الدليل الثالث: لا سنة لهن في الوقت؛ لأنَّ عدتهن تبدأ من حين الطلاق أو تبين بمجرد الطلاق وهي غير المدخول بها أما العدد فلا فرق بينهن وبين المدخول بها من اشتراط نكاح زوج لحلها إذا بانت بينونة كبرى (١).
تنبيه: عند الشافعية والأحناف يستحب تفريق الطلاق في كل شهر طلقة.
الترجيح: الذي يترجح لي حرمة طلاق من لا تحيض لصغر أو كبر أو مرض والحامل وغير المدخول بها أكثر من طلقة متواليات أو متفرقات في طهر أو في أطهار - ما لم يتخلل ذلك رجعة - فالنصوص عامة والبينونة الكبرى عامة لهن ولغير هن من الزوجات.
* * *
стр. 737
الفصل الثاني عشر
طلاق غير المدخول بها
تمهيد:
إذا طلق الرجل زوجته التي عقد عليها ولم يدخل بها فالأمر لا يخلو من أحوال:
الأول: أن يطلقها طلقة واحدة.
الثاني: أن يطلقها ثلاثًا مجموعة.
الثالث: أن يطلقها ثلاثًا مفرقة من غير أن يفصل بين الثلاث بحرف عطف.
الرابع: أن يطلقها ثلاثًا مفرقة يعطف بعضها على بعض بأحد حروف العطف.
* * *
стр. 738
الحكم الوضعي لطلاق غير المدخول بها واحدة
إذا طلق الزوج زوجته غير المدخول بها واحدة بانت منه بينونة صغرى فلا تحل له إلا بعقد جديد.
الدليل الأول: [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا] (الأحزاب: ٤٩).
وجه الاستدلال: إذا لم تكن عليها عدة فهي بائن بمجرد الطلاق، وتصير كالمدخول بها بعد انقضاء عدتها (١).
الدليل الثاني: فتوى الصحابة ﵃ ومن بعدهم وتأتي الإشارة إلى آثارهم.
الدليل الثالث: الإجماع فأهل العلم مجمعون على أنَّ طلاق غير المدخول بها واحدة تبين به بينونة صغرى ولا عدة عليها فلا تحل لزوجها إلا بعقد جديد (٢).
* * *
стр. 739
الحكم الوضعي لطلاق غير المدخول بها ثلاثًا مجموعة
إذا طلق الرجل امرأته غير المدخول بها ثلاثًا مجموعة فقال أنت طالق ثلاثًا ونحو ذلك فالخلاف المعتبر في المسألة قولان: قول تقع الثلاث ثلاثًا وقول تقع واحدة وتقدمت الإشارة إلى شذوذ قول من يرى عدم وقوع الثلاث (١).
القول الأول: تقع الثلاث وتبين بها المرأة بينونة كبرى: وهو رأي جمهور أهل العلم فهو قول علي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبي هريرة، وابن عباس، وعائشة، وعبد الله بن عمرو، وأنس بن مالك، وابن عمر، وأبي سعيد الخدري، وأم سلمة ﵃، وعكرمة، وخلاس بن عمرو، ومسروق، وإبراهيم بن يزيد النخعي، والشعبي، وسعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح وعبد الله بن معقل المزني - وتقدمت آثارهم في الخلاف في طلاق المدخول بها ثلاثًا (٢) - وإسحاق بن راهويه (٣) وهو مذهب الأحناف (٤) والمالكية (٥) والشافعية (٦) والحنابلة (٧).
الأدلة: تقدمت في طلاق المدخول بها ثلاثًا (٨).
стр. 740
تنبيه: المنقول عن الصحابة علي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت وأبي هريرة وابن عباس وعبد الله بن عمرو وأنس بن مالك وابن عمر وأبي سعيد الخدري وعائشة
وأم سلمة ﵃ في وقوع طلاق الثلاث في غير المدخول بها وأنَّها تبين بها المرأة روايات مطلقة لم تبين هل هي مجموعة أو مفرقة؟.
وهي محمولة على الثلاث المجموعة - والله أعلم - وروي عن علي، وابن مسعود وزيد بن ثابت ﵃ التفريق فإذا قال: هي طالق ثلاثًا، لم تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، وإذا قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، بانت بالأولى، ولم تكن الأخريان بشيء.
القول الثاني: تقع واحدة: قول لابن عباس ﵄ وقال به عطاء بن أبي رباح وأبو الشعثاء جابر بن زيد وعكرمة وطاوس والحسن البصري وعطاء بن يسار ومحمد بن إسحاق ورواية عن الحجاج بن أرطاة وقال به داود بن علي الظاهري وبعض أهل الظاهر وابن مقاتل من الأحناف وهو قول للمالكية وقال به شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وجمال الدين يوسف بن أحمد وعلي بن عبد المحسن الدواليبي وأبو الطيب محمد شمس الحق آبادي والشوكاني وصديق حسن خان وأحمد شاكر وعبد الرحمن المعلمي والشيخ عبد الرحمن السعدي والشيخ عبد العزيز بن باز والألباني وشيخنا الشيخ محمد بن عثيمين (١).
الأدلة: تقدمت (٢).
وقت ظهور الخلاف: الوارد عن ابن عباس ﵄ في رواية طاوس عنه أنَّه يجعل الثلاث واحدة يحمل على الثلاث المفرقة ليوافق الروايات الأخرى عنه وعن غيره من
стр. 741
الصحابة ﵃ أمَّا رواية عكرمة ورواية أبي عياض عمرو بن الأسود عنه فهي كرواية الجمهور في وقوع الثلاث المجموعة وتقدم (١)، والله أعلم.
وقول عطاء بن أبي رباح وجابر بن زيد «إِذَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا فَهِيَ وَاحِدَةٌ» يحتمل إذا طلقها ثلاثًا مجموعة أو مفرقة ويحمل على المجموعة ليوافق رأي الجمهور.
وصح عن طاوس وعطاء بن يسار والحسن البصري وقوع الثلاث واحدة فرق أو جمع ولم أقف على أنَّ أحدًا من الصحابة ﵃ أفتى بلفظ صحيح صريح أنَّ طلاق الثلاث المجموعة واحدة وحصل الخلاف من التابعين في عهد الصحابة ﵃ فخالفهم عطاء بن يسار فعنه أنَّه قال جاء رجل يسأل عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن رجل طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يمسها قال: عطاء فقلت: «إِنَّمَا طَلَاقُ الْبِكْرِ وَاحِدَةٌ «فقال لي عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: «أَنْتَ قَاصٌّ، الْوَاحِدَةُ تُبِينُهَا، وَالثَّلَاثُ تُحَرِّمُهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ» وكذلك خالف الحسن البصري وطاوس فلم ينقل خلاف عن الصحابة ﵃ في وقوع الثلاث إنَّما الخلاف عن التابعين ومن أتى بعدهم، والله أعلم.
* * *
стр. 742
طلاق غير المدخول بها ثلاثًا مفرقة
تمهيد:
إذا طلق غير المدخول بها ثلاثًا مفرقة فالأمر لا يخلو من حالين:
الأول: أن يقولها نسقًا أنت طالق أنت طالق أنت طلق.
الثاني: أن يعطف بأحد حرف العطف.
* * *
стр. 743
الحكم الوضعي لطلاق غير المدخول بها ثلاثًا نسقًا
إذا قال لها أنت طالق أنت طالق أنت طلق نسقًا من غير أن يعطف بعضها على بعض بأحد حروف العطف فلأهل العلم في هذه المسألة قولان:
القول الأول: تقع طلقة واحدة: وهو مذهب الأحناف (١) وقول للمالكية (٢) ومذهب الشافعية (٣) والحنابلة (٤) وقال به ابن حزم (٥) ورجحه القرافي (٦).
الدليل: لأنَّها تبين بالطلقة الأولى فيقع بقية الطلاق على أجنبية (٧).
القول الثاني: يقع ثلاثًا: وهو المشهور من مذهب المالكية (٨) وقول للشافعي (٩) ونسبه ابن حزم للأوزاعي والليث (١٠).
стр. 744
الدليل الأول: حديث معاذ بن جبل ﵁ «يَا مُعَاذُ مَنْ طَلَّقَ فِي بِدْعَةٍ وَاحِدَةٍ أَوِ اثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَلْزَمْنَاهُ بِدْعَتَهُ» (١).
وجه الاستدلال: الحديث عام فتدخل في عموم من لم يدخل بها زوجها.
الرد من وجهين:
الأول: الحديث ضعفه شديد.
الثاني: تقدم الخلاف في حكم طلاق الثلاث (٢).
الدليل الثاني: عن الحسن بن علي ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أَيُّمَا رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا عِنْدَ كُلِّ طُهْرٍ تَطْلِيقَةً أَوْ عِنْدَ رَأْسِ كُلِّ شَهْرٍ تَطْلِيقَةً أَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا جَمِيعًا لَمْ تَحِلَّ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ» (٣).
وجه الاستدلال: كالذي قبله.
الرد: الحديث ضعيف.
الدليل الثالث: كل زوج ملك إيقاع الطلاق ثلاثًا عليها بلفظ واحد صح أن يوقعه بثلاثة ألفاظ متناسقة كالمدخول بها (٤).
الرد: قياس مع الفارق فالمدخول بها لا تبين بالطلقة الأولى والثانية بخلاف غير المدخول بها فتبين بالطلقة الأولى.
الدليل الرابع: نسق الكلام بعضه على بعض متصلًا يوجب له حكمًا واحدًا فهو كقوله: أنت طالق ثلاثًا ولذلك إذا اتصل الاستثناء باليمين بالله أثر وثبت له حكم الاستثناء، وإذا انفصل عنه لم يكن له تعلق بما تقدم من الكلام (٥).
стр. 745
الرد: قياس مع الفارق فقول أنت طالق ثلاثًا جملة واحدة بخلاف إذا كرر الطلاق فالجملة الثانية غير مرتبطة بالأولى فتبين بالأولى.
قال القرافي: أنت طالق ثلاثًا فإنَّ ثلاثًا تفسير لا يستقل بنفسه فيصير الأول غير مستقل بنفسه فلا يلزم به شيء ولا تبين قبل النطق بقوله ثلاثًا وقوله أنت طالق أنت طالق أنت طالق الثاني مستقل بنفسه فلا يكر على الأول بالإيقاف والإبطال فتبين بالأول قبل النطق بالثاني فلا يلزم بالثاني شيء وهذا فرق عظيم ومع هذا الفرق لا يثبت القياس (١).
القول الثالث: إذا كانت في مجلس واحد فهي ثلاث وإذا كانت في مجالس فهي واحدة:
قال ابن حزم: رويناه من طريق الحجاج بن المنهال، نا عبد العزيز بن عبد الصمد قال: قال لي منصور: حدثت، عن إبراهيم النخعي أنَّه كان يقول: «إذَا قَالَ لِلَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ: أَنْتِ طَالِقٌ، أَنْتِ طَالِقٌ، أَنْتِ طَالِقٌ، فَلَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا، غَيْرَهُ - فَإِنْ قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ طَلَّقَ طَلْقَةً وَاحِدَةً ثُمَّ طَلَّقَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ» (٢).
فالمجلس الواحد في حكم المتصل وإذا قام بانت منه.
الرد من وجهين:
الأول: الأثر ضعيف للمبهم الذي فيه.
الثاني: صح عن إبراهيم خلافه فقال «في الرجل يقول لامرأته ولم يدخل بها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق قال: «بَانَتْ بِالْأُولَى، وَالثِّنْتَانِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا بِفَمٍ وَاحِدٍ لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ» (٣).
* * *
стр. 746
إذا فرق طلاق غير المدخول بها بأحد حروف العطف
تمهيد:
إذا عطف جمل الطلاق بحرف من حروف العطف فلا يخلو العطف من حالين:
الأول: أن يكون العطف بالفاء أو ثم أو بل.
الثاني: أن يكون العطف بالواو.
* * *
стр. 747
الحكم الوضعي لعطف جمل طلاق الثلاث بالفاء وثم وبل
إذا عطف جمل طلاق الثلاث وألفاظه بالفاء أو ثم أو بل فقال أنت طالق فطالق فطالق أو أنت طالق ثم طالق ثم طالق أو أنت طالق بل طالق بل طالق لأهل العلم في هذه المسألة قولان:
القول الأول: تقع طلقة واحدة: وهو مذهب الأحناف (١) وقول للمالكية (٢) والمذهب عند الشافعية (٣) والحنابلة (٤).
الدليل: لأنَّها تبين بالأولى فالفاء وثم حروف عطف تفيد الترتيب فالأولى تقع قبل الثانية بمقتضى إيقاعه فهي ثلاث جمل منفصلة فتقع الثانية والثالثة على أجنبية (٥).
القول الثاني: تقع ثلاثًا: وهو المشهور من مذهب المالكية (٦) ووجه في مذهب الشافعية وقيل: قول (٧).
стр. 748
الدليل: لأنَّه كلام واحد لا يفصل بعضه عن بعض فأشبه قوله أنت طالق ثلاثًا (١).
الرد: قوله ثلاثًا بيان لقوله أنت طالق بخلاف هذه الألفاظ فهي جمل مستقلة (٢).
* * *
стр. 749
الحكم الوضعي لعطف جمل طلاق الثلاث بالواو
إذا عطف الطلاق بالواو فقال أنت طالق وطالق وطالق لأهل العلم في هذه المسألة قولان:
القول الأول: تقع واحدة: وهو مذهب الأحناف (١) وقول للمالكية (٢) ومذهب الشافعية (٣) ووجه عند الحنابلة (٤) ورجحه القرافي من المالكية (٥).
الدليل: الواو للترتيب وتكون لمطلق الجمع فتكون كما لو عطف بالفاء أو ثم فتبين بالأولى (٦).
القول الثاني: يقع ثلاثًا: وهو المشهور من مذهب المالكية (٧) ووجه في مذهب الشافعية وقيل قول (٨) وهو مذهب الحنابلة (٩).
стр. 750
الدليل الأول: كل زوج ملك إيقاع الطلاق ثلاثًا عليها بلفظ واحد صح أن يوقعه بثلاثة ألفاظ متناسقة كالمدخول بها.
الرد: تقدم
الدليل الثاني: التناسق في حكم المجموع بلفظ واحد فهو كقوله أنت طالق ثلاثًا.
الرد: تقدم.
الدليل الثالث: الواو تقتضي الجمع، ولا ترتيب فيها فالكلام في حكم الجملة الواحدة فيكون موقعًا للثلاث جميعًا، فيقعن عليها، كقوله: أنت طالق ثلاثًا (١).
الرد: الجمع الذي يباين التفريق حكمًا هو الجمع بمعنى المعية المغير له كلفظ ثلاثًا ونحوه وليست الواو للجمع بهذا المعنى بل هي لمطلق الجمع (٢).
الترجيح: الذي يترجح لي وقوع طلاق غير المدخول بها ثلاثًا إذا كانت مجموعة أما إذا فرقها فتطلق واحدة لأنَّها تبين بالأولى فيقع بقية الطلاق على أجنبية، والله أعلم.
تنبيه: ما تقدم من الأحكام الوضعية لطلاق الثلاث في غير المدخول بها يعطى للطلقتين إلا في البينونة الكبرى، والله أعلم.
* * *
стр. 751
الباب العاشر
طلاق لا يوصف بالسنة ولا بالبدعة في الوقت
الطلاق ثلاثة أنواع طلاق سني وطلاق بدعي ونوع ثالث لا يوصف بأنَّه سني ولا بدعي وهو طلاق التي لا تحيض والحامل وغير المدخول بها والمستحاضة غير المميزة فلا وقت يحرم فيه طلاقهن أمَّا ما يتعلق بعدد الطلاق فحكمهن حكم غيرهن وتقدم فموضوع هذا الباب هو وقت الطلاق لا عدده ومسائل الباب هي:
• طلاق لا يوصف بالسنة ولا بالبدعة في الوقت في مذاهب فقهاء الأئمة الأربعة.
• الحكم التكليفي لطلاق غير المدخول بها.
• الحكم التكليفي لطلاق الحامل.
• الحكم التكليفي لطلاق التي لا تحيض لصغر أو كبر.
• الحكم التكليفي لطلاق المستحاضة.
стр. 752
الفصل الأول
طلاق لا يوصف بالسنة ولا بالبدعة في الوقت
في مذاهب فقهاء الأئمة الأربعة
مذهب المالكية
التعريف: للطلاق الذي لا يوصف بالسنة ولا بالبدعة عند المالكية عدة تعريفات منها:
التعريف الأول: طلاق التي لا تحيض والحامل وغير المدخول بها والمستحاضة غير المميزة (١).
شرح التعريف: (طلاق التي لا تحيض) لصغر أو كبر (والحامل) ولو حائضًا لكن إذا كانت حاملًا من وطء شبهة أو زنا فالذي يظهر لي حرمة طلاقها عندهم (٢) (وغير المدخول بها) ولو حائضًا (والمستحاضة غير المميزة) لأنَّها تعتد بالشهور والمميزة لهم فيها قولان فعلى القول أنَّها تعتد بالأقراء فبدعي وعلى قول تعتد سنة فسني.
نقد التعريف: هذا التعريف غير مانع.
التعريف الثاني: أن يكون جائزًا في كل الأحوال (٣).
стр. 753
شرح التعريف: ليس لها وقت يباح طلاقها ووقت يحرم بخلاف العدد فما زاد على الواحدة بدعة.
نقد التعريف: هذا تعريف بالحكم وهو ممنوع عند المناطقة.
وَعِنْدَهُم مِنْ جُمْلَةِ المَرْدودِ … أَنْ تَدْخُلَ الأَحْكامُ في الحُدُودِ (١)
وهذا النوع داخل في الطلاق السني من حيث جوازه ويخالفه في أنَّ طلاق من يوصف طلاقها بالسني والبدعي أنَّ له وقتًا يباح فيه ووقتًا يحرم بخلاف طلاق من لا يوصف طلاقهن بالسنة والبدعة فهو مباح كل وقت.
* * *
стр. 754
مذهب الشافعية
تعريف الطلاق الذي لا يوصف بالسنة ولا بالبدعة: طلاق الصغيرة والآيسة والمختلعة ومن استبان حملها منه ومن لم يدخل بها.
شرح التعريف: (طلاق الصغيرة) التي لا تحيض (والآيسة) من الحيض (والمختلعة) بعوض على القول بأنَّ طلاقها فسخ (ومن استبان حملها منه) بخلاف الحامل من وطء شبهة أو زنا ففيها تفصيل (١) (ومن لم يدخل بها) فيطلقها حائضًا أو حاملًا من زنا.
نقد التعريف: هذا التعريف غير مانع ولا جامع فيستثنى من الطلاق في زمن البدعة عندهم طلاق المولي إذا طلبته الزوجة وطلاق القاضي على المولي وطلاق الحكمين فليس بدعيًا كما أنَّه ليس سنيًا فالطلاق جائز في الحيض وفي طهر وطئن فيه ولم يستبن حملهن (٢) وطلاق المستحاضة المتحيرة ليس سنيًا ولا بدعيًا (٣).
* * *
стр. 755
مذهب الحنابلة
تعريف الطلاق الذي لا يوصف بالسنة ولا بالبدعة: طلاق الصغيرة والآيسة وغير المدخول بها والحامل.
شرح التعريف: المذهب (١) أنَّ (طلاق الصغيرة) التي لا تحيض (والآيسة) من الحيض (وغير المدخول بها) وغير المخلو بها (والحامل) من زوجها لا سنة لطلاقهن،
ولا بدعة فيجوز كل وقت.
وفي رواية أنَّ البدعة في طلاقهن في العدد دون الوقت (٢) وفي رواية سنة الوقت تثبت لحامل (٣).
نقد التعريف: التعريف غير مانع فطلاق الحامل من وطء شبهة وزنا الذي يظهر لي أنَّه بدعة عندهم.
وقال بعض الحنابلة طلاقهن طلاق سنة لأنَّ السنة ما وافق أمر الله ورسوله ﷺ . ومن طلق إحدى هؤلاء، فقد وافق طلاقه ذلك؛ لأنَّ في حديث ابن عمر ﵄: «ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا» [رواه مسلم]، والطلاق في الطهر سنة، فكذا في الحمل (٤).
* * *
стр. 756
الخلاف لفظي
طلاق الصغيرة والآيسة وغير المدخول بها والحامل سني عند الأحناف واختاره شيخنا الشيخ محمد العثيمين (١) وعند الثلاثة لا يوصف بسنة ولا بدعة والخلاف بينهم لفظي ولا يترتب عليه حكم في الجملة فكلهم يرون جواز طلاقهنَّ كل وقت إنَّما الخلاف بينهم في التسمية فهل يسمى الطلاق سنيًا أم لا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن كان قد تبين حملها وأراد أن يطلقها فله أن يطلقها وهل يسمى هذا طلاق سنة أو لا يسمى طلاق سنة ولا بدعة فيه نزاع لفظي (٢).
تنبيه: رواية عند الحنابلة أنَّ طلاق الحامل سني في الوقت وثمرة الخلاف إذا قال لها أنت طالق للبدعة تطلق بالوضع لأنَّ النفاس زمن البدعة (٣).
* * *
стр. 757
الفصل الثاني
المطلقات اللاتي لا يوصف طلاقهن بسنة ولا ببدعة
تمهيد:
من خلال ما تقدم فمن لا يوصف طلاقهن بسنة ولا ببدعة:
الأولى: غير المدخول بها.
الثانية: الحامل.
الثالثة: من لا تحيض لصغر أو كبر.
الرابعة: المستحاضة.
الخامسة: المختلعة.
وتقدم الكلام على بعض أحكامها ويأتي الكلام على بعض أحكامها في غير هذا الكتاب - إن شاء الله -.
* * *
стр. 758
الحكم التكليفي لطلاق غير المدخول بها
إذا عقد الرجل على المرأة ولم يخلو بها أو يدخل بها وأراد طلاقها فهي لا تخلو من حالين:
الأولى: أن تكون طاهرًا: فيجوز طلاقها كل وقت بدلالة الكتاب والسنة والإجماع:
الدليل الأول: قوله - تعالى -: [لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً] (البقرة: ٢٣٦).
وجه الاستدلال: من لم يدخل بها، لا إثم عليه في طلاقها حائضًا وطاهرًا بخلاف المدخول بها (١).
الدليل الثاني: قوله - تعالى -: [يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ] (البقرة: ٢٣٦).
الدليل الثالث: في حديث ابن عمر ﵄: «فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا، فَتِلْكَ العِدَّةُ كَمَا أَمَرَ اللهُ » (٢).
وجه الاستدلال: في الآية والحديث الأمر بالطلاق للعدة لتستقبلها بعده وهذا في المدخول بها بخلاف غير المدخول بها فليس لها عدة قال - تعالى -: [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا] (الأحزاب: ٤٩) فجاز طلاقها أي وقت (٣).
الدليل الرابع: أجمع أهل العلم - في الجملة - على أنَّ غير المدخول بها يجوز طلاقها كل وقت (٤).
стр. 759
الثانية: أن تكون حائضًا: ينقل بعض أهل العلم الإجماع على جواز طلاقها والصحيح أنَّه لا إجماع وتقدم الكلام على هذه المسألة في طلاق الحائض غير المدخول بها (١).
* * *
стр. 760
الحكم التكليفي لطلاق الحامل
لا تخلو الحامل إمَّا أن يكون حملها من زوجها أو من غيره وإذا كان من غير زوجها فلا يخلو أن يكون الحمل من وطء شبهة أو زنا.
طلاق الحامل من زوجها:
إذا كان الحمل من زوجها فلا تخلو من حالين أن لا ترى الدم والثاني أن ترى الدم وقت الحيض.
الحال الأولى: أن لا ترى الدم أثناء الحمل:
فهل يجوز طلاقها أم لا؟ وهل هذه المسألة من مسائل الإجماع؟.
يجوز طلاقها وبعض أهل العلم ينقل الإجماع والصحيح وجود الخلاف:
القول الأول الجواز: وهو رأي الجمهور
الدليل الأول: قوله - تعالى -[يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ] (البقرة: ٢٣٦).
وجه الاستدلال: الحامل إذا طلقت استقبلت عدتها فتكون مطلقة للعدة.
الدليل الثاني: في رواية لحديث ابن عمر ﵄: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلاً» (١).
وجه الاستدلال: فيه جواز طلاق الحامل ولم يفرق بين حال وحال (٢).
الدليل الثالث: الإجماع، ينقل بعض أهل العلم الإجماع على أنَّ الحامل تطلق أي وقت قال ابن عبد البر: لا نعلم خلافًا أنَّ طلاق الحامل إذا تبين حملها طلاق سنة إذا
стр. 761
طلقها واحدة وإنَّ الحمل كله موضع للطلاق (١) وقال القاضي عياض: طلاق الحامل طلاق سنة أي وقت شاء من الحمل ما لم تقرب ويضر [هكذا ولعل الصواب: ويصير] في حد المرض وهو قول كافة العلماء (٢) وقال القرطبي: جواز طلاق الحامل في أي وقت شاء وإنَّه للسنة وهو قول كافة العلماء (٣).
القول الثاني الكراهة: قال ابن المنذر: كراهة أن تطلق وهي حامل روي ذلك عن الحسن وهي خلاف الروايات التي ذكرناها عنه (٤).
الرد: الثابت عنه موافقة الجمهور ولو ثبتت الكراهة عنه فالسنة ترد ذلك.
القول الثالث: يطلقها بعد استبانة الحمل ويكره أن يطلقها في أول حملها: نسب هذا القول ابن المنذر للأوزاعي (٥).
الدليل: كراهة أن يطول عليها العدة.
الرد: ورد الدليل بجواز طلاق الحامل من غير تخصيص بوقت فهذا اجتهاد مقابل النص.
القول الرابع: تطلق عند الأهلة: روي عن الشعبي (٦) ونسبه ابن المنذر لقتادة (٧).
стр. 762
الدليل: لم يتبين لي التخصيص بالأهلة إذا صحت النسبة لقتادة والمنسوب للشعبي فيما وقفت عليه لا يصح وعلى كل حال هو اجتهاد مقابل النص.
تنبيه: تقدم (١) حكم طلاق الحامل إذا جامعها زوجها وهذه المسألة أعم.
الحال الثانية: إذا كانت حاملًا من زوجها وترى الدم: فالخلاف في طلاقها يرجع لأمرين هل ما تراه الحامل من الدم حيض أم لا؟ والثاني هل النهي عن طلاق الحائض تعبدي أم معلل؟ تقدم الكلام على ذلك (٢).
طلاق الحامل من غير زوجها:
إذا كان الحمل من غير زوجها بوطء شبهة أو زنا فهاتان المسألتان من مسائل الخلاف بين أهل العلم وتقدم الكلام عليهما (٣).
* * *
стр. 763
الحكم التكليفي لطلاق التي لا تحيض لصغر أو كبر
يجوز طلاق الصغير والآيسة في طهر جامعها فيه زوجها (١).
* * *
стр. 764
الحكم التكليفي لطلاق المستحاضة
تمهيد:
المستحاضة لا تخلو من حالين الحال الأولى أن يفرق بين ما يخرج منها من دم فيحكم على بعضه أنَّه حيض وعلى الآخر استحاضة - على خلاف بين أهل العلم هل يرجع في ذلك للعادة أو التمييز وليس هذا موطن بحث المسألة - والحال الثانية أن يشكل دم المستحاضة سواء كانت مبتدأة أو معتادة ناسية وهي التي يسميها البعض بالمحيرة فليس لها عادة ولا تمييز ترجع إليهما.
طلاق المستحاضة المميزة:
لأهل العلم في وقت طلاق المستحاضة المميزة قولان:
القول الأول: يجوز الطلاق في وقت الطهر الحكمي: فالوقت الذي يحكم بأنَّه طهر للمستحاضة يجوز طلاقها فيه وهو مذهب الأحناف (١) والمشهور من مذهب
стр. 765
المالكية (١) وهو مذهب الشافعية (٢) والحنابلة (٣) وهو اختيار شيخنا الشيخ محمد العثيمين (٤).
الدليل الأول: قوله - تعالى -: [يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ] (الطلاق: ١).
стр. 766
وجه الاستدلال: المستحاضة إذا طلقت في الوقت المحكوم بأنَّه طهر مطلقة لعدتها فتدخل في عموم الآية، والله أعلم.
الدليل لثاني: في حديث ابن عمر ﵄ «فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا فَتِلْكَ الْعِدَّةُ كَمَا أَمَرَ اللهُ » (١).
وجه الاستدلال: تدخل المستحاضة في عموم الحديث إذا طلقت في الوقت المحكوم بأنَّه طهر.
الدليل الثالث: العمل بغلبة الظن إذا تعذر اليقين (٢) فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال رسول الله ﷺ : «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ ثُمَّ لِيُسَلِّمْ ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ» (٣) فالوقت الذي يغلب على الظن أنَّ الدم الخارج استحاضة وليس حيضًا يحكم بطهرها ويجوز طلاقها على التفصيل في طلاق الطاهر.
الدليل الرابع: القياس على الطاهر فهي طاهر حكمًا (٤).
الدليل الخامس: إذا حكمنا بطهرها وأوجبنا عليها الأحكام الشرعية من صلاة وغيرها فكذلك جواز طلاقها.
القول الثاني: تطلق كل وقت: وهو قول للمالكية (٥).
стр. 767
الدليل: قال خليل: القولان في المستحاضة المميزة مبنيان على القولين في عدتها هل هي بالأقراء أو بالسنة؟ فعلى المشهور أنَّها تعتد بالأقراء فيكون طلاقها بالحيض بدعيًا وعلى أنَّها تعتد بالسنة لا يكون بدعيًا (١).
الرد: طلاقها في الوقت المحكوم بأنَّه حيض محرم لدخوله في عموم النهي والصحيح - وهو المشهور عند المالكية - أنَّ عدتها بالأقراء وعلى القول بجواز طلاقها كل وقت تنتظر مدة الحمل تسعة أشهر ثم تعتد ثلاثة شهور.
الترجيح: يترجح لي أنَّ المستحاضة المميزة تعطى حكم المرأة التي تحيض في وقت سنة الطلاق وبدعته، والله أعلم.
* * *
стр. 768
طلاق المستحاضة غير المميزة
لأهل العلم في وقت طلاقها قولان:
القول الأول: يجوز طلاقها كل وقت: ولا يوصف طلاقها بسنة ولا بدعة وهو مذهب المالكية (١) والشافعية (٢).
الدليل الأول: لأنَّها مطلقة للعدة فتستقبل عدتها بعد الطلاق (٣).
الرد: المخالف لا يوافق على ذلك فيرى أنَّها إذا طلقت في الوقت المحكوم بأنَّه حيض لم تكن مطلقة للعدة.
الدليل الثاني: تقاس على الطاهر (٤).
الرد: قياس مع الفارق فالطاهر لها وقت سنة وبدعة بخلاف من لا تمييز لها على هذا القول.
стр. 769
القول الثاني: تطلق في الوقت الذي يحكم بأنَّه استحاضة: وهو مذهب الحنابلة فحكمها حكم الطاهرات - وتقدم قريبًا - واختاره شيخنا الشيخ محمد العثيمين (١).
الدليل: إمَّا أن يحكم للمستحاضة بالحيض فتعطى أحكام الحائض أو يحكم لها بالطهر فتعطى أحكام الطاهر وإعطاؤها بعض أحكام الحائض وبعض أحكام الطاهر يحتاج إلى دليل (٢).
وللأدلة المتقدمة في طلاق المميزة في الوقت المحكوم بأنَّه استحاضة.
تنبيه: هل مذهب الأحناف منع طلاقها؟ (٣).
стр. 770
الترجيح: يترجح لي أنَّ حكم غير المميزة حكم المميزة فكل واحدة منهما له وقت محكوم بأنَّه حيض ووقت طهر، والله أعلم.
* * *