"ولو تنجس فم حيوان" طاهر، وإن لم يعم اختلاطه بالناس كسبع"وغاب" غيبة"وأمكن" فيها"وروده ماء كثيرا (١) ثم، ولغ في طاهر" ماء أو غيره"لم ينجسه" مع الحكم بنجاسة فمه لأنا لا ننجس بالشك، وفي ذلك عمل بالأصلين فإن لم يمكن وروده ماء كثيرا تنجس ما ولغ فيه لتيقن نجاسة فمه، والاحتراز، وإن عسر إنما يعسر عن مطلق الولوغ لا عن ولوغ بعد تيقن النجاسة، وتعبيره بالحيوان أعم من تعبير الأصل بالهرة فغير الهرة من كل حيوان طاهر مثلها كما قدمته خلافا للغزالي، ولما أفتى به السبكي من تخصيص الحكم بها.
"ولا ينجس" الماء"الكثير إلا بتغير (٢)، وإن قل" التغير"بنجاسة ملاقية" له للإجماع المخصص لخبر الترمذي الماء طهور لا ينجسه شيء كما خصصه مفهوم خبر القلتين كما مر، وإنما أثر التغير القليل بالنجاسة بخلافه في الطاهر لغلظ أمرها، وخرج بالملاقية ما صرح به في قوله"لا بجيفة بقربه" فلا ينجس بتغيره بها"وإن تغير بعضه فالمتغير كنجاسة جامدة لا يجب التباعد عنها بقلتين"، والباقي إن قل فنجس، وإلا فطاهر، وفرع على حكم المشبه به من زيادته تبعا للمجموع.
قوله"فإن غرف دلوا من" ماء"قلتين فقط، وفيه نجاسة جامدة" لم يغرفها مع الماء"فباطن الدلو طاهر" لانفصال ما فيه عن الباقي قبل أن ينقص عن قلتين"لا ظاهرها"، وفي نسخة لا ظاهره لتنجسه بالباقي المتنجس
стр. 72
بالنجاسة لقلته فإن غرفها مع الماء بأن دخلت معه أو قبله في الدلو انعكس الحكم (١)، والدلو يؤنث ويذكر لكن التأنيث أفصح.
"ولو زال التغير" الحسي أو التقديري يرى للماء"بنفسه" بأن لم يحدث فيه شيء كأن زال (٢) بطول مكث"أو بماء" انضم إليه أو نقص منه، وهذا من زيادته، وصرح به المنهاج كأصله"طهر" لزوال سبب التنجس (٣)، ولا يضر عود تغيره إن خلا عن نجس جامد قال بعضهم، ويعرف زوال تغيره التقديري بأن يمضي عليه زمن لو كان تغيره حسيا لزال عادة أو يضم إليه ماء لو ضم إلى المتغير حسا لزال تغيره. وذلك كأن يكون بجنبه غدير فيه ماء متغير فزال تغيره بنفسه بعد مدة أو بماء صب عليه فيعلم أن هذا أيضا زال تغيره (٤) "لا" إن زال حسا"بعين ساترة" له"كالتراب"، والجص فلا يطهر للشك في أن التغير زال أو استتر بل الظاهر أنه استتر، وفي ذلك تنبيه على أنه إن صفا الماء (٥)، ولم يبق تغير أو زال تغيره بمجاور طهر، وبالأول صرح في المجموع، وبالثاني القفال في فتاويه (٦).
стр. 73
"فرع: لو كثر"، ولو بإيراد طهور ماء"قليل" أي دون قلتين متنجس"لم يطهر حتى يبلغهما بالماء" لأنه قليل فيه نجاسة، ولمفهوم خبر القلتين فإن بلغهما بالماء" (١) ولو مستعملا، ومتنجسا" طهر"لا" إن بلغهما "بمائع" آخر فلا يطهر"وإن استهلك" فيه لأنه لم يبلغهما بالماء المعلوم اعتبارا من خبر القلتين، وإباحة التطهر بالجميع حيث لا نجاسة لاستهلاك المائع فيه لا لأنه صار ماء.
فإن قلت: لم جعل المستهلك كالماء في إباحة التطهر به، ولم يجعل كذلك في دفع النجاسة عن نفسه إذا بلغ قلتين قلت لأن هذا من باب الدفع (٢)، والأول من باب الرفع، والدفع أقوى من الرفع فيجب أن يكون الدافع أقوى من الرافع ويشهد لذلك أن الماء القليل يجوز التطهر به، ولا يدفع عن نفسه النجاسة إذا وقعت فيه، ويؤخذ من الحكم بتنجسه أنه لو انغمس فيه جنب صار مستعملا لأنه كما لا يدفع النجاسة لا يدفع الاستعمال نبه على ذلك الزركشي"ويكفي الضم، وإن لم يمتزج صاف بكدر" لحصول القوة بالضم لكن إن انضما بفتح حاجز اعتبر اتساعه، ومكثه زمنا يزول فيه التغير لو كان،
стр. 74
أخذا من مسألة الكوز الآتية"ولا يضر تفريق بعده" أي بعد الضم.
"ولو غمس كوز ماء، واسع الرأس في ماء كمله قلتين، وساواه" بأن كان الإناء ممتلئا أو امتلأ بدخول الماء فيه"ومكث قدرا يزول فيه تغير لو كان"، وأحد الماءين نجس أو مستعمل"طهر" لأن تقوي أحد الماءين بالآخر إنما يحصل بذلك"وإلا" بأن كان ضيق الرأس أو (١)، واسعه بحيث يتحرك ما فيه بتحرك الآخر تحركا عنيفا لكن لم يكمل الماء قلتين أو كمل لكن لم يمكث زمنا يزول فيه التغير لو كان أو مكث لكن لم يساوه الماء"فلا" يطهر فأفاد قوله وساواه أن الماء ما دام يدخل في الإناء لم يطهر كما صرح به الأصل وكلامه أعم من كلام أصله كما يعلم بالوقوف عليه.
"ولا ينجس أسفل ما يفور بتنجس أعلاه" كعكسه، وهذا من زيادته، وذكره الماوردي، وكذا الرافعي في باب الصيد، ولو وضع كوز على نجاسة، وماؤه خارج من أسفله لم ينجس ما فيه ما دام يخرج فإن تراجع تنجس كما لو سد بنجس.
"فرع إذ قل ماء البئر، وتنجس لم يطهر بالنزح بل بالتكثير" كأن يترك أو يصب عليه ماء ليكثر قال في الأصل لا ينبغي أن تنزح لينبع الماء الطهور، بعده لأنه، وإن نزح فقعر البئر يبقى نجسا، وقد تنجس جدران البئر أيضا بالنزح.
"وإن كثر" الماء"وتمعط فيه فأرة" مثلا عبارة الأصل، وتفتت فيه شيء نجس كفأرة تمعط شعرها"ولم يتغير فهو طاهر" بمعنى طهور"تعذر"، وفي نسخة لكن يتعذر"استعماله" باغتراف شيء منه بدلو أو نحوها"إذ لا يخلو دلو"، وفي نسخة كل دلو"منه" أي مما تمعط"فلينزح ما غلب على ظنه خروجه فيه" عبارة الأصل فينبغي أن يستقى الماء كله ليخرج الشعر معه، فإن
стр. 75
كانت العين فوارة، وتعذر نزح الجميع نزح ما يغلب على الظن أن الشعر كله خرج معه"فإن اغترف قبل النزح، ولم يتيقن" فيما اغترفه"شعرا لم يضر"، وإن ظنه كما صرح به الأصل عملا بتقديم الأصل على الظاهر، وبهذا علم أن المراد بالتعذر فيما مر التعسر.
"فصل" الماء"الجاري"، وهو ما يجري في مستو أو منخفض"متفاصل" جريانه حكما، وإن اتصلت حسا إذ كل جرية طالبة لما أمامها هاربة عما خلفها"، والمتغير منه بنجاسة" ملاقية له"كنجاسة جامدة" في حكمها"، والجامدة إن جرت بجريه" بهاء الضمير أو بهاء التأنيث أي بجري الماء أو بجريه من جريانه"فما قبلها" أي قبل جرية النجاسة"و" ما"بعدها" من الجريات"طاهر، وجرية النجاسة، وهي قدرها" أي النجاسة"في عرض النهر لها حكم الراكد" فيما مر فينتظر"إن بلغت قلتين فطاهرة" مطهرة"ولا يشترط تباعد" عن النجاسة بقلتين، وإن لم تبلغهما فتنجسه"وللجرية الثانية (١) و" للجريات"السبع إن كانت" أي النجاسة"كلبية حكم الغسالة" الآتي بيانه في الباب الآتي"لأنها تغسل محل النجاسة في طول النهر" التصريح بهذا من زيادته، وتفسيره الجرية من زيادته بقوله، وهي قدرها في عرض النهر قريب من قول المتولي هي القدر المقابل لحافتي النجاسة إلى حافتي النهر (٢)، وقد بينته في شرح البهجة (٣)، وهو مع مخالفته للمشهور قاصر على جرية النجاسة، والمشهور
стр. 76
ما في المجموع عن الأصحاب أنها الدفعة بين حافتي النهر عرضا (١).
"وإن وقعت" أي النجاسة أو كان جري الماء أسرع"والجرية" أي، وكل جرية تمر عليها"قليلة تنجس ما مر عليها" من ذلك"وإن امتد فراسخ"، وبلغ قلالا لما مر أن الجريات متفاصلة حكما فلا يتقوى بعضها ببعض بخلاف الراكد، والجرية إذا بلغ كل منهما قلتين، ويعرف كون الجرية قلتين بطريق ذكرته في شرح البهجة (٢) "وإن كان أمام الجاري (٣) ارتفاع يرده فله حكم الراكد" هذا من زيادته، وذكره في المجموع، وفيه، ولو كان في، وسط النهر حفرة قال صاحب التقريب نقلا عن النص لها حكم الراكد، وإن جرى الماء فوقها قال الغزالي، والوجه أن يقال إن كان الجاري يغلب ماءها، ويبدله فله حكم الجاري أيضا، وإن كان يلبث فيها قليلا ثم يزايلها فله في وقت اللبث حكم الراكد، وكذا إن كان لا يلبث، ولكن تتثاقل حركته فله في وقت التثاقل حكم
стр. 77
الماء الذي بين يديه ارتفاع.
"وإن كان يتوضأ من بئر" ماؤها قليل"فخرج منها دجاجة" مثلا ميتة"منتفخة"، ودالها مثلثة (١)، والفتح أفصح"أعاد" من صلاته"ما تيقن أنه صلاه بالنجس" قال الزركشي، وقضيته أنه لو غلب على ظنه استعمال النجس لا تلزمه الإعادة، وفيه نظر قلت الأوجه عدم لزومها أخذا مما قدمته قبيل الفصل، ووصفت الدجاجة بالانتفاخ لأنه يدل على تقادم موتها مع أن ذكره مثال لا تقييد.
"فرع" لو، وقعت نجاسة في ماء كثير فلم تغيره في الحال، وتغير بعد مدة قال ابن كج رجعنا إلى أهل الخبرة فإن قالوا تغير بها حكم بنجاسته، وإلا فلا قال الأذرعي، ولم أر ما يوافقه، ولا ما يخالفه قلت نقل في المجموع عن الدارمي ما يخالفه لكنه نظر فيه، وبينته في شرح البهجة قال أعني الأذرعي، وإذا كان أهل الخبرة يعرفون التغير الناشئ عن النجاسة، وغيرها فينبغي أن يرجع إليهم فيما سيأتي في بول الظبية.
стр. 78
"باب" بيان"إزالة النجاسة" (١)
تجب إزالتها للصلاة، ونحوها كما سيأتي"ولا يشترط فيها النية" لأنها ترك كترك الزنا، والغصب بخلاف الوضوء، والصلاة، ونحوهما، والصوم لكونه كفا مقصودا لقمع الشهوة، ومخالفة الهوى التحق بالفعل، ولما كان للذكاة شبه ما بإزالة النجاسة بالماء ذكر هنا حكمها المناسب لذلك فقال"الذكاة" أي الآتي بيانها في محلها"تحفظ طهارة المأكول" حتى جلده لما سيأتي من حل أكله"فقط" أي دون طهارة غير المأكول، وفي نسخة طهارة جلد المأكول، ويلزمها إيهام نجاسة غير الجلد، وعدم الوفاء بما في الأصل "والدباغ" بمعنى الاندباغ"ولو بإلقاء الريح" لما يدبغ فيما يدبغ به أو بالعكس"بحريف" بكسر الحاء"نازع للفضول بحيث لا يفسده" أي لا ينتنه ما يقع هو فيه.
"ولو" كان الاندباغ"بنجس كذرق حمام" بذال معجمة"وبغير ماء" في أثناء الدباغ"لا بتمليح، وتشميس" معطوف على بحريف"يطهر" أي الاندباغ"جلد غير كلب، وخنزير، وفرعهما" أي فرع كل منهما مع غيره لخبر مسلم إذا دبغ الإهاب فقد طهر (٢)، وخبر أبي داود بإسناد حسن أنه ﷺ قال في شاة ميتة: "لو أخذتم إهابها" قالوا إنها ميتة فقال: "يطهرها الماء، والقرظ"، وقيس به ما في معناه مما يحصل به الإحالة من طاهر، ونجس بخلاف الملح
стр. 79
والشمس، ونحوهما إذ ليس فيها ذلك، وهو مفهوم من قوله نازع إلخ فقوله لا بتمليح، وتشميس إيضاح، ولكون الدبغ إحالة لم يجب فيه الماء (١)، ولهذا جاز بالنجس المحصل لذلك كما تقرر، وأما خبر يطهرها الماء، والقرظ (٢) فمحمول على الندب أو على الطهارة المطلقة أما جلد الكلب، ونحوه فلا يطهره ذلك لأن سبب نجاسة الميتة تعرضها للعفونة، والحياة أبلغ في دفعها فإذا لم تفد الطهارة فالاندباغ أولى"لا شعره" فلا يطهره الاندباغ لعدم تأثره به.
وهذا مفهوم من الجلد فذكره إيضاح قال النووي، ويعفى عن قليله فيطهر تبعا، واستشكله الزركشي بأن ما لا يتأثر بالدبغ كيف يطهر قليله، وأجاب بأن قوله يطهر أي يعطى حكم الطاهر انتهى، وقد يوجه ذلك بأنه يطهر تبعا للمشقة، وإن لم يتأثر بالدبغ كما يطهر دن الخمر تبعا، وإن لم يكن فيه تخلل على أن السبكي قال بطهارة الشعر مطلقا أخذ بخبر في صحيح مسلم قال، وهذا لا شك عندي فيه، وهو الذي اختاره، وأفتى به".
ويصير" المندبغ"كثوب نجس" في أنه"يصلي فيه إن غسل، ويباع"، وإن لم يغسل ما لم يمنع مانع"ولا يحل أكله" لخبر الصحيحين "إنما حرم من الميتة أكلها" (٣).
"ويحرم ذبح ما لا يؤكل" كبغل، وحمار، ولو"لجلده" أي لدبغ جلده "أو اصطياد بلحمه" للنهي عن ذبح الحيوان إلا لمأكله (٤) رواه ابن حبان، وصححه، والتصريح بمسألة الاصطياد من زيادة المصنف"وتطهر خمر" (٥).
стр. 80
ولو غير محترمة"تخللت، ولو بتشميس" أو فتح رأس الدن لزوال الشدة من غير نجاسة حلتها"لا" إن تخللت"مع" وجود"عين" فيها (١)، وإن لم تؤثر في التخلل كحصاة، وحبة عنب تخمر جوفها"أو" مع "تنجس" لها بنجس.
"ولو" وقع كل من العين، والنجس"في عصيره" أي الخل أو الخمر على لغة من يذكرها، ونزع النجس منها قبل تخللها فلا تطهر لبقائها على نجاستها في الثانية، ولتنجيسها بعد تخللها بالعين التي تنجست بها في الأولى، وأفهم كلامه كغيره أنها تطهر بالتخلل إذا نزعت منها العين الطاهرة قبله، وهو ظاهر"ويتبعها" في الطهارة للضرورة"الدن (٢)، وإن غلت" حتى ارتفعت، وتنجس بها ما فوقها منه"وتشرب" منها فإن ارتفعت بلا غليان بل بفعل فاعل قال البغوي في فتاويه فلا يطهر الدن إذ لا ضرورة، وكذا الخمر لاتصالها بالمرتفع النجس.
نعم لو غمر المرتفع قبل جفافه (٣) بخمر أخرى طهرت بالتخلل انتهى (٤).
стр. 81
وفي تقييده بالجفاف كلام ذكرته في شرح البهجة قال، ولو نقلت من دن إلى آخر طهرت بالتخلل بخلاف ما لو أخرجت منه ثم صب فيه عصير فتخمر ثم تخلل، وما نقل عنه من أنها نجسة فيهما، وهم، وخرج بالخمر النبيذ فلا يطهر بالتخلل لوجود الماء فيه، وبه صرح القاضي أبو الطيب (١)، وقضية كلام البغوي أنه يطهر (٢)، واختاره السبكي (٣) لأن الماء من ضرورته.
"وإن"، وفي نسخة، ولو"اختلط عصير بخل مغلوب ضر لأنه" لقلة الخل فيه"يتخمر" فيتنجس به بعد تخلله"أو" بخل"غالب فلا" يضر لأن الأصل والظاهر عدم التخمر، وسيأتي فيه في الرهن (٤) زيادة، وقوله ولو بتشميس إلى هنا مذكور في الأصل في الرهن ما عدا عدم طهرها عند مصاحبة نجس فمن زيادته تبعا للمتولي، وبه أفتى النووي.
"ويطهر كل نجس استحال حيوانا" (٥) كدم بيضة استحال فرخا على القول بنجاسته"ولو" كان الحيوان "دود كلب" لأن للحياة أثرا بينا في دفع
стр. 82
النجاسة، ولهذا نظرا بزوالها.
وقوله من زيادته، ولو دود كلب يقتضي أنه تخلق من الكلب، وقد منعه النووي في مجموعه بأن الدود المتولد من النجاسة لا يخلق منها، وإنما يتولد فيها كدود الخل لا يخلق منه بل يتولد فيه"لا" إن استحال "رمادا، وملحا"، ونحوهما فلا يطهر.
والتصريح بهذا من زيادته ثم النجاسة إما عينية، وهي التي تحس أو حكمية، وهي بخلافها كبول جف، ولم يوجد له أثر، ولا ريح، وقد بين حكمهما فقال"، ويطهر متنجس بعينية بغسل مزيل للطعم"، وإن عسر إزالته لسهولتها غالبا فألحق به نادرها، ولأن بقاءه يدل على بقاء العين"وكذا" مزيل"للون وريح سهلين فإن عسر أو بقيا معا" بمحمل، واحد"لم يطهر" أي المتنجس لقوة دلالتهما على بقاء العين (١) "أو" بقي أحدهما فقط"ولو ريحا طهر" للمشقة"، ومزيل العين غسلة"، واحدة"وإن تعدد" الفعل"ولو" كان الغسل"من" نجاسة"كلبية" حتى لو لم يزلها إلا ست غسلات مثلا حسبت مرة، وصحح في الشرح الصغير أنها تحسب ستا"، ويطهر بالغسل مصبوغ بمتنجس انفصل" عنه"، ولم يزد" أي المصبوغ"وزنا بعد الغسل" على وزنه قبل الصبغ، وإن بقي اللون لعسر زواله بخلاف ما إذا زاد، وزنا أخذا مما يأتي في الغسالة.
"فإن لم ينفصل" عنه"لتعقده" به"لم يطهر" لبقاء النجاسة فيه. وقوله، ويطهر بالغسل إلخ من زيادته إلا صدره من غير تقييد بما مر ففي الروضة في البيع"ويطهر" المتنجس"في الحكمية بجريان الماء عليه، ولو لم يعصر" لإزالة النجاسة"والصقيل" من سيف، وسكين، ونحوهما"كغيره" في أنه لا يطهر إلا بغسله فلا يطهر بمسحه"ويبادر" وجوبا"به" أي بغسل المتنجس"عاص بالتنجيس" كأن استعمل النجاسة في بدنه بغير عذر خروجا من المعصية "وإلا"
стр. 83
أي، وإن لم يعص به"فللصلاة" (١) أي فليبادر بذلك وجوبا للصلاة، ونحوها فقط"وندب تعجيل" به فيما عدا ذلك نعم إن كانت مغلظة فينبغي وجوب تعجيل إزالتها مطلقا قاله الزركشي (٢)، وفيه نظر (٣).
قال الإسنوي: والعاصي بالجنابة يحتمل إلحاقه بالعاصي بالتنجيس قال، والمتجه (٤) خلافه لأن الذي عصى به هنا متلبس به بخلافه ثم"و" ندب"حت" بالمثناة"وقرص" بالمهملة إذا"لم يجبا" بأن لم تتوقف الإزالة عليهما فإن توقفت عليهما، وجبا (٥).
وقوله"لنحو دم" متعلق بهما، وتقييد ندبهما بما ذكر من زيادته جمع به الإسنوي بين إطلاق قولي الوجوب، والندب.
"و" ندب"التثليث" (٦) بعد الإزالة استظهارا كطهر الحدث"و" ندب
стр. 84
لنحو ثوب" أي لغسله من نجاسة"عصر" (١) له خروجا من الخلاف في وجوبه، والتصريح بندب العصر من زيادته"وإن أورد" إنسان أو غيره كريح"متنجسا على ماء قليل نجسه" لما مر في الباب السابق.
"والماء الوارد على المتنجس طهور ما لم يتغير أو ينفصل عنه" لقوته لكونه فاعلا فإن تغير فنجس كما مر أو انفصل عنه ففيه تفصيل يعلم مما يأتي في آخر الباب، والتصريح بالقيد الثاني من زيادته، وإذا كان طهورا فيما ذكر"فليدره في الإناء يطهر (٢)، ولا يطهر مائع، ولو" كان"دهنا" لخبر أبي داود، وغيره، وصححه ابن حبان أنه ﷺ سئل عن الفأرة تموت في السمن فقال: "إن كان جامدا فألقوها، وما حولها، وإن كان مائعا فلا تقربوه" (٣)، وفي رواية للخطابي فأريقوه فلو أمكن تطهيره لم يقل فيه ذلك، والجامد هو الذي إذا أخذ منه قطعة لا يتراد من الباقي ما يملأ محلها على قرب، والمائع بخلافه ذكره في المجموع.
"ولو صب على موضع بول أو خمر" أو نحوهما"من أرض ما أغمره طهر، ولو لم ينضب" بضم المعجمة أي يغر"، واللبن" بكسر الموحدة"إن خالط نجاسة جامدة كالروث لم يطهر، وإن طبخ" بأن صار آجرا لعين النجاسة"أو" خالط"غيرها كالبول طهر ظاهره بالغسل"، وكذا"باطنه إن نقع فيه" أي في الماء"ولو مطبوخا إن كان رخوا يصله الماء" كالعجين بمائع نجس"وإلا" أي، وإن لم يكن رخوا"فمدقوقا" أي فيظهر باطنه مدقوقا بحيث
стр. 85
يصير ترابا بخلافه غير مدقوق، ووقع في نسخة ما يخالف ما شرحت عليه فاعلمه.
"وإن سقيت سكين أو طبخ لحم بماء نجس كفى غسلهما"، ولا يحتاج إلى سقي السكين، وإغلاء اللحم بالماء، وقوله كالروضة"مع عصر اللحم" مبني على ضعيف، وهو اشتراط العصر، واستشكل الاكتفاء بغسل ظاهر السكين بعدم الاكتفاء به في الآجر، وأجيب بأنه إنما لم يكتف به في الآجر (١) لأن الانتفاع به متأت من غير ملابسة له فلا حاجة للحكم بتطهير باطنه من غير إيصال الماء إليه بخلاف السكين، وقال بعضهم مراد القائل بطهارة باطنها الاكتفاء بغسل ظاهرها قال، وبه صرح في الشامل في صلاة الخوف فقال طهرت، وإن لم يصل الماء إلى باطنها لتعذر إيصال الماء إليه فعفي عنه.
"ويطهر الزئبق" المتنجس"بغسل ظاهره إن لم يتخلل" (٢) بين تنجسه، وغسله"تقطع"، وإلا لم يطهر (٣) كالدهن لأنه لا يتقطع عند ملاقاة الماء على
стр. 86
الوجه الذي يتقطع عند إصابة النجاسة، ولا ينجس إلا بتوسط رطوبة لأنه جاف فلو، وقعت فيه فأرة فماتت، ولا رطوبة لم ينجس قاله ابن القطان، والزئبق بالهمز، وكسر الزاي، وفتح الباء، ويقال بكسرها.
"ويكفي غسل موضع نجاسة وقعت على ثوب"، ولو"عقيب عصره" (١)، ولا يجب غسل جميعه، وعقيب بالياء لغة قليلة، والكثير ترك الياء ذكره النووي"وكذا" يكفي غسل مكان نجاسة"لو صب ماء على مكانها، وانتشر" حولها فلا يحكم بنجاسة محل الانتشار لأن الماء الوارد على النجاسة طهور ما لم يتغير، ولم ينفصل كما مر.
"و" يكفي"في تطهير بول صبي لم يطعم غير اللبن" (٢) للتغذي (٣) "لا صبية، وخنثى نضح بالماء بشرط غلبته، وإن لم يسل" أما بول الصبية، والخنثى فلا بد فيه من الغسل، ويحصل بالسيلان مع الغلبة فالنضح المراد غلبة الماء بلا سيلان، والأصل في ذلك خبر يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام رواه الترمذي، وحسنه، وابن خزيمة، والحاكم، وصححه (٤)، وفرق
стр. 87
بينهما بأن الابتلاء بحمله أكثر، وبأن بوله أرق من بولها فلا يلصق بالمحل لصوق بولها به، وألحق ببولها بول الخنثى من أي فرجيه خرج، وعلم بما تقرر أنه لا يمنع النضح تحنيك الصبي بتمر، ونحوه، ولا تناوله السفوف، ونحوه للإصلاح.
وظاهر أن محل النضح قبل تمام الحولين إذ الرضاع بعده كالطعام (١) كما نقل عن النص، وسياق كلام المصنف كالأصل يقتضي أنه لا يندب فيه التثليث، والأوجه خلافه كما اقتضاه توجيههم السابق في التثليث في غيره، وتصريحهم بذلك في النجاسة المتوهمة، وأنه يكتفي فيه بالنضح مع بقاء أوصافه، وجرى عليه الزركشي في اللون والريح (٢)، والأوجه خلافه ويحمل كلامهم على الغالب من سهولة زواله قال، ولو شرب صبي لبنا نجسا أو متنجسا فينبغي وجوب الغسل من بوله كما لو شربت السخلة لبنا نجسا يحكم بنجاسة إنفحتها، وفيما قاله نظر كما مرت الإشارة إليه في المقيس عليه.
"فصل لا يطهر متنجس بكلب (٣)، وخنزير، وفرع كل" أي بواحد منها"أو بمتنجس بذلك إلا بسبع" من الغسلات بالماء"إحداهن بالتراب" (٤) لقوله ﷺ : "إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات أولاهن بالتراب" رواه
стр. 88
مسلم (١)، وفي رواية له "عفروه الثامنة بالتراب" (٢) أي بأن يصاحب السابعة (٣) كما في رواية أبي داود (٤) السابعة بالتراب (٥)، وفي رواية صحيحة للترمذي "ولاهن أو أخراهن بالتراب" (٦)، وبين روايتي مسلم تعارض في محل التراب فتتساقطان في تعيين محله، ويكتفى بوجوده في، واحدة من السبع كما في رواية الدارقطني "إحداهن بالبطحاء" (٧)، ويقاس بالولوغ غيره كبوله، وبالكلب غيره مما ذكر، ولو تنجس خف بشعر خنزير لم يطهر بما ذكر محل الخرز لكنه يعفى عنه فيصلى فيه الفرائض، والنوافل لعموم البلوى به، وإنما لم يصل فيه أبو زيد الفرائض احتياطا لها ذكره في الروضة في الأطعمة والمصنف في شروط الصلاة، ولا يقوم غير التراب كأشنان، وصابون مقامه"وإن أفسد الثوب، وزاد في الغسلات" فجعلها ثمانيا مثلا لأن القصد به التطهير الوارد، وهو لا يحصل بذلك.
"وليكن التراب" الذي يغسل به ذلك"طاهرا غير مستعمل" (٨) في
стр. 89
حدث أو خبث كالماء، والتصريح بغير المستعمل من زيادته (١) "يعم محل النجاسة" بأن يكون قدرا يكدر الماء، ويصل بواسطته إلى جميع أجزاء المحل، وليكن"ممزوجا بالماء" قبل وضعهما على المحل أو بعده (٢) بأن يوضعا، ولو مر تبين ثم يمزجا قبل الغسل، وإن كان المحل رطبا إذ الطهور الوارد على المحل باق على طهوريته، وبذلك جزم ابن الرفعة فيما لو، وضع التراب أولا، ومثله عكسه بلا ريب، وهذا مقتضى كلامهم، وهو المعتمد كما قاله البلقيني، وغيره، وما، وقع للإسنوي من أنه يجب المزج قبل الوضع كما صرح به الجويني في التبصرة، وأن ما قاله ابن الرفعة مردود يرد بأنه خلاف مقتضى كلامهم فلا يرتكب بلا ضرورة، وكلام الجويني عليه لا له إذ عبارته ليس كيفية التعفير تغبير الثوب بغبار التراب ثم غسله بعد نفضه، وإنما التعفير أن يخلط التراب بالماء خلطا ثم يغسل المحل، وهي دالة على أن الممنوع إنما هو غسله بعد نفض التراب أو بلا مزج، وأن المعتبر مزجه قبل الغسل سواء أكان قبل الوضع أم بعده، وهو المطلوب لا يقال قوله ثم يغسل يقتضي اعتبار مزجه قبل الوضع لأنا نقول ممنوع فتأمل، وعلم من تعبير المصنف بالماء أنه لا يكفي المزج بغيره، وهو كذلك فتعبيره به أولى من تعبير الأصل بالمائع، وإن وفى كلامه آخرا بالغرض نعم، إن مزجه بالماء بعد مزجه بغيره كفى قاله ابن الصلاح، وفرضه في الخل، ويجب حمله على ما إذا لم يتغير الماء بذلك تغيرا فاحشا.
"ويسن" جعل التراب"في غير الأخيرة، والأولى أولى" لعدم احتياجه بعد ذلك إلى تثريب ما يترشش من جميع الغسلات"وكفت" أي السبع مع
стр. 90
التتريب في إحداها (١).
"وإن تعدد الكلاب" كأن، ولغت في الإناء"أو لاقى" محل التنجيس بها"نجسا آخر، ويسقط تتريب أرض ترابية" (٢) إذ لا معنى لتتريب التراب، وتعبيره ب يسقط يقتضي أنه، وجب ثم سقط، وليس مرادا، وتعبير الأصل بقوله، ولو تنجست أرض ترابية بنجاسة كلب كفى الماء وحده سالم من ذلك"والغمس في" ماء"راكد" كثير كما صرح به الأصل"يحسب مرة وإن مكث" (٣) المحل فيه نعم إن حركه فيه سبع مرات حسبت سبعا (٤)، وخرج بقوله من زيادته راكد الجاري فإنه إذا جرى منه على المحل سبع (٥) جريات حسبت سبعا كما صرح به في الشرح الصغير، وفي بعض النسخ بعد قوله راكد لا جار، وهو إيضاح، والتصريح بقوله يحسب مرة، وإن مكث من زيادته.
"ولا ينجس كثير الماء الطهور، ولا إناؤه بولوغه" أي الكلب أو نحوه فيه"إن لم ينقصه" عن قلتين نعم إن أصاب من الإناء ما لم يصله مع رطوبة أحدهما نجسه كما ذكره في المجموع لكن هذا لا يرد على المصنف لأن تنجسه حينئذ ليس بالولوغ، وأفهم كلام المجموع أنه لو أصاب الإناء من داخل الماء لم ينجس، وتكون كثرة الماء مانعة من تنجسه، وهو كذلك، ولو تنجس الإناء بالولوغ في ماء قليل فيه ثم كثر حتى بلغ قلتين طهر الماء دون الإناء كما نقله البغوي
стр. 91
عن ابن الحداد (١)، وأقره، وجزم به غيره (٢) خلافا للإمام في قوله بطهارة الإناء أيضا، وقد بسطت الكلام على (٣) ذلك في شرح البهجة، وخرج بالطهور غيره كالمتغير بمخالطة طاهر يسهل الاحتراز عنه فإنه ينجس بالولوغ مطلقا"، ويلقى سمن جامد تنجس و" كذا"ما حوله" مما لا يتحقق إلقاء المتنجس إلا بإلقائه، ويبقى الباقي على طهارته لخبر أبي داود السابق في أثناء الباب، وذكر السمن مثال فسائر الأطعمة مثله، ولهذا عبر في الروضة بالطعام.
فإن قلت ينبغي إلقاء الجميع لأن ما حول المتنجس إذا تنجس تنجس ما حوله، وهكذا لوجود الرطوبة قلت رد بأن ما حوله تنجس بملاقاة عين النجاسة، وما حول هذا لم يلاقها، وإنما لاقى المتنجس حكما فلا ينجس، ولهذا قال في الخبر ألقوها، وما حولها فحكم بتنجس ما لاقى عين النجاسة فقط مع رطوبة السمن.
"وندب إراقة سؤر الكلب" أي باقي ما ولغ فيه"فورا" لخبر مسلم "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه، وليغسله سبعا أولاهن بالتراب"، ويقاس
стр. 92
بالكلب الخنزير، وفرع كل منهما ومحل ندب الإراقة إذا لم يرد استعمال الإناء فإن أراده، وجبت، والتصريح بندبها من زيادته.
"وللغسالة حكم المحل بعد الغسل" (١) طهارة، ونجاسة فإن طهر طهرت، وإلا فلا لأن بلل المحل بعضها، والماء الواحد القليل لا يتبعض طهارة ونجاسة هذا"إن لم تتغير، ولم تزد، وزنا" (٢) فإن تغيرت أو زاد، وزنها أي بعد اعتبار ما أخذه المحل من الماء، وأعطاه من الوسخ الطاهر فنجسه، والمحل حينئذ نجس، وعليه فقد يقال لا حاجة للشرط المذكور لأنه قد تبين أن للغسالة القليلة حكم المحل مطلقا، ويجاب بأن نجاستها هنا دليل نجاسة المحل، وفيما مر بالعكس، وإذا كان لها حكم المحل"فيغسل من رشاش" غسالة النجاسة"الكلبية في" المرة"الأولى ستا" (٣) هذا كله إذا لم تبلغ الغسالة قلتين.
"فإن بلغت" قلتين، ولم تتغير"فطهور" مطلقا"وغسالة المندوب" أي ما يندب غسله أصالة"كالتثليث طهور" أما غسالة ما يندب غسله عرضا، وهي غسالة ما يعفى عنه كدم قليل فهي كغسالة ما لا يعفى عنه لأن الأصل فيه وجوب غسله لكن عفي عنه للمشقة (٤).
стр. 93
"خاتمة" إذا غسل فمه المتنجس (١) فليبالغ في الغرغرة ليغسل كل ما في حد الظاهر، ولا يبتلع طعاما، ولا شرابا قبل غسله لئلا يكون آكلا للنجاسة نقله في المجموع عن الجويني، وأقره.
стр. 94
"باب الاجتهاد في المياه، وغيرها من الأعيان"
الاجتهاد والتحري والتأخي بذل المجهود في طلب المقصود"يجب التحري" وجوبا مضيقا بضيق الوقت (١) وموسعا بسعته"للتطهر إن اشتبه" عليه ماء"طاهر بمتنجس" ولم يبلغا قلتين بالخلط"ولم يجد غيره" يتطهر به (٢) لأن التطهر شرط للصلاة الواجبة يمكن التوصل إليه بالاجتهاد فوجب كالقبلة، وجاز فيما عدا ما ذكر، والتصريح بالوجوب وبقوله ولم يجد غيره من زيادته.
"فإن هجم" وأخذ أحدهما بلا اجتهاد، وتوضأ به"لم يصح وضوءه، وإن وافق" الطهور بأن انكشف له الحال لتلاعبه"وسواء" في وجوب الاجتهاد، وجوازه"رأى" أي علم نجاسة أحدهما بمشاهدة أو غيرها فتعبيره برأي أعم من تعبير الأصل بالعلم بالمشاهدة"أو أخبره" بها"عدل الرواية" (٣)، وبين سببها أو كان فقيها موافقا له (٤) "ولو" كان"أعمى" أو أنثى أو عبدا"لا" إن كان المخبر"صبيا" أو فاسقا أو كافرا نعم إن أخبر (٥) عن فعله كقوله بلت في هذا الإناء (٦) قبل خبره كما قبلوه فيما لو أخبر ذمي عن شاة بأنه ذكاها.
стр. 95
"وله الاجتهاد ولو" كان"على الشط" أي شط النهر"أو بلغا" أي الماءان"قلتين بالخلط" بلا تغير لجواز العدول إلى المظنون مع وجود المتيقن، وإن كان الأولى استعمال المتيقن (١) وكذا له الاجتهاد إذا اشتبه عليه ماء طهور بمستعمل كما صرح به الأصل"وهذا" يعني العمل بالاجتهاد فيما مر، وفيما يأتي"إن وجد علامة" كنقص أحد الماءين أو ابتلال طرف إنائه"وتأيد" الاجتهاد"بأصل" (٢) أي بأصل الحل قال في الروضة، وكان للعلامة في المجتهد فيه مجال بأن يتوقع ظهور الحال فيه بعلامة ليخرج ما لو اشتبه عليه محرمه بأجنبيات محصورات أو ميتة بمذكاة أو نحو ذلك فلا اجتهاد لفقد العلامة، وكان المصنف رأى كالرافعي أن هذه الأشياء تخرج بتأيد الاجتهاد بالأصل فاكتفى به.
واعلم أن ظهور العلامة شرط للعمل بالاجتهاد، وأن بقية الشروط شروط للاجتهاد أو أن الجميع شروط للعمل به كما أشرت إليه أولا فقول الروضة كالغزالي أن الجميع شروط للاجتهاد مراده به ما قلناه بقرينة ما ذكره أول الباب، وقد نبه عليه الرافعي في تقريره لكلام الغزالي فقال، ولعلك تقول الاجتهاد هو البحث والنظر وثمرته ظهور العلامات، وثمرة الشيء تتأخر عنه، والشرط يتقدم فكيف جعل ظهور العلامات شرطا فالجواب أن قوله ثم للاجتهاد شرائط أي للعمل به أو لكونه مفيدا أو نحو ذلك.
"ولو تلف أحدهما" بأن صب أو انصب"لم يجتهد، ويتيمم، ولا إعادة،
стр. 96
وإن بقي الآخر" لأنه ممنوع من استعماله غير قادر على الاجتهاد أي لأنه إنما يكون في متعدد باق، وقال الرافعي يجتهد فقد تظهر أمارة النجاسة في التالف فيأخذ الباقي، وعلى الأول يخالف جواز إلحاق القائف بعد موت أحد المتداعيين، وتخيير من أسلم على أكثر من أربع بعد موت بعضهن لأن حكم النسب والنكاح من إرث وغيره باق في الموتى، والماء بعد تلفه لا حكم فيه نبه عليه المتولي.
"ويجتهد" وجوبا إن اضطر، وإلا فجوازا"في غير الماء" أيضا"ولو في جنسين" كلبن، وخل"وإن اشتبه" عليه"ماء وبول أو" ماء"وماء ورد، أو ميتة ومذكاة، أو لبن بقرة و" لبن"أتان" (١) بفتح الهمزة، وحكي كسرها، وبالمثناة الأنثى من الحمر الأهلية أو نحو ذلك"لم يجتهد" لأنه لا أصل لغير الماء (٢)، والمذكاة، ولبن البقرة مما ذكر في حل المطلوب"ويتيمم" في الأولى"بعد الإراقة" للماء، والبول أو لأحدهما أو لشيء منه في الآخر، وصلى ولا إعادة"وإلا" أي، وإن تيمم قبلها"أعاد" ما صلاه بالتيمم لأنه تيمم بحضرة ماء طاهر بيقين له طريق إلى إعدامه، وبهذا فارق صحة التيمم بحضرة ماء منع منه سبع.
وقوله بعد إلى آخره من زيادته وذكره المنهاج وغيره"ولزم" في الثانية"الوضوء بكل من الماء، وماء الورد مرة"، ويعذر في تردده في النية للضرورة (٣) كمن نسي صلاة من الخمس هذا"إن لم تزد قيمته" أي ماء الورد على قيمة ماء الطهارة كما لو كان له ماء لا يصل إليه إلا بمؤنة ركوب ونحوه فإنه يلزمه إحضاره والتطهر به إن لم تزد المؤنة على قيمة الماء"فإن زادت" قيمته"فله التيمم، ويعيد إن لم يرقه" يعني أحدهما أو شيئا منه في الآخر قبل التيمم
стр. 97
بحيث يسلبه الاسم لو قدر مخالفا له لما مر، وذكر اللزوم من زيادته، وكذا قوله إن لم تزد إلى آخره أخذا من قول المهمات قد تقدم أنه إذا كان معه ماء لا يكفيه وعنده مائع كماء ورد لزمه أن يكمل به إن لم تزد قيمته على ثمن ماء الطهارة فإذا لم يلزمه التكميل به عند زيادة قيمته (١) فلأن لا يلزمه الوضوء الكامل به أولى لكن أجيب عنه بأن قوله، وعنده مائع لم يتقدم (٢)، وإنما الذي تقدم، ومعه ماء لا يكفيه، ولو كمله بمائع يستهلك فيه لكفاه لزمه ذلك، وظاهره أن المائع ليس معه لكن يمكنه تحصيله فلا يلزمه ذلك مع زيادة قيمته (٣)، والمائع في مسألتنا معه فيلزمه استعماله مع الزيادة كما يلزمه استعمال الماء المتيسر معه في محل يباع فيه الماء بأكثر من ثمن المثل، وبأن الفرض هنا في ماء ورد منقطع الرائحة، وذلك لا قيمة له غالبا أو قيمته تافهة بخلاف ما تقدم، وبأن إلزامه بالوضوء بهما إنما يأتي فيما إذا ضاق الوقت، ولم يجد سواهما، وفيما أجيب به نظر.
قال الماوردي، وله أن يجتهد فيهما لشرب ماء الورد فإذا بان له بالاجتهاد أن أحدهما ماء ورد أعده للشرب، وله التطهر بالآخر للحكم عليه بأنه ماء وأفسده الشاشي بأن الشرب لا يحتاج فيه إلى اجتهاد لأن كلا منهما طاهر. والمختار ما قاله الماوردي (٤) لأن الشرب وإن لم يحتج فيه إلى اجتهاد لكن شرب ماء الورد في ظنه يحتاج فيه إليه.
стр. 98
"وإن اشتبه" عليه"محرم" له"بغيرها فلا اجتهاد" عليه مطلقا ولا له إن اشتبهت بأجنبيات محصورات (١) إذ لا علامة تمتاز بها المحرم عن غيرها كما مر فإن ادعى امتيازا بعلامة فلا اجتهاد أيضا لأنها إنما تعتمد عند اعتضاد الظن بأصل الحل كما مر، والأصل في الأبضاع الحرمة، وله أن ينكح مما وقع فيه الاشتباه ولو بلا اجتهاد"لكن يجتنب المحصورات" (٢) كما سيأتي ذلك في موانع النكاح، وهل ينكح إلى أن تبقى واحدة (٣) أو إلى أن تبقى جملة لو (٤) كان الاختلاط بهن ابتداء منع منهن حكى فيه الروياني عن والده احتمالين وقال الأقيس عندي الثاني لكن صحح النووي الأول في نظيره من الأواني ونحوها، وجزم به المصنف كما سيأتي.
وقد يفرق بأن ذاك يكفي فيه الظن بدليل صحة الطهر، والصلاة بمظنون الطهارة، وحل تناوله مع القدرة على متيقنها بخلاف النكاح قال الإمام، والمحصور ما يسهل على الآحاد عده بخلاف غيره، وفي الإحياء كل عدد لو اجتمع في صعيد، واحد لعسر على الناظر عده بمجرد النظر كالألف فغير محصور، وإن سهل عده كعشرين فمحصور، وبينهما وسائط تلحق بأحدهما بالظن، وما وقع فيه الشك استفتي فيه القلب قال الأذرعي، وينبغي التحريم عند الشك عملا بالأصل.
وقد ذكر المصنف كلام الإمام في موانع النكاح، وكلام الإحياء في الصيد، والذبائح"وإن اشتبهت الزوجة" عليه بأجنبيات"اجتنب الكل" فلا يطأ، واحدة منهن لأن الوطء لا يباح إلا بالعقد"أو" اشتبه عليه"شاته بشاة غيره" مثلا"أو طعام طاهر بمتنجس اجتهد"، والأوليان من زيادته، وكذا
стр. 99
تعليل الثانية منهما بقوله"لأن الملك يؤخذ بغلبة الظن" (١).
"ويجتهد الأعمى" كما في الوقت، ولأن له طريقا غير البصر كالشم، واللمس والذوق (٢) وفارق منعه في القبلة بأن أدلتها بصرية"فإن تحير قلد بصيرا" لعجزه كالعامي يقلد مجتهدا بخلاف ما لو اشتبه عليه الوقت له أن يقلد وإن لم يتحير كما سيأتي لأن الاجتهاد ثم إنما يأتي بتعاطي أعمال مستغرقة للوقت، وفيه مشقة ظاهرة بخلافه هنا، وقيد بالبصير من زيادته كالحاوي وغيره أخذا من كلام الشافعي ليخرج الأعمى لنقصه عن البصير، ولهذا اختلف في جواز اجتهاده هنا، ومنع منه في القبلة بخلاف البصير فيهما (٣).
"فإن لم يجده أو اختلف عليه بصيران أو تحرى بصير وتحير لزمه"، وفي نسخة لزمها أي الأعمى، والبصير فيما ذكر"خلط الماءين" ليتطهر بهما"إن بلغا قلتين فإن لم يبلغا" هما"لم تجب إراقة ولا خلط" هذا من تصرفه، والوجه وجوب أحدهما ليصح تيممه كما يؤخذ من كلام الأصل ومن قوله"بل تجب الإعادة إن لم يفعل" (٤)، وفي نسخة يفعلا أي شيئا منهما لكن كلامه هذا قد يقتضي أن ذلك شرط لعدم وجوب الإعادة لا لصحة التيمم وليس كذلك، وذكر مسألة اختلاف البصريين من زيادته ..
"فرع" إذا"ظن طهارة أحدهما استحب" له قبل استعماله"أن يريق الآخر" لئلا يغلط فيستعمله أو يتغير اجتهاده فيشتبه عليه الأمر"فإن لم يفعل" أي لم يرقه، وصلى بالأول الصبح مثلا فحضرت الظهر وهو محدث"ولم يبق من الأول شيء لم يجب الاجتهاد" لعدم التعدد، وأما جوازه فثابت على
стр. 100
رأي الرافعي (١) دون النووي فلو اجتهد فظن طهارة الثاني تيمم ولا يستعمله لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد (٢) "وإن بقي" من الأول شيء، وأحدث"لزمه" الاجتهاد للصلاة الثانية (٣)، وإن لم يكف الباقي طهارته.
"فإن تغير اجتهاده اجتنبهما" أي الماءين"وتيمم" لما مر"وأعاد" ما صلاه بالتيمم"لبقائهما" منفردين لأنه تيمم بحضرة ماء طاهر بيقين له طريق إلى إعدامه، وفرقوا بين منع العمل بالثاني هنا، وتجويزه في نظيره من الثوب، والقبلة بأن العمل به هنا يؤدي إلى نقض الاجتهاد بالاجتهاد إن غسل ما أصابه الأول، وإلى الصلاة بنجاسة إن لم يغسله (٤)، وهناك لا يؤدي إلى صلاة بنجاسة، ولا إلى غير القبلة، ومنع ابن الصباغ ذلك بأنه إنما يؤدي إلى نقض الاجتهاد بالاجتهاد لو أبطلنا ما مضى من طهره وصلاته، ولم نبطله بل أمرناه
стр. 101
بغسل ما ظن نجاسته كما أمرناه باجتناب بقية الماء الأول، ويجاب بأنه يكفي في النقض وجوب غسل ما أصابه الأول، واجتناب البقية.
"وإن اختلف خبر عدلين فصاعدا" كأن قال أحدهما ولغ الكلب في هذا دون ذاك، وقال الآخر بل في ذاك دون هذا"صدقا إن أمكن" صدقهما فيحكم بنجاسة الماءين لاحتمال الولوغ في وقتين"فلو تعارضا" في الوقت أيضا بأن عيناه"صدق أوثقهما أو الأكثر" عددا كما في الرواية، وذكر الأكثر من زيادته، وذكره في التحقيق، وغيره فإن تعارض الأوثق، والأكثر فيظهر أن حكمه حكم ما ذكره بقوله"وإن استويا سقطا" أي سقط خبرهما لعدم الترجيح"وحكم بطهارتهما" أي الماءين لأنها الأصل.
"وكذا لو عين أحدهما كلبا" كأن قال ولغ هذا الكلب في هذا الماء وقت كذا"وقال الآخر كان حينئذ ببلد آخر" فإنه يحكم بطهارته لذلك"وإن رفع كلب" أو نحوه"رأسه من إناء" فيه ماء"وفمه رطب لم يضر" بشرط زاده بقوله"إن احتمل ترطبه من غيره" أي الماء لأن الأصل الطهارة، وإلا ضر (١) "وإن تحريا في إناءين، وأخذ كل" منهما"واحدا فلا قدوة" لأحدهما بالآخر لأنه يعتقد بطلان صلاته"وإن كانوا ثلاثة"، والآنية كذلك"والنجس" منها"واحد"، وظن كل طهارة إنائه"فلكل" منهم"الاقتداء بواحد فقط" (٢) لتعين الإناء الثالث للنجاسة في حقه"أو" كانوا"أربعة"، والآنية كذلك، والنجس منها واحد"فباثنين" فقط"أو" كانوا"خمسة"، والآنية كذلك والنجس منها واحد"فبثلاثة" فقط"وإن كانوا خمسة"، والآنية كذلك"والنجس" منها"اثنان صح اقتداؤه" أي كل منهم"برجلين" فقط"أو" النجس منها"ثلاثة فبواحد" فقط"و" بذلك علم"أن من تأخر" منهم"تعين" الاقتداء به"للبطلان" ولو كان النجس أربعة امتنع الاقتداء بينهم، وبعض هذه الأمثلة ذكره الأصل في صفة الأئمة"وكذا إذا سمع" كل منهم
стр. 102
"صوتا من واحد" منهم"وأنكروا" أي أنكر كل منهم وقوعه منه فإنه يصح اقتداؤه بغير الأخير.
"وإن بان" لمن توضأ بماء ظن طهارته"ما توضأ به نجسا" ولو"بخبر عدل أعاد" ما صلاه به"وغسل موضعه" من بدنه (١) وملبوسه"وإن رأى ظبية تبول في ماء" (٢) كثير"فوجده" عقب البول"متغيرا أو شك" في أن تغيره به أو بنحو طول مكث"لاحتمال" أي عند احتمال"تغيره به فنجس" عملا بالظاهر لاستناده إلى سبب معين كخبر العدل مع أن الأصل عدم غيره أما لو غاب عنه (٣) زمنا ثم وجده متغيرا أو وجده عقب البول غير متغير ثم تغير أو متغيرا لكن لم يحتمل تغيره به لقلته مثلا فطاهر، والتصريح بالتقييد باحتمال تغيره بالبول من زيادته قال النووي، ومراد الفقهاء بالشك هنا، وفي معظم أبواب الفقه التردد سواء المستوى والراجح، وعند أهل الأصول التردد إن كان
стр. 103
على السواء فشك، وإلا فالراجح ظن، والمرجوح وهم"وإن وجد قطعة لحم في إناء" أو خرقة"ببلد لا مجوس فيه فطاهرة أو"، وجدها"مرمية" مكشوفة"أو" في إناء (١) أو خرقة"، والمجوس بين المسلمين فنجسة" نعم إن كان المسلمون أغلب كبلاد الإسلام فطاهرة (٢) لأنه يغلب على الظن أنها ذبيحة مسلم ذكره الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب والمحاملي، وغيرهم.
"فرع" لو"اغترف" ماء أو مائعا غيره"من دنين" في كل منهما ماء قليل أو مائع"في إناء فوجد فيه فأرة" ميتة لا يدري من أيهما هي"اجتهد فإن ظنها من الأول واتحدت المغرفة" ولم تغسل بين الاغترافين"حكم بنجاستهما"، وإن ظنها من الثاني أو من الأول، واختلفت المغرفة أو اتحدت، وغسلت بين الاغترافين حكم بنجاسة ما ظنها فيه فقط.
"فرع" لو"اشتبه" عليه"إناء بول بأواني بلد أو ميتة بمذكاته أخذ" منها"ما شاء" بلا اجتهاد (٣) "إلا واحدا" كما لو حلف لا يأكل ثمرة بعينها فاختلطت بثمر فأكل كل الجميع إلا ثمرة لم يحنث.
"فرع إذا غلبت النجاسة" في شيء"والأصل" فيه أنه"طاهر كثياب مدمني الخمر و" ثياب"متدينين بالنجاسة" كالمجوس"و" ثياب"صبيان"
стр. 104
بكسر الصاد أشهر من ضمها"ومجانين وقصابين" أي جزارين"حكم" له"بالطهارة" عملا بالأصل، ومحل العمل به إذا استند ظن النجاسة إلى غلبتها، وإلا عمل بالغالب كما مر في بول الظبية، وذكر المجانين من زيادته"وما عمت به البلوى (١) من ذلك كعرق الدواب، ولعابها، ولعاب الصبي، والحنطة" التي"تداس، والثور يبول" عليها جملة حالية"والجوخ، وقد اشتهر استعماله بشحم الخنزير محكوم بطهارته"، والتصريح بهذا من زيادته، ولو قال، وكذا ما عمت إلخ، وحذف قوله محكوم بطهارته كان أوضح، وأخصر.
"والبقل النابت في نجاسة متنجس لا ما ارتفع عن منبته" فإنه طاهر، وتعبيره بالنجاسة أعم من تعبير الشيخين بالسرجين لكن في كلامه إيهام سلم منه قولهما، وأما الزرع النابت في السرجين فقال الأصحاب ليس نجس العين لكن ينجس بملاقاة النجاسة فإذا غسل طهر، وإذا سنبل فحباته الخارجة طاهرة.
стр. 105
"باب الآنية"
جمع إناء كسقاء، وأسقية، وجمع الآنية أوان، وهي ظروف المياه فلذا عقبها بها"يجوز استعمال كل إناء طاهر" أي من حيث إنه طاهر فلا يرد تحريم استعمال جلد أو غيره من آدمي، ولا مغصوب لأن تحريمهما لا من هذه الحيثية بل من حيث حرمة الآدمي، والاستيلاء على حق الغير، وخرج بالطاهر النجس فلا يجوز استعماله إلا في جاف أو ماء كثير كما مر بيانه (١) "إلا" إناء ولو ملعقة"من ذهب أو فضة فإنه يحرم استعماله" في الطهارة، وغيرها لخبر "لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها" (٢) رواه الشيخان، وقيس غير الأكل والشرب بهما، ولأن علة التحريم وجود عين الذهب والفضة مراعى فيها الخيلاء (٣)، وقد يعللونه بالخيلاء مراعين فيه العين، ولا فرق في التحريم بين الرجال والخناثى والنساء والصبيان ونحوهم حتى يحرم على الولي سقي الصبي، ونحوه بمسعط الفضة"إلا لضرورة" (٤) فلا يحرم استعماله"ولوضوء" منه"صحيح" لأن التحريم للاستعمال لا لخصوص الوضوء"والمأكول" كالمشروب"حلال" إذ لا مقتضى للتحريم. وإنما يحرم الفعل لما مر"فيحرم الاكتحال والتجمر" أي التبخر"بالاحتواء" (٥) على المجمرة أو
стр. 106
بإتيان رائحتها من قرب (١) كما فهم من الأصل بأن يكون بحيث يعد متطيبا بها"والتطيب" بماء الورد أو غيره"منهما" أي من إناءي الذهب والفضة، وفي نسخة منها أي من آنيتهما ولو قال منه أي من إناء أحدهما كان أولى لعطفه بأو وليناسب قوله"فليفرغه" أي الإناء بأن يصب ما فيه ولو"في يده" التي لا يستعمله بها فيصبه أولا في يده اليسرى ثم في اليمنى"ثم يستعمله" ليندفع عنه ارتكاب المعصية.
"ويحرم اتخاذه" بغير استعمال أيضا لأن اتخاذه يجر إلى استعماله كآلة اللهو"و" يحرم"تزيين به" لوجود العين، والخيلاء"فلا أجرة لصنعته، ولا أرش لكسره" كآلة اللهو"ويكره إناء من جوهر نفيس" كفيروزج، وياقوت، وبلور، وزبرجد لما فيه من الخيلاء، والتصريح بالكراهة من زيادته، ومثله الإناء المتخذ من طيب مرتفع كمسك، وعنبر، وعود، وكافور فلو حذف الجوهر كان أولى ليكون المعنى من نفيس بالذات"لا نفيس صنعة" كزجاج وخشب محكم الخرط فلا يكره كنفيس الكتان وألحق به في المجموع فصا اتخذه من جوهر نفيس لخاتمه.
"وإن موه" أي طلي"إناء نحاس" بضم النون أو غيره"بذهب أو فضة يتحصل" منه شيء بالنار"حرم" لما مر"أو لا يتحصل" منه شيء بها"فلا" يحرم لقلة المموه به فكأنه معدوم (٢) "وحكم عكسه" بأن موه إناء ذهب أو فضة بنحاس أو غيره"عكس حكمه" فلا يحرم إن حصل من ذلك شيء بالنار،
стр. 107
وإلا حرم لأن المموه به لقلته كالمعدوم، وهذا ما صرح به ابن الرفعة وغيره أخذا من كلام الإمام (١)، وهو حسن، وإن خالف مقتضى ما في الرافعي من أنه يحرم مطلقا، وما في الروضة من أنه لا يحرم مطلقا، وذكرا مع التمويه في الثانية التغشية. واكتفى المصنف عنها بالتمويه".
وتضبيب الإناء بذهب حرام" مطلقا لأن الخيلاء فيه أشد من الفضة"وكذا كبيرة" أي، وكذا تضبيبه بضبة كبيرة"في العرف بفضة لغير حاجة" بأن كانت لزينة أو بعضها لزينة، وبعضها لحاجة.
"فإن كانت صغيرة لحاجة الإناء" إلى الإصلاح"لم تكره" لصغرها مع الحاجة، ولما روى البخاري أن قدح النبي ﷺ الذي كان يشرب فيه كان مسلسلا بفضة (٢) لانصداعه أي مشبعا بخيط فضة لانشقاقه"أو" صغيرة"فوق حاجته" بأن كانت لزينته أو بعضها لزينته، وبعضها لحاجته"أو كبيرة لحاجته كرهت"، ولم تحرم لصغرها في الأول، وللحاجة إليها في الثاني فإن شك في كبرها فالأصل الإباحة قاله في المجموع، وأصل ضبة الإناء ما يصلح به خلله من صفيحة أو غيرها، وإطلاقها على ما هو للزينة توسع.
стр. 108
ومعنى الحاجة غرض إصلاح موضع الكسر كما نبه عليه بقوله لحاجة الإناء فيؤخذ منه ما صرح به الأصل أنه لا يعتبر العجز عن غير الذهب، والفضة لأن العجز عن غيرهما يبيح استعمال الإناء الذي كله ذهب أو فضة فضلا عن المضبب به، وفي معنى الإناء فيما ذكر الباب، والخلال، ونحوهما، واستشكل حرمة الذهب، والفضة فيما ذكر بحل الاستنجاء بهما الآتي في بابه، وأجيب بأن الكلام ثم في قطعة ذهب أو فضة لا فيما هيئ منهما لذلك كالإناء المهيأ منهما للبول فيه"وسمر الدراهم" في الإناء"لا طرحها فيه كالتضبيب" فيأتي فيه التفصيل السابق بخلاف طرحها فيه لا يحرم به استعمال الإناء مطلقا، ولا يكره، وكذا لو شرب بكفه، وفي أصبعه خاتم أو في فمه دراهم كما صرح بذلك في الروضة وكذا لو شرب بكفه وفيها دراهم.
"فإن جعل له" أي للإناء"حلقة" من فضة بإسكان اللام أشهر من فتحها"أو سلسلة فضة أو رأسا" (١) منها"جاز" لأنه منفصل عن الإناء لا يستعمل قال الرافعي، ولك منعه بأنه مستعمل بحسبه، وإن سلم فليكن فيه خلاف الاتخاذ، وخرج بالفضة، والذهب فلا يجوز منه ذلك.
стр. 109
"باب صفة الوضوء" (١)
أي كيفيته، وهو من الوضاءة، وهي الحسن، وفي الشرع استعمال الماء في أعضاء مخصوصة مفتتحا بنية، وهو بضم الواو الفعل وهو المراد هنا، وبفتحها ما يتوضأ به وقيل بفتحها فيهما وقيل بضمها كذلك، وله فروض، وسنن، وشروط فشروطه ماء مطلق، والعلم بأنه مطلق، وإسلام، وتمييز، ومعرفة كيفية الوضوء كنظيره الآتي في الصلاة، وعدم الحائل، وجري الماء على العضو، ودخول الوقت في وضوء دائم الحدث، والعلم بدخوله، وعدم المنافي من نحو حيض، ونفاس، ومس ذكر، وعدم الصارف، ويعبر عنه بدوام النية لو قطعها في أثناء الوضوء احتاج في بقية الأعضاء إلى نية جديدة".
وفروضه ستة الأول النية" لخبر الصحيحين "نما الأعمال بالنيات" (٢) أي الأعمال المعتد بها شرعا وحقيقتها لغة (٣) القصد، وشرعا قصد الشيء مقترنا بفعله، وحكمها الوجوب كما علم، ومحلها القلب، والمقصود بها تمييز العبادة عن العادة أو تمييز رتبها، وشرطها إسلام الناوي، وتمييزه، وعلمه بالمنوي، وعدم إتيانه بما ينافيها بأن يستصحبها حكما، ووقتها أول الفروض (٤) كأول غسل جزء من الوجه هنا كما سيأتي، وإنما لم يوجبوا المقارنة
стр. 110
في الصوم لعسر مراقبة الفجر، وتطبيق النية عليه، وكيفيتها تختلف بحسب الأبواب كأن ينوي هنا رفع الحدث أو التطهر عنه كما سيأتي"، وتجب عند غسل أول جزء من الوجه" قيل تبع في هذه العبارة الروضة.
وعبارة الرافعي أول غسل الوجه، وهي أصح لإيهام تلك اشتراط غسل الوجه من أوله لمقارنة النية أو جواز خلو غسل آخره عن النية إن غسل آخره أولا، وكلاهما فاسد، ويرد بأن هذا إنما يرد على التعبير بغسل أول الوجه لا على التعبير بغسل أول جزء من الوجه كما عبر في الروضة والروض لمساواته في المعنى لعبارة الرافعي فالعبرة بأول غسل جزء منه فلا يكفي قرنها بما بعده لخلو أول المغسولات وجوبا عنها، ولا بما قبله لأنه سنة تابعة للواجب الذي هو المقصود، ولو وجدت النية في أثناء غسل الوجه كفت، ووجب إعادة المغسول منه قبلها"وتجزئ" عند غسل ذلك"ولو مع مضمضة" (١)، وإن عزبت النية بعده سواء أغسله بنية الوجه، وهو ظاهر أم لا لوجود غسل جزء من الوجه مقرونا بالنية لكن تجب إعادة غسل الجزء مع الوجه على الأصح في الروضة لوجود الصارف، ولا تجزئ المضمضة في الشق الأول (٢) لعدم تقدمها على غسل لوجه قاله القاضي مجلي (٣) فالنية لم تقترن فيه بمضمضة حقيقية.
"ولا تصح نية من كافر"، ولو أصليا لأنه ليس أهلا لها فلا يصح تطهره"فغسل الذمية من الحيض" أو النفاس"والمجنونة، والمسلمة المكرهة"