← Каваид фикха

Каваид фикха · id 30131

الرسالة الندية في القواعد الفقهية

عبد الفتاح مصيلحي

Полный текст (152 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة فضيلة الشيخ/ مصطفى العدوي (حفظه الله) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقديم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ . وبعد فهذا كتاب "الرسالة النديَّة في القواعد الفقهيَّة"، أعده أخي في الله فضيلة الشيخ/ عبد الفتاح مصيلحي حفظه الله. وقد راجعتُ الكتاب من الناحية الحديثية فألفيتُهُ إلى حدٍّ كبير قد تحرَّى صحة الأحاديث المستدل بها. وأورد كمًّا كبيرًا من الفوائد في كتابه هذا. فاللهَ أسأل أن يزيده توفيقًا وأن ينفع به وبكتابه الإسلام والمسلمين. وأن يعينه على مواصلة رسالته العلمية والدعوية. وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. كتبه أبوعبد الله مصطفى بن العدوي

стр. 2

مقدمة فضيلة الشيخ/ عبد المنجي سيد أمين (حفظه الله) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد: إنَّ المنهج الإسلامي في التفكير والنظر والتقعيد والتأصيل منهج واقعي جاد، لا يسمح لأصحابه بذل الجهد لمجرد جمع الثقافة وإنما البذل والعطاء ليصبح واقعًا إسلاميًّا حيًّا ومتحركًا، تراه العيون، وتلمسه الأيدي، وتلحظ آثارَه العقولُ. هي محاولات لصناعة الإنسان الصالح العابد من خلال هذا البذل. وإني لأحسب شيخنا الكريم فضيلة الشيخ/ عبد الفتاح محمد مصيلحي قد منَّ الله تعالى عليه بقلم سطَّر به هذا السفر النفيس، وبلسان قد أبلى به بلاء حسنًا في الدعوة إلى الله تعالى، وخلق رفيع يعرفه كل من اقترب منه وهذا جماع أمر الداعية إلى الله تعالى - أحسبه كذلك ولا أزكيه على الله سبحانه -. وهذا الكتاب المبارك - الرِّسالة النَّديَّة في القواعد الفقهيَّة - وفق الله تعالى فيه فضيلة الشيخ إلى منهج واضح يتميز بالسهولة والشمول مع الإفصاح والإيضاح وذكر الدليل مقرونًا بالأمثلة التطبيقية، وقد سُررتُ كثيرًا بهذا المزج الرائع بين البيان، ودقة التأصيل، وسهولة العرض، وجمال الترتيب، والحس الأصولي الرائق، ووددتُ لو أنَّ دائرة الانتفاع بفضيلة الشيخ اتَّسعت. أسأل الله تعالى أن يبارك في عمره وجهده وبذله، وأن يجعل هذا نورًا يمشي به في الناس وعلى الصراط يوم القيامة، وأن ينفع بعلمه ما بقيت السماوات والأرض، والله من وراء القصد. كتبه فقير عفو ربه عبد المنجي بن سيد آل أمين الجمعة ٧ من ربيع أول ١٤٣٧ هـ الموافق ١٨/ ١٢/ ٢٠١٥ م

стр. 3

مقدمة المؤلف الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله ﷺ ، فهو القائل " من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين " (١) فبين أنَّ الفقه والفهم دليل إرادة الخير بالعبد. والعلم والفقه بحرٌ لا ساحل له، فلا يستطيع المجتهد أن يُرسِي سفنه على نهاية شاطئه، ويعجز عن الغوص في أعماقه لإخراج كل دُرَرِهِ ولآلِئِهِ، فمهما أخذ العالِمُ من معين العلم فإنما أوتي من العلم القليل؛ تصديقًا لقوله تعالى ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥]. ولمَّا كان علم الفقه من أوسع هذه العلوم وأشملها كان لزامًا على علماء الفقه وأربابه أن يضعوا القواعد والأصول التي تضبط مسائل علم الفقه، وتلم شمله، وتجمع شوارده، فوضع العلماء قواعد علم أصول الفقه التي تُمكِّن الفقيه من استخراج المسائل الفقهيَّة على أساس سليم، ثم وضعوا القواعد الفقهيَّة التي تجمع الأحكام المتشابهة وتضبط نظمها، وما كل ذلك إلا لأهمية هذا العلم وعظم شأنه وعلو قدره. وما أجمل ما وصف به العلامة السيوطي علم الفقه وقواعده فقال ﵀: "فعلم الفقه بحوره زاخرة، ورياضه ناضرة، ونجومه زاهرة، وأصوله ثابتة مقررة، وفروعه ثابتة محررة، لا يفنى بكثرة الإنفاق كنزُه، ولا يبلى على طول الزمان عزُّه، أهله قوَّام الدين وقوامه، وبهم ائتلافه وانتظامه، هم ورثة الأنبياء، وبهم يُستضاء في

стр. 4

الدهماء، ويُهتدى كنجوم السماء، ............... ، وهم الملوك. لا. بل الملوك تحت أقدامهم، وفي تصاريف أقوالهم وأقلامهم، وهم الذين إذا التحمت الحرب أرز الإيمان إلى أعلامهم، وهم القوم كل القوم إذا افتخر كل قبيل بأقوامهم. بيض الوجوه كريمةٌ أحسابُهُم … شُمُّ الأُنوف من الطراز الأول ولقد نوعوا هذا الفقه فنونًا وأنواعًا، وتطاولوا في استنباطه يدًا وباعًا، وكان من أجلِّ أنواعه معرفةُ نظائر الفروع وأشباهِها، وضم المفردات إلى أخواتها وأشكالها، ولعمري إنَّ هذا الفن لايُدرك بالتمني، ولا يُنال بسوف ولعلَّ ولو أنِّي، ولا يبلغه إلا من كشف عن ساعد الجد وشمَّر، واعتزل أهله وشد المئزر، وخاض البحار وخالط العَجَاجَ (الغبار والدخان)، ولازم الترداد إلى الأبواب في الليل الداج (الليل الذي عمت فيه الظلمة) (١). وأبدع في ذلك أيضًا تاج الدين السبكي أيما إبداع حيث قال: "فإنَّ العلوم وإن كانت تتعاظم شرَفًا، ................. ، فلا مرية في أنَّ الفقه واسطة عقدها ورابطة حلها وعقدها، وخالصة الرابح من نقدها، به يعرف الحلال والحرام، ويدين الخواص والعوام، ويتبين مصابيح الهدى من ظلام الضلال وضلال الظلام، قطب الشريعة وأساسها، وقلب الحقيقة التي إذا صلح صلحت ورأسها، وأهله سرات الأرض الذين لولاهم لفسدت بسيادة جهَّالها وضلت أناسها، ........ ، إن أهم ماعني به الفقيه، وجعله المدرس دأبه الذي يعيده ويبديه، وشوقه الذي يلقنه ويلقيه القيام بالقواعد، وتبيين مسالك الأنظار ومدارك المعاقد، وكيف ائتلاف النظائر، واختلاف المآخذ واجتماع الشوارد " (٢). ولمَّا كان هذا العلم عظيم الفضل رفيع القدر أحببتُ أن يكون لي فيه سهم ونصيب، فكتبتُ هذه النبذة الموجزة، وسميتُها "الرِّسالة النَّديَّة في القواعد

стр. 5

الفقهيَّة"؛ إذ هي ورقات مختصرة في ظلِّ أسفار كبار، وإضاءة مصباح في ضوء الشمس والنهار، وقطرات ندى في وسط مياه الأمطار، اعتنيت فيها بتأصيل قواعدها، وبيان أدلتها، وسهولة عبارتها، وكثرة أمثلتها، مبينًا بذلك أنَّ القواعد الفقهية والقواعد الأصولية كأخوين شقيقين قد خرجا من مشكاة واحدة، ولأنَّ تقسيم العلوم يُسهِّل على طالب العلم تصور العلم، ولم شارده ووارده؛ قسمتها إلى خمسة مباحث: "المبحث الأول" ذكرت فيه المبادئ العشرة لعلم القواعد الفقهيَّة، "المبحث الثاني" ذكرت فيه بعض المقدمات الهامة، "المبحث الثالث" بينت فيه القاعدة العامة والهامة وهي قاعدة "الدين مبني على جلب المصالح ودرء المفاسد" وهي التي ترجع إليها كل القواعد، " المبحث الرابع" ذكرت فيه القواعد الخمس الكبرى التي يرجع إليها كثير من القواعد الفرعية، " المبحث الخامس" ذكرت فيه بعض القواعد المتفرقة، واخترت من بينها أكثر القواعد استخدامًا في علم الفقه والفروع. وختمتُ الكتاب بقاعدة فقهيَّة أصوليَّة ألَا وهي قاعدة "العفو عن الخطأ والنسيان والإكراه"؛ وذلك رجاء أن يعفو ربنا عنَّا عمَّا وقع في الكتاب من الخطأ والزلل الذي لا مفرَّ منه، وطمعًا أن تكون هذه الورقات سببًا لعفو الله عنَّا عمَّا بَدَر منَّا من الذنوب والخطايا والآثام، إنه عفُوُّ كريم، غفور حليم. أسأل الله التوفيق والسداد في القول والعمل، وأن يكتب لهذا العمل ولكل أعمالنا القبول وأن ينفع به في الدنيا، وفي الآخرة " يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم". وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله، وأصحابه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. كتبه أبوسلسبيل عبد الفتاح بن محمد مصيلحي

стр. 6

المبحث الأول المبادئ العشرة للقواعد الفقهيَّة يقول الصبَّان ﵀: إنَّ مبادئ كل فن عشرة … الحد والموضوع ثم الثمرة وفضله ونسبة والواضع … والاسم الاستمداد حكم الشارع فمسائل والبعض بالبعض اكتفى … ومن درى الجميع حاز الشرفا الحد: هو الذي يبين حقيقة الشيء. • حد علم القواعد الفقهيَّة: أولًا باعتبار مفرديه: القواعد: لغةً: جمع قاعدة وتأتي بمعنى الأساس، وقد يكون ذلك الأساس حسيًّا كقوله تعالى ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧)﴾ [البقرة: ١٢٧]، وقوله تعالى ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٦)﴾ [النحل: ٢٦]، وقد يكون معنويًّا كقواعد الدين أي دعائمه. اصطلاحًا: القاعدة هي قضية كلية منطبقة على جميع جزئياتها (١). مثل قول النحاة: الفاعل مرفوع، وقول الأصوليين: النهي يقتضي التحريم ما لم يأت صارف يصرفه.

стр. 7

الفقه: لغة: الفهم قال تعالى ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨)﴾ [النساء: ٧٨] أي يفهمون حديثًا. اصطلاحًا: معرفة الأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية. تعريف القواعد الفقهيَّة باعتبارها لقبًا: القواعد الفقهيَّة: هي حكم أكثري ينطبق على أكثر جزئياته ليُعرف أحكامها منه. • الموضوع: الأحكام الفقهيَّة المتشابهة. • الثمرة: لعلم القواعد الفقهيَّة كثير من الفوائد لخصها القرافي ﵀ في قوله " وهذه القواعد مهمة في الفقه، عظيمة النفع، وبقدر الإحاطة بها يعظُمُ قدر الفقيه ويَشرُفُ، ويظهر رونق الفقه ويُعرَفُ، وتتضح مناهج الفتوى وتُكشَفُ، فيها تنافس العلماء، وتفاضل الفضلاء " (١). ومن ثمرات علم القواعد الفقهيَّة: ١ - تيسير الفقه: حيث يكفي مؤونة حفظ الفروع والجزئيات. ٢ - يساعد على ضبط كثير من المسائل. ٣ - يربط الأحكام المبعثرة. ٤ - يربي الملكة الفقهيَّة عند الباحث أو الدارس. ٥ - يساعد على التعمق في دراسة الفقه. ٦ - يساعد الفقيه على إدراك مقاصد الشريعة. ٧ - يجنب الفقيه التناقض والاضطراب. ٨ - يمكن الفقيه من التوصل إلى معرفة الأحكام المستحدثة. وغير ذلك من الفوائد.

стр. 8

• فضله: يتناسب فضل العلم مع ثمرته، ولما كان ارتباط القواعد الفقهيَّة بالفقه والأحكام ، كان علمًا عالي الشأن عظيم النفع؛ إذ الفقه أفضل مايتعلمه الإنسان ويُعَلِّمه بعد علم التوحيد، فهو كما قال القرافي ﵀ " فإنَّ الفقه عماد الحق، ونظام الخلق، ووسيلة السعادة الأبدية، ولباب الرسالة المحمديَّة، من تحلى بلباسه فقد ساد، ومن بالغ في ضبط معالمه فقد شاد " (١). • نسبتة: هو علم من العلوم الشرعية المتعلقة بالأحكام الفقهية. • الواضع: هذه القواعد كانت مقررة في الكتاب والسنة، ووُضِعتْ لها أصولٌ ومعالمُ وضوابطُ، ومن ذلك قوله الله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩]، وقال تعالى ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥]، وقال تعالى ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه" (٢)، وقال ﷺ " لا ضرر ولا ضرار " (٣)، وقال ﷺ : «إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى ثلاثًا أم أربعًا، فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد

стр. 9

سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسًا شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتمامًا لأربع كانتا ترغيمًا للشيطان» (١)، وبهذا تكون قد وضعت أصولها في الكتاب والسنة. لكنها لم تكن مدونة، وأول من دونها وصاغها هو " أبو طاهر محمد الدباس " قاضي الشام، حيث جمع قواعد المذهب الحنفي في سبع عشرة قاعدة، ثم تبعه الكرخي فجمعها في سبع وثلاثين قاعدة، ثم تبعهما العلماء. حكى القاضي أبو سعيد الهروي أنَّ بعض أئمة الحنفية علم أنَّ أبا طاهر الدباس جمع مذهب أبي حنيفة في سبع عشرة قاعدة، فسافر إليه، وكان أبو طاهر ضريرًا، وكان يكرر هذه القواعد بمسجده بعد أن يخرج الناس، فالتف الهروي بحصير وخرج الناس، وبدأ أبوطاهر يسرد تلك القواعد فسرد منها سبعًا، فحصلت للهروي سُعلة، فأحس به أبوطاهر، فضربه وأخرجه من المسجد، فرجع الهروي إلى أصحابه، وتلا عليهم تلك القواعد (٢). • الاسم: علم القواعد الفقهيَّة، أو علم الأشباه والنظائر. • الاستمداد: يُستمد من الكتاب والسنة كما سبق، ومن آثار السلف كقول عمر ﵁ " مقاطع الحقوق عند الشروط " (٣). • حكم الشارع: فرض كفاية إذا قام به البعض الكافي سقط عن الباقين، لكنه بالنسبة للفقيه والمجتهد فرض عين؛ إذ به تضبط المسائل ويجمع شواردها. • مسائله: الطرق والضوابط الكلية التي تضبط الفروع والجزئيات المتشابهة، والتي تمكن الفقيه من تخريج المسائل الفقهية في الأبواب المختلفة.

стр. 10

المبحث الثاني: مقدمات هامة ويشتمل على: - المقدمة الأولى: ارتباط القواعد الفقهيَّة بغيرها من العلوم. - المقدمة الثانية: الفرق بين القواعد الفقهيَّة والقواعد الأصوليَّة. - المقدمة الثالثة: الفرق بين القاعدة الفقهيَّة والضابط الفقهي. - المقدمة الرابعة: الفرق بين القواعد الفقهيَّة والفروق الفقهيَّة. - المقدمة الخامسة: الفرق بين القاعدة الفقهيَّة والنظريَّة الفقهيَّة - المقدمة السادسة: أقسام القواعد الفقهيَّة.

стр. 11

المقدمة الأولى ارتباط القواعد الفقهيَّة بغيرها من العلوم إنَّ علوم الشريعة الغراء مرتبطة مع بعضها البعض؛ إذ أنها خرجت من مشكاة واحدة، ومصدرها الذي تُتلقى منه مصدر واحد، ومعينها الذي تُستقى منه معين واحد، لكن هناك ثلاثة علوم مرتبطة مع بعضها البعض ارتباطًا وثيقًا وهي (علم أصول الفقه - علم الفقه - علم القواعد الفقهيَّة) - أصول الفقه: القواعد التي تُستخرج من الأدلة للوصول بها إلى الأحكام العملية. - الفقه: الأحكام العملية التي يستخرجها الفقيه بالاستعانة بقواعد أصول الفقه. - ومن ثَمَّ يُوجد أحكامٌ متشابهه في الأبواب المختلفة، فتُجمع هذه الأحكام المتشابهة في قواعد تُسمى " القواعد الفقهيَّة ". - فالقواعد الأصوليَّة: مستخرجة من الأدلة. - القواعد الفقهيَّة: مستخرجة من الأحكام المتشابهة. مثال: القيام في الصلاة ركن قال تعالى ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨]، لكن من لم يستطع القيام صلى قاعدًا، وصلاته صحيحه. وصيام رمضان فرض يجب أداؤه، لكن من لم يستطع الصيام أفطر وعليه القضاء أو الفدية قال تعالى ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ

стр. 12

لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)﴾ [البقرة: ١٨٤]. وكذلك الوضوء شرط لصحة الصلاة، لكن من لم يجد الماء جاز له التيمم وقام التراب مقام الماء. فالصلاة قاعدًا لمن لم يستطع القيام يسر، والإفطار لمن لا يستطيع الصيام يسر، والتيمم لمن لم يجد الماء يسر، فهذه صور مختلفة في أبواب مختلفة، لكنها اجتمعت في أنَّ كلًّا منها جُلب له اليسر بسبب المشقة. فلما نُظر في عامة الأحكام المتشابهة وُجد أنه عند كل مشقة يوجد تيسير، فوضعت لذلك قاعدة (المشقة تجلب التيسير)، وهكذا.

стр. 13

المقدمة الثانية الفرق بين القواعد الأصوليَّة والقواعد الفقهيَّة القواعد الأصوليَّة والقواعد الفقهيَّة يخدم بعضها بعضًا، ويدل بعضها على بعض، ويشد بعضها من أزر بعض، بل لقرب بعضها من بعض قد تُوجد بعض القواعد متداخلة بين القواعد الفقهيَّة والقواعد الأصوليَّة، ولكنها تختلف باختلاف النظر إليها فقط، فإذا نُظر إليها باعتبارها دليلًا شرعيًّا كانت قاعدة أصوليَّة، وإذا نُظر إليها باعتبارها فعلًا للمكلف كانت قاعدة فقهيَّة، فإذا قيل كل مباح يؤدي إلى الحرام فهو حرام سدًّا للذريعة كانت قاعدة فقهيَّة، وإذا قيل ما لم يتم ترك الحرام إلا بتركه فتركه واجب كانت قاعدة أصوليَّة. ولكنها مع ذلك يوجد بينها بعض الفروق منها: ١ - القواعد الأصوليَّة هي أدلة عامة، أما القواعد الفقهيَّة هي أحكام متشابهة. ٢ - القواعد الأصوليَّة تضبط الاستنباط للفقيه، أما القاعدة الفقهيَّة هي قاعدة كلية جزئياتها بعض مسائل الفقه. ٣ - القواعد الأصوليَّة تنطبق على جميع الجزئيات، أما القواعد الفقهيَّة فهي تشمل أغلب الجزئيات لا كلها. ٤ - القواعد الأصوليَّة موجودة قبل الفروع، أما القواعد الفقهيَّة موجودة بعدها. ٥ - القواعد الأصوليَّة لا بد معها من الدليل لإخراج الحكم، فهو لها كالمقدمة، مثل قاعدة "الأمر يقتضي الوجوب" لا بد معها من دليل لإخراج حكم الصلاة مثلًا، ألا وهو قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ [البقرة: ٤٣]،

стр. 14

بخلاف القاعدة الفقهيَّة فإنها يستخرج بها الحكم مباشرة مثل قاعدة "الضرر يُزال"، فأينما وجد الضرر فإنه يزال، وذلك بالنظر للقاعدة مباشرة. ٦ - القواعد الأصوليَّة هي التي يتوصل بها المجتهد إلى الأحكام، أما القواعد الفقهيَّة هي الضوابط الكلية للفقه التي توصل إليها المجتهد. ٧ - القواعد الأصولية موضوعها الدليل الشرعي، أما القواعد الفقهية موضوعها أفعال المكلفين.

стр. 15

المقدمة الثالثة الفرق بين القاعدة الفقهيَّة والضابط الفقهي - القاعدة الفقهيَّة تعمل في عامة الأبواب مثل قاعدة "العادة محكَّمة"، فإنها تعمل في عامة الأبواب إذا توفرت فيها شروط العمل بالعادة والعرف. - الضابط الفقهي يخص بابًا واحدًا مثل "كل ماء لم يتغير أحد أوصافه فهو طهور"، فهذا ضابط فقهي يعمل في باب المياه.

стр. 16

المقدمة الرابعة الفرق بين القواعد الفقهية والفروق الفقهية القواعد الفقهية كما سبق تبحث في الأحكام المتشابهة. أما الفروق الفقهية تبحث في أوجه الاختلاف بين المسائل والأحكام المتشابة، فأحدهما يبحث في وجه الشبه، والآخر يبحث في وجه الاختلاف. إذًا فالفروق الفقهية تبحث في الأحكام المتشابهة والمتفقة في الصورة والظاهر، والمختلفة والمفترقة في العلل والأحكام. من أمثلة الفروق الفقهية: قولهم إذا طُرِح في الماء تراب فغيَّر لونه أو طعمه أو ريحه لم يسلبه التطهير، ولو وُضِع فيه طاهر غير التراب كالعطر والصابون فغيَّر أحد أوصافه سلبه التطهير. والفرق بينهما أنَّ التراب يشارك الماء في جواز التطهر به بخلاف الصابون والزعفران لا يجوزالتطهر بهما. ومن الفروق الفقهية: الفرق بين المفتي والقاضي فهما يتفقان في جواز الفتوى والحكم، لكن الفرق بينهما أنَّ حكم المفتي مُعلِمٌ، أما حكم القاضي فهو مُلزِمٌ. ومن هذه الفروق أيضًا: الفرق بين الخمس الفواسق وشوك الحرم فهما يتشابهان في أنَّ كلًّا منهما مؤذٍ،

стр. 17

فمن لم ينظر للفروق بينهما جعل حكمهما واحدًا كعطاء رحمه الله تعالى، ومن نظر في الفروق في أوصافها وعللها جعل الحكم مختلف، حيث إنَّ الخمس الفواسق مؤذية بطبعها مع التعدي، بخلاف شوك الحرم فإنه قاصر غير متعدٍّ، وهذا من الفروق بينهما. ومن ذلك أيضًا: إذا ادعى المرتهن تلف الرهن لا يُقبل قوله، ولو ادعى المؤتمَن تلف الأمانة قُبل قوله، والفرق بينهما أنَّ الأمين مؤتمن ولا ضمان على مؤتمن، وهذا الوصف غير متحقق في المرتهن. وكذلك فالمؤتمن حفظ الأمانة لمصلحة غيره، بخلاف المرتهن إنما حفظها لحق نفسه فافترقا.

стр. 18

المقدمة الخامسة الفرق بين القاعدة الفقهية والنظرية الفقهية القاعدة الفقهية: هي التي تتضمن أحكامًا في ذاتها، وهذه الأحكام تنطبق على كل الفروع المندرجة تحتها. فقاعدة "الضرر يُزال" تتضمن حكمًا، وهو أنَّ الضرر لابد أن يُزال، فكل مسألة وفرع يُوجد به ضرر ينبغي للعبد إزالة هذا الضرر. وقاعدة "اليقين لا يزول بالشك": فهذا حكم تتضمنه القاعدة في كل فروعها وصورها، فكل يقين لا يزول ولا يتغير إلا بيقين مثله، ولا يتغير بالشك. فمن تيقن الوضوء ثم شك في نقض وضوئه فلا يزول يقينه ويبقى متوضئًا، ومن ادَّعى على شخص حقًّا وليس معه بينة، فأحدث بذلك شكًّا في ذمته فالأصل براءة الذمة ولا يزول هذا اليقين بالشك فتبقى ذمته بريئة، وهكذا. فالقاعدة الفقهية في هذا الباب أشبه بالحكم العام في علم أصول الفقه، فهو حكم يشمل كل أفراد العموم. النظرية الفقهية: ليست حكمًا فقهيًّا إنما هي موضوع فقهي، أو موضوع مشتمل على مسائل وقضايا فقهية. فالنظرية الفقهية أعم من القاعدة الفقهية؛ إذ أنَّ النظرية الفقهية قد يندرج تحتها أكثر من قاعدة فقهية.

стр. 19

فإن قلنا "نظرية العقد" فهذه نظرية فقهية لا تشتمل على أحكام وإنما تشتمل على مسائل مرتبطة بالعقد، وعليه فبيان هذه المسائل قد يحتاج لأكثر من قاعدة فقهية. لكن إن قلنا "العبرة في العقود المقاصد لا المعاني " فهذه قاعدة فقهية تشتمل حكمًا معينًا هو أنَّ العبرة بالنيات والمقاصد لا باللفظ. وإن قلنا" العادة مُحكَّمة " فهذه قاعدة فقهية لأنها تشتمل حُكمًا، وهو أنَّ العادة يثبت بها أحكامٌ كما تثبت بالنص بشروط بابها. وإن قلنا "نظرية العرف" فهذه نظرية فقهية لا تشتمل على أحكام، وإنما تشتمل على مسائل مرتبطة بالعرف، وقد يكون لكل مسألة حكمها، وقد يندرج تحتها أكثر من قاعدة، منها قاعدة العادة محكَّمة، وقاعدة المعروف عرفا كالمشروط شرطًا، وغيرها من القواعد.

стр. 20

المقدمة السادسة أقسام القواعد الفقهيَّة تنقسم القواعد الفقهيَّة باعتبار الأصالة والتبعيَّة إلى: - قواعد أصلية: وهي التي لا يؤول معناها إلى أكبر منها. مثل: القاعدة العامة ألا وهي قاعدة "الدين مبني على جلب المصالح ودرء المفاسد"، فهي قاعدة أصلية عامة ترجع إليها القواعد، ولا يؤول معناها إلى غيرها؛ إذ هي أعم القواعد وأوسعها، ويليها القواعد الخمس الكبرى كقاعدة " الأمور بمقاصدها" فإنها يرجع إليها كثير من القواعد، ولا يؤول معناها إلى ما هو أكبر منها عدا قاعدة "المصالح والمفاسد"؛ إذ أنها قاعدة يرجع إليها كل أحكام الدين عامها وخاصها. - قواعد فرعية: وهي القواعد التابعة لقاعدة أكبر منها، وتكون متفرعة منها. كقاعدة " تداخل الأعمال " التي بنيت على قاعدة " الأمور بمقاصدها "، وقاعدة " الضرورات تبيح المحظورات " المتفرعة من قاعدة " الضرر يُزال"، وقاعدة "المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا" المتفرعة من قاعدة "العادة محكَّمة".

стр. 21

المبحث الثالث : ويشتمل على: - القاعدة العامة: الدين مبني على تحصيل المصالح، ودفع المفاسد. - قاعدة فرعية منها: وهي قاعدة التزاحم: - تزاحم المصالح. - تزاحم المفاسد.

стр. 22

القاعدة العامة الدين مبني على تحصيل المصالح ودفع المفاسد الدين مبني على جلب المصالح للناس في دينهم ودنياهم، ودفع المفاسد عنهم، ولا توجد مصلحة إلا وهي تتوافق مع النص، ولا يوجد مفسدة أو مضرة إلا وهي تعارض النصوص وتخالفها. وقاعدة جلب المصالح ودرء المفاسد تتوافق تمام الموافقة مع مقاصد الشريعة الإسلامية؛ إذ أنَّ للشريعة الإسلامية مقاصد عامة ومقاصد خاصة، فالمقاصد العامة هي تحقيق مصالح الخلق جميعًا في الدنيا والآخرة، والمقاصد الخاصة هي الأهداف التي تسعى الشريعة إلى تحقيقها في مجالات خاصة كمجالات السياسة والاقتصاد والاجتماع وبناء الأسرة وتقويم السلوك، وغير ذلك من المجالات الخاصة التي تراعيها الشريعة الإسلامية، فعُلم أنَّ كل مقاصد الشريعة تدور حول جلب المصالح ودرء المفاسد. ولأهمية هذه القاعدة أرجَعَ العزُّ بن عبد السلام الفقهَ كله إلى اعتبار المصالح ودرء المفاسد (١)، وفي هذا يقول الشاطبي "الأحكام الشرعية إنما شُرعت لجلب المصالح أو درء المفاسد" (٢). ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية "والقول الجامع أنَّ الشريعة لا تهمل مصلحة قط" (٣).

стр. 23

ويقول الإمام عبد المؤمن بن عبد الحق الحنبلي" إنَّ الشريعة ما وُضعت إلا لتحقيق مصالح العباد في الدارين " (١). • ملحوظة هامة: إن قاعدة المصالح والمفاسد وضبطها وبيانها لا تخضع لأهواء الناس ورغباتهم، وليس الضابط لها اختلاف آراء الناس، وتباين وجهات نظرهم، إنما الضابط لها هو ما وضع من أصول وقواعد وضوابط في الشريعة المحكمة؛ لذا أرجئ تقديم المصالح أو المفاسد والحكم عليها لأهل العلم الأثبات، الذين يستمدون هذه الأحكام من ضوابط الشريعة وقواعدها لا من أهواء الناس ومصالحهم الخاصة. ومصالح الناس من حيث الأهمية تنقسم إلى ثلاثة أقسام: أولًا: الضروريات: وهي ما لا يستغني عنه الناس بحال من الأحوال كالكليات الخمس وهي: ١ - حفظ الدين: وهذه هي الضرورة العظمى التي لأجلها خلق الله الخلق وأرسل الرسل وأنزل الكتب، وهي التي لأجلها ابتلى الله أحب الخلق إليه وهم أنبياؤه ورسله، وشرَّع سبحانه شرائع خاصة لحماية هذا الدين وحفظه منها: - شرع الله الجهاد على أحبابه وإن أدى ذلك إلى اصطفاء بعضهم واتخاذهم شهداء. - ومنها: شرع قتل المرتد رجلًا كان أو امرأة.

стр. 24

- ومنها: نهى ﷺ أن يقيم أحد في بلاد الكفر بغير حاجة حفاظًا على دينه فقال ﷺ " أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين" (١). - ومنها: نهى ربنا ﵎ عن الجلوس مع الذين يخوضون في آيات الله؛ إذ أنَّ المخالطة مؤثرة على العبد في دينه ودنياه، فقال تعالى ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨)﴾ [الأنعام: ٦٨]. - ومنها: توعد الله تعالى من يفتن المؤمنين والمؤمنات في دينهم بالعذاب الأليم، فقال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (١٠)﴾ [البروج: ١٠]. - ومنها: وعد الله تعالى من صبر وتمسك بدينه، مع شدة الفتن والابتلاء بأن آتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة، فجمعوا خيري الدنيا والآخرة، فقال تعالى ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (١٤٧) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨)﴾ [آل عمران: ١٤٦ - ١٤٨]. - ومنها: أنَّ الله تعالى لما علم أنَّ هذا الدين لا يقوم إلا إذا تكفل به أناس يحمون حماه، ويقضون الأوقات والأعمار والأموال من أجل الحفاظ على هذا الدين، حث الناس على ذلك وأعظم أجر من يفعل ذلك، فرفع الله مكانتهم، وقرن شهادتهم بشهادته، وجعلهم ورثةً لأنبيائه، ووعدهم على ما فعلوه الحسنى وزيادة، بل وأمر الناس جميعًا ملوكًا وعبيدًا أن يرجعوا إليهم في أمور دينهم، ولا يصدروا إلا عن إرشاداتهم، فقال تعالى ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧)﴾ [الأنبياء: ٧].

стр. 25

- ومنها: نهى أن يتكلم أحد في هذا الدين إلا بعلم، فقال تعالى ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦]. - وبكل هذه التشريعات وغيرها يحفظ الله تعالى هذا الدين، لذا قال تعالى ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]. ٢ - حفظ النفس: النفس من الضروريات الهامة التي عني الشرع بها عناية عظيمة؛ لذا شرع الله لها شرائع خاصة تحمي هذه الضرورة وتدفع عنها: - منها: شرَّع الله القصاص لمن قتل نفسَ معصومٍ متعمدًا بغير حق إلا أن يعفو أصحاب الحق وأولياء القتيل. - ومنها: جعل الله الدية على من قتل مسلمًا خطأً؛ وذلك لعظم حرمة دم المسلم حتى في الخطأ. - ومنها: أحل الله ما حرمه إن كان ذلك سيحفظ للناس حياتهم، فأباح أكل الميتة للمضطر، وأباح شرب الخمر للمضطر. - ومنها: أجاز الله للمضطر الذي يخاف على نفسه من القتل أن يقول كلمة الكفر إن كان ذلك سيحفظ له حياته، لكن بشرط أن يكون هذا " وقلبه مطمئن بالإيمان ". - ومما يبين عظم حفظ النفس في الشريعة أن أذن الله لمن يُعتدَى عليه أن يدفع عن نفسه، وإن أدى ذلك إلى الموت، بل بين ﷺ أنه إن مات فهو شهيد، فقال ﷺ "من قُتل دون دمه فهو شهيد" (١). وغير ذلك من الأمور التي شرعها الله تعالى لحفظ النفس.

стр. 26

٣ - حفظ العقل: العقل هو مناط التكليف وهو الذي يُميَّز به الإنسان عن كثير من المخلوقات، وبه كرمه الله تعالى، وأكرمه بتشريعاته بعد أن عرضها على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان، وجعل ربنا ﵎ تشريعات خاصة لتربية هذا العقل وتنميته وبيان أهميته وضرورة حفظه، منها: - ومنها: أمر الله تعالى بإعمال العقل بالتفكر في مخلوقات الله تعالى ليستدل بها على قدرة الله تعالى وعظمته، فقال ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦)﴾ [ق: ٦]. - ومنها: أنه أمر بإعمال العقل في آيات الله تعالى بالتدبر والتفكر، وألَّا يخروا عليها صُمًّا وعميانًا، فقال تعالى ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢]، وقال مادحًا لأناس ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (٧٣)﴾ [الفرقان: ٧٣]. - ومنها: أن جعل الله تعالى الانتفاع بالآيات والدلائل لمن يعمل عقله دون غيرهم، فقال تعالى ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾ [الرعد: ٤]. - ومنها: رفع الله تعالى التكليف عمن فقد عقله، وجعله غير مؤاخذ بما يفعل أو يقول؛ إذ العقل مناط التكليف. - ومنها: تحريم شرب الخمر؛ لأنها تغيب العقل. - ومنها: أنَّ الله تعالى منع العبد أن يقف بين يديه وهو سكران؛ إذ أنه لما غاب العقل حرمه الله شرف الوقوف بين يديه. - ومنها: أن جعل الله دية العقل دية كاملة، وكأنَّ من جنى على عقل إنسان

стр. 27

فكأنما جنى على بدنه كله وقتله، وقد نقل ابن المنذر الإجماع على ذلك (١)، ولا غرو فإنَّ الدية تكون كاملة لمن جنى على يدي غيره، أو عينيه، فمن باب أولى تكون في الجناية على العقل؛ إذ هو أعظم مكانة وأعلى قدرًا. - ومنها: أن جعل الله تعالى أولي العقول الصحيحة السليمة ينالون شرف الوقوف خلف الإمام، وإن كان هذا الإمام هو النبي ﷺ حيث قال ﷺ " ليلني منكم أولوا الأحلام والنُّهى " (٢)، والنُّهى هي العقول وسميت بذلك؛ لأنها تنهى صاحبها عن الوقوع في المهالك. - ومنها: أنه ربى العقل على النظر واتباع البرهان ونبذ التقليد الذي لا يقوم على الدليل كما في قوله تعالى ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤)﴾ [الأنبياء: ٢٤]، وقال تعالى ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧)﴾ [المؤمنون: ١١٧]. - ومنها: أنه دعا إلى تنمية العقل ماديًّا ومعنويًّا: ماديًّا بالأكل والغذاء بغير إسراف ولا تبذير، فقال تعالى ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ [الأعراف: ٣١]، ومع أنَّ التغذية المرادة للشرع أصالة هي التغذية المعنوية، لكن التغذية المادية مرتبطة بالتغذية المعنوية؛ ولذا كُره للقاضي أن يقضي وهو جائع، وأُمر بتقديم الطعام على الصلاة إذا حضرا معًا. أما تنميته معنويًّا: فبالإرشاد إلى طلب العلم؛ إذ أنه أساس الإيمان، وكلما ازداد العبد علمًا ازداد إيمانًا وخشية قال تعالى ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨]، وقال تعالى ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾ [طه: ١١٤]، وجعَل تعلُّمَ العلم واجبًا على كل مسلم، فعن أنس بن مالك قال: قال

стр. 28

رسول الله ﷺ " طلب العلم فريضة على كل مسلم " (١). - ومنها: أنه فتح للعقل باب الاجتهاد، والبحث عن المسائل المستحدثة التي لم يرد فيها نص؛ لذا قال تعالى ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]، وغير ذلك من التشريعات التي شرعها الله تعالى لحفظ العقل وبيان أهميته. ٤ - حفظ العرض: إنَّ حفظ العرض من المقاصد العظيمة للشرع المطهر؛ إذ أنَّ المساس بالعرض يسبب نشر الفواحش في المجتمع، وانتشار العداوة والبغضاء بين أفراده، وذهاب الألفة والمودة التي يتميز بها المجتمع المسلم عن غيره من المجتمعات. لذا راعى الشرع ذلك في أحكام كثيرة منها: - أنه أمر بالدفاع عن الأعراض، وإن أدى ذلك إلى الموت، بل رغب في الدفاع عن الأعراض بذكر أجر من يموت وهو يدافع عنها، فقال ﷺ "من قُتل دون أهله فهو شهيد "(٢). - ومنها: أنه نهى وحذر من كل ما يخل بالحفاظ على الأعراض، وما يؤدي لاختلاط الأنساب، فنهى عن الزنا وجعل حده من أكبر الحدود وأكثرها زجرًا، فجعل أخفها للبكر جلد مائة وتغريب عام، وجعل أغلظها للثيب بالموت أبشع ميتة

стр. 29

ألا وهو الرجم بالحجارة. - ومنها: تشريع حد القذف، وعظَّم الله فيه فجعله ثمانين جلدة؛ إذ اتهام أعراض المسلمين بغير حق، أو بالشك، أو حتى بعلم نفسه واثنين معه، كل ذلك جعله الشرع قذفًا يحد عليه صاحبه؛ إذ أنَّ تلويث الأعراض بالكلام فيها أمر عظيم عند الله حتى وإن كان بحق. بل من رأى يقينًا مع وجود ثلاثة معه واكتمال حد الشهادة لم يوجب الله عليه أن يخبر بذلك؛ بل إنَّ الستر أولى للمذنب وللشاهد وللمجتمع. - ومنها: أن حرَّم مجرد النظر للنساء؛ إذ أنه باب الفواحش والآثام. - ومنها: أنه حرَّم الخلوة بالأجنبية؛ لأنَّه ما اجتمع رجل وامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما. - ومنها: تحريم مصافحة النساء؛ إذ اللمس أعظم أثرًا وجُرمًا من النظر، بل إنه من لوازمه. - ومنها: أن جعل أصل قرار المرأة في بيتها وعدم الاختلاط بالرجال، فقال تعالى ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣]. - ومنها: أنه منع من كل ما يثير العواطف ويحرك الوجدان لأي منهما نحو الآخر - بخلاف الزوج ونحوه -، ولو كان بالحُداء المباح، فعن أنس بن مالك ﵁ قال: كان للنبي ﷺ حادٍ يقال له أنجشة، وكان حسن الصوت، فقال له النبي صلى الله عليه و سلم " رويدك يا أنجشة لا تكسر القوارير ". قال قتادة: يعني ضعفة النساء (١). وغير ذلك من التشريعات والأحكام التي ترعى الأعراض وتراعيها، وتحفظ

стр. 30

على المجتمع استقراره وأمانه. ٥ - حفظ المال: وهو من الضروريات الخمس الهامة؛ إذ أنَّ الحياة لا تقوم بغير مال. ولما كان المال هو عماد الحياة ألزم الله بالحفاظ عليه وحفظه وعدم تعدي الحدود فيه، وشرع في ذات الوقت من النظم والتدابير ما يتدارك الآثار الضارة التي قد تنجم عن طغيان بعض الأفراد بهذا المال، ومن النظم التي وضعها لأجل ذلك نظام الزكاة والإرث والضمان الاجتماعي، وغير ذلك، ومن ثم اعتبر الإسلام المال ضرورة من ضروريات الحياة الإنسانية، وشرع من التشريعات والتوجيهات ما يشجع على اكتسابه وتحصيله، ويكفل صيانته وحفظه وتنميته، وذلك على النحو التالي: - الحث على السعي لكسب الرزق وتحصيل المعاش فقد حث الإسلام على كسب الأموال باعتبارها قوام الحياة الإنسانية قال تعالى ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)﴾ [الملك: ١٥]، وقال تعالى ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾ [الجمعة: ١٠]. - ومنها: أنه حث على العمل ورفع منزلته؛ إذ هو من صفات الأنبياء، قال رسول الله ﷺ " ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من عمل يده، وإنَّ نبي الله داود كان يأكل من عمل يده " (١). - ومنها: منع إنفاق المال في الوجوه غير المشروعة، وحث على إنفاقه في سبل الخير؛ وذلك لأنَّ المال مال الله وأنَّ الفرد مستخلف فيه ووكيل قال تعالى ﴿آمِنُوا

стр. 31

بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧)﴾ [الحديد: ٧]، وقال تعالى ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣]؛ ومن ثم كان على صاحب المال أن يتصرف في ماله في حدود ما رسمه له الشرع. - ومن ذلك: الدعوة إلى تنمية المال واستثماره حتى ينتفع به صاحبه وينتفع به المجتمع، وبناء على ذلك حرَّم الإسلام حبس الأموال عن التداول، وحارب ظاهرة الكنز، فقال تعالى ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤)﴾ [التوبة: ٣٤]. - ومن ذلك: شرع الله حد السرقة بقطع اليد إذا امتدت لمال الغير بدون وجه حق. - ومنها: جعل الدفاع عن هذا المال هو طريق الشهادة إن مات صاحبه وهو يدفع عن ماله، فعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يقول "من قُتل دون ماله فهو شهيد" (١). عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، أرأيتَ إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال "فلا تعطه مالك" قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال "قاتِلْه" قال: أرأيت إن قتلني؟ قال "فأنت شهيد"، قال: أرأيتَ إن قتلتُه؟ قال "هو في النار» (٢). - ومنها: حرم أكل أموال الناس بالباطل، فقال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩]. - ومنها: تحريم الربا لما فيه من أكل أموال الناس بغير حق قال تعالى ﴿وَأَحَلَّ

стр. 32

اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥)﴾ [البقرة: ٢٧٥]. - ومنها: حرَّم ﵎ القمار والميسر لما فيه من المجازفة بهذا المال، فقال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ [المائدة: ٩٠]. - ومنها: حرَّم الإسراف والتبذير في هذا المال، فقال تعالى ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ [الأعراف: ٣١]، بل جعل المسرفين والمبذرين من إخوان الشياطين، فقال تعالى ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧)﴾ [الإسراء: ٢٧]. - ومنها: منع الله تعالى من لا يحسن التصرف في ماله من التصرف فيه، وأمر بالحجر عليه فقال تعالى ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥)﴾ [النساء: ٥]. وغير ذلك من النظم والتشريعات التي شرعها الله تعالى ليحفظ بها المال ويرعى بها مصالح العباد. ثانيًا: الحاجيات: وهي أمور يحتاج إليها الناس لتحقيق مصالح هامة ويؤدي غيابها إلى المشقة والحرج. ومن ذلك: - إباحة البيع والشراء لحاجة الناس إليه، حيث إنه لا يوجد من يملك كل ما يحتاجه، فلابد من طريقة آمنة مشروعة لتبادل ملكية هذه الأشياء حتى تستمر الحياة ويقضي الناس أربَهم وحاجاتِهم؛ من هنا شرع الله البيع، وجعله وسيلة لنقل هذه الملكيات.

стр. 33

- ومنها: أباح الله تعالى الإجارة ونحوها لاحتياج الناس إليها؛ إذ أنَّ كثيرًا من الناس من يحتاج أشياء لينتفع بها، لكنه لا يملكها، ولا يستطيع أن يتملكها، فأذن الله بالإجارة وهي تمليك للمنفعة وليس تمليكًا للذات مراعاة لمصالح الناس. - ومنها: إجازة العارية لاحتياج الناس إليها؛ إذ أنَّ من الناس من لايستطيع أن يتملك ما يحتاجه، ولا يستطيع أن يتملك منفعته، فأذن الله بالعارية إذ هي تمليك انتفاع فقط وصورة من صور قضاء حاجات الناس، فيقضي أحدهم حاجته، ويأخذ الآخر أجره من الله، وتنتشر بذلك في المجتمع روح المودة والألفة والتعاون على البر والخير. - ومنها: عَلِم الله تعالى أنَّ من الناس من يملك مالًا، لكنه لا يحسن إدارة أموره لقلة خبرته أو لكثرة انشغاله، ومن الناس من لا يملك مالًا ولكنه يملك خبرة ووقتًا، فأجاز الله الشركة لمصلحة هذا ومصلحة ذاك. - ومنها: مشروعية الودائع حفاظًا على حاجات الناس وتعاونًا على البر والخير. - ومنها: تشريع الهبات والعطايا والوقف؛ إذ هي فتحٌ لأبواب الخير على أصحاب الأموال، وسدٌّ لحاجة الفقير مع حفظ ماء وجهه، وإغنائه عن السؤال، ومساعدة أهل العفة، وقضاء حاجاتهم. وغير ذلك من الحاجيات التي لما علم الله حاجة الناس إليها شرعها لهم. ثالثًا: التحسينات: التحسينات هي المتممات للأشياء. وليس المراد بها المستحبات فقط، بل قد تكون واجبات، وقد تكون مستحبات. - فمنها تشريع الولي في النكاح فإنه من تحسينات الزاوج؛ إذ يقبح أن تتولى المرأة أمر زواجها بنفسها، والولي من واجبات النكاح وشروطه التي لا يتم النكاح

стр. 34

إلا بها قال ﷺ "لا نكاحَ إلا بوليٍّ، والسلطانُ وليُّ من لا وليَّ له" (١). - ومنها: قص الشارب وهو من المستحبات. - ومنها: إزالة النجاسة وهي شرط للصلاة، وغيرها من التحسينات. • ومن هنا: تعلم أنَّ الشرع الحنيف ما ترك مصلحة إلا ودلنا على الاهتمام بها، وحفظها سواء كانت من الضروريات أو الحاجيات أو التحسينات، وما ترك مضرة أو مفسدة إلا وحذرنا منها ونهانا عنها. قال ابن القيم "وإذا تأملتَ الحكمة الباهرة في هذا الدين القويم والملة الحنيفية والشريعة المحمدية التي لا تنال العبارة كمالَها، ولا يدرك الوصف حسنَها، ولا تقترح عقولُ العقلاء - ولو اجتمعت وكانت على أكمل عقل رجل منهم - فوقَها، وحسب العقول الكاملة الفاضلة أن أدركت حسنها، وشهدت بفضلها، وأنه ما طرق العالمَ شريعةٌ أكمل ولا أجل ولا أعظم منها، فهي نفسها الشاهد والمشهود له، والحجة والمحتج له، والدعوى والبرهان، ولو لم يأت الرسول ﷺ ببرهان عليها لكفى بها برهانًا وآيةً وشاهدًا على أنها من عند الله، وكلها شاهدة له بكمال العلم، وكمال الحكمة، وسعة الرحمة والبر والإحسان والإحاطة بالغيب والشهادة، والعلم بالمباديء والعواقب، وأنها من أعظم نعم الله التي أنعم بها على عباده، فما أنعم عليهم بنعمة أجل من أن هداهم لها، وجعلهم من أهلها، وممن ارتضاهم لها، فلهذا امتن على عباده بأن هداهم لها، قال تعالى ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران: ١٦٤] (٢).

стр. 35

فكل أمر يأمر الله تعالى به لا بد أن يكون لحكمة بالغة، وأن تكون له مصلحة ومنفعة في الدنيا والآخرة، وكل نَهْي نَهَى عنه وزجر، فإنما هو لدفع مفسدته وضرره في الدنيا والآخرة، وإن تتبعنا المصالح التي دل الشرع عليها، والمفاسد التي درأها نجدها لا تكاد تُحصى، ونأخذ لذلك بعض الأمثلة. * من ذلك توحيد الله تعالى وعبادته: فمنافعه لا تكاد تُحصى في الدنيا والآخرة؛ حيث إنَّ كل مصلحة في الدنيا والآخرة هي من ثمرات هذا التوحيد. - ومن هذه المصالح: انشراح الصدور وصلاحها، وزوال آفاتها وأدرانها، ونيل السعادة في الدارين، يقول تعالى ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٩)﴾ [الزمر: ٢٩]، وهذامثل يضربه الله تعالى لعبدٍ مملوكٍ لسيدٍ واحدٍ يفعل ما يأمره به سيده، فهدفه واحد وهو إرضاء سيده، ومصدر تلقيه للأوامر واحد وهو سيده، وسيده يرضى منه بالقليل ويغفر له الزلل الكبير، ورجل آخر عند شركاء متشاكسين كل واحد منهم يأمر بأمر والآخر بخلافه، فهو متحير بينهم، فلا هو يستطيع الإبقاء على نفسه، ولا هو يستطيع إرضاءهم جميعًا، فهو في كد وتعب بدون رضا لأسياده عنه. - إنَّ الله تعالى هو الذي خلق الإنسان وهو وحده يعلم ما يصلحه، وهناك فرق بين أن تعبد غنيًّا عنك وأنت فقير محتاج إليه، وأن تعبد فقيرًا يحتاج إليك؛ لأنَّ الفقير المحتاج إن أعطاك شيئًا يعطيك على قدر ما تعطيه، أما الغني يعطيك على قدره سبحانه لأنه غني واسع الفضل والكرم. - ومن المصالح العظيمة المترتبة على التزام أمر الله تعالى وتوحيده محبة الناس: فعبادة العبد لله ومراقبته في الخلوات يجلب للعبد محبة الناس، وقد لا يعلم الناس سر ذلك، فمثلها كمثل الرائحة الطيبة التي يجدها الناس ولا يعلمون من أين أتت، وسُمِّي الإنسان إنسانًا لحبه الأنس، وأمتع ما يكون الأنس بالمؤمنين، ولا

стр. 36

يأنس إليه المؤمنون إلا بحبهم له، فإذا أنسو به وأنس بهم يحصل له كثيرٌ من المنافع في الدنيا والآخرة. ومحبة الناس علامة على محبة الله للعبد، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ " إنَّ الله إذا أحب عبدًا دعا جبريل فقال: إني أحب فلانًا فأحبه، قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، قال: ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبدًا دعا جبريل فيقول: إني أبغض فلانًا فأبغضه، قال فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء إنَّ الله يبغض فلانًا فأبغضوه، قال: فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء في الأرض " (١). - ومن منافع ذلك في الآخرة اجتماع المتحابين في الله تحت ظل عرش الرحمن. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إنَّ الله يقول يوم القيامة "أين المتحابون بجلالي، اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي" (٢). عن أبي مسلم الخولاني قال: قلت لمعاذ بن جبل: والله إني لأحبك لغير دنيا أرجو أن أصيبها منك ولا قرابة بيني وبينك قال: فلأي شيء؟ قلت: لله، قال: فجذب حبوتي ثم قال: أبشر إن كنتَ صادقًا فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول " المتحابون في الله في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله يغبطهم بمكانهم النبيون والشهداء"، ثم قال: فخرجتُ فأتيتُ عبادة بن الصامت فحدثته بحديث معاذ فقال عبادة بن الصامت: سمعت رسول الله ﷺ يقول عن ربه ﵎" حقت محبتي على المتحابين فيَّ، وحقت محبتي على المتناصحين فيَّ، وحقت محبتي على المتزاورين فيَّ، وحقت محبتي على المتباذلين فيَّ، وهم على منابر من نور يغبطهم

стр. 37

النبيون والصديقون بمكانهم" (١). وغير ذلك من المنافع التي لا تكاد تحصى. * ومن هذه المصالح الجمة ما يجده العبد في أوامر الله وتشريعاته كالصلاة والصيام وغيرها. - وهذا أمر مشاهد، ففي الصلاة مثلًا تجد من يصلي الفجر نشيطًا طيب النفس، أما من حُرمها تجده خبيث النفس كسلان. عن أبي هريرة ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد يضرب كل عقدة عليك ليل طويل، فارقد، فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقدة، فأصبح نشيطًا طيب النفس وإلا أصبح خبيث النفس كسلان" (٢). - وشرع لعباده الصلاة وجعلها مواضع الصلة والقرب بين العبد وربه، وجعلها قرة عين المسلم، وقضاء حاجاته. - وأمر بالاجتماع للصلاة ولغيرها من العبادات كما في الصلوات الخمس والجمع والأعياد ومشاعر الحج والاجتماع لذكر الله والعلم النافع؛ لما في الاجتماع من الاختلاط الذي يوجب التوادد والتواصل، وزوال التقاطع والأحقاد بينهم، ومراغمة الشيطان الذي يكره اجتماعهم على الخير، وحصول التنافس في الخيرات، واقتداء بعضهم ببعض، وتعلم بعضهم من بعض، وكذلك حصول الأجر الكثير الذي لا يحصل بالانفراد، وغير ذلك من المصالح والمنافع.

стр. 38

* وكذلك الزكاة تجلب للعبد المصالح الكثيرة سواء كانت مصالح خاصة للأفراد، أو مصالح عامة للمجتمع ومن ذلك: - تجلب الخير والبركة وتزيد الأموال؛ إذ هي في حقيقتها النماء. - تقي المال من المفاسد والأضرار وتطهره مما يلحقه لذا قال تعالى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ [التوبة: ١٠٣]. - تنشر الألفة والمودة بين المسلمين. - تنشر التعاون على البر والتقوى. - تجعل المجتمع المسلم كالجسد الواحد مترابط متواد يقضي المسلم حاجة أخيه وينفس عنه كربته في الدنيا. - وكذلك من فوائد الزكاة الهامة أنها تمنع السؤال، وتكفي الفقير طلب العطاء من الناس. - وكذلك تقلل الزكاة من نسبة الفقر في المجتمع المسلم. * ومن المصالح الهامة التي عني الشرع بها تشريع أمور دنيوية لا يستغني عنها الناس، ومنْعُ أمورٍ أخرى لما تجلبه عليهم من المفاسد والمضار. - ومن ذلك إباحته للبيع والعقود المباحه، لما فيها من العدل وحاجة الناس إليها، وجعل الأصل فيها الحل لكثرة احتياج الناس إليها. - ومنها: أباح عقود التجارة، وعقود المزارعة، وعقود المساقاة، وعقود الشركات، وغيرها من العقود لحاجة الناس إليها. - بل إنَّ هناك بعض العقود التي تخالف بعض الأصول العامة للمعاملات كبيع العرايا، وهو بيع التمر على الأرض برطب على رؤوس النخل، وهذا فيه بعض

стр. 39

الجهالة، ولكنَّ الله تعالى للطفه لمَّا علم حاجة بعض الناس إليها ممن لا يملكون رطبًا ولا نخلًا أجاز لهم ذلك، فسبحانه اللطيف الخبير. * وحرم كذلك بعض العقود الأخرى لما فيها من المفاسد والأضرار: - منها: حرم بيع المجهول لما فيه من المجازفة والظلم لأحد الأطراف. - ومنها: حرم البيع على بيع أخيه لما فيه من نشر البغضاء والعداوة بين أفراد المجتمع. - ومنها: حرم الربا لما فيه من الظلم والفساد للفرد والمجتمع، ومن المفاسد المترتبة على الربا منع القرض الحسن وعدم التعاون على البر والخير. - ومنها: حرم البيع وقت نداء الجمعة لما فيه من انشغال العبد بالدنيا عما عند الله من الخير، وغير ذلك. ومما سبق يُعلم أنَّ الدين مبني على المصالح، وأنَّ الله جل وعلا لا يأمر بشيء تعنتًا ولا تعذيبًا لعباده حاشاه ، يقول تعالى ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)﴾ [النساء: ١٤٧]، فالله ﵎ ما يريد إلا جلب المصالح للناس ودفع المفاسد والمضار عنهم. وتتفرع من هذه القاعدة العامة والهامة قاعدة تضبط مسائلها، وتحل بعض إشكالاتها ألا وهي: • قاعدة التزاحم: * أولًا: تزاحم المصالح: تزاحم المصالح هو: أن يجتمع عدد من المصالح في حق شخص واحد في وقت واحد، ولا يمكن الجمع بينها، ولابد أن يفعل واحدة منها، فعليه أن يختار المصلحة الأعلى، وهذه القاعدة تشبه قاعدة هامة من القواعد الأصولية ألا وهي

стр. 40

قاعدة " تزاحم الواجبات"، "تزاحم الواجب مع السنة". قال ابن تيمية "والشرع دائمًا يرجح خير الخيرين بتفويت أدناهما، ويدفع شر الشرين بالتزام أدناهما" (١). وقد يكون هذا العمل مفضولًا في ذاته لكنه يفضل عند التزاحم، فهناك أعمال فاضلة في ذاتها ، ولكن هذا العمل الفاضل في ذاته ليس معناه أن يكون فاضلًا بالنسبة لكل شخص أو بالنسبة لكل زمن. مثال: القرآن في ذاته أفضل الذكر، ولكن عند دخول الخلاء أفضل الذكر للعبد أن يقول: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث، عن أنس ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء قال "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" (٢). فمع أنه مفضول بالنسبة للقرآن لكنه بالنسبة لهذا المكان صار فاضلًا. مثال آخر: تقديم إمام مفضول على آخر فاضل؛ لأنَّ هذا المفضول قد يكون مقبولًا عند الناس، وقد يخمد تقديمه فتنة معينة، فيكون تقديمه ليس لفضله في ذاته وإنما لعارض. يقول الإمام أحمد ﵀: " لما سئل عن بعض الأعمال؟ قال: انظر إلى ماهو أصلح لقلبك فافعله " (٣)، وهذا أمر واقع وملحوظ، تجد بعض الناس يؤثر فيه الصيام، والبعض يؤثر فيه القيام، والبعض يتأثر بطلب العلم، فكل إنسان يأخذ الأصلح له، وإن كان مفضولًا في ذاته.
следующие страницы →