الإمام ليؤتم به" (١) "وإن لم يعرف سهوه" فإنه يوافقه حملا على أنه سها "فإن تخلف عنه عمدا (٢) بطلت صلاته لا إن تيقن غلطه في سجوده كمن علمه سجد لنهوض قليل" مثلا فلا يوافقه إذا سجد اعتبارا بعقيدته كما لو فعل إمامه ما يقتضي السجود عنده ولم يره هو كفعل الجهر في محل السر (٣)، أو عكسه لا يلحقه ذلك نعم يلحقه في مسألتنا سهو إمامه بسجوده لذلك فيسجد له، وهذا نظير ما لو ظن سهوا فسجد فبان عدمه نبه على ذلك الزركشي وغيره.
"وإن قام" الإمام "إلى خامسة ناسيا لم يجز للمأموم متابعته" (٤) حملا على أنه ترك ركنا من ركعة "وإن كان مسبوقا" ويفارق وجوب متابعته له في سجود السهو إذا لم يعرف سهوه بأن قيامه لخامسة لم يعهد بخلاف سجوده فإنه معهود لسهو إمامه وأما متابعة المأمومين له ﷺ في قيامه للخامسة في صلاة الظهر فإنهم لم يتحققوا زيادتها; لأن الزمن كان زمن الوحي وإمكان الزيادة،
стр. 597
والنقصان ولهذا قالوا أزيد في الصلاة يا رسول الله؟ (١).
"فإن سلم الإمام ولم يسجد لسهوه، أو سجد" له "واحدة سجد المأموم" مطلقا "أو تمم" السجود إن كان موافقا حملا على أنه نسي بخلاف تركه التشهد الأول وسجدة التلاوة لا يأتي المأموم بهما; لأنهما يقعان خلال الصلاة فلو انفرد بهما لخالف الإمام "فلو تخلف" بعد سلام إمامه بقيد زاده بقوله "ليسجد" (٢) للسهو "فعاد الإمام إلى السجود لم يتابعه" سواء سجد قبل عود إمامه أم لا لقطعه القدرة بسجوده في الأولى (٣) وباستمراره في الصلاة بعد سلام إمامه في الثانية "بل يسجد" فيها "منفردا" بخلاف ما لو قام المسبوق ليأتي بما عليه، فالقياس لزوم العود للمتابعة (٤)، والفرق أن قيامه لذلك واجب وتخلفه ليسجد مخير فيه، وقد اختاره فانقطعت القدوة وذكره الإسنوي "فلو سلم المأموم معه ناسيا فعاد الإمام إلى السجود لزمته موافقته" فيه لموافقته له في السلام ناسيا "فإن تخلف" عنه "بطلت صلاته" لما سيأتي أن من سلم ناسيا، ثم عاد إلى السجود عاد إلى الصلاة "وإن سلم عامدا" فعاد الإمام "لم يوافقه" لقطعه القدوة لسلامه عمدا وتعبيره بذلك أولى من قول أصله لم تلزمه متابعته "وإن قام" الإمام "لخامسة" ناسيا "ففارقه بعد بلوغ حد الراكعين لا قبله سجد" للسهو كالإمام "وإن كان إمامه حنفيا فسلم" قبل أن يسجد للسهو
стр. 598
"سجد المأموم" قبل سلامه اعتبارا بعقيدته "ولا ينتظره ليسجد معه"; لأنه فارقه بسلامه.
"ولو أحرم منفردا فسها في ركعة" من رباعية "ثم اقتدى بمسافر (١) يقصر فسها إمامه ولم يسجد، ثم أتى" هو "بالرابعة بعد سلامه فسها فيها كفاه للجميع سجدتان" كما علم من أول الفصل السابق "وهما للجميع، أو لما نواه" منه ويكون تاركا لسجود الباقي في الثانية.
"فصل، وهو" أي سجود السهو "سجدتان محلهما قبيل السلام" (٢) بحيث لا يتخلل بينهما شيء من الصلاة كما أفاده تصغيره قبل، وذلك لخبر أبي سعيد السابق أول الباب; ولأنه ﷺ صلى بهم الظهر فقام من الأوليين ولم يجلس فقام الناس معه حتى إذا قضى الصلاة وانتظر الناس تسليمه كبر، وهو جالس فسجد سجدتين قبل أن يسلم، ثم سلم (٣) رواه الشيخان قال الزهري وفعله قبل السلام هو آخر الأمرين من فعله ﷺ ; ولأنه لمصلحة الصلاة فكان قبل السلام (٤) كما لو نسي سجدة منها وأجابوا عن سجوده بعده في خبر ذي اليدين بحمله على أنه لم يكن عن قصد مع أنه لم يرد لبيان حكم سجود السهو سواء أكان السهو بزيادة أم نقص أم بهما وقضية كونه سجدتين أنه لو سجد واحدة بطلت
стр. 599
صلاته، وهو ما حكي عن ابن الرفعة، لكن جزم القفال في فتاويه بأنها لا تبطل، وهو مقتضى تعليل الرافعي الآتي فيما إذا هوى لسجود التلاوة، ثم بدا له فترك، وقد يحمل كلام ابن الرفعة (١) على ما إذا قصد سجدة ابتداء وكلام القفال على ما إذا قصد الاقتصار عليها بعد فعلها بقرينة كلام الرافعي وكيفيتها كسجدتي الصلاة "يجلس مفترشا بينهما" كما مر في صفة الصلاة "ويأتي بذكر السجود" للصلاة "فيهما" (٢) وحكى بعضهم أنه يندب أن يقول فيهما سبحان من لا ينام ولا يسهو قال الشيخان، وهو لائق بالحال قال الزركشي إنما يتم إذا لم يتعمد ما يقتضي السجود فإن تعمده فليس ذلك لائقا، اللائق الاستغفار "ثم" أي بعد السجود "يتورك ويسلم ولا يتشهد" بعد السجود "فلو سلم قبله" أي قبل السجود "عامدا" أي ذاكرا للسهو "فقد فوته"; لأنه قطع الصلاة بالسلام "أو ناسيا" لذلك (٣) وأراد السجود "سجد"، وإن فارق المجلس واستدبر القبلة "إذا لم يطل فصل" (٤) عرفا بين السلام وتيقن الترك لخبر الصحيحين عن ابن مسعود "أنه ﷺ صلى الظهر خمسا فلما انفتل قيل له ذلك فسجد سجدتين، ثم سلم" "ويكون بسجوده عائدا إلى الصلاة (٥) بلا إحرام" كما لو تذكر بعد سلامه ركنا قال في المهمات، والمتجه القطع بأنه يعود إليها بالهوي بل بإرادة السجود كما أفاده كلام الغزالي وجماعة (٦) "فلو أحدث فيه بطلت" صلاته وسائر مفسداتها كالحدث "ولو خرج فيه وقت الجمعة فاتت" وأتمها ظهرا "ولو نوى المسافر فيه
стр. 600
الإتمام لزمه"، لكن يحرم العود إليه إن علم ضيق وقت الصلاة لإخراجه بعضها عن وقتها كذا في المهمات عن فتاوى البغوي وبما تقرر علم أنا نتبين بعوده إلى السجود أنه لم يخرج عن الصلاة لاستحالة الخروج منها، ثم العود إليها (١) وبه صرح الإمام وغيره وقول المصنف كأصله فيه في المواضع الثلاثة لا تتقيد به أحكامها بل يجري فيما بعده وقبل السلام "فإن خرج وقت الجمعة، أو نوى الإقامة بعد السلام وقبل السجود" فيهما "فات" السجود فلا يأتي به لما فيه من تفويت الجمعة في الأولى وفعل بعض الصلاة بدون سببها في الثانية "وصحت جمعته" وصلاته المقصورة، وقوله: فإن خرج إلى آخره من زيادته وبه أفتى البغوي وظاهر أن السجود يفوت أيضا فيما لو رأى المتيمم الماء عقب السلام، أو انتهت مدة المسح، أو تخرق الخف، أو شفي دائم الحدث ونحوها (٢)، أما إذا طال الفصل، أو لم يطل، لكن لم يرد السجود فلا سجود لفوت محله وتعذر البناء بطول الفصل في الأولى ولعدم الرغبة فيه في الثانية فصار كالمسلم عمدا في أنه فوته على نفسه بالسلام، وكنية الإتمام، والإقامة فيما ذكر وصول سفينته دار إقامته.
"ومن نسي من صلاة ركنا وفرغ منها" بأن سلم منها "ثم أحرم عقبها بأخرى لم تنعقد"; لأنه محرم بالأولى "فإن ذكر قبل طول الفصل" بين السلام وتيقن الترك (٣) "بنى على الأولى" وإن تخلل كلام يسير، أو بعد طوله استأنفها لبطلانها بطول الفصل مع السلام منها وخرج بقوله من زيادته عقبها أخذا من كلام المجموع ما لو أحرم بأخرى بعد طول الفصل فإنها تنعقد "لا إن تخلل حدث"
стр. 601
هنا وفيما مر فلا يبني هنا ولا يعود إلى السجود، ثم، وإن توضأ عن قرب.
"ولو تشهد" في رباعية، أو ثلاثية "شاكا في كونه" التشهد "الأول، أو الثاني فتبين بعد القيام أنه الأول سجد لتردده في زيادة هذا القيام" وإن تبين، وهو في التشهد فلا سجود قال في المهمات، والقياس أنه إن قرأ شيئا من ألفاظه سجد لإيقاعه إياه مع التردد في وجوبه ورد بأن المقتضي للسجود التردد فيما يفعله زائدا باحتمال، وهو هنا جازم بأن ما فعله ليس بزائد وإنما هو متردد في أنه واجب، أو سنة، وهذا لا يقتضي السجود على أن ما قاله يلزم منه أنه يسجد وإن لم يقرأ شيئا من التشهد لتردده بمجرد القعود في وجوبه.
"ولو صلى الجمعة أربعا ناسيا، أو أحرم بمقصورة فأتمها ناسيا ونسي من" وفي نسخة في "كل ركعة" من كل منهما "سجدة حصلت له الركعتان"; لأن الأولى تتم بالثانية، والثالثة بالرابعة "فيسجد" الأولى ويسجد "للسهو ويسلم ولا يلزمه الإتمام" في الثانية; لأنه لم ينوه "قلت" إنما "تحصل الركعتان إن علم أنه لم يترك" السجدة "الأولى من" الركعة "الأولى ولا الثانية من الثانية ولا الأولى من الثالثة ولا الثانية من الرابعة"، فإن لم يعلم ذلك حصل له ركعة وسجدة بناء على ما قدمه في ترك السجدات وتقدم ثم جوابه ولو ربع المغرب ناسيا ثم تذكر أنه ترك من كل ركعة سجدة حسب له ركعتان.
"ولو أراد القنوت في غير الصبح"، والوتر "لنازلة فنسيه لم يسجد"; لأنه سنة في الصلاة لا منها ولعدم تأكده بخلاف قنوت الصبح، والوتر.
"وإن دخل في الصلاة وظن أنه لم يكبر للإحرام فاستأنف الصلاة، فإن علم بعد فراغ الثانية" أنه كان كبر "تمت بها الأولى، أو" علم "قبله بنى على الأولى وسجد للسهو في الحالين"; لأنه أتى ناسيا بما لو أتى به عامدا بطلت صلاته، وهو الإحرام الثاني.
"فرع" لو شرع في الظهر، ثم ظن في الركعة الثانية أنه في العصر، ثم في الثالثة أنه في الظهر لم يضره ذكره البغوي والعمراني قال الزركشي (١): وقياسه
стр. 602
أنه لو أحرم بالعشاء قضاء، ثم ظن في الركعة الأولى أنه في الصبح وفي الثانية أنه في الظهر وفي الثالثة أنه في العصر وفي الرابعة أنه في المغرب، ثم تذكر قبل السلام أنه في العشاء لم يضره، وهو نظير ما لو نوى أن يصوم غدا يظنه أنه يوم الاثنين فكان السبت صحت نيته وصومه ا هـ. ولا حاجة لقوله قضاء.
"الثانية سجدة التلاوة (١)، وهي سنة" (٢) مؤكدة لخبر ابن عمر أن النبي ﷺ "كان يقرأ علينا القرآن فإذا مر بالسجدة كبر وسجد وسجدنا معه" رواه أبو داود، والحاكم (٣) وإنما لم تجب; لأن زيد بن ثابت قرأ على النبي ﷺ والنجم فلم يسجد رواه الشيخان ولقول عمر أمرنا بالسجود (٤) يعني للتلاوة فمن سجد فقد أصاب ومن لم يسجد فلا إثم عليه رواه البخاري (٥)، وهي "في أربعة عشر موضعا منها سجدتا الحج" واثنتا عشرة في الأعراف، والرعد، والنحل، والإسراء ومريم، والفرقان، والنمل، والم تنزيل، وحم السجدة، والنجم، والانشقاق، والعلق، والأصل فيها خبر عمرو بن العاص أقرأني رسول الله ﷺ خمس عشرة سجدة في القرآن منها ثلاث في المفصل وفي الحج سجدتان رواه أبو داود، والحاكم بإسناد حسن، والسجدة الباقية منه سجدة ص وسيأتي حكمها وأما خبر "لم يسجد النبي ﷺ في شيء من المفصل
стр. 603
منذ تحول للمدينة (١) فضعيف وناف وغيره صحيح ومثبت وأيضا الترك إنما ينافي في الوجوب دون الندب وفي مسلم عن أبي هريرة (٢) سجدنا مع النبي ﷺ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ وكان إسلام أبي هريرة سنة سبع من الهجرة وصرح المصنف كأصله بسجدتي الحج لخلاف أبي حنيفة في الثانية "لا سجدة ص" أي ليست من سجدات التلاوة "فإنما هي سجدة شكر" (٣) لما زاده على الروضة بقوله "لتوبة الله تعالى على داود" ﵊ أي لقبولها، والتلاوة سبب لتذكر ذلك لخبر أبي سعيد الخدري "خطبنا رسول الله ﷺ يوما فقرأ ص فلما مر بالسجود نشزنا للسجود" أي تهيأنا له فلما رآنا قال إنما هي توبة نبي ولكن قد استعددتم للسجود فنزل وسجد رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري (٤) ويجوز قراءة ﴿ص﴾ بالإسكان (٥) وبالفتح وبالكسر بلا تنوين وبه مع التنوين وإذا كتبت في المصحف كتبت حرفا واحدا وأما في غيره فمنهم من يكتبها كذلك ومنهم من يكتبها باعتبار اسمها ثلاثة أحرف "فلو سجد قبل تمام الآية" ولو بحرف "لم يصح"; لأن وقته إنما يدخل بتمامها "وتمامها في حم" السجدة "يسأمون" لتمام الكلام عنده وفي النحل يؤمرون وفي النمل
стр. 604
﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ وفي الانشقاق ﴿لا يَسْجُدُونَ﴾ ومواضع بقية السجدات بينة واقتصر على هذه لاقتصار أصله على الخلاف فيها ونفيه عن غيرها، لكن ذكر غيره الخلاف فيما بينته أيضا وكان الأولى أن يقدم على هذه والتي قبلها قوله "وتستحب" يعني سجدة ص "في غير الصلاة" للاتباع كما مر وتحرم فيها "فلو سجد لها" أي لسجدة ص "عامدا عالما" بالتحريم "في الصلاة بطلت"، أو جاهلا، أو ناسيا فلا، لكنه يسجد للسهو كسجدة الشكر "وإن سجدها إمامه باعتقاد" منه لها كحنفي "فله مفارقته وانتظاره" قال في المجموع كما لو قام إمامه إلى خامسة وينتظره هنا "قائما ولا يسجد للسهو" إذا انتظره قال في الروضة; لأن المأموم لا سجود لسهوه أي لا سجود عليه في فعل يقتضي سجود السهو; لأن الإمام يتحمله عنه فلا يسجد لانتظاره، وإن سجد لسجدة إمامه.
"فرع: يسن للقارئ، والمستمع" أي قاصد السماع "والسامع" أي غير قاصده "هذه السجدة" أي سجدة التلاوة للأخبار السابقة "ولو لقراءة محدث وصبي وكافر" وامرأة "ومصل وتارك لها، لكنها" من المستمع، والسامع "عند سجود القارئ آكد" منها عند عدم سجوده لما قيل إن سجودهما متوقف على سجوده قال القاضي ولا سجود لقراءة جنب وسكران (١) أي; لأنها غير مشروعة لهما قال الإسنوي ولا ساه ونائم لعدم قصدهما التلاوة وقال الزركشي (٢) وينبغي السجود لقراءة ملك، أو جني (٣) لا لقراءة درة ونحوها لعدم القصد قال تبعا للسبكي ولو قرأ، أو سمع أول دخوله المسجد آية سجدة، فالأقرب أنه يسجد، لكن هل يكون ذلك عذرا في عدم فوات (٤)
стр. 605
التحية، أو لا فيه نظر ا هـ.
"وهي للمستمع آكد من السامع" أي منها للسامع لقول ابن عباس السجدة لمن جلس لها وعثمان السجدة على من استمع رواهما البيهقي وغيره (١) "وإن قرأها المصلي فركع (٢)، ثم بدا له أن يسجد لم يجز"; لأنه رجوع من فرض إلى سنة فلو لم يبلغ حد الراكع جاز "أو هوى ليسجد، ثم بدا له فترك" بأن عاد إلى القيام "جاز"; لأنه كما قال الرافعي مسنون فله أن لا يتمه كما له أن لا يشرع فيه وكماله أن يترك بعض التشهد الأول "ولو سجد المصلي المستقل" لكونه إماما، أو منفردا "لقراءة غير نفسه" الأولى لقراءة غيره "أو" سجد "المأموم لقراءة غير إمامه" (٣) من نفسه، أو غيره "أو لقراءته دونه، أو تخلف عن سجود (٤) معه بطلت صلاته" عند التعمد، والعلم بالتحريم "وإن تركه الإمام ندب للمأموم قضاؤه بعد الفراغ" من الصلاة كما يندب لسامع المؤذن، وهو فيها إجابته بعد الفراغ منها ولعل محله إذا لم يطل الفصل (٥) ويكون المراد بالقضاء الأداء وقال في المهمات القضاء طريقة البغوي وحكاه عنه الرافعي في صورة أخرى وحكي عن جماعة ما يخالفه وصرح بتصحيحه في أصل الروضة، وكذا الرافعي في موضع فتلخص أن الراجح في مسألتنا عدم القضاء (٦). ا هـ.
стр. 606
"ولا يتأكد" قضاؤه "فإن نسي" أن يسجد معه، وهوى أو لم يهو "أو هوى معه فضعف" مثلا "فرفع الإمام رأسه رجع معه" (١) في إطلاق الرجوع معه على ما إذا لم يهو في صورة النسيان تجوز.
"ويكره للمأموم قراءة آية سجدة وإصغاء لقراءة غير إمامه" لعدم تمكنه من السجود. وتقدم أنه لو سجد لأحدهما بطلت صلاته ويكره أيضا للمنفرد، والإمام الإصغاء لقراءة غيرهما كما صرح به الأصل ولا يكره لهما قراءة آية سجدة حتى في السرية كما يؤخذ من كلام المصنف فيما سيأتي وصرح به الأصل في الإمام. المفهوم منه المنفرد بالأولى.
"فرع: لو سجد لآية، ثم أعادها" ولو مرارا "فورا سجد، وإن كان في الصلاة" لتجدد السبب بعد توفية حكم الأول "فإن لم يسجد كفاه لهما" أو لها سجدة "واحدة" وقضية تعبيرهم بكفاه أنه يجوز تعددها (٢) وفيه نظر.
"فصل، وهي" أي سجدة التلاوة ولكونها صلاة أو في معناها (٣) "تفتقر إلى شرائط الصلاة" كطهارة وستر واستقبال وترك كلام وإلى دخول وقتها من قراءة أو سماع آية السجدة (٤) جميعها "ولو سجد غير المصلي وجب أن يكبر للإحرام ناويا" السجود لما مر في خبر ابن عمر "وندب رفع يديه" مع التكبير "كإحرام الصلاة" فيرفعهما حذو منكبيه "ولا يحدث" من قرأ قاعدا "قياما" ليسجد منه أي لا يسن له ذلك إذا لم يثبت فيه شيء، والمختار تركه ذكره في
стр. 607
الروضة (١) "ثم" بعد الإحرام "يهوي مكبرا بلا رفع" كما في الصلاة "ويأتي" ندبا "بالذكر المندوب فيه" أي في سجود التلاوة في الصلاة وغيرها بأن يقول فيه سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره بحوله وقوته تبارك الله أحسن الخالقين (٢) ويقول اللهم اكتب لي بها عندك أجرا واجعلها لي عندك ذخرا وضع عني بها وزرا واقبلها مني كما قبلتها من عبدك داود رواهما الحاكم وصححهما (٣) ويندب كما في المجموع عن الشافعي أن يقول سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا قال في الأصل ولو قال ما يقوله في سجود صلاته جاز ولو أبدل جاز بكفى كان أحسن قال المتولي وغيره ويسن أن يدعو بعد التسبيح وفي الإحياء يدعو في سجوده بما يليق بالآية فيقول في سجدة الإسراء اللهم اجعلني من الباكين إليك، والخاشعين لك وفي سجدة الم السجدة اللهم اجعلني من الساجدين لوجهك المسبحين بحمدك وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين عن أمرك وعلى أوليائك "ثم يرفع رأسه مكبرا" ويجلس "ويشترط" له "السلام"; لأنه يفتقر إلى الإحرام فافتقر إلى التحلل كالصلاة "لا التشهد" فلا يشترط; لأنه في مقابلة القيام ولا قيام فيه وكما لا يشترط لا يسن على الأصح في الروضة.
"فإن كان" السجود "في الصلاة كبر للهوي وللرفع" من السجدة ندبا كما في سجدات الصلاة للإحرام; لأنه في صلاة "ولا يرفع يديه" في الهوي إليها ولا في الرفع منها كما في سجدات الصلاة "ولا يجلس" أي ولا يندب له أن يجلس "للاستراحة" بعدها; لأنها زيادة لم ترد "ويجب أن يقوم" منها "ثم يركع" فلو قام راكعا لم يصح; لأن الهوي من القيام واجب كما مر "ويستحب أن يقرأ" قبل ركوعه "في قيامه" من سجوده "شيئا" من القرآن.
стр. 608
"فصل ينبغي أن يسجد عقيب" قراءة، أو سماع "الآية" ولو قال بعد الآية كان أنسب بقوله "ما لم يطل الفصل" عرفا "فإن طال" ولو بعذر "لم يقض"; لأنه لعارض فأشبه صلاة الكسوف واعتبار السماع محله فيمن لم يكن مقتديا بالقارئ في صلاة وإلا فليتابعه "وإن كان" القارئ أو السامع "محدثا فتطهر على قرب سجد" وإلا فلا "وإن قرأها قبل الفاتحة سجد"; لأن القيام محل القراءة "لا" إن قرأها "في ركوع وسجود" واعتدال وجلوس "ولا إن قرأ بالفارسية" لعدم مشروعية ذلك "ولا يقتدي" السامع بالقارئ "في سجودها في غير الصلاة" ولا يرتبط به فله الرفع من السجود قبله كما صرح به في الروضة قال الزركشي وقضية ذلك منع الاقتداء به، لكن قضية كلام القاضي والبغوي جوازه (١).
"ولا تستحب القراءة" لآية سجدة، أو أكثر "لقصد السجود بل تكره" القراءة "لقصده في الصلاة و" في "الأوقات المكروهة" كما لو دخل المسجد في وقت النهي ليصلي التحية، فالكراهة كراهة تحريم فتبطل الصلاة بالسجود لذلك كما أفتى به ابن عبد السلام (٢) فعلم أن محل عدم استحباب قراءته لذلك إذا كان خارجا عن الصلاة، وعن الأوقات المكروهة، وهل يسجد لها فيه
стр. 609
نظر، والأقرب لا (١)، لعدم مشروعيتها كالقراءة في صلاة الجنازة وخرج بقوله لقصد السجود ما لو قصده مع غيره مما يتعلق بالقراءة فلا كراهة مطلقا كما صرح به في الروضة وما ذكره من الحكم بعدم الاستحباب وبالكراهة على القراءة فقه حسن، وإن كان ظاهر كلام الروضة أنه على السجود; لأن لوسيلة الشيء حكمه.
"وإن سلم المصلي قبل أن يسجد" سجدة التلاوة "أو قرأ بعد آيتها آيات ولم يطل فصل سجد"، وإن طال فلا "ولا يسجد بعد السلام لقراءة أجنبي" سمعها منه في صلاته وإن قصر الفصل; لأن قراءة غير إمامه لا تقتضي سجوده لما مر أنه يكره له الإصغاء لها "ويستحب تركها للخطيب" إذا قرأ آيتها على المنبر ولم يمكنه السجود مكانه لكلفة النزول، والصعود، فإن أمكنه ذلك سجد مكانه إن خشي طول الفصل وإلا نزل وسجد إن لم يكن فيه كلفة كما يعرف ذلك مما سيأتي في الجمعة "و" يستحب للإمام "تأخيرها في" الصلاة "السرية إلى الفراغ" منها لئلا يشوش على المأمومين (٢) ومحله إذا قصر الفصل "ولا سجود لقراءة في" صلاة "جنازة" لا فيها ولا بعد الفراغ منها; لأن قراءة ما عدا الفاتحة غير مشروع فيها.
"الثالثة سجدة الشكر (٣) وتستحب عند هجوم نعمة" كحدوث ولد أو جاه، أو مال، أو قدوم غائب، أو نصر على (٤) عدو "أو" عند "اندفاع نقمة" كنجاة من غرق، أو حريق، والأصل في ذلك خبر "سألت ربي وشفعت لأمتي فأعطاني ثلث أمتي فسجدت شكرا لربي، ثم رفعت رأسي فسألت ربي لأمتي فأعطاني ثلث أمتي فسجدت شكرا لربي، ثم رفعت رأسي فسألت ربي
стр. 610
لأمتي فأعطاني الثلث الآخر فسجدت شكرا لربي" رواه أبو داود بإسناد حسن (١) وروى البيهقي بإسناد صحيح أنه ﷺ سجد لما جاءه كتاب (٢) علي من اليمن بإسلام همدان "لا لاستمرارهما" أي النعمة واندفاع النقمة وفي نسخة لا لاستمرارها أي النعمة، وهي الموافقة لما في الأصل كالعافية، والإسلام، والغنى عن الناس; لأن ذلك يؤدي إلى استغراق العمر في السجود وقيد في المجموع نقلا عن الأصحاب النعمة، والنقمة بكونهما ظاهرتين ليخرج الباطنتين كالمعرفة وستر المساوئ وقيدهما الأصل (٣) والمحرر بقوله من حيث لا يحتسب أي يدرى وحذفه المختصر لقول صاحب المهمات وفيه نظر وإطلاق الأصحاب يقتضي عدم الفرق بين أن يتسبب فيه، أو لا ولهذا لم يذكره في المجموع "وتستحب لرؤية مبتلى ببلية" من زمانة ونحوها للاتباع رواه البيهقي وشكر الله تعالى على السلامة "أو" لرؤية مبتلى "بمعصية" (٤) مجاهر بها; لأن المصيبة في الدين أشد منها في الدنيا، ولو حضر المبتلى، أو العاصي في ظلمة، أو عند أعمى، أو سمع صوتهما سامع ولم يحضرا، فالمتجه في المهمات استحبابها (٥) أيضا "ويظهرها للعاصي" (٦) بكفر أو غيره تعبيرا له لعله يتوب لا للمبتلى; لئلا يتأذى، نعم إن
стр. 611
كان غير معذور كمقطوع في سرقة أظهرها (١) له قاله القاضي والفوراني وغيرهما وقيده في المهمات بما إذا لم يعلم توبته (٢) وإلا فليسرها، ويظهرها (٣) أيضا لحصول نعمة، أو اندفاع نقمة كما في الأصل وفي المجموع، فإن خاف من إظهارها للفاسق مفسدة (٤)، أو ضررا أخفاها قال ابن يونس وعندي: أنه لا يظهرها لتجدد ثروة بحضرة فقير; لئلا ينكسر قلبه قال في المهمات: وهو حسن (٥) "وفي قضائها وجهان" كالوجهين في قضاء النوافل كذا نقله في أصل الروضة عن صاحب التقريب ثم قال وقطع غيره بعدم القضاء. وذكره هذا في سجدة الشكر عجيب، فإن الرافعي إنما ذكره في سجدة التلاوة في محلها وتبعه هو أيضا ثم مع أن الأوجه عدم قضائها (٦) كسجدة التلاوة "ويستحب أيضا" أي مع سجدة الشكر كما صرح به في المجموع "الصدقة، والصلاة للشكر" وزاد لفظة أيضا ليفيد ما نقلته عن المجموع (٧)، لكن الخوارزمي تلميذ البغوي الذاكر لاستحباب ما ذكر فهم من كلام شيخه خلافه، فقال: لو أقام التصدق، أو صلاة ركعتين مقام السجود كان حسنا.
"وهي" أي سجدة الشكر "كسجدة التلاوة" المفعولة "خارج الصلاة"
стр. 612
شرطا وكيفية ولا تدخل الصلاة إذ لا تتعلق بها "فإن سجدها في الصلاة" عامدا عالما بالتحريم "بطلت" صلاته "ولو قرأ آية سجدة في الصلاة ليسجد بها للشكر لم يجز" وتبطل صلاته بسجوده كما لو دخل المسجد في وقت النهي ليصلي التحية.
"فرع: لو سجد له" أي للشكر "وللتلاوة بالإيماء على الراحلة في سفر" ولو قصيرا "جاز" بخلاف الماشي فيه فإنه يسجد على الأرض كالمتنفل فيهما "ولو تقرب إلى الله" تعالى "بسجدة من غير سبب حرم" ولو بعد صلاة كما يحرم بركوع مفرد ونحوه; لأنه بدعة، وكل بدعة ضلالة إلا ما استثني، وعلم من كلامه حرمة ما يفعله كثير من الجهلة من السجود بين يدي المشايخ ولو إلى القبلة، أو قصده لله تعالى، وفي بعض صوره ما يقتضي الكفر عافانا الله تعالى وقوله تعالى: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً﴾ منسوخ، أو مؤول.
стр. 613
"الباب السابع في صلاة التطوع"
هو، والنفل، والسنة، والمندوب، والمستحب، والمرغب فيه، والحسن بمعنى، وهو ما رجح الشرع فعله على تركه وجاز تركه وقال القاضي وغيره: غير الفرض ثلاثة: تطوع، وهو ما لم يرد فيه نقل بخصوصه بل ينشئه الإنسان ابتداء، وسنة، وهي ما واظب عليه النبي ﷺ ومستحب، وهو ما فعله أحيانا، أو أمر به ولم يفعله ولم يتعرضوا للبقية; لعمومها للثلاثة مع أنه لا خلاف في المعنى فإن بعض المسنونات آكد من بعض قطعا، وإنما الخلاف في الاسم "أفضل عبادات البدن" بعد الإسلام "الصلاة" (١) لخبر الصحيحين أي الأعمال أفضل (٢) فقال: "الصلاة لوقتها" (٣)(٤) وقيل الصوم لخبر الصحيحين "قال الله كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به" (٥)(٦) وقيل إن كان بمكة،
стр. 614
فالصلاة (١)، أو بالمدينة، فالصوم قال في المجموع، والخلاف في الإكثار من أحدهما مع الاقتصار على الآكد من الآخر وإلا فصوم يوم أفضل من ركعتين بلا شك وإذا كانت الصلاة أفضل العبادات كما تقرر ففرضها أفضل الفروض "وتطوعها أفضل التطوع" ولا يرد الاشتغال بالعلم وحفظ غير الفاتحة من القرآن; لأنهما فرضا كفاية، وهذا وما قبله من زيادته وبهما صرح في التحقيق وغيره "وهو" أي التطوع "قسمان قسم تسن له الجماعة، وهو أفضل" مما لا تسن له جماعة لتأكده بسنها له وله مراتب أخذ في بيانها فقال "وأفضله العيدان" لشبههما الفرض في الجماعة وتعين الوقت وللخلاف في أنهما فرضا كفاية وأما خبر مسلم "أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل" فمحمول على النفل المطلق وقضية كلامهم تساوي العيدين في الفضيلة وبه صرح المصنف في شرح إرشاده، وعن ابن عبد السلام أن عيد الفطر أفضل وكأنه أخذه من تفضيلهم تكبيره على تكبير الأضحى; لأنه منصوص عليه لقوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ قال الزركشي، لكن الأرجح في النظر ترجيح عيد الأضحى (٢) ; لأنه في شهر حرام وفيه نسكان الحج، والأضحية.
وقيل: إن عشره أفضل من العشر الأخير من رمضان (٣) "ثم الكسوف"
стр. 615
للشمس "ثم الخسوف" للقمر لخوف فوتهما بالانجلاء كالمؤقت بالزمان ولدلالة القرآن عليهما قال تعالى: ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ﴾ [فصلت: ٣٧] الآية; ولأنه ﷺ لم يترك الصلاة لهما بخلاف الاستسقاء فإنه تركه أحيانا وأما تقديم الكسوف على الخسوف فلتقدم الشمس على القمر في القرآن، والأخبار; ولأن الانتفاع بها أكثر من الانتفاع به وخص الكسوف بالشمس، والخسوف بالقمر بناء على ما اشتهر من الاختصاص وعلى قول الجوهري أنه الأجود وإن كان الأصح عند الجمهور أنهما بمعنى "ثم الاستسقاء" لتأكد طلب الجماعة فيها.
"ثم التراويح (١) وغير الضحى من الرواتب"، وهي التابعة للفرائض "أفضل من التراويح"، وإن سن لها الجماعة; لأنه ﷺ واظب على الرواتب دون التراويح قال الزركشي، وهذا تبع فيه الرافعي الإمام (٢)، وهو خلاف مذهب الشافعي. وجمهور الأصحاب أن التراويح أفضل من الرواتب ما عدا ركعتي الفجر، والوتر وأطال في بيانه ولفظ غير الضحى من زيادة المصنف ولا حاجة إليه بل قد يوهم أن الضحى من الرواتب فلو قال كأصله، والرواتب أفضل من التراويح كان أولى وسيأتي بيان حكم الضحى "وهي عشرون ركعة" بعشر تسليمات في كل ليلة من رمضان، والأصل فيها خبر الصحيحين عن عائشة أنه ﷺ صلاها ليالي فصلوها معه، ثم تأخر وصلى في بيته باقي الشهر وقال: "خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها" (٣)(٤) ; ولأن عمر جمع الناس على
стр. 616
قيام شهر رمضان الرجال على أبي بن كعب، والنساء على سليمان بن أبي حثمة رواه البيهقي (١) وروى أيضا هو وغيره بإسناد صحيح أنهم كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب ﵁ في شهر رمضان بعشرين ركعة وروى مالك في الموطإ بثلاث وعشرين وجمع البيهقي بينهما بأنهم كانوا يوترون بثلاث وسميت كل أربع منها ترويحة; لأنهم كانوا يتروحون عقبها أي يستريحون.
قال الحليمي والسيرافي: كونها عشرين أن الرواتب في غير رمضان عشر ركعات فضوعفت; لأنه وقت جد وتشمير، ولأهل المدينة فعلها ستا وثلاثين; لأن العشرين خمس ترويحات فكان أهل مكة يطوفون بين كل ترويحتين سبعة أشواط فجعل أهل المدينة بدل كل أسبوع ترويحة; ليساووهم. قال الشيخان: ولا يجوز ذلك لغيرهم (٢) ; لأن لأهلها شرفا بهجرته ﷺ ومدفنه وهذا يخالفه قول الحليمي ومن اقتدى بأهل المدينة فقام بست وثلاثين فحسن أيضا لأنهم إنما أرادوا بما صنعوا الاقتداء بأهل مكة في الاستكثار من الفضل لا المنافسة كما ظن بعضهم قال: والاقتصار على عشرين مع القراءة فيها بما يقرؤه غيره في ست وثلاثين أفضل لفضل طول القيام على كثرة الركوع، والسجود قال الأذرعي، والقلب إلى ما قاله أميل وغير أهل المدينة من سائر البلاد أحوج إلى الازدياد في الفضل من أهل المدينة.
ثم قال وإذا قلنا بالمشهور فزاد على عشرين ركعة بنية التراويح، أو قيام رمضان هل يكون كما لو زاد في الوتر (٣) على إحدى عشرة وظاهر كلام الشافعي أنه مثله (٤) وقياس كلام الحليمي وجماعة الصحة، وهو المختار ولا يصح بنية مطلقة بل "ينوي بإحرام كل ركعتين التراويح، أو قيام رمضان" ليتميز بذلك عن غيرها وأفاد كلامه ما صرح به أصله أنه يسلم من ركعتين "فلو صلى أربعا بتسليمة لم يصح" لشبهها بالفرض في طلب الجماعة فلا تغير عما ورد
стр. 617
"بخلاف سنة الظهر" (١)، والعصر، وهذا من زيادته وبه أفتى النووي "ثم الجماعة فيها" أي في التراويح "أفضل" من فعلها فرادى لما مر وإنما تأخر عنها النبي ﷺ خشية أن تفرض عليهم كما مر في الخبر "و" فعلها "بالقرآن" في جميع الشهر "أفضل من تكرير سورة الإخلاص" في كل ركعة مثلا قال ابن الصلاح; لأنه أشبه بالسنة "ويكره القيام بالأنعام في ركعة منها" لاعتقاد أنها نزلت جملة وقال ابن الصلاح والنووي إنه بدعة تشتمل على مفاسد وصورها في التبيان بأن يقرأها في الركعة الأخيرة من الليلة السابعة، وهذه والتي قبلها من زيادة المصنف أخذا من المجموع وغيره.
"وقسم لا تسن له الجماعة (٢)، وهو الرواتب" التابعة للفرائض "وغيرها" كالضحى "وأفضلها الوتر" لخبر "أوتروا فإن الله وتر يحب الوتر" رواه الترمذي وصححه (٣) ولخبر الوتر "حق على كل مسلم" (٤) فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل، أو بثلاث فليفعل، أو بواحدة فليفعل رواه أبو داود بإسناد صحيح وصححه الحاكم ولوجوبه عند أبي حنيفة (٥)، والصارف عن وجوبه عندنا قوله تعالى: ﴿وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] إذ لو وجب لم يكن للصلوات وسطى وقوله ﷺ لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: "فأعلمهم أن الله افترض
стр. 618
عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة" (١)، والمراد من التفضيل مقابلة الجنس بالجنس ولا بعد أن يجعل الشرع العدد القليل أفضل من الكثير مع اتحاد النوع دليله القصر في السفر فمع اختلافه أولى. ذكره ابن الرفعة "ثم ركعتا الفجر" لخبر الصحيحين عن عائشة "لم يكن النبي ﷺ على شيء من النوافل أشد تعاهدا منه على ركعتي الفجر" (٢) ولخبر مسلم "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها" (٣)(٤) "وهما أفضل من ركعتين في جوف الليل" لما ذكر وقيل عكسه قال في الروضة، وهو قوي لخبر مسلم "أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل" (٥) وفي رواية "الصلاة في جوف الليل"، والأول حمل هذا على النفل المطلق كما مر "ثم باقي رواتب الفرائض" الآتي بيانها لتأكدها بمواظبة النبي ﷺ عليها "ثم الضحى"; لأنها مؤقتة بزمان "ثم ما يتعلق بفعل كركعتي الطواف، والإحرام، والتحية" لاستنادها إلى أسباب ففضلت على النفل المطلق ولا ترتيب في الأفضلية بين الثلاثة كما أفهمه العطف بالواو وصرح به في المجموع قال في
стр. 619
المهمات، والمتجه تقديم ركعتي الطواف للخلاف في وجوبهما عندنا، ثم ركعتي التحية; لأن سببهما وقع، ثم ركعتي الإحرام لاحتمال أن لا يقع سببهما وما ذكره المصنف هو ما في الأصل وخالف في التحقيق فقال وبعد الرواتب ركعتا الطواف، والضحى، والتراويح، والتحية وسنة الوضوء وسائر ما لها سبب، ثم غيرها.
"ورواتب الفرائض" المؤكدة "عشر"، والحكمة فيها تكميل ما نقص من الفرائض فضلا من الله ونعمة، وهي "ركعتان قبل الصبح و" (١) ركعتان قبل "الظهر وركعتان بعد الظهر و" ركعتان بعد "المغرب و" ركعتان بعد "العشاء" للاتباع رواه الشيخان "وتسن زيادة ركعتين قبل الظهر" للاتباع رواه الشيخان ولما سيأتي "وركعتين بعدها" لخبر "من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها حرمه الله على النار" رواه الترمذي وغيره وصححوه (٢). "و" تسن "أربع قبل العصر" للاتباع ولخبر "رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعا" رواهما الترمذي وحسنهما (٣) "وركعتان قبل المغرب" لخبر الصحيحين "بين كل أذانين صلاة، " والمراد الأذان، والإقامة ولخبر البخاري "صلوا قبل صلاة (٤) المغرب (٥) " أي ركعتين كما رواه أبو داود (٦) ويسن تخفيفهما كما في
стр. 620
المنهاج كالمحرر، والشرح الصغير قال في المجموع وتسن ركعتان قبل العشاء لخبر بين كل أذانين صلاة (١) ونقله الماوردي عن البويطي "والجمعة كالظهر" (٢) في الرواتب قبلها وبعدها من المؤكد وغيره قياسا على الظهر وللأخبار الواردة في ذلك كخبر الصحيحين أنه ﷺ "كان يصلي ركعتين بعد الجمعة" (٣) وخبر "بين كل أذانين صلاة" (٤) وخبر مسلم "إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعا" (٥) وفي الترمذي أن ابن مسعود كان يصلي قبل الجمعة أربعا وبعدها أربعا، والظاهر أنه بتوقيف.
"ولا تقدم الرواتب اللاحقة" (٦) للفرائض عليها; لأن وقتها إنما يدخل بفعلها "وتؤخر" عنها "السابقة" عليها "جوازا لا اختيارا" لامتداد وقتها بامتداد وقت الفرائض، وقد يختار تأخيرها كمن حضر، والصلاة تقام وسيأتي بيانه.
стр. 621
"فصل يحصل الوتر بركعة وبالأوتار إلى إحدى عشرة" (١) للأخبار الصحيحة فيه فأقله واحدة وأدنى الكمال ثلاث وأكمل منه خمس، ثم سبع، ثم تسع ثم إحدى عشرة، وهي أكثره للأخبار الصحيحة كخبر عائشة ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة (٢) "ولا تصح زيادة" عليها كسائر الرواتب فلو زاد عليها لم يجز ولم يصح وتره بأن أحرم بالجميع دفعة واحدة، فإن سلم من كل ثنتين صح إلا الإحرام السادس فلا يصح وترا، ثم إن علم المنع وتعمد، فالقياس البطلان (٣) وإلا وقع نفلا كإحرامه بالظهر قبل الزوال غالطا وقيل أكثر الوتر ثلاث عشرة وفيه أخبار صحيحة تأولها الأكثرون بأن من ذلك ركعتين سنة العشاء.
قال النووي: وهو تأويل ضعيف مباعد للأخبار قال السبكي وأنا أقطع بحل الإيتار بذلك وصحته، لكني أحب الاقتصار على إحدى عشرة فأقل; لأنه غالب أحواله ﷺ "ولو أوتر بثلاث موصولة فأكثر وتشهد في الأخيرتين، أو" في "الأخيرة جاز" للاتباع رواه مسلم "لا" إن تشهد "في غيرهما" فقط أو معهما، أو مع أحدهما; لأنه خلاف المنقول بخلاف النفل المطلق; لأنه لا حصر لركعاته وتشهداته "والفصل" ولو "بواحدة" أفضل (٤) من الوصل; لأنه
стр. 622
أكثر إخبارا وعملا (١) "ثم الوصل بتشهد أفضل" منه بتشهدين فرقا بينه وبين المغرب وورد لا توتروا بثلاث ولا تشبهوا الوتر بصلاة المغرب (٢) رواه الدارقطني وقال رواته ثقات "وثلاث موصولة أفضل من ركعة" (٣) لزيادة العبادة بل قال القاضي أبو الطيب إن الإيتار بركعة مكروه.
"فرع: ووقت الوتر، والتراويح من بعد أن يصلي العشاء" وإن جمعها تقديما "إلى الفجر الثاني" لنقل الخلف عن السلف وروى أبو داود وغيره خبر "إن الله قد أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم، وهي الوتر فجعلها لكم من العشاء إلى طلوع الفجر" (٤) قال المحاملي ووقته المختار إلى نصف الليل وقال القاضي أبو الطيب وغيره إلى نصفه، أو ثلثه، والأقرب منهما أن يقال إلى بعيد ذلك ليجامع وقت العشاء المختار مع أن ذلك مناف لقولهم يسن جعله آخر صلاة الليل، وقد علم أن التهجد في النصف الثاني أفضل فكيف يكون تأخيره مستحبا ووقته المختار إلى ما ذكر، وحمل البلقيني ذلك على من لا يريد التهجد وأما وقت التراويح المختار، فالأقرب أن يقال إنه إلى ذلك أيضا "وإن صلى العشاء وأوتر فبان بطلان عشائه لم يصح وتره" تبعا للعشاء "وكان نافلة" كما لو صلى الظهر قبل الزوال غالطا "ولو أوتر بركعة لم يتقدمها نفل" من سنة العشاء وغيرها "صح" ويكفي كونه في نفسه وترا، أو موترا لما قبله فرضا، أو نفلا "والمستحب" جعله "آخر صلاة الليل ولو نام قبله" لخبر الصحيحين
стр. 623
اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا" (١) هذا "إن اعتاد القيام" أي التهجد، وهو الصلاة بعد الهجود أي النوم قاله الرافعي "وإلا فبعيد سنة العشاء" يجعله وقيده في المجموع بما إذا لم يثق بتيقظه آخر الليل وإلا فتأخيره أفضل لخبر مسلم من خاف أن لا يقوم آخر الليل فليوتر أوله ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل فإن صلاته آخر الليل مشهودة (٢)، وذلك أفضل وعليه يحمل خبره أيضا بادروا الصبح بالوتر (٣) وأما خبر أبي هريرة "أوصاني خليلي ﷺ بثلاث صيام ثلاثة أيام من كل شهر وركعتي الضحى وأن أوتر قبل أن أنام" (٤) فمحمول على من لم يثق بتيقظه آخر الليل جمعا بين الأخبار "ولو أوتر ثم قام" أي تهجد "لم يعده" لخبر "لا وتران في ليلة" رواه أبو داود، والترمذي وحسنه (٥) "والوتر نفسه تهجد" إن فعله بعد النوم (٦)، فإن فعله قبله كان وترا لا تهجدا وعليه يحمل ما سيأتي في النكاح من تغايرهما.
"ولا تستحب فيه الجماعة" كرواتب الفرائض "إلا تبعا للتراويح" أي لاستحبابها فيها فتستحب فيه حينئذ، وإن صليت التراويح فرادى، أو لم تصل، فإن أراد تهجدا بعدها أخر الوتر كما مر، فإن أراد الصلاة معهم صلى نافلة مطلقة وأوتر آخر الليل ذكره في المجموع "ولو قنت فيه في غير النصف الأخير من رمضان، أو تركه فيه" أي في النصف المذكور "كره وسجد للسهو" كقنوت الصبح ولعل محله في الأولى (٧) إذا لم يطل به الاعتدال، أو كان سهوا
стр. 624
وذكر الكراهة في الثانية من زيادته "وقنوته" أي الوتر "كالصبح" أي كقنوته لفظا ومحلا وجهرا وإسرارا و غيرها وتقدم بيانه مع زيادة "ويتبعه" استحبابا "بقنوت عمر" (١)، وهو "اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونستهديك ونؤمن بك ونتوكل عليك ونثني عليك الخير كله نشكرك ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد" بالدال المهملة أي نسرع "نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك الجد" (٢) بكسر الجيم أي الحق بالكفار ملحق بكسر الحاء على المشهور أي لاحق بهم فهو كأنبت الزرع بمعنى نبت ويجوز فتحها; لأن الله تعالى ألحقه بهم اللهم عذب كفرة أهل الكتاب الذين يصدون أي يمنعون عن سبيلك ويكذبون رسلك ويقاتلون أولياءك أي أنصارك اللهم اغفر للمؤمنين، والمؤمنات، والمسلمين، والمسلمات وأصلح ذات بينهم أي أمورهم ومواصلاتهم وألف أي اجمع بين قلوبهم واجعل في قلوبهم الإيمان، والحكمة، وهي كل ما منع القبيح وثبتهم على ملة رسولك وأوزعهم أي ألهمهم أن يوفوا بعهدك الذي عاهدتهم عليه وانصرهم على عدوك وعدوهم إله الحق واجعلنا منهم قال الروياني قال ابن القاص ويزيد فيه ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا﴾ إلى آخر السورة واستحسنه نقله الأصل ولم يتعقبه وتعقبه في المجموع فقال وما قاله غريب ضعيف، والمشهور كراهة القراءة في غير القيام قال الأذرعي قلت إنما يأتي به على قصد الدعاء لا على قصد القراءة فلا يحسن ما ذكره وإذا قلنا بأنه لا يتعين للقنوت لفظ، وهو الصحيح فحسن أن يدعو بأدعية القرآن قاصدا الدعاء وقدم قنوت الصبح على قنوت عمر; لأنه ثابت عن النبي ﷺ في الوتر "ويستحب أن يقول" بدل عذب كفرة أهل الكتاب "عذب الكفرة ليعم" كل كافر "وأن يقرأ" بعد الفاتحة "في" الركعات "الثلاث" إذا أوتر بها "سبح" اسم ربك في الأولى (٣)،
стр. 625
"ثم" قل يا أيها "الكافرون" في الثانية "ثم الإخلاص، والمعوذتين" في الثالثة للاتباع رواه أبو داود، والترمذي وحسنه يسن أن يقول بعد الوتر ثلاث مرات سبحان الملك القدوس وأن يقول "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك".
стр. 626
صلاة الضحى
"وأقل الضحى ركعتان" لخبر أبي هريرة السابق ولخبر مسلم "يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة ويجزئ من ذلك ركعتان" يصليهما من الضحى وأدنى الكمال أربع وأكمل منه ست "وأكثره" الأنسب بما يأتي وأكثرها "ثمان يسلم" ندبا كما قاله القمولي "من كل ركعتين" للاتباع رواه الشيخان وغيرهما هذا ما في المجموع عن الأكثرين وصححه في التحقيق والذي في الأصل أفضلها ثمان وأكثرها ثنتا عشرة واقتصر في المنهاج كالمحرر على ما نقله في المجموع عن الروياني بعد كلامه السابق من أن أكثرها ثنتا عشرة لخبر أبي ذر قال النبي ﷺ : "إن صليت الضحى ركعتين لم تكتب من الغافلين، أو أربعا كتبت من المحسنين، أو ستا كتبت من القانتين، أو ثمانيا كتبت من الفائزين، أو عشرا لم يكتب عليك ذلك اليوم ذنب، أو ثنتي عشرة بنى الله لك بيتا في الجنة" رواه البيهقي وقال في إسناده نظر (١)، قال الإسنوي بعد نقله ما قدمته فظهر أن ما في الروضة، والمنهاج ضعيف مخالف لما عليه الأكثرون ا هـ. فعدول المصنف عن كلام الأصل لذلك "ووقتها من ارتفاع الشمس إلى الاستواء" كما في الرافعي، والمجموع، والتحقيق وخالف في الروضة فقال قال أصحابنا وقت الضحى (٢)
стр. 627
من طلوع الشمس ويستحب تأخيرها إلى ارتفاعها أي كالعيد ويدل له خبر أحمد بإسناد صحيح عن أبي مرة الطائفي قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قال الله: ابن آدم صل لي أربع ركعات من أول نهارك أكفك آخره" (١)، لكن قال الأذرعي نقل ذلك عن الأصحاب فيه نظر، والمعروف في كلامهم الأول. قال: وعليه ينطبق خبر عمرو بن عبسة في صحيح مسلم وغيره "والاختيار" فعلها "عند مضي ربع النهار" (٢) لخبر مسلم "صلاة الأوابين حين ترمض الفصال" (٣) بفتح الميم أي تبرك من شدة الحر في أخفافها; ولئلا يخلو كل ربع من النهار عن عبادة.
"وتحية المسجد (٤) ركعتان لكل دخول له ولو تقارب" ما بين الدخولين; لخبر الصحيحين "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين" (٥) ومن ثم يكره له أن يجلس من غير تحية بلا عذر وظاهر كلامه كغيره أنه لا فرق في سنها (٦) بين مريد الجلوس وغيره، لكن قيده الشيخ نصر لمريده، ويؤيده
стр. 628
الخبر المذكور وقال الزركشي، لكن الظاهر أن التقييد بذلك خرج مخرج الغالب وأن الأمر بذلك معلق على مطلق الدخول تعظيما للبقعة وإقامة للشعائر كما يسن لداخل مكة الإحرام سواء أراد الإقامة بها أم لا قال في المجموع وتجوز الزيادة على ركعتين إذا أتى بسلام واحد وتكون كلها تحية لاشتمالها على الركعتين وتحصل التحية بفريضة "وورد وسنة"، وإن لم تنو; لأن القصد بها أن لا ينتهك المسجد بلا صلاة بخلاف غسل الجمعة، والعيد بنية الجنابة; لأنه مقصود، نعم الأوجه أن لا يحصل فضلها إلا إذا نويت، ثم رأيت الأذرعي (١) قال: إنه القياس "لا بركعة" وسجدة تلاوة، أو شكر "وصلاة جنازة" للخبر السابق.
"ويكره الاشتغال بها عن الجماعة" (٢) كأن قربت إقامتها لخبر الصحيحين "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة" (٣) وتعبيره بما قاله أولى من تعبير الروضة وغيرها بقوله وتكره التحية إذا دخل والإمام في المكتوبة قال في
стр. 629
المهمات ويظهر أن محل ذلك (١) إذا لم يكن الداخل قد صلى، فإن صلى جماعة لم تكره التحية، أو فرادى، فالمتجه الكراهة "و" يكره الاشتغال بها "عن الطواف لداخل الحرم"; لأنه الأهم حينئذ مع اندراجها تحت ركعتيه، وكذا إذا خاف فوات راتبه "وتفوت بجلوسه" (٢) قبل فعلها، وإن قصر الفصل إلا إذا جلس سهوا وقصر الفصل كما جزم به في التحقيق ونقله في الروضة عن ابن عبدان (٣) واستغربه، لكنه أيده بخبر الصحيحين أنه ﷺ قال وهو قاعد على المنبر يوم الجمعة لسليك الغطفاني لما قعد قبل أن يصلي: "قم فاركع ركعتين" (٤) إذ مقتضاه كما في المجموع أنه إذا تركها جهلا أو سهوا شرع له فعلها إن قصر الفصل قال: وهو المختار في الإحياء (٥) ويكره أن يدخل المسجد بغير وضوء، فإن دخل فليقل سبحان الله، والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر فإنها تعدل ركعتين في الفضل.
وفي الأذكار للنووي قال بعض أصحابنا من دخل المسجد فلم يتمكن من
стр. 630
صلاة التحية لحدث، أو شغل ونحوه فيستحب له أن يقول أربع مرات سبحان الله، والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر قال ولا بأس به زاد ابن الرفعة ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
"وتسن ركعتان للإحرام" بحج، أو عمرة، أو مطلقا "و" ركعتان "بعد الطواف" لما سيأتي في محلهما "و" ركعتان بعد "الوضوء" كما مر مع دليله في بابه "ينوي بكل" من الثلاثة "سنته" ندبا على ما مر بيانه في صفة الصلاة ويحصل كل منها بما تحصل به التحية "وركعتا الاستخارة" لخبر البخاري عن جابر قال كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن يقول: "إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال عاجل أمري وآجله- فاقدره لي ويسره لي، ثم بارك لي فيه، اللهم وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال عاجل أمري وآجله- فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان، ثم أرضني به -وفي رواية ثم رضني به- ويسمي حاجته" (١) قال النووي، والظاهر أنها تحصل بركعتين من السنن الرواتب (٢) وبتحية المسجد وغيرها من النوافل ولو تعذرت عليه الصلاة استخار بالدعاء وإذا استخار مضى بعدها لما ينشرح له صدره.
"و" ركعتا "الحاجة" لخبر "من كانت له حاجة إلى الله، أو أحد من بني آدم فليتوضأ وليحسن الوضوء، ثم ليصل ركعتين، ثم ليثن على الله تعالى وليصل على النبي ﷺ ثم ليقل لا إله إلا الله الحليم الكريم سبحان الله رب العرش العظيم الحمد لله رب العالمين أسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم لا تدع لي ذنبا إلا غفرته ولا هما
стр. 631
إلا فرجته ولا حاجة هي لك رضا إلا قضيتها يا أرحم الراحمين (١) رواه الترمذي وضعفه واقتصر في المجموع على حديثها وتضعيفه ولم يصرح بحكمها وفي التحقيق لا تكره، وإن كان حديثها ضعيفا إذ لا تغيير فيها وما ذكر من أنها ركعتان هو المشهور ونقل في الإحياء أنها اثنتا عشرة وسكت عليه.
"و" ركعتان "عند القتل" إن أمكن لقصة خبيب المشهورة في الصحيحين "و" ركعتان عند "التوبة" لخبر "ليس عبد يذنب ذنبا فيقوم فيتوضأ ويصلي ركعتين، ثم يستغفر الله إلا غفر له". رواه الترمذي وحسنه (٢).
"و" ركعتان عند "الخروج من المنزل و" عند "دخوله" له قاله في الإحياء قال وركعتان بعد طلوع الشمس عند خروج وقت الكراهة قال: وهي صلاة الإشراق المذكورة في قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْأِشْرَاقِ﴾ أي يصلين وجعلها غير الضحى (٣)، لكن ذكر الحاكم في مستدركه عن ابن عباس أن صلاة الإشراق هي صلاة الأوابين، وهي صلاة الضحى (٤) وسميت بذلك لخبر لا يحافظ على صلاة الضحى إلا أواب، وهي صلاة الأوابين (٥) رواه الحاكم وقال صحيح على شرط مسلم قال في الكفاية وركعتان عقب الأذان.
"و" ركعتان "في المسجد للقادم من سفر يبدأ بهما" قبل دخوله منزله ويكتفي بهما عن الركعتين عند دخوله منزله كما دل عليه كلام الإحياء "وصلاة التسبيح، وهي أربع ركعات" يقول في كل ركعة بعد قراءة الفاتحة وسورة سبحان الله، والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر خمس عشرة مرة وفي كل من
стр. 632
الركوع، والرفع منه وكل من السجدتين، والجلوس بينهما، والجلوس بعد رفعه من السجدة. الثانية عشر مرات فذلك خمس وسبعون مرة في كل ركعة علمها النبي ﷺ للعباس كما رواه ابنه عبد الله ﵄، وهو في سنن أبي داود وصحيح ابن خزيمة وفيه إن استطعت أن تصليها في كل يوم مرة فافعل، فإن لم تفعل ففي كل جمعة مرة، فإن لم تفعل ففي كل شهر مرة، فإن لم تفعل ففي كل سنة مرة، فإن لم تفعل ففي عمرك مرة وفي معجم الطبراني (١) فلو كانت ذنوبك مثل زبد البحر، أو رمل عالج غفر الله لك (٢) وصلاة التسبيح أشار إليها الأصل في سجود السهو وقضية كلامه أنها سنة، وهو ما أفهمه المصنف وجرى عليه وصرح به ابن الصلاح فقال إنها سنة، وإن حديثها حسن وله طرق يعضد بعضها بعضا فيعمل به ولا سيما في العبادات، وكذا قال النووي في تهذيب اللغات، لكنه قال في المجموع بعد نقل استحبابها عن جمع وفي هذا الاستحباب نظر; لأن حديثها ضعيف وفيها تغيير لنظم الصلاة المعروف فينبغي أن لا تفعل، وكذا قال في التحقيق حديثها ضعيف وقال في أذكاره عن ابن المبارك، فإن صلاها ليلا فأحب إلي أن يسلم من ركعتين، وإن صلى نهارا، فإن شاء سلم، وإن شاء لم يسلم.
"وصلاة الأوابين" وتسمى صلاة الغفلة لغفلة الناس عنها واشتغالهم بغيرها من عشاء ونوم وغيرهما "وهي عشرون ركعة (٣) بين المغرب، والعشاء" قاله الماوردي والروياني وفي الترمذي أنه ﷺ قال: "من صلى ست ركعات بين المغرب، والعشاء كتبت له عبادة اثنتي عشرة سنة" (٤) وقال الماوردي كان النبي ﷺ يصليها ويقول: "هذه صلاة الأوابين" ويؤخذ منه ومن خبر
стр. 633
الحاكم السابق أن صلاة الأوابين مشتركة بين هذه وصلاة الضحى، وهذه، والصلاة عند القتل مع الثلاثة بعدها، وبيان عدد صلاة التسبيح من زيادة المصنف وقدم في الغسل أنه تسن ركعتان عقب الخروج من الحمام، وتسن أيضا صلوات أخر منها إذا أراد الخروج من مسجد رسول الله ﷺ يسن له أن يودعه بركعتين كما قاله النووي في أذكاره ومنها إذا دخل أرضا لا يعبد الله فيها كدار الشرك يسن أن لا يخرج منها حتى يصلي ركعتين ومنها إذا مر بأرض لم يمر بها قط يسن له أن يصلي فيها ركعتين ومنها إذا عقد على امرأة وزفت إليه يسن لكل منهما قبل الوقاع أن يصلي ركعتين نبه على ذلك ابن العماد قال في المجموع ومن البدع المذمومة صلاة الرغائب ثنتا عشرة ركعة بين المغرب، والعشاء ليلة أول جمعة رجب وصلاة ليلة نصف شعبان مائة ركعة ولا يغتر بمن ذكرهما.
"فصل لا حصر في التطوعات التي لا سبب لها" من وقت وغيره (١) أي لا حصر لأعدادها ولا لركعات الواحدة منها لقوله ﷺ لأبي ذر: "الصلاة خير موضوع استكثر منها، أو أقل" (٢) رواه ابن حبان، والحاكم في صحيحيهما "فله أن يحرم بركعة وبمائة" مثلا "وفي كراهة الاقتصار على ركعة" فيما لو أحرم مطلقا "وجهان" أحدهما (٣) نعم بناء على القول بأنه إذا نذر صلاة لا يكفيه ركعة، والثاني لا بل قال (٤) في المطلب الذي يظهر استحبابه خروجا من خلاف بعض أصحابنا، وإن لم يخرج من خلاف أبي حنيفة من أنه يلزمه بالشروع ركعتان "فإن لم ينو عددا" وعلم، أو "جهل كم صلى جاز" لظاهر الخبر السابق ولما رواه الدارمي في مسنده أن أبا ذر صلى عددا كثيرا فلما سلم
стр. 634
قال له الأحنف بن قيس هل تدري انصرفت على شفع، أو على وتر فقال إن لا أكن أدري فإن الله يدري.
"فإن نوى عددا فله أن ينوي الزيادة" عليه "والنقصان" عنه، والعدد عند النحاة ما وضع لكمية الشيء، فالواحد عدد فتدخل فيه الركعة، وعند جمهور الحساب: ما ساوى (١) نصف مجموع حاشيتيه القريبتين، أو البعيدتين على السواء، فالواحد ليس بعدد فلا يدخل فيه الركعة، لكنها تدخل في حكمه هنا بالأولى; لأنه إذا جاز التغيير بالزيادة في الركعتين ففي الركعة التي قيل يكره الاقتصار عليها في الجملة أولى ومعلوم أن تغييرها بالنقص ممتنع.
"فإن نوى أربعا وسلم من ركعتين، أو" من "ركعة، أو قام إلى خامسة عامدا قبل تغيير النية بطلت" صلاته لمخالفته ما نواه بغير نية; لأن الزائدة صلاة ثانية فتحتاج إلى نية ولهذا لو كان المصلي متيمما ورأى الماء لم يجز له الزيادة كما مر في التيمم.
"ولو قام" إليها "ناسيا" فتذكر "وأراد الزيادة"، أو لم يردها "لزمه العود" إلى القعود; لأن المأتي به سهوا لغو، ثم أتى إن شاء بمراده بعد نيته له في الأولى واقتصر على الأربع في الثانية "وسجد للسهو" فيهما آخر صلاته لزيادة القيام، وكذا لو لم يتم القيام، لكن تذكر بعد أن صار إلى القيام أقرب كما مر في بابه "وإن زاد ركعتين سهوا ثم نوى زيادة عدد" هذا أعم من قول الأصل إكمال أربع "لم تحسبا منه" أي من العدد لما مر فيأتي بما نواه إن شاء "ومن نوى عددا فله الاقتصار على تشهد آخر صلاته"; لأنه لو اقتصر عليه في الفريضة جاز "وهو" أي هذا التشهد "ركن" كسائر التشهدات الأخيرة "وله أن يتشهد" بلا سلام "بين" يعني في "كل ركعتين" كما في الرباعية وفي كل ثلاث، أو أكثر كما في التحقيق، والمجموع; لأن ذلك معهود في الفرائض في الجملة "لا في كل ركعة"; لأنه اختراع صورة في الصلاة لم تعهد "والأفضل أن يسلم من كل
стр. 635
ركعتين" في ليل، أو نهار لخبر صلاة الليل، والنهار مثنى مثنى (١) صححه البخاري، والخطابي، والبيهقي وغيرهم "وأن يقرأ السورة فيما" أي في الركعات التي "قبل التشهد الأول" إذا صلى بتشهدين فأكثر كما في الفريضة، فإن صلى بتشهد قرأها في الركعات كلها كما ذكره الأصل.
"فرع: يقضي" ندبا "من النوافل ما له وقت" (٢) مخصوص، وإن لم يشرع له جماعة "كالعيد، والضحى ورواتب الفرائض" (٣) طال الزمان، أو قصر لعموم خبر من نام عن صلاة، أو نسيها فليصلها إذا ذكرها; ولأنه ﷺ قضى بعد الشمس ركعتي الفجر وبعد العصر الركعتين اللتين بعد الظهر (٤) رواهما مسلم وغيره ولخبر أبي داود بإسناد حسن من نام عن وتره أو سنته فليصله إذا ذكره (٥) ; ولأن ذلك مؤقت كالفرض "لا ما يفعل لعارض كالكسوفين، والاستسقاء، والتحية" فلا يقضي إذا فعله لعارض، وقد زال، وكذا النفل المطلق، وإن تدافع فيه كلام المصنف نعم إن شرع فيه، ثم أفسده قضاه كذا ذكره الرافعي في صوم التطوع، والأوجه أن المراد به (٦) أداؤه كما قيل به في نظيره من الفرض إلا أن المراد به هنا الأداء اللغوي قال الغزالي وينبغي لمن فاته ورد أن يتداركه في وقت آخر لئلا تميل نفسه إلى الدعة،