بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضْلِلْ فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله، أرسله الله بشيرا ونذيرا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، وبعد:
فهذا كتاب جليل من كتب الشافعية التي عليها الاعتماد في الفتوى والعمل، وهذا الكتاب تضافر على إخراجه أربعة من كبار أهل العلم، وهم:
الأول: الشيخ إسماعيل المقري اليمني المتوفى سنة (٨٣٧) هـ
الثاني: الشيخ القاضي أبو يحيى زكريا الأنصاري، المتوفى سنة (٩٢٦) هـ
الثالث: الشيخ العلامة شهاب الدين الرملي الكبير المتوفى سنة (٩٥٧) هـ
الرابع: الشيخ العلامة محمد بن أحمد الشوبري، المتوفى سنة (١٠٦٩) هـ
أما الأول - وهو الشيخ إسماعيل المقري - فقد ألف متنا أسماه «روض الطالب، اختصره من روضة الطالبين» للإمام الجليل محيي الدين النووي، وقد اقتصر الشيخ إسماعيل في مختصره هذا على الراجح والمعتمد في المذهب الشافعي، ولم يورد الوجوه والطرق والأقوال الضعيفة أو المرجوحة.
وأما الثاني - وهو الشيخ إسماعيل الأنصاري - فقد شرح هذا المختصر شرحًا بديعا متداخلا مع المتن، وأورد فيه الأدلة التي اعتمد عليها المذهب الشافعي في أحكامه وفروعه. وسمى هذا الشرح أسنى المطالب شرح الطالب.
وأما الثالث - وهو الشيخ شهاب الدين الرملي - فقد حشَّى على هذا الشرح حواشي جليلة أضفت على الشرح المذكور نورًا على نور.
وأما الرابع - وهو الشيخ محمد بن أحمد الشوبري - فقد جرَّد هذه الحواشي من نسخة الشيخ الرملي، مع الإشارة إلى ما صححه «الرملي» أو ضعَّفَه مُشيرًا
стр. 2
«الشوبري» إلى ذلك بقوله: أشار إلى تصحيحه أو أشار إلى تضعيفه.
أصل هذا الكتاب:
ترجع كتب الشافعية عمومًا إلى كتاب «نهاية المطلب في دراية المذهب» للإمام الحرمين أبي المعالي الجويني (١) المتوفى سنة (٤٧٨ هـ) (٢)، وذلك أن إمام الحرمين ألف كتابه هذا وشرح فيه مختصر المزني (٣)، ومن بعده اشتغل الناس بما كتب - اختصارًا ونقلا واحتجاجًا - ثم اختصره الإمام الغزالي (٤) في كتاب سماه
_________
(١) هو إمام الحرمين، عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني ركن الدين، أعلم المتأخرين من أصحاب الشافعي. ولد في جوين (من نواحي نيسابور) سنة (٤١٩ هـ) ثم رحل إلى بغداد ثم إلى مكة ثم إلى المدينة ثم رجع إلى نيسابور وكان يدرس بالمدرسة النظامية وللإمام مصنفات عديدة منها: «غياث الأمم والتياث الظلم»، «العقيدة النظامية»، «البرهان في أصول الفقه»، نهاية المطلب في دراية المذهب في فقه الشافعي، «والشامل في أصول الدين»، «والورقات في أصول الفقه»، وتوفي ﵀ بنيسابور سنة (٤٧٨ هـ).
انظر ترجمته في: وفيات الأعيان (٢/ ٣٤١) ترجمة رقم (٣٥١)، طبقات الشافعية الكبرى (٥/ ١٦٥ - ٢٢٢) ترجمة رقم (٤٥٧)، طبقات الشافعية، لابن هداية الله ص (١٧٤ - ١٧٦) الأعلام (٤/ ١٦٠).
(٢) قال الحافظ ابن حجر - نقلا عن مجموعة سبعة كتب مفيدة ص (٣٦) -: ومنذ أن صنف الإمام - يعني الجويني - كتابه «النهاية»، الذي هو شرح لمختصر المزني - الذي رواه من كلام الشافعي وهي في ثمانية أسفار حاوية - لم يشتغل الناس إلا بكلام الإمام؛ لأن تلميذه الغزالي اختصر «النهاية» المذكورة في مختصر مطول حافل وسماه «البسيط»، واختصره في أقل منه وسماه «الوسيط»، واختصره في أقل منه وسماه «الوجيز».
(٣) هو أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمر صاحب الإمام الشافعي، من أهل مصر، وولد بها سنة (١٧٥ هـ)، وكان - رحمه الله تعالى- زاهدًا ورعًا، وعالما مجتهدا من كبار أهل العلم، قال عنه الشافعي ﵁: المزني ناصر مذهبي، وقال أيضًا مُمْتَدِحًا قوة حجته: لو ناظر الشيطان لغلبه.
ومن مصنفاته: الجامع الكبير، والجامع الصغير والمختصر المعروف باسمه. وغير ذلك من المصنفات. توفي رحمه الله تعالى في شهر رمضان سنة (٢٦٤ هـ)، عن عمر يناهز تسعًا وثمانين سنة، ودفن بالقرب من مقبرة الإمام الشافعي رحمهم الله تعالى جميعا.
انظر في ترجمته: طبقات فقهاء الشافعية ص (١٠٨)، طبقات الشافعية لابن السبكي (٢/ ٩٣)، الأعلام للزركلي (١/ ٣٢٩).
(٤) هو محمد بن محمد بن محمد الإمام حجة الإسلام زين الدين أبو حامد الطوسي الغزالي. ولد بطوس سنة خمسين وأربعمائة أخذ عن الإمام أبي المعالي الجويني الملقب بإمام الحرمين ولازمه حتى صار … ..
стр. 3
البسيط في المذهب، ثم اختصر البسيط في كتاب سماه الوسيط (١)، واختصر الوسيط في كتاب الوجيز، ثم جاء الإمام الرافعي (٢) فشرح الوجيز شرحين، أحدهما صغير، ويُسَمَّى بالشرح الصغير، والثاني كبير ويُسَمَّى «فتح العزيز في شرح الوجيز»، ثم جاء الإمام النووي رحمة الله تعالى عليه (٣) واختصر فتح العزيز في
_________
= أنظر أهل زمانه، وجلس للإقراء في حياة إمامه، وصنف وبعد وفاة الإمام حضر مجلس نظام الملك فأقبل عليه وحل منه محلا عظيما فولاه نظامية بغداد فدرس بها مدة ثم تركها وحج ورجع إلى دمشق وأقام بها عشر سنين، وصنف فيها كتبا يقال: إن الإحياء منها ثم سار إلى القدس والإسكندرية ثم عاد إلى وطنه بطوس مقبلا على التصنيف والعبادة ونشر العلم ودرس بنظامية نيسابور مدة ثم تركها وبني خانقاه للصوفية ومدرسة للمشتغلين وأقبل على النظر في الأحاديث خصوصا البخاري. توفي - رحمه الله تعالى - في جمادى الآخرة سنة خمس وخمسمائة. طبقات ابن قاضي شهبة (٢٩٣/ ٢).
(١) كتاب الوسيط في المذهب للإمام الغزالي وهو من أبرز الكتب الفقهية في الفقه الشافعي بخاصة، وفي الفقه الإسلامي بعامة. ويعتبر هذا الكتاب - بحق - الحلقة الوسطى في تطوير التصنيف في المذهب الشافعي. قال النووي في مقدمة كتابه التنقيح: وقد أكثر العلماء من أصحابنا الشافعيين ﵏ في تصنيف الفروع من المبسوطات والمختصرات، وأودعوا فيها من الأحكام والقواعد والنفائس الجليلة ما هو معلوم مشهور لأهل العنايات، ومن أحسنها جمعا وترتيبا، وإيجازا وتلخيصا، وضبطاً وتقعيداً، وتأصيلاً وتمهيداً الوسيط للإمام أبي حامد الغزالي ﵀. وشرحه محيي الدين أبو سعيد النيسابوري وسماه المحيط في شرح الوسيط والعلامة ابن الرفعة وسماه (المطلب العالي في شرح وسيط الغزالي)، والقمولي وسماه (البحر المحيط في شرح الوسيط) وغيرهم. وقد وفقني الله تعالى لتحقيقه تحقيقاً وافيا بالاشتراك مع الأستاذ أحمد محمود. انظر الوسيط في المذهب بتحقيقنا (١/ ١١ - ٢٣).
(٢) الرافعي: هو شيخ الإسلام وإمام الدين أبو القاسم عبد الكريم بن محمد القزويني الرافعي صاحب «فتح العزيز في شرح الوجيز» الذي برز فيه على كثير ممن تقدمه، وحاز قصب السبق فلا يدرك شأوه إلا من وضع يديه حيث وضع قدمه. ولد سنة (٥٥٧ هـ) وتفقه على والده وغيره، وسمع الحديث من جماعة. قال عنه الإسنوي: صاحب شرح الوجيز الذي لم يُصَنَّف من المذهب مثله، وكان إماما في الفقه والتفسير والحديث والأصول وغيرها، كان طاهر اللسان في تصنيفه، كثير الأدب، شديد الاحتراز في المنقولات. وقال ابن الصلاح: أظن أني لم أر في بلاد العجم مثله، كان ذا فنون، حسن السيرة، جميل الأمر. وهو منسوب إلى رافع بن خديج ﵁، توفي ﵀ سنة (٦٢٤ هـ). ومن تصانيفه بالإضافة إلى «فتح العزيز»، «الشرح الصغير»، «المحرر»، «شرح مسند الشافعي»، و «الأمالي» وغير ذلك. انظر ترجمته في الأعلام للزركلي (٤/ ٥٤).
(٣) الإمام النووي: هو الشيخ محيي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف النووي شيخ المذهب وكبير الفقهاء في زمانه، ولد بـ «نوى» قرية من قرى «حوران» بـ «سوريا» سنة (٦٣١ هـ) قرأ القرآن ببلده وختم وقد ناهز الاحتلام، ثم قدم دمشق فشرع في قراءة «التنبيه»، فيقال: إنه قرأه في أربعة أشهر ونصف وقرأ ربع العبادات من «المهذب» في بقية السنة، ثم لزم المشايخ تصحيحاً وشرحاً =
стр. 4
كتاب سماه روضة الطالبين، ثم جاء الشيخ إسماعيل المقري اليمني (١) فاختصر «روضة الطالبين» في كتاب سماه «روض الطالب»، ثم جاء الشيخ زكريا الأنصاري (٢)، فشرح هذا المختصر في كتاب سماه «أسنى المطالب شرح روض الطالب» وهو كتابنا هذا، ثم جاء الشيخ الجليل شهاب الدين الرملي (٣) فَحَشَّى
_________
= فكان يقرأ في كل يوم اثنى عشر درسًا على المشايخ، ثم اعتنى بالتصنيف فجمع شيئًا كثيرا، منها ما أكمله ومنها ما لم يكمله. وقد كان من الزهادة والعبادة والورع والتحري والانجماح عن الناس على جانب كبير لا يقدر عليه أحد من الفقهاء غيره، وكان يصوم الدهر، ولا يجمع بين إدامين، وكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر للملوك وغيرهم، وقد باشر التدريس بعدة مدارس، توفي ﵀ سنة (٦٧٦ هـ). انظر ترجمته في البداية والنهاية (٢٧٧/ ٧) وطبقات ابن قاضي شهبة (١/ ١٥٧/ ٢)، (٤١/ ٣/ ٢) وكشف الظنون (٧٢٨/ ٢) ومقدمة المجموع شرح المهذب.
(١) هو إسماعيل بن أبي بكر بن عبد الله بن إبراهيم الشرجي الحسيني الشاوري اليمني، من أهل اليمن والحسيني: نسبة إلى أبيات حسين باليمن، والشرجة: نسبة إلى شرجة (من سواحل اليمن). تولى الشيخ رحمه الله تعالى التدريس ببلدة تعز وزبيد، وولي إمرة بعض البلاد في دولة الأشرف، ومات بزبيد. له تصانيف كثيرة، منها: عنوان الشرف الوافي في الفقه والنحو والتاريخ والعروض والقوافي، وله أيضا ديوان شعر، والإرشاد في فروع الشافعية، اختصر به الحاوي، ومنها كتابنا هذا - روض الطالب - الذي شرحه الشيخ زكريا الأنصاري رحمهم الله تعالى جميعا.
(٢) زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري السنيكي المصري الشافعي، أبو يحيى: شيخ الإسلام. قاض مفسر، من حفاظ الحديث. ولد في سنيكة (بشرقية مصر) وتعلم في القاهرة وكف بصره سنة ٩٠٦ هـ ونشأ فقيراً معدماً ولما ظهر فضله تتابعت إليه الهدايا والعطايا، بحيث كان له قبل دخوله في منصب القضاء كل يوم نحو ثلاثة آلاف درهم، فجمع نفائس الكتب وأفاد القارئين عليه علماً ومالاً. وولاه السلطان قايتباي الجركسي قضاء القضاة، فلم يقبله إلا بعد مراجعة وإلحاح. ولما ولي رأى من السلطان عدولاً عن الحق في بعض أعماله، فكتب إليه يزجره عن الظلم، فعزله السلطان، فعاد إلى اشتغاله بالعلم إلى أن توفي. له تصانيف كثيرة، منها: فتح الرحمن في التفسير، وتحفة الباري على صحيح البخاري، وفتح الجليل تعليق على تفسير البيضاوي، وشرح إيساغوجي في المنطق، وشرح ألفية العراقي في مصطلح الحديث، وشرح شذور الذهب في النحو، وتحفة نجباء العصر في التجويد، واللؤلؤ النظيم في روم التعلم والتعليم والدقائق المحكمة في القراءات، وفتح العلام بشرح الإعلام بأحاديث الأحكام في خزانة الرباط وتنقيح تحرير اللباب في الفقه، وغاية الوصول في أصول الفقه، ولب الأصول، اختصره من جمع الجوامع، وأسنى المطالب في شرح روض الطالب - وهو كتابنا هذا -، والغرر البهية في شرح البهجة الوردية، خمسة أجزاء، ومنهج الطلاب وفتح الوهاب.
(٣) هو شهاب الدين أحمد بن حمزة الأنصاري الرملي الشافعي. والرملي نسبة إلى رملة المنوفية بمصر توفي (٩٥٧ هـ) اشتغل بالفقه والتفسير والحديث وعلوم العربية: النحو والصرف والمعاني والبيان والبديع وبعلم الكلام. أبرز شيوخه: هو شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، صاحب أسنى المطالب. وأبرز تلاميذه: ولده شمس الدين محمد الرملي الملقب بالشافعي الصغير المتوفى سنة (١٠٠٤ هـ). وشمس الدين … ... … =
стр. 5
عليه - في نسخته الخاصة به - حواشي جليلة. ثم جاء الشيخ محمد بن أحمد الشوبري فجرد هذه الحواشي.
عملنا في هذا الكتاب:
١ - ضبط نص الكتاب: المختصر والشرح والحواشي.
٢ - عزم الآيات إلى سورها داخل الشرح حتى لا يزيد حجم الكتاب.
٣ - تخريج أحاديث الكتاب كلها إلا ما ندر.
٤ - ترجمة الأعلام الواردة بالنص.
٥ - وضعنا الحواشي أسفل الصفحة، وتميزت عن تعليقاتنا وتخريج الأحاديث؛ لأن كل حاشية تبدأ - ولا بد - بكلمة: (قوله: كذا … ... ) ثم يأتي بالتعليق أو الحاشية كما يسمونها.
٦ - صدرت الكتاب بمقدمة موجزة في اصطلاحات الشافعية، ولم أكتب مصادرها، وذلك لأنها مطبوعة طبعة مستقلة في كتيب صغير، فمن أراد الوقوف على مصادرها، فالرسالة مطبوعة بحمد الله تعالى في مكتبة البلد الأمين بمصر.
وأخيرا أتوجه بالشكر الجزيل للأستاذ محمد علي بيضون على موافقته على طبع هذا الكتاب الجليل من كتب الشافعية التي لا يتسنى لمعظم طلبة العلم اليوم الإستفادة من الطبعة القديمة بل يندر الإستفادة منها لأكابر أهل العلم، وذلك لأسباب ثلاثة رئيسة:
_________
= أحمد بن محمد المصري الخطيب الشربيني، صاحب المصنفات الجليلة في الفقه الشافعي، ومنها مغني المحتاج.
стр. 6
أولا: لأنها تفقد التنسيق الجديد الذي تُطبع به الكتب الآن.
وثانيا: لأن خط النسخة القديمة دقيق جدا لا يستطيع الباحث الصبور قراءة صفحة واحدة إلا بمشق بالغة.
ثالثا: أن الطبعة القديمة قد خلت تماما من الضبط، وسيرى القارئ الكريم مدى البون الشاسع بين هذه الطبعة وسابقتها *، وإلى الله تعالى وحده يرجع الفضل والمنة، وآخر دعوانا:
أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
د. محمد محمد تامر
كلية دار العلوم - قسم الشريعة
_________
* ولست أنسى أن أتوجه بالشكر الجزيل إلى أخي الفاضل الأستاذ/ عبد العزيز مصطفى الذي بذل معي جهدًا مشكورًا في إخراج هذا الكتاب بهذه الصورة اللائقة به.
стр. 7
مصطلحات المذهب عند الشافعية
النص: هذا اللفظ يطلق على عدة معان في الاصطلاحات الشرعية.
وأول ما يطلق عليه هذا اللفظ: هو ما نص الله عليه في كتابه، أو ما نص عليه الرسول ﷺ في سنته، وهذا المعنى هو أشهر معاني هذا اللفظ.
والمعنى الثاني: وهو متداول في كتب الأصوليين في بحث دلالات الألفاظ في القرآن والسنة من حيث قوة وضوحها، فيطلق هذا اللفظ ويراد به «ما يدل على الحكم الذي سيق لأجله الكلام دلالةً تحتمل التخصيص والتأويل مع قبول النسخ في عهد الرسالة».
والمعنى الثالث: ويستخدمه فقهاء الشافعية في كتبهم، ويريد كلام الشافعي ﵀، وقد سموا ما قاله «نصًا»، لأنه مرفوع القدر، لتنصيص الشافعي عليه، أو لأنه مرفوع إليه.
وفي الأغلب - عند استخدامهم لهذه الكلمة - يكون هناك في المسألة المعروضة وجه ضعيف، أو قول مخرج من كلام الشافعي.
ويستخدمون هذا اللفظ بقولهم: والنص كذا، أو: نص عليه، أو: في هذه المسألة نصوص مضطربة، أو: نص عليه الشافعي، أو: هذا مخالف للنص، إلى غير ذلك من استعمالاتهم.
المنصوص: وهو أعم استعمالاً من «النص» فقد يُعبّر به عن نص الشافعي نفسه أو قوله أو عن الوجه. ويكون المراد بالمنصوص - حينئذ - الراجح أو المعتمد.
القول: وهذا اللفظ يستخدمه الشافعية ويريدون به قول الشافعي أيضًا قائلين: «وهو قوله في الأم» أو «وهو قوله في المختصر»، أو غير ذلك.
وقول الشافعي ﵀ إما أن يكون من «القديم» أو «الجديد»، ومن ثم وجب التعرض بشيء من التفصيل لهذين المصطلحين.
القول القديم: هو اصطلاح أطلقه الشافعية على ما قاله الإمام الشافعي
стр. 8
﵀ قبل دخوله مصر، تصنيفًا أو إفتاء. وقد سُمّي «بالقديم» لأنه صنّفه ببغداد أولًا، ثم صنف الجديد بمصر.
ويمثل هذا القديم من كتب الشافعي ﵀ كتاب «الحُجَّة». ويروي هذا القديم أربعة من جُلَّة أصحاب الشافعي، وهم: أحمد بن حنبل، والزعفراني، والكرابيسي، وأبو ثور.
وقد رجع الشافعي ﵀ عن أقواله القديمة، وقال: «لا أجعل في حِلٍّ مَنْ رواه عني». وقال: «لا يحل عَدُّ القديم من المذهب».
وقال إمام الحرمين أبو المعالي الجويني: معتقدي أن الأقوال القديمة ليست من مذهب الشافعي حيث كانت؛ لأنه جزم في الجديد بخلافها، والمرجوع عنه ليس مذهبًا للراجع.
ومع هذا الذي قاله الشافعي ﵀ فليس كل القديم مرجوعًا عنه، فما قاله الشافعي في القديم، أو أفتى به في العراق، فتارة ينص في الجديد على خلافه، وتارة لا يتعرض له. فإن لم يتعرض له في الجديد بشيء نفيًا أو إثباتًا بل ذكر المسألة في القديم، ونص على حكمها، ثم سكت عنها في الجديد، فإن الفتوى تكون عليه - أعني على هذا القديم - ويكون هذا هو مذهب الشافعي ﵀، ولذلك يقول الإمام النووي: «وقولهم: القديم ليس مذهبًا للشافعي أو مرجوع عنه، أو لا فتوى عليه: فالمراد به قديم نص في الجديد على خلافه، أما قديم لم يُخالفه في الجديد - أو لم يتعرَّض لتلك المسألة في الجديد - فهو مذهب الشافعي واعتقاده، ويُعمَل به، ويُفتى عليه؛ فإنه قاله ولم يرجع عنه. وهذا النوع وقع منه مسائل كثيرة، وإنما أطلقوا أن القديم مرجوع عنه ولا عَمَلَ عليه، لكون غالبه كذلك».
وهناك حالة أخرى يُعد القديم فيها مذهبًا للشافعي ﵀ وهي إذا كان القديم يَعْضُده حديث صحيح لا معارض له؛ ولذلك يقول النووي ﵀ بعد كلام «هذا كله في قديم لم يعضده حديث صحيح، أما قديم عَضَدَه نص حديث صحيح لا معارض له، فهو مذهب الشافعي ﵀ ومنسوب إليه إذا وُجِدَ الشرط الذي قدمناه فيما إذا صَحَّ الحديث على خلاف نصه، والله أعلم».
стр. 9
إذن يمكن الاعتداد بقديم الشافعي في حالتين اثنتين، وهما:
الحالة الأولى: إذا لم يخالفه الشافعي في الجديد، أو لم يتعرض لتلك المسألة أصلاً بالنفي أو الإثبات.
الحالة الثانية: إذا وافق القديم نص حديث صحيح صريح لا معارض له.
وهذه الحالة الثانية تحتاج إلى شيء من التفصيل والبيان؛ فإنه من المشهور عن الشافعي ﵀ والثابت عنه قطعا أنه قال: «إذا صح الحديث فهو مذهبي»، وهذا القول قد رُوي عنه بألفاظ مختلفة وبروايات عدة، ومن ذلك ما رواه ابن أبي حاتم قال: حدثنا أبي قال: سمعت حرملة يقول: قال الشافعي: «كل ما قلتُ، فكان عن النبي ﷺ خلاف قولي مما يصح، فحديث النبي ﷺ أولى ولا تقلدوني». وقال الأصم: سمعتُ الربيع يقول: سمعت الشافعي يقول: «إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله ﷺ ، فقولوا بها، ودعوا قولي». وقال أيضًا: «كل مسألة تكلمت فيها صح الخبر فيها عن النبي ﷺ عند أهل النقل بخلاف ما قلت، فأنا راجع عنها في حياتي، وبعد موتي».
ومُؤدَّى هذه الأقوال، أنه إذا وُجِدَ حديث صحيح يخالف قول الشافعي فهو راجع عن قوله وقائل بالحديث، سواء كان ذلك في حياته أم بعد موته. وهذا الأمر جَعَل بعض الشافعية إذا رأى حديثا صحيحًا يخالف قول الشافعي، قال: ومذهب الشافعي كذا، على موجب الحديث.
وهذا الأمر ليس في مقدور كل فقيه؛ فإنه قد يصح الحديث على خلاف قول الشافعي، لكن الشافعي ﵀ يكون قد بلغه هذا الحديث بعينه، وكان له فيه تأويل معين، أو عارضه - عنده - حديث أقوى منه سندا، أو أصرح منه دلالةً، أو يكون له مُقيّد أو مُخصص، أو يكون معارضًا لقواعد الشريعة المقطوع بها أو غير ذلك من الأمور، فيترك العمل بهذا الحديث ولا يقول به. ومن ثم فلا يجوز لأحد إذا وجد حديثا على خلاف قول الشافعي أن يقول: هذا قول الشافعي، إلا بعد البحث التام والاستقصاء في كتب الشافعي نفسه وكتب أصحابه، هل بلغه هذا الحديث أم لا؟ وإذا كان بلغه، فما هي الأسباب التي جعلته يترك العمل به، ثم
стр. 10
بعد ذلك يمكنه أن ينسب للشافعي ما يدل عليه هذا الحديث.
من أجل هذا، قال الإمام النووي مُعَقِّبًا على قول الشافعي: إذا صح الحديث فهو مذهبي، قال: « .. وكان جماعة من متقدمي أصحابنا إذا رأوا مسألة فيها حديث - ومذهب الشافعي خلافه - عملوا بالحديث، وأفتوا به قائلين: مذهب الشافعي ما وافق الحديث، ولم يتفق ذلك إلا نادرا، ومنه ما نقل عن الشافعي فيه قول على وفق الحديث».
وهذا الذي قاله الشافعي ليس معناه أن كل أحد رأى حديثا صحيحًا قال: هذا مذهب الشافعي، وعمل بظاهره. وإنما هذا فيمن له رتبة الاجتهاد في المذهب - على ما تقدم من صفته أو قريب منه - وشرطه: أن يغلب على ظنه أن الشافعي ﵀ لم يقف على هذا الحديث أو لم يعلم صحته. وهذا إنما يكون بعد مطالعة كتب الشافعي كلها، ونحوها من كتب أصحابه الآخذين عنه وما أشبهها وهذا شرط صَعْبٌ قَلَّ مَنْ يَنْصِفُ به، وإنما اشترطوا ما ذكرنا؛ لأن الشافعي ﵀ ترك العمل بظاهر أحاديث كثيرة، رآها وعلمها، لكن قام الدليل عنده على طعن فيها، أو نسخها، أو تخصيصها، أو تأويلها، أو نحو ذلك.
قال الشيخ أبو عمرو ﵀: «ليس ما قال الشافعي بالهين فليس كل فقيه يسوغ له أن يستقل بالعمل بما يراه حجةً من الحديث، وفيمن سلك هذا المسلك من الشافعيين من عمل بحديث تركه الشافعي ﵀ عمدا مع علمه بصحته؛ لمانع اطلع عليه وخفي على غيره، كأبي الوليد موسى بن أبي الجارود - ممن صحب الشافعي - قال: صح حديث «أَفْطَرَ الحاجم والمحجوم» فأقول: قال الشافعي: أفطر الحاجم والمحجوم. فَرَدُّوا ذلك على أبي الوليد؛ لأن الشافعي تركه مع علمه بصحته؛ لكونه منسوخا عنده، وبَيَّنَ الشافعي نسخه واستدل عليه». وقد قدمنا عن ابن خزيمة أنه قال: «لا أعلم سُنّة لرسول الله ﷺ في الحلال والحرام لم يودعها الشافعي كتبه»، وجلالة ابن خزيمة وإمامته في الحديث والفقه، ومعرفته بنصوص الشافعي بالمحل المعروف.
قال الشيخ أبو عمرو: فمن وجد من الشافعية حديثا يخالف مذهبه، نظر: إن كملت آلات الاجتهاد فيه مطلقا - أو في ذلك الباب أو المسألة - كان
стр. 11
له الاستقلال بالعمل به. وإن لم تكمل وشق عليه مخالفة الحديث بعد أن بحث، فلم يجد لمخالفته عنه جوابًا شافيًا: فله العمل به إن كان عمل به إمام مستقل غير الشافعي، ويكون هذا عُذرًا له ترك مذهب إمامه هنا.
قال النووي: وهذا الذي قاله حسن مُتَعَيَّن، والله أعلم.
المسائل المفتى بها عند الشافعية على القديم:
في المذهب الشافعي مسائل معدودة، يُفتى بها - عند الشافعية - على القديم من قولي الشافعي. وقد اختلف الشافعية في عدد هذه المسائل والذي ذكره النووي منها تسع عشرة مسالة ذكرها في المجموع، وهذه المسائل هي:
١ - مسألة: التثويب في أذان الصبح. القديم: استحبابه.
٢ - مسألة: التباعد عن النجاسة في الماء الكثير. القديم: أنه لا يشترط.
٣ - مسألة: قراءة السورة في الركعتين الأخيرتين، القديم: لا يستحب.
٤ - مسألة: الاستنجاء بالحجر فيما جاوز المخرج. القديم جوازه.
٥ - مسألة: لمس المحارم، القديم: أنه لا ينقض الوضوء.
٦ - مسالة: الماء الجاري، القديم: أنه لا ينجس إلا بالتغير.
٧ - مسألة: تعجيل العشاء، القديم: أنه أفضل.
٨ - مسألة: وقت المغرب، القديم: امتداده إلى الشفق.
٩ - مسألة: المنفرد إذا نوى الاقتداء في أثناء الصلاة، القديم: جوازه.
١٠ - مسألة: أكل جلد الميتة المدبوغ، القديم: تحريمه.
١١ - مسألة: وطء المحرم بملك اليمين، القديم: أنه يوجب الحد.
١٢ - مسألة: تقليم أظفار الميت، القديم: كراهته ..
١٣ - مسألة: شرط التحلل من الإحرام بمرض ونحوه، القديم: جوازه.
١٤ - مسألة: اعتبار النصاب في زكاة الركاز، القديم أنه: لا يعتبر.
١٥ - مسألة: الجهر بالتأمين للمأموم في صلاة جهرية، القديم: استحبابه.
стр. 12
١٦ - مسألة: من مات وعليه صوم، القديم: أن وليه يصوم عنه.
١٧ - مسألة: الخط بين يدي المصلّي إذا لم يكن معه عصا أو نحوها، القديم: أنه مستحب.
١٨ - مسألة: امتناع أحد الشريكين من عمارة الجدار، القديم: أنه يُخبّر.
١٩ - مسألة: الصدق في يد الزوج، هل هو مضمون ضمان العقد أو ضمان اليد؟ القديم: أنه مضمون ضمان اليد.
وهذه المسائل لم يتفق الشافعية على العمل بها، أو الفتوى بها وتقديمها على الجديد؛ فقد «خالف جماعات من الأصحاب في بعضها أو أكثرها، ورجحوا الجديد. ونقل جماعات - في كثير منها - قولاً آخر في الجديد يوافق القديم: فيكون العمل على هذا الجديد لا القديم».
وممن تصدى لتفصيل القول في هذه المسائل الإمام شمس الدين السلمي الشافعي المتوفى سنة (٧٤٦) هـ في كتابه «فرائد الفوائد وبيَّن أن الشافعي ﵀ نص عليها في الجديد، حتى قال: وها أنا ذاكر للمسائل التي ذكرها في شرح «المهذب» واحدة واحدة، وأتعقب كل واحدة بما أبين فيه أن الفتوى فيها على الجديد لا القديم».
ثم قال في آخر مسألة منها: «وهذا آخر التسعة عشر مسألة. وقد وضح لك - بعون الله وتوفيقه - أنه ليس فيها واحدة إلا والفتوى فيها على الجديد، لكنه قد يكون موافقاً للقديم، وقد لا يكون موافقاً للقديم، والله أعلم».
وهذه المسائل المذكورة - سواء قلنا: هي مستثناة من القديم، أو نص عليها في الجديد، أو فيها قولان: قديم وجديد - فهل العمل بها أو الفتوى بها، يُنْسَب للشافعي (رحمة الله)؟ يقول الإمام النووي في الإجابة على هذا السؤال: «ثم إن أصحابنا أفتوا بهذه المسائل من القديم، مع أن الشافعي رجع عنه، فلم يبق له مذهباً … فإذا علمت حال القديم ووجدنا أصحابنا أفتوا بهذه المسائل على القديم: حَمَلْنا ذلك على أنه أداهم اجتهادهم إلى القديم؛ لظهور دليله، وهم مجتهدون، فأفتوا به. ولا يلزم من ذلك نسبته إلى الشافعي، ولم يقل أحد من المتقدمين في هذه المسائل: إنها مذهب الشافعي أو أنه استثناها. قال أبو عمرو:
стр. 13
فيكون اختيار أحدهم للقديم فيها من قبيل اختياره مذهب غير الشافعي إذا أداه اجتهاده إليه، فإنه إذا كان ذا اجتهاد اتبع اجتهاده، وإن كان اجتهاده مقيدًا مَشُوبًا بتقليد نقل ذلك الشوب من التقليد عن ذلك الإمام. وإذا أفتى بَيَّنَ ذلك في فتواه، فيقول: مذهب الشافعي كذا، ولكني أقول بمذهب أبي حنيفة وهو كذا.
قال النووي: «إن من ليس أهلاً للتخريج يتعين عليه العمل والإفتاء بالجديد من غير استثناء. ومن هو أهل للتخريج والاجتهاد في المذهب يلزم اتباع ما اقتضاه الدليل في العمل والفتيا مُبَيِّنًا في فتواه أن هذا رأيه، وأن مذهب الشافعي كذا، وهو نَصَّ عليه في الجديد»
وهنا مسألة تتعلق بقديم الشافعي ﵀ وهي: هل الإمام الشافعي - في قديمه - مُتَّبع فيه لمذهب مالك ﵀؟ يقول النووي ردًا على هذه المسألة: «اعلم أن القول القديم ليس بلازم أن يكون كمذهب مالك، بل هو قول مجتهد، قد يوافق مالكًا وقد يخالفه. قال القفال في شرح التلخيص: أكثر القديم قد يوافق مالكًا»
الجديد: وهو مصطلح أطلقه علماء الشافعية على أقوال الشافعي ﵀ بعد دخوله مصر، إفتاء أو تصنيفا أو إملاء
ورواته: البويطي، والمزني، والربيع المرادي، وحرملة، ويونس بن عبد الأعلى، وعبد الله بن الزبير، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم.
والثلاثة الأول - البويطي والمزني والربيع المرادي - هم الذين تصدوا لرواية الجديد من قولي الشافعي، وقاموا بذلك. والباقون نقلت عنهم أشياء محصورة على تفاوت بينهم.
وهم أيضًا ليسوا على مرتبة واحدة في نقلهم أقوال الشافعي ﵀، «فما رواه البويطي والربيع المرادي والمزني عن الشافعي مقدم أصحابنا على ما رواه الربيع الجيزي وحرملة».
والربيع المرادى هو أكثرهم رواية عن الشافعي، حتى قال فيه الشافعي: إنه أحفظ أصحابي. وقال له أيضًا: «أنت راوية كتبي».
стр. 14
وإذا أُطلق «الربيع» في كتب المذهب، فالمراد به الربيع المرادي، وإذا أرادوا الجيزي، قيدوه بالجيزي.
المعتمد من أقوال الشافعي:
قدمت فيما سبق أن هناك أقوالاً للشافعي ﵀، منها ما هو قديم، ومنها ما هو جديد، ومنها ما فيه قديم وجديد، ومنها ما فيه قولان في القديم، ومنها ما فيه قولان في الجديد أو أكثر، وهذه المسائل التي أُثِرَتْ عن الشافعي ﵀ لم تأخذ نسقًا واحدًا، فهناك كثير من المسائل التي تكلم فيها الشافعي يكون له فيها قول واحد قاله في القديم ولم يتغيَّر اجتهاده فيها فيما بعد. وهذه المسائل ليست ذات إشكال، إذ يكون العمل والفتوى على ما قاله الشافعي ﵀ في القديم.
وهناك مسائل كثيرة اختلف فيها اجتهاد الشافعي، «فقد أُثِر عنه آراء مختلفة في المسألة الواحدة، في أزمان متباعدة أو متقاربة، فكان يرى الرأي ثم يرجع عنه، إما لحديث عثر عليه، أو لقياس أقرب اهتدى إليه، أو لفتوى صحابي لم يكن على علم بها … حتى قال الشافعي نفسه: لقد ألفتُ هذه الكتب ولم آل فيها، ولا بد أن يوجد فيها الخطأ، لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فيه اختلافا كثيرًا﴾ [النساء: ٨٢] فما وَجَدْتُم في كُتبي هذه ما يخالف الكتاب والسنة، فقد رجعت عنه».
وهذه المسائل نوعان:
الأول: أن يكون له فيها قولان: قول قديم، وقول جديد.
الثاني: أن يكون له فيها قولان جديدان.
وهذان النوعان موجودان في كثير من المسائل التي تكلم فيها الشافعي ﵀، فما هي الضوابط التي يمكن بها التعرَّف على المعتمد من هذه الأقوال، وما هو القول الذي يمكن نسبته - منها - إلى الإمام الشافعي؟.
والإجابة على هذا السؤال تَتَطلَّب الكلام على كل نوع من النوعين السابقين على حدة.
стр. 15
النوع الأول: وهو أن يكون في المسألة قولان: قديم، وجديد، وليس في هذا النوع إشكال؛ إذ الجديد هو المعمول به والمعتمد، وتكون عليه الفتوى في المذهب، إلا في مسائل يسيرة - نحو عشرين مسألة - أفتي فيها بالقديم، كما بَيَّنْتُ ذلك سابقا.
النوع الثاني: وهو أن يكون في المسألة قولان جديدان، وهذا النوع - حقيقةً - هو الذي يتطلب جهدًا في بيان معرفة ما هو القول المعتمد من القولين؟ وعلى أي القولين تكون الفتوى في المذهب؟ وأي القولين يمكن أن يقال: هذا هو قول الشافعي؟.
وضع علماء الشافعية - وما أكثرهم - قواعد وضوابط لمعرفة المعتمد من هذه الأقوال. ويكن بيان هذه الضوابط أو القواعد في الأمور الآتية:
١ - أنه يُعتمد آخر القولين - وذلك بالطبع - إذا كان تاريخهما معروفًا أو عرف القول الآخر منهما.
٢ - ما رجحه الشافعي نفسه.
٣ - فإن لم يرجح الشافعي ﵀ أحد القولين، بل نص عليهما فقط - ولم يُعلم أقالهما مُرَتَّبَيْنِ أو قالهما في وقت واحد - فلا يجوز حينئذ أن يعمل بأي القولين كيفما جاء واتفق، بل يجب البحث عن الراجح من هذين القولين.
وحتى يعلم الراجح من هذين القولين يُنظر:
(أ) أي القولين أقرب إلى نصوص الشافعي وقواعد مذهبه، فيُعمل به. وهذا - بالطبع - لا يكون إلا لمجتهد في المذهب له أهلية النظر في ذلك، أما غير المتأهل لذلك فعليه أن يَنْظُر ما قاله أئمة المذهب في الراجح من القولين.
(ب) أنه يُنظر إلى عمل الشافعي ﵀ فإن كان عَمِلَ على وفق أحد هذين القولين، فهل يكون ذلك إبطالًا للقول الآخر، ويكون ترجيحًا للقول المعمول على وفقه؟. عند المزني ﵀ يكون عَمَلُ الشافعي على وفق أحد القولين إبطالاً للقول الآخر، وقال غيره من الشافعية: لا يكون ذلك إبطالاً له،
стр. 16
وإنما يكون ترجيحا له على القول الآخر. وهو ما قاله الماوردي أيضًا: إنه إذا عمل - الشافعي - بأحدهما دون الآخر كان عمله بذلك دليلاً على أنه القول المختار.
(ج) أنه ينظر، هل فرع الشافعي على أحد القولين؟ فإذا كان، فهل يكون ذلك ترجيحًا له على القول الآخر الذي لم يُفَرِّع عليه؟ قال صاحب «فرائد الفوائد»: «قال الماوردي: إن الأصحاب اختلفوا فيما إذا ذكر - الشافعي - قولين، ثم أعاد تلك المسألة، وذكر فيها قولاً واحدًا من أحد القولين، أو فرع على أحدهما دون الآخر: فمنهم من يقول: لا تأثير لذلك. ومنهم من يقول: له تأثير في أن غيره لا يُرجح عليه.
وقال المزني: إعادة أحدهما يكون اختيارًا للمعاد. وقال القاضي أبو الطيب في باب «ضمان الأجراء»: إنه لو فرع على أحدهما، كان هو الصحيح الذي اختاره.
فتلخص: أن إعادة أحد القولين مرجح، والتفريغ عليه مرجح أيضًا».
(د) إذا قال الشافعي ﵀ في أحد القولين: وهذا مما أستخير الله فيه، فهل يكون بذلك مرجحًا لهذا القول؟ يرى بعض الشافعية أنه ترجيح منه لذلك القول واختيار له، كذا جزم به الماوردي.
قُلْتُ: ومن هذا، ما قاله الشافعي ﵀ في مسالة «توريث المبتوتة» وهي أن المريض - مرض الموت - إذا طلق زوجته طلاقا بانا؛ فرارًا من توريث زوجته، فإذا مات هذا الزوج، فهل ترث زوجته منه؟ وإلى متى يتمادى توريثها؟
في المسألة الأولى قولان:
الجديد: أنه ينقطع الميراث بالطلاق البائن كما في حالة الصحة.
والقديم: أنه يُجْعَل فارًا، فَيُعَارض بنقيض قصده ونُوَرِّث زوجته.
والمسألة الثانية: وهي مفروضة فيما إذا كان التفريع على القديم - وفيها ثلاثة أقوال:
الأول: أن توريثها يتمادى أبدا، متى مات ورثته.
الثاني: أنه إلى انقضاء العدة، فإذا طلقها، ثم مات، فإنها ترثه ما لم
стр. 17
تنقض عدتها منه.
الثالث: إلى أن تنكح زوجا غيره، فإذا طلقها، ثم انقضت عدتها، فتزوجت، فمات زوجها الأول: لم ترث منه.
وفى القول الثاني - وهو أن توريثها يتمادى إلى انقضاء العدة - يقول الشافعي ﵀: «ذهب بعض أصحابنا إلى أن يورث المرأة - وإن لم يكن للزوج عليها رجعة - إذا طلقها الزوج وهو مريض وإذا انقضت عدتها قبل موته.
وقال بعضهم: وإن نكحت زوجا غيره. وقال غيرهم: ما امتنعت من الأزواج.
وقال بعضهم: ترثه ما كانت فى العدة، فإذا انقضت العدة لم ترثه. قال الشافعي فى هذا القول: وهذا مما أستخير الله فيه.
قال الربيع: «وقد استخار الله تعالى، فقال: لا ترث المبتوتة»
(هـ) إذا كان أحد القولين يوافق قول أكثر الأئمة، فهل يرجح بذلك هذا القول؟ يرى الإمام ابن الصلاح أن هذا القول الذى وافق قول أكثر الأئمة - يترجح على القول الثاني، وقد أيده النووي بقوله: وهذا الذى قاله فيه ظهور واحتمال.
قال النووي: «وحكى القاضي حسين فيما إذا كان للشافعي قولان - أحدهما يوافق أبا حنيفة - وجهين لأصحابنا:
أحدهما: أن القول المخالف أولى. وبه قال الشيخ أبو حامد الإسفرايني، لأن الشافعي لم يخالفه إلا لموجب المخالفة.
والثاني: أن القول الموافق أولى. قاله القفال المروزي، وهو الأصح، والمسألة مفروضة فيما إذا لم نجد مرجحا مما سبق».
(و) إذا ذكر الشافعي ﵀ المسألة فى مظنتها، وذكر فيها قولا اختاره وذكرها فى غير مظنتها وذكر فيها قولا مخالفا لذلك القول، بأن جرى بحث وكلام جره على ذكره، فالذى ذكره فى بابه هو الراجح، لأنه أتى به مقصودا وقرره بعد فكر طويل بخلاف ما ذكره استطرادا فى غير بابه فإنه لا يعتني به اعتناءه بذاك. وقد صرح الأصحاب بذلك ونبه عليه النووي وغيره.
стр. 18
(ز) قال الشيرازي: «إذا قال الشافعي ﵀ في مسألة بقول، ثم قال: ولو قال قائل بكذا كان مذهباً، لم يجز أن يُجْعَل ذلك قولاً له. ومن أصحابنا من جعل ذلك قولاً له.
قال الشيرازي محتجاً لقوله: «لنا، أن قوله: ولو قال قائل بكذا كان مذهبا، ليس فيه دليل على أنه مذهبه، وإنما هو إخبار عن بيان احتمال المسألة لما فيها من وجوه الاجتهاد، فلا يجوز أن يجعل له هذا القول قولاً.
واحتجوا بأن قوله: ولو قال قائل بكذا كان مذهبا. ظاهر في أنه يحتمل هذا القول. ويحتمل ما ذكره، فصار كمال لو قال: هذه المسألة تحتمل قولين.
والجواب: أن أكثر ما فيه أنه دلّ على ذلك، فيحتمل في الاجتهاد، وهذا لا يدل على أنه مذهب له، ألا ترى أنا نقول أبدًا في مسائل الخلاف: هذه مسألة يسوغ فيها الاجتهاد، ثم لا يقتضي ذلك أن تكون تلك المذاهب أقوالاً له».
ويعترض بعض الشافعية على ما قاله الشيرازي ويُرَجّح أَنْ يُجْعل ذلك قولاً للشافعي ﵀، فإنّ «كلام الماوردي صريح في أن نجعل ذلك قولاً له مُخَرَّجا، وكلام الشيخ أبي إسحاق المروزي وابن الصباغ صريح في أن الأصحاب جعلوا ذلك قولاً له».
هذه بعض الضوابط في بيان المعتمد من أقوال الشافعي ﵀.
الطرق: وهو مصطلح يطلق على اختلاف الشافعية في حكاية المذهب في مسألة معينة، فيقول بعضهم: في هذه المسألة قولان، أو وجهان. ويقول آخر: فيها قول واحد، أو وجه واحد.
ومعنى هذا أن يجزم بعض الأصحاب بإثبات قولين في المسألة، ويجزم آخرون بإثبات قول واحد فيها، سواءٌ نَفَى وجود القول الآخر من أصله، أو نفى حكمه بِحَمْلِه على غير ما يُفيده حكم القول الأول.
فَعُلِمَ من هذا، أن حكاية القولين، أو الجزم بأحدهما هو «الطريق» في بيان القول المعتمد في المذهب.
стр. 19
وقد يستعملون «الوجهين» في موضع «الطريقين» وعكسه، وقد بَيَّنَ الإمام النووي علة إطلاق مصطلح «الطرق» على «الوجوه» والعكس بقوله: «وإنما استعملوا هذا، لأن الطرق والوجوه تشترك في كونها من كلام الأصحاب».
فإذا اتفق الأصحاب - أو معظمهم - على أحد هذين القولين، أو الوجهين عبروا عن هذه بقولهم: «والمذهب كذا»، أو «وهو المذهب» أو «والمذهب على هذا القول».
إذن «المذهب» هو بيان المعتمد من أحد القولين، أو الوجهين المحكيين.
وهنا مسألة هامة تجدر الإشارة إليها، وهي إذا انفرد بعض الأصحاب بنقل عن الشافعي يخالف ما نَقَلَه بقيتهم، فهل ننفي هذا القول، فلا نثبته، أو نثبته قولاً؟:
«الذي يقتضيه كلام الأصحاب وتصرفاتهم: إجراء خلاف فيه، فقد أثبتوا أقوالاً ووجهوها برفع النزاع في بعضها، فبعضهم ينفيها، وبعضهم يثبتها، وقد حكى ابن عبد الحكم عن الشافعي قولاً في مسألة، فقال فيها إمام الحرمين: كذب والله الذي لا إله إلا هو. واستدل على كذبه بأن الشافعي نص في مواضع من كتبه على خلاف ذلك. وقد كثر توقف الرافعي في انفرادات ذكرها الغزالي، وإمام الحرمين يفعل ذلك كثيرًا حتى أنكر عليه الفوراني في مسألة نقلها ونسبه إلى التساهل فيها. والشيخ أبو عمرو بن الصلاح اعترض على نقل الغزالي في موضع آخر، وقال: «لم أره لغيره، فهو شاذ».
الأصحاب: ويطلق هذا المصطلح على أتباع إمام معين - كالشافعي مثلاً - فالصحبة هنا: الاجتماع في اتباع الإمام المجتهد فيما من الأحكام، فهو مجاز سببه: الاتفاق على اتباع أقوال الإمام وشدة ارتباط بعضهم ببعض، كالصاحب حقيقة.
وعند الشافعية يُطلق هذا المصطلح ويراد به «المتقدمون» من الشافعية وهم أصحاب الأوجه غالبًا.
والمتقدمون، هم من كانوا قبل الأربعمائة. والمتأخرون هم - في كلام الرافعي والنووي ونحوهما - من كانوا بعد الأربعمائة.
стр. 20
الأظهر: وهو مصطلح يطلق على أحد قولين للشافعي في مسألة ما، ويكون تعبيرهم حينئذ بالأظهر، إشعارًا بظهور مُقابله، وهو القول الثاني.
المشهور: ويُطلق أيضًا على أحد قولي الشافعي ﵀ ويُعَبَّر به عن القول المشعر بغرابة مُقابله، وذلك لضعف مُدْرَكه.
وقد يُعبَّر بهذا المصطلح أيضًا على القول الذي كَثُرَ القائلون به في المذهب.
الوجه: وهو مصطلح يطلق على أقوال علماء الشافعية المنسوبة إليهم والتي استنبطوها من أصول الشافعي أو من قواعده وضوابطه، وقد يجتهدون في بعضها وإن لم يأخذوها من أصوله ونصوصه، وحينئذ فهي منسوبة لهؤلاء المجتهدين لا للشافعي، بل ولا تُعدّ وجوها في المذهب كما يكون ذلك في بعض المسائل عند المزني وأبي ثور.
ويُطلق على مُسْتَنبط الوجه مصطلح «مجتهد المذهب» كالقفال المروزي والشيخ أبي حامد.
وصاحب الوجه - أو مجتهد المذهب - أرفع قدرًا من «مجتهد الفتوى». وهو الذي يقدر على ترجيح بعض أقوال إمامه على بعض، كالإمام الرافعي والنووي.
وإذا قيل في مسألة ما: فيها وجهان، أو أَوجُه، فقد يكون ذلك لاثنين من علماء الشافعية، أو لواحد فقط، وإذا كان كذلك فقد يكون قالهما في وقت واحد أو وقتين مختلفين.
الأصح: وهو مصطلح يطلق على الراجح من الوجهين أو الأوجه التي في المذهب في مسألة ما.
وتعبيرهم بالأصح - في أحد الوجهين - إشعار بقوة الخلاف في المسألة، فيكون الوجه الثاني مُتَّجها، ومحتملاً أيضًا، ولكن ليس كالوجه الموصوف بالأصح وحينئذ يطلق على مقابله أنه صحيح.
الصحيح: ويُطلق أيضًا على الراجح من الوجهين أو الأوجه التي للأصحاب وتعبيرهم حينئذ بالصحيح يكون إشعارًا بضعف مدرك الوجه المقابل.
стр. 21
ولم يُعبّر علماء الشافعية بالأصح والصحيح عن كلام الشافعي ﵀ تأدبًا معه؛ إذ الصحيح منه يكون مُشْعِرًا بفساد مقابله.
الأشبه: وهو يُستعمل فيما لو كان في المسألة حكمان مبنيان على قياسين، لكن علة أحدهما أقوى، فيكون الحكم المبني عليها أقوى شَبَهًا بالعلة.
الأقرب: وهو مصطلح يُطلق على الوجه الذي يكون أقرب إلى نص الشافعي.
وقيل كذا: وتستعمل هذه الصيغة في وجه ضعيف، ويكون حينئذ الوجه المقابل له قويًا أو صحيحًا، ومن ثَمَّ أُطلق على مقابله صيغة التمريض أو صيغة التضعيف.
الاختيار: هو القول الذي استنبطه المختار عن الأدلة الأصولية بالاجتهاد، ويكون حينئذ خارجًا عن المذهب.
وأما «المختار» الذي وقع للنووي في الروضة، فهو بمعنى الأصح في المذهب لا بمعناه المصطلح عليه.
الإمام: وهو يطلق - عند الشافعية - على إمام الحرمين أبي المعالي الجويني شيخ الإمام الغزالي.
القاضي: ويطلق على القاضي حسين ﵀. قال النووي ومتى أطلق «القاضي» في كتب متأخري الخراسانيين كالنهاية، والتتمة والتهذيب وكتب الغزالي ونحوها، فالمراد به القاضي حسين.
القاضيان: ويُطلق على الروياني والماوردي.
الشَّيْخان: ويُطلق على الإمام الرافعي والنووى.
الشيوخ: ويُطلق على الرافعي والنووي والسبكي.
العراقيون: وهم طائفة من علماء الشافعية، وإحدى الجماعتين اللتين
стр. 22
اعْتَنَتَا واشتهرتا بنقل مذهب الإمام الشافعي ﵀. وسُمُّوا بالعراقيين؛ لأنهم سكنوا بغداد وما حواليها.
وقد كانت هذه الطريقة بزعامة الشيخ أبي حامد الإسفرائيني المتوفى سنة (٦٠٤) هـ، يقول الإمام النووي: «اعلم أنّ مَدَارَ كُتُبِ أصحابنا العراقيين - أو جماهيرهم، مع جماعات من الخراسانيين - على تعليق الشيخ أبي حامد الإسفرائيني، وهو في نحو خمسين مجلدا، جمع فيه من النفائس ما لم يُشارك في مجموعه، من كثرة المسائل والفروع، وذكر مذاهب العلماء، وبسط أدلتها، والجواب عنها. وعنه انتشر فقه طريقة أصحابنا العراقيين».
ومن أعلام هذه الطائفة: أبو العباس بن سريج وأبو إسحاق المروزي وأبو علي بن أبي هريرة. وقد اشتهرت هذه الطريقة في القرن الرابع والخامس الهجريين.
وفي مذح «العراقيين» يقول النووي ﵀: «واعلم أنّ نَقْلَ أصحابنا العراقيين لنصوص الشافعي وقواعد مذهبه ووجوه المتقدمين من أصحابنا أتقن وأثبت من نقل أصحابنا الخراسانيين غالبًا إن لم يكن دائمًا».
الخراسانيون: وهي الطائفة الثانية الكبرى - بعد العراقيين - ممن اهتموا بفقه الشافعي ونقل أقواله والتمذهب بمذهبه، وقد اشتهرت هذه الطائفة في القرن الرابع والخامس الهجريين، وكانت بزعامة القفال المروزي المتوفى سنة (٤١٧) هـ.
وفي مدح «الخراسانيين» يقول النووي ﵀: «والخراسانيون أحسن تصرفًا وبحثًا، وتفريعا وترتيبًا غالبًا».
ويقول ابن السبكي في هذه الطائفة: «والخراسانيون من النيسابوريين؛ إذ كلُّ نيسابوري خراساني ولا ينعكس. وليس الخراسانيون مع نيسابور كالعراقيين مع بغداد، فَثَمَّ جمع يفوقون عدد الحصا من خراسان لم يدخلوا نيسابور، بخلاف العراقيين، لاتساع بلاد خراسان، وكثرة المدن العامرة فيها والعلماء بنواحيها، إذ من جملتها «مرو» وهي المدينة الكبرى والدار العظمى، ومَرْبَع العلماء. وخراسان عمدتها مدائن أربعة: كأنها هي قوائمها المبنية عليها، وهي: مرو، ونيسابور، وبلخ، وهراة.
стр. 23
هذه مدنها العظام، ولا ملام عليك لو قلت: بل هي مدن الإسلام، إذ هي كانت ديار العلم على اختلاف فنونه، والملك والوزارة على عظمتها إذ ذاك.
و «مرْو» واسطة العقد، وخلاصةُ النَّقْد، وكفاك قول أصحابنا تارة قال الخراسانيون، وتارة: قال المراوزة. وهما عبارتان عندهم عن مُعَبَّر واحد. والخراسانيون نصف المذهب، فكأنّ «مزو» في الحقيقة نصف المذهب، وإنما عبروا بالمراوزة عن الخراسانيين جميعًا؛ لأن أكثرهم من مرو وما والاها، وكفاك بأبي زيد المروزي، وتلميذه القفال الصغير ومن نبغ من شعابهما، وخرج من بابهما».
العراقيان: والمقصود بهذا المصطلح، أبو حنيفة، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى: يقول النووى والعراقيان اللذان يقول في «المهذب» في مواضع كثيرة: «قال في اختلاف العراقيين: هما أبو حنيفة، ومحمد بن عبد الرحمن بن ابي ليلى. وهذا كتاب صَنَّفَه الشافعي، فَذَكَر فيه المسائل التي اختلفا فيها، فيختار تارة ذاك، وتارة يُضعفهما ويختار ثالثا. وهذا الكتاب هو أحد كتب «الأم» وهو نحو نصف مجلد».
ويُطلق كذلك على أبي حنيفة وابن أبي ليلى وأتباعهما لفظ «الكوفيين» وقد أطلق عليهم هذا اللفظ الإمام الشافعي ﵃ جميعًا).
النقل والتخريج: وهو مصطلح مشهور عند الشافعية، ولأهمية هذا المصطلح وكثرة دورانه في كتب الشافعية ينبغي تناوله بالتفصيل حتى يتضح المراد به.
النقل: والمقصود به نقل حكم نص عليه الشافعي ﵀ في مسألة ما.
والتخريج: وهو إذا لم يكن للشافعي ﵀ نص في مسألة بعينها فيبحث الأصحاب عن مسألة مشابهة لها، نص على حكمها الشافعي نفسه، فَيَنْقُلُون هذا الحكم المنصوص إلى المسألة غير المنصوص عليها. وهذا يُشبه القياس بالنسبة إلى نصوص الشارع نفسه.
وقد يخرجون حكم المسألة من أصول الشافعي وقواعد مذهبه، لا من الفروع المنصوص عليها.
стр. 24
ثم قد يتفق الأصحاب على هذا الحكم المُخَرَّج أو يختلفون فيه، لاختلاف وجهة نظرهم أو اختلاف اجتهادهم، وذلك لاختلافهم في قياس أصل مذهب الإمام.
فإن اتفقوا، أرسلوا ذِكْرَ الحكم الذي تم تخريجه. وإن اختلفوا عبَّروا عن الخلاف في المسألة بقولهم: فيها وجهان، أو: فيها ثلاثة أوجه. وذلك حَسْبَ ما في المسألة من أوجه. ومنهم من يتسامح في هذا ويُطلق على الوجه المخرج: قولاً.
وقد يتم التخريج مع وجود قول أو نص للشافعي ﵀، وذلك عند تعارض نص الشافعي مع القواعد المقررة في المذهب.
هذا هو المقصود بمصطلح «النقل» وبمصطلح «التخريج». أما المراد بعبارة أو بمصطلح «النقل والتخريج» فهو عبارة عن مسألتين متشابهتين من بابين مختلفين في الفقة نص الشافعي ﵀ على حكم كل واحد منهما في بابها أو موضعها. ثم يكون حكم إحداهما مختلفًا عن حكم الثانية، فيقول في إحداهما - مثلاً -: يصح. وفي الثانية: لا يصح. فيأتي أحد أئمة الشافعية فيجد أن الإمام نص في المسألتين على حكمين مختلفين، مع أن المسألتين - في نظر هذا المجتهد - متفقتان، وأنه ليس بينهما ما يصلح أن يكون فارقًا، فينقدح في ذهنه أنه كان ينبغي أن يكون قول الإمام فيهما واحدًا: إما يصح في هذه وتلك، وإما لا يصح في كلتيهما، ولما كان لا يجوز له إبطال أحد هذين الحكمين المنصوص عليهما، فيرى إلحاق حكم كل مسألة إلى الأخرى، أي فَيُخَرِّج - في إحدى المسألتين - قولاً ثانيًا من المسألة الأخرى المنصوص فيها بقوله: لا يصح، فيجعله هو تخريجاً في الأولى، فيكون فيها قولان:
الأول: يصح، وهو المنصوص عليه فيها.
والثاني: لا يصح، وهو المخرج من الثانية.
وهكذا يفعل في المسألة الثانية، فإذا عبروا عن حكم إحدى المسألتين قالوا: فيها قولان، بالنقل والتخريج.
وعن هذا المسلك قال في الروضة: «ذكر الشيخ أبو إسحاق أنه إذا نص الإمام في واقعة على حكم، وفي أخرى شبهها على خلافه: فلا يجوز نقل قوله في
стр. 25
إحداهما إلى الأخرى وتخريجهما على قولين، وأن ما يقتضيه قوله لا يجعل قولاً إلا إذا لم يحتمل».
قال النووي: «والمعروف في المذهب خلاف ما قاله، لكن الأولى أن يقال: إنه قياس أصله، أو قياس قوله، ولا يقال: هو قوله».
ومن الأمثلة على النقل والتخريج أن الشافعي ﵀ أفتى في مسألة في «الحج»، وهذه المسألة هي: إذا أَهَلَّ الحاج بقوله: أهللت بإهلال كإهلال فلان. فهل يصح ذلك؟ قال الشافعي: يصح. ثم أفتى في مسألة تشابهها - ولو ظاهرًا - في باب «الطلاق» وهي: إذا قال الرجل: طلقت زوجتي كطلاق فلان: فهل يقع طلاقه كطلاق فلان هذا؟ قال الشافعي: لا يصح.
فبعض الأصحاب يقول في المسالة الأولى في الحج: فيها قولان بالنقل والتخريج:
أحدهما: يصح، وهو المنصوص عليه.
والثاني: لا يصح، وهو المخرج من مسألة الطلاق.
وكذلك يقولون في مسألة الطلاق: فيها قولان، بالنقل والتخريج:
أحدهما: لا يصح وهو المنصوص عليه فيها.
والثاني: يصح، وهو المخرج من مسألة «الإهلال».
ومثاله أيضًا: أن الأمة المزوجة إذا قتلها سيدها - قبل دخول زوجها بها- نص الشافعي أن المهر يسقط كما في المختصر.
ونص في «الأم» أن الحرة إذا قتلت نفسها - قبل الدخول بها - لا يسقط شيء من مهرها.
فاختلف الشافعية في هاتين المسألتين، فبعضهم يُقَرِّرُ النصَّيْنِ - كلاً في موضعه - ولا ينقل حكم إحداهما إلى الأخرى. ولكن الأشهر عند الشافعية طَرْدُ القولين في المسألتين.
ومن المثال الأخير يتضح لنا أن علماء الشافعية لا يتفقون - غالبا - على هذا التصرف - أعني نقل حكم كل مسألة إلى الأخرى، فيكون في كل منهما قولان
стр. 26
بالنقل والتخريج - وذلك لانقداح فرق بين المسألتين، ومن ثم فهو يُقَرِّرُ النصين، كلاً في موضعه.
ومن أمثلة ذلك كما في «الوسيط في المذهب للغزالي» * مسألة في «المهادنة» وهى: إذا أراد الكفار المهادنة وطلبوا ذلك - وليس للمسلمين حاجة في عقد المهادنة - فهل تجب الإجابة إلى طلبهم؟ فيها قولان بالنقل والتخريج:
الأول: أنه لا يجب، وهو الصحيح والمنصوص.
والثاني: أنه يجب، وهو وجه مُخَرَّج من الجزية إذا طلبها الكفار لكف القتال.
وفي مسألة «الجزية» إذا طلبها الكفار - من أهل الكتاب - وجبت الإجابة إلى طلبهم، وهو المنصوص. وفيها قول مخرج من المهادنة: أنه لا تجب الإجابة. وعن هذين القولين المخرجين يقول الغزالي ﵀: والوجهان ضعيفان، والصحيحُ الفَرْقُ، فإنّ عَقْدَ الذمة كف بمال، وهذه مسامحة.
ومثال آخر: وهي مسألة في «الشهادة» أنه لو شَهِدَا حسبةً على رجل أنه سرق مال فلان الغائب، فهل يُقطع هذا السارق أم يُنتظر حضور المالك ورفع الدعوى؟ نص الشافعي ﵀ أنه لا يُقطع ما لم يخضر المالك.
ثم نص الشافعي أنه لو شهدوا على رجل أنه زنا بجارية فلان الغائب، نص أنه يُحدُّ في الحال ولا ينتظر مجيء سيدها.
فقيل: قولان، بالنقل والتخريج، وطردوا ذلك أيضًا في إقرار المتهم في المسألتين.
ومنهم مَنْ فَرَّقَ بين المسألتين وقَرَّرَ النصَّيْنِ - كما قال الغزالي في الوسيط في هذه المسألة بقوله: وهو الأصح، لأن المالك لو حضر وقال: كنتُ أبختُ له هذا المال، فإن حد السرقة يُدْرَأ عن السارق، وذلك بخلاف الزنا، فإن الحد لا يسقط بإباحة سيد الأَمَةِ وَطْأَها.
_________
* وقد حققت هذا الكتاب بفضل الله تعالى - أنا وأخي الدكتور أحمد محمود، ومعه مشكل الوسيط لابن الصلاح، وطبع في سبعة أجزاء كبار.
стр. 27
وأحيانا: يستشكل بعضهم الفرق بين المسألتين، كما فعل الغزالي في مسألة المطلقة الرجعية إذا وطئها زوجها - قبل أن يَرُدَّها، وقبل انتهاء عدتها - فهل يلزمه مهر بهذا الوطء؟ نص الشافعي: أن لها المهر.
ونص في المرتدة: إذا وطئها زوجها - قبل عودتها إلى الإسلام - أن لا مهر لها، فاستشكل الغزالي ﵀ الفرق بين المسألتين - إذ إن كلا منهما اشتملت على وطء غير مباح - بقوله: والفرقُ مُشكِلٌ.
كثرة التخريجات في المذهب الشافعي: مما لا شك فيه أنه قد توفرت للمذهب الشافعي عدة أسباب جعلته غنيًّا بالأوجه، ويمكن حصر هذه الأسباب في الأمور التالية:
١ - أن الشافعي ﵀ قد توافر له أمر «لم يتوافر لغيره من الأئمة أصحاب المذاهب، لأنه دَوَّنَ أصوله، وذكر القواعد التي يُرجع إليها في استنباط مذهبه، ولم يُؤثر عن غيره من الأئمة - أصحاب المذاهب - أنْ بَيَّنَ قواعده كما بَيَّنَها الشافعي».
٢ - كثرة الأقوال المأثورة عن الشافعي ﵀ ما بين قديم وجديد، وكثرة الأقوال في الجديد نفسه، ففي بعض المسائل قولان، وثلاثة. وهذه الكثرة فتحت مجالاً رحبا للقياس عليها والتخريج على هذيها.
٣ - كثرة المجتهدين المتقيدين بأصول الشافعي وقواعد مذهبه. وهذا أمر ملحوظ في المذهب الشافعي.
٤ - اختلاف بيئات المجتهدين المتقيدين بأصول المذهب، فمما لا شك فيه «أنهم - في تخريجاتهم - متأثرون ببيئاتهم ومشاربهم، والأحداث التي تنزل بهم وطرق علاجها، وأن ذلك - بلا ريب - يدعو إلى اختلافهم في آرائهم وإن كانوا يَسْتقون من معين واحد ومتقيدين بأصل واحد، فإنّ اختلاف نزوعهم الفكري واختلاف بيئاتهم واختلاف النوازل، سيكون له الأثر في توجيه الرأي وتخريج المذهب.
* * *
стр. 28
علام يتم التخريج في المذهب الشافعي؟.
هناك عدة أمور تكون أصلاً لما يتم تخريجه من الأوجه والأحكام، ويمكن حصرها في الآتي:
١ - الأصول التي بني عليها المذهب الشافعي.
٢ - القواعد المقررة في المذهب.
٣ - وقائع بعينها نص الشافعي ﵀ على حكمها، ونص علة هذا الحكم أيضا، فينقل حكمها لواقعة لم ينص عليها الشافعي، لاشتراك العلة بينهما.
٤ - وقائع بعينها نص على حكمها الشافعي ولكن لم ينص على علتها، فتعرض واقعة أخرى ينقدح في ذهن المجتهد أنه لا فرق بين الواقعتين، فينقل، إليها الحكم المنصوص في مثيلتها.
هل ينسب القول المخرج إلى الشافعي؟
تنقسم التخريجات التي يخرجها علماء الشافعية إلى قسمين:
الأول: تخريجات تعد خارجة عن المذهب، ولا تنسب إليه «وهي التي يكون المخرج قد خالف فيها للشافعي في واقعة من الوقائع، أو خالف فيها قاعدة من القواعد الأصولية، فإن هذه لا تحتسب من المذهب الشافعي، لمخالفتها لرأيه، أو منافاتها في الاجتهاد لأصله، إذ لا ينسب إلى مذهب الشافعي ما يكون ضد رأيه، ولا يعد من مذهبه ما جرى على غير أصوله وخرج على غير قواعد. وقد كان من بعض أصحابه من سلك ذلك المسلك في مسائل انفرد بها».
قلت: ومن هؤلاء الذين يشير الإمام أبو زهرة: المزني وأبو ثور.
الثاني: تخريجات تعد من المذهب الشافعي. «وهي التي خرجت على أصول المذهب وقواعد ولم تخالف نصا للشافعي نفسه، فهذه التخريجات معدودة من مذهب الشافعية، ولكن يقولون: إليها أوجه في مذهبه، لأنه لم يقلها وإن خرجت على أصوله وصارت على قواعده».
стр. 29
وفي ختام هذه المقدمة، أسأل الله تعالى أن ينفع بها جامعها وطابعها وناشرها وقارئها، إنه على ما يشاء قدير، وآخر دعوانا:
أَنِ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
* * *
стр. 30
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على أشرف الخلق سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
قال الشيخ الإمام الحبر البحر الفهام فريد دهره ووحيد عصره شيخ الإسلام والمسلمين محيي السنة في العالمين مفتي المسلمين زين الملة والدين أبو يحيى زكريا الأنصاري الشافعي فسح الله تعالى في مدته ونفعنا والمسلمين ببركته وبمحمد وآله إنه ولي ذلك وقادر عليه (١).
بسم الله الرحمن الرحيم (٢)
الحمد لله الذي أظهر لنا ثمر الروض من كمامه، وأسبغ علينا بفضله ملابس إنعامه، وبصرنا من شرعه بحلاله وحرامه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو الجلال والإكرام، وأشهد أن محمدا عبده، ورسوله المؤيد بمعجزاته العظام صلى الله وسلم عليه، وعلى آله، وأصحابه الغر الكرام.
"وبعد" فهذا ما دعت إليه حاجة المتفهمين للروض في الفقه تأليف الإمام
стр. 31
العلامة شرف الدين إسماعيل بن المقري اليمني من شرح يحل ألفاظه، ويبين مراده، ويذلل صعابه، ويكشف لطلابه نقابه مع فوائد لا بد منها، ودقائق لا يستغني الفقيه عنها على، وجه لطيف، ومنهج حنيف خال عن الحشو، والتطويل حاو للدليل، والتعليل، والله أسأل أن ينفع به، وهو حسبي، ونعم الوكيل"وسميته أسنى المطالب في شرح روض الطالب".
قال رحمه الله تعالى"بسم الله الرحمن الرحيم" أي أبتدئ، وأولى منه أؤلف إذ كل فاعل يبدأ في فعله ببسم الله يضمر ما جعل التسمية مبدأ له كما أن المسافر إذا حل أو ارتحل فقال بسم الله كان المعنى بسم الله أحل، وبسم الله أرتحل.
والاسم مشتق من السمو، وهو العلو، وقيل من الوسم، وهو العلامة، وإنما حذفوا ألفه، وإن كان وضع الخط على حكم الابتداء دون الدرج لكثرة الاستعمال مع أنهم طولوا الباء لتكون كالعوض من الألف.
والله علم على الذات الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد.
والرحمن الرحيم صفتان مشبهتان بنيتا للمبالغة من رحم كغضبان من غضب، وسقيم من سقم والرحمة رقة القلب، وهي كيفية نفسانية تستحيل في حقه تعالى فتحمل على غايتها، وهي الإنعام، وبنيت الصفة المشبهة من رحم مع أنه متعد بجعله لازما، ونقله إلى فعل بالضم.
والرحمن أبلغ من الرحيم لأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى كما في قطع، وقطع، وعليه نقض ذكرته (١) مع جوابه في شرح البهجة.
"الحمد لله" بدأ رحمه الله تعالى بالبسملة، وبالحمدلة اقتداء بالكتاب العزيز، وعملا بخبر "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو
стр. 32
أقطع"، وفي رواية"بالحمد لله" رواه أبو داود، وغيره، وحسنه ابن الصلاح، وغيره (١)، وجمع بين الابتداءين عملا بالروايتين، وإشارة إلى أنه لا تعارض بينهما إذ الابتداء حقيقي، وإضافي فبالبسملة حصل الحقيقي (٢)، وبالحمدلة حصل الإضافي، وقدم البسملة عملا بالكتاب، والإجماع.
والحمد لغة: هو الثناء باللسان (٣) على الجميل الاختياري على جهة التبجيل سواء أتعلق بالفضائل أم بالفواضل، وعرفا فعل ينبئ عن تعظيم المنعم لكونه منعما على الحامد أو غيره فيتناول القول، والفعل.
قال بعض المحققين من الصوفية: وهو بالفعل أقوى منه بالقول لأن
стр. 33
الأفعال التي هي آثار السخاوة مثلا تدل عليها دلالة عقلية قطعية لا يتصور فيها تخلف بخلاف الأقوال فإن دلالتها عليها وضعية، وقد يتخلف عنها مدلولها، ومن هذا القبيل حمدا لله، وثناؤه على ذاته، وذلك أنه تعالى حين بسط بساط الوجود على ممكنات لا تحصى، ووضع عليه موائد كرمه التي لا تتناهى فقد كشف سبحانه عن صفات كماله، وأظهرها بدلالات قطعية تفصيلية غير متناهية فإن كل ذرة من ذرات الوجود تدل عليها، ولا يتصور في العبارات مثل هذه الدلالات، ومن ثم قال ﵊: "سبحانك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك (١) ". وقد بسطت الكلام على الحمد والشكر في شرح البهجة، وغيره (٢).
"الذي جعل الكتاب العزيز" أي القرآن"روضة دانية قطوفها" أي قريبة ثمارها، والمراد فوائدها، والروضة تقال لبقعة ذات أشجار كثيرة الثمار، والبقل، والعشب، وقد استعار لفظها للقرآن، ورشح الاستعارة بدانية قطوفها"وأوجز" أي قلل مبانيه، وكثر معانيه"فأعجز" خلقه عن إدراك معانيه، وعن إتيانهم بمثله "وجمع" فيه"علم الأولين، والآخرين في كلم" عدتها على ما روي عن ابن مسعود سبع، وسبعون ألفا، وتسعمائة، وأربع، وثلاثون "معدودة حروفها (٣) "، وهي على ما روي عن ابن مسعود ثلاثمائة ألف،
стр. 34
وأربعة آلاف، وسبعمائة، وأربعون، وفيها، وفي الكلم أقوال أخر.
"أحمده حمد من رتع في روض مواهبه" جمع موهبة بالكسر، وبالفتح العطية، وبالفتح نقرة في الجبل يستنقع فيها الماء، وروض جمع روضة ذكر ذلك الجوهري. وقد استعار المصنف لفظ الرتوع، وهو التنعم بالأكل للتنعم بالمعاني ثم رشح الاستعارة بالروض"و" حمد من"تعاورت" أي تداولت"ربوات" أي مرتفعات"أرضه هو أطل سحائبه" فاعل تعاورت أي سحائبه الهواطل أي كثيرة المطر، والسحائب جمع سحابة، وهي الغيم قاله الجوهري، والمراد من توالت عليه نعم الله تعالى فالضمير في أرضه للحامد، وفي سحائبه لله تعالى.
وقد ذكر الحمد مرتين ليجمع بين نوعيه الواقع في مقابلة صفات الله العظام، والواقع في مقابلة نعمه الجسام التي من جملتها التوفيق لتأليف هذا الكتاب، ولما كانت صفاته تعالى قديمة مستمرة، والنعم متجددة متعاقبة ذكر الأول بالجملة الاسمية الدالة على الثبوت، والاستمرار، والثاني بالفعلية الدالة على التجدد، والتعاقب.
"وأصلي"، وأسلم"على رسوله محمد الذي أرسله" الله"رحمة للعالمين" الإنس، والجن، والصلاة من الله رحمة، ومن الملائكة استغفار، ومن الآدمي تضرع، ودعاء والرسول إنسان أوحي إليه بشرع، وأمر بتبليغه، والنبي إنسان أوحي إليه بشرع، وإن لم يؤمر بتبليغه فهو أعم مطلقا من الرسول، وقد بسطت الكلام على ذلك في غير هذا الكتاب.
وسمي ﷺ محمدا لكثرة خصاله الحميدة"فشرع الشرائع" أي سنها"وفقه" أي فهم"في الدين" أي الشريعة"صلى الله"، وسلم"عليه، وعلى آله"، وهم مؤمنو بني هاشم، وبني المطلب كما سيأتي في الزكاة"، وصحبه"، وهم من لقوا النبي ﷺ مؤمنين"أجمعين" تأكيد لآله، وصحبه، وقرن الثناء عليه تعالى بالصلاة على من ذكر أما على محمد ﷺ فلقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾
стр. 35
[الشرح: ٤] أي لا أذكر إلا، وتذكر معي كما في صحيح ابن حبان (١). وأما على آله، وصحبه فتبعا له لخبر "قولوا اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد" (٢)، ويصدق على الصحب في قول، ولأنها إذا طلبت على الآل غير الصحب فعلى الصحب أولى، وهو اسم جمع لصاحب، وقيل جمع له، وكرر الصلاة عليه ﷺ إظهارا لعظمته، وجمعا بين إسنادها إلى نفسه، وإسنادها إلى الله تعالى، وكذا بين الجملة المضارعية، والماضوية، ولو ذكر معها السلام كان أولى ليخرج من كراهة إفراد أحدهما عن الآخر، ولعله ذكره لفظا.
"أما بعد"، وفي نسخة، "وبعد" (٣) أي بعدما تقدم"فهذا" المؤلف الحاضر ذهنا إن ألف بعد الخطبة أو خارجا أيضا إن ألف قبلها"كتاب اختصرت فيه ما في الروضة" للإمام النووي ﵀" (٤) المختصرة من
стр. 36
العزيز" شرح الوجيز للإمام الرافعي (١) "وقربته" أي أدنيته"على الطالب" للعلم"بعبارة بينة، ولفظ، وجيز" أي مختصر"وحذفت" منه"الخلاف" الذي فيه تصحيح"وقطعت بالأصح" غالبا"واختصرت اسمه" أي الكتاب"من اسم أصله"، وهو روضة الطالبين"فسميته روض الطالب، وأرجو" من الرجاء بالمد، وهو الأمل يقال رجوت فلانا رجوا، ورجاء، ورجاوة، وترجيته، وارتجيته، ورجيته كله بمعنى رجوته قاله الجوهري أي أؤمل"أن ينفع الله به المسلمين، وأن يجعله لي، وسيلة" أي سببا أتقرب به"إلى النجاة" من كل هول"يوم الدين" (٢) أي الجزاء، وهو يوم القيامة"آمين" اسم فعل بمعنى استجب، وسيأتي بيان لغاته في صفة الصلاة.
стр. 37
"كتاب الطهارة"
هو لغة الضم، والجمع يقال كتب كتبا، وكتابة، وكتابا، ومثله الكثب بالمثلثة، ومنه كثيب الرمل لكنه ينظره إلى الانصباب، واصطلاحا اسم لضم مخصوص أو لجملة مختصة من العلم مشتملة على أبواب، وفصول غالبا فهو إما مصدر لكن لضم مخصوص أو اسم مفعول بمعنى المكتوب أو اسم فاعل بمعنى الجامع للطهارة، وهي مصدر طهر بفتح الهاء، وضمها، والفتح أفصح يطهر بضمها فيهما، وهي لغة النظافة، والخلوص من الأدناس حسية كالأنجاس أو معنوية كالعيوب يقال تطهرت بالماء، وهم قوم يتطهرون أي يتنزهون عن العيب كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٨٢].
وشرعا رفع حدث أو إزالة نجس أو ما في معناهما، وعلى صورتهما كالتيمم، والأغسال المسنونة، وتجديد الوضوء، والغسلة الثانية، والثالثة، وما اعترض به على ذلك ذكرته مع جوابه، وفوائد أخر في شرح البهجة.
قال الله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١] عدل إليه عن قول الأصل (١) قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً﴾ [الفرقان: ٤٨] لما قيل أنه أصرح منه دلالة"المطهر للحدث"، وهو هنا أمر اعتباري يقوم بالأعضاء يمنع صحة الصلاة حيث لا مرخص"والخبث"، وهو مستقذر يمنع صحة الصلاة حيث لا مرخص"الماء المطلق" أي لا غيره من تراب تيمم، وحجر استنجاء، وأدوية دباغ، وشمس، وريح، ونار، وغيرها حتى التراب في غسلات الكلب فإن المزيل هو الماء بشرط امتزاجه بالتراب في غسله منها كما سيأتي في بابه فالجملة مفيدة للحصر بتعريف طرفيها، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣]، وقوله ﷺ في خبر الصحيحين حين بال الأعرابي في المسجد: "صبوا عليه ذنوبا من ماء" (٢)،
стр. 38
والذنوب الدلو الممتلئة ماء. والأمر للوجوب فلو رفع غير الماء لم يجب التيمم عند فقده، ولا غسل البول به، ولا يقاس به غيره لأن اختصاص الطهر به عند الإمام (١) تعبد، وعند غيره لما فيه من الرقة، واللطافة التي لا توجد في غيره، وحذف من كلام الأصل من المائعات لعدم الحاجة إليه.
فإن قلت بل يحتاج إليه لإخراج التراب فإنه مطهر، وليس بماء قلت مسلم أنه مطهر لكنه مطهر للحدث لا للخبث، والكلام في المطهر لكل منهما مع أن كلامنا في الرافع لا في المبيح فقط، ولهذا عبر المحرر بقوله لا يجوز رفع حدث، ولا إزالة نجس إلا بالماء المطلق، والمنهاج بقوله يشترط لرفع الحدث، والنجس ماء مطلق، وإنما اقتصروا على رفعهما لأنهما الأصل، وإلا فالطهارة المسنونة مثلا كالغسلة الثانية، والثالثة لا تحصل إلا بالماء المطلق"وهو العاري عن إضافة لازمة" أي قيد لازم فخرج المقيد بذلك سواء أقيد بإضافة نحوية كماء الورد أم بصفة كماء دافق أي مني أم فاللام عهد كقوله في الحديث "نعم إذا رأت الماء" (٢) أي المني، وأورد على التعريف المتغير كثيرا بما لا يؤثر كطين، وطحلب فإنه مطلق مع أنه لم يقر عما ذكر، وأجيب بمنع أنه مطلق. وإنما أعطى حكمه في جواز التطهير به للضرورة فهو مستثنى من غير المطلق على أن الرافعي قال أهل اللسان والعرف لا يمتنعون من إيقاع اسم الماء المطلق عليه فعليه لا إيراد أصلا"ولو" كان العاري عما ذكر"ماء ينعقد بجوهره" أو بغيره المفهوم بالأولى كسبوخة الأرض"ملحا" لأن اسم الماء يتناوله في الحال، وإن تغير بعد"أو" كان"بخاره" أي رشح بخار الماء المغلي لأنه ماء حقيقة، وينقص منه بقدره، وهذا ما صححه النووي تلويحا في الروضة، وصريحا في غيرها، ونقله الرافعي في الشرح الصغير عن الروياني (٣) ثم قال، ونازع فيه عامة الأصحاب،
стр. 39
وقالوا يسمى بخارا أو رشحا لا ماء على الإطلاق"لا قليل" بالرفع عطفا على المطلق أو العاري أي لا ماء قليل"مستعمل في فرض" من رفع حدث أو خبث فلا يطهر شيئا لانتقال المنع إليه، ولأن السلف لم يجمعوه في أسفارهم لاستعماله ثانيا مع احتياجهم إليه، وعدم استقذاره في الطهارة بل عدلوا إلى التيمم.
فإن قلت طهور في الآية السابقة بوزن فعول فيقتضي تكرر الطهارة بالماء قلت فعول يأتي اسما للآلة كسحور لما يتسحر به فيجوز أن يكون طهورا كذلك، ولو سلم اقتضاؤه التكرر فالمراد جمعا بين الأدلة ثبوت ذلك لجنس الماء، وفي المحل الذي يمر عليه فإنه يطهر كل جزء منه.
والمراد بالفرض ما لا بد منه أثم بتركه أم لا كما أشار إليه بقوله"ولو من حنفي بلا نية، وصبي" إذ لا بد لصحة صلاتهما من الوضوء، والأول يأثم بتركه دون الثاني، ولا أثر لاعتقاد الشافعي (١) أن ماء الحنفي (٢) فيما ذكر لم يرفع حدثا بخلاف اقتدائه بحنفي مس فرجه حيث لا يصح اعتبارا باعتقاده لأن الرابطة معتبرة في الاقتداء دون الطهارات (٣)، ولأن الحكم بالاستعمال قد يوجد من غير نية معتبرة كما في إزالة النجاسة، وغسل المجنونة، والممتنعة من الغسل بخلاف الاقتداء لا بد فيه من نية معتبرة، ونية الإمام فيما ذكر غير معتبرة في ظن
стр. 40
المأموم.
ثم المستعمل ليس بمطلق على ما صححه النووي في تحقيقه، وغيره، واقتضاه كلام المصنف كالروضة، ومطلق على ما جزم به الرافعي، وقال النووي في شرح التنبيه أنه الصحيح عند الأكثرين لكن منع من استعماله تعبدا فهو على هذا مستثنى من المطلق كما استثني منه القليل المتنجس بوصول نجس.
"وغسل" بالجر عطفا على حنفي أي، ولو كان المستعمل من طهارة حنفي بلا نية، ومن غسل"بدل مسح" كما لو استعمل في طهارته أكثر من قدر حاجته، وكلامه شامل لما جزم به البارزي (١) من غسل الخف، والجبيرة بدل مسحهما فهو أعم من قول الروضة، ولو غسل رأسه بدل مسحه فالأصح أنه مستعمل"أو غسل ميت" من زيادته عطفه باء، وتنبيها على أنه نوع آخر لأن وجوبه ليس للحدث بل للموت بخلاف ما قبله، وما بعده"و" غسل"كافرة" بقصد حلها"لمسلم" زوج أو سيد لأنه يلزمها تمكينه، ولا يتم إلا بغسلها فيجب، ولو عبر كالروضة بالكتابية كان أولى لما سيأتي أن ما سواها من الكافرات حرام، وكالمسلم الكافر فيما يظهر بناء على أنه مكلف بالفروع، وهي مكلفة بالغسل له كالمسلمة ثم ترجح عندي خلاف ذلك عملا بتقييدهم الحكم بالمسلم لأن الاكتفاء بهذه النية إنما هو للتخفيف عليه، والكافر لا يستحقه لقدرته على الاكتفاء بها بأن يسلم"و" غسل"مجنونة" بأن غسلت بقصد حلها"لزوج" أو سيد، وهذا من زيادته.
ولو قال كما في التي قبلها المسلم كان أنسب"لا" مستعمل"في نفل" فإنه طهور لعدم استعماله في فرض، ولك أن تقول شرط العطف بلا أن يسبق