- ومنها: أن يشترط الزوج في العقد عدم المهر.
- ومنها: أن يشترط الولي أن يكون الزواج ليلة واحدة؛ ليُحلها لزوجها الأول التي طُلقت منه طلاقًا بائنًا بينونة كبرى، وهو المسمى ب (زواج التحليل).
وغير ذلك من الشروط الباطلة والتي تخالف الكتاب والسنة.
стр. 107
القاعدة الحادية عشرة ما ثبت بالشرع مُقدَّم على ما ثبت بالشرط
والمعنى: أنَّ الشيء الذي يثبت بالشرع إن تعارض مع شيء ثبت بالشرط قُدِّم الثابت بالشرع؛ وذلك لأنَّ الشرع هو الحاكم، وهذه القاعدة مرتبطة بالقاعدة السابقة وتؤدي نفس معناها.
ومن فروعها:
- لا يصح نذر الواجب لأنه وجب بالشرع وهو أقوى من الشرط.
- ومنها: لو قال طلقتك بألف على أنَّ لي الرجعة سقط قوله بألف ويقع رجعيًّا؛ لأنَّ المال ثبت بالشرط، والرجعة بالشرع، فكان أقوى.
- ومنها: لو اشترى قريبه ونوى عتقه عن الكفارة لا يقع عنها؛ لأنَّ عتقه بالقربة حكم قهري، والعتق عن الكفارة يتعلق بإيقاعه واختياره.
- ومنها: إذا اجتمع خيار المجلس وخيار الشرط، فيكون له خيار المجلس بالشرع، وخيار الشرط بعده للشرط.
ومن هنا رُدت كل الشروط المخالفة للشرع، واعتُبرت شروطًا باطلة غير صحيحة؛ لأنها وإن ثبتت بالشرط لكنها منفية بالشرع، والشرع مقدم على الشرط.
- إن اجتمع الشرط أو النذر أو نحوه والشرع واتفقا كان ذلك تأكيدًا لحكم الشرع، إذ أنه في هذه الحالة قد وجب من ناحيتين.
قال ابن تيمية "إنَّ ما وجب بالشرع إذا نذره العبد أو بايع عليه الرسول أو الإمام أو تحالف عليه جماعة فإنَّ هذه العهود والمواثيق تقتضي له وجوبًا ثانيًا غير الوجوب الثابت بمجرد الأمر الأول فتكون واجبة من وجهين بحيث يستحق تاركها من العقوبة ما يستحقه ناقض العهود والميثاق، وما يستحقه عاصي الله ورسوله" (١).
стр. 108
القاعدة الثانية عشرة ما حرم استعماله حرم اتِّخاذه
والمعنى: أنَّ ما حَرُم على الإنسان استعماله يحرم عليه أن يتخذه وإن لم يستعمله؛ لأنَّ الاتِّخاذ داع إلى الاستعمال، فيحسم الشرع مادة الشر ومقدماتها.
- قال ابن تيمية ﵀: تنازع العلماء في جواز اتِّخاذ الآنية - آنية الذهب والفضة - بدون استعمالها فرخص فيه أبوحنيفة والشافعي وأحمد في قول، وإن كان المشهور عنهما تحريمه؛ إذ الأصل أنَّ ما حرم استعماله حرم اتِّخاذه كآلات الملاهي (١).
ومن فروعها:
- حرمة اتِّخاذ آلات الملاهي والمعازف ونحوها، وإن لم تُستخدم.
- ومنها: حرمة اتِّخاذ أواني الذهب والفضة، وإن لم يأكل أو يشرب فيها.
- ومنها: حرمة اتِّخاذ كلب الصيد لمن لا يصيد به.
- ومنها: حرمة اتِّخاذ الخمر، وإن لم يشربها أو يبعها.
- ومنها: حرمة اتِّخاذ الخنزير وإن لم يأكله.
- ومنها: حرمة اتِّخاذ الحلي للرجل وإن لم يلبسه.
- ومنها: حرمة اتِّخاذ ملابس الحرير للرجل وإن لم يلبسها.
стр. 109
القاعدة الثالثة عشرة ما حرم أخذه حرم إعطاؤه
والمعنى: أنَّ الشيء المحرم الذي لا يجوز أخذه والاستفادة منه يحرم عليه أيضًا أن يقدمه لغيره ويعطيه إياه، سواء أكان على سبيل المنحة ابتداءً، أم على سبيل المقابلة؛ وذلك لأنَّ إعطاءه الغير عندئذ يكون من قبيل الدعوة إلى المحرم أو الإعانة والتشجيع عليه، فيكون المعطي شريكًا.
ومن فروعها:
- كما يحرم أخذ الربا يحرم إعطاؤه.
- ومنها: حلوان الكاهن كما يحرم أخذه يحرم إعطاؤه.
- ومنها: أجرة المُغَنِّي وأصحاب المعازف كما يحرم أخذها يحرم إعطاؤها.
- ومنها: كما يحرم أخذ أجرة النائحة يحرم إعطاؤها.
- ومنها: الوشم والنمص كما يحرم أخذ الأجرة عليه يحرم إعطاؤها.
- ومنها: كما يحرم أخذ الرشوة يحرم إعطاؤها، ولا تملك بالقبض ويجب ردها ولو كانت بغير طلب المرتشي، وغير ذلك من الصور.
واستثنى العلماء في الرشوة صورًا كلها تدور حول من يطلب حقه، ولا يستطيع الوصول إليه إلا بالرشوة، أو من يخاف على نفسه ضررًا، ولا يستطيع دفعه إلا بها.
- ومن ذلك: الرشوة للقاضي ليصل إلى حقه إن غلب على ظنه أنه لن يصله إلا بذاك.
- ومنها: الرشوة لفك الأسير.
стр. 110
- ومنها: الرشوة لمن يخاف ضرره ولا يستطيع دفعه إلا بذلك، كما لو خاف صاحب المال من أن يستولي غاصب على ماله.
* وقريب من هذه القاعدة قولهم " كل ما حرم فعله حرم طلبه، وكذا كل ما يكره فعله يكره طلبه"؛ إذ السكوت على الحرام أو المكروه والتمكين منه حرام أو مكروه، ولا شك أنَّ طلبه فوق السكوت عليه والتمكين منه، فيكون مثله في أصل الحرمة بالأولى وإن تفاوتت الحرمتان في القوة.
- ومنها: كما لا يجوز أخذ مال الغير بالغش ولا بالخديعة ولا بالخيانة لا يجوز طلبه، ومن المقرر شرعاً أنه كما لا يجوز فعل الحرام لا يجوز الإعانة والتشجيع عليه.
وكل ذلك لأنه تعاون على الإثم والعدوان وقد قال تعالى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].
стр. 111
القاعدة الرابعة عشرة التابع تابع
والمعنى: أنَّ التابع لا يُفرد بالحكم؛ لأنه إنما جُعل تابعًا لا مستقلًّا فالأصل أنَّ التابع يكون له حكم المتبوع ويدل لذلك قول النبي ﷺ "ذكاة الجنين ذكاة أمه" (١).
ويدخل تحت هذه القاعدة قواعد منها:
* التابع لا يفرد بالحكم؛ لأنه إنما جُعل تابعًا:
ومن فروعها:
- لو أحيا شيئًا له حريم مَلَك الحريم، إذ أنه تابع فلا يُفرد بالحكم، بل يتبع متبوعه.
- ومنها: الدود المتولد في الطعام يجوز أكله تبعًا لا مفردًا.
- ومنها الحمل يدخل في البيع مع الأم تبعًا لها لا مستقلًّا.
- ومنها: الأمة إن كانت حاملًا فجنينها تابع لها يأخذ حكمها ما لم يكن عرفًا أو شرطًا.
وقد يستقل التابع بالحكم إن كان ذلك بشرط أو قرينة: كأن يقول السيد لأمته الحامل إن ولدْتِ فمولودك معتق، فالعتق هنا للتابع دون الأصل.
* يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا:
والمعنى: أنَّ الشيء قد يثبت له في التبع حكم قد يكون مخالفًا لحكمه لو كان
стр. 112
مستقلًّا، وهي قريبة الشبه بالقاعدة السابقة.
ومن فروعها:
- بيع المجهول لا يصح، لكنه لو كان تابعًا لشيء آخر صح البيع.
- ومنها: إنسان اشترى بقرة في بطنها جنين، ويزيد ثمنها من أجل هذا الجنين مع أنه مجهول، فلما كان تبعًا كان حلالًا، مع العلم أنه لا يجوز بيعه مستقلًّا.
- ومنها: شراء بيت معلوم، وإن كان أساسه غير معلوم؛ لأنَّ الأساسات تبعٌ للبيت، فيثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا.
ومن فروعها أيضًا:
- أنَّ شهادة النساء لا يثبت بها انفساخ عقد الزوجية، لكن لو شهدت امرأة مأمونة بأنها أرضعت فلانًا وفلانة وقد تزوجها، فإنه يثبت أنه أخوها من الرضاعة، فيفرق بينهما، وينفسخ عقد الزوجية، لكن انفساخه هنا تابع لثبوت المحرمية بالرضاع.
* التابع يسقط بسقوط المتبوع:
ويقرب من هذه القاعدة قولهم "الفرع يسقط إذا سقط الأصل"، وهذه القاعدة مكملة للقواعد السابقة ومتممة لمعناها؛ إذ أنَّ التابع كما يثبت بثبوت متبوعه فكذلك يسقط بسقوطه.
ومن فروعها:
- لو مات الفارس سقط سهم الفرس؛ لأنَّ سهم الفرس تابع للفارس.
وهذا بخلاف ما لو مات الفرس استحق الفارس سهم الفرس؛ لأنه متبوع.
- ومنها: من فاته الحج فتحلل بالطواف والسعي والحلق، لا يتحلل بالرمي والمبيت؛ لأنها من توابع الوقوف وقد سقط.
стр. 113
- ومنها: لو امتنع غسل الوجه في الوضوء لعلة به لم يستحب غسله للغرة.
- ومنها إذا برئ الأصيل برئ الضامن.
* يُغتفَر في التوابع ما لا يُغتفَر في غيرها:
وقريب منها قولهم: يُغتفَر في الشيء ضمنًا ما لا يُغتفَر فيه قصدًا.
ومن فروعها:
- سجود التلاوة في الصلاة على الراحلة يجوز تبعًا للصلاة، واختلفوا فيه خارجها.
- ومنها: لا يثبت النسب بشهادة النساء، لكنها لو شهدت بالولادة على الفراش ثبت النسب تبعًا.
- ومنها: لا يصح بيع الزرع قبل بدو صلاحه، لكنه قد يُباع مع الأرض، فيجوز تبعًا للأرض.
- ومنها: لو وقف على نفسه لا يصح، ولو أوقفه على الفقراء، ثم صار منهم استحق ذلك تبعًا.
стр. 114
القاعدة الخامسة عشرة الميسور لا يسقط بالمعسور
المعنى: إذا أُمر العبد بأمر واجب أو مستحب، ولم يستطع أن يفعل كل العمل وجب عليه أن يفعل ما استطاع، ولا يسقط الميسور المُستطاع بالمعسور غير المستطاع، بشرط أن يكون العمل قابلًا للتجزئة.
قال ﷺ "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (١).
مثال: رجل صاحب عذر يستطيع أن يقف بعض الصلاة ويجلس بعضها، فلا يصح أن يجلس في كل الصلاة بل يقف ما استطاع ثم يجلس إذا عجز.
مثال آخر: رجل وجد ماءًا يكفيه لبعض وضوئه عليه أن يتوضأ حتى ينفد الماء ثم يتيمم؛ لأنَّ الله تعالى قال ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا
مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]، وهو واجدٌ للماء.
مثال آخر: رجل لا يستطيع الصيام كل اليوم هل يصوم ما يقدر عليه في اليوم ثم يفطر؟
لا يصوم؛ لأنَّ الصيام لا يقبل التجزئة.
стр. 115
ومن فروعها أيضًا:
- إذا كان المتوضئ مقطوع بعض الأطراف وجب غسل الباقي من الأعضاء.
- ومنها: من قدر أن يستر بعض عورته لزمه أن يستر ما استطاع.
- ومنها: من قدر أن يقرأ بعض الفاتحة لزمه أن يقرأ ما استطاع منها.
- ومنها: إذا انتهى في كفارة الجماع إلى الإطعام، ولم يجد إلا ثلاثين مسكينًا وجب إطعامهم.
- ومنها: من بجسده جرح يمنع استيعاب الماء في الغسل لزمه أن يغسل ما استطاع.
стр. 116
القاعدة السادسة عشرة كل فعل توفر سببه في عهد النبي ﷺ ولم يفعله فالمشروع تركه
المعنى: أنَّ تركه ﷺ يؤخذ منه التشريع، كما أنَّ فعله ﷺ يؤخذ منه التشريع، والقاعدة تدل على أنَّ الفعل الذي وجد سببه في زمن النبي ﷺ وكان قادرًا على فعله ولم يفعله، فإننا نتعبد الله تعالى بتركه، وأنه ليس من الشريعة في شيء.
وذلك مقتضى أنه ﷺ بلَّغ البلاغ الكامل المبين، وأنه ما ترك خيرًا إلا دلنا عليه، وما ترك شرًّا إلا حذرنا منه وأرشدنا إلى تركه، إما بنهيه ﷺ الصريح، وإما بترك الفعل مع توفر أسبابه وقدرته على الفعل، ولنا فيه ﷺ الأسوة الحسنة.
وفروعها كثيرة؛ إذ هي تشمل الرد على أهل البدع مع اختلاف معتقداتهم وبدعهم.
ومن فروعها:
- الطواف حول القبور بحجة صلاحهم، فقبور الصالحين والشهداء كانت موجودة في زمن النبي ﷺ ولم يفعله مع القدرة عليه، فدلَّ على أنه ليس من الدين، وكذلك وُجد قبر النبي ﷺ ولم يفعله أصحابه ﵃ من بعده.
- ومنها: الذكر الجماعي بعد الصلاة بحجة تعليم الناس، فلقد وجد السبب في زمن النبي ﷺ ، وهو حاجة الناس إلى التعليم، ولم يفعله ﷺ فدل على أنه ليس من الدين.
- ومنها: قول المأموم (استعنت بالله) عند قول الإمام (وإياك نستعين).
- ومنها: قول المتوضئ لغيره (زمزم) يقصد تتوضأ من زمزم.
стр. 117
- ومنها: مسح الوجه باليدين بعد الدعاء تبركًا.
- ومنها: تأويل أهل البدع أسماء الله وصفاته بحجة التنزيه لله تعالى عن مشابهة المخلوق، فهذا السبب - التنزيه - كان موجودًا في زمن النبي ﷺ ، وكان هو أعلم الخلق بالله، وأكثر الخلق تنزيهًا لله، ومع ذلك لم يؤول شيئًا من الأسماء والصفات، فدل على أنَّ التأويل ليس من الدين، وغير ذلك.
كل هذه صور وجدت أسبابها في زمن النبي ﷺ ولم يفعلها، فعلم أنها ليست من الدين.
стр. 118
القاعدة السابعة عشرة النهي إن كان لذات الشيء أو شرط الصحة فيه دل على بطلانه وإن كان لأمر خارج فلا
• النهي أنواع:
* النهي المتعلق بالذات:
مثل: النهي عن الشرك والزنا والنهي عن نكاح الأمهات، فكل هذا يدل على البطلان، والمعنى أنه لا يترتب عليه أحكامًا، فلا يترتب على النكاح الباطل مهر ولا نفقة ولا نسب ولا ميراث، ونحو ذلك.
* النهي المتعلق بالشرط:
والمعنى: أنَّ النهي يكون عن شيء متعلق بالشرط، والمراد هنا شرط الصحة كستر العورة، واستقبال القبلة، والوضوء للصلاة، فالعبد منهي عن الصلاة مكشوف العورة، فإن صلى مكشوف العورة فصلاته باطلة، وإن صلى وهو يستر عورته بالحرير فصلاته باطلة عند فريق من العلماء؛ لأنَّ هذا النهي متعلق بالشرط.
* النهي المتعلق بأمر خارج:
وهو النهي عما لا يتعلق بذات الشيء ولا بشرطه فهذا لا يدل على البطلان وإن كان يدل على التحريم.
مثال: الصلاة لمن يلبس عمامة من الحرير فصلاته صحيحة مع الإثم.
- ومنها: من صلى وهو يلبس خاتمًا من الذهب فالصلاة صحيحة مع الإثم.
- ومن حجت بغير محرم فحجها صحيح مع الإثم؛ لأنَّ المحرم شرط لوجوب الحج، وليس شرط صحة.
- ومنها: النهي عن تغطية الفم في الصلاة فالصلاة صحيحة مع الإثم؛ لأنه نهي عن أمر خارج ليس مُتعلقًا بركن ولا شرط.
стр. 119
القاعدة الثامنة عشرة لا يكون الشيء صحيحًا إلا إذا توفرت الأركان والشروط وانتفت الموانع
الحكم بالصحة والفساد من الأحكام الوضعية أي من الأحكام التي هي من وضع الشرع، وجعل الشرع الصحة متعلقة باستيفاء الأركان والشروط وانتفاع الموانع، والإخلال بأي منها يخل بصحة الأعمال، فإن تخلف شرط أو ركن أو وجد مانع تخلفت صحة الأعمال.
ومن فروعها:
- من صلى ولم يقرأ بفاتحة الكتاب بغير عذر فصلاته غير صحيحة؛ لأنه فقد ركنًا في الصلاة.
- ومنها: من صلى ولم يتم ركوع الصلاة أو سجودها، فصلاته باطلة؛ لأنه فقد ركنًا.
- ومنها: من صلى غير مستقبل القبلة بغير عذر، فصلاته باطلة غير صحيحة؛ لأنه فقد شرطًا فيها.
- ومنها: النكاح بغير ولي، فهو نكاح غير صحيح؛ لأنه فقد شرطًا في النكاح.
- ومنها: صيام الحائض، فهو صيام غير صحيح؛ لوجود المانع من الصلاة.
- ومنها: توريث القاتل للمورَّث، فهو توريث غير صحيح؛ لوجود المانع من الميراث وهو القتل.
ومعنى عدم صحة الشيء أي عدم الاعتداد به وكأنه لم يُفعل، لذلك قال النبي ﷺ لرجل أساء في صلاته ولم يحسنها أي لم يتم أركانها" ارجع فصل فإنك لم تصل " (١).
стр. 120
القاعدة التاسعة عشرة من أتى بعمل استحق الأجر المقابل لهذا العمل
المعنى: أنَّ من عمل عملًا استحق الأجر والثواب المترتب على هذا العمل، والأجر يتناسب مع قدر العمل وقيمته، فمن أتى بما عليه أي كما أُمر به أخذ الأجر الكامل المقابل لهذا العمل، وعليه فإن أنقص من عمله شيئًا نقص من أجره بمقدار ما أنقص.
- قال ﷺ "إن العبد ليصلي الصلاة ما يُكتب له منها إلا عشرها تسعها ثمنها سبعها سدسها خمسها ربعها ثلثها نصفها" (١) مع أنه أدى الصلاة لكنه أنقص منها أي من خشوعها وحضور القلب فيها، ونحو ذلك، فنقص من الأجر بمقدار ما أنقص من العمل.
- ومنها: من صلى على جنازة فله من الأجر قيراط، ومن تبعها حتى تدفن فله قيراطان (٢)،
فالأجر يتناسب مع العمل نقصًا وزيادة.
стр. 121
- ومنها: الفرق بين صلاة القائم والقاعد، قال ﷺ "صلاة القاعد على
النصف من صلاة القائم" (١).
- ومنها: الصلاة على النبي ﷺ فمن صلى عليه واحدة صلى الله عليه بها
عشرًا (٢)، ولو زاد زيد له، وهكذا، فمن عمل عملًا دنيويًّا أو أخرويًّا استحق الأجر المقابل لذلك العمل، والأجر يتناسب مع ذلك العمل نقصًا وزيادة.
القاعدة العشرون
الأمر بعد الحظر يفيد ما أفاده قبل الحظر
مسألة الأمر بعد الحظر اختلف فيها الأصوليون، والصواب والله أعلم هو مقتضى هذه القاعدة وهو أنَّ الشرع إذا حرَّم شيئًا من الأقوال ثم أمر به فإنه يرجع بعد فك الحظر عنه إلى حكمه الأول، فإن كان قبل الحظر واجبًا فهو بعد الحظر واجب، وإن كان سنة فهو سنة، وإن كان قبل الحظر مباحًا فهو بعد الحظر مباح.
ومن فروعها:
- قوله تعالى ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ
وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ [التوبة: ٥]، فقتال المشركين كان واجبًا قبل الأشهر الحرم، ثم حرَّمه الله في الأشهر الحرم، ثم أمر به مرةً ثانية بعد انسلاخ الأشهر الحرم، فقوله " فاقتلوا " يفيد الوجوب؛ لأنه كان واجبًا قبل الحظر.
- قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]، فحرم الله تعالى الصيد البري حال الإحرام، ثم قال ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، فأمر به بعد الإحلال، فالأمر بالصيد بعد الإحلال أمر بعد حظر، فيرجع إلى ما كان يفيده قبل الحظر وهو الإباحة؛ لأنه كان مباحًا قبل تحريمه.
- ومنها: قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩)﴾ [الجمعة: ٩]، فالأصل أنَّ البيع مباح، لكن حرمه الله تعالى إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة، ثم أمر به في قوله ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾ [الجمعة: ١٠]، وهذا الأمر بالانتشار والابتغاء من فضل الله يفيد الإباحة؛
стр. 122
لأنه كان يفيده قبل تحريمه، والأمر إذا ورد بعد حظر أفاد ما كان يفيده قبل الحظر.
- ومن ذلك: قوله ﷺ " كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فادخروا … " (١)، فالأصل أنَّ ادِّخار شيءٍ من لحم الأضحية جائز، ثم نُهي عنه من أجل الدافة أي الفقراء الذين نزلوا المدينة، ثم أمر به في قوله "فادخروا"، فهذا الأمر يفيد الإباحة؛ لأنه كان مباحًا قبل الحظر.
- ومن ذلك: قوله تعالى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فنهى عن جماع المرأة الحائض حيث قال تعالى "فاعتزلوا النساء في المحيض"، ثم قال: "فإذا تطهرن فأتوهن" فأمر بإتيانها، وهذا الأمر يفيد الإباحة؛ لأن الإتيان قبل الحيض مباح.
стр. 123
القاعدة الحادية والعشرون القرعة لفض النزاع أو لبيان الإبهام
- تعريفها: هي صفة معروفة تستعمل عند إرادة اختيار شيء دون قصد التعيين المسْبق.
- شرط القرعة: أن يستوي من أُقرع بينهما بحيث لا يكون لأحدهما فضل على الآخر.
- تستخدم القرعة في تمييز المستحق، والشريعة متكاملة لم تدع شيئًا مشتبهًا من الحقوق يؤدي اشتباهه إلى التنازع إلا وجعلت لتمييزه طرقًا كثيرة، ومن هذه الطرق القرعة.
- القرعة تثبت فيما يتعلق بحقوق العباد، أما فيما يتعلق بحق الله فلا تدخل فيها القرعة، فلو أنَّ إنسانًا ترك صلاة ونسي عينها فلا يقرع بين الصلوات فأيها خرجت صلاها.
* ويدل على جواز القرعة أدلة كثيرة منها:
قوله تعالى ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١)﴾ [الصافات: ١٤١]، وقوله تعالى ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤)﴾ [آل عمران: ٤٤].
عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه ﷺ ، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه" (١).
عن النعمان بن بشير قال: قال ﷺ " مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل
стр. 124
قومٍ استهموا على سفينةٍ، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا لو أنَّا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا (١).
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لو يعلم الناسُ ما في النداءِ والصفِّ الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا" (٢).
عن عمران بن حصين: أن رجلًا أعتق ستة مملوكين له عند موته لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسول الله ﷺ ، فجزأهم أثلاثًا ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين وأرق أربعة، وقال له قولًا شديدًا" (٣).
عن أبي هريرة ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ "عرض على قوم اليمين فأسرع الفريقان جميعًا على اليمين، فأمر النبي ﷺ أن يسهم بينهم في اليمين أيهم يحلف" (٤).
تستعمل القرعه في حالتين:
١ - عند الإبهام.
٢ - عند التزاحم.
أولًا: عند الإبهام:
مثال: لو أنَّ إنسانًا طلق إحدى زوجاته ونسي عينها فيقرع بينهن وذلك للإبهام.
مثال آخر: أوصى لبعض أبواب الخير ونسي هذه الجهة فيقرع بينها للإبهام.
стр. 125
ثانيًا: عند التزاحم:
ومن فروعها:
- إذا تشاح رجلان في الأذان أُقرع بينهما.
- إذا استووا في الإمامة أقرع بينهم.
- إذا اجتمع ميتان فبذل لهما كفنان، وكان أحدهما أجود أقرع بينهما.
- الأولياء المستوون في النكاح إذا تشاجروا أقرع بينهم.
стр. 126
القاعدة الثانية والعشرون لا يتم التبرع إلا بالقبض
والمعنى: أنَّ من تبرَّع لأحد بشيء لا يتم تبرُّعه إلا بعد قبض المتبرَّع له.
التبرُّع من الأمور التي شرعها الله ورغب فيها قال تعالى ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ [النساء: ٤]، وثبت في الشرع صحتها، ونقل ابن المنذر الإجماع على صحتها (١).
ويدل لهذه القاعدة:
عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: إنَّ أبا بكر الصديق ﵁ قال في الأوساق التي نحلها إياها فلو كنتِ جددتيه أو احتزتيه كان لك، وإنما هو اليوم مال الوارث، وإنما هو أخواك وأختاك فاقتسموه على كتاب الله، فقالت عائشة ﵂: والله ياأبت لو كان كذا وكذا لتركته، إنما هي أسماء فمن الأخرى قال: ذو بطن بنت خارجة أراها جارية (٢).
عن أبي موسى الأشعري قال: قال عمر بن الخطاب " الأنحال ميراث مالم تُقبض " (٣).
ويدل على ذلك العقل: لأنَّ عقد التبرُّع لو تم بدون قبض لثبت للمتبرَّع إليه مطالبة المتبرِّع بالتسليم، فيصير عقد ضمان.
стр. 127
ومن فروعها:
- لو وهب الوالد لولده مالًا لا يتملكه إلا إذا قبضه.
- ومنها: لو وهب الوالد لأحد أبنائه شيئًا ثم مات الوالد قبل أن يتسلمه رُدَّ إلى الميراث.
- ومنها: لو وهب المالك لأحد أقاربه شيئًا ثم مات الموهوب له قبل تملك الهبة، ليس من حق ورثته المطالبة بتلك الهبة؛ لأنه لم يتملكها.
стр. 128
القاعدة الثالثة والعشرون
لا ينسب لساكت قول لكن السكوت في معرض الحاجة بيان
والمعنى: أنه لا ينسب لساكت عن التكلم قول بشرط أن يكون ذلك مع قدرته على الكلام؛ وليس ذلك وقت الحاجة والبيان.
ذلك لأنَّ السكوت ليس في كل حالة يُراد به الرضا، فالسكوت قد يكون لأسباب كثيرة منها:
الخوف من العواقب، ومنها عدم العلم، ومنها إرادة التثبت، ومنها إخماد فتنة، ومنها أنَّ الكلام قد يسبب مفسدة فيسكت درءًا لأكبر المفسدتين، وغير ذلك.
ولذا فالأصوليون يفرقون بين الإجماع القطعي والإجماع السكوتي؛ لأنَّ الإجماع القطعي يُجزَم فيه بانتفاء المخالف، بينما الإجماع السكوتي لا يُقطع فيه بانتفاء المخالف؛ لأنَّ سكوتهم ليس دليلًا قطعيًّا على موافقتهم لهذا القول، ولذا يُسمى إجماعًا ظنيًّا.
ومن فروعها:
- لو رأى أجنبيًّا يبيع ماله فسكت فلا يدل سكوته على الرضا.
- ومنها: لو سكت عن قطع عضو منه أو إتلاف شيء من ماله مع القدرة على الدفع لم يسقط ضمانه، بخلاف ما لو أذن في ذلك.
- ومنها: لو سكتت الثيب عند الاستئذان في النكاح لم يقم مقام الإذن.
- ومنها: لو سكت العالم عند سماع فتوى من غيره لا يعتبر ذلك رضا، وغير ذلك.
стр. 129
القاعدة الرابعة والعشرون المشغول لا يُشغل
المراد بالمشغول: هو الذي يكون موقوف التصرف على جهة من الجهات، فإنه لا يصح أن يتصرف فيه بتصرف آخر يكون مناقضًا للتصرف الأول.
مثاله: إذا بيعت سلعة لا يجوز أن تباع هذه السلعة مرة أخرى؛ لأنَّ هذه العين مشغولة بالبيع الأول، وإذا خُطبت امرأة لا يجوز أن يتقدم آخر لخطبتها؛ لأنها مشغولة بالخطبة الأولى.
ويدل عليه قول النبي ﷺ "لا يبع بعضكم على بيع بعض، ونهى عن خطبة الرجل على خطبة أخيه" (١)؛ لأنَّ هذه السلعة مشغولة بالبيع الأول، وهذه المرأة مشغولة بالخطبة الأولى.
وكذلك الإجماع يدل على ذلك، قال ابن المنذر: وأجمعوا على أنَّ الراهن ممنوع من بيع الرهن، وهبته، وصدقته، وإخراجه من يد من رهنه حتى يبرأ من حق المرتهن (٢).
ومن فروعها أيضًا:
- لا يجوز الجمع بين عقدين في محل واحد، فلا يجوز أن يعقد عقدين على شيء واحد، من وجه واحد، في وقت واحد، فلا يجوز أن يُجمع بين الإجارة والمضاربة في وقت واحد ومن وجه واحد.
- ومنها: المُسبَّل وهو الموقوف في سبيل الله لا يشغل مرة ثانية بهبة أو بيع
стр. 130
ونحوه.
- ومنها: لا يجوز الإحرام بالعمرة للقاعد بمنى للرمي؛ لأنه مشغول بعمل وهو المبيت بمنى للرمي.
تنبيه:
المشغول لا يُشغل: من جهة واحدة وسبب واحد وفي زمن واحد، لكن لو اختلفت الجهة والسبب، أو اختلف الزمن جاز ذلك، كأن يُعطَى أجرٌ في الصباح على عمله كأجير، ويُعطَى على عمله مساءًا نسبة من أرباح المبيعات كأنه شريك، فهو جائز لاختلاف الزمان، أو قد يكون ذلك لاختلاف السبب كأن يستحق النسبة لكونه مشاركًا في المال، ويستحق الأجرة لكونه عاملًا.
стр. 131
القاعدة الخامسة والعشرون كل من أدى عن أخيه واجبًا جاز له أخذه منه إن نوى ذلك حال الأداء
والمعنى: أنَّ من أدى شيئًا من الواجبات عن أخيه بغير إذنه جاز له أن يرجع إليه، ويأخذ ما أدى عنه، بشرط أن يكون ناويًا لأخذه حال الأداء.
ولكن ليس كل الواجبات تجوز فيها النيابة، وليس كل من ناب عن أخيه في شيء جاز له الرجوع إليه، ولبيان ذلك لا بد من معرفة أنواع الواجبات.
* أنواع الواجبات:
أولًا: العبادات: وهي قسمان:
١ - عبادات لا تدخلها النيابة: فلا يتصور فيها أن يقضي إنسان عن غيره ذلك الواجب، مثل "الصلاة" لا تدخلها النيابة، ومن ثم لا يصلي إنسان عن غيره.
٢ - عبادات تدخلها النيابة: مثل "الحج" فيجوز للإنسان أن يؤدي الحج عن غيره إذا كان المؤدَّى عنه ميتًا، أو كان حيًّا عاجزًا، لكن لا يجوز الحج عنه إلا بإذنه.
ثانيًا: الواجبات التي لا تتمحض أن تكون عبادة: مثل النفقة، وسداد الدين.
وهذه لها أحوال:
١ - إذا أدى عن غيره حقًّا وهو لا ينوي الرجوع إليه: فحينئذ لا يحق له أن يطالب بذلك الحق؛ لأنه عندما أداه لم يقصد الرجوع إليه فأصبحت هبة ولزمت بالقبض، والهبة إذا لزمت بالقبض حرم الرجوع فيها؛ لقول النبي ﷺ " والعائد في
стр. 132
هبته كالكلب يقيء، ثم يعود في قيئه " (١).
٢ - أن يؤدي هذا الواجب الذي لا يتمحض أن يكون عبادة بإذن ممن عليه الحق، فهذا يجوز له الرجوع؛ لأنه إنما تصرف بإذنه، فهو بمثابة الوكيل.
٣ - أن يؤدي الحق عن غيره بدون إذنه ناويًا الرجوع إليه، فهذا يجوز له الرجوع إليه، وظواهر النصوص تدل عليه، مثل قوله تعالى ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرحمن: ٦٠] وهذا محسن، ويدل عليه قوله جل وعلا ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (٦)﴾ [الطلاق: ٦]، فأمر بالأجرة للإرضاع، ولم يشترط إذنًا من الوالد.
وقول النبي ﷺ " من صنع إليكم معروفًا فكافئوه " (٢) وهذا قد صنع معروفًا.
الخلاصة:
١ - أنَّ من الواجبات عبادات لا تقبل النيابة كالصلاة، فلا ينوب فيها أحد عن أحد.
٢ - من الواجبات عبادات تقبل النيابة لكن بعد إذن من يُناب عنه إن كان حيًّا كالحج.
٣ - الواجبات التي لا تكون عبادة كالنفقة وسداد الدين، إن أداها أحد عن غيره بإذنه، أو أداها بغير إذنه لكنه ينوي الرجوع إليه، فله الرجوع إليه وأخذ ما أدى عنه.
٤ - الواجبات التي لا تكون عبادة إن أداها أحد عن غيره بغير إذنه، ولم ينو الرجوع إليه فليس له الرجوع؛ إذ هي قد أصبحت هبة، ولا يجوز الرجوع في الهبة.
стр. 133
القاعدة السادسة والعشرون الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا
العلة لغة: المرض.
اصطلاحًا: الوصف الظاهر المنضبط الباعث على تشريع الحكم.
ومنه قول النبي ﷺ " إنما نهيتكم لأجل الدَّافة التى دفَّت عليكم فكلوا وتصدقوا وادَّخروا" (١)، فالحكم هنا هو منع الادخار من الأضاحي، والوصف الظاهر المنضبط الباعث على تشريع هذا الحكم هو الدَّافة التي دفَّت.
مثال آخر: الخمر حرمت بسبب الإسكار وقليلها ككثيرها، فالعبرة بالعلة وتحققها، فلو سُمي شيء لا يسكر بالخمر فهو حلال لانتفاء العلة، ولو تغيرت الأسماء وبقيت العلل بقي الحكم، فالحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
فالخمر إن تغير اسمها كأن سُميت مشروبات روحية فهي محرمة لبقاء العلة، والربا إن تغير اسمه فسُمي فائدة وعائد، فكل ذلك لا يؤثر في تحريمه إذ العلة متحققة.
ومنه قول النبي ﷺ عن الهرة " إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات" (٢)، فعلَّة الطهارة أنها من الطوافين عليكم والطوافات، فكل شيء وجدت فيه هذه العلة كان طاهرًا؛ لأنَّ الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
ومنه قول النبي ﷺ " إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر حتى تختلطوا
стр. 134
بالناس من أجل أن يحزنه" (١)، فالعلة "من أجل أن يحزنه" إذًا فإذا لم يحزن من ذلك لانشغاله، أو لفهمه لحديثهما، أو غير ذلك فلا شيء عليهما.
- وقد يبقى الحكم مع انعدام العلة التي شُرع لأجلها ابتداءًا إذا دل الشرع على ذلك، كبقاء الرَّمَل في الحج والعمرة مع انعدام العلة التي لأجلها قد شُرع ابتداءًا؛ وذلك حيث إنَّ الحكم قد يشتمل على حِكَمٍ وعِلَلٍ أخرى غير التي شُرع لأجلها، فإن غابت أو تخلفت العلة التي لأجلها قد شُرع وبقيت تلك العلل والحكم الأخرى بقي معها الحُكم.
стр. 135
القاعدة السابعة والعشرون العفو عن الخطأ والنسيان والإكراه
ودليل ذلك:
عن ابن عباس ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية" وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله " قال دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء، فقال النبي ﷺ قولوا سمعنا وأطعنا وسلمنا قال: فألقى الله الإيمان في قلوبهم، فأنزل الله تعالى"لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا"، قال: قد فعلت، "ربنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا" قال: قد فعلت"واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا" قال: قد فعلت" (١).
عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ " وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " (٢).
فهذه الأمور ترفع الحكم التكليفي؛ لأنه يتعلق بالمكلف، أما الحكم الوضعي لا يتعلق بالمكلف بل بسبب الفعل.
ومدار المسألة على القصد واستحضار النية:
ولبيان ذلك:
стр. 136
لابد من العلم أنَّ الوجودات أربعة، فالشيء قد يوجد بأكثر من صورة:
١ - الوجود الذهني أو العلمي.
٢ - الوجود الرسمي.
٣ - الوجود اللفظي.
٤ - الوجود العيني.
وأصل الوجودات الأربعة: الوجود الذهني أو العلمي.
مثال: بناء المسجد: نواه إنسان في نفسه وذهنه فهذا هو الوجود الذهني.
إذا أخبر الناس بذلك فهذا هو الوجود اللفظي.
فإذا أتى بالمتخصصين لرسم البناء فهذا هو الوجود الرسمي.
فإذا تم البناء وانتهى فهذا هو الوجود العيني.
وأصل الوجودات جميعًا هو الوجود الذهني؛ لأنَّ الوجودات لا يعتبر وجودها بغير الوجود الذهني.
ومن فروعها:
- لو أنَّ إنسانًا ترك الصلاة لنومٍ أو نسيانٍ، فتَرْكُ الصلاة قد وجد عينًا، ولكنه لم ينو أن يتركها فكأنه لم يتركها؛ لأنه لم يوجد ذهنًا فلما لم يوجد ذهنًا عفى الله عنه لذا قال ﷺ "من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها" (١).
- ومنها: لو أنَّ إنسانًا قتل إنسانًا خطأً لا يقام عليه القصاص؛ لأنَّ الوجود العيني وجد بغير الوجود الذهني.
- قال ابن تيمية: من اشتبهت عليه القبلة، وصلى، ثم تبين له فيما بعد لا يعيد باتفاق العلماء (٢).
стр. 137
- ومنها: من أكل أو شرب في الصيام ناسيًا فلا إثم عليه وليتم صومه.
- ومنها: عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ " لله أشد فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها فأتى شجرة، فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينا هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح (اللهم أنت عبدي وأنا ربك) أخطأ من شدة الفرح" (١).
فإنَّ الرجل قال كلمة الكفر حيث قال " أنت عبدي وأنا ربك" لكنَّ الله تعالى لم يؤاخذه بقوله لأنه مخطئ.
فالوجود الذهني هو النية والقصد؛ لذلك اعتبر أهم الوجودات.
- بل إنَّ العبد قد يؤجر على عملٍ لم يعمله للقصد والنية فقط أي بسبب الوجود الذهني.
ودليل ذلك قول النبي ﷺ " إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالًا وعلمًا فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقًّا، فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه الله تعالى علمًا ولم يرزقه مالًا، فهو صادق النية يقول: لو أنَّ لي مالًا لعملت بعمل فلان، فهو بنيته فأجرهما سواء، وعبد رزقه الله مالًا ولم يرزقه علمًا يخبط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقًّا فهذا بأخبث المنازل، وعبد لم يرزقه الله مالًا ولا علمًا، فهو يقول: لو أنَّ لي مالًا لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته فوزرهما سواء " (٢).
стр. 138
عن أنس بن مالك ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ رجع من غزوة تبوك فدنا من المدينة، فقال «إنَّ بالمدينة أقوامًا، ما سرتم مسيرًا، ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم»،
قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟ قال «وهم بالمدينة، حبسهم العذر» (١).
- الإكراه يرفع التكليف:
ودليل ذلك قول الله تعالى ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ
بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)﴾
[النحل: ١٠٦].
وقول النبي ﷺ "وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " (٢).
الإكراه نوعان:
١ - إكراه ملجئ: ويكون المُكرَه فيه غير مكلف بالإجماع: وهو الذي لا طاقة له عن الامتناع.
مثال: مَنْ مُنع من صلة الأرحام بالقوة والقهر، فهذا غير مكلف ولا شيء عليه.
٢ - إكراه ناقص أو غير ملجئ: كالتهديد والوعيد.
فمن هُدِّد بالقتل على ترك أمر أو فعل نهي فهو مُكرَه، بل نقل ابن حزم الإجماع على أنَّ خوف القتل إكراه (٣).
وحكى ابن حزم الإجماع أيضًا على أنَّ المُكرَه على الكفر لا يلزمه شيء فقال "واتفقوا أنَّ المُكرَه على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان أنه لا يلزمه شيء من الكفر
стр. 139
عند الله" (١).
ومن هُدِّد بالأذى والضرر في أولاده أو من يهمه أمره فهو إكراه على الصحيح، وهو المُسمَّى
بالإكراه الأدبي.
شروط الإكراه:
١ - أن يكون المُكرِه قادرًا على إيقاع ما أكرَه به.
٢ - أن يكون المُكرَه غير قادر على الدفع.
٣ - أن يتيقن المُكرَه أنَّ المُكرِه سيوقع ما هدد به، وأنَّ في امتناعه حصول التهديد والوعيد.
وكل ما سبق يخص الأحكام التكليفية، أما في أحكام التلف والضمان فهم مكلفون؛ لأنَّ الضمان من الأحكام الوضعية، والأحكام الوضعية لا تتعلق بالمكلف؛ إذ هي من باب تعلق السبب بالمُسبَّب.
فالأحكام الوضعية ينظر فيها إلى الفعل، أما الأحكام التكليفية فينظر فيها إلى لفاعل.
стр. 140
|
стр. 141
|
стр. 142
أسئلة عامة
س ١: اذكر المبادئ العشرة للقواعد الفقهيَّة؟
س ٢: اذكر الفرق بين القواعد الفقهية والقواعد الأصولية؟
س ٣: اذكر الفرق بين القاعدة الفقهية والضابط الفقهي؟
س ٤: قسم القواعد الفقهية باعتبار الأصالة والتبعية؟
س ٥: الشرع لم يدع مصلحة للعباد إلا دلهم عليها، ولا ترك مفسدة أو مضرة إلا حذرهم منها ونهاهم عنها.
بين ذلك في ضوء الحديث عن القاعدة العامة؟
س ٦: اذكر القواعد الفقهية الكبرى التي ذكرت في الكتاب مع التفصيل؟ مع بيان القواعد الفرعية المتفرعة منها؟
س ٧: ماهي شروط الأخذ بالعرف والعادة؟
س ٨: بين أسباب التخفيف وصوره، مع التفصيل؟
س ٩: بين الأصل فيما يلي مع الدليل:
الأصل في المياه - الأصل في الأشياء - الأصل في الأبضاع - الأصل في العبادة - الأصل في الذمة - الأصل في الأموال والدماء - الأصل في الذبائح.
стр. 143
س ١٠: ماذا تعني القواعد التالية، مع الدليل، والتمثيل؟
- التابع تابع.
- الخراج بالضمان.
- الحدود تسقط بالشبهات.
- الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
- ما ثبت بالشرع مُقدَّم على ما ثبت بالشرط.
- ما تولد عن مأذون فهو غير مضمون.
- الميسور لا يسقط بالمعسور.
- العفو عن الخطأ والنسيان والإكراه.
стр. 144
التطبيقات العملية
• التطبيق العملي الأول:
* مثِّل لكل مما يأتي:
١ - المشغول لا يُشغل.
٢ - إذا تساوى العملان وكان مقصدهما واحدًا دخل أحدهما في الآخر.
٣ - كل ما نشأ عن المأذون لا يُضمن.
٤ - من تعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه.
٥ - التابع له حكم المتبوع.
٦ - عرف غير مستوفٍ للشروط.
٧ - متممات وزوائد واجبة.
٨ - ضرورة أباحت محظورًا.
٩ - مفسدة يجب فعلها.
١٠ - واجب يجب تركه.
١١ - حد سقط لوجود شبهة.
١٢ - خلاف لا يستحب الخروج منه.
١٣ - صلاة خارج الكعبة أفضل من صلاة داخلها.
١٤ - أمر بعد حظر وكان حكمه الندب.
стр. 145
• التطبيق العملي الثاني:
* تخير من القواعد الفقهية ما يوافق القواعد الأصولية الآتية:
١ - مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
٢ - القدرة على العمل شرط في التكليف.
٣ - إذا تزاحم واجبان في حق شخص واحد في وقت واحد قُدِّم أعلاهما.
٤ - مالا يتم ترك الحرام إلا بتركه فتركه واجب.
٥ - العرف دليل من أدلة الأحكام.
٦ - لا يكون العمل صحيحًا إلا إذا استوفى الشروط والأركان وانتفت الموانع.
٧ - الاختيار شرط من شروط التكليف.
٨ - إذا تزاحم محرمان في حق شخص واحد في وقت واحد عليه أن يفعل أدناهما.
٩ - الإجماع السكوتي ظني وليس قطعيًّا.
١٠ - الأمر بعد الحظر يرجع لما كان عليه قبل الحظر.
١١ - العلة هي مناط الحكم.