← Каваид фикха

Каваид фикха · id 30131

الرسالة الندية في القواعد الفقهية

عبد الفتاح مصيلحي

Полный текст (152 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

يأنس إليه المؤمنون إلا بحبهم له، فإذا أنسو به وأنس بهم يحصل له كثيرٌ من المنافع في الدنيا والآخرة. ومحبة الناس علامة على محبة الله للعبد، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ " إنَّ الله إذا أحب عبدًا دعا جبريل فقال: إني أحب فلانًا فأحبه، قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، قال: ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبدًا دعا جبريل فيقول: إني أبغض فلانًا فأبغضه، قال فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء إنَّ الله يبغض فلانًا فأبغضوه، قال: فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء في الأرض " (١). - ومن منافع ذلك في الآخرة اجتماع المتحابين في الله تحت ظل عرش الرحمن. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إنَّ الله يقول يوم القيامة "أين المتحابون بجلالي، اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي" (٢). عن أبي مسلم الخولاني قال: قلت لمعاذ بن جبل: والله إني لأحبك لغير دنيا أرجو أن أصيبها منك ولا قرابة بيني وبينك قال: فلأي شيء؟ قلت: لله، قال: فجذب حبوتي ثم قال: أبشر إن كنتَ صادقًا فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول " المتحابون في الله في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله يغبطهم بمكانهم النبيون والشهداء"، ثم قال: فخرجتُ فأتيتُ عبادة بن الصامت فحدثته بحديث معاذ فقال عبادة بن الصامت: سمعت رسول الله ﷺ يقول عن ربه ﵎" حقت محبتي على المتحابين فيَّ، وحقت محبتي على المتناصحين فيَّ، وحقت محبتي على المتزاورين فيَّ، وحقت محبتي على المتباذلين فيَّ، وهم على منابر من نور يغبطهم

стр. 37

النبيون والصديقون بمكانهم" (١). وغير ذلك من المنافع التي لا تكاد تحصى. * ومن هذه المصالح الجمة ما يجده العبد في أوامر الله وتشريعاته كالصلاة والصيام وغيرها. - وهذا أمر مشاهد، ففي الصلاة مثلًا تجد من يصلي الفجر نشيطًا طيب النفس، أما من حُرمها تجده خبيث النفس كسلان. عن أبي هريرة ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد يضرب كل عقدة عليك ليل طويل، فارقد، فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقدة، فأصبح نشيطًا طيب النفس وإلا أصبح خبيث النفس كسلان" (٢). - وشرع لعباده الصلاة وجعلها مواضع الصلة والقرب بين العبد وربه، وجعلها قرة عين المسلم، وقضاء حاجاته. - وأمر بالاجتماع للصلاة ولغيرها من العبادات كما في الصلوات الخمس والجمع والأعياد ومشاعر الحج والاجتماع لذكر الله والعلم النافع؛ لما في الاجتماع من الاختلاط الذي يوجب التوادد والتواصل، وزوال التقاطع والأحقاد بينهم، ومراغمة الشيطان الذي يكره اجتماعهم على الخير، وحصول التنافس في الخيرات، واقتداء بعضهم ببعض، وتعلم بعضهم من بعض، وكذلك حصول الأجر الكثير الذي لا يحصل بالانفراد، وغير ذلك من المصالح والمنافع.

стр. 38

* وكذلك الزكاة تجلب للعبد المصالح الكثيرة سواء كانت مصالح خاصة للأفراد، أو مصالح عامة للمجتمع ومن ذلك: - تجلب الخير والبركة وتزيد الأموال؛ إذ هي في حقيقتها النماء. - تقي المال من المفاسد والأضرار وتطهره مما يلحقه لذا قال تعالى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ [التوبة: ١٠٣]. - تنشر الألفة والمودة بين المسلمين. - تنشر التعاون على البر والتقوى. - تجعل المجتمع المسلم كالجسد الواحد مترابط متواد يقضي المسلم حاجة أخيه وينفس عنه كربته في الدنيا. - وكذلك من فوائد الزكاة الهامة أنها تمنع السؤال، وتكفي الفقير طلب العطاء من الناس. - وكذلك تقلل الزكاة من نسبة الفقر في المجتمع المسلم. * ومن المصالح الهامة التي عني الشرع بها تشريع أمور دنيوية لا يستغني عنها الناس، ومنْعُ أمورٍ أخرى لما تجلبه عليهم من المفاسد والمضار. - ومن ذلك إباحته للبيع والعقود المباحه، لما فيها من العدل وحاجة الناس إليها، وجعل الأصل فيها الحل لكثرة احتياج الناس إليها. - ومنها: أباح عقود التجارة، وعقود المزارعة، وعقود المساقاة، وعقود الشركات، وغيرها من العقود لحاجة الناس إليها. - بل إنَّ هناك بعض العقود التي تخالف بعض الأصول العامة للمعاملات كبيع العرايا، وهو بيع التمر على الأرض برطب على رؤوس النخل، وهذا فيه بعض

стр. 39

الجهالة، ولكنَّ الله تعالى للطفه لمَّا علم حاجة بعض الناس إليها ممن لا يملكون رطبًا ولا نخلًا أجاز لهم ذلك، فسبحانه اللطيف الخبير. * وحرم كذلك بعض العقود الأخرى لما فيها من المفاسد والأضرار: - منها: حرم بيع المجهول لما فيه من المجازفة والظلم لأحد الأطراف. - ومنها: حرم البيع على بيع أخيه لما فيه من نشر البغضاء والعداوة بين أفراد المجتمع. - ومنها: حرم الربا لما فيه من الظلم والفساد للفرد والمجتمع، ومن المفاسد المترتبة على الربا منع القرض الحسن وعدم التعاون على البر والخير. - ومنها: حرم البيع وقت نداء الجمعة لما فيه من انشغال العبد بالدنيا عما عند الله من الخير، وغير ذلك. ومما سبق يُعلم أنَّ الدين مبني على المصالح، وأنَّ الله جل وعلا لا يأمر بشيء تعنتًا ولا تعذيبًا لعباده حاشاه ، يقول تعالى ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)﴾ [النساء: ١٤٧]، فالله ﵎ ما يريد إلا جلب المصالح للناس ودفع المفاسد والمضار عنهم. وتتفرع من هذه القاعدة العامة والهامة قاعدة تضبط مسائلها، وتحل بعض إشكالاتها ألا وهي: • قاعدة التزاحم: * أولًا: تزاحم المصالح: تزاحم المصالح هو: أن يجتمع عدد من المصالح في حق شخص واحد في وقت واحد، ولا يمكن الجمع بينها، ولابد أن يفعل واحدة منها، فعليه أن يختار المصلحة الأعلى، وهذه القاعدة تشبه قاعدة هامة من القواعد الأصولية ألا وهي

стр. 40

قاعدة " تزاحم الواجبات"، "تزاحم الواجب مع السنة". قال ابن تيمية "والشرع دائمًا يرجح خير الخيرين بتفويت أدناهما، ويدفع شر الشرين بالتزام أدناهما" (١). وقد يكون هذا العمل مفضولًا في ذاته لكنه يفضل عند التزاحم، فهناك أعمال فاضلة في ذاتها ، ولكن هذا العمل الفاضل في ذاته ليس معناه أن يكون فاضلًا بالنسبة لكل شخص أو بالنسبة لكل زمن. مثال: القرآن في ذاته أفضل الذكر، ولكن عند دخول الخلاء أفضل الذكر للعبد أن يقول: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث، عن أنس ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء قال "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" (٢). فمع أنه مفضول بالنسبة للقرآن لكنه بالنسبة لهذا المكان صار فاضلًا. مثال آخر: تقديم إمام مفضول على آخر فاضل؛ لأنَّ هذا المفضول قد يكون مقبولًا عند الناس، وقد يخمد تقديمه فتنة معينة، فيكون تقديمه ليس لفضله في ذاته وإنما لعارض. يقول الإمام أحمد ﵀: " لما سئل عن بعض الأعمال؟ قال: انظر إلى ماهو أصلح لقلبك فافعله " (٣)، وهذا أمر واقع وملحوظ، تجد بعض الناس يؤثر فيه الصيام، والبعض يؤثر فيه القيام، والبعض يتأثر بطلب العلم، فكل إنسان يأخذ الأصلح له، وإن كان مفضولًا في ذاته.

стр. 41

* ثانيًا: تزاحم المفاسد: إذا تزاحم عدد من المفاسد فُوِّتت المفسدة الأعظم. وهذه القاعدة تتشابه مع قاعدة أصولية ألا وهي قاعدة "تزاحم المحرمات". مثال: عن أنس بن مالك ﵁ قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله ﷺ : مه مه، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تزرموه دعوه» فتركوه حتى بال، ثم إنَّ رسول الله ﷺ دعاه، فقال له «إنَّ هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول، ولا القذر إنما هي لذكر الله ، والصلاة، وقراءة القرآن» قال: فأمر رجلًا من القوم فجاء بدلو من ماء فشنه عليه" (١). فهنا تزاحم في حقه محرمان: الأول البول في المسجد، والثاني إيذاء المسلم بقطع بوله، فقدم النبي ﷺ المحرم الأدنى وهو البول في المسجد، وفوَّت الأعلى وهي إيذاء المسلم. وقد تكون المفسدة الأعظم هنا هي زيادة المحرم؛ لأنَّ الأعرابي ما بال في المسجد إلا لأنه لا يعلم أنَّ البول في المسجد حرام، فلما زجره الصحابة، وصاحوا به قال لهم النبي ﷺ " دعوه لاتزرموه " أي: لا تقطعوا عليه بوله؛ لأنَّ زجره مع عدم العلم قد يؤدي لنفوره فيسبب زيادة للنجاسة في المسجد؛ ولذا قدم النبي ﷺ المفسدة الأدنى وهي البول في مكان واحد في المسجد، فهو أولى من البول في أماكن متعددة.

стр. 42

المبحث الرابع القواعد الكبرى الخمس: - القاعدة الأولى: الأمور بمقاصدها. - القاعدة الثانية: المشقة تجلب التيسير. - القاعدة الثالثة: اليقين لا يزول بالشك. - القاعدة الرابعة: العادة محكَّمة. - القاعدة الخامسة: الضرر يُزال.

стр. 43

القاعدة الكبرى الأولى الأمور بمقاصدها والمعنى: أنَّ الأمور بنياتها، أي تعود إلى نياتها في أجرها، وفي صحتها، وفي قبولها. ويدل لها قول النبي ﷺ "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" (١). عن سعد بن أبي وقاص أنَّ النبي ﷺ قال " إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تجعل في في امرأتك " (٢). عن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ يوم فتح مكة "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا " (٣). عن عقبة بن عامر: أنَّ النبي ﷺ قال " إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة الجنة: صانعه المحتسب فيه الخير، والرامي به، ومنبله " (٤). عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: "من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم فيصلي من الليل، فغلبته عيناه حتى يصبح كتب له ما نوى، وكان نومه صدقة عليه من ربه

стр. 44

" (١). عن أبي موسى الأشعري أنَّ رجلًا سأل رسول الله ﷺ ، عن القتال في سبيل الله ، فقال: الرجل يقاتل غضبًا، ويقاتل حمية، قال: فرفع رأسه إليه، وما رفع رأسه إليه إلا أنه كان قائمًا، فقال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله" (٢). وقد فرق الشرع بين القاتل عمدًا والقاتل خطأً بالنيَّة، وبين من وطئ أجنبية متعمدًا ومن وطئها يظنها زوجته بالنية. وكان رسول الله ﷺ يسأل عن العمل المخالف في ظاهره للبحث عن النية، كقوله لكعب بن مالك لما تخلف عن غزوة تبوك " ما خلفك " (٣)، وقوله لحاطب لما أرسل رسالة لأهل مكة يخبرهم بقدوم النبي ﷺ لهم "يا حاطب ما هذا؟ "، قال: يا رسول الله، لا تعجل عليَّ إني كنت امرأً ملصقًا في قريش، ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون بها أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم، أن أتخذ عندهم يدًا يحمون بها قرابتي، وما فعلت كفرًا ولا ارتدادًا، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام، " (٤). ولأهمية النية علق بها النبي ﷺ العمل فقال ﷺ " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ....... " (٥).

стр. 45

ولذا جُعلَت الأحكام مرتبطة بنياتها ونقل ابن تيمية ﵀ الاتفاق على ذلك فقال " لو تكلم بلسانه بخلاف ما نوى في قلبه كان الاعتبار بما نوى في قلبه، ولو تكلم بلسانه ولم تحصل النية في قلبه لم يجزئ في ذلك بالاتفاق " (١). قال الإمام أحمد بن حنبل إنَّ حديث " إنما الأعمال بالنيات ......... " ثلث العلم، وقال أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث: حديث " الأعمال بالنية "، وحديث " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد "، وحديث "الحلال بين والحرام بين ............. " (٢). قال أبو داود: مدار السنة على أربعة أحاديث، حديث " الأعمال بالنيات "، وحديث " من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه "، وحديث " الحلال بيِّن والحرام بيِّن "، وحديث " إن الله طيِّب لا يقبل إلا طيِّبًا "، وفي لفظ عنه يكفي الإنسان لدينه أربعة أحاديث، فذكرها وذكر بدل الأخير حديث " لا يكون المؤمن مؤمنًا حتى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه " (٣)، قال الدارقطني أصول الأحاديث أربعة " الأعمال بالنيات "، وحديث"من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه "، وحديث " الحلال بيِّن ..... "، وحديث " ازهد في الدنيا يحبك الله ..... " (٤). قال ابن مهدي: حديث النية يدخل في ثلاثين بابًا من العلم (٥). قال الشافعي: حديث النية يدخل في سبعين بابًا من الفقه (٦).

стр. 46

تعريف النية: لغة: القصد. شرعًا: القصد المقترن بالفعل. * الشرط الشرعي أنواع: ١ - شرط قبول: وهو الذي يقبل به العمل. ٢ - شرط صحة: وهو الذي يصح به العمل. ٣ - شرط وجوب: وهو الذي يجب به العمل. س: ما معنى إنما الأعمال بالنيات؟ ج: إنما صحة الأعمال بالنيات، فالنية شرط لصحة العمل. - محل النية: النية محلها القلب، قال ابن تيمية "محل النية القلب دون اللسان باتفاق أئمة المسلمين في جميع العبادات" (١). - مراتب النية: ١ - تمييز العبادة عن العادة. ٢ - تمييز العبادات بعضها عن بعض. المرتبة الأولى: تمييز العادة عن العبادة: فالوضوء قد يكون نظافة أو تبردًا، وقد يكون عبادة، وذلك بحسب النية. والامتناع عن الطعام والشراب من طلوع الفجر إلى الغروب، إن كان بنية الصيام فهو عبادة، وإلا فلا.

стр. 47

س: هل الأذان يحتاج إلى نية؟ ج: النية تفرق بين الأعمال التي قد تكون عادة وقد تكون عبادة، أما العمل الذي لا يكون إلا عبادة (كالأذان) فلا يحتاج إلى نية في صحته، أما في الأجر فيحتاج إلى نية، فهناك فرق بين أجر العمل، وصحة العمل. س: هل التروك تحتاج إلى نية؟ ج: لا تحتاج إلى نية في صحة التروك، أما في ثواب الترك وأجره فإنها تحتاج إلى نية. المرتبة الثانية: تمييز العبادات بعضها عن بعض: فتميز الفرض عن النفل، وتميز الفروض بعضها عن بعض، وتميز الراتبة عن السنة المطلقة، وغير ذلك. القواعد المندرجة تحت القاعدة الكبرى الأولى: * القاعدة الأولى: قاعدة التداخل: إذا اجتمع عملان من جنس واحد وكانت أعمالهما متفقة ومقصودهما واحدًا اكتُفي بأحدهما ودخل فيه الآخر. عن عائشة ﵂: أنها أهلت بعمرة فقدمت ولم تطف بالبيت حتى حاضت، فنسكت المناسك كلها وقد أهلت بالحج، فقال لها النبي ﷺ يوم النفر " يسعك طوافك لحجك وعمرتك " فأبت فبعث بها مع عبد الرحمن إلى التنعيم فاعتمرت بعد الحج (١).

стр. 48

* ويتفرع على ذلك مسائل منها: - إذا دخل المسجد، وصلى الراتبة ونوى بهما الراتبة والتحية أجزأ عنه. - ومنها: سنة الوضوء إذا نوى بها الراتبة أجزأ عنه. - ومنها: القارن يكفيه لحجه وعمرته طواف واحد وسعي واحد. ومن فروعها أيضًا: - لو أخر الحاج طواف الإفاضة إلى قبيل الخروج قيل إنَّ طواف الوداع يدخل في طواف الإفاضة، وقيل لا يدخل؛ لأنَّ المقصد مختلف. - ومنها: غسل اليدين قبل الوضوء وعند الاستيقاظ من النوم إذا اجتمعا يدخل أحدهما في الآخر. - ومنها: إذا اجتمع للمرأة غسل الحيض والجنابة يدخل أحدهما في الآخر. - ومنها: غسل الجمعة والجنابة إذا اجتمعا يدخل أحدهما في الآخر. - ومنها: لو تعدد السهو في صلاة أكثر من مرة يسجد سجدتين فقط؛ فالمقصود واحد والجنس واحد. - ومنها: إذا اجتمع طواف الإفاضة وطواف القدوم أغنى طواف الإفاضة عن طواف القدوم. * القاعدة الثانية: من تعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه: قال السيوطي" وكنت أسمع شيخنا علم الدين البلقيني يذكر عن والده أنه زاد في القاعدة لفظًا قال " من استعجل الشيء قبل أوانه ولم تكن المصلحة في ثبوته عوقب بحرمانه"، كما لو حدثت الفرقة بين الزوجين بسبب ردتها، فقيل لا تقع الفرقة أصلًا معاملة لها بضد مقصودها، وقيل لو أسلمت لا تُزوج غيره بل تجبر

стр. 49

على العودة إليه (١). العجلة: هي السرعة، وغالب ما جاءت العجلة في الشرع جاءت مذمومة؛ إذ هي دليل الشهوة وإرادة العاجلة. * التعجيل نوعان: ١ - تعجيل قبل الوقت: وهذا هو المقصود بالقاعدة. ٢ - تعجيل في بداية الوقت: كتعجيل الإفطار للصائم في أول الوقت، وهذا لا تشمله القاعدة. ويشهد للقاعدة: نهي النبي ﷺ عن تخليل الخمر بوضع شيء فيها؛ لأنه تعجل تخليلها، بخلاف ما لو خللت وحدها فإنه جائز. عن أنس بن مالك أنَّ النبي ﷺ سُئِل عن الخمر تُتخذ خلًّا فقال: لا " (٢)، والمعنى: تُحول إلى خل بوضع شيء فيها. أما إذا صارت خلًّا وحدها أي بغير وضع شيء فيها حلَّت بالإجماع، قال شيخ الإسلام ﵀ "وقد اتفقوا كلُّهم على الخمر إذا صارت خلَّا بفعل الله تعالى صارت حلالًا طيبًا " (٣). ومن فروعها: - ما أفتى به عمر ﵁ " أنَّ الرجل إذا تزوج المرأة في العدة تحرم عليه أبدًا " (٤). وقال ابن تيمية: لمل سئل عن رجل خطب امرأة في العدة؟

стр. 50

فأجاب: لا يجوز التصريح بخطبة المعتدة ولو كانت في عدة وفاة باتفاق المسلمين، فكيف إذا كانت في عدة من طلاق، ومن فعل ذلك يستحق العقوبة التي تردعه وأمثاله عن ذلك، فيعاقب الخاطب والمخطوبة جميعًا ويزجر عن التزوج بها معاقبة له بنقيض قصده (١). - من قتل مورَّثه عمدًا عدوانًا لا يرث قال ﷺ "القاتل لا يرث " (٢). وحكى ابن المنذر الإجماع على أنَّ القاتل عمدًا لا يرث من مال من قتله ولا من ديته شيئًا (٣). - ومن فروعها أيضًا: التعجل في طلب العلم يحرم طالب العلم من كثير من الخير، فالعلم يحتاج إلى عمل وجهد، ولكنه لا يحتاج إلى تعجل، والتعجل هو تعلم الأشياء قبل وقتها. - ومنها: التعجل في الصلاة كالذي يركع أو يسجد قبل الإمام، قال بعض الفقهاء عليه إعادة الصلاة؛ لأنها بطلت بتعجله على الإمام. - ومنها: لو طلق امرأته في مرض موته لحرمانها من الميراث فإنها ترث. - ومنها: إذا قتل العبد المدبر سيده لا يعتق. - ومنها: إذا قتل الموصَى له الموصِي يُحرم من الوصية. وذكر الإمام السيوطي لذلك شاهدًا في النحو أنَّ اسم الفاعل يعمل عمل الفعل

стр. 51

ولكن بشروط: منها ألا يوصف قبل العمل فإن وصف قبل العمل لا يعمل (١). تنبيه: تعجل الشيء قبل أوانه مذموم بكل حال إلا ما أذن فيه الشرع: ومن ذلك: التعجيل في الزكاة: فإنه دليل السبق بالخير والإسراع إليه؛ لذا أجازه النبي ﷺ ، عن علي ﵁ " أنَّ العباس سأل رسول الله ﷺ في تعجيل صدقته قبل أن تحل فرخص له في ذلك " (٢). * القاعدة الثالثة: الوسائل لها أحكام المقاصد: تعريف الوسيلة: هي الذريعة الموصلة للشيء المطلوب. المقصد: هو الشيء المطلوب. وهي من القواعد المتشابهة مع قواعد أصول الفقه مثل قاعدة: ١ - ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ٢ - ما لا يتم المندوب إلا به فهو مندوب. ومن فروعها: - غسل بعض شعر الرأس مع الوجه في الوضوء، فالمقصد غسل الوجه وهو واجب، وغسل بعض شعر الرأس مع الوجه وسيلة للتيقن من غسل جميع الوجه؛ فلها حكم غسل الوجه وهو الوجوب. - ومنها: السواك مندوب، فإن لم يتم استعماله إلا بالشراء يكن الشراء مندوبًا. - ومنها: ضبط المنبه لقيام الليل فقيام الليل مندوب، وضبط المنبه وسيلة

стр. 52

للقيام فيكون له حكم المقصد ألا وهو القيام، فيكون ضبط المنبه مندوبًا. إذًا الوسيلة لها حكم المقصد: هذا في باب المأمورات. وهو كذلك في باب المنهيات، فالمقصد المنهي عنه يمنع كل وسيلة تؤدي إليه. وهذه القاعدة تشبه القاعدة الأصولية التي يعبر عنها الأصوليون بقولهم: ما لا يتم ترك الحرام إلا بتركه فتركه واجب. والمعنى: لو أنَّ إنسانًا لا يستطيع ترك الحرام إلا بترك وسيلة معينة كان ترك هذه الوسيلة واجبًا وفعلها حرامًا. مثال: الزنا حرام، فيحرم كل وسيلة تؤدي إليه. - ومنها: شراء التلفاز إذا كان سيوصل إلى الحرام فشراؤه حرام، وغير ذلك.

стр. 53

القاعدة الكبرى الثانية المشقة تجلب التيسير إنَّ التيسير سمة عامة في الشريعة الإسلامية وأحكام الإسلام، وقد يزداد هذا التيسير إن كان هناك حرج أو مشقة طارئة، وهذا معنى القاعدة، أي أنَّ المشقة تجلب تيسيرا زائدًا عن التيسير العادي. قال ﷺ " إنَّ دين الله يسر " (١)، وقال ﷺ " إني أُرسلتُ بحنيفية سمحة " (٢)، وقال ﷺ " أَحبُّ الدين إلى الله الحنيفية السمحة " (٣)، وعن عائشة ﵂ قالت "ما خُيِّر رسول الله ﷺ بين أمرين، أحدهما أيسر من الآخر، إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا، كان أبعد الناس منه" (٤).

стр. 54

- قال الإمام الشافعي: كلما ضاق الأمر اتسع (١). مثال: لو أنَّ إنسانًا لا يستطيع القيام في الصلاة، اتسع له الأمر وجاز له القعود، ولو أنَّ إنسانًا لا يستطيع الصيام اتسع له الأمر وجاز له الإفطار، وهكذا. تنبيه: ضابط التيسير الذي تجلبه المشقة أن يُذهب الحرج ويرفع المشقة الخارجة عن المعتاد. * اليُسر نوعان: - يُسر اعتيادي: وهو المصاحب لجملة الأحكام الشرعية؛ إذ أنَّ الأحكام الشرعية في ذاتها ميسرة وفي مقدرة الناس أجمعين في العادة؛ إذ أنَّ الله تعالى لايكلف نفسًا إلا وسعها. ومن اليسر العام للشريعة المطهرة أن جُعلت الصلوات خمسة فروض فقط، وجُعل الصيام شهرًا في العام، وجُعل الحج واجبًا مرة في العمر، وغير ذلك. - يُسر طارئ: وهو يُسر زائد عن اليسر العادي، وهو يُسر لأصحاب الحاجات والأعذار، والمصاحب للمشقة الطارئة والزائدة عن المشقة المعتادة للعبادة. * أنواع المشقة: والداعي لبيان أنواع المشقة أنه ليس كل مشقة جالبة للتيسير، حيث إنَّ المشقة أنواع، فمنها مؤثر في التخفيف ومنها غير مؤثر. ١ - مشقة لا تنفك عن العبادة أبدًا: فهذه لا تجلب التيسير- المراد هنا التيسير الزائد عن التيسير العادي -، ولو اعتُبرت المشقة المعتادة لما قام تكليف، مثل مشقة الصيام في الحر، ومشقة الحج، فهذه ملازمة لها ولا تنفك عنها، فهذه المشقة لا أثر لها في التخفيف.

стр. 55

٢ - مشقة تنفك عن العبادة: وهي ثلاث صور: أ- المشقة العظيمة: فهذه تجلب التيسير، كمشقة المسافر الصائم الذي يسبب له الصيام أذى أومرضًا، فيسقط عنه وجوب الصيام، وعليه عدة من أيام أُخر، بل قد يجب عليه الإفطار لذا قال ﷺ في مثل هذه الحالة لما وجد رجلًا مغشيًّا عليه من الصوم في السفر " ليس من البر الصيام في السفر" (١). ب- المشقة اليسيرة: فهذه لا تجلب التيسير كأن يشتكي الصائم من ألم في إصبعه، فهذه لا أثر لها. ج - المشقة المتوسطة: فهذه المشقة على حسب ما تقترب منه من النوعين السابقين، فإذا زادت حتى وصلت للمشقة العظيمة تأخذ حكمها، وإذا خفَّت حتى وصلت إلى اليسيرة تأخذ حكمها، مثال: ألم الضرس لو زاد حتى يكون عظيمًا فيجلب التيسير، وإذا خفَّ حتى يكون يسيرًا لا يجلب التيسير. * أسباب التخفيف: - السفر: ويحدث التخفيف فيه بالجمع والقصر والإفطار، ونحو ذلك. - المرض: يحدث التخفيف فيه بالتيمم، والجمع بين الصلاتين، والقعود في الصلاة والاضطجاع، ونحو ذلك. - الجهل: وهو مناط التخفيف؛ إذ العلم مناط التكليف قال تعالى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١٥)﴾ [التوبة: ١١٥]، وقال النبي ﷺ للمسيء في صلاته "ارجع فصلِّ فإنك

стр. 56

لم تصلِّ " (١)، فلما قال "لا أحسن غيرها" عُلم أنَّ جميع صلاته كانت على هذا الحال، ومع ذلك لم يأمره النبي ﷺ بقضاء ما فات لجهله. - النسيان: وهو رافع للتكليف، وسبب للتخفيف، حتى الصلاة التي هي أعظم الفرائض إن نسيها خفف الله عنه ولم يؤاخذه بها قال تعالى ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ [طه: ١٤]، بل تخفيفًا من الله تعالى أن نقل الله الوقت للناسي، وجعل وقت العبادة هو وقت التذكر قال ﷺ "من نسي صلاة، أو نام عنها، فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها" (٢). - الخوف: وهو من أسباب التخفيف فشرع الله تعالى له صلاة تسمى صلاة الخوف بصور مختلفة ومتعددة؛ مدارها على حال الخائف، وما يحيط به من المخاوف. - الإكراه: وهو سبب من أسباب التخفيف؛ إذ أنَّ الله تعالى ترك للعبد الاختيار في الطاعة والمعصية ولا يؤاخذه إلا بما فعل باختياره؛ لذا قال تعالى ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)﴾ [النحل: ١٠٦]، وعن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر عن أبيه قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر، فلم يتركوه حتى سبَّ النبي ﷺ ، وذكر آلهتهم بخير، ثم تركوه، فلما أتى رسول الله ﷺ قال: ما وراءك قال: شرٌّ يارسول الله ما تُركتُ حتى نلتُ منك و ذكرتُ آلهتهم بخير قال: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئن بالإيمان قال: إن عادوا فعد (٣).

стр. 57

وحكى ابن حزم الإجماع على" أنَّ المكرَه على الكفر، وقلبه مطمئن بالإيمان، أنه لا يلزمه شيء من الكفر عند الله" (١). * صور التخفيف: - تخفيف إسقاط: أي تسقط العبادة بغير بدل، مثل سقوط الحج عند عدم الاستطاعة. - تخفيف نقص: مثل القصر في الصلاة. - تخفيف إبدال: مثل التيمم، المسح على الخفين. - تخفيف تقديم: مثل جمع التقديم في الصلاة. - تخفيف تأخير: مثل جمع التأخير في الصلاة. - تخفيف ترخيص: مثل الترخيص في الخمر لمن عنده غصة. - تخفيف تغيير: مثل صلاة الخوف.

стр. 58

القاعدة الكبرى الثالثة اليقين لا يزول بالشك والمعنى: أنَّ اليقين لا يتغير إلا بيقين مثله ولا يؤثر فيه مجرد الشك. لذا ذم الله تعالى من اتبع الظن وترك الحق المتيقن، فقال تعالى ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨)﴾ [النجم: ٢٨]. عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ " إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى ثلاثًا أم أربعًا، فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسًا شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتمامًا لأربع كانتا ترغيمًا للشيطان» (١). ولا يوجد مع اليقين شك، ولكنَّ المعنى استصحاب الأصل المتيقن. وفي معنى هذه القاعدة قولهم: _ الأصل بقاء ما كان على ما كان: - فمن تيقن الطهارة وشك في الحدث فهو متطهر. - من تيقن الحدث وشك في الطهارة فهو محدث. - ومن ذلك: من أكل في آخر الليل وشك في طلوع الفجر صح صومه. - ومنها: من أكل في آخر النهار بلا اجتهاد وشك في الغروب بطل صومه؛ لأنَّ الأصل بقاء النهار.

стр. 59

- ومنها: من اشترى ماءً وادعى نجاسته فالقول قول البائع؛ لأنَّ الأصل طهارة الماء. - ومنها: لو اشتبهت امرأة أجنبية بالزوجة فالأصل أنها أجنبية، فلا تحل إلا بعقد وولي وشاهدي عدل، فكونها أجنبية يقين لأنه الأصل، ولا يزول اليقين بالشك، بل بيقين مثله. ويندرج تحت هذه القاعدة بعض الضوابط منها: * الأصل في المياه الطهارة: والدليل على ذلك: قال تعالى ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨)﴾ [الفرقان: ٤٨]، قال ﷺ " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " (١). وقال ﷺ " اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد" (٢). وقال رسول الله ﷺ " الماء طهور لا ينجسه شيء " (٣). وكان هذا هو فهم الصحابة ﵃ وفعلهم. قال ابن تيمية: وثبت عن عمر بن الخطاب ﵁ " أنه مر هو وصاحب له بمكان، فسقط على صاحبه ماء من ميزاب، فنادى صاحبه: يا صاحب الميزاب

стр. 60

أماؤك طاهر أم نجس؟ فقال له عمر: يا صاحب الميزاب لا تخبره؛ فإنَّ هذا ليس عليه " فنهى عمر عن إخباره لأنه تكلف من السؤال ما لم يؤمر به، وهذا قد ينبني على أصل، وهو أنَّ النجاسة إنما يثبت حكمها مع العلم (١)، فدل ذلك على أنَّ الأصل في الماء الطهارة. * الأصل في الأرض والثياب الطهارة: ودليل ذلك: قوله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، فالمقام هنا مقام امتنان، والامتنان يقتضي أن يكون الأصل في كل ما في الأرض مباحًا وطاهرًا؛ لأنَّ الله لا يمتن بحرام؛ إذ كيف يحرمه ويمنع الناس منه ثم يمتن به، وكذلك لا يمتن بنجس؛ لأنَّ النجس لا ينتفع به، فلما امتن علينا بأنه خلق لنا كل ما في الأرض جميعًا، عُلم أنَّ كل ما في الأرض حلال ومباح وطاهر، ما لم يرد نص بالتحريم، أو بالنجاسة. * الأصل في الأشياء الإباحة: ويدل لذلك: قوله تعالى ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، وقال تعالى ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥)﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وقال ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، فكل هذه الأدلة تدل على أنَّ الأصل في الأشياء الإباحة ولا يحرم منها إلا ما ورد النص بتحريمه.

стр. 61

* الأصل براءة الذمة: وذلك في الحقوق الشرعية وحقوق الآدميين. ولذا لم يقبل في شغل الذمة شاهد واحد ما لم يعتضد بآخر أو اليمين، ونقل ابن المنذر الإجماع على أنَّ البينة على المدعي (١)، وهذا دليل على أنَّ الأصل في الذمة أنها بريئة، فمن أراد اتهامها وتغيير هذا الأصل فعليه بالدليل ألا وهو البينة. عن ابن عباس: أنَّ هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن سحماء، فقال النبي ﷺ "البينة أو حد في ظهرك" (٢). عن عمارة بن خزيمة أنَّ عمه حدثه وهو من أصحاب النبي ﷺ : أنَّ النبي ﷺ ابتاع فرسًا من أعرابي، واستتبعه ليقبض ثمن فرسه، فأسرع النبي ﷺ وأبطأ الأعرابي، وطفق الرجال يتعرضون للأعرابي، فيسومونه بالفرس وهم لا يشعرون أنَّ النبي ﷺ ابتاعه، حتى زاد بعضهم في السوم على ما ابتاعه به منه، فنادى الأعرابيُّ النبيَّ ﷺ ، فقال: إن كنتَ مبتاعًا هذا الفرس وإلا بعتُه، فقام النبي ﷺ حين سمع نداءه، فقال: أليس قد ابتعتُه منك؟! قال: لا والله ما بعتُكه، فقال النبي ﷺ : قد ابتعتُه منك، فطفق الناس يلوذون بالنبي ﷺ وبالأعرابي وهما يتراجعان، وطفق الأعرابي يقول هلم شاهدًا يشهد أني قد بعتُكه، قال خزيمة بن ثابت: أنا أشهد أنك قد بعتَه قال: فأقبل النبي ﷺ على خزيمة فقال: بم تشهد؟! قال: بتصديقك يا رسول الله، قال: فجعل رسول الله ﷺ شهادة خزيمة شهادة رجلين" (٣). وهذا يدل على أنَّ الأصل في الذمة أنها بريئة، وأنَّ البينة على المدعي؛ لذا لو

стр. 62

اختلف البيعان فالقول قول البائع إن لم توجد البينة. قال ابن الصائغ: نظير قول الفقهاء "إنَّ الأصل براءة الذمة فلا يقوى الشاهد على شغلها ما لم يعتضد بآخر" قول النحاة "الأصل في الأسماء الصرف فلا يقوى سبب واحد علي خروجه عن أصله حتى يعتضد بآخر" (١). وكلام ابن الصائغ كلام وجيه؛ حيث إنَّ الأصل في الاسم الصرف، ولا يخرج عن هذا الأصل إلا بعلتين، أو علة قوية قامت مقام العلتين كالاسم المقصور، وكذلك لا بد من شاهدين ليخرجا الحكم عن أصله، وقد يخرج أيضًا بشاهد واحد لقوته كما في قصة خزيمة، أو لقرينة الحال كما إذا شهدت امرأة أنها أرضعت زوجين فيؤخذ بشهادتها ويفرق بينهما، وهذا يدل على قرب العلوم بعضها من بعض، وقوة ارتباط بعضها ببعض، وأنها خرجت من مشكاة واحدة. * الأصل في الأبضاع التحريم: والأبضاع جمع بُضع بضم الباء؛ إذ أنَّ هناك فرقًا بين البَضع، والبِضع، والبُضع. - فالبَضع بفتح الباء هو القطعة، عن قيس بن طلق عن أبيه قال: قدمنا على نبي الله ﷺ ، فجاء رجل كأنه بدوي، فقال: يانبي الله، ما ترى في مس الرجل ذكره بعد ما يتوضأ؟ فقال «هل هو إلا مضغة منه»، أو قال «بَضعة منه» (٢). - البِضع بكسر الباء المقصود بها العدد من ثلاثة إلى تسعة، قال ﷺ " الإيمان

стр. 63

بِضع وستون - أو بِضع وسبعون - شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" (١). - البُضع هو الفرج، قال ﷺ "وفي بُضع أحدكم صدقة، قالوا: يارسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال «أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر" (٢). قال بعضهم يجمع تلك الصور: بَضعتُ لحمًا بَضعًا … حتى يصير بِضعًا قطعًا كما جاء في التراث … ما بين تسع وثلاث واعلم بأنَّ بُضعًا … صدقة لا تعجبِ بالضم وطؤها الإناث … أجر وسنة النبي (٣). والدليل على أنَّ الأصل في الأبضاع التحريم: قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧]. وقال ﷺ " فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله" (٤). وقوله ﷺ "واستحللتم " يدل على أنَّ الأصل في الفروج أنها محرمة.

стр. 64

ومن هنا كان الأصل في المرأة أنها أجنبية؛ لأنَّ الأصل في البُضع أنه محرم. ومن فروعها: - لو أنَّ لرجل أختًا في قرية ولا تُعلم من هي، تصير كل نساء القرية على الشك، فلزم الرجوع إلى اليقين فالأصل في الأبضاع أنها محرمه. - ومنها: لو أنَّ رجلًا له ثلاث زوجات، طلق إحداهن، واشتبه عليه من طلَّقها، فلا يطأ واحدة منهن حتى يستبين. - ومنها: لو اشتبه عليه زوجته بأجنبية فالأصل التحريم حتى يتبين. * الأصل في الذبائح التحريم: ودليل ذلك: قال تعالى ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾ [الأنعام: ١٢١]. عن رافع بن خديج قلت: يا رسول الله، إنا نلقي العدو غدًا، وليست معنا مدى، قال ﷺ «أعجل - أو أرني - ما أنهر الدم، وذكر اسم الله، فكل، ليس السن، والظفر، وسأحدثك، أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة» " (١). عن عدي بن حاتم قال: عن النبي ﷺ قال" إذا أرسلْتَ كلبك فاذكُرِ اسم اللَّه، فإن أمسَكَ عليك فأدركْتَه حيًّا فاذبحه، وإنْ أدركتَه قد قَتَل ولم يأكُلْ منه فكُلْه، وإن وجدتَ مع كلبك كلبًا غيره وقد قَتل، فلاتأكل فإنك لا تدرى أيهما قتله، وإن رمَيْتَ سهمك فاذكُرِ اسم اللَّه، فإن غاب عنك يومًا، فلم تجد فيه إلا أثر سهمك فَكُل إن شئتَ، وإنْ وجدتَهُ غريقًا فى الماء فلا تأكل " (٢).

стр. 65

فكل صورة وُجد فيها الشك قال له رسول الله ﷺ : لا تأكل؛ ذلك لأنَّ الأصل التحريم. * الأصل في المسلم والمعاهد حرمة الدم والمال: فالأصل في المعصوم تحريم دمه وماله بالنص والإجماع، فلا يباح أحدهما إلا بحق وذلك نحو (ردة - زنا المحصن - القتل العمد بغير حق - نقض العهد). عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال: خطبنا رسول الله ﷺ بمنى فقال " إنَّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، إلى يوم تلقون ربكم، اللهم اشهد " (١). عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ " لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة " (٢)، قوله " لا يحل " يدل على أنَّ الأصل التحريم. عن أبي بكرة قال: قال رسول الله ﷺ "من قتل معاهدًا في غير كُنْهِه حرَّم اللَّه عليه الجنَّة" (٣)، وتوعُّدُه بالعقاب يدل أنَّ الأصل في نفس المعاهد الحرمة. - وحكى ابن حزم الإجماع في دم المسلم فقال "واتفقوا أنَّ دم المسلم الذي لم يفعل ..... - يعني شيئًا يوجب عليه القتل من ردة أوقتل أو زنا مع إحصان ونحو ذلك - حرام" (٤). وحكاه ابن قدامة في المغني، فقال "لا خلاف بين الأمة في تحريم القتل بغير

стр. 66

حق" (١). - وحكى ابن حزم الإجماع في الأموال كلها فقال "واتفقوا أنَّ أخذ أموال الناس كلها ظلم لا يحل" (٢). - وحكى ابن المنذر الإجماع على تحريم دماء المسلمين وأموالهم فقال"وأجمعوا على تحريم أموال المسلمين ودمائهم إلا حيث أباح الله" (٣). - وحكى ابن حزم الإجماع على حرمة دم الذمي فقال " واتفقوا أنَّ دم الذمي الذي لم ينقض شيئًا من ذمته حرام " (٤). وكل ذلك يدل على أنَّ الأصل في المسلم والمعاهد حرمة الدم والمال. * الأصل في العادات الإباحة: والمعنى: أنَّ عادات الناس وأعرافهم مباحة ما لم يرد نص بالتحريم. ودليل ذلك: عن أنس: أنَّ النبي ﷺ مر بقوم يلقحون، فقال: «لو لم تفعلوا لصلح» قال: فخرج شيصًا، فمر بهم فقال: «ما لنخلكم؟» قالوا: قلت كذا وكذا، قال «أنتم أعلم بأمر دنياكم» (٥). مثال: عادات الناس في (المهور) أن جعلوا بعضه مؤجَّلًا وبعضه مُعجَّلًا. هذه عادة لا تتعارض مع النص.

стр. 67

فالنص ألزم في الزواج بالمهر أو الصداق ولم يلزم بكيفية لآداء ذلك الصداق، وتُركت الكيفية للعرف تيسيرًا على الناس، ويأتي إن شاء الله تفصيل المسألة في الحديث عن "القاعدة الكبرى الرابعة: العادة محكَّمة". * الأصل في العبادات: المنع والحظر: والمعنى: أنَّ الأصل في العبادات عدم المشروعية إلا ما ورد النص بمشروعيته، وما لم يرد نص به فهو غير مشروع، وإذا لم نعلم هل ورد النص أم لم يرد؟ فالأصل أيضًا المنع، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله تعالى ورسوله ﷺ . ويدل على ذلك قوله تعالى ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦]، وهذه أدوات التلقي والتعلم، فكل عبادة لابد أن تصل إلينا عن طريق أدوات التلقي من النبي ﷺ ، وإلا فهي ليست من أمر النبي ﷺ . قال تعالى ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢١)﴾ [الشورى: ٢١]. إذًا فكل شرع لابد فيه من الإذن من الله والذي يخبر بذلك هو النبي ﷺ ، فعن عائشة ﵂: أنَّ رسول الله ﷺ قال "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد" (١). وروى عبد الرزاق عن الثوري عن أبي رباح عن سعيد بن المسيب: أنه رأى رجلًا يصلى بعد طلوع الفجر أكثر من ركعتين، يكثر فيها الركوع والسجود، فنهاه، فقال: يا أبا محمد يعذبني الله على الصلاة؟ قال: لا، ولكن يعذبك على خلاف السنة (٢).

стр. 68

وعليه يلزم على كل من يعمل عملًا أو يتعبد الله بعبادة أن تكون من أمر النبي ﷺ ؛ لأنَّ كل عبادة ليست من أمر النبي ﷺ وليست على هديه فهي رد. مثال: لو صلى رجل بعد العصر كل يوم ركعتين. فقال له آخر: ائتني بدليل على جواز ما فعلت؟ فقال له الفاعل: ائتني أنت بدليل على التحريم؟ فمن الذي على صوابٍ؟ الذي قال ائتني بدليل على الحل؛ لأنَّ الأصل في العبادات المنع، فلابد من الدليل على أنَّ هذه العبادة على هدي النبي ﷺ . عن عبيد بن السباق أنَّ زيد بن ثابت ﵁ قال: «أرسل إليَّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده»، قال أبو بكر ﵁: إنَّ عمر أتاني فقال: إنَّ القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن، فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، قلت لعمر: «كيف تفعل شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟» قال عمر: هذا والله خير، «فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر»، قال زيد: قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، فتتبع القرآن فاجمعه، «فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليَّ مما أمرني به من جمع القرآن»، قلت: «كيف تفعلون شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟»، قال: هو والله خير، " فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر ﵄، ...... " (١). ولأنَّ الأصل في العبادة المنع والحظر إلا ما أتى من طريق النبي ﷺ سأل أبوبكر

стр. 69

عمرَ سؤالًا: كيف تفعل شيئًا لم بفعله النبي ﷺ ؟!، ولما عرضا الأمر على زيد ﵁ إذا به يسأل نفس السؤال، ولكنهم فعلوه بعد المشاورة والنظر في أدلة الدين العامة، فوجدوا أنه من المصالح العظيمة التي يشهد لها الشرع، وهو مبحث هام من مباحث علم أصول الفقه ألا وهو مبحث "المصالح المرسلة". ومما يدل على ذلك أيضًا حديث أبي موسى في الاستئذان، فعن أبي سعيد الخدري قال: كنت في مجلس من مجالس الأنصار، إذ جاء أبو موسى كأنه مذعور، فقال: استأذنت على عمر ثلاثًا، فلم يؤذن لي فرجعت، فقال: ما منعك؟ قلت: استأذنت ثلاثًا فلم يؤذن لي فرجعت، وقال رسول الله ﷺ «إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يؤذن له فليرجع» فقال: والله لتقيمن عليه ببينة، أمنكم أحد سمعه من النبي ﷺ ؟ فقال أبي بن كعب: والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم، فكنت أصغر القوم فقمت معه، فأخبرت عمر أنَّ النبي ﷺ قال ذلك" (١).

стр. 70

القاعدة الكبرى الرابعة العادة محكَّمة العادة لغة: هي معاودة الشيء وتكراره. اصطلاحًا: ما اشتهر بين الناس وتعارفوا عليه ولم يخالف شرعًا ولا شرطًا. قال تعالى ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩]. قال ابن عَطِيَّةَ إنَّ معنى العرف: كل ما عرفَتْهُ النفوس مِمَّا لا تردُّه الشريعة (١). عن عائشة أم المؤمنين أن هندًا بنت عتبة قالت يا رسول الله: إنَّ أبا سفيان رجلٌ شحيحٌ وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذتُ منه وهو لا يعلم فقال النبي ﷺ " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف " (٢). قال ابن مسعود ﵁ «ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن وما رأوه سيئًا فهو عند الله سيء» (٣). العادة قسمان: - عادة وعرف صحيح: وهو الذي لم يخالف نصًّا، ولم يفوت مصلحة، ولم يجلب مفسدة.

стр. 71

- عادة وعرف غير صحيح: وهو الذي خالف نصًّا، أو فوت مصلحة، أو جلب مفسدة. فالعرف والعادة قد يعمل بهما كدليل لكن بشروط وهي: ١ - ألَّا يخالف العرف دليلًا. ٢ - أن يكون العرف عامًّا أو غالبًا: فلا يعتبر العرف الخاص، كأعراف بيتٍ أو أعراف عائلة، بل لا بد أن يكون غالبًا أو عامًّا في الناس. ٣ - أن يكون العرف مطردًا: يعني مستمرًّا، ولا يكون طارئًا لسبب معين ثم يزول. ٤ - ألَّا يعارضه عرف آخر: فإن عارضه عرف آخر، ولا مرجح لأحدهما فلا يعمل بأحدهما. ٥ - أن يفضي إلى مصلحة. ٦ - أن يكون العرف عند مجيء الخطاب، لا قبله بحيث يكون منقطعًا عنه، ولا بعده بحيث يكون طارئًا. ٧ - أن يكون العرف ظاهرًا. والحكمة من الأخذ بالعرف أنَّ التحول عن العرف يؤدي إلى المشقة والحرج. ومن أمثلة العرف المعمول به: الحرز في السرقة فمرجعه إلى العرف؛ إذ أنَّ الشرع لم يحد له حدًّا وتركه لأعراف الناس. ومن ذلك أيضًا الإحياء: عن سعيد بن زيد عن النبى ﷺ قال "من أحيا أرضًا ميتة فهي له وليس لعِرْقٍ ظالمٍ حقٌّ" (١)، ولم يبين صفة الإحياء فدل على أنها تركت

стр. 72

للعرف، ومنه أيضًا تقسيم المهر إلى عاجل وآجل، وغير ذلك. تنبيه: العرف من حيث مصدره أنواع: * عرف عام: وهو الذي يشترك فيه جمهرة الناس مثل عقود الاستصناع. * عرف خاص: وهو نوعان: ١ - عرف خاص ببلد معين ويشترك فيه جمهور البلد مثل إطلاق لفظ الدابة على ذوات الأربع في بعض البلاد. ٢ - عرف خاص بعائلة معينة أو بيت خاص. * عرف شرعي: هو اللفظ الذي استعمله الشرع مريدًا به معنى خاص كلفظ الصلاة. تنبيه: العرف المراد هنا هو العرف العام، والنوع الأول من العرف الخاص. * تعارض العرف مع الشرع: وهذا له صورتان: الصورة الأولى: لا يعلق الشرع بالمسألة أحكامًا: مثال ١: لفظ "السمك" يعد في الشرع من اللحم قال تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: ١٤]، أما في العرف فلا يعد لحمًا، لكن الشرع لم يعلق به حكمًا؛ لذا يؤخذ هنا بالعرف. فمن حلف ألا يأكل لحمًا وأكل سمكًا لا يحنث؛ لأنَّ السمك في العرف لا يعتبر لحمًا، وإن كان الشرع قد سماه لحمًا، لكنه لم يعلق به حكمًا فيعمل بالعرف. مثال ٢: سمى الله تعالى السماء سقفًا، فقال تعالى ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (٣٢)﴾ [الأنبياء: ٣٢]، لكنَّ العرف لا يعتبر السماء سقفًا، فمن حلف ألا يستظل بسقف واستظل بالسماء لا يحنث؛ لأنَّ الشرع سمى

стр. 73

السماء سقفًا، ولم يعلق بها أحكامًا، فيؤخذ بالعرف. مثال ٣: سمى الله تعالى الشمس سراجًا، فقال تعالى ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦)﴾ [نوح: ١٦]، لكن العرف لا يسميها سراجًا، فمن حلف ألَّا يجلس في ضوء السراج فجلس في ضوء الشمس لم يحنث؛ وذلك لأنَّ كل هذه الأسماء استُعملت في الشرع تسمية فقط ولم يتعلق بها أحكام. الصورة الثانية: أن يخالف العرف الشرع وقد علق الشرع بالمسألة أحكامًا: فالمرجع هنا للشرع ولا اعتبار بالعرف. مثال: رجل حلف أن يصوم ثم أكل أو شرب، فلو كان الصيام في العرف هو الإمساك عن الكلام فقط، فإنه يحنث في يمينه لأنَّ الشرع علق بالصوم أحكامًا فيكون المرجع للشرع ولا اعتبار بالعرف. - لو قال لزوجته إن رأيت الهلال فأنت طالق ورأى الناس الهلال، وهي لم تره وأخبرها الناس به، يرى البعض أنها تكون طالقًا؛ لأنَّ المراد برؤية الهلال شرعًا العلم، وهي علمت بذلك. - ومن ذلك لو أوصى لأقاربه لم يدخل الورثة عملًا بتخصيص الشرع "لا وصية لوارث" (١).

стр. 74

ويندرج تحت هذه القاعدة: * قاعدة: المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا: والمعنى: لو أنَّ هناك عرفًا في التجارة بين التجار مثلًا، ولم يشترطه البائع والمشتري حال عقد البيع، أو أنَّ هناك عرفًا في الزواج ولم يشترطه الولي أوالزوج حال عقد الزواج، فهو كالمشروط تمامًا؛ لأنَّ المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا. وهذا بشرط ألَّا يصادم دليلًا. فلو تعارفوا مثلًا على تضمين المستأجر والمستعير بدون تعد منه ولا تفريط لا يُعتبر ذلك العرف؛ لأنه صادم الشرع، حيث إنه لا ضمان على مؤتمن. ومن فروعها: - قولهم المعروف بين التجار كالمشروط بينهم. - ومنها: الأصل أنَّ الرجل عليه أن يجهز بيت الزوجية من الأثاث والفراش ونحوه؛ لقول النبي ﷺ "ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرح" (١)، فأضاف الفرش إلى الرجال، فدل على أنَّه على الزوج، لكن لو تعارف الناس على أنَّ والد الزوجة عليه أن يتعاون مع زوج ابنته، فعليه أن يتعاون معه. - ومنها لو وقع الطلاق فيما بعد، وكان العرف السائد بين الناس: أن والد الزوجة إنما أعطى ما أعطاه هدية لزوج ابنته، فلا يجوز أن يسترجع والد الزوجة مما أعطاه شيئًا، وهو حق للزوج. وإن كان العرف: أنَّ ذلك إنما كان هدية لابنته، فليس من حق الزوج، ويعود كل ما أعطاه والد الزوجة إلى ابنته.

стр. 75

- ومنها: إذا عقد الرجل على امرأة وخلا بها فلا يجوز له أن يجامعها، وإن كان النبي ﷺ قد قال "واستحللتم فروجهن بكلمة الله" (١)، وهذا قد عقد عليها، فصارت حلالًا له بعد أن كانت حرامًا، ولكن العرف السائد عند الناس أنه لا يستطيع المرء أن يبني بالمرأة العاقد عليها إلا بموافقة الولي، وبعد الإشهار بين الناس، فلا يجوز له جماعها إلا بعد إشهار النكاح وموافقة الولي. - ومنها: لو دفع الأب ابنه للمعلم ليعلمه زمنًا ثم اختلفوا في الأجر فالمرجع للعرف.
следующие страницы →