلام عن هذه الرواية: "وَأَمَّا رِسَالَةُ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ إلَى مُسَدَّدِ بْنِ مسرهد فَهِيَ مَشْهُورَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد وَغَيْرِهِمْ تَلَقَّوْهَا بِالْقَبُولِ، وَقَدْ ذَكَرَهَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ فِي كِتَابِ" الْإِبَانَةِ"، وَاعْتَمَدَ عَلَيْهَا غَيْرُ وَاحِدٍ كَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَكَتَبَهَا بِخَطِّهِ. (١) "
وحسبك بهذه الشهادة من ابن تيمية فهذه شهادة من عالم من علماء هذا الفن، يفقهها من يفهم مراده منها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فإذا كان الشيء مشهوراً عند أهل الفن، وقد تعددت طرقه فهذا مما يرجع إليه أهل العلم بخلاف غيره" (٢)
стр. 16
فهذه معايير يبينها ابن تيمية لقبول بعض الروايات:
١ - أن يكون الشيء مشهوراً عند أهل الفن.
٢ - تعدد طرقه.
وقد أكد ابن تيمية تحقق شرط الشهرة بقوله نصًا: "مَشْهُورَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد وَغَيْرِهِمْ تَلَقَّوْهَا بِالْقَبُولِ".
٢ - وأما الشرط الثاني الذي ذكره شيخ الإسلام فهو "تعدد الطرق" فهذا ما يجده من يتتبع طرق هذه الرسالة مع الروايات الأخرى المتشابهة معها، فهذه الرواية جاءت من عدة طرق كما سيأتي، كما أن نص هذه الرواية متقارب إلى حد كبير مع رواية عبدوس بن مالك، ورواية الحسن بن إسماعيل الربعي، ورواية محمد بن عوف الطائي، ورواية مُحَمَّد بن حبيب الأندراني؛ مع اختلاف في النص من حيث الطول والقصر واختلاف بعض العبارات.
فهي بهذا-كما ذكر شيخ الإسلام-تكون معتبرة عند أهل الفن، ولا يضرها كونها مرسلة أو منقطعة أو غير ذلك من العلل التي يمكن اعتبارها سبباً في رد الأحاديث المرفوعة، ومن المعلوم أن الأخبار التاريخية يتسامح فيها بما لا يتسامح فيه فيما يتصل بالسنة، ويا ليت بعض الباحثين يمعنوا النظر في معايير الفنين فن الحديث وفن التاريخ. فلكل واحد منهما قواعد وضوابط تخصه.
قال ابن تيمية ﵀: "فعلماء الدين أكثر ما يحررون النقل فيما نقل عن النبي ﷺ لأنه واجب القبول أو فيما ينقل عن الصحابة، وأما
стр. 17
الإسرائيليات ونحوها فهم لا يكترثون بضبطها ولا بأحوال نقلها" (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "قال الإمام أحمد "ثلاثة علوم ليس لها أصول: المغازي والملاحم والتفسير" وفي لفظ "ليس لها أسانيد" ومعنى ذلك أن الغالب عليها أنها مرسلة ومنقطعة، فإذا كان الشيء مشهوراً عند أهل الفن وقد تعددت طرقه فهذا مما يرجع إليه أهل العلم بخلاف غيره" (٢).
وما كان ينبغي لمن اطلع على كلام شيخ الإسلام في شأن هذه الرسالة-والذي هو شهادة واضحة جلية تؤكد صحتها وسلامتها من الطعن-أن يشكك أو يطعن في ثبوتها وسلامتها.
المطلب الثاني: من طعن في صحة نسبتها.
طعن بعض المتقدمين والمعاصرين في هذه الرسالة سندًا ومتنًا، ومن أولئك المتقدمين أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ منده.
وقد تبعه على هذا الرأي من المعاصرين عدد من الباحثين منهم الباحث الدكتور عبد العزيز الحميدي في كتابه براءة الأئمة الأربعة من مسائل المتكلمين المبتدعة. عند حديثه عن رسالة الإمام أحمد إلى مسدد بن مسرهد البصري (٣)؛ ووافقه على ذلك الدكتور عبد الله الدميجي في تحقيقه لمجموعة رسائل
стр. 18
الشيخ أبي بكر خوقير (١) حيث قال: "وفي صحة نسبتها للإمام أحمد نظر باعتبار سندها، وباعتبار ما تضمنته من عقائد مخالفة للمشهور عن أحمد"؛ وأحال إلى ما ذكره الدكتور عبد العزيز الحميدي في كتابه براءة الأئمة الأربعة من مسائل المتكلمين المبتدعة.
ولا شك أن كلام المعاصرين تابع لكلام ابن مندة ومستمد منه.
الجواب على ذلك:
لكي يسهل الفهم على الناظر في هذه المسألة يحسن التعرف على أن الطعن في هذه الرسالة جاء من جهتين
الجهة الأولى: الطعن في سندها.
والجهة الثانية الطعن في متنها.
أما الطعن في سندها:
قال ابن تيمية: "ومنهم من أنكر ما روي عن أحمد في رسالته إلى مسدد وقال: راويها عن أحمد مجهول لا يعرف في أصحاب أحمد من اسمه أحمد بن محمد البردعي" (٢).
إلى أن قال: "وزعم عبد الرحمن أن هذا اللفظ لفظ منكر في الحديث عنهما
стр. 19
وعن غيرهما وحكمه عند أهل الأثر حكم حديث منكر، وقال: أحمد بن محمد البردعي مجهول لا يعرف في أصحاب أحمد من اسمه " أحمد بن محمد ": فيمن روى عن أحمد بن محمد بن حنبل كأحمد بن محمد بن هانئ وأبي بكر الأثرم وأحمد بن محمد بن الحجاج وأبي بكر المروذي (١) وأحمد بن محمد بن عيسى البراني القاضي وأحمد بن محمد الصائغ وأحمد بن محمد بن غالب القاص غلام خليل وأحمد بن محمد بن مزيد الوراق. وزاد ابن الجوزي: أحمد بن محمد بن خالد أبا بكر القاضي وأحمد بن خالد أبا العباس البراني وأحمد بن محمد بن عبد الله بن صدقة وأحمد بن محمد بن عبد الله بن صالح الأسدي وأحمد بن محمد بن عبد الحميد الكوفي وأحمد بن محمد بن يحيى الكحال وأحمد بن محمد بن البخاري وأحمد بن محمد بن بطة وذكر أحمد بن الحسن أبا الحسن الترمذي؛ وأحمد بن سعيد وقيل: أبو الأشعبة الترمذي. وذكر في المحمدين: محمد بن إسماعيل الترمذي قال: ولم يعد هذا فيمن روى عن مسدد أيضا" (٢).
وقال في موطن أخر: "وقد صنف أبو القاسم عبد الرحمن بن منده في ذلك مصنفا وزيف قول من قال: إنه ينزل ولا يخلو منه العرش وضعف ما نقل في
стр. 20
ذلك عن أحمد في رسالة مسدد وقال: إنها مكذوبة على أحمد وتكلم على راويها البردعي أحمد بن محمد وقال: إنه مجهول لا يعرف في أصحاب أحمد" (١).
والجواب على ذلك من وجوه
أولًا: أن الناقل لهذه النصوص هو شيخ الإسلام ابن تيمية ويلاحظ أن ابن تيمية لم يتبنى هذا الرأي وإنما حكاه عن قائلة، وقد سبق ذكر رأيه في الرسالة وأنه لم يسلم لابن منده طعنه في سند هذه الرواية، بل دافع عنها وقال: وأما "رسالة أحمد بن حنبل" إلى مسدد بن مسرهد فهي مشهورة عند أهل الحديث والسنة من أصحاب أحمد وغيرهم تلقوها بالقبول وقد ذكرها أبو عبد الله بن بطة في كتاب " الإبانة " واعتمد عليها غير واحد كالقاضي أبي يعلى وكتبها بخطه" (٢)
ولو كان لدى شيخ الإسلام ابن تيمية نظر في رسالة الإمام أحمد إلى مسدد لذكر ذلك، فقد ذكر عند ذكره لرسالة الاصطخري ما نصه: "ويروى هذا الكلام عن أحمد نفسه في رسالة أحمد بن سعيد الاصطخري عنه-إن صحت-" (٣) فذكر مسألة النظر في صحة سند هذه الرسالة وأشار إليها باستدراكه بقوله: "إن صحت".
стр. 21
ثانيًا: أن هذه الرسالة مرت على صيارفة الفن ومنهم:
١. ابن بطة وهو الإمام الحنبلي المشهور أبو عبد الله عبيد الله العكبري صاحب الإبانة الكبرى، (المتوفي: ٣٨٧) هـ.
٢. أبو سعيد محمد بن علي بن عمرو النقاش الأصبهاني الحنبلي، الإمام الحافظ من أئمة الحديث، قال عنه الذهبي كان من أئمة الأثر، وقال الصفدي كان من الثقات المشهورين، (المتوفي ٤١٤ هـ).
٣. الحافظ أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن محمد القراب، محدث هراة، الذي وصفه الذهبي بقوله: "الشيخ الإمام الحافظ الكبير"، (المتوفي: ٤٢٩ هـ).
٤. القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن محمد بن خلف ابن الفراء (المتوفى: ٤٥٨ هـ) في كتابه إبطال التأويلات.
٥. شيخ الإسلام، أبو إسماعيل، عبد الله بن محمد بن علي بن محمد، الأنصاري، الهروي. المعروف بناصر السنة، (المتوفى: ٤٨١ هـ).
٦. شيخ الإسلام أبو الفتح نصر بن إبراهيم بن نصر بن إبراهيم بن داود النابلسي المقدسي الشافعي (المتوفى: ٤٩٠ هـ). وقد ذكر نص الرسالة في كتابه "الحجة على تارك المحجة".
٧. القاضي أبو الحسين محمد بن محمد (أبي يعلى) بن الحسين بن محمد أبو الحسين ابن الفراء، المعروف ابن أبي يعلى، وهو ابن أبي يعلى
стр. 22
الحنبلي. (المتوفى: ٥٢٦ هـ).
٨. الإمام جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي. (المتوفى: ٥٩٧ هـ).
٩. الإمام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام النميري الحراني (المتوفى: ٧٢٨ هـ)، كما تقدم النقل عنه.
١٠. الإمام أَبُو عَبْدِ الله شَمْسُ الدَّينَ مُحَمَّدُ بْنْ أَبِي بَكرِ بْنْ أَيُّوبَ بْنِ سَعْدِ بْنِ حرَيزْ الزُّرْعِيَّ ابن قيم الجوزية (المتوفى: ٧٥١ هـ). فقد أشار إليها في كتابه أعلام الموقعين.
ولم يشكك واحد منهم في صحة نسبة الرسالة بل على العكس من ذلك تلقوها بالقبول. ونقلوها بكاملها أو بأخذ نصوص منها والاستشهاد بها.
ثالثًا: لو نظرنا إلى كلام العلماء في شخصية الطاعن فهو أبو القاسم، عبد الرحمن بن محمد بن إسحق بن منده العبدي الأصبهاني (١)، ابن الحافظ المعروف، كان شديدًا في السنة، لكنه أفرط في تشدده حتى توهم في التجسيم. كانت ولادته في أصبهان سنة ٣٨١ هـ، وتوفي فيها (ت ٤٧٠ هـ) من أهم مؤلفاته: أخبار أصبهان.
قال الذهبي عنه: "أطلق عبارات بدَّعه بعضهم بها، الله يسامحه، وكان زَعِرًا
стр. 23
على من خالفه، فيه خارجية، وله محاسن، وهو في تواليفه حاطب ليل، يروي الغث والسمين، وينظم رديء الخرز مع الدر الثمين (١) ".
قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فقال: "وكذلك ما يجمعه عبد الرحمن بن منده -مع أنه أكثر الناس حديثا-، لكن يروي شيئًا كثيرًا من الأحاديث الضعيفة، ولا يميز بين الصحيح والضعيف، وربما جمع بابًا وكلّ أحاديثه ضعيفة، كأحاديث أكل الطين وغيرها، وهو يروي عن أبي علي الأهوازي، وقد وقع ما رواه من الغرائب الموضوعة إلى حسن بن عدي، فبنى على ذلك عقائد باطلة وادعى أن الله يرى في الدنيا عيانا. ثم الذين يقولون بهذا من أتباعه يكفرون من خالفهم. وهذا كما تقدم من فعل أهل البدع كما فعلت الخوارج. " (٢).
وقال الذهبي: "وقال شيخ الإسلام عبد الله بن محمد الأنصاري: (كانت مضرته في الإسلام أكثر من منفعته) (٣)
قال ابن رجب: (وهذا ليس بقادح-إن صح-فإن الأنصاري والتيمي وأمثالهما يقدحون بأدنى شيء ينكرونه من مواضع النزاع، كما هجر التيمي عبد الجليل الحافظ على قوله: (ينزل بالذات)، وهو في الحقيقة يوافقه في اعتقاده، لكن أنكر إطلاق اللفظ لعدم ورود الأثر به) اه (٤).
стр. 24
رابعًا: أن ما يتمسك به من شكك في صحة الرسالة من أن مدارها على شخص مجهول وهو أحمد بن محمد التميمي الزرندي، فهذا الأمر لم يجهله شيخ الإسلام ابن تيمية بل ذكره نصًا ومع ذلك لم يأخذ به ولم يجعله سببًا لرد الرسالة أو الطعن فيها بل على العكس من ذلك دافع عنها وقال بصحتها.
خامسًا: أم الطعن في الرسالة من حيث المتن.
فالرد عليه من وجهين:
الوجه الأول: أنه لا وجود لهذه العبارة في متن الرسالة.
فقول ابن مندة "ثمَّ ذَكَرَ فِيهَا؛ وَيَنْزِلُ اللَّهُ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَلَا يَخْلُو مِنْهُ الْعَرْشُ" هذا النص لا وجود له في جميع النسخ التي وقفت عليها لرسالة الإمام أحمد لمسدد ولا يدرى من أين أتى ابن مندة بهذا النص.
فهذا النص لا وجود له في رسائل الإمام أحمد فهو غير موجود في رسالة الإمام أحمد إلى مسدد بن مسرهد في جميع مواردها التي تقدم ذكره، ولا حتى في رسالة عبدوس بن مالك الواردة في طبقات الحنابلة (١)، ولا في برواية الحسن بن إسماعيل الربعي الواردة في طبقات الحنابلة (٢)، ولا في رواية محمد بن عوف الطائي الواردة في طبقات الحنابلة (٣)، ولا في رواية: مُحَمَّد بن حبيب الأندراني الواردة في طبقات الحنابلة (٤)، ولا في برواية: أحمد بن جعفر
стр. 25
الإصطخرى الواردة في طبقات الحنابلة (١).
وإن كان القاضي أبو يعلى ذكره في كتابه "إبطال التأويلات" حيث قال: (وقد قال أحمد في رسالته إلى مسدد: إن الله ينزل في كل ليلة إلى السماء الدنيا ولا يخلو من العرش. فقد صرح أحمد بالقول إن العرش لا يخلو منه) (٢).
ولكن ما نقله ابن تيمية في مسألة النزول عن الإمام أحمد نصه: "ونقلوه عن أحمد بن حنبل في رسالته إلى مسدد [يقول]: "وهم متفقون على أن الله ليس كمثله شيء، وأنه لا يعلم كيف ينزل، ولا تمثل صفاته بصفات خلقه" (٣)
وليس فيه ذكر خلو العرش، أما بقية الروايات التي نقلت لنا الرسالة بتمامها فليس فيها ذكر لمسالة النزول أصلًا.
بل أوضح شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لم ينقل على أحد من الأئمة المعروفين بالسنة بإسناد صحيح ولا ضعيف أن العرش يخلو منه (٤).
الوجه الثاني: أن عبارة "خلو العرش" لا ترتقي لأن تكون سببًا لرد الرسالة "باعتبار أن ما تضمنته من عقائد مخالفة للمشهور عن أحمد" كما يفهم من كلام ابن منده وكما ذكره بعض الباحثين.
стр. 26
فمسألة هل يخلو العرش منه حال نزوله لأهل السنة فيها ثلاثة أقوال:
القول الأول: ينزل ويخلو منه العرش (١)
وهو قول طائفة من أهل الحديث (٢).
القول الثاني: ينزل ولا يخلو منه العرش (٣)
وهو قول جمهور أهل الحديث (٤).
ومنهم الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، وحماد بن زيد، وعثمان بن سعيد الدارمي وغيرهم (٥).
القول الثالث: نثبت نزولاً، ولا نعقل معناه هل هو بزوال أو بغير زوال.
وهذا قول ابن بطة، والحافظ عبد الغني المقدسي وغيرهما (٦).
أما القول الأول: وهو أنه ينزل ويخلو منه العرش، فمن قال به: أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق بن منده (٧)(٨).
стр. 27
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وقد صنف أبو القاسم عبد الرحمن بن أبي عبد الله بن محمد بن منده، مصنفاً في الإنكار على من قال لا يخلو منه العرش وسماه "الرد على من زعم أن الله في كل مكان، وعلى من زعم أن الله ليس له مكان، وعلى من تأول النزول على غير النزول) (١).
وقد لخص شيخ الإسلام جملة ما احتج به أبو القاسم ابن منده وبين أنه احتج بأحاديث النزول، وببعض أقوال السلف العامة كقولهم (يفعل ما يشاء) وذكر بعض اعتراضاته على بعض النقول الواردة عن الأئمة (٢).
وأوضح شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لم ينقل على أحد من الأئمة المعروفين بالسنة بإسناد صحيح ولا ضعيف أن العرش يخلو منه (٣).
стр. 28
وذكر أن كلام أبو القاسم بن منده من جنس كلام طائفة تظن أنه لا يمكن إلا أحد القولين:
١ قول من يقول: إنه ينزل نزولاً يخلو منه العرش.
٢ وقول من يقول: ما ثم نزول أصلاً، كقول من يقول: ليس له فعل يقوم بذاته واختياره.
وهاتان الطائفتان ليس عندهما نزول إلا النزول الذي يوصف به أجساد العباد الذي يقتضي تفريغ مكان وشغل آخر.
ثم منهم من ينفي النزول عنه، وينزهه عن مثل ذلك.
ومنهم من أثبت له نزولاً من هذا الجنس، يقتضي تفريغ مكان وشغل آخر (١).
والقول بخلو العرش حال نزوله مرتبط (٢) بمسألة: هل يقال في النزول والإتيان والمجيء إنه بحركة وانتقال؟
وقد اختلف أصحاب الإمام أحمد وغيرهم من المنتسبين إلى السنة والحديث في المسألة على ثلاثة أقوال ذكرها القاضي أبو يعلى في كتاب "اختلاف الروايتين والوجهين" (٣)، وهذه الأقوال هي:
стр. 29
١ - أنه نزول انتقال وهو قول أبي عبد الله بن حامد.
٢ - أنه نزول بغير انتقال وهو قول أبي الحسن التميمي وأهل بيته، وأن معناه: قدرته (١).
٣ - الإمساك عن القول في المسألة، وهو قول أبي عبد الله بن بطة (٢) وغيره. ثم هؤلاء فيهم من يقف عن إثبات اللفظ مع الموافقة على المعنى وهو قول كثير منهم، ومنهم من يمسك عن إثبات المعنى وعن اللفظ (٣).
والذي يخصنا من الأقوال الثلاثة قول ابن حامد الذي ذهب إلى أنه نزول انتقال وقال لأن هذا حقيقة النزول عند العرب، وهو نظير قوله في الاستواء بمعنى قعد.
قال القاضي أبو يعلى: (فذهب شيخنا أبو عبد الله -يعني ابن حامد-أنه نزول انتقال، وقال: لأن هذا حقيقة النزول عند العرب، وهذا نظير قوله في
стр. 30
الاستواء، يعني قعد، وهذا على ظاهر حديث عبادة بن الصامت (١)، ولأن أكثر ما في هذا أنه من صفات الحدث في حقنا، وهذا لا يوجب كونه في حقه محدثاً، كما الاستواء على العرش، هو موصوف به مع اختلافنا في صفته، وإن كان هذا الاستواء لم يكن موصوفاً به في القدم، وكذلك نقول تكلم بحرف وصوت، وإن كان هذا يوجب الحدث في صفاتنا، ولا يوجبه في حقه، كذلك النزول) (٢).
وقال ابن القيم ﵀: (أما قول ابن حامد أنه نزول انتقال فهو موافق لقول من يقول يخلو منه العرش، والذي حمله على هذا إثبات النزول حقيقة، وأن حقيقته لا تثبت إلا بالانتقال، ورأى أنه ليس في العقل ولا في النقل ما يحيل الانتقال عليه، فإنه كالمجيء والإتيان والذهاب والهبوط، وهذه أنواع الفعل اللازم القائم به، كما أن الخلق، والرزق، والإماتة، والإحياء، والقبض، والبسط أنواع للفعل المتعدي، وهو سبحانه موصوف بالنوعين، وقد يجمعهما كقوله ﴿خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش﴾ [الأعراف ٥٤].
والانتقال جنس لأنواع المجيء، والإتيان، والنزول، والهبوط، والصعود، والدنو، والتدلي ونحوها؛ وإثبات النوع مع نفي جنسه جمع بين النقيضين.
قالوا: وليس في القول بلازم النزول والمجيء والإتيان والاستواء والصعود محذور ألبتة ولا يستلزم ذلك نقصاً، ولا سلب كمال، بل هو الكمال نفسه،
стр. 31
وهذه الأفعال كمال ومدح، فهي حق دل عليه النقل ولازم الحق حق) (١).
القول الثاني: أنه ينزل ولا يخلو منه العرش
وهذا القول ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أنه قول جمهور أهل الحديث (٢).
وقال: (ونقل ذلك عن الإمام أحمد بن حنبل في رسالته إلى مسدد، وعن إسحاق بن راهويه، وحماد بن زيد، وعثمان بن سعيد الدارمي وغيرهم) (٣).
قال القاضي أبو يعلى: (وقد قال أحمد في رسالته إلى مسدد: إن الله ينزل في كل ليلة إلى السماء الدنيا ولا يخلو من العرش. فقد صرح أحمد بالقول إن العرش لا يخلو منه) (٤).
وسأل بشر بن السري حماد بن زيد، فقال: (يا أبا إسماعيل الحديث الذي جاء «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا». يتحول من مكان إلى مكان؟ فسكت حماد بن زيد، ثم قال: هو في مكانه يقرب من خلقه كيف يشاء) (٥).
стр. 32
وقال إسحاق بن راهويه: (دخلت على عبد الله بن طاهر، فقال: ما هذه الأحاديث التي تروونها؟
قلت: أي شيء أصلح الله الأمير؟
قال: تروون أن الله ينزل إلى السماء الدنيا.
قلت: نعم، رواه الثقات الذين يروون الأحكام.
قال: أينزل ويدع عرشه؟
قال: فقلت: يقدر أن ينزل من غير أن يخلو العرش منه؟
قال: نعم.
قلت: ولم تتكلم في هذا؟) (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن قول إسحاق وقول حماد بن زيد: (وهذه والتي قبلها حكايتان صحيحتان رواتهما ثقات، فحماد بن زيد يقول: هو في مكانه، يقرب من خلقه كيف يشاء، فأثبت قربه مع كونه فوق عرشه.
وعبد الله بن طاهر وهو من خيار من ولي الأمر بخراسان كان يعرف أن الله فوق العرش، وأشكل عليه أنه ينزل، لتوهمه أن ذلك يقتضي أن يخلو منه العرش، فأقره الإمام إسحاق على أنه فوق العرش، وقال له: يقدر أن ينزل من
стр. 33
غير أن يخلو منه العرش؟ فقال له الأمير: نعم. فقال له إسحاق: لم تتكلم في هذا؟
يقول: فإذا كان قادراً على ذلك لم يلزم من نزوله خلو العرش منه، فلا يجوز أن يعترض على النزول بأنه يلزم منه خلو العرش، وكان هذا أهون من اعتراض من يقول: ليس فوق العرش شيء، فينكر هذا وهذا) (١).
القول الثالث: من يقول نثبت نزولاً ولا نعقل معناه، هل هو بزوال أو بغير زوال.
وهذ القول قال به ابن بطة (٢)، وعبد الغني المقدسي (٣)، وغيرهما.
قال ابن بطة: (فنقول كما قال: «ينزل ربنا عزو جل». ولا نقول: إنه يزول، بل ينزل كيف يشاء، لا نصف نزوله ولا نحده، ولا نقول: إن نزوله زواله).
وروى بسنده عن حنبل بن إسحاق قال: (قلت لأبي عبد الله: ينزل الله تعالى إلى سماء الدنيا؟
قال: نعم.
قلت: نزوله بعلمه أم بماذا؟
قال: فقال لي: اسكت عن هذا، وغضب غضباً شديداً، وقال: مالك ولهذا؟
стр. 34
أمض الحديث كما روي بلا كيف) (١).
وقال القاضي أبو يعلى: (وحكى شيخنا-يعني ابن حامد-عن طائفة أخرى من أصحابنا أنهم قالوا: نثبت نزولاً لا يعقل معناه هل هو زوال أو بغير زوال، كما جاء الخبر، ومثل هذا ليس يمتنع في صفاته، كما يثبت له ذاتاً ينفي عنها ماهيتها، وهذه الطريقة هي المذهب، وقد نص أحمد عليها في مواضع) (٢). وذكر الأثر الذي ذكره ابن بطة عن حنبل.
قال ابن القيم ﵀: (وأما الذين أمسكوا عن الأمرين وقالوا: لا نقول يتحرك وينتقل، ولا ننفي ذلك عنه، فهم أسعد بالصواب والاتباع، فإنهم نطقوا بما نطق به النص، وسكتوا عما سكت عنه، وتظهر صحة هذه الطريقة ظهوراً تاماً فيما إذا كانت الألفاظ التي سكت عنها النص مجملة، محتملة المعنيين صحيح وفاسد، كلفظ (الحركة)، و (الانتقال)، و (الحوادث)، و (العلة)، و (التغير)، و (التركيب)، ونحو ذلك من الألفاظ التي تحتها حق وباطل.
فهذه لا تقبل مطلقاً، ولا ترد مطلقاً، فإن الله سبحانه لم يثبت لنفسه هذه المسميات، ولم ينفيها عنه، فمن أثبتها مطلقاً فقد أخطأ، ومن نفاها مطلقاً فقد أخطأ، فإن معانيها منقسمة إلى ما يمتنع إثباته لله، وما يجب إثباته له.
فإن الانتقال يراد به:
١ - انتقال الجسم والعرض من مكان هو محتاج إليه إلى مكان آخر يحتاج
стр. 35
إليه. وهو يمتنع إثباته للرب ﵎، وكذلك الحركة إذا أريد بها هذا المعنى امتنع إثباتها لله تعالى.
٢ - ويراد بالحركة والانتقال حركة الفاعل من كونه غير فاعل إلى كونه فاعلاً، وانتقاله أيضاً من كونه غير فاعل إلى كونه فاعلاً، فهذا المعنى حق في نفسه لا يعقل كون الفاعل فاعلاً إلا به فنفيه عن الفاعل نفي لحقيقة الفعل وتعطيل له.
٣ - وقد يراد بالحركة والانتقال ما هو أعم من ذلك، وهو فعل يقوم بذات الفاعل يتعلق بالمكان الذي قصد له وأراد إيقاع الفعل بنفسه فيه.
وقد دل القرآن والسنة والإجماع على أنه سبحانه يجيء يوم القيامة، وينزل لفصل القضاء بين عباده، ويأتي في ظلل من الغمام والملائكة، وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، وينزل عشية عرفة، وينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة، وينزل إلى أهل الجنة، وهذه أفعال يفعلها بنفسه في هذه الأمكنة فلا يجوز نفيها عنه بنفي الحركة والنقلة المختصة بالمخلوقين، فإنها ليست من لوازم أفعاله المختصة به، فمن كان من لوازم أفعاله لم يجز نفيه عنه، وما كان من خصائص الخلق لم يجز إثباته له.
وحركة الحي من لوازم ذاته، ولا فرق بين الحي والميت إلا بالحركة والشعور، فكل حي متحرك بالإرادة وله شعور فنفي الحركة عنه كنفي الشعور، وذلك يستلزم نفي الحياة) (١).
стр. 36
المبحث الرابع: طبعاتها.
طبعت الرسالة عدة طبعات ضمن عدد من المجاميع منها:
١ - طبعت ضمن مجموع شذرات البلاتين من طيبات كلمات سلفنا الصالحين بتحقيق الشيخ محمد حامد الفقي والرسالة ضمن مجموع الجزء الأول من ص ٧٩ - ٨٤. وقد اعتمد الفقي في طبع هذه الرسالة على ما ورد في طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى حيث قال في مقدمة ذكر للرسالة ما نصه: "قال القاضي أبو الحسين محمد بن القاضي أبي يعلى محمد بن الحسين بن الفراء (المتوفى سنة ٥٢٦ هـ) في طبقات الحنابلة في ترجمة مسدد بن مسرهد بن مسربل" ثم ذكر نص الرسالة.
٢ - طبعت ضمن "الجامع في عقائد ورسائل أهل السنة والأثر" جمعه واعتنى به عادل بن عبد الله آل حمدان الغامدي. وعنون لها بعنوان "أصول السنة رواية مسدد بن مسرهد" انظر: (ص ٣٥٩ - ٣٧١).
واعتمد في تحقيق نصها على ما ورد في طبقات الحنابلة وجعلها هي الأصل، وقابلها بما ورد في مناقب الإمام أحمد، وكتاب مختصر الحجة
стр. 37
على تارك المحجة لأبي الفتح المقدسي.
٣ - وطبعت ضمن مجموع بعنوان جمهرة عقائد أئمة السلف وحوى هذا المجموع على خمسة وأربعين مَتنًا في العقيدة السلفية (عقيدة أهل السُّنة والجماعة). وقام بجمعها وضبط نصوصها محمد محب الدين أبو زيد نشر مكتبة التوعية الإسلامية مصر.
والرسالة المذكورة حملت رقم التسلسل (١٥) وجاءت بعنوان "عقيدة الإمام أجمد بن حنبل رواية الزرندي عنه".
واقتصر جهد الجامع على ضبط النص مع تعليقات يسيرة ولَم يشر إلى مصادر التي اعتمد عليها في ضبط النص.
٤ - وقام الباحث خالد السكران التميمي بتحقيق النص بحسب ما توفر له من طبعات الرسالة، ونشر ذلك بدون ذكر الحواشي على موقع الألوكة، وقد تواصلت معه وزودني بنسخة من عمله في ضبط نصها، وأفد بأنه لم يقم بطبع الرسالة، وقد اعتمد في ضبط نصها على ما ورد في طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى، ومناقب الإمام أحمد لابن الجوزي، والمقصد الأرشد لابن مفلح، والمنهج الأحمد للعليمي. ?
فهذا جملة ما وقفت عليه بعد بذل الجهد والتحري وسؤال من لهم اهتمام بنشر كلام الإمام أحمد بن حنبل-رحمه الله تعالى-.
стр. 38
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال المصنف-رحمه الله تعالى-:
"الحمد لله الذي جعل في كل زمان بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، وينهون عن الردى، يحيون بكتاب الله تعالى الموتى، وبسنة رسول الله- ﷺ -أهل الجهالة والردى (١)، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه، فما أحسن آثارهم على الناس.
ينفون عن دين الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الضالين (٢) الذين عقدوا ألوية البدع، وأطلقوا عنان الفتنة [مختلفين في الكتاب] (٣) يقولون على الله وفي الله، -تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا- وفي كتابه بغير علم فنعوذ بالله من كل فتنة مضلة، وصلى الله على محمد [النبي وآله وسلم تسليما (٤)]. (٥).
стр. 39
أما بعد،
-وفقنا الله وإياكم لما فيه طاعته (١) وجنبنا وإياكم ما فيه سخطه (٢) واستعملنا وإياكم عمل [الخاشعين له] (٣) العارفين به الخائفين منه (٤). . . . . . . . . . . . .
стр. 40
إنه (١) المسئول (٢) ذلك".
نبه المصنف إلى أهمية العلم والعلماء وبين أن الله نفع بالعلماء في نشر الدين وتبليغه والدفاع عنه، وقد دلت النصوص على أن الله رفع من شأن العلم وأهله فالنصوص كثيرة في القرآن والسنة تؤكد على ذلك وتدل عليه.
ومما ورد في القرآن:
• قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ [النساء: ١١٣]
• وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]
• وقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [الحجرات: ١١]
قال ابن القيم-رحمه الله تعالى-: "إن العلم يرفع صاحبه في الدنيا والآخرة ما لا يرفعه المُلْك ولا المال ولا غيرهما، فالعلم يزيد الشريف شرفاً ويرفع العبد المملوك حتى يجلسه مجالس الملوك كما ثبت في الصحيح من حديث الزهري عن أبي الطفيل أن نافع بن عبد الحارث أتى عمر بن الخطاب بعسفان، وكان عمر استعمله على أهل مكة، فقال له عمر: من استخلفت على أهل الوادي قال: