الحكم التكليفي للطلقة البائنة
اختلف أهل العلم في الحكم التكليفي للطلقة البائنة من غير عوض على قولين: قول بالتحريم وقول بالجواز.
القول الأول: جائزة: رواية عند الأحناف (١) وقول للمالكية (٢) وهو مذهب الشافعية (٣) والحنابلة (٤).
الدليل الأول: في حديث عائشة في قصة بريرة ﵄ «خُذِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلَاءَ فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ قَضَاءُ اللهِ أَحَقُّ وَشَرْطُ اللهِ أَوْثَقُ وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ».
وجه الاستدلال: جاز اشتراط الولاء وهو يخالف حكم الله ويلغى فكذلك البينونة يجوز ذكرها وتلغى فكأنَّها لم تذكر ويكون الطلاق رجعيًا مباحًا.
стр. 702
الرد: وصفه بالباطل يدل على عدم جوازه.
الدليل الثاني: عن سهل بن سعد ﵁ قال: … أَقْبَلَ عُوَيْمِرٌ ﵁ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ وَسْطَ النَّاسِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «قَدْ أَنْزَلَ اللهُ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ فَاذْهَبْ فَأْتِ بِهَا» قَالَ سَهْلٌ ﵁: فَتَلَاعَنَا وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَمَّا فَرَغَا قَالَ عُوَيْمِرٌ ﵁: كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ .
وجه الاستدلال: طلاق الملاعنة بعد لعان الزوج لغو فلا يترتب عليه حكم فيكون الطلاق مباحًا لأنَّ الشارع لم يعده شيئًا.
الرد: وجه الحديث بعدة توجيهات (١).
الدليل الثالث: عن عثمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلا يُنْكَحُ، وَلا يَخْطُبُ» (٢).
وجه الاستدلال: نكاح المحرم يخالف حكم الله فيبطل العقد ولا يترتب عليه كفارة لعدم الإثم بعد الإبطال فكذلك وصف الطلقة بالبائنة يبطل ويصح الطلاق ولا إثم.
الرد من وجهين:
الأول: نكاح المحرم مخالفة للشارع وتحرم المخالفة.
الثاني: عدم وجوب الكفارة لا يستلزم عدم الإثم فقتل العمد لا كفارة فيه على الصحيح وهو من كبائر الذنوب (٣).
стр. 703
الدليل الرابع: أنَّ ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته ﵄ البتة، فأتى
رسول الله ﷺ ، فذكر ذلك له، فقال: «مَا أَرَدْتَ؟» قال: واحدة. قال: «اللهِ مَا أَرَدْتَ إِلَّا وَاحِدَةً؟» قال: الله ما أردت إلا واحدة. قال: «هِيَ وَاحِدَةٌ» (١).
وجه الاستدلال: طلاق ركانة زوجته ﵄ البتة ولم ينكر عليه النبي ﷺ (٢).
الرد من وجوه:
الأول: الحديث ضعيف.
الثاني: لو صح الحديث فلفظ البتة كناية طلاق فلمَّا نوى ركانة ﵁ طلقة رجعية لم ينكر عليه بخلاف الطلقة البائنة.
الثالث: يجوز أنَّ ركانة ﵁ طلق قبل الدخول أو أنَّ النبي ﷺ أخر الإنكار عليه لحال اقتضت تأخيره إذ ذاك (٣).
الرد: هذا الاحتمال يحتاج دليل.
الدليل الخامس: القياس على الخلع فكلاهما طلقة بائنة (٤).
الرد من وجهين:
الأول: الخلع كان بائنًا لرفع ضرر رجعة الزوج بخلاف الطلقة البائنة ففيها تفويت الرجعة من غير حاجة.
الثاني: الخلع مشروع عند الحاجة (٥).
الدليل السادس: الطلاق البائن لا يفارق الرجعي إلا في صفة البينونة، وصفة
стр. 704
البينونة لا تنافي صفة السنة فالطلقة الواحدة قبل الدخول بائنة وهي سنة وكذا الخلع في طهر لا جماع فيه بائن وهو سنة (١).
الرد من وجوه:
الأول: الطلاق البائن ينافي الطلاق الرجعي بكونه خلاف الطلاق المشروع.
الثاني: الطلقة قبل الدخول بائنة لأنَّها لا تكون إلا على هذه الصفة فلا عدة على غير المدخول بها بخلاف المدخول بها.
الثالث: الخلع فسخ وعلى القول بأنَّه طلاق فشرع لرفع ضرر الرجعة على المرأة بخلاف الطلقة البائنة ففيها ضرر من غير مصلحة للزوج (٢).
القول الثاني: محرمة: وهو رواية عند الأحناف (٣) ومذهب المالكية (٤) ورواية عند الحنابلة (٥).
стр. 705
ويمكن أن نستدل لهذا القول بالآتي:
الدليل الأول: قوله - تعالى -: [فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ] (البقرة: ٢٣٠).
الدليل الثاني: قوله - تعالى -: [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا] (الأحزاب: ٤).
الدليل الثالث: عن عائشة ﵂ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (١).
وجه الاستدلال: الطلقة البائنة خلاف حكم الله فهي محرمة.
الرد: ما يخالف حكم الله من الشروط في العقود والفسوخ وغيرها يلغو ويصحح ما يوافق حكم الله.
الجواب: كونه لغوًا لا ينافي الإثم.
الدليل الرابع: عن محمود بن لبيد ﵁ قال: أُخبر رسول الله ﷺ عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا فقام غضبان ثم قال: «أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللهِ، وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ» حَتَّى قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلَا أَقْتُلُهُ؟ (٢).
وجه الاستدلال: غضب النبي ﷺ من طلاق الثلاث لأنَّه يخالف الطلاق المشروع فكذلك الطلقة البائنة.
الدليل الخامس: في حديث عائشة في قصة بريرة ﵄ «خُذِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلَاءَ فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ
стр. 706
قَالَ أَمَّا بَعْدُ مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ قَضَاءُ اللهِ أَحَقُّ وَشَرْطُ اللهِ أَوْثَقُ وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ».
وجه الاستدلال: شَرْط الزوجِ كون الطلقة بائنة يخالف حكم الله وتحرم مخالفة حكمه.
الرد من وجهين:
الأول: تقدم تصحيح العقد دون الشرط.
الجواب: تصحيح العقد لا يدل على حل الشرط فتلقي الجلب محرم والعقد صحيح وبيع الحاضر للبادي صحيح وهو محرم.
الثاني: لو كان ذكر الشرط الذي يخالف حكم الله محرمًا لما أباح النبي ﷺ لعائشة ﵂ اشتراط الولاء لأهل بريرة ﵂.
الجواب: التحريم على من اشترطه.
الدليل السادس: الطلاق محظور إلا للحاجة والحاجة تندفع بواحدة رجعية (١).
الرد من وجهين:
الأول: حكم الطلاق مسألة خلافية (٢).
الثاني: يلغى وصف بائنة فتكون رجعية.
الجواب: لكن هل هذا اللغو في الطلاق مباح؟.
стр. 707
الترجيح: الذي يترجح لي أنَّ الزوج لو قال لزوجته أنت طالق طلقة بائنة ونحوها من غير عوض فأقل أحوال الطلاق الكراهة فهو يخالف الطلاق المباح، والله أعلم.
* * *
стр. 708
الفصل الثامن
إذا طلق بعض طلقة
تمهيد:
إذا طلق بعض طلقة يتعلق بالمسألة حكمان:
الأول: تكليفي وهو هل يجوز هذا الطلاق أو يحرم؟
الثاني: وضعي وهو هل يقع الطلاق؟
* * *
стр. 709
الحكم التكليفي للطلاق بعض طلقة
إذا طلق بعض طلقة كقوله لزوجته أنت طالق ربع طلقة أو قال لزوجاته بينكنَّ طلقة فلأهل العلم في هذه المسألة قولان قول بالتحريم وقول بالجواز.
القول الأول: طلاق بدعي: قال به الزهري (١) وهو مذهب المالكية (٢).
القول الثاني: طلاق مباح: والذي يظهر لي أنَّه مذهب الأحناف (٣) والشافعية (٤) والحنابلة (٥).
وأدلة الفريقين والترجيح مذكورة في الحكم الوضعي لطلاق بعض المرأة (٦).
* * *
стр. 710
الحكم الوضعي للطلاق بعض طلقة
لأهل العلم في هذه المسألة قولان قول بوقوع طلقة كاملة وقول بعدم وقوع الطلاق.
القول الأول: تقع طلقة كاملة: قال به الحسن البصري (١) والزهري (٢) والحارث بن يزيد العُكْلِيُّ (٣) وعمر بن عبد العزيز (٤) وحماد بن أبي سليمان (٥)
стр. 711
وقتادة (١) وروي عن الشعبي (٢) وهو مذهب الأحناف (٣) والمالكية (٤) والشافعية (٥) والحنابلة (٦) واختاره شيخنا الشيخ محمد العثيمين (٧).
الدليل الأول: قوله - تعالى -: [وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ] (البقرة: ٢٣٧).
الدليل الثاني: قوله - تعالى -: [فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ] (البقرة: ٢٣٠).
стр. 712
الدليل الثالث: قوله - تعالى -: [يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ] (الطلاق: ١).
وجه الاستدلال: في هذه الآيات وغيرها لم يفرق بين أن يطلقها طلقة كاملة، أو بعض طلقة (١).
الرد: الطلاق المعهود في الشرع طلقة كاملة.
الدليل الرابع: عن ابن عمر ﵄ حينما طلق زوجته وهي حائض فسأل عمر ﵁ رسول الله ﷺ عن ذلك؟ فقال: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيَتركْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ثمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ» (٢).
وجه الاستدلال: كالذي قبله.
الرد: كالذي قبله.
الدليل الخامس: عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ قُوِّمَ الْعَبْدُ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ» (٣).
وجه الاستدلال: إذا أعتق بعض الجارية عتقت وحرمت عليه لسريان العتق فهو لا يتجزأ وكذلك لو طلق زوجته بعض طلقة حرمت عليه وسرى الطلاق فتكون طلقة تامة لأنَّ الطلاق لا يتجزأ (٤).
стр. 713
الرد من وجهين:
الأول: العتق مرغب به شرعًا بخلاف الطلاق.
الجواب: الجامع بينهما حرَّم بعض آدمية فيسري التحريم لجميعها.
الثاني: لا تتصور السراية في بعض طلقة بخلاف طلاق بعضها (١).
الرد: لا فرق بين قوله رأسك طالق ونصفك طالق وأنت طالق نصف طلقة فيسري الطلاق في المسألتين (٢).
الدليل السادس: الإجماع: قال ابن قدامة: إذا طلقها نصف تطليقة أو جزءً منها وإن قل فإنَّه يقع بها طلقة كاملة في قول عامة أهل العلم إلا داود قال: لا تطلق بذلك قال ابن المنذر: [«الأوسط» (٩/ ٢٦٤)] أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أنَّها تطلق بذلك (٣).
وقال العمراني: إذا قال لامرأته: أنت طالق بعض طلقة … وقعت عليها طلقة وبه قال جميع الفقهاء، إلا داود؛ فإنَّه قال: لا يقع عليها شيء (٤).
وقال محمد عليش: قال ابن المنذر … وقال ابن القصار في عيون الأدلة حكي عن داود أنَّ من قال لزوجته أنت طالق نصف تطليقة لا يقع عليه شيء، والفقهاء على خلافه (٥).
وقال: النووي لو قال بعض طلقة فطلقة إجماعًا (٦).
стр. 714
وقال المرداوي: (إذا قال: أنت طالق نصف طلقة، … طلقت طلقة) بلا نزاع أعلمه (١).
الرد: لا إجماع في المسألة فالخلاف موجود:
الجواب: من وجوه:
الأول: قال محمد عليش تقرر في أصول الفقه أنَّ ندور المخالف مع كثرة المجمعين لا يقدح في كون إجماعهم حجة (٢).
الرد: الصحيح أنَّه يقدح إذا كان المخالف من المجتهدين.
الثاني: لا يعتد بخلاف الظاهرية إذا خالفوا الإجماع.
الرد: الذي عليه جمهور أهل العلم الاعتداد بخلاف الظاهرية على تفصيل عند بعضهم (٣).
الثالث: من نقل الإجماع يحمل قوله على انعقاد الإجماع قبل خلاف الظاهرية أو بعده فالإجماع محفوظ، والله أعلم.
الدليل السابع: إلغاء بعض الطلاق له أصل فلو قال لغير المدخول بها أنت طالق أنت طالق أنت طالق وقعت عليها طلقة واحدة - على الصحيح - لأنَّ الثانية والثالثة وقعت على أجنبية (٤) ولو طلق أكثر من ثلاث وقعت ثلاثًا ولغا الزائد (٥) ولو قال لصغيرة
стр. 715
أنت طالق للبدعة لغا قوله للبدعة وطلقت في الحال (١) فكذلك لو قال أنت طالق نصف طلقة يلغى قوله: (نصف) ويعمل بقوله: أنت طالق طلقة فتكون طلقة كاملة (٢).
الدليل الثامن: لا يخلو الأمر إما أن يسرى قوله: (نصف طلقة) فتكون طلقة كاملة أو يسقط (نصف) فيبنى على قوله أنت طالق فتطلق طلقة كاملة أو يكون من التعبير بالبعض عن الكل (٣).
الدليل التاسع: إذا طلق بعض طلقة اجتمع في المرأة مباح ومحرم والقاعدة إذا اجتمع مبيح وحاضر قدم الحضر (٤).
الرد: هذا الطلاق لغو فتبقى المرأة على الحل.
الجواب: تقدم صحة الإجماع على وقوعه طلقة كاملة.
الدليل العاشر: الطلاق لا يتبعض، فذكرُ بعضه كذكر كله (٥).
الرد: هذا الطلاق لغو.
الجواب: تقدم.
الدليل الحادي عشر: لما لم يكن للطلاق جزءٌ كان كذكر كله صونًا لكلام العاقل من الإلغاء (٦).
стр. 716
الرد: يلغو.
الجواب: تقدم
الدليل الثاني عشر: تلفظ ببعض ما لا يتبعض فيسري الطلاق (١).
الرد: لا يسري الطلاق في نصف طلقة بخلاف نصفك طالق.
الجواب: تقدم.
الدليل الثالث عشر: القياس على لو قال: نصفك طالق (٢).
الرد: لا تتصور السراية في نصف طلقة بخلاف نصفك طالق.
الجواب: تقدم.
القول الثاني: لا يقع الطلاق إلا بطلقة كاملة: ينسب لداود بن علي الظاهري (٣) والظاهر أنَّه مذهب ابن حزم (٤).
الدليل الأول: لما كان الطلاق لم يتبعض لم يجز أن يُلزَم الزوجُ منه، ما لم يلزم، وصار البعض الذي أوقعه لغوًا (٥).
الرد: تكميل الطلاق موجب لكمال التحريم، وتبعيضه مقتضى تبعيض التحريم والتحريم لا يتبعض، فصار التحريم بالتبعيض ممازجًا للتحليل، وهما لا يمتزجان فلم يكن بد من تغليب أحدهما على الآخر، فكان تغليب التحريم أولى (٦).
стр. 717
وتأتي بقية أدلتهم والرد عليها في المسألة التالية.
الترجيح: الذي يترجح لي أنَّ من طلق زوجة أو أكثر ببعض طلقة تكون طلقة كاملة على الزوجة والزوجات لما تقدم، والله أعلم.
تنبيه: لم أقف على كلام للصحابة ﵃ في الطلاق ببعض طلقة وإنَّما جاء عن التابعين ومن أتى بعدهم فينبغي الابتعاد عن هذه الألفاظ ومن أراد الطلاق يطلق طلقة واحدة على المرأة كلها وهذا الذي أتت به نصوص الوحيين.
* * *
стр. 718
الفصل التاسع
الحكم التكليفي لطلاق بعض المرأة
إذا طلق جزءًا من المرأة فقال شعرك طالق أو عضوًا من أعضائها فقال يدك طالق فيتعلق به أمران الحكم الوضعي لهذا الطلاق فهل يقع أو لا يقع؟ ومسائله مبحوثة في كتاب «شروط الطلاق» - يسر الله طباعته -.
الأمر الثاني هل يجوز هذا الطلاق أو لا يجوز وهذا موضع البحث.
فأهل العلم لهم قولان قول بجواز طلاق بعض المرأة وقول بعدم الجواز.
القول الأول: التحريم: فيحرم طلاق بعض المرأة نص على عدم مشروعيته الكاساني من الأحناف (١) وينص المالكية على أنَّه طلاق بدعي (٢).
الدليل الأول: قوله - تعالى -: [وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ] (البقرة: ٢٣٧).
الدليل الثاني: قوله - تعالى -: [يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ] (الطلاق: ١).
وجه الاستدلال: قال الكاساني: أمر الله - تعالى - بتطليق النساء، والنساء جميع المرأة والمرأة اسم لجميع أجزائها. والأمر بتطليق الجملة يكون نهيًا عن تطليق جزء منها لا يعبر
стр. 719
به عن جميع البدن؛ لأنَّه ترك لتطليق جملة البدن، والأمر بالفعل نهي عن تركه والمنهي لا يكون مشروعًا فلا يصح شرعًا (١).
الرد من وجوه:
الأول: لا يُسلَّم أنَّ الأمر بتطليق المرأة نهي عن تطليق جزء منها لا يعبر به عن جميع البدن.
الثاني: لا يُسلَّم أنَّ المنهي عنه لا يصح فالطلاق البدعي منهي عنه ويصح وُنِهي عن تلقي الجلب وعن التصرية ويصح البيع.
الثالث: يصح عند الجمهور تطليق جزء شائع من المرأة ولو كان قليلًا ولا يعبر به عن بقية البدن.
الرابع: ليس لفظ الطلاق تعبديًا فيوقف على النص.
الدليل الثالث: عن ابن عمر ﵄ حينما طلق زوجته وهي حائض فسأل عمر ﵁ رسول الله ﷺ عن ذلك؟ فقال: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيَتركْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ثمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ» (٢).
وجه الاستدلال: كالذي قبله.
الرد: كالذي قبله.
стр. 720
القول الثاني: الجواز: فيجوز أن يطلق جزءً من المرأة (١) والذي يظهر لي أنَّه مذهب الشافعية (٢) والحنابلة (٣).
الأدلة: جاءت نصوص كثيرة بذكر البعض وإرادة الكل وأيضًا ذلك جارٍ في لسان العرب (٤).
فيكون الطلاق مباحًا، والله أعلم.
стр. 721
تنبيه: لم أقف على كلام للصحابة ﵃ في تطليق بعض المرأة إنَّما جاء عن التابعين ومن أتى بعدهم فينبغي الابتعاد عن هذه الألفاظ ومن أراد الطلاق يطلق طلقة واحدة على المرأة كلها وهذا الذي أتت به نصوص الوحيين.
* * *
стр. 722
الفصل العاشر
طلاق الحائل والحامل طلقتين بعد المراجعة
طلاق الزوجة الحائل مرتين
تمهيد:
يقع طلاق الحائل على أحوال:
الأول: أن يطلق في لفظ واحد مرتين فيقول أنت طالق طالق أو أنت طالق طلقتين أو يطلقها مرة ثم يتبعها أخرى في نفس الطهر أو في طهر آخر، وتقدم الكلام على هذه المسائل.
الثاني: أن يطلقها في زمن البدعة كالحيض مرتين وإذا كانت الطلقة الواحدة في زمن البدعة محرمة فكذلك الطلقتان.
الثالث: أن يطلق الرجل زوجته المدخول بها في طهر ثم يراجعها وهذا لا يخلو من حالين أن ترجع إليه بالرجعة أو بعقد جديد:
الحال الأولى: أن يراجعها: وهذه الحال لا تخلو من حالين:
أن تكون المراجعة بالقول أو بالوطء.
* * *
стр. 723
الحكم التكليفي لطلاق الحائل طلقة ثانية
في طهر واحد بعد رجعة بالقول
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: قول بالجواز وعدمه.
القول الأول: يجوز: وهو مذهب أبي حنيفة وزفر ورواية عن محمد بن الحسن (١) ومذهب المالكية (٢) ومذهب الشافعية (٣) والصحيح عند الحنابلة (٤) واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (٥).
الدليل الأول: قوله - تعالى -: [يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ] (الطلاق: ١).
وجه الاستدلال: إذا طلقها بعد الرجعة فهي تستقبل عدتها فيجوز طلاقها ثانية لعموم الآية.
الدليل لثاني: قوله ﷺ في حديث ابن عمر ﵄: «فَلْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا، فَتِلْكَ العِدَّةُ كَمَا أَمَرَ اللهُ » (٦).
стр. 724
وجه الاستدلال: أفاد الحديث جوز طلاق المرأة في طهر لم تجامع فيه فتدخل فيه من طلقت في طهر ثم روجعت فيه ثم طلقت فيه مرة أخرى من غير جماع فيه، والله أعلم.
الدليل الثالث: طلاق في طهر لم يجامعها فيه ولم يطلقها في حيض قبله فتنطبق عليه أوصاف الطلاق السني.
الدليل الرابع: الحاجة قد تدعو إلى إيقاع الطلقة الثانية عليها عند عجزه عن الإمساك بالمعروف لاسيما بعض النساء قد تطول مدة الطهر عندها لمرض أو إرضاع (١).
الدليل الخامس: القياس على لو كانت الرجعة بنكاح جديد فينقل البعض الإجماع على جواز الطلاق (٢).
الرد: قياس مع الفارق فالعقد عليها كنكاحها من زوج آخر بخلاف الرجعة فهي استدامة العقد.
الدليل السادس: إذا راجعها سقط حكم الطلقة من العدة فكأنَّها لم توجد فكانت الثانية بمنزلة ابتداء إيقاع الطلاق فيجوز طلاقها (٣).
الرد: الرجعة لا تسقط أحكام الطلقة مطلقًا فالمطلقة في الحيض لا يسقط حكم طلاقها بمجرد المراجعة.
الجواب: الأصل انهدام أحكام الطلاق إلا ما دل الدليل على خلافه.
الدليل السابع: عادت إلى الحالة الأولى بسبب من جهته فكان له أن يطلقها أخرى (٤).
стр. 725
الرد: كالذي قبله.
الدليل الثامن: كل طلاق جاز تفريقه جاز جمعه.
الرد: هذه من مسائل الخلاف.
القول الثاني: يحرم الطلاق: وهو وجه ضعيف عند الشافعية (١) ورواية عند الحنابلة (٢) وقال به أبو يوسف صاحب أبي حنيفة ورواية عن محمد بن الحسن (٣).
الدليل الأول: قوله - تعالى -: [وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا] (الطلاق: ٢٣١).
وجه الاستدلال: إذا راجعها ثم طلقها أضرَّ بالمرأة (٤).
الرد من وجهين:
الأول: إذا لم يقصد المضارة حين المراجعة فالمراجعة مستحبة فيجوز له الطلاق إذا تجدد سبب الطلاق.
الثاني: من طلق وقت بدعة يؤمر بالمراجعة ثم يطلق بعد ذلك.
стр. 726
الدليل الثاني: ما يروى عن النبي ﷺ أنَّه قال: «فَلْيُطَلِّقْهَا فِي كُلِّ قُرْءٍ تَطْلِيقَةً» (١).
الرد: قال الحافظ ابن حجر: حديث «أنَّه قال لابن عمر ﵄ وقد طلق امرأته في الحيض «إنّ السنّةَ أَنْ تَسْتَقْبِلَ بِهَا الطُّهْرَ، ثمّ تُطَلِّقُها في كُلِّ قُرْءٍ طَلْقَةً» … هذا السياق بهذا اللفظ لم أره نعم هو بالمعنى موجود وأقرب ما يوجد فيه ما رواه الدارقطني من طريق يعلى بن منصور عن شعيب بن رزيق أنَّ عطاء الخراساني حدثهم، عن الحسن قال نا عبد الله بن عمر ﵄ أنَّه طلق امرأته تطليقة وهي حائض ثم أراد أن يتبعها بتطليقتين أخريين عند القرئين فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال يا ابن عمر «مَا هَكَذَا أَمَرَكَ اللهُ ، قَدْ أَخْطَأْتَ السُّنَّةَ، وَالسُّنَّةُ أَنْ تَسْتَقْبِلَ الطُّهْرَ فَتُطَلِّقَ لِكُلِّ قُرْءٍ تَطْلِيقَةً» (٢).
والحديث ضعيف، وفي آخره نكارة، وتقدم الكلام عليه (٣).
الدليل الثالث: كما لا يجوز له أن يطلقها بعد الجماع في طهر واحد فكذلك بعد الطلاق (٤).
الرد: قياس مع الفارق فالعلة التي يعلل بها الفقهاء وهي اشتباه أمر المرأة منتفي.
الدليل الرابع: الجمع بين طلاقين في طهر واحد لا يكون سنة كما قبل الرجعة (٥).
الرد من وجهين:
الأول: الجمع بين طلاقين في طهر واحد هل هو طلاق سنة أو بدعة؟ محل خلاف وتقدم.
стр. 727
الثاني: على القول بعدم الجواز فلا يصح قياس طلاقين في طهر واحد لم يتخللهما رجعة على طلاقين في طهر واحد تخللتهما رجعة لانهدام أعظم أحكام الطلاق بالرجعة.
الدليل الخامس: فيه تطويل العدة عليها (١).
الرد من وجهين:
الأول: تطويل العدة ليس محرمًا مطلقًا كالمطلقة في أول الحمل فإذا دل الدليل على جواز الطلاق فلا يلتفت لهذا التعليل.
الثاني: إذا راجع انقطعت العدة الأولى فإذا طلق ثانية شرعت في عدة الطلاق الثاني.
الثالث: لا تطويل للعدة فالعدة هي العدة على القول بأنَّ العدة هي الطهر أو الحيض.
الدليل السادس: لئلا تكون الرجعة للطلاق (٢).
الرد من وجهين:
الأول: لا يلزم إذا طلقها أن تكون الرجعة للطلاق فقد تعود الحاجة للطلاق مرة أخرى.
الثاني: في الطلاق وقت البدعة يؤمر بالرجعة وإن كان في نيته الطلاق مرة
ثانية.
الترجيح: يترجح لي القول بجواز طلاق المرأة مرة ثانية في نفس الطهر بعد مراجعتها لدلالة ظاهر النصوص والقياس الصحيح على جوازه، والله أعلم.
* * *
стр. 728
الحكم التكليفي لطلاق الحائل طلقة ثانية
في طهر واحد بعد رجعة بالوطء
إذا طلقها في طهر لم يمسها فيه ثم راجعها بالوطء فلا يخلو الأمر من حالين:
الأولى: أن لا تحبل من هذا الوطء: فيحرم طلاقها في هذا الطهر بالإجماع، وتقدم الكلام على حكم طلاق المرأة التي لم يستبن حملها في طهر وطئت فيه (١).
الثانية: أن تحبل من هذا الوطء: لأهل العلم في هذه المسألة قولان الجواز وعدمه:
القول الأول: يجوز طلاقها: وينص الأحناف على جواز طلاقها فيجوز طلاقها عند أبي حنيفة ومحمد بن الحسن وزفر (٢) وكذلك - والله أعلم - عند المالكية فهم يرون الرجعة تكون بالوطء مع النية (٣) ويجوز طلاق الحامل عندهم كل وقت (٤) وكذلك الحنابلة فتكون الرجعة بالوطء من غير نية على المشهور من المذهب (٥) ويجوز طلاق الحامل عندهم كل وقت (٦).
стр. 729
الدليل الأول: قوله - تعالى -: [يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ] (الطلاق: ١).
وجه الاستدلال: إذا طلقها وهي حامل طلقها في عدتها فتدخل في عموم الآية.
الدليل الثاني: في رواية لحديث ابن عمر: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا، أَوْ حَامِلاً» (١).
وجه الاستدلال: فيه جواز طلاق الحامل ولم يفرق بين حال وحال.
الرد: هذه قضية عين لا عموم لها.
الدليل الثالث: الطلاق عقب الجماع في الطهر لا يحل لاشتباه أمر العدة عليها وذلك لا يوجد إذا حبلت وظهر الحبل بها (٢).
الرد: علة النهي عن طلاق الموطؤة التي لم يتبين حملها محل خلاف وتقدم (٣).
الدليل الرابع: لو لم يطلقها في هذا الطهر ولكنَّه جامعها فيه فحملت كان له أن يطلقها فكذلك إذا راجعها بالوطء ثم حبلت (٤) فكلاهما وطء مباح على الصحيح.
الرد: هل وطء المطلقة طلاقًا رجعيًا مباح؟ محل خلاف وكذلك هل تحصل الرجعة بالوطء؟
القول الثاني: لا يجوز طلاقها: عند أبي يوسف حتى يمضي شهر من التطليقة الأولى (٥).
الدليل الأول: ما يروى عن النبي ﷺ أنَّه قال لابن عمر ﵄: «فَلْيُطَلِّقْهَا فِي كُلِّ قُرْءٍ تَطْلِيقَةً».
стр. 730
وجه الاستدلال: يجب الفصل بين الطلقتين بحيضة فإذا لم تحض للحمل فصل بشهر فالشهر بدل القرء لمن لا تحيض.
الرد من وجهين:
الأول: الحديث لا يصح.
الثاني: على فرض ثبوته ظاهره في حق من لم يراجع.
الدليل الثاني: الطهر الواحد لا يكون محلًا لأكثر من تطليقة واحدة على وجه السنة (١).
الرد: الرجعة أبطلت حكم الطلاق وألحقته بالعدم (٢).
الجواب: الرجعة لا تسقط أحكام الطلقة مطلقًا فالمطلقة في الحيض لا يسقط حكم طلاقها بمجرد المراجعة.
الرد: الأصل انهدام أحكام الطلاق إلا ما دل الدليل على خلافه.
الترجيح: يترجح لي جواز وطء المطلقة الرجعية في العدة لأنَّها زوجة فتدخل في عموم قوله - تعالى -: [وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ] (المعارج: ٢٩ - ٣٠) فإذا حبلت من هذا الوطء فهو ولده فإذا راجعها ثم بدأ له طلاقها فيجوز طلاقها لعموم النصوص الدالة على جواز طلاق الحامل من زوجها.
تنبيه: لا تحصل الرجعة بالوطء ومقدماته عند الشافعية (٣) فإذا حملت من وطء في العدة فوطء شبهة (٤) وتتداخل عدة الطلاق بالقروء وعدة الحمل فتخرج من العدة
стр. 731
بالوضع على الأصح في مذهب الشافعية وله الرجعة ما لم تضع سواء كانت عدة الطلاق بالأقراء أو بوضع الحمل على الأصح (١). فيجوز طلاقها عندهم - والله أعلم - لأنَّها تشرع في العدة بعد الطلاق (٢)، فعلى هذا فهم يوافقون الجمهور في جواز الطلاق، والله أعلم.
الحال الثانية: أن ترجع إليه بعقد جديد: لو بانت المرأة من الرجل بينونة صغرى في طهر لم يجامعها كطلاق غير المدخول بها ثم تزوجها في نفس الطهر ولم يجامعها فله أن يطلقها في ذلك الطهر للأدلة التي تقدمت في مسألة حكم الطلقة الثانية في طهر واحد بعد رجعة بالقول (٣) وينقل بعض أهل العلم الإجماع على جواز طلاقها مرة ثانية (٤).
стр. 732
الحكم التكليفي لطلاق الحامل طلقتين قبل وضعها
إذا طلق المرأة الحامل طلقتين قبل وضعها فالأمر لا يخلو من حالين:
الأول: أن يطلقها مرتين في وقت واحد فيقول: أنت طالق أنت طالق أو يقول: أنت طالق طلقتين ونحو ذلك، أو يطلقها طلقة ثم يتبعها طلقة ثانية من غير مراجعة، أو وضع وتقدم الكلام على ذلك.
الثاني: أن يطلقها طلقة وهي حامل ثم يراجعها ثم يطلقها طلقة ثانية قبل وضعها: فيجوز طلاقها وهو قول المالكية (١) والشافعية (٢) والمذهب عند الحنابلة (٣) ويجب أن
стр. 733
يفصل في طلاق الحامل بين كل طلقة بشهر عند أبي حنيفة وأبي يوسف وعند محمد بن الحسن وزفر لا تطلق الحامل للسنة إلا طلقة واحدة (١).
وبالمراجعة يبطل حكم الطلاق - في الجملة - عند أبي حنيفة فكأنَّه لم يحصل طلاق (٢) فيجوز طلاقها عند أبي حنيفة - والله أعلم - ولو لم يمض شهر بين الرجعة والطلاق الثاني، والله أعلم (٣).
وتأتي أدلة ذلك في طلاق الحامل (٤) وتقدمت في طلاق المرأة في طهر واحد مرتين بعد مراجعتها (٥).
وإذا وضعت فهل يجوز طلاقها قبل الطهر من النفاس؟ تقدم الكلام على حكم طلاق النفساء (٦).
* * *
стр. 734
الفصل الحادي عشر
الحكم التكليفي لأكثر من طلقة
لمن لا سنة لوقت طلاقها
غير المدخول بها والصغيرة والآيسة والحامل لا سنة ولا بدعة في وقت طلاقهن (١).
وهل يوصف طلاقهن بالسنة والبدعة أو لا يوصف؟ الخلاف في ذلك لفظي (٢) والكلام هنا في السنة والبدعة في عدد الطلاق فهل يعطين في عدد الطلاق حكم المدخول بها أم لا؟.
لأهل العلم في هذه المسألة قولان قول لا سنة في عدد طلاقهن وقول لهن سنة وبدعة في عدد الطلاق.
القول الأول: لا سنة ولا بدعة في عدد طلاقهن: وهو مذهب الشافعية (٣) والحنابلة (٤) وابن حزم (٥).
الدليل الأول: كما أنَّه لا سنة لهن في الوقت فكذلك في العدد.
الرد: قياس مع الفارق.
стр. 735
الدليل الثاني: يجوز طلاق المدخول بها أكثر من طلقة فكذلك غير المدخول بها.
الرد: تقدم الجواب على أدلة من يرى جواز أكثر من طلقة.
القول الثاني: لهن سنة وبدعة في عدد طلاقهن: وهو مذهب الأحناف (١)
- وعند محمد بن الحسن وزفر لا تطلق الحامل للسنة إلا طلقة واحدة (٢) - وهو مذهب المالكية (٣) ورواية عند الحنابلة (٤) واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (٥) وابن القيم (٦) والشيخ عبد العزيز بن باز (٧) وشيخنا الشيخ محمد العثيمين (٨).
الدليل الأول: حكمها في عدد الطلاق حكم المدخول بها وتقدم الكلام على حكم طلاق الثلاث (٩).
الدليل الثاني: إذا طلق ثلاثًا لا سبيل له عليها إلا بعد نكاح غيره فلا فرق بينهن وبين المدخول بها (١٠).
стр. 736
الدليل الثالث: لا سنة لهن في الوقت؛ لأنَّ عدتهن تبدأ من حين الطلاق أو تبين بمجرد الطلاق وهي غير المدخول بها أما العدد فلا فرق بينهن وبين المدخول بها من اشتراط نكاح زوج لحلها إذا بانت بينونة كبرى (١).
تنبيه: عند الشافعية والأحناف يستحب تفريق الطلاق في كل شهر طلقة.
الترجيح: الذي يترجح لي حرمة طلاق من لا تحيض لصغر أو كبر أو مرض والحامل وغير المدخول بها أكثر من طلقة متواليات أو متفرقات في طهر أو في أطهار - ما لم يتخلل ذلك رجعة - فالنصوص عامة والبينونة الكبرى عامة لهن ولغير هن من الزوجات.
* * *
стр. 737
الفصل الثاني عشر
طلاق غير المدخول بها
تمهيد:
إذا طلق الرجل زوجته التي عقد عليها ولم يدخل بها فالأمر لا يخلو من أحوال:
الأول: أن يطلقها طلقة واحدة.
الثاني: أن يطلقها ثلاثًا مجموعة.
الثالث: أن يطلقها ثلاثًا مفرقة من غير أن يفصل بين الثلاث بحرف عطف.
الرابع: أن يطلقها ثلاثًا مفرقة يعطف بعضها على بعض بأحد حروف العطف.
* * *
стр. 738
الحكم الوضعي لطلاق غير المدخول بها واحدة
إذا طلق الزوج زوجته غير المدخول بها واحدة بانت منه بينونة صغرى فلا تحل له إلا بعقد جديد.
الدليل الأول: [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا] (الأحزاب: ٤٩).
وجه الاستدلال: إذا لم تكن عليها عدة فهي بائن بمجرد الطلاق، وتصير كالمدخول بها بعد انقضاء عدتها (١).
الدليل الثاني: فتوى الصحابة ﵃ ومن بعدهم وتأتي الإشارة إلى آثارهم.
الدليل الثالث: الإجماع فأهل العلم مجمعون على أنَّ طلاق غير المدخول بها واحدة تبين به بينونة صغرى ولا عدة عليها فلا تحل لزوجها إلا بعقد جديد (٢).
* * *
стр. 739
الحكم الوضعي لطلاق غير المدخول بها ثلاثًا مجموعة
إذا طلق الرجل امرأته غير المدخول بها ثلاثًا مجموعة فقال أنت طالق ثلاثًا ونحو ذلك فالخلاف المعتبر في المسألة قولان: قول تقع الثلاث ثلاثًا وقول تقع واحدة وتقدمت الإشارة إلى شذوذ قول من يرى عدم وقوع الثلاث (١).
القول الأول: تقع الثلاث وتبين بها المرأة بينونة كبرى: وهو رأي جمهور أهل العلم فهو قول علي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبي هريرة، وابن عباس، وعائشة، وعبد الله بن عمرو، وأنس بن مالك، وابن عمر، وأبي سعيد الخدري، وأم سلمة ﵃، وعكرمة، وخلاس بن عمرو، ومسروق، وإبراهيم بن يزيد النخعي، والشعبي، وسعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح وعبد الله بن معقل المزني - وتقدمت آثارهم في الخلاف في طلاق المدخول بها ثلاثًا (٢) - وإسحاق بن راهويه (٣) وهو مذهب الأحناف (٤) والمالكية (٥) والشافعية (٦) والحنابلة (٧).
الأدلة: تقدمت في طلاق المدخول بها ثلاثًا (٨).
стр. 740
تنبيه: المنقول عن الصحابة علي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت وأبي هريرة وابن عباس وعبد الله بن عمرو وأنس بن مالك وابن عمر وأبي سعيد الخدري وعائشة
وأم سلمة ﵃ في وقوع طلاق الثلاث في غير المدخول بها وأنَّها تبين بها المرأة روايات مطلقة لم تبين هل هي مجموعة أو مفرقة؟.
وهي محمولة على الثلاث المجموعة - والله أعلم - وروي عن علي، وابن مسعود وزيد بن ثابت ﵃ التفريق فإذا قال: هي طالق ثلاثًا، لم تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، وإذا قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، بانت بالأولى، ولم تكن الأخريان بشيء.
القول الثاني: تقع واحدة: قول لابن عباس ﵄ وقال به عطاء بن أبي رباح وأبو الشعثاء جابر بن زيد وعكرمة وطاوس والحسن البصري وعطاء بن يسار ومحمد بن إسحاق ورواية عن الحجاج بن أرطاة وقال به داود بن علي الظاهري وبعض أهل الظاهر وابن مقاتل من الأحناف وهو قول للمالكية وقال به شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وجمال الدين يوسف بن أحمد وعلي بن عبد المحسن الدواليبي وأبو الطيب محمد شمس الحق آبادي والشوكاني وصديق حسن خان وأحمد شاكر وعبد الرحمن المعلمي والشيخ عبد الرحمن السعدي والشيخ عبد العزيز بن باز والألباني وشيخنا الشيخ محمد بن عثيمين (١).
الأدلة: تقدمت (٢).
وقت ظهور الخلاف: الوارد عن ابن عباس ﵄ في رواية طاوس عنه أنَّه يجعل الثلاث واحدة يحمل على الثلاث المفرقة ليوافق الروايات الأخرى عنه وعن غيره من