العزيز" شرح الوجيز للإمام الرافعي (١) "وقربته" أي أدنيته"على الطالب" للعلم"بعبارة بينة، ولفظ، وجيز" أي مختصر"وحذفت" منه"الخلاف" الذي فيه تصحيح"وقطعت بالأصح" غالبا"واختصرت اسمه" أي الكتاب"من اسم أصله"، وهو روضة الطالبين"فسميته روض الطالب، وأرجو" من الرجاء بالمد، وهو الأمل يقال رجوت فلانا رجوا، ورجاء، ورجاوة، وترجيته، وارتجيته، ورجيته كله بمعنى رجوته قاله الجوهري أي أؤمل"أن ينفع الله به المسلمين، وأن يجعله لي، وسيلة" أي سببا أتقرب به"إلى النجاة" من كل هول"يوم الدين" (٢) أي الجزاء، وهو يوم القيامة"آمين" اسم فعل بمعنى استجب، وسيأتي بيان لغاته في صفة الصلاة.
стр. 37
"كتاب الطهارة"
هو لغة الضم، والجمع يقال كتب كتبا، وكتابة، وكتابا، ومثله الكثب بالمثلثة، ومنه كثيب الرمل لكنه ينظره إلى الانصباب، واصطلاحا اسم لضم مخصوص أو لجملة مختصة من العلم مشتملة على أبواب، وفصول غالبا فهو إما مصدر لكن لضم مخصوص أو اسم مفعول بمعنى المكتوب أو اسم فاعل بمعنى الجامع للطهارة، وهي مصدر طهر بفتح الهاء، وضمها، والفتح أفصح يطهر بضمها فيهما، وهي لغة النظافة، والخلوص من الأدناس حسية كالأنجاس أو معنوية كالعيوب يقال تطهرت بالماء، وهم قوم يتطهرون أي يتنزهون عن العيب كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٨٢].
وشرعا رفع حدث أو إزالة نجس أو ما في معناهما، وعلى صورتهما كالتيمم، والأغسال المسنونة، وتجديد الوضوء، والغسلة الثانية، والثالثة، وما اعترض به على ذلك ذكرته مع جوابه، وفوائد أخر في شرح البهجة.
قال الله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١] عدل إليه عن قول الأصل (١) قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً﴾ [الفرقان: ٤٨] لما قيل أنه أصرح منه دلالة"المطهر للحدث"، وهو هنا أمر اعتباري يقوم بالأعضاء يمنع صحة الصلاة حيث لا مرخص"والخبث"، وهو مستقذر يمنع صحة الصلاة حيث لا مرخص"الماء المطلق" أي لا غيره من تراب تيمم، وحجر استنجاء، وأدوية دباغ، وشمس، وريح، ونار، وغيرها حتى التراب في غسلات الكلب فإن المزيل هو الماء بشرط امتزاجه بالتراب في غسله منها كما سيأتي في بابه فالجملة مفيدة للحصر بتعريف طرفيها، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣]، وقوله ﷺ في خبر الصحيحين حين بال الأعرابي في المسجد: "صبوا عليه ذنوبا من ماء" (٢)،
стр. 38
والذنوب الدلو الممتلئة ماء. والأمر للوجوب فلو رفع غير الماء لم يجب التيمم عند فقده، ولا غسل البول به، ولا يقاس به غيره لأن اختصاص الطهر به عند الإمام (١) تعبد، وعند غيره لما فيه من الرقة، واللطافة التي لا توجد في غيره، وحذف من كلام الأصل من المائعات لعدم الحاجة إليه.
فإن قلت بل يحتاج إليه لإخراج التراب فإنه مطهر، وليس بماء قلت مسلم أنه مطهر لكنه مطهر للحدث لا للخبث، والكلام في المطهر لكل منهما مع أن كلامنا في الرافع لا في المبيح فقط، ولهذا عبر المحرر بقوله لا يجوز رفع حدث، ولا إزالة نجس إلا بالماء المطلق، والمنهاج بقوله يشترط لرفع الحدث، والنجس ماء مطلق، وإنما اقتصروا على رفعهما لأنهما الأصل، وإلا فالطهارة المسنونة مثلا كالغسلة الثانية، والثالثة لا تحصل إلا بالماء المطلق"وهو العاري عن إضافة لازمة" أي قيد لازم فخرج المقيد بذلك سواء أقيد بإضافة نحوية كماء الورد أم بصفة كماء دافق أي مني أم فاللام عهد كقوله في الحديث "نعم إذا رأت الماء" (٢) أي المني، وأورد على التعريف المتغير كثيرا بما لا يؤثر كطين، وطحلب فإنه مطلق مع أنه لم يقر عما ذكر، وأجيب بمنع أنه مطلق. وإنما أعطى حكمه في جواز التطهير به للضرورة فهو مستثنى من غير المطلق على أن الرافعي قال أهل اللسان والعرف لا يمتنعون من إيقاع اسم الماء المطلق عليه فعليه لا إيراد أصلا"ولو" كان العاري عما ذكر"ماء ينعقد بجوهره" أو بغيره المفهوم بالأولى كسبوخة الأرض"ملحا" لأن اسم الماء يتناوله في الحال، وإن تغير بعد"أو" كان"بخاره" أي رشح بخار الماء المغلي لأنه ماء حقيقة، وينقص منه بقدره، وهذا ما صححه النووي تلويحا في الروضة، وصريحا في غيرها، ونقله الرافعي في الشرح الصغير عن الروياني (٣) ثم قال، ونازع فيه عامة الأصحاب،
стр. 39
وقالوا يسمى بخارا أو رشحا لا ماء على الإطلاق"لا قليل" بالرفع عطفا على المطلق أو العاري أي لا ماء قليل"مستعمل في فرض" من رفع حدث أو خبث فلا يطهر شيئا لانتقال المنع إليه، ولأن السلف لم يجمعوه في أسفارهم لاستعماله ثانيا مع احتياجهم إليه، وعدم استقذاره في الطهارة بل عدلوا إلى التيمم.
فإن قلت طهور في الآية السابقة بوزن فعول فيقتضي تكرر الطهارة بالماء قلت فعول يأتي اسما للآلة كسحور لما يتسحر به فيجوز أن يكون طهورا كذلك، ولو سلم اقتضاؤه التكرر فالمراد جمعا بين الأدلة ثبوت ذلك لجنس الماء، وفي المحل الذي يمر عليه فإنه يطهر كل جزء منه.
والمراد بالفرض ما لا بد منه أثم بتركه أم لا كما أشار إليه بقوله"ولو من حنفي بلا نية، وصبي" إذ لا بد لصحة صلاتهما من الوضوء، والأول يأثم بتركه دون الثاني، ولا أثر لاعتقاد الشافعي (١) أن ماء الحنفي (٢) فيما ذكر لم يرفع حدثا بخلاف اقتدائه بحنفي مس فرجه حيث لا يصح اعتبارا باعتقاده لأن الرابطة معتبرة في الاقتداء دون الطهارات (٣)، ولأن الحكم بالاستعمال قد يوجد من غير نية معتبرة كما في إزالة النجاسة، وغسل المجنونة، والممتنعة من الغسل بخلاف الاقتداء لا بد فيه من نية معتبرة، ونية الإمام فيما ذكر غير معتبرة في ظن
стр. 40
المأموم.
ثم المستعمل ليس بمطلق على ما صححه النووي في تحقيقه، وغيره، واقتضاه كلام المصنف كالروضة، ومطلق على ما جزم به الرافعي، وقال النووي في شرح التنبيه أنه الصحيح عند الأكثرين لكن منع من استعماله تعبدا فهو على هذا مستثنى من المطلق كما استثني منه القليل المتنجس بوصول نجس.
"وغسل" بالجر عطفا على حنفي أي، ولو كان المستعمل من طهارة حنفي بلا نية، ومن غسل"بدل مسح" كما لو استعمل في طهارته أكثر من قدر حاجته، وكلامه شامل لما جزم به البارزي (١) من غسل الخف، والجبيرة بدل مسحهما فهو أعم من قول الروضة، ولو غسل رأسه بدل مسحه فالأصح أنه مستعمل"أو غسل ميت" من زيادته عطفه باء، وتنبيها على أنه نوع آخر لأن وجوبه ليس للحدث بل للموت بخلاف ما قبله، وما بعده"و" غسل"كافرة" بقصد حلها"لمسلم" زوج أو سيد لأنه يلزمها تمكينه، ولا يتم إلا بغسلها فيجب، ولو عبر كالروضة بالكتابية كان أولى لما سيأتي أن ما سواها من الكافرات حرام، وكالمسلم الكافر فيما يظهر بناء على أنه مكلف بالفروع، وهي مكلفة بالغسل له كالمسلمة ثم ترجح عندي خلاف ذلك عملا بتقييدهم الحكم بالمسلم لأن الاكتفاء بهذه النية إنما هو للتخفيف عليه، والكافر لا يستحقه لقدرته على الاكتفاء بها بأن يسلم"و" غسل"مجنونة" بأن غسلت بقصد حلها"لزوج" أو سيد، وهذا من زيادته.
ولو قال كما في التي قبلها المسلم كان أنسب"لا" مستعمل"في نفل" فإنه طهور لعدم استعماله في فرض، ولك أن تقول شرط العطف بلا أن يسبق
стр. 41
بإيجاب أو أمر أو نداء، وهو منتف هنا"و" لا في"تجديد" هذا داخل فيما قبله فلو قال كتجديد كان أولى.
"فإن جمع" المستعمل فبلغ"قلتين صار طهورا" لخبرهما الآتي، وكما لو جمع المتنجس فبلغ قلتين، ولم يتغير بل أولى، وطهور بفتح الطاء ما يتطهر به، وهو المراد هنا، وبضمها الفعل، وقيل بفتحها فيهما، وقيل بضمها فيهما.
"ولو نوى"، وفي نسخة، وإن"نوى جنب" رفع حدثه الأكبر"ولو قبل تمام الانغماس في ماء قليل أجزأه" الغسل به"في ذلك الحدث" لا في غيره"فلو أحدث بعد غسل رجليه" مثلا من الجنابة"ثم تمم الانغماس لزمه غسل الرجلين للوضوء بالنية" بماء آخر، ولا يجزئه ما انغمس فيه، وهذا ما بحثه الأصل، وإن لم يصرح بهذه الصورة، وصححه السبكي (١)، وغيره، وجزم به المصنف في شرح الإرشاد أيضا، ومقتضى كلام الأئمة كما قال الأصل أنه يجزئه، وهو المعتمد فقد صرح به القاضي والخوارزمي (٢).
стр. 42
وأما البحث فجوابه ما ذكره النووي في شرح الوسيط (١) عن الأصحاب أن صورة الاستعمال باقية إلى الانفصال، والماء في حال استعماله على طهوريته، ويؤيده أنه لو كان به خبث بمحلين (٢) فمر الماء بأعلاهما ثم بأسفلهما طهرا معا كما قاله البغوي (٣).
"وإن نوى جنبان معا بعد تمام الانغماس فيه" أي في الماء القليل"طهرا أو" نويا"مرتبا"، ولو قبل تمام الانغماس"فالأول" طهر دون الثاني لأن الماء صار بالنسبة إليه مستعملا"أو" نويا"معا في أثنائه" أي الانغماس"لم يرتفع" حدثهما"عن باقيهما" لأن ماء كل منهما صار بالنسبة إلى الآخر مستعملا (٤)،
стр. 43
ولو شكا في المعية فالظاهر أنهما يطهران لأنا لا نسلب الطهورية بالشك، وسلبها في حق أحدهما فقط ترجيح بلا مرجح.
"و" الماء"المتردد على عضو المتوضئ و" على"المتنجس، وبدن الجنب إن لم يتغير طهور" للحاجة إلى تطهير الباقي، وعسر إفراد كل جزء بماء جديد، وقوله من زيادته إن لم يتغير لا حاجة إليه فإنه يعلم مما يأتي مع أنه في بعض النسخ مقدم على قوله، وبدن الجنب"فإن جرى الماء من عضو المتوضئ إلى عضوه" (١) الآخر، وإن لم يكن من أعضاء الوضوء كأن جاوز منكبه"أو تقاطر" من عضو (٢) "ولو من" عضو"بدن الجنب صار مستعملا" (٣) لانفصاله عن العضو سواء أتقاطر على عضو آخر أم لا، والترجيح في مسألة الجنب مع التصريح بحكم التقاطر في غيره من زيادته، وصرح به في التحقيق.
"ولو غرف بكفه جنب نوى" رفع الجنابة"أو محدث بعد غسل وجهه" أي الغسلة الأولى كما قاله الزركشي (٤)، وغيره لصحة غسل اليد حينئذ أو
стр. 44
الغسلات الثلاث كما قاله العز بن عبد السلام (١) عملا بالعادة من أن اليد تدخل في الإناء للاغتراف دون تطهيرها في نفسها، وهو الأوجه"من ماء قليل، ولم ينو الاغتراف صار مستعملا" بخلاف ما إذا نواه"فلو غسل بما في كفه" قبل انفصاله كما صرح به في شرح الإرشاد"باقي يده لا غيرها أجزأه" التصريح بهذا، وبقوله قليل من زيادته. وقول الجويني (٢) في تبصرته إذا نوى بعد غسل وجهه رفع الحدث، والماء بكفه ثم غسل به ساعده ارتفع حدث كفه دون حدث ساعده محمول على ما إذا انفصل الماء عنها، والأخذ بهذا التفصيل
стр. 45
أوجه من الأخذ بإطلاق التبصرة، وإن جرى عليه الإسنوي (١) حيث قال بعد نقله كلامها، وقد استفدنا منه أن انفصال العضو مع الماء يقتضي الحكم على الماء بالاستعمال، وإن كان الماء متصلا بالعضو فتفطن لهذه الصورة فإنها مقيدة لإطلاقهم انتهى.
وقد يؤيد التفصيل قول المجموع فيما لو نزل الجنب في الماء، ونوى رفع الجنابة قبل تمام الانغماس أما لو اغترف الماء بإناء أو يده، وصبه على رأسه أو غيره فلا ترتفع جنابة ذلك القدر الذي اغترف له بلا خلاف صرح به المتولي (٢) والروياني، وغيرهما، وهو أوضح لأنه انفصل. انتهى.
"فصل" الماء"المتغير طعما أو لونا أو ريحا بمخالطة طاهر يستغنى" (٣) الماء"عنه كالمني"، والزعفران"تغيرا يمنعه الإطلاق" أي إطلاق اسم الماء عليه
стр. 46
"غير طهور" (١) لأنه غير مطلق"و" لهذا"لا يحنث بشربه" الحالف على أن لا يشرب ماء"فلو لم يغيره" الطاهر المذكور"لموافقته الماء" في صفاته كماء الورد المنقطع الرائحة"فرضناه مخالفا" له فيها لأنه لموافقته لا يغير فاعتبر بغيره كالحكومة"وسطا" في الصفات كلون العصير، وطعم الرمان، وريح الأذن فلا يقدر بالأشد كلون الحبر، وطعم الخل، وريح المسك بخلاف الخبث كما يأتي لفظه.
"فلولم يؤثر" فيه الخليط حسا أو فرضا"استعمله كله"، ومثله ما لو استهلكت النجاسة المائعة في الماء الكثير كما صرح به الأصل"و" إذا لم يكفه الماء، وحده، ولو كمله بمائع يستهلك فيه لكفاه"وجب تكميل الماء به إن (٢) ساوى" قيمته"قيمة ماء مثله" أو نقصت عنها كما فهم بالأولى.
ولو قال إن لم تزد قيمته على قيمة ماء مثله لشمله منطوقا كما شمله كذلك تعبير أصله بقوله إلا أن تزيد قيمة المائع على ثمن ماء الطهارة، وتعبيره بقيمة ماء مثله أي، وهو ما عجز عنه أولى من تعبير أصله بثمن ماء الطهارة.
"ويفرض في النجاسة" الموافقة للماء في الصفات"الأشد" فيها لما مر"و" الماء"المستعمل كمائع" في أنه يفرض مخالفا للماء في صفاته، وسطا"لا في تكثير الماء" فلو ضمه إلى ماء قليل فبلغ قلتين صار طهورا، وإن أثر في الماء بفرضه مخالفا، وهذا من زيادته مع أنه علم من قوله كأصله فيما مر فإن جمع قلتين صار طهورا"، ولا يضر تغير يسير" بطاهر، ولو مخالطا لتعذر صون الماء عنه، ولبقاء إطلاق الاسم، وكذا لو شك في أنه تغير به يسيرا أو كثيرا نعم لو تغير كثيرا ثم زال بعضه بنفسه أو بماء مطلق ثم شك في أن التغير الآن يسير أو كثير
стр. 47
لم يطهر عملا بالأصل في الحالين قاله الأذرعي (١).
"ولا" يضر تغير"كثير بمجاوره" أي الماء"كعود، ودهن"، ولو مطيبين"وكافور صلب" لأن تغيره بذلك لكونه تروحا (٢) لا يمنع إطلاق الاسم عليه، والمجاور ما يتميز في رأي العين، وقيل ما يمكن فصله (٣) بخلاف الخليط فيهما، وقيل المعتبر العرف (٤) "ولا بمكث" (٥) بتثليث ميمه مع إسكان كافه قال في المطلب (٦)، وبفتحهما"ولا بما لا يستغنى" الماء"عنه في
стр. 48
ممره، ومقره كطحلب" (١) بضم الطاء مع ضم اللام، وبفتحها شيء أخضر يعلو الماء من طول المكث"ونورة لم تطبخ، وأوراق شجر تناثرت، وتفتتت" أي، واختلطت، وإن كانت ربيعية أو بعيدة عن الماء لتعذر صون الماء عن ذلك، وقوله من زيادته لم تطبخ مضر إذ الكلام فيما لا يستغني الماء عن المستلزم لعدم طرحه فيه فلا فرق بين المطبوخة، وغيرها.
أما المطروحة فتضر بلا طبخ، وكذا به بلا خلاف كما في الكفاية، وغيرها، وخرج بأوراق الشجر ثمارها لإمكان التحرز عنها غالبا، وبقوله تناثرت ما صرح به في قوله"لا إن طرحت" فتضر لذلك، وبقوله، وتفتتت غير المتفتتة فلا تضر، وإن طرحت لأنها مجاورة، وعطفه أوراق الشجر على ما قبلها يقتضي أن عدم تأثيرها مقيد بما إذا كانت في ممر الماء، ومقره، وليس مرادا، وعبارة الأصل سالمة من ذلك"وكذا إن تغير كثيرا بملح (٢) مائي، وتراب مطروح" (٣) فإنه طهور، ولانعقاد الأول من الماء كالجمد بخلاف الملح الجبلي أي إذا لم يكن بممر الماء، ومقره (٤) كما علم مما مر، وأما الثاني فلموافقته الماء في الطهورية، ولأن تغيره به مجرد كدورة، وهي لا تسلب الطهورية نعم إن تغير حتى صار لا يسمى إلا طينا رطبا سلبها كما صرح به في الشرح الصغير.
стр. 49
وقوله كثيرا معلوم مما مر، وتخصيصه الطرح بالتراب تبع فيه الروضة والرافعي ذكره فيه، وفي الملح، وكذا صنع هو في شرح الإرشاد فكان الأولى أن يقول مطروحين، وأولى منه أن يقول، وإن طرحا.
"وكره" شرعا"تنزيها استعمال متشمس" (١) في البدن"بمنطبع" أي مطرق"من غير النقدين" كالحديد"في قطر حار" كمكة" (٢) ما لم يبرد" لما روى الشافعي عن عمر أنه كان يكره الاغتسال بالماء المشمس، وقال أنه يورث البرص، ولأن الشمس بحدتها تفصل منه زهومة تعلو الماء فإذا لاقت البدن بسخونتها خيف منها البرص بخلاف المتسخن بالنار لا يكره كما سيأتي لذهاب الزهومة بها لقوة تأثيرها، وبخلاف المتشمس بغير المنطبع كالخزف، والحياض أو بالمنطبع من النقدين لصفاء جوهرهما أو بالمنطبع من غيرهما في قطر بارد أو معتدل أو قطر حار لكن يرد خلافا لما صححه في الشرح الصغير من بقاء الكراهة بعد التبريد، وتعبيره بمتشمس أولى من تعبير الأصل بمشمس إذ لا فرق بين المتشمس بنفسه، والمتشمس بغيره.
"فلو استعمله في غير البدن" كالثوب"أو" في"مأكول غير مائع لم يكره". والثانية من زيادته مذكورة في المجموع، وهي مقيدة لقول الروضة، ويختص باستعماله في البدن، وقال ابن الصلاح ينبغي فيها الكراهة لأن الأجزاء المنفصلة من الإناء تمازج الطعام فتؤثر في البدن، واستحسنه الزركشي (٣) قال، وغير الماء من المائعات كالماء، وشمل كلامهم كراهة استعماله (٤) في بدن الميت لأنه محترم كما في الحياة (٥)،. . . . . . . . . . .
стр. 50
. . . . . . . . وكلام الشامل (١) يقتضي خلافه.
"ولو عدم غيره استعمله" وجوبا إن ضاق الوقت"ولم يتيمم" لقدرته على ماء مطهر"ووجب" شراؤه كغيره من المياه، ولأن تحصيل مصلحة الواجب (٢) أولى من دفع مفسدة المكروه، وقوله، ولو عدم إلخ من زيادته، وبه صرح ابن عبد السلام، وما ذكر من كراهة المتشمس هو المشهور، وصححه الشيخان.
"و" لكن"المختار" عند النووي دليلا"عدم الكراهة مطلقا" عن شروطها السابقة، وصححه في تنقيحه، وقال في مجموعه إنه الصواب الموافق للدليل، ولنص الأم حيث قال فيها لا أكرهه إلا أن يكون من جهة الطب أي إنما أكرهه شرعا حيث يقتضي الطب محذورا فيه، وأثر عمر ضعيف لأنه من رواية إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، وقد اتفقوا على تضعيفه، وجرحوه إلا الشافعي فوثقه فثبت أنه لا أصل لكراهته، ولم يثبت عن الأطباء فيه شيء. انتهى.
ويجاب بأن دعواه أن الموافق للدليل، ولنص الأم عدم الكراهة ممنوعة، وأثر عمر رواه الدارقطني بإسناد آخر صحيح (٣) على أن الحصر في قوله إلا الشافعي فوثقه ممنوع بل، وثقه ابن جريج، وابن عدي، وغيرهما كما ذكره الإسنوي، وقوله، ولم يثبت عن الأطباء فيه شيء شهادة نفي لا يرد بها قول الشافعي. ويكفي في إثباته إخبار السيد عمر ﵁ الذي هو أعرف بالطب من غيره (٤)، وتمسكه به من حيث إنه خبر لا تقليد.
стр. 51
وضابط المشمس على ما أفهمه كلام الماوردي (١) أن ينتقل بالشمس عن حالته إلى حالة أخرى حتى لو كان شديد البرودة فخف برده بالشمس فمتشمس (٢)، ونقله في البحر (٣) عن الأصحاب فقال قال أصحابنا تأثير الشمس في مياه الأواني تارة تكون بالحمى، وتارة بزوال برده، والكراهة في الحالين سواء قال الزركشي، وغيره بعد نقلهم ذلك، والمفهوم من كلام من اشترط الآنية المنطبعة، والبلاد الحارة أن ذلك يختص بما يظهر تأثير الشمس فيه فإنها في مثل هذه الآنية تفصل أجزاء سمية تؤثر في البدن، والظاهر أنه إنما يكون عند ظهور السخونة، وما قالوه أوجه (٤).
"ويكره" تنزيها"شديد حرارة و" شديد"برودة" لمنع كل منها الإسباغ نعم إن فقد غيره، وضاق الوقت، وجب استعماله أو خاف منه ضررا حرم، وهو، واضح"و" تكره"مياه ثمود"، وكل ماء مغضوب عليه كماء ديار قوم لوط، وماء ديار بابل (٥) "لا" ماء"بئر الناقة" "لأنه ﷺ أمر الناس النازلين على الحجر أرض ثمود بأن يهريقوا ما استقوا، ويعلفوا الإبل العجين، وأن يستقوا من بئر الناقة" رواه الشيخان (٦)، وقوله: ومياه ثمود لا بئر الناقة من زيادته أخذا
стр. 52
من المجموع، وغيره"ولا يكره" ماء"بحر" لأخبار كخبر هو الطهور ماؤه الحل ميتته رواه أبو داود، والترمذي، وصححه (١)، وخبر "من لم يطهره ماء البحر فلا طهره الله" رواه الدارقطني بإسناد حسن (٢)، ولأنه لم يتغير عن أصل خلقته فأشبه غيره، وما روي من أنه ﷺ قال: "تحت البحر نار، وتحت النار بحر" حتى عد سبعة، وسبعة ضعيف باتفاق المحدثين (٣). ولو ثبت لم يكن فيه دليل قاله في المجموع، ولو حذف المصنف لا يكره كان أنسب، وأخصر"و" لا"ماء زمزم" لعدم ثبوت نهي فيه نعم تكره إزالة النجاسة به كما قاله الماوردي، وصرح به الروياني، وغيره بالنسبة للاستنجاء (٤).
"فائدة" قال البلقيني (٥) في مختصر تاريخ مكة ماء زمزم أفضل من
стр. 53
الكوثر لأن به غسل صدر النبي ﷺ ولو لم يكن يغسل إلا بأفضل المياه.
"ولا متغير بما لا بد منه" كمتغير بما في مقره، وممره لتعذر الاحتراز عنه"و" لا"متسخن" بالنار"ولو بنجاسة" لعدم ثبوت نهي فيه، وكلامهم شامل للنجاسة الغلظة، وفيه وقفة.
стр. 54
"باب بيان النجاسة، والماء النجس"
عرفها بعضهم بكل عين حرم تناولها مطلقا في حالة الاختيار مع سهولة تمييزها، وإمكان تناولها (١) لا لحرمتها، ولا لاستقذارها (٢)، ولا لضررها في بدن أو عقل فاحترز بمطلقا عما يباح قليله كبعض النباتات السمية، الاختيار عن حالة الضرورة فيباح فيها تناول النجاسة بسهولة تمييزها عن دود الفاكهة، ونحوها فيباح تناوله معها، وهذان القيدان للإدخال لا للإخراج، وبإمكان تناولها عن الأشياء الصلبة كالحجر، وبالبقية عن الآدمي، وعن المخاط، ونحوه، وعن الحشيشة المسكرة، والسم الذي يضر قليله، وكثيره، والتراب فإنه لم يحرم تناولها لنجاستها بل لحرمة الآدمي، واستقذار المخاط، ونحوه، وضرر البقية (٣)، وعرفها المصنف كأصله بالعد فقال مبتدئا بتقسيم ما يشملها، وغيرها.
"الأعيان جماد، وحيوان فالجماد طاهر" على الأصل فيها إذ الأصل فيها الطهارة لأنها خلقت لمنافع العباد، ولو من بعض الوجوه قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾ [البقرة: ٢٩]. وإنما يحصل الانتفاع أو يكمل بالطهارة "لا خمر"، وهي المشتد من ماء العنب "ولو محترمة، وبباطن" حبات "عنقود" فنجسة تغليظا، وزجرا عنها كالكلب، ولأنها رجس بنص القرآن (٤)، والرجس النجس، والمحترمة قال الشيخان في. . . . . . . . . . .
стр. 55
الغصب (١) هي ما عصر لا بقصد الخمرية، وفي الرهن ما عصر بقصد الخلية، وعليه اقتصر النووي في مجموعه هنا والمصنف في الرهن، والأول أعم، وأوجه (٢).
"و" لا "نبيذ مسكر"، وهو المشتد من ماء الزبيب أو نحوه فنجس كالخمر بخلاف الجامد المسكر كالحشيشة فإنه، وإن أسكر طاهر كما صرح به النووي في دقائقه (٣) "ولو" كان الخمر "مثلثا"، وهو المغلي من ماء العنب حتى صار على الثلث فإنه نجس، والتصريح بهذا من زيادته على الروضة، وجرى فيه على لغة تذكير الخمر، وهي ضعيفة أو أنه أراد ولو كان كل من الخمر، والنبيذ مثلثا فيكون قد غلب.
"والحيوان طاهر" لما مر"لا كلب"، ولو معلما لخبر مسلم طهور إناء أحدكم (٤) إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب، وجه الدلالة أن الطهارة إما لحدث أو خبث أو تكرمة، ولا حدث على الإناء، ولا تكرمة فتعينت طهارة الخبث فثبت نجاسة فمه، وهو أطيب أجزائه بل هو أطيب الحيوان نكهة لكثرة ما يلهث فبقيتها أولى.
"و" لا "خنزير" لأنه أسوأ حالا من الكلب لأنه لا يقتنى (٥). قال النووي، وليس لنا دليل، واضح على نجاسته"و" لا"فرع كل" منهما مع الآخر
стр. 56
أو غيره تغليبا للنجاسة، ولتولده منها (١)، والفرع يتبع الأب في النسب، والأم في الرق، والحرية، وأشرفهما في الدين، وإيجاب البدل، وتقرير الجزية، وأخفهما في عدم وجوب الزكاة، وأخسهما في النجاسة، وتحريم الذبيحة، والمناكحة"و" لا"ميتة"، وإن لم يسل دمها لحرمة تناولها قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، وتحريم ما ليس بمحترم، ولا بمستقذر، ولا ضرر فيه يدل على نجاسته، والميتة مازال حياته لا بذكاة شرعية"و" لا"شعرها" (٢)، وعظمها لأن كلا منهما تحله الحياة لأنه ينمو، والعظم يحس، ويألم، وفي معناه الصوف، والوبر، والريش، والشعر بفتح العين أفصح من إسكانها"غير" ميتة"آدمي، وسمك (٣)، وجراد، وصيد لم تدرك ذكاته"، وإن مات بالضغطة"وجنين مذكاة" لحل تناولها في غير الآدمي على أن الأخيرين ليسا ميتة بل جعل الشارع هذا ذكاتهما، ولهذا صرح في خبر الجنين بأنه مذكى، وإن لم تباشره السكين ذكره في المجموع (٤).
وأما الآدمي فلقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠]، وقضية التكريم أن لا يحكم بنجاستهم بالموت، وسواء المسلم، والكافر، وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] فالمراد به نجاسة الاعتقاد أو اجتنابهم كالنجس لا نجاسة الأبدان (٥)، وأما خبر الحاكم لا تنجسوا موتاكم
стр. 57
فإن المسلم لا ينجس حيا، ولا ميتا (١) فجرى على الغالب (٢).
وإذا ثبت أن الميتة غير ما ذكر نجسة"فميتة دود نحو خل، وتفاح نجسة لكن لا تنجسه (٣) لعسر الاحتراز عنها"ويجوز أكله معه" (٤) لعسر تمييزه بخلاف أكله منفردا، وأكله مع ما لم يتولد منه"، ولا ينجس ماء و" لا"مائع" غيره"بميتة لا نفس لها سائلة" (٥) بفتحها، ونصبها، ورفعها بالتنوين فيهما على ما في المجموع أي لا دم لها يسيل عند شق جزء منها في حياتها"وإن طرحت" فيه"كزنبور" بضم أوله"وعقرب"، ووزغ، وذباب، ونحل، وقمل، وبرغوث لخبر البخاري إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه كله ثم لينزعه فإن في أحد جناحيه داء، وفي الآخر شفاء (٦) زاد أبو داود، وأنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء (٧)، وقد يفضي غمسه إلى موته فلو نجس لما أمر به. وقيس بالذباب
стр. 58
ما في معناه من ميتة لا يسيل دمها، والأصل (١) مثل بالذباب فأبدله المصنف بما ذكره"لا" نحو"حية"، وفأرة، وسلحفاة"وضفدع" بكسر أوله، وثالثه على الأشهر فيتنجس بها ما ذكر لسيلان دمها بخلاف تلك لا يتنجس بها"ما لم يتغير" بها فإن تغير بها لكثرتها تنجس لتغيره بنجاسة، ولأنه لا يشق الاحتراز عنها حينئذ (٢).
وقوله: وإن طرحت ظاهره أن طرحها ميتة لا يضر، وليس كذلك بل إن كانت أجنبية من المائع ضر طرحها جزما كما في الشرح الصغير، وإن كان نشؤها فيه (٣) فظاهر كلام الشيخين أنه لا يضر (٤)، وعبارة الرافعي فلو أخرج منه، وطرح فيه عاد الخلاف أي في الحيوان الأجنبي الذي وقع بنفسه، وعبر النووي عن هذا بقوله فلو أخرج منه، وطرح في غيره أو رد إليه عاد القولان (٥). وقال الإسنوي الصواب فيما ألقي في غيره أنه يضر، ويتجه ترجيحه أيضا فيما ألقي فيه فاعتمده انتهى، ويؤيده تصوير البغوي (٦) ذلك بما إذ ألقي حيا ثم مات، ويجاب عن تعبير الشيخين بعود الخلاف بأنه لا يلزم منه الاتحاد في الترجيح أو بأن كلامهما مصور بما صور به البغوي (٧) لكن كلام
стр. 59
المجموع ينافيه (١)، وتوجيه البلقيني لكلامهما بأنه لما اغتفر بلا طرح اغتفر مع الطرح منتقض بطرح الميتة الأجنبية فلو شككنا في سيل دمها امتحن بجنسها فتخرج للحاجة قاله الغزالي (٢) في فتاويه، ولو كانت مما يسيل دمها لكن لا دم فيها أو فيها دم لا يسيل لصغرها فلها حكم ما يسيل دمها قاله القاضي أبو الطيب، والتصريح بقوله تبعا للمجموع لا حية، وضفدع من زيادته.
"فرع" الفرع ما اندرج تحت أصل كلي الجزء"المبان من حي، ومشيمته"، وهي غلاف الولد، وعطفها على المبان من عطف الخاص على العام"كميتته" أي كميتة ذلك الحي طهارة، ونجاسة لخبر ما قطع من حي فهو ميت رواه الحاكم، وصححه على شرط الشيخين (٣) فاليد من الآدمي طاهرة، ومن البقر نجسة، وسواء في المشيمة مشيمة الآدمي، وغيره"لا شعر مأكول (٤)، وريشه" فطاهران.
"ولو انتتف" كل منهما أو نتف، وما في معناهما من صوف، ووبر، قال
стр. 60
تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠] (١) وهو محمول على ما أخذ بعد التذكية أو في الحياة كما هو المعهود، وذلك مخصص للخبر السابق، ولا هنا لكونها لا يعطف بها ما شمله ما قبلها اسم بمعنى غير ظهر إعرابها فيما بعدها لكونها بصورة الحرف، وهي معه حال مما قبلها أو صفة له بجعل أل للجنس"ولا مشكوك فيه" أي في أن الشعر، ونحوه من مأكول أو غيره لأن الأصل الطهارة" (٢) و" لا"مسك" لخبر مسلم "المسك أطيب الطيب (٣) "وكذا فأرته" بالهمز، وتركه لانفصالها بالطبع كالجنين.
قال الرافعي، ولأن المسك فيها طاهر، ولو كانت نجسة لكان المظروف،
стр. 61
وهي خراج بجانب سرة الظبية كالسلعة فتحتك حتى تلقيها هذا"إن انفصلت من" ظبية"حية" فإن انفصلت من ميتة فنجسة كاللبن بخلاف البيض المتصلب لنموه بخلافها، وظاهر كلامه كالأصل أن المسك طاهر مطلقا، وجرى عليه الزركشي، والأوجه أنه كالإنفحة كما (١) جرى عليه جماعة منهم الطاوسي والبارزي جريا على الأصل في أن المبان من الميتة النجسة نجس، ويؤيده تعليل الرافعي السابق.
"وله" أي للشخص"إيقاد" في التنور، وغيره"بعظم ميتة" غير آدمي"وإن نجس دخانه" لعدم مباشرته للنجاسة"، والإناء النجس الجاف يكره استعماله" في جاف، وفي ماء كثير، ويحرم فيما عداهما للتنجس به، وظاهر كلامهم جريان الكراهة في جلد الكلب، ونحوه، وهو ظاهر، ولا يشكل بتحريم لبسه لأنه هناك ملابس للبدن بخلافه هنا، وتعبيره بما قاله أعم من كلام الروضة.
"فرع: للمترشح" أي لما يغلب ترشيحه"حكم حيوانه" طهارة، ونجاسة"وهو كدمع"، ومخاط، وعرق"ولعاب" لخبر مسلم أنه ﷺ ركب فرسا معرورا، وركضه فلم يجتنب عرقه (٢)، ويقاس به غيره مما في معناه"فإن سال من فم نائم فكان من المعدة" كأن خرج منتنا بصفرة"فنجس لا إن" كان من غيرها أو"شك" في أنه منها أولا فإنه طاهر، وقيل إن كان متغيرا فنجس، وإلا فطاهر (٣)، والتصريح بالترجيح من زيادته، وبه صرح في المجموع، والشرح الصغير".
ويحتاط" في صورة الشك فيغسله ندبا"فإن ابتلي به شخص" لكثرته منه
стр. 62
"فالظاهر العفو" كدم البراغيث"والزباد طاهر" (١) قال في المجموع لأنه إما لبن سنور بحري كما قاله الماوردي أو عرق سنور بري كما سمعته من ثقات من أهل الخبرة (٢) بهذا لكنه يغلب اختلاطه بما يتساقط من شعره فليحترز عما وجد فيه فإن الأصح منع أكل السنور البري، وظاهر قول المصنف"لا شعر"، وفي نسخة لا شعور"سنوره" اعتماد الثاني، وقوله، والزباد إلخ من زيادته.
"فرع المستحيل في الباطن نجس كدم (٣)، ولو تحلب من كبد" أو طحال لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣]، ولخبر فاغسلي عنك الدم، وصلي (٤) "وقيح، وماء قرح تغير" بفتح القاف، وضمها أي جرح لأن كلا منهما دم مستحيل فإن لم يتغير ماء القرح فطاهر كالعرق خلافا للرافعي "وقيء"، وإن لم يتغير، وقيل غير المتغير متنجس لا نجس قال الأذرعي، وهو حق"، وجرة" بكسر الجيم، وهي ما يخرجه البعير أو غيره للاجترار، وتعبيره أولى من تعبير الروضة بجرة البعير إذ لا فرق بين جرته وجرة غيره.
"ومرة" بكسر الميم ما في المرارة قياسا للثلاثة على الدم بجامع الاستحالة في الباطن على ما مر في القيء (٥) "وعذرة" بفتح العين، وكسر المعجمة
стр. 63
بالإجماع"وبول" للأمر بصب الماء عليه في بول الأعرابي في المسجد رواه الشيخان (١)، وقيس به سائر الأبوال، وأما أمره ﷺ (٢) العرنيين بشرب أبوال الإبل فكان للتداوي"وروث" (٣) بالمثلثة"ولو من سمك، وجراد" لأنه ﷺ لما جيء له بحجرين، وروثة ليستنجي بها أخذ الحجرين، ورد الروثة، وقال هذا ركس رواه البخاري (٤).
والعذرة، والروث (٥) قيل مترادفان، وقال النووي في دقائقه العذرة مختصة بفضلة الآدمي، والروث أعم قال الزركشي، وقد يمنع بل هو مختص بغير الآدمي ثم نقل عن صاحب المحكم، وابن الأثير ما يقتضي أنه مختص بذي الحافر قال، وعليه فاستعمال الفقهاء له في سائر البهائم توسع انتهى.
وعلى قول الترادف فأحدهما يغني عن الآخر، وعلى قول النووي الروث يغني عن العذرة"ومذي" (٦) بالمعجمة للأمر بغسل الذكر منه في خبر الصحيحين في قصة علي ﵁ (٧)، وهو ماء أبيض رقيق يخرج بلا شهوة عند ثورانها"، وودي" بالمهملة إجماعا، وقياسا على ما قبله، وهو ماء أبيض كدر
стр. 64
ثخين يخرج عقب البول أو عند حمل شيء ثقيل، والتصريح به، وبالمذي من زيادته، والجمهور كما في الأصل على نجاسة هذه الفضلات عن النبي ﷺ وصححه الرافعي في شرحه الصغير، والنووي في تحقيقه، وجزم البغوي، وغيره بطهارتها (١)، وصححه القاضي، وغيره (٢).
"ولبن ما لا يؤكل" كلبن الأتان لأنه يستحيل في الباطن كالدم"إلا" لبن"الآدمي" فطاهر إذ لا يليق بكرامته أن يكون منشؤه نجسا"فإن مات ففي لبنه وجهان" لم يذكر هذا في الأصل بل ظاهر كلامه تصحيح طهارته (٣)، وبه صرح في المجموع نقلا عن الروياني قال لأنه في إناء طاهر، وكلامهم شامل للبن الذكر، والصغيرة، وهو المختار الموافق لتعبير الصيمري (٤) بقوله ألبان الآدميين، والآدميات لم يختلف المذهب في طهارتها، وجواز بيعها، وصوبه
стр. 65
الزركشي، وقول القاضي أبي الطيب وابن الصباغ (١) لبن الميتة، والرجل نجس مفرع على نجاسة ميتة الآدمي كما أفاده الروياني. أما لبن ما يؤكل لحمه كلبن الفرس، وإن، ولدت بغلا فطاهر (٢) قال تعالى: ﴿لَبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦].
"والإنفحة" بكسر الهمزة، وفتح الفاء، وتخفيف الحاء على الأفصح، وهي لبن في جوف نحو سخلة في جلدة تسمى إنفحة أيضا إن أخذت"من سخلة" مثلا"مذبوحة، وهي" أي، والحال أنها"من" السخلة"التي لم تطعم غير اللبن طاهرة" (٣) لما زاده بقوله"للحاجة" إليها في عمل الجبن بخلاف ما إذا أخذت من ميتة، وهو ظاهر أو مذبوحة أكلت غير اللبن على الأصل في المستحيلات في الباطن قال الزركشي أو أكلت لبنا نجسا كلبن أتان، وفيما قاله نظر (٤).
"والبيض" المأخوذ من حيوان طاهر"ولو من غير مأكول، وكذا" (٥) المأخوذ"من ميتة أن تصلب، وبزر القز" بكسر الباء أفصح من فتحها، وهو
стр. 66
البيض الذي يخرج منه دود القز"، ومني غير الكلب، والخنزير"، وفرع أحدهما أي كل منها"طاهر" خلافا للرافعي في مني غير الآدمي لأنه أصل حيوان طاهر نعم يسن كما في المجموع غسله للأخبار الصحيحة فيه، وخروجا من الخلاف، وخرج بما ذكر بيض الميتة غير المتصلب، ومني الكلب، وما بعده، وشمل إطلاقه البيض إذا استحال دما، وهو ما صححه النووي هنا في تنقيحه (١) لكن الذي صححه في شروط الصلاة منه، وفي التحقيق، وغيره أنه نجس، وهو ظاهر على القول بنجاسة مني غير الآدمي، وأما على غيره فالأوجه حمله على ما إذا لم يستحل حيوانا (٢)، والأول على خلافه.
"وكذا رطوبة فرج المرأة" بل، وغيرها من كل حيوان طاهر"والعلقة"، والمضغة منه فإنها طاهرة كعرقه، ومنيه، والمضغة مفهومة من كلامه بالأولى، ومصرح بها في الروضة قال في المجموع، ورطوبة الفرج ماء أبيض متردد بين المذي، والعرق، وأما الرطوبة الخارجة من باطن الفرج فتنجسه، والعلقة دم غليظ يستحيل إليه المني، والمضغة لحمة منعقدة من ذلك.
وينجس مني من لم يستنج بماء" لاتصاله بنجس"كدود ميتة رحب رجيع" أي روث"فيه قوة الإنبات" فإن لم يكن فيه ذلك فنجس العين كما عرف مما مر (٣)، ويقاس بحب الرجيع حب القيء كما أفاده كلام الروضة.
стр. 67
"ويعفى عن روث سمك" فلا ينجس الماء لتعذر الاحتراز عنه"ما لم يغيره" فإن غيره نجسه، وهذه من زيادته، وذكرها الشيخ أبو حامد"و" يعفى"عن اليسير عرفا من شعر نجس" (١) بقيد زاده كالزركشي تبعا لصاحب الاستقصاء بقوله"من غير كلب، وخنزير"، وفرع كل منها بخلاف شعر الثلاثة لغلظ نجاستها، وسيأتي بيان حكم الزرع النابت في النجاسة في باب الاجتهاد، وبيان حكم حباته في كتاب الأطعمة.
"و" يعفى"عن كثيره" أي الشعر النجس"من مركوب" لعسر الاحتراز عنه، وهذا ما ذكره الأصل في شروط الصلاة، وخالف فيه القاضي فقال لو ركب حمارا فانتتف منه شعر، والتصق بثيابه فلا يعفى إلا عن اليسير.
"ولا يجب غسل البيضة"، والولد إذا خرجا من فرج، والتصريح بهذا من زيادته، وذكره في المجموع، وظاهر أن محله إذا لم يكن معهما رطوبة نجسة"ولوسخ انفصل من حيوان حكم عرقه" طهارة، ونجاسة لأنه عرق جامد، وهذا ما ذكره النووي تفقها بعد نقله عن المتولي أن لذلك حكم ميتته، وحمل الإسنوي كلام المتولي على قطع تخرج من الجلد الخشن.
"فصل كثير الماء قلتان"، والقلة لغة الجرة العظيمة سميت بذلك لأن الرجل العظيم يقلها بيديه أي يرفعها "وهما" أي القلتان"خمسمائة رطل" بكسر الراء أفصح من فتحها"بغدادي تقريبا" روى الشافعي خبر إذا بلغ الماء قلتين بقلال هجر لم ينجسه شيء ثم روي عن ابن جريج أنه قال رأيت قلال هجر فإذا القلة منها تسع قربتين أو قربتين، وشيئا أي من قرب الحجاز (٢) فاحتاط الشافعي ﵁ فحسب الشيء نصفا إذ لو كان فوقه لقال تسع ثلاث قرب الأشياء على عادة العرب فتكون القلتان خمس قرب.
والغالب أن القربة لا تزيد على مائة رطل بالبغدادي فالمجموع به خمسمائة رطل تقريبا"فيعفى عن" نقصر"رطل، ورطلين" هذا ما صححه في الروضة،
стр. 68
وصحح في التحقيق ما جزم به الرافعي أنه لا يضر (١) نقص قدر لا يظهر بنقصه تفاوت في التغير بقدر معين من الأشياء المغيرة.
"و" مقدار القلتين"بالمساحة" بكسر الميم في المربع"ذراع، وربع طولا، وعرضا، وعمقا"، وفي المدور ذراعان طولا، وذراع عرضا قاله العجلي، والمراد فيه بالطول العمق، وبالعرض ما بين حائطي البئر من سائر الجوانب، والمراد بالذراع في المربع ذراع الآدمي المذكور في قصر الصلاة كما قاله الإسنوي، وغيره، وهو شبران تقريبا، وقال الأذرعي الظاهر أن المراد ذراع النجار لأن التقدير بالذراع محكي عند المهندسين، وأما في المدور فالمراد في الطول ذراع النجار الذي هو بذراع الآدمي ذراع، وربع تقريبا إذ لو كان الذراع في طوله، وطول المربع، واحدا مما مر لاقتضى ذلك أن يكون الطول في المدور ذراعين، ونصفا تقريبا إذا كان العرض ذراعا.
ووجهه أن يبسط كل من العرض، ومحيطه، وهو ثلاثة أمثاله، وسبع، والطول أرباعا لوجود مخرجها في مقدار القلتين في المربع ثم يضرب نصف العرض، وهو اثنان في نصف المحيط، وهو ستة، وسبعان يبلغ اثني عشر، وأربعة أسباع، وهو بسط المسطح فيضرب في بسط الطول، وهو عشرة يبلغ مائة، وخمسة، وعشرين ربعا يبلغ مقدار مسح القلتين في المربع، وهو مائة، وخمسة، وعشرون ربعا مع زيادة خمسة أسباع ربع، وبها حصل التقريب فلو كان الذراع في طول المدور، والمربع، واحد، وطول المدور ذراعين لكان الحاصل مائة ربع، وأربعة أسباع ربع، وهي أنقص من مقدار مسح القلتين بخمس تقريبا"ودونهما" أي، ودون القلتين من ماء"قليل فينجس" هو"ورطب غيره" كزيت، وإن كثر"بملاقاة نجاسة مؤثرة" في التنجيس"وإن لم يتغير" (٢) بها أما الماء فلخبر مسلم إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا
стр. 69
يدري أين باتت يده (١) نهاه عن الغمس خشية النجاسة. ومعلوم أنها إذا خفيت لا تغير الماء فلولا أنها تنجسه بوصولها لم ينهه، ولمفهوم خبر أبي داود، والحاكم، وصححه إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا (٢)، وفي رواية صحيحة لم ينجس (٣) فمعنى لم يحمل خبثا (٤) لم يقبله، ومفهوم الخبر مخصص لما رواه الترمذي، وقال أنه حسن صحيح الماء طهور لا ينجسه شيء (٥)، وأما غير الماء فبالأولى، وفارق كثير الماء كثير غيره بأن كثيره قوي، ويشق حفظه من النجس بخلاف غيره، وإن كثر، وخرج بالرطب الجامد الخالي عن رطوبة عند الملاقاة، وبالمؤثرة غيرها مما يأتي، ومما مر.
"لا إن شك في قلته" أي الماء فلا ينجس بذلك لأن الأصل طهارته، وشككنا في نجاسة منجسة، ولا يلزم من النجاسة التنجيس (٦) هذا ما اختاره، وصوبه في الروضة، وغيرها بعد نقله عن الماوردي، وآخرين أنه نجس، وعن
стр. 70
الإمام أن فيه احتمالين فالمنقول أنه نجس لأن (١) الأصل فيه القلة والقول بأنه طاهر احتمال للإمام لكن مدركه قوي.
"ولا ينجس" الماء، ولا غيره"بما لا يدركه طرف" (٢) أي بصر لقلته (٣) "كما" أي كنجس"يحمله ذباب" برجله أو غيرها لمشقة الاحتراز عنه، وقضيته أنه لا فرق بين وقوعه في محل، واحد، ووقوعه في محال، وهو قوي لكن قال الجبلي صورته أن يقع في محل، واحد، وإلا فله حكم ما يدركه الطرف (٤) على الأصح قال ابن الرفعة، وفي كلام الإمام إشارة إليه كذا نقله الزركشي، وأقره، وهو غريب، والأوجه تصويره باليسير عرفا لا بوقوعه في محل، واحد، وكلام الأصحاب جار على الغالب بقرينة تعليلهم السابق قال، وقياس استثناء دم الكلب من يسير الدم (٥) المعفو عنه أن يكون هنا مثله.
стр. 71
"ولو تنجس فم حيوان" طاهر، وإن لم يعم اختلاطه بالناس كسبع"وغاب" غيبة"وأمكن" فيها"وروده ماء كثيرا (١) ثم، ولغ في طاهر" ماء أو غيره"لم ينجسه" مع الحكم بنجاسة فمه لأنا لا ننجس بالشك، وفي ذلك عمل بالأصلين فإن لم يمكن وروده ماء كثيرا تنجس ما ولغ فيه لتيقن نجاسة فمه، والاحتراز، وإن عسر إنما يعسر عن مطلق الولوغ لا عن ولوغ بعد تيقن النجاسة، وتعبيره بالحيوان أعم من تعبير الأصل بالهرة فغير الهرة من كل حيوان طاهر مثلها كما قدمته خلافا للغزالي، ولما أفتى به السبكي من تخصيص الحكم بها.
"ولا ينجس" الماء"الكثير إلا بتغير (٢)، وإن قل" التغير"بنجاسة ملاقية" له للإجماع المخصص لخبر الترمذي الماء طهور لا ينجسه شيء كما خصصه مفهوم خبر القلتين كما مر، وإنما أثر التغير القليل بالنجاسة بخلافه في الطاهر لغلظ أمرها، وخرج بالملاقية ما صرح به في قوله"لا بجيفة بقربه" فلا ينجس بتغيره بها"وإن تغير بعضه فالمتغير كنجاسة جامدة لا يجب التباعد عنها بقلتين"، والباقي إن قل فنجس، وإلا فطاهر، وفرع على حكم المشبه به من زيادته تبعا للمجموع.
قوله"فإن غرف دلوا من" ماء"قلتين فقط، وفيه نجاسة جامدة" لم يغرفها مع الماء"فباطن الدلو طاهر" لانفصال ما فيه عن الباقي قبل أن ينقص عن قلتين"لا ظاهرها"، وفي نسخة لا ظاهره لتنجسه بالباقي المتنجس
стр. 72
بالنجاسة لقلته فإن غرفها مع الماء بأن دخلت معه أو قبله في الدلو انعكس الحكم (١)، والدلو يؤنث ويذكر لكن التأنيث أفصح.
"ولو زال التغير" الحسي أو التقديري يرى للماء"بنفسه" بأن لم يحدث فيه شيء كأن زال (٢) بطول مكث"أو بماء" انضم إليه أو نقص منه، وهذا من زيادته، وصرح به المنهاج كأصله"طهر" لزوال سبب التنجس (٣)، ولا يضر عود تغيره إن خلا عن نجس جامد قال بعضهم، ويعرف زوال تغيره التقديري بأن يمضي عليه زمن لو كان تغيره حسيا لزال عادة أو يضم إليه ماء لو ضم إلى المتغير حسا لزال تغيره. وذلك كأن يكون بجنبه غدير فيه ماء متغير فزال تغيره بنفسه بعد مدة أو بماء صب عليه فيعلم أن هذا أيضا زال تغيره (٤) "لا" إن زال حسا"بعين ساترة" له"كالتراب"، والجص فلا يطهر للشك في أن التغير زال أو استتر بل الظاهر أنه استتر، وفي ذلك تنبيه على أنه إن صفا الماء (٥)، ولم يبق تغير أو زال تغيره بمجاور طهر، وبالأول صرح في المجموع، وبالثاني القفال في فتاويه (٦).
стр. 73
"فرع: لو كثر"، ولو بإيراد طهور ماء"قليل" أي دون قلتين متنجس"لم يطهر حتى يبلغهما بالماء" لأنه قليل فيه نجاسة، ولمفهوم خبر القلتين فإن بلغهما بالماء" (١) ولو مستعملا، ومتنجسا" طهر"لا" إن بلغهما "بمائع" آخر فلا يطهر"وإن استهلك" فيه لأنه لم يبلغهما بالماء المعلوم اعتبارا من خبر القلتين، وإباحة التطهر بالجميع حيث لا نجاسة لاستهلاك المائع فيه لا لأنه صار ماء.
فإن قلت: لم جعل المستهلك كالماء في إباحة التطهر به، ولم يجعل كذلك في دفع النجاسة عن نفسه إذا بلغ قلتين قلت لأن هذا من باب الدفع (٢)، والأول من باب الرفع، والدفع أقوى من الرفع فيجب أن يكون الدافع أقوى من الرافع ويشهد لذلك أن الماء القليل يجوز التطهر به، ولا يدفع عن نفسه النجاسة إذا وقعت فيه، ويؤخذ من الحكم بتنجسه أنه لو انغمس فيه جنب صار مستعملا لأنه كما لا يدفع النجاسة لا يدفع الاستعمال نبه على ذلك الزركشي"ويكفي الضم، وإن لم يمتزج صاف بكدر" لحصول القوة بالضم لكن إن انضما بفتح حاجز اعتبر اتساعه، ومكثه زمنا يزول فيه التغير لو كان،
стр. 74
أخذا من مسألة الكوز الآتية"ولا يضر تفريق بعده" أي بعد الضم.
"ولو غمس كوز ماء، واسع الرأس في ماء كمله قلتين، وساواه" بأن كان الإناء ممتلئا أو امتلأ بدخول الماء فيه"ومكث قدرا يزول فيه تغير لو كان"، وأحد الماءين نجس أو مستعمل"طهر" لأن تقوي أحد الماءين بالآخر إنما يحصل بذلك"وإلا" بأن كان ضيق الرأس أو (١)، واسعه بحيث يتحرك ما فيه بتحرك الآخر تحركا عنيفا لكن لم يكمل الماء قلتين أو كمل لكن لم يمكث زمنا يزول فيه التغير لو كان أو مكث لكن لم يساوه الماء"فلا" يطهر فأفاد قوله وساواه أن الماء ما دام يدخل في الإناء لم يطهر كما صرح به الأصل وكلامه أعم من كلام أصله كما يعلم بالوقوف عليه.
"ولا ينجس أسفل ما يفور بتنجس أعلاه" كعكسه، وهذا من زيادته، وذكره الماوردي، وكذا الرافعي في باب الصيد، ولو وضع كوز على نجاسة، وماؤه خارج من أسفله لم ينجس ما فيه ما دام يخرج فإن تراجع تنجس كما لو سد بنجس.
"فرع إذ قل ماء البئر، وتنجس لم يطهر بالنزح بل بالتكثير" كأن يترك أو يصب عليه ماء ليكثر قال في الأصل لا ينبغي أن تنزح لينبع الماء الطهور، بعده لأنه، وإن نزح فقعر البئر يبقى نجسا، وقد تنجس جدران البئر أيضا بالنزح.
"وإن كثر" الماء"وتمعط فيه فأرة" مثلا عبارة الأصل، وتفتت فيه شيء نجس كفأرة تمعط شعرها"ولم يتغير فهو طاهر" بمعنى طهور"تعذر"، وفي نسخة لكن يتعذر"استعماله" باغتراف شيء منه بدلو أو نحوها"إذ لا يخلو دلو"، وفي نسخة كل دلو"منه" أي مما تمعط"فلينزح ما غلب على ظنه خروجه فيه" عبارة الأصل فينبغي أن يستقى الماء كله ليخرج الشعر معه، فإن
стр. 75
كانت العين فوارة، وتعذر نزح الجميع نزح ما يغلب على الظن أن الشعر كله خرج معه"فإن اغترف قبل النزح، ولم يتيقن" فيما اغترفه"شعرا لم يضر"، وإن ظنه كما صرح به الأصل عملا بتقديم الأصل على الظاهر، وبهذا علم أن المراد بالتعذر فيما مر التعسر.
"فصل" الماء"الجاري"، وهو ما يجري في مستو أو منخفض"متفاصل" جريانه حكما، وإن اتصلت حسا إذ كل جرية طالبة لما أمامها هاربة عما خلفها"، والمتغير منه بنجاسة" ملاقية له"كنجاسة جامدة" في حكمها"، والجامدة إن جرت بجريه" بهاء الضمير أو بهاء التأنيث أي بجري الماء أو بجريه من جريانه"فما قبلها" أي قبل جرية النجاسة"و" ما"بعدها" من الجريات"طاهر، وجرية النجاسة، وهي قدرها" أي النجاسة"في عرض النهر لها حكم الراكد" فيما مر فينتظر"إن بلغت قلتين فطاهرة" مطهرة"ولا يشترط تباعد" عن النجاسة بقلتين، وإن لم تبلغهما فتنجسه"وللجرية الثانية (١) و" للجريات"السبع إن كانت" أي النجاسة"كلبية حكم الغسالة" الآتي بيانه في الباب الآتي"لأنها تغسل محل النجاسة في طول النهر" التصريح بهذا من زيادته، وتفسيره الجرية من زيادته بقوله، وهي قدرها في عرض النهر قريب من قول المتولي هي القدر المقابل لحافتي النجاسة إلى حافتي النهر (٢)، وقد بينته في شرح البهجة (٣)، وهو مع مخالفته للمشهور قاصر على جرية النجاسة، والمشهور