← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30129

تزكية النفس مفهومها ومراتبها وأسبابها

إبراهيم بن عامر الرحيلي

Полный текст (42 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فأصل مادة هذا الكتيب محاضرة ألقيتها -عبر الهاتف- على مسامع بعض طلبة العلم في (الجزائر) ثم قاموا بتفريغها وألحوا في نشرها، فقمت بمراجعتها وتنقيحها حتى خرجت بهذه الصورة. وقد سميتها بـ: «تزكية النفس - مفهومها - ومراتبها - وأسبابها» هذا وأسأل الله أن يجعل عملي هذا خالصًا لوجهه

стр. 2

الكريم، وأن ينفع به المسلمين، وأن يجزي من قام بتفريغ هذه المادة من الأشرطة أعظم الأجر والثواب. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد. وكتبه إبراهيم بن عامر الرحيلي (١٤/ ٢/ ١٤٣١ هـ)

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ نبينا محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعد: فلا شك أنَّ تزكية النفس موضوع عظيم، وهو من الموضوعات المهمة التي اعتنى بها السلف، بل قد جاء التنويه به في كتاب الله وفي سنة النبي ﷺ كما هو معلوم، ومن

стр. 4

هنا يتبيَّن أنَّ هذا الموضوع موضوع شرعي، موضوع أصيل له ذكر في الكتاب والسنة، وهذا مِمَّا يدلُّ على أهميته، وإنَّما أنبِّه على هذه المسألة؛ لأنَّ بعض الناس ينطلقون في كلماتهم وفي مواعظهم من عبارات أو من مصطلحات غير شرعية، والأصل في هذا أن ينطلق الناس في مواعظهم وفي كلامهم وفي أحاديثهم من النصوص الشرعية ومن المصطلحات الشرعية التي ورد ذكرها في كتاب الله وفي سنة النبي ﷺ .

стр. 5

مفهوم تزكية النفس تزكية النفس جملة مركبة من كلمتين: الكلمة الأولى: هي التزكية، والتزكية في اللغة: مصدر زكَّى يزكِّي تزكية، والتزكية والزكاء في اللغة: هو النماء والزيادة، يقال: زكى الزرع أي نما، وزكى المال أي: نما، ومنه سُمِّيت الزكاة في الشرع زكاة لأنها تزيد المال بركة ونماءً، ولهذا أخبر النبي ﷺ : «أنَّه ما نقص مال عبدٍ من صدقة» (١)؛ فالصدقة تزكي المال وتزيده ولا تنقصه.

стр. 6

والتزكية المضافة إلى النفس هنا هي التزكية الشرعية المذكورة في كتاب الله وفي سنة النبي ﷺ ؛ وهي ما يحصل لنفس المؤمن من الخير والبركة بسبب العناية بهذا الجانب الذي هو (تزكية النفس). والمقصود بالنفس هنا ليست هي النَفْس التي تكون في الجسد فقط، وإنَّما المقصود تزكية القلب وتزكية النفس التي هي مؤثرة في الجوارح، ولهذا أخبر الله بالفلاح والفوز لمن زكَّى نفسه كما هو مذكور في سورة الشمس في قول الله : ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٩ - ١٠]. فهذا مِمَّا يدل على فلاح من زكَّى نفسه، والفلاح يكون للإنسان بروحه وببدنه، فهذا هو معنى تزكية النفس.

стр. 7

أنواع التزكية في الشرع من حيث المدح والذم والتزكية من حيث العموم جاءت في الشرع على نوعين: نوع محرَّم مذموم، ونوع مشروع. أمَّا النوع المذموم: فهو تزكية الإنسان لنفسه بالمدح لها والثناء عليها، وهذا محرم ومنهيٌّ عنه، يقول الله : ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢]. قال ابن كثير في معنى قوله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾؛ أي: «تمدحوها وتشكروها، وتمنوا بأعمالكم» (١). فنُهينا أن نزكي أنفسنا بالثناء عليها وبتمجيدها بالكلام،

стр. 8

فهذا هو النوع المحرم الذي نهى الله عنه. وأمَّا النوع الثاني -وهو الممدوح المرغب فيه -: فهو تزكية النفس بالأعمال الصالحة، وهو أن يزكي المسلم نفسه بطاعة الله من الاعتقاد والقول والعمل، كما سيأتي التنبيه على هذا. فإذن التزكية المقصودة هنا: هي التزكية التي ترجع إلى الأعمال الصالحة التي أثنى الله على أهلها، وحديثنا في هذا المقام هو عن هذا النوع المشروع.

стр. 9

مراتب تزكية النفس المرتبة الأولى: تزكية النفس بفعل المشروع: وتكون بتعهد المسلم لإيمانه ولأسباب زيادته، وتجنب أسباب النقص، ومعلوم أنَّ الإيمان متعلق بالاعتقاد والقول والعمل، ومن هنا يتبين أن التزكية ترجع إلى هذه الأجزاء الثلاثة: «الاعتقاد، والقول، والعمل». أمَّا التزكية المتعلقة بالاعتقاد: فتكون بتحقيق الأعمال القلبية من المحبة والخوف والرجاء والتوكل والإخلاص لله في العمل، وما يكون في القلوب من تعظيم الله ، وتعظيم الشرع، ومن محبة الدين، ومحبة أهله، كلُّ هذا مِمَّا تزكو به القلوب ويصلح به حالها، ولهذا قال النبي ﷺ على ما

стр. 10

جاء فِي حديث النعمان بن بشير ﵁ في الصحيحين: «أَلَا إنَّ في الجسد مضغة؛ إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه، أَلَا وهي القلب» (١). فأعظم ما تُزكِّى به النفس الاستقامة على ما شرع الله للمؤمنين من أعمال القلوب بأن يحققوها تحقيقًا صحيحًا على الوجه الذي يُرضي الله . وأما التزكية المتعلقة بالعمل: فتكون بتزكية العبد نفسه بطاعة الله بأعمال الجوارح، وذلك بامتثال ما شرع الله من أعمال الجوارح؛ كالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المتعلق بالجوارح، وكل ما هو متعلق بأعمال الجوارح، فإنَّ النفس تزكو بامتثال

стр. 11

هذا النوع من أنواع العبادات. وتزكية النفس بالأقوال: تكون بقراءة القرآن، وذكر الله، وبالأمر بالمعروف المتعلق باللسان، فإنَّ هذه من أعمال البرِّ، ولهذا قلنا: إنَّ تزكية النفس المحرمة المذمومة هي تزكيتها بالثناء عليها، ولم نقل هي تزكية الإنسان نفسه بالقول. فتزكية الإنسان نفسه بالقول تنقسم إلى قسمين: * محرَّم: وهو أن يثني الإنسان على نفسه. * ومشروع: وهو أن يُزكِّي الإنسان نفسه بالأقوال المشروعة التي هي طاعة الله من قراءة القرآن وذكر الله، وكلُّ ما يتعلق بعمل اللسان، فهذا مِمَّا تزكو به النفس. وكل ما تقدم من تزكية النفس بفعل المشروع بحسب الأقسام الثلاثة السابقة ينقسم من حيث درجة المشروعية إلى قسمين: (واجب، ومستحب): فالواجب: إذا أدَّاه العبد تحقق له الإيمان الواجب،

стр. 12

واستحق أن يكون من أهل الجنة بامتثاله لِمَا أوجب الله عليه، إذا ترك المحرم. والمستحب: إذا حققه العبد تحقق له الإيمان المستحب وهو درجة عالية من الإيمان فوق الإيمان الواجب. ولهذا؛ فالإيمان له كمالان: كمال واجب: يتحقق بفعل الواجبات وترك المحرمات. وكمال مستحب: يتحقق بفعل المستحبات بعد الواجبات. وأصحاب الكمال الواجب هم الأبرار أصحاب اليمين، وأصحاب الكمال المستحب هم السابقون المقربون. المرتبة الثانية: تزكية النفس بترك المحظور: وتتحقق هذه المرتبة باجتناب المحرمات وسائر المعاصي، وهي أن يتجنب العبد كل ما نهى الله عنه من المحرَّمات والمعاصي والذنوب بكلِّ صورها كبيرها وصغيرها.

стр. 13

وهذا النوع من أنواع التزكية يسميه العلماء: «التخلية»، والنوع الأول يسمونه: «التحلية»، فيتخلى العبد عن الذنوب والمعاصي، ويتحلى بفعل الطاعات؛ فيجتمع له الخير من طرفيه؛ نسأل الله بمنِّه وكرمه أن يوفِّقنا والمسلمين لذلك.

стр. 14

فائدة تتعلق بالمفاضلة بين فعل المشروع واجتناب المحظور وأيهما أنفع للعبد تكلم العلماء في هذا الأمر وما هو الأنفع، هل هو فعل المشروع أو ترك المحظور؟ فالذي عليه العلماء المحقِّقون: أنَّ انتفاع العبد بفعل المشروع أعظم من ترك المحظور؛ لأن الفعل فيه مشقة وفيه امتثال لأمر الله (١). فامتثال الأمر المشروع أعظم أجرًا عند الله ، وذلك أنَّه متعلق بفعل الطاعات وفيه زيادة في الأجر؛ لأنَّ العبد

стр. 15

يحصل له الأجر على فعل الطاعة، وتكفير الذنوب بامتثال بعض الطاعات، كما جاء في كثير من النصوص أنَّ فعل الطاعات مكفِّر لبعض المحرمات. لكن إذا نظرنا نظرة أخرى لترك المحظور وفعل المشروع نجد أن تجنب المحظور مشدد فيه أكثر من فعل المشروع؛ لقول النبيِّ ﷺ : «إِذَا نَهَيتُكُمْ عَنْ شَيءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا استَطَعتُمْ» (١). فمن هنا قال العلماء: إنَّ ترك المحظور لم يُعلَّق على الاستطاعة؛ لأنَّه مقدور عليه، وأمَّا فعل

стр. 16

المشروع فإنَّه عُلِّق على الاستطاعة؛ لأنَّ بعض الناس قد يعجز عنه، ولهذا كان ترك المحظور مشددًا فيه؛ لأنه من باب الترك، وأمَّا فعل المشروع فإنه قد عُلِّق على الاستطاعة. فمن هذه الجهة يُلاحظ أنَّ ترك المحظور لا عذر فيه وليس هو متعلق بفعل ولا استطاعة، بل هو مقدور عليه وهو أسهل على العابد. وأمَّا فعل المشروع فإنَّ فيه زيادة عمل، وقد يكون فيه مشقة، ومن هنا قال العلماء: إنه باعتبار جهة الفعل أعظم أجرًا؛ لأنَّ فيه زيادة عمل. ولهذا ذكر شيخ الإسلام أنَّ بعض الناس قد يجبل على الكسل عن فعل الطاعة وعن ترك المعصية، فليس كل ترك يكون دليلًا على الإيمان (١)، بخلاف الفعل فإنه دليل على الإيمان، فقد يكون الكسل هو الحامل للعبد على الترك، وأمَّا الفعل فإنه لا يحتمل إلَّا الإيمان إذا ما امتثل العبد فعل الطاعة.

стр. 17

لكن أيضًا ينبغي أن يُراعى في هذا أن النية معتبرة، فإذا ترك المعاصي تجنبًا للمعصية وامتثالًا لطاعة الله فلا شك أنّه مأجور على هذا الأمر.

стр. 18

بيان أن التزكية من توفيق الله وأثر العبد في تحقيقها هنا أيضا مسألة أخرى ينبغي الوقوف عندها: وهو أنَّ تزكية النفس هل هي مِنْ فعل الربِّ أو مِنْ فعل العبد؟ فإنَّ العلماء اختلفوا في تفسير قول الله : ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: ٩]؛ هل المزكي هنا هو الرب لنفس العبد أو أنَّ العبد هو الذي قد زكَّى نفسه؟ للعلماء في تفسير هذه الآية قولان (١)، وقد رجَّح شيخ الإسلام ابن تيمية أن التزكية هنا من العبد، وأنه هو الذي زكى نفسه بفعل الطاعة (٢)، وهذا موافق لقول الله : ﴿قَدْ

стр. 19

أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤]. فالتزكية هنا من العبد بفعل طاعة الله ، لكن لا ينبغي أن يُتناسى أن تزكية العبد لنفسه هي بتوفيق الله ، ولهذا قال الله : ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٢١]. فلا شك أنَّ العبد له أثر في زكاة نفسه، ولكن هذا ليس باستقلال منه، وإنَّما هو بتوفيق الله ، فلولا فضل الله ورحمته ما زكى أحد من العباد، وهذا ينبهنا على مسألة عظيمة وهي أنَّ الإنسان محتاج في كل لحظة لربِّه أن يُزكي نفسه، ولهذا جاء في الحديث: «اللهم آت نفسي تقواها وزكِّها أنت خير من زكَّاها» (١). فالعبد محتاج إلى ربه أن يرزقه زكاة النفس، وأن يعينه

стр. 20

على الطاعة، ولا ينبغي للعبد أن يعتمد على حوله وقوته؛ ولهذا شرع لنا عند النداء للصلاة -التي هي أعظم ما يزكي الإنسان بها نفسه- عند سماع المنادي ينادي إليها بـ: «حي على الصلاة، حي على الفلاح» أن نقول: «لا حول ولا قوة إلا بالله». فهذا موطن عظيم خُذل بسبب سوء فهمه بعض أهل البدع؛ كالقدرية: الذين زعموا أنَّ العبد قادر على فعل نفسه، وأنَّه يزكو بحوله وقوته، وأنَّ ما فعل من الطاعات هي بقوته وجهده، وليس للربِّ أثر في استقامته وهذا باطل، فإنَّ استقامة العبد بتوفيق الله، وامتثاله لطاعة الله ، هي من رحمة الله به، فهو الذي وفَّق العبد للطاعة، قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ٧]. فالله هو الذي هدانا أوَّلًا إلى هذا الدين هداية الإرشاد ببعثة رسوله ﷺ ، وهدانا إلى هذا الدين هداية التوفيق، وهو

стр. 21

الذي حبَّب للعباد فعل الطاعات، وكرَّه إليهم المعاصي، كلُّ هذا من توفيق الله. وهذا التوفيق أيضًا له سبب من العبد كما بيَّن الله هذا في قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠]. فالعبد إذا أقبل على الله وامتثل أمره، وصدَّق بثوابه الذي أعده للمطيعين؛ وفَّقَهُ الله، وزاده توفيقًا وهدايةً، وإذا أعرض أو قصَّر؛ كان هذا سببًا لعدم توفيقه، ولعدم إعانة الله له. قال الإمام ابن القيِّم ﵀: «وقد أجمع العارفون بالله على أن الخذلان: أن يكلك الله إلى نفسك ويخلي بينك وبينها، والتوفيق: ألَّا يكلك الله إلى نفسك» (١).

стр. 22

وإنَّما نبهت على هذا ليُعرف مصدر وأساس تزكية النفس، وأنَّها توفيق من الله.

стр. 23

أسباب تزكية النفس تتحقق تزكية النفس بعدة أسباب إذا فعلها العبد وفَّقه الله لزكاة نفسه وهداه، ومن هذه الأسباب: ١ - التوكل والدعاء: أول مراحل تزكية النفس هو أن يتضرع العبد إلى الله ، أن يزكي نفسه وأن يُلهمه رشده، وأن يُعينه على طاعة الله . ٢ - الفقه في الدين: وهو: أن يتفقه العبد في الشرع، وأن يعرف دين الله ، فإنَّ زكاة النفس تكون بامتثال طاعة الله ، ولا طاعة إلَّا

стр. 24

بالدين والشرع، ولا يمكن للإنسان أن يحقق الشرع إلا بالعلم والفقه في دين الله . ولهذا يَفْضُل العلماء غيرهم بما وفقهم الله إليه من العلم، فليست عبادة العالم كعبادة غيره إذا وفقه الله لامتثال العلم؛ ولذا قال النبي ﷺ في الحديث المتفق على صحته، من حديث معاوية ﵁: «مَنْ يردِ الله به خيرًا يفقهه في الدين» (١). فجعل الفقه في الدين سببًا لكل خير من العلم والعمل، فتعلم العلم والتفقه في دين الله من أعظم أسباب زكاة النفس، وذلك أنَّ العبادات تزكو في نفسها بأمرين: بالإخلاص لله في النية، وبامتثال هدي النبي ﷺ في العمل.

стр. 25

ولهذا كان من أعظم أسباب التفاضل فِي العمل: الإخلاص، والمتابعة (١). فإذا كان المسلم على فقهٍ بدينه عرف كيف تزكو صلاته؟ وكيف يزكو صيامه؟ وكيف تزكو صدقته؟ وكيف يزكو ذِكْرُهُ؟ وكيف يزكو أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر؟ فكل عمل إذا ما تنبه العامل لأسباب التفاضل فيه أدرك أنَّ الأعمال تتفاضل في نفسها باعتبارات كثيرة، فليست الصلاة الكاملة المكملة بالسنن بعد المحافظة على الأركان والواجبات وتحقيق الشروط كالصلاة التي حصل فيها نقص، فإذا كانت هذه الصلاة هي صلاة العبد في كلِّ حين وفي كلِّ وقت، فلا شك أنه يكون من أفضل من صلَّى لله ، فتحصل له زكاة ورِفعة عند الله بقدر امتثاله لتأدية هذه

стр. 26

العبادة على الوجه المشروع، كما أن العبادات تفضل أيضًا باعتبارات أخرى. فتفضل باعتبار المداومة على العمل، والاقتصاد فيه، وتعديه للناس، وتأديته في زمن أو مكان فاضلين، إلى غير ذلك من أسباب التفاضل التي يفضل بها العمل ويزكو عند الله. ولهذا سُئل النبي ﷺ عن أفضل العمل وأجاب بإجابات متعددة تكلم العلماء في توجيهها (١)، ومن تأمل هذا الباب وجده بابًا عظيمًا من أبواب الخير، مَنْ وُفِّق للعمل به على هذا النحو وعلى ما دلَّت عليه النصوص كان من السابقين إلى أفضل الأعمال وأعلى الدرجات عند الله تعالى.

стр. 27

٣ - معرفة أثر الذنوب على النفس: فينبغي للعبد في تزكية النفس أن يكون خبيرًا بالإيمان، وبأسباب زيادته وأسباب نقصه، وله خبرة بالذنوب وأثرها على النفس، فإنَّ الذنوب لها أثر على النفس، فبعض الناس يجهل هذا الأمر، وإذا ما أصيب بذنب لم يعرف أسباب العلاج، فيكون كالمريض الذي ليس له خبرة بالطب، إذا أصابه مرض لربما فتك به ومات بسببه. ومثال الخبير بالذنوب وبأسباب تكفيرها وأسباب محوها كالطبيب إذا أصابه مرض سارع إلى علاجه، ومعلوم أنه لا يكاد يسلم أحد من الذنب لا عالم ولا عامي، لا رجل ولا امرأة، فالذنوب تعرض للناس في الليل والنهار ولا يكاد يسلم منها أحد إلا من عصمه الله.

стр. 28

فائدة: في مراتب الناس عند حصول الذنب في الحقيقة إن الناس يتفاوتون في مواقفهم فيما يعرض لهم من الذنوب والخطايا بحسب علمهم بالشرع والقدر وهم في ذلك على مراتب: المرتبة الأولى: مَنْ إذا عرض له الذنب نسبه إلى ربِّه، واستشعر أنه مجبور على فعله، ومن كان هذا حاله فيه شَبَهٌ من المشركين الذين أخبر الله عنهم بقوله: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]. فهذا موقف الجبرية ومن تلبس ببدعتهم وضلالتهم، إذا أصاب أحدهم الذنب قال: لو شاء الله ما قدَّره عليَّ، ونسمع هذا من بعض المسلمين اليوم، إذا وقع في ذنب قال: لو شاء الله ما فعلت، ويحتجون بالقدر على الذنوب.

стр. 29

وقيل: إن أول من احتج بالقدر على المعصية الشيطان فقال بعد معصية الله: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر: ٣٩]، فنسب الغواية إلى الله وأضافها إليه، بخلاف آدم ﵊ لَمَّا عصى الله قال: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]. فآدم استغفر وتاب، ولهذا تاب الله عليه، وهلك إبليس بسبب إصراره على الذنب واحتجاجه بالقدر عليه. فهذا المشهد الأول، وهو استشعار أنَّ العبد مجبور، وأنَّ الله هو الذي قدَّر عليه الذنب، نعم الله هو المقدِّر لكلِّ شيء، لكن لا يُحتج بالقدر على الذنوب، وإنَّما يحتج به على المصائب كما قال العلماء: «لا يحتج بالقدر على المعائب، وإنَّما يُحتج به على المصائب» (١). المرتبة الثانية: من يستشعر أنَّ الذنب قد وقع منه، وأنَّ الله حكيم

стр. 30

فيما قدَّر عليه، لكنَّه لا يتوب ولا يُحدِّث نفسه بالتوبة: إمَّا للقنوط من رحمة الله، يقول: أصابني الذنب وإني معاقب عليه، فلا تنفع توبة منه ولا استغفار. وإمَّا للرجاء الكاذب يقول: إنَّ الله غفور رحيم مع الإصرار على الذنب. وهذا أيضًا تكتنفه شبهتان: شبهة اليأس والقنوط، وهي شبهة الوعيدية ومن وافقهم، وشبهة الرجاء الكاذب وهي شبهة المرجئة الذين يعطون الناس الرجاء مع المداومة على المعاصي، ويقولون: إنَّ الله غفور رحيم. وقد يظن بعض هؤلاء أنَّ الذنب لا يضر الإيمان كما تقول غلاة المرجئة: «إنَّه لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة»، وهذا خطأ فإنَّ الذنوب مهلكة للعبد، فيجب على العبد أن يستغفر وأن يتوب إلى الله من الذنوب.

стр. 31

المرتبة الثالثة: مرتبة من أذنب ووقع في الذنب وعرف أنَّه ذنبه ثم تاب واستغفر وهذه المرتبة مرتبة واجبة، ومن حقَّقها حقَّق ما أوجب الله عليه من التوبة والاستغفار والرجوع إلى الله . المرتبة الرابعة: أنَّ بعض الناس إذا أصابه ذنب عرف أنه ذنبه وتاب واستغفر ثُمَّ تلمَّس حكمة الله في تقدير هذا الذنب عليه، لِمَ قدَّر الله عليَّ الذنب؟ فيتأمل حاله فيجد أنَّ الله قدَّر عليه الذنب بسبب ذنب آخر، كما كان بعض السلف يُصرِّح عندما يقع في ذنب ويقدره الله عليه «أنَّ هذا بسبب ذنوبه». قال ابن سيرين: «إنِّي لأعرف الذنب الذي حُمِل عليَّ به الدّين ما هو، قلت لرجل من أربعين سنة: يا مفلس» (١).

стр. 32

وقال سفيان الثوري: «حُرمت قيام الليل بذنب أحدثته خمسة أشهر» (١). وقال سفيان بن عيينة ﵀: «كنت أوتيت فهم القرآن، فلمَّا قبلت الصرة سلبته» (٢). فهذه منزلة الفقهاء العاملين، يعلم أنَّ الله حكيم، وأنَّه ما قدَّر عليه الذنب إلَّا بسبب ذنب آخر، فيجتهد في تلافي الأسباب التي قدَّر الله عليه بسببها الذنب الآخر ويستغفر من الذنب الذي وقع منه، وهذا مِمَّا يُرجى لأهله أن يُوفقوا لخير كثير ويجتنبوا الكثير من الذنوب إذا ما كانوا على هذه الدرجة من المراقبة لله ، ومعرفة الذنوب ومعرفة أسباب تقديرها، وتلافي الأسباب التي من أجلها قدَّر الله عليهم هذه الذنوب.

стр. 33

وبهذا يتبين تفاوت الناس تفاوتًا عظيمًا في هذه المراتب، فأين منزلة من يقول: إنَّ الله قدَّر عليَّ الذنب وأنا مجبور عليه، مِنْ منزلة من يعرف أنَّ الذنب ذنبه وأنَّ الله حكيم في تقديره وأنَّ الله ما قدَّر عليه الذنب إلَّا بسبب تقصيره، ثُمَّ يُثني على ربِّه ويمقت نفسه ويستغفر ربَّه ويدعو الله، فأين هذه المنزلة من تلك؟ ٤ - الوقاية من الذنوب والمعاصي والعلم بمكفراتها: ثُمَّ إن من أسباب تزكية النفس أيضًا: أن يكون العبد على علم بأسباب الوقاية من الذنوب وعلى علم بالمكفرات، إذا أصابه ذنب يعلم ما الذي يكفره من الطاعات، وهذا ما أرشد إليه النبي ﷺ معاذ بن جبل ﵁ عندما بعثه لليمن فقال: «اتَّقِ الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» (١).

стр. 34

فأرشده النبي ﷺ إلى تقوى الله، ثم إن حصل منه تقصير أرشده إلى أن يُتبع السيئةَ الحسنةَ حتى تمحوها وتكفرها. فإذن؛ العبد له مراقبة للذنب قبل وقوعه بأن يتجنب أسباب تقدير الله له، وأن يكون على حذر من الوقوع في الذنوب بكل صور الحذر من مخالطة أهل الشر والفتنة، ومن الدخول في المجالس التي لا يكاد يسلم منها من دخلها، فيتجنب الأسباب ثُمَّ إذا وقع في الذنب عرف كيف يمحوه وكيف يذهب بأثره، بأن يتبع السيئة الحسنة ويستغفر ويتوب، فيكون على عناية بالعلاج كما أنه على عناية بالوقاية. والوقاية كما تقدم هي باب واسع أيضًا لا يمكن الإحاطة بكل تفاصيلها، ولكن من أعظم ما جاء به الشرع من أسباب الوقاية من الذنوب هو سد الذرائع المفضية إليها، مثل ما

стр. 35

نهى النبي ﷺ في قوله: «لا يخلون رجل بامرأة إلَّا كان ثالثهما الشيطان» (١). فالخلوة بالمرأة الأجنبية ذريعة إلى المعصية، ويسهل على الإنسان أن يتجنب هذا، لكن يصعب عليه إذا خلا بها أن يمتنع من النظر، ثم إذا وقع النظر أصبح الأمر أشد، فإذا وقع ما هو فوق النظر زادت الفتنة واشتد البلاء إلى أن تأتي الفتنة العظيمة والمصيبة الكبيرة في وقوعه في الزنا، ثم بعد ذلك لربَّما استمرى الأمر وأصبح هذا الذنب من ذنوبه التي هو مداوم عليها ومصِّر عليها، فلربَّما لقي الله بها. فيسهل على الإنسان أن يتجنب أسباب الفتنة من أصلها، ولهذا ذكر الإمام ابن القيم: «إن أول ما يطرق القلب

стр. 36

الخطرة، فإن دفعها استراح ممَّا بعدها، وإن لم يدفعها قويت فصارت وسوسة؛ فكان دفعها أصعب، فإن بادر ودفعها وإلا قويت وصارت شهوة، فإن عالجها وإلا صارت إرادة، فإن عالجها وإلا صارت عزيمة، ومتى وصلت إلى هذه الحال لم يمكن دفعها، واقترن بها الفعل ولابد» (١). فهذه الأمور إذا تنبَّه لها الإنسان أدرك أنَّ تحقيق باب سدِّ الذرائع بغضِّ البصر عن النساء وعن الصور المحرمة، وكذلك تجنب أسباب الفتنة كالأسواق ومجالس العوام الذين لا يُبالون بدينهم، وفي مقابل هذا مجالسة الصالحين وكثرة المكث في المساجد، والاعتزال في البيوت عند وجود الفتنة، وعدم مخالطة أهل الشرِّ، كل هذه من أعظم أسباب الوقاية من الذنوب والمعاصي. ولهذا كان السلف في عصور مضت يرون أنَّ العُزلة قد آن وقتها؛ لكثرة الشر والفتنة، ولكنَّ العُزلة أيضًا لها أحكام

стр. 37

وشروط وقيود ينبغي أن تُفقه، فالذي يعتزل مع العلم والفقه، مع تأديته للواجبات من الصلاة في المساجد وغيرها فهو على خير، وأمَّا من يعتزل مع جهل فلربَّما استحوذ عليه الشيطان ولبَّس عليه في دينه. ٥ - شكر الله على توفيق العبد للطاعات: من أسباب تزكية النفس أيضًا: أنَّ الإنسان إذا وُفِّق للطاعة أن يحمد الله عليها كما قال الله في الحديث القدسي: «فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلَّا نفسه» (١). فالإنسان إذا وفقه الله إلى الطاعة عليه أن يعلم أنَّ هذا من توفيق الله له، وأنَّ هذا من مِنَّة الله عليه، فهذا له فوائد كثيرة:

стр. 38

فالعبد إذا أثنى على الله بِمَا منَّ عليه من الطاعة يكون قد أدَّى شكر هذه النعمة، والشكر هو قيد النعم، فإذا شكر ربه على توفيقه للطاعة وقال: اللهم ما وفقتني إليه من العمل فمنك، فأسألك أن تتقبله مني، يكون هذا من أعظم أسباب القبول، ومِمَّا يورثه الاستقامة على هذه الطاعة لأنَّه يُثني على الله بها، ويعلم أنَّها من الله، وأمَّا إذا نسب الطاعة لنفسه وأنه أدَّاها بحوله وقوته؛ فهذا من أسباب الخذلان وعدم التوفيق، ويُخشى على العبد أن يُسلب هذه النعمة. ومن آثار الثناء على الله بالطاعة أنَّ العبد إذا عرف أنَّ طاعته هي من مِنَّة الله عليه، فإنَّ هذا يورثه الذل والخضوع لله، ويكسر في نفسه العُجب فلا تجده مُعجبًا بعمله ولا معجبًا بعبادته، وإنّما هو ذليل خاضع لربِّه، وهذا مِمَّا يزيده رفعة عند الله، ولهذا كان السلف يُفضِّلون العبادة مع الذلِّ والانكسار.

стр. 39

قال مطرف بن عبد الله الشخير: «لأن أبيت نائمًا وأصبح نادمًا أحب إليَّ من أن أبيت قائمًا وأصبح مُعجبًا» (١). لأن مقام العبودية هو الذلُّ والخضوع والانكسار لله ، ومنزلة المتعالي المتكبر بعبادته ليست من منازل العبودية وإنَّما هي من تلبيس الشيطان، فإذا عرف العبد أنَّ طاعته مِنَّة من الله أثنى على الله بها، كما قلنا في الذنوب يعرف أنَّ ذنبه منه، وأنَّ طاعته بتوفيق الله، وهذه من أفضل المراتب التي تزكو بها النفس، عندما يعلم الإنسان أنَّ ما وُفق له من خير فهذا من توفيق الله له، وما وقع فيه من الذنوب فبسبب ذنوبه وتقصيره. فمن كان على هذه الحال يُرجى له التوفيق والهداية والاستقامة على طاعة الله لحسن ظنِّه بربِّه ومقته لنفسه.

стр. 40

٦ - الاشتغال بأفضل الأعمال: كما أنَّ من أسباب تزكية النفس: الاشتغال بأفضل الأعمال بحسب اختلاف الأحوال والأمكنة والأزمان؛ فيمتثل الإنسان طاعة الله بحسب حاله في ذلك الزمان، فإذا كان المقام مقام دعوة اشتغل بدعوة الناس وإرشادهم، وإذا كان المقام مقام طلب للعلم طلب العلم، وإذا كان المقام مقام إعانة الناس والإنفاق عليهم في حوائجهم وفيما يحتاجون إليه أنفق عليهم. ولهذا فالعبادة تَفْضُل بقدر انتفاع الناس بها، فقد يكون الزمن زمن فقر وحاجة فالإنفاق على المحتاجين وسد حاجتهم أفضل من الاشتغال بالعبادات القاصرة على النفس. وإذا كان المقام مقام فتنة تموج بالناس وتلتبس عليهم الأمور فمقام بيان الحق وإزالة الشبه من أفضل المقامات ولا يعدله مقام.
следующие страницы →