← Каваид фикха

Каваид фикха · id 30131

الرسالة الندية في القواعد الفقهية

عبد الفتاح مصيلحي

Полный текст (152 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

- عادة وعرف غير صحيح: وهو الذي خالف نصًّا، أو فوت مصلحة، أو جلب مفسدة. فالعرف والعادة قد يعمل بهما كدليل لكن بشروط وهي: ١ - ألَّا يخالف العرف دليلًا. ٢ - أن يكون العرف عامًّا أو غالبًا: فلا يعتبر العرف الخاص، كأعراف بيتٍ أو أعراف عائلة، بل لا بد أن يكون غالبًا أو عامًّا في الناس. ٣ - أن يكون العرف مطردًا: يعني مستمرًّا، ولا يكون طارئًا لسبب معين ثم يزول. ٤ - ألَّا يعارضه عرف آخر: فإن عارضه عرف آخر، ولا مرجح لأحدهما فلا يعمل بأحدهما. ٥ - أن يفضي إلى مصلحة. ٦ - أن يكون العرف عند مجيء الخطاب، لا قبله بحيث يكون منقطعًا عنه، ولا بعده بحيث يكون طارئًا. ٧ - أن يكون العرف ظاهرًا. والحكمة من الأخذ بالعرف أنَّ التحول عن العرف يؤدي إلى المشقة والحرج. ومن أمثلة العرف المعمول به: الحرز في السرقة فمرجعه إلى العرف؛ إذ أنَّ الشرع لم يحد له حدًّا وتركه لأعراف الناس. ومن ذلك أيضًا الإحياء: عن سعيد بن زيد عن النبى ﷺ قال "من أحيا أرضًا ميتة فهي له وليس لعِرْقٍ ظالمٍ حقٌّ" (١)، ولم يبين صفة الإحياء فدل على أنها تركت

стр. 72

للعرف، ومنه أيضًا تقسيم المهر إلى عاجل وآجل، وغير ذلك. تنبيه: العرف من حيث مصدره أنواع: * عرف عام: وهو الذي يشترك فيه جمهرة الناس مثل عقود الاستصناع. * عرف خاص: وهو نوعان: ١ - عرف خاص ببلد معين ويشترك فيه جمهور البلد مثل إطلاق لفظ الدابة على ذوات الأربع في بعض البلاد. ٢ - عرف خاص بعائلة معينة أو بيت خاص. * عرف شرعي: هو اللفظ الذي استعمله الشرع مريدًا به معنى خاص كلفظ الصلاة. تنبيه: العرف المراد هنا هو العرف العام، والنوع الأول من العرف الخاص. * تعارض العرف مع الشرع: وهذا له صورتان: الصورة الأولى: لا يعلق الشرع بالمسألة أحكامًا: مثال ١: لفظ "السمك" يعد في الشرع من اللحم قال تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: ١٤]، أما في العرف فلا يعد لحمًا، لكن الشرع لم يعلق به حكمًا؛ لذا يؤخذ هنا بالعرف. فمن حلف ألا يأكل لحمًا وأكل سمكًا لا يحنث؛ لأنَّ السمك في العرف لا يعتبر لحمًا، وإن كان الشرع قد سماه لحمًا، لكنه لم يعلق به حكمًا فيعمل بالعرف. مثال ٢: سمى الله تعالى السماء سقفًا، فقال تعالى ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (٣٢)﴾ [الأنبياء: ٣٢]، لكنَّ العرف لا يعتبر السماء سقفًا، فمن حلف ألا يستظل بسقف واستظل بالسماء لا يحنث؛ لأنَّ الشرع سمى

стр. 73

السماء سقفًا، ولم يعلق بها أحكامًا، فيؤخذ بالعرف. مثال ٣: سمى الله تعالى الشمس سراجًا، فقال تعالى ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦)﴾ [نوح: ١٦]، لكن العرف لا يسميها سراجًا، فمن حلف ألَّا يجلس في ضوء السراج فجلس في ضوء الشمس لم يحنث؛ وذلك لأنَّ كل هذه الأسماء استُعملت في الشرع تسمية فقط ولم يتعلق بها أحكام. الصورة الثانية: أن يخالف العرف الشرع وقد علق الشرع بالمسألة أحكامًا: فالمرجع هنا للشرع ولا اعتبار بالعرف. مثال: رجل حلف أن يصوم ثم أكل أو شرب، فلو كان الصيام في العرف هو الإمساك عن الكلام فقط، فإنه يحنث في يمينه لأنَّ الشرع علق بالصوم أحكامًا فيكون المرجع للشرع ولا اعتبار بالعرف. - لو قال لزوجته إن رأيت الهلال فأنت طالق ورأى الناس الهلال، وهي لم تره وأخبرها الناس به، يرى البعض أنها تكون طالقًا؛ لأنَّ المراد برؤية الهلال شرعًا العلم، وهي علمت بذلك. - ومن ذلك لو أوصى لأقاربه لم يدخل الورثة عملًا بتخصيص الشرع "لا وصية لوارث" (١).

стр. 74

ويندرج تحت هذه القاعدة: * قاعدة: المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا: والمعنى: لو أنَّ هناك عرفًا في التجارة بين التجار مثلًا، ولم يشترطه البائع والمشتري حال عقد البيع، أو أنَّ هناك عرفًا في الزواج ولم يشترطه الولي أوالزوج حال عقد الزواج، فهو كالمشروط تمامًا؛ لأنَّ المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا. وهذا بشرط ألَّا يصادم دليلًا. فلو تعارفوا مثلًا على تضمين المستأجر والمستعير بدون تعد منه ولا تفريط لا يُعتبر ذلك العرف؛ لأنه صادم الشرع، حيث إنه لا ضمان على مؤتمن. ومن فروعها: - قولهم المعروف بين التجار كالمشروط بينهم. - ومنها: الأصل أنَّ الرجل عليه أن يجهز بيت الزوجية من الأثاث والفراش ونحوه؛ لقول النبي ﷺ "ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرح" (١)، فأضاف الفرش إلى الرجال، فدل على أنَّه على الزوج، لكن لو تعارف الناس على أنَّ والد الزوجة عليه أن يتعاون مع زوج ابنته، فعليه أن يتعاون معه. - ومنها لو وقع الطلاق فيما بعد، وكان العرف السائد بين الناس: أن والد الزوجة إنما أعطى ما أعطاه هدية لزوج ابنته، فلا يجوز أن يسترجع والد الزوجة مما أعطاه شيئًا، وهو حق للزوج. وإن كان العرف: أنَّ ذلك إنما كان هدية لابنته، فليس من حق الزوج، ويعود كل ما أعطاه والد الزوجة إلى ابنته.

стр. 75

- ومنها: إذا عقد الرجل على امرأة وخلا بها فلا يجوز له أن يجامعها، وإن كان النبي ﷺ قد قال "واستحللتم فروجهن بكلمة الله" (١)، وهذا قد عقد عليها، فصارت حلالًا له بعد أن كانت حرامًا، ولكن العرف السائد عند الناس أنه لا يستطيع المرء أن يبني بالمرأة العاقد عليها إلا بموافقة الولي، وبعد الإشهار بين الناس، فلا يجوز له جماعها إلا بعد إشهار النكاح وموافقة الولي. - ومنها: لو دفع الأب ابنه للمعلم ليعلمه زمنًا ثم اختلفوا في الأجر فالمرجع للعرف.

стр. 76

القاعدة الكبرى الخامسة الضرر يُزال الشريعة الإسلامية جاءت في كل تشريعاتها مُحَقِّقة لكل المصالح للخلق، ودفع المضار عنهم؛ ولذا بين النبي ﷺ أنَّ الشرع يمنع كل ضرر في الجملة، فقال ﷺ " لا ضرر ولا ضرار" (١). ومن فروعها: - الرد بالعيب لدفع الضرر عن المشتري. - ومنها: الحجر على السفيه لدفع ضرر التبذير. - ومنها: القصاص لدفع الضرر عن المجتمع بانتشار الجرائم. - ومنها: تنصيب القضاة لدفع ضرر ضياع الحقوق واستفحاش الظلم. القواعد المندرجة تحت هذه القاعدة: * القاعدة الأولى: الضرورات تبيح المحظورات: الضرورة هي التي تقوم بحفظ شيء من الضرورات الخمس: " حفظ الدين، العقل، النفس، المال، العرض " فإذا وجدت الضرورة أبيح المحظور، كإباحة الميتة للمضطر، قال ابن المنذر " وأجمعوا على إباحة الميتة عند الضرورة" (٢). ومن فروعها: - جواز أكل الميتة عند المخمصة.

стр. 77

- ومنها: إساغة اللقمة بالخمر. - ومنها: التلفظ بكلمة الكفر عند الإكراه. ويشترط في ذلك: عدم نقصان الضرورة عن المحظور، ومن ذلك كما لو اضطر مسلم لأكل الميتة لحفظ حياته فلم يجد إلا لحم نبي فلا يجوز؛ لأنَّ الضرورة هنا أقل من المحظور. * القاعدة الثانية: ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها: قال تعالى ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾ [البقرة: ١٧٣]، والعادي: هو الذي يأكل ما يزيد على دفع ضرورته. ومن فروعها: - من وجد ميتة وأقدم على الهلاك يأكل منه بقدر ما يحفظ حياته، ولا يأكل حتى يشبع. - ومنها: إزالة الغصة بالخمر فيشرب بقدر ما يزيل الغصة ولا يزيد. - ومنها: عن ابن عمر: «أنَّ النبي ﷺ كان إذا أراد حاجة لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض» (١). فستر العورة واجب، لكن لما وجد عذر وضرورة وهو قضاء الحاجة فعله بقدره ﷺ . - ومنها: من احتاج كلب الصيد لم يجز له أن يتخذ أكثر من قدر الحاجة. تنبيه: بما أنَّ الضرورة تقدر بقدرها فمن باب أولى تقدر الحاجة بقدرها.

стр. 78

كما إذا احتاج الطبيب أن يكشف عورة المريض لا يجوز أن يكشف إلا قدر الحاجة. * القاعدة الثالثة: الضرر لا يزال بالضرر: والمعنى أنه لا يجوز لصاحب الضرر أن يدفع الضرر بضرر آخر؛ لأنَّ ذلك مناقض لأصل القاعدة الكبرى "الضرر يُزال". ومن فروعها: - لو اضطر إنسان لأكل الميتة فوجد طعام مضطر آخر فلا يجوز أن يأكل طعامه؛ لأنه أزال ضرره بضرر غيره. - ومنها: رجل مضطر ولم يجد إلا مسلمًا ميِّتا لا يجوز له دفع الضرورة بالأكل منه؛ لأنَّ حرمة المسلم ميتًا كحرمته حيًّا وكسر عظامه ميتًا ككسر عظامه حيًّا، وإباحة الميتة هى من أجل حرمة المسلم، والحفاظ على حياته، لكن حرمته ليست أولى من حرمة غيره وإن كان ميتًا. - ومنها: قول من يقول بجواز التبرع بالأعضاء بشروط منها ألَّا يسبب ذلك ضررًا للمُتبرِّع لأنَّ الضرر لا يُزال بالضرر. - ومنها: إن أُكره بالقتل على القتل فلا يجوز له قتل أخيه؛ فحياته ليست أولى من حياة غيره. - ومنها: لو أنَّ إنسانًا دُفن بلا كفن فلا يجوز نبش القبر من أجل تكفينه؛ لأنَّ الضرر المترتب عليه والمحظور أكبر وهو نبش قبر المسلم، لا سيما والقبر قام مقام الكفن. قال ابن السبكي "يستثنى من ذلك ما لو كان أحدهما أعظم ضررًا فإن كان أحدهما أكثر ضررًا فعل الضرر الأدنى، ولهذا شرع القصاص وقتال البغاة وقاطع

стр. 79

الطريق ورمي الكفار إذا تترسوا بنساء وصبيان" (١). الخلاصة: أنَّ الشرع حينما أجاز فعل المحظور أجازه للضرورة أو الحاجة، وأمر بإزالته بقدر الحاجة، ولا يُزال بضرر مساوٍ أو أكبر منه. * القاعدة الرابعة: لا واجب مع العجز ولا محرم مع الاضطرار: قال تعالى ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، عن أبي هريرة ﵁: عن النبي ﷺ قال «دعوني ما تركتكم، إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» " (٢). والإجماع يدل على ذلك: قال ابن تيمية " إذا صلى المريض قاعدًا أو صلى على جنب لم يعد باتفاق المسلمين، وكذلك العريان كالذي تتكسر به السفينة، أو يأخذ القطاع ثيابه فإنه يصلي عريانًا، ولا إعادة عليه باتفاق العلماء" (٣). ومن هنا: يُعلم أنَّ الاستطاعة محل التكليف. ومن فروعها: - من عجز عن استقبال القبلة لعذر صلى على حاله ولا شيء عليه. - ومنها: من عجز عن الحج بنفسه سقط عنه وحج عنه غيره. - ومنها: من عجز عن إزالة النجاسة سقط عنه وصلى على حاله.

стр. 80

لذلك يقول الأصوليون " الواجبات تسقط بالحاجات "، فالشيء الذي لا تستطيع الإتيان به لعذر أو حاجة لستَ مُكلفًا به. ومن ذلك: - قوله تعالى ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فالقيام في الصلاة واجب، فمن لم يستطع القيام مع أنه "واجب وركن" فهو غير مكلف بهذا النص؛ لأنَّ الله تعالى قال"لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها " فكل ما خرج عن الوسع فالعبد غير مكلف به. عن علي بن شيبان قال خرجنا حتى قدمنا على النبي صلى الله عليه و سلم، فبايعناه وصلينا خلفه، ثم صلينا وراءه صلاة أخرى، فقضى الصلاة فرأى رجلًا فردًا يصلي خلف الصف، قال: فوقف عليه نبي الله ﷺ حين انصرف قال "استقبل صلاتك لا صلاة للذي خلف الصف " (١)، فإذا صلى وحده خلف الصف لا تصح صلاته. أما إذا وجد الصف مكتملًا ولم يستطع الدخول في الصف فهذا له عذر، فهو غير مكلف بالنص أصلًا؛ لأنه غير مستطيع. فالنص معلق بالاستطاعة فإذا خرج الأمر عن الاستطاعة سقط الأمر في حقه.

стр. 81

* القاعدة الخامسة: ما جاز لعذر بطل بزواله: عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ " الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجد الماء فليمسه بشرته فإن ذلك خير " (١). ومن فروعها: - التيمم جاز لعدم وجود الماء، فيبطل بوجود الماء. - الجلوس في الصلاة جاز لعذر، فإن زال العذر وجب القيام. - الإفطار للمريض جاز لعذر، فإن زال المرض وجب الصيام. - شرب الخمر جاز لوجود الغصة، فيبطل بزوالها. - أكل الميتة جاز لوجود الضرورة، فيبطل بزوالها، وهكذا.

стр. 82

المبحث الخامس قواعد فقهية متفرقة

стр. 83

القاعدة الأولى الحدود تسقط بالشبهات والمعنى: أنَّ الحدَّ يسقط ويُدفع بالشبهة والاحتمال، والخطأ في ترك الحد أولى من الخطأ في إيقاعه. ويدل لذلك النص والإجماع: ومنها: فعل النبي ﷺ : ففي الحديث أنَّ ماعزًا لما جاء النبيَّ ﷺ ، وأقرَّ بفعل الزنا فكان النبي ﷺ يلقنه لعله يرجع عن إقراره، والرجوع عن الإقرار في الحدود يورث شبهة يسقط الحد بها، فعن ابن عباس ﵄ قال: لما أتى ماعز بن مالك النبي ﷺ قال له «لعلك قبلتَ، أو غمزتَ، أو نظرتَ» ...... " (١). - قال ابن المنذر " وأجمعوا على أنَّ درء الحد بالشبهة " (٢). - عن أبي وائل عن ابن مسعود ﵁ قال"ادرءوا الجلد والقتل عن المسلمين ما استطعتم" (٣). وقد ورد عن عمر بن الخطاب قوله: لأن أعطل بالشبهات أحبُّ إليَّ من أن أُقيمها بالشبهات (٤).

стр. 84

* الشبهة ثلاثة أنواع: - شبهة الفاعل: كمن جامع امرأة يظنها زوجته. - شبهة المحل: بأن يكون للواطئ فيها ملك أو شبهة كالأمة المشتركة والمكاتبة وأمة ولده. - شبهة الطريق: وهي الجهة التي أباح بها المجتهد الفعل، أي أن يكون صحيحًا عند قوم، غير صحيح عند آخرين كالنكاح بلا ولي، وقال بعض العلماء لا عبرة بخلاف من خالف في النكاح بلا ولي؛ إذ أنه مخالف للنص. والشبهة بأنواعها الثلاثة تُسقِط الحد. - ومن فروعها أيضًا: يسقط الحد إذا شهد أربعة بالزنا وأربعة أنها بكر، فسقوط حد القذف لاكتمال عدد بينة الزنا وهو الأربعة، ويسقط حد الزنا لشبهة الشهادة بالبكارة. - ومنها: لا يقطع من سرق مال سيده، قال ابن المنذر " وأجمعوا على ألَّا قطع على العبد إذا سرق من مولاه " (١). - ومنها: لو شهد شهود على حد، ثم رجعوا عن الشهادة قُبل منهم الرجوع وسقط الحد. - ومنها: لا يقطع من سرق مال أبيه. - ومنها: لا يقطع من سرق مال ولده. كل هذه الحدود سقطت لوجود الشبهة.

стр. 85

تنبيه: شرط الشبهة أن تكون قوية وإلا فلا أثر لها. - ولهذا يحد بوطء أمة أباحها السيد ولا يراعى خلاف عطاء ﵀ إن صح عنه - في إباحة الجواري للوطء. - ويُحدُّ مَنْ شَرِب النبيذ ولا ينظر لخلاف أبي حنيفة ﵀.

стр. 86

القاعدة الثانية الخراج بالضمان والمعنى: ما خرج من الشيء من غلة ومنفعة وعين فهو للمشتري، ويكون ذلك عوضًا له لأنه يكون في ضمانه، فإنه لو تلف المبيع وهو عنده ضمنه؛ لذا فالمنفعة في هذا الوقت تكون له، فيكون الغنم بالغرم. ودليل القاعدة عن عائشة ﵂ قالت قضى رسول الله ﷺ " أنَّ الخراج بالضمان " (١)، وفي بعض الطرق ذكر السبب وهو" أنَّ رجلًا ابتاع عبدًا واستعمله عدة أيام ثم وجد به عيبًا، فرده إلى البائع، فقال البائع: يا رسول الله، لقد استغله أو استفاد منه أي: أخذ الخراج، فقال له النبي ﷺ "الخراج بالضمان" (٢). قال أبو عبيد: «الخراج في هذا الحديث غلة العبد، يشتريه الرجل فيستغله زمانًا ثم يعثر منه على عيب دلسه البائع فيرده، ويأخذ جميع الثمن ويفوز بغلته كلها؛ لأنه كان في ضمانه ولو هلك هلك من ماله» (٣). ومن فروعها: - أنَّ ما حدث من المبيع من ثمرة وغيرها كالولد والأجرة وكسب الرقيق كل ذلك للمشتري.

стр. 87

- ومنها: رجل رهن بقرة عند رجل آخر، فكان يحلبها كل يوم، فلو ماتت في يد المرتهن فإنه يضمن، وله أن يستفيد من لبنها؛ لأنَّ الخراج بالضمان. - ومنها: لو اشترى رجل سيارة أجرة، وأخذها فاستعملها وانتفع بها، ثم ظهر بها عيب أخفاه البائع عن المشتري، فيصح للمشتري أن يفسخ البيع ويرد السيارة للبائع، وأجرة السيارة في هذه المدة تكون للمشتري وليس للبائع؛ لأنها لو تلفت قبل أن يردها فإنَّ المشتري يضمن. - ومنها: لو أنَّ مجموعة من الناس أرادوا بناء شركة فساهم كلٌّ منهم بمال، وصار لكل واحد منهم أسهم معينة، فإن ربحوا قسمت الأرباح فيما بينهم على حسب الأسهم، وإن خسروا فإنهم يوزعون الخسارة على أنفسهم بنفس الحصص وبنفس الأسهم، فإنَّ الغُنم بالغُرم والخراج بالضمان.

стр. 88

القاعدة الثالثة ما تولد عن المأذون فهو غير مضمون والمعنى: أنَّ الإنسان إذا فعل أمرًا مأذونًا له فيه، فترتب عليه أذى أو ضرر أو إفساد فلا يضمن شيئًا. وفي معناها قولهم: إنَّ الله إذا أذن في شيء لم يرتب عليه شيئًا من العقاب. وقريب منها قولهم: الرضا بالشيء رضا بما يتولد منه. قال ﷺ " إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه، فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان " (١). ومن فروعها: - ومنها: لو مر مارٌّ أمام المصلي، فدفعه فلم يرجع، فقاتله فسبب له ضررًا، فلا شيء عليه؛ لأنَّ الضرر نتج عن مأذون فيه. - ومنها: لو سبق ماء المضمضة أو الاستنشاق إلى الجوف بدون مبالغة لم يفطر؛ لأنه نتج عن مأذون فيه. - ومنها: استخدام كلب الحراسة لا يمنع دخول الملائكة إلى البيت؛ لأنَّ هذا مأذون فيه. - ومنها: لو جُلد القاذف فأدى ذلك إلى ضرر له فلا ضمان؛ لأنَّ الضرر نتج عن مأذون فيه.

стр. 89

- قطع يد السارق إن أدى إلى ضرر أو تلف لا يُضمن؛ لأنه ترتب على شيء مأذون فيه. ويستثنى من ذلك: ما كان مأذونًا فيه لكنه مشروطٌ بسلامة العاقبة: كضرب المعلم تلميذه، وضرب الزوج زوجته، وضرب الولي من يتولى أمره، فإنه وإن كان مأذونًا فيه لكنه إن تسبب في أذى أو ضرر فعلى من سبَّبه الضمان؛ لأنَّ هذا مأذون فيه بشرط سلامة العاقبة وعدم الضرر.

стр. 90

القاعدة الرابعة إذا اجتمع السبب والمباشِر قُدِّم المباشِر والمعنى: لو اجتمع في إفساد مالٍ أو نفسٍ أو نحوه المباشرُ والسببُ قُدِّم من باشر الإهلاك والمراد بالسبب أي المتسبب؛ لأنَّ هذا من أبواب الضمان، والضمان يتعلق أولًا بمن باشره، ولا نظر لحال الفاعل، ولكن إن لم يوجد المباشر ووجد من تسبب في الإتلاف لزمه الضمان. ومن فروعها: - لو أكل المالك طعامه المغصوب، وهو جاهلٌ أنَّ هذا طعامه فلا ضمان على الغاصب. - ومنها: لو قدم الغاصب ما غصبه للمالك على أنه ضيافة فأكله فإنَّ الغاصب يبرأ. - ومنها: لو حفر بئرًا، فردَّى رجلٌ رجلًا فيه، فالقصاص على المردِّي. - ومنها: لو أمسك رجلٌ رجلًا لآخر فقتله فالقصاص على القاتل. - ومنها: لو دلَّ إنسان على مال آخر فسرقه فالحكم على المباشر للسرقة. - ومنها: لو أُمر عليٌّ أن يعطي مالًا لمحمد فأعطاه إلى أحمد خطأً، فأخذه أحمد فالضامن له أحمد لأنه المباشر، لكن إن لم يوجد أحمد فالضامن عليٌّ لغياب المباشر.

стр. 91

تنبيه: يُقدم المباشر لأنَّ الفاعل هو العلة المباشرة، والأحكام تضاف إلى عللها أولًا، لا إلى أسبابها الموصلة؛ لأنَّ تلك أقوى وأقرب. هذا إذا وجد المباشر والمتسبب لكن إن لم يوجد المباشر يلزم الضمان المتسبب.

стр. 92

القاعدة الخامسة من أتلف شيئًا لينتفع به ضمنه ومن أتلفه ليدفع ضرره عنه فلا يضمن المعنى: من أتلف شيئًا لدفع أذاه له لم يضمنه، وإن أتلفه لدفع أذى غيره به ضمنه. الإتلاف: هو إفساد الشيء وإزهاقه. وشرط هذه القاعدة أن يدفع بالتي هي أحسن. وهذا الضرر سواء كان ماديًّا كأذى في ماله أو بدنه، أو شرعيًّا كمرور المار بين يدي المصلي. لذلك قال النبي ﷺ " إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه، فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان " (١). تنبيه: الأصل أنَّ كل من أتلف شيئًا ضمنه، ولكن هذا الأصل ليس على إطلاقه؛ وذلك لأنَّ إتلاف الشيء يكون على صورتين، إما أن يكون لضرورة، وإما لا. فإن كان الإتلاف من غير ضرورة ضمن؛ لأنَّ هذا هو الأصل. وأما إن كان لضرورة نُظر لهذه الضرورة، فإن كانت الضرورة هي دفع أذى المتلَف لم يضمنه.

стр. 93

وإن كانت الضرورة هي دفع أذًى من غير المتلَف لكنه دفع الأذى بإتلافه ضمنه. ومن فروعها: - مَنْ قطع شوك الحرم لإيذائه له فلا شيء عليه، وإن أتلفه لإيقاد النار به مثلًا ليدفع أذى البرد أثم. - ومنها: إذا قتل المحرم صيدًا لأذاه له لم يضمنه؛ لأنه يدفع أذى الصيد عن نفسه. - لكنه لو كان في سفره ونفد ما معه من طعام، فوجد صيدًا فذبحه وأكله لدفع أذى الموت والهلاك به فإنه يضمن. - ومنها: إذا تعرض الناس في سفينة للغرق ولم يجدوا نجاة إلا بإلقاء بعض المتاع في الماء فيُضمن هنا لصاحب المتاع؛ لأنهم دفعوا أذى الغرق بالمتاع. - وهذا بخلاف ما إذا سقط المتاع على رجل وكاد يقتله، وما وجد نجاة إلا بإلقاء المتاع في الماء، فلا يضمن؛ لأنَّ الأذى من ذات المتاع. - ومن ذلك حديث كعب بن عجرة ﵁: أنَّ النبي ﷺ مَرَّ به وهو بالحديبية قبل أن يدخل مكة وهو محرم وهو يوقد تحت قدر، والقمل يتهافت على وجهه، فقال: أيؤذيك هوامك هذه؟ قال: نعم، قال: فاحلق رأسك وأطعم فرقا بين ستة مساكين، والفرق ثلاثة آصع أو صم ثلاثة أيام أو انسك نسيكة، قال ابن أبي نجيح أو اذبح شاة" (١). فأمره ﷺ بالفدية؛ لأن الأذى ليس من الشعر إنما هو من القمل، فدفع أذى القمل بحلق الشعر. - وهذا بخلاف ما لو خرجت شعرة من رمشه أو حاجبه مثلًا، ودخلت في عينه فقلعها، فلا فدية عليه.

стр. 94

القاعدة السادسة لا يضمن الأمين تلف العين بلا تعد ولا تفريط، والظالم يضمن مطلقًا المراد بالأمين: من كان المال بيديه برضى صاحب المال. وتلف المال الذي بيديه له صورتان: إما أن يكون بتفريط وإما أن يكون بغير تفريط. - فإن كان بتفريط ضمن؛ لأنَّ هذا هو الأصل، والتفريط كأن يهمل في رعايتها أو حفظها أو أن يستخدمها في غير ما أمره صاحبها، فكل ذلك يكون في ضمانه. ورد عن حكيم بن حزام " أنه كان يشترط على الرجل إذا أعطاه ماله مقارضة يضرب له به: ألَّا تجعل مالي في كبد رطبة، ولا تحمله في بحر، ولا تنزل به في بطن مسيل، فإن فعلت شيئًا من ذلك فقد ضمنتَ مالي" (١). - عن أنس أنَّ عمر بن الخطاب ضمَّنه وديعة سُرقت من بين ماله (٢). قال البيهقي: يحتمل أنه كان فرَّط فيها فضمَّنه إياها بالتفريط (٣). - وإن تلفت بغير تفريط ولا تعد فلا يضمن؛ لأنَّ الله تعالى قال ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١)﴾ [التوبة: ٩١].

стр. 95

ومن فروعها: - إذا تلفت الوديعة في يد المُودَع فإن كان بتفريطه ضمن، وإلا فلا. - إن تلفت العين في يد الوكيل فإن كان بتفريطه ضمن، وإلا فلا. - إن تلف الرهن في يد المرتهن فإن كان بتفريطه ضمن، وإلا فلا. - إن تلفت اللقطة في يد الملتقط فإن كان بتفريطه ضمن، وإلا فلا. - إن هلك المريض في يد الطبيب أو تلف بعض أعضائه، فإن كان بتفريط ضمن وإلا فلا، قال ابن المنذر " وأجمعوا على أنَّ الطبيب إذا لم يتعد لم يضمن " (١). - ومنها: إذا تلف المال في يد الشريك أيًّا كان نوع الشركة فإنه لا يضمن إلا إذا تعدى أو فرط؛ لأنه أمين. * أما غير الأمين وهو الظالم فإنه يضمن تلف العين مطلقًا. والظالم: هو من كانت العين بيده بغير رضى من مالكها وقولنا: (مطلقًا) أي أنه يضمن العين سواء تلفت بتعدٍّ وتفريط أو بدونهما؛ لأنَّ يد الظالم يد متعدية، فيضمن العين ومنافعها مطلقًا. - فيدخل في هذا الغاصب، والخائن في أمانته، ومن عنده عين لغيره، فطلب منه الرد لمالكها أو لوكيله فامتنع ولا عذر له، فإنه ضامن مطلقًا. - وكذلك من عنده لقطة فسكت عليها ولم يعرفها بغير عذر، فإنه يضمن إذا تلفت مطلقًا؛ لأنه كالغاصب أو الخائن. - ومن حصل في يده مال غيره بغير إذنه، ولم يخبر به صاحبه لغير عذر، فإنه يضمن مطلقًا إذا تلف المال.

стр. 96

قال ابن المنذر " وأجمع كل من نحفظ عنه على أنَّ من حمل صبيًّا أو مملوكًا بغير إذن وليه على دابة فتلف أنه ضامن " (١). فكل هؤلاء وما أشبههم ضمنوا؛ لأن أيديهم ليست أمينة وإنما هي أيدٍ ظالمة. الخلاصة: أنَّ المسألة لها ثلاث صور: - الأمين الذي تتلف العين في يده بغير تفريط لا يضمن. - الأمين الذي تتلف العين في يده بتفريطه يضمن. - الظالم المتعدي الذي أخذ المال بغير حق فتلف المال بيده، فهذا يضمن مطلقًا سواء كان تلف المال بسبب تفريطه أم بغير تفريط.

стр. 97

القاعدة السابعة الخروج من الخلاف مستحب والمعنى: أنَّ العمل الذي يصححه الجميع أفضل من الذي يصح عند البعض ولا يصح عند آخرين، وذلك حيث كان الخلاف معتبرًا. وسبب ذلك: أنَّ الخلاف شر، والاجتماع والخروج من الخلاف مما ينشر الألفة والمودة. قال تعالى ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩]، ولذا غضب ﷺ لما رأى الصحابة تنازعوا واختلفوا في القدر، فعن أبي هريرة ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نتنازع في القدر، فغضب حتى احمر وجهه حتى كأنما فقئ في وجنتيه الرمان، فقال أبهذا أمرتم أم بهذا أرسلتُ إليكم؟! إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر عزمتُ عليكم ألَّا تتنازعوا فيه (١). ولما كان الخلاف شرًّا دأب عمل الصحابة والسلف على الاجتماع والوفاق ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا. ومن ذلك: - عن عبدِ الرحمن بنِ يزيد، قال: صلَّى عثمان بمنى أربعًا، فقال عبدُ الله: صليتُ مع النبيِّ ﷺ ركعتين، ومَعَ أبي بكر ركعتين، ومع عُمر ركعتين - زاد

стр. 98

عن حفص - ومع عثمان صدرًا من إمارته، ثم أتمَّها، - زاد مِنْ ها هنا عن أبي معاويةَ - ثم تفرَّقت بكم الطرقُ فلودِدتُ أن لي مِنْ أربع ركعات ركعتينِ مُتقبَّلَتَين. فال الأعمش: فحدثني معاويةُ بنُ قرة عن أشياخه أن عبدَ الله صَلَّى أربعًا، قال: فقِيلَ له: عبتَ على عثمان، ثم صليتَ أربعاً، قال: الخلافُ شَرٌّ (١). - وكان هذا أيضًا فعل أئمة الإسلام وعلمائها: قال ابن تيمية: فما زال الشافعيُّ وأمثاله يصلون خلف أهل المدينة وهم لا يقرءون البسملة سرًّا ولا جهرًا. ومن المأثور أنَّ الرشيد احتجم فاستفتى مالكًا فأفتاه بأنه لا وضوء عليه، فصلَّى خلفه أبو يوسف، ومذهب أبي حنيفة وأحمد أنَّ خروج النجاسة من غير السَّبيلين ينقض الوضوء، ومذهب مالك والشافعي أنه لا ينقض الوضوء، فقيل لأبي يوسف: أتصلِّي خلفه فقال: سبحان اللَّه أمير المؤمنين، فإنَّ ترْك الصلاة خلف الأئمة لمثل ذلك من شعائر أهل البدع كالرافضة والمعتزلة. ولهذا لمَّا سُئل الإمام أحمد عن هذا، فأفتى بوجوب الوضوء؛ فقال له السائل: فإن كان الإمام لا يتوضأ أصلي خلفه؟ فقال: سبحان اللَّه ألا تصلي خلف سعيد بن المسيب ومالك بن أنس (٢). ومن فروعها أيضًا: - استحباب الدلك في الطهارة. - استيعاب الرأس في الوضوء. - اجتناب استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة مع الساتر.

стр. 99

- الترتيب في قضاء الصلوات، وترك صلاة الأداء. أنواع الاختلاف: ١ - اختلاف التنوع: وهو الذي يكون القولان فيه غير متنافيين بل كلاهما على صواب، والاختلاف أتى من اختلاف النظر، أو أنَّ السبب في الاختلاف أنَّ كلًّا منهما عمل بدليل عنده خفي على الآخر، أو نحو ذلك. كالقراءات التي اختلف فيها الصحابة ﵃، فعن ابن مسعود ﵁ قال سمعتُ رجلًا قرأ آية سمعتُ من النبىِّ ﷺ خلافها، فأخذتُ بيده، فأتيتُ به رسولَ اللَّه ﷺ فقال «كلاكما مُحسنٌ». قال شعبة أظنه قال " لا تختلفوا فإنَّ من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا " (١). ومنها صور التشهد المختلفة التي وردت في الأحاديث، وكاختلافهم في معاني بعض الآيات والأحاديث، كتفسير بعضهم " الصراط " بالإسلام، وبعضهم فسره بالسنة، وبعضهم فسره بالجماعة، والكلُّ مصيب؛ لأنَّ اختلافهم اختلاف تنوع لا تضاد. ٢ - اختلاف التضاد: وهو الذي يكون القولان فيه متناقضين، كقول أهل السنة إنَّ الناس يرون الله تعالى يوم القيامة بأعينهم، وأهل البدع يقولون لا يرونه بأعينهم، ومنه اختلاف الفقهاء في صحة الزواج بغير ولي، وغير ذلك، وهذا النوع يجب الرجوع فيه إلى الكتاب والسنة واتباع الحق الوارد فيهما قال تعالى ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩].

стр. 100

ولمراعاة الخلاف شروط: ١ - لايوقع مراعاته في خلاف آخر: ومن ثم كان فصل الوتر أفضل من وصله، ولا يراعى خلاف من لا يُجيز الفصل؛ لأنَّ من العلماء من لا يجيز الوصل. ٢ - أن لا يخالف سنة ثابتة أو أمرًا مجمعًا عليه: ومن ثمَّ يُسن رفع اليدين في الصلاة لورود الدليل بها، ولا يُبالَى برأي من قال بإبطال الصلاة برفع اليدين من الحنفية، وكذلك لا يُراعَى قول من يقول: إنَّ دية المرأة مساوية لدية الرجل لمخالفته النص، والإجماع أنَّ دية المرأة على النصف من دية الرجل (١). ٣ - أن يقوى مأخذه بحيث لا يعد هفوة، ومن ثم كان الصوم في السفر أفضل لمن قوي عليه، ولا يبال بقول داود أنه لا يصح. قال التاج السبكي" فإن ضعف ونأى عن مأخذ الشرع كان معدودًا من الهفوات والسقطات لا من الخلافيات، ونعني بالقوة وقوف المذهب عندها، وتعلق ذي الفطنة بسبيلها، لا انتهاض الحجة بها، فإن الحجة لو انتهضت لما كنا مخالفين لها " (٢).

стр. 101

القاعدة الثامنة الفضيلة المتعلقة بنفس العبادة أولى من المتعلقة بمكانها والمعنى: لو تعارض في حق شخص عملان أحدهما متعلقٌ فضله بذات العبادة، والآخر متعلق فضله بمكان العبادة يقدم الفعل المتعلق بذات العبادة؛ لأنها الأصل. ومن فروعها: - الصلاة في جوف الكعبة أفضل من الصلاة خارجها، فإن لم يرج فيها الجماعة، وكانت الجماعة خارجها فالجماعة خارجها أفضل. - ومنها: صلاة الجماعة خارج المسجد أفضل من الصلاة فرادى فيه. - ومنها: صلاة قيام الليل في البيت أفضل منها في المسجد؛ لأنَّ فعلها في البيت به فضيلة متعلقة بها ألا وهي الخشوع والإخلاص والبعد عن الرياء. - ومنها: القرب من الكعبة في الطواف أفضل، فلو لم يستطع الرمل مع القرب من الكعبة، واستطاع ذلك مع البعد، فالرمل مع البعد أولى؛ لأنه فضيلة متعلقة بذات العبادة.

стр. 102

القاعدة التاسعة الواجب لا يُترَك إلا لواجب والمعنى: أنَّ الشرع لا يأذن بترك الواجب إلا لواجب مثله. وهذا معنى قولهم "ما لا بدَّ منه لا يُترك إلا لما لا بدَّ منه". وقولهم " الواجب لا يترك لسنة ". وقولهم "ما كان ممنوعًا إذا جاز وجب". ومن فروعها: - وجوب قطع يد السارق: لأنه لو لم يجب لكان حرامًا إذ هو إيذاء، وقطع عضو، وإسالة دم، وإيذاء مسلم. - ومنها: إقامة الحدود على ذوي الجرائم. - ومنها: وجوب أكل الميتة للمضطر. - ومنها: قول من قال بوجوب الختان؛ لأنه لو لم يجب لكان حرامًا لما فيه من قطع عضو، وكشف العورة، والنظر إليها، والإيذاء، وإسالة الدم، وكذلك هو جرح فلا تؤمن السراية فيه، وكل هذه محرمات فُعِلَت، أو واجبات تُرِكَت بسبب الختان، فلا يكون تركها إلا لواجب. - ومنها: ما حدث مع الأعرابي لما بال في المسجد، وأمر النبي ﷺ بتركه، فإنَّ الحفاظ على المسجد من النجاسات أمر واجب، فلما تُرك هنا عُلم أنه تُرك لواجب أعلى منه ألا وهو الحفاظ على المسلم من الأذى والضرر.

стр. 103

- ومنها: قول من يقول بوجوب تحية المسجد، ويَستدل لذلك بحديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: جاء رجل والنبي ﷺ يخطب الناس يوم الجمعة فقال "أصليت يافلان" قال: لا، قال "قم فاركع" (١). حيث إنَّ الاستماع إلى الخطبة واجب، فلما تُرك من أجل تحية المسجد عُلم أنها واجبة؛ إذ أنَّ الواجب لا يترك إلا لواجب.

стр. 104

القاعدة العاشرة الأصل في الشرط أنه مباح وصحيح، ويجب الوفاء به إلا ما حرَّم حلالًا أو أحلَّ حرامًا المعنى: أنَّ كل شرط صحيحٌ، ويجب الوفاء به إلا ما منعه الشرع؛ وذلك لأنَّ الاتفاق على الشروط عهود، والوفاء بالعهد واجب ولازم. ودليل ذلك: قوله تعالى ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤)﴾ [الإسراء: ٣٤]، وقال تعالى ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ [البقرة: ١٧٧]، وقال سبحانه أيضًا ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢)﴾ [الصف: ٢]. - قال ﷺ " كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل" (١). - قال ﷺ " المسلمون على شروطهم" (٢). - قال عمر ﵁ " مقاطع الحقوق عند الشروط " (٣). - قال ابن تيمية ﵀ "والأصل في العقود والشروط الجواز والصحة، ولا يحرم منها ويبطل إلا ما دل الشرع على تحريمه وإبطاله نصًّا أو قياسًا" (٤). وهذا يدل على أنَّ كل ما يشترطه الإنسان لابد أن يوفِّيَ به ما لم يخالف نصًّا.

стр. 105

* أقسام الشرط: ١ - شرط صحيح: وهو قسمان: الأول: شرط مطلوب في الشرع كالمهر في عقد النكاح. الثاني: شرط غير مطلوب في الشرع لكنه صحيح؛ لأنه لم يخالف نصًّا. ومثال ذلك: - كاشتراط الولي شراء بيت للزوجة. - ومنها: أن يشترط الولي ألا تنقل الزوجة من بلد أهلها. - ومنها: كأن تشترط المرأة عدم الزواج عليها، فهو شرط صحيح عند بعض العلماء كمالك وأحمد، وورد ذلك عن عمر، وعمرو بن العاص، وشريح القاضي، والأوزاعي وإسحاق (١). ٢ - شرط غير صحيح وباطل: وهو شرط خالف نصًّا. ومثال ذلك: - كأن يُشترط في عقد الزواج عدم الدخول بالزوجة. - ومنها: أن يشترط البائع على المشتري عدم تملك السلعة أو عدم الانتفاع بها. - ومنها: أن يشترط البائع سلفًا وبيعًا. - ومنها: أن يشترط الرجل لآخر أن يُزوجه ابنته على أن يزوجه الآخر أخته مثلًا، وهو المعروف في الشرع ب (نكاح الشغار).

стр. 106

- ومنها: أن يشترط الزوج في العقد عدم المهر. - ومنها: أن يشترط الولي أن يكون الزواج ليلة واحدة؛ ليُحلها لزوجها الأول التي طُلقت منه طلاقًا بائنًا بينونة كبرى، وهو المسمى ب (زواج التحليل). وغير ذلك من الشروط الباطلة والتي تخالف الكتاب والسنة.

стр. 107

القاعدة الحادية عشرة ما ثبت بالشرع مُقدَّم على ما ثبت بالشرط والمعنى: أنَّ الشيء الذي يثبت بالشرع إن تعارض مع شيء ثبت بالشرط قُدِّم الثابت بالشرع؛ وذلك لأنَّ الشرع هو الحاكم، وهذه القاعدة مرتبطة بالقاعدة السابقة وتؤدي نفس معناها. ومن فروعها: - لا يصح نذر الواجب لأنه وجب بالشرع وهو أقوى من الشرط. - ومنها: لو قال طلقتك بألف على أنَّ لي الرجعة سقط قوله بألف ويقع رجعيًّا؛ لأنَّ المال ثبت بالشرط، والرجعة بالشرع، فكان أقوى. - ومنها: لو اشترى قريبه ونوى عتقه عن الكفارة لا يقع عنها؛ لأنَّ عتقه بالقربة حكم قهري، والعتق عن الكفارة يتعلق بإيقاعه واختياره. - ومنها: إذا اجتمع خيار المجلس وخيار الشرط، فيكون له خيار المجلس بالشرع، وخيار الشرط بعده للشرط. ومن هنا رُدت كل الشروط المخالفة للشرع، واعتُبرت شروطًا باطلة غير صحيحة؛ لأنها وإن ثبتت بالشرط لكنها منفية بالشرع، والشرع مقدم على الشرط. - إن اجتمع الشرط أو النذر أو نحوه والشرع واتفقا كان ذلك تأكيدًا لحكم الشرع، إذ أنه في هذه الحالة قد وجب من ناحيتين. قال ابن تيمية "إنَّ ما وجب بالشرع إذا نذره العبد أو بايع عليه الرسول أو الإمام أو تحالف عليه جماعة فإنَّ هذه العهود والمواثيق تقتضي له وجوبًا ثانيًا غير الوجوب الثابت بمجرد الأمر الأول فتكون واجبة من وجهين بحيث يستحق تاركها من العقوبة ما يستحقه ناقض العهود والميثاق، وما يستحقه عاصي الله ورسوله" (١).

стр. 108

القاعدة الثانية عشرة ما حرم استعماله حرم اتِّخاذه والمعنى: أنَّ ما حَرُم على الإنسان استعماله يحرم عليه أن يتخذه وإن لم يستعمله؛ لأنَّ الاتِّخاذ داع إلى الاستعمال، فيحسم الشرع مادة الشر ومقدماتها. - قال ابن تيمية ﵀: تنازع العلماء في جواز اتِّخاذ الآنية - آنية الذهب والفضة - بدون استعمالها فرخص فيه أبوحنيفة والشافعي وأحمد في قول، وإن كان المشهور عنهما تحريمه؛ إذ الأصل أنَّ ما حرم استعماله حرم اتِّخاذه كآلات الملاهي (١). ومن فروعها: - حرمة اتِّخاذ آلات الملاهي والمعازف ونحوها، وإن لم تُستخدم. - ومنها: حرمة اتِّخاذ أواني الذهب والفضة، وإن لم يأكل أو يشرب فيها. - ومنها: حرمة اتِّخاذ كلب الصيد لمن لا يصيد به. - ومنها: حرمة اتِّخاذ الخمر، وإن لم يشربها أو يبعها. - ومنها: حرمة اتِّخاذ الخنزير وإن لم يأكله. - ومنها: حرمة اتِّخاذ الحلي للرجل وإن لم يلبسه. - ومنها: حرمة اتِّخاذ ملابس الحرير للرجل وإن لم يلبسها.

стр. 109

القاعدة الثالثة عشرة ما حرم أخذه حرم إعطاؤه والمعنى: أنَّ الشيء المحرم الذي لا يجوز أخذه والاستفادة منه يحرم عليه أيضًا أن يقدمه لغيره ويعطيه إياه، سواء أكان على سبيل المنحة ابتداءً، أم على سبيل المقابلة؛ وذلك لأنَّ إعطاءه الغير عندئذ يكون من قبيل الدعوة إلى المحرم أو الإعانة والتشجيع عليه، فيكون المعطي شريكًا. ومن فروعها: - كما يحرم أخذ الربا يحرم إعطاؤه. - ومنها: حلوان الكاهن كما يحرم أخذه يحرم إعطاؤه. - ومنها: أجرة المُغَنِّي وأصحاب المعازف كما يحرم أخذها يحرم إعطاؤها. - ومنها: كما يحرم أخذ أجرة النائحة يحرم إعطاؤها. - ومنها: الوشم والنمص كما يحرم أخذ الأجرة عليه يحرم إعطاؤها. - ومنها: كما يحرم أخذ الرشوة يحرم إعطاؤها، ولا تملك بالقبض ويجب ردها ولو كانت بغير طلب المرتشي، وغير ذلك من الصور. واستثنى العلماء في الرشوة صورًا كلها تدور حول من يطلب حقه، ولا يستطيع الوصول إليه إلا بالرشوة، أو من يخاف على نفسه ضررًا، ولا يستطيع دفعه إلا بها. - ومن ذلك: الرشوة للقاضي ليصل إلى حقه إن غلب على ظنه أنه لن يصله إلا بذاك. - ومنها: الرشوة لفك الأسير.

стр. 110

- ومنها: الرشوة لمن يخاف ضرره ولا يستطيع دفعه إلا بذلك، كما لو خاف صاحب المال من أن يستولي غاصب على ماله. * وقريب من هذه القاعدة قولهم " كل ما حرم فعله حرم طلبه، وكذا كل ما يكره فعله يكره طلبه"؛ إذ السكوت على الحرام أو المكروه والتمكين منه حرام أو مكروه، ولا شك أنَّ طلبه فوق السكوت عليه والتمكين منه، فيكون مثله في أصل الحرمة بالأولى وإن تفاوتت الحرمتان في القوة. - ومنها: كما لا يجوز أخذ مال الغير بالغش ولا بالخديعة ولا بالخيانة لا يجوز طلبه، ومن المقرر شرعاً أنه كما لا يجوز فعل الحرام لا يجوز الإعانة والتشجيع عليه. وكل ذلك لأنه تعاون على الإثم والعدوان وقد قال تعالى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].
следующие страницы →