← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 30133

الدرة في الحج والعمرة

يحيى الحجوري

Полный текст (604 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: السَّيْرُ لِمَصْلَحَةِ الْحَرْبِ أَخَصُّ مِنَ السَّفَرِ، وَالْخَبَرُ وَرَدَ فِي السَّفَرِ، فَيُؤْخَذُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ جَوَازُ السَّفَرِ مُنْفَرِدًا لِلضَّرُورَةِ وَالْمَصْلَحَةِ الَّتِي لَا تَنْتَظِمُ إِلَّا بِالِانْفِرَادِ؛ كَإِرْسَالِ الْجَاسُوسِ وَالطَّلِيعَةِ، وَالْكَرَاهَةُ لِمَا عَدَا ذَلِكَ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ حَالَةُ الْجَوَازِ مُقَيَّدَةً بِالْحَاجَةِ عِنْدَ الْأَمْنِ وَحَالَةُ الْمَنْعِ مُقَيَّدَةً بِالْخَوْفِ حَيْثُ لَا ضَرُورَةَ. اهـ. وحديث ابْنِ عَمْرٍو ﵄ أخرجه ابن خزيمة (١)، من طريق مُحَمَدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، به، وبوب عليه: بَابُ النَّهْيِ عَنْ سَيْرِ الِاثْنَيْنِ، وَالدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مَا دُونَ الثَّلَاثِ مِنَ الْمُسَافِرِينَ فَهُمْ عُصَاةٌ، إِذِ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ أَعْلَمَ أَنَّ الْوَاحِدَ شَيْطَانٌ، وَالِاثْنَانِ شَيْطَانَانِ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: (شَيْطَانٌ) أي: عَاصِي، كَقَوْلِهِ: شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، وَمَعْنَاهُ: عُصَاةُ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ. ونقل المناوي في «فيض القدير» رقم (٤٤٩١)، عن الطبري قوله: هذا زجر أدب وإرشاد لما يُخاف على الواحد من الوحشة، وليس بحرام، فالسائر وحده بفلاة، والبائت في بيت وحده لا يأمن من الاستيحاش، سيَّما إن كان ذا فكرة رديئة، أو قلب ضعيف، والحقُّ أن الناس يتفاوتون في ذلك، فوقع الزجرُ لحسم المادة، فيُكره

стр. 37

الانفراد سدًا للباب، والكراهة في الاثنين أخف منها في الواحد. اهـ. ١٠ - توديع المسافر أهله: عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا وَدَّعَ رَجُلًا أَخَذَ بِيَدِهِ، فَلَا يَدَعُهَا حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ يَدَعُ يَدَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَيَقُولُ: «اسْتَوْدِعِ اللَّهَ دِينَكَ وَأَمَانَتَكَ وَآخِرَ عَمَلِكَ» (١)، وقال الترمذي: وَرُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ. اهـ. عن عَبْدِ اللَّهِ الْخَطْمِيِّ ﵁، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَوْدِعَ الْجَيْشَ قَالَ: «أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَكُمْ وَأَمَانَتَكُمْ وَخَوَاتِيمَ أَعْمَالِكُمْ» (٢). قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ لِرَجُلٍ: تَعَالَ أُوَدِّعْكَ كَمَا وَدَّعَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اسْتَوْدَعْتُكَ اللَّهَ الَّذِي لَا يُضَيِّعُ وَدَائِعَهُ» (٣). وقد جاء عند الطبراني في «الدعاء» (٨٢٣)، تحت بَابِ مَا يَقُولُ الْمُسَافِرُ لِمُخَلِّفِيهِ عِنْدَ الْوَدَاعِ، وابن السني (٥٠٨) تحت بَابِ مَا يَقُولُ لِأَهْلِهِ إِذَا وَدَّعَهُمْ، بلفظ: إِذَا

стр. 38

أَرَدْتَ سَفَرًا أَوْ تَخْرُجُ مَكَانًا تَقُولُ لِأَهْلِكَ: «أَسْتَوْدِعُكُمُ اللَّهَ الَّذِي لَا يُخَيِّبُ وَدَائِعَهُ»، والحديث صحيح، وهو صالح أن يقوله المسافر للمقيم، والمقيم للمسافر. ١١ - الأمارة في السفر: وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄، قَالا: قَال أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا خَرَجَ ثَلَاثَةٌ فِي سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ» (١)، وعَنْ بُرَيْدَةَ ﵁، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ، أَوْ سَرِيَّةٍ، أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللهِ (٢). والحكمه من الإمارة في السفر، هي: ما قال البغوي ﵀ في «شرح السنة» (١١/ ٢٣): وَإِنَّمَا أَمَرَ بِذَلِكَ، لأَنَّهُمْ إِذَا صَدَرُوا عَنْ رَأْيٍ وَاحِدٍ يَكُونُ ذَلِكَ أَبْعَدَ مِنْ وُقُوعِ الاخْتِلافِ بَيْنَهُمْ. اهـ. وقوله: (إذا كانوا ثلاثة): أي: فما فوق، فمفهومه أنَّ الاثنين لا يتأمر أحدهما على الآخر في السفر. ١٢ - عدم نوم المسافر في جادَّة الطريق وليكن سيره في السفر حسب راحته وراحة راحلته: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا سَافَرْتُمْ فِي الْخِصْبِ،

стр. 39

فَأَعْطُوا الْإِبِلَ حَظَّهَا مِنَ الْأَرْضِ، وَإِذَا سَافَرْتُمْ فِي السَّنَةِ، فَأَسْرِعُوا عَلَيْهَا السَّيْرَ، وَإِذَا عَرَّسْتُمْ بِاللَّيْلِ، فَاجْتَنِبُوا الطَّرِيقَ، فَإِنَّهَا مَأْوَى الْهَوَامِّ بِاللَّيْلِ» (١). قال النووي: فيه الْحَثُّ عَلَى الرِّفْقِ بِالدَّوَابِّ وَمُرَاعَاةُ مَصْلَحَتِهَا فَإِنْ سَافَرُوا فِي الْخِصْبِ قَلَّلُوا السَّيْرَ وَتَرَكُوهَا تَرْعَى فِي بَعْضِ النَّهَارِ وَفِي أَثْنَاءِ السَّيْرِ فَتَأْخُذُ حَظَّهَا مِنَ الْأَرْضِ بِمَا تَرْعَاهُ مِنْهَا، وَإِنْ سَافَرُوا فِي الْقَحْطِ عَجَّلُوا السَّيْرَ لِيَصِلُوا الْمَقْصِدَ وَفِيهَا بَقِيَّةٌ مِنْ قُوَّتِهَا، وَلَا يُقَلِّلُوا السَّيْرَ فَيَلْحَقَهَا الضَّرَرُ؛ لِأَنَّهَا لَا تَجِدُ مَا تَرْعَى فَتَضْعُفُ وَيَذْهَبُ نِقْيُهَا، وَرُبَّمَا كَلَّتْ وَوَقَفَتْ. اهـ. ١٣ - يحرص المسافر على أداء الصلاة جماعة في أوقاتها (٢): وعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا كَانَ فِي سَفَرٍ فَعَرَّسَ بِلَيْلٍ، اضْطَجَعَ عَلَى يَمِينِهِ، وَإِذَا عَرَّسَ قُبَيْلَ الصُّبْحِ نَصَبَ ذِرَاعَهُ،

стр. 40

وَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى كَفِّهِ» (١). وأخرج مسلم (٢)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ قَفَلَ مِنْ غَزْوَةِ خَيْبَرَ، سَارَ لَيْلَهُ حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْكَرَى عَرَّسَ، وَقَالَ لِبِلَالٍ: «اكْلَأْ لَنَا اللَّيْلَ»، فَصَلَّى بِلَالٌ مَا قُدِّرَ لَهُ، وَنَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، فَلَمَّا تَقَارَبَ الْفَجْرُ اسْتَنَدَ بِلَالٌ إِلَى رَاحِلَتِهِ مُوَاجِهَ الْفَجْرِ، فَغَلَبَتْ بِلَالًا عَيْنَاهُ وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى رَاحِلَتِهِ، فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَلَا بِلَالٌ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى ضَرَبَتْهُمُ الشَّمْسُ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَوَّلَهُمُ اسْتِيقَاظًا، فَفَزِعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: «أَيْ بِلَالُ» فَقَالَ بِلَالُ: أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ - بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ - بِنَفْسِكَ، قَالَ: «اقْتَادُوا»، فَاقْتَادُوا رَوَاحِلَهُمْ شَيْئًا، ثُمَّ تَوَضَّأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَأَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ الصَّلَاةَ، فَصَلَّى بِهِمُ الصُّبْحَ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ: «مَنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا»، فَإِنَّ اللهَ قَالَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ [طه: ١٤]، قَالَ يُونُسُ: وَكَانَ ابْنُ شِهَابٍ: يَقْرَؤُهَا: لِلذِّكْرَى. وأخرج مسلم أيضًا عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ (٣)، وفيه: فَمَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ

стр. 41

الطَّرِيقِ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ قَالَ: «احْفَظُوا عَلَيْنَا صَلَاتَنَا»، فَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالشَّمْسُ فِي ظَهْرِهِ، قَالَ: فَقُمْنَا فَزِعِينَ، ثُمَّ قَالَ: «ارْكَبُوا»، فَرَكِبْنَا فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ نَزَلَ، ثُمَّ دَعَا بِمِيضَأَةٍ كَانَتْ مَعِي فِيهَا شَيْءٌ مِنْ مَاءٍ، قَالَ: فَتَوَضَّأَ مِنْهَا وُضُوءًا دُونَ وُضُوءٍ، قَالَ: وَبَقِيَ فِيهَا شَيْءٌ مَنْ مَاءٍ، ثُمَّ قَالَ لِأَبِي قَتَادَةَ: «احْفَظْ عَلَيْنَا مِيضَأَتَكَ، فَسَيَكُونُ لَهَا نَبَأٌ»، ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ بِالصَّلَاةِ، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى الْغَدَاةَ، فَصَنَعَ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ كُلَّ يَوْمٍ، قَالَ: وَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَرَكِبْنَا مَعَهُ، قَالَ: فَجَعَلَ بَعْضُنَا يَهْمِسُ إِلَى بَعْضٍ مَا كَفَّارَةُ مَا صَنَعْنَا بِتَفْرِيطِنَا فِي صَلَاتِنَا؟ ثُمَّ قَالَ: «أَمَا لَكُمْ فِيَّ أُسْوَةٌ»، ثُمَّ قَالَ: «أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ فِيَّ النَّوْمِ تَفْرِيطٌ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَجِيءَ وَقْتُ الصَّلَاةَ الْأُخْرَى، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلْيُصَلِّهَا حِينَ يَنْتَبِهُ لَهَا»، الحديث. قصر الرباعية إلى ركعتين في السفر الطويل أو القصير عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «الصَّلَاةُ أَوَّلُ مَا فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ الحَضَرِ»، قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَقُلْتُ لِعُرْوَةَ: مَا بَالُ عَائِشَةَ تُتِمُّ؟ قَالَ: تَأَوَّلَتْ مَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ (١).

стр. 42

وعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ هَاجَرَ النَّبِيُّ ﷺ فَفُرِضَتْ أَرْبَعًا، وَتُرِكَتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى الأُولَى» (١). وعَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: قَالَتْ: «كَانَ أَوَّلَ مَا افْتُرِضَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الصَّلَاةُ: رَكْعَتَانِ رَكْعَتَانِ، إِلَّا الْمَغْرِبَ، فَإِنَّهَا كَانَتْ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَتَمَّ اللَّهُ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْعِشَاءَ الْآخِرَةَ أَرْبَعًا فِي الْحَضَرِ، وَأَقَرَّ الصَّلَاةَ عَلَى فَرْضِهَا الْأَوَّلِ فِي السَّفَرِ» (٢). وعَنْ عُمَرَ ﵁، قَالَ: «صَلَاةُ الْأَضْحَى رَكْعَتَانِ، وَصَلَاةُ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ، وَصَلَاةُ الْفِطْرِ رَكْعَتَانِ، وَصَلَاةُ الْمُسَافِرِ رَكْعَتَانِ تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ، وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى» (٣). وصححه الألباني ﵀ في «إرواء الغليل» (٦٣٨)؛ إلا أنَّ الروايات الصحيحة عند أحمد رقم (٢٥٧)، وغيره، من طريق سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ.

стр. 43

وعند النسائي في «الكبرى» (٥٧٤)، وغيره، من طريق شُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ. وعند ابن ماجه (١٠٦٣)، والنسائي في «المجتبى» (١٤٢١)، من طريق شَرِيكٍ الْقَاضِي. ثلاثتهم رووا الحديث، عَنْ زُبَيْدٍ الْيَامِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عُمَرُ به، بغير واسطة كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ. ورجح الحفاظ رواية: سُفْيَانَ، وشُعْبَةَ، وشَرِيكٍ عَنْ زُبَيْدٍ الْيَامِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عُمَرُ بدون واسطة كَعْبٍ. وقال ابن أبي حاتم في «العلل» (٣٨١): قَالَ أَبِي: الثوريُّ أحفَظُ. وقال (٥٨٥): الحديثَ، ليسَ فِيهِ كَعْبٌ، وسُفْيانُ أحفَظُ. اهـ. وقال الدارقطني في «العلل» رقم (١٥٠)، - بعد ذكر الخلاف في طرقه -: وَالْمَحْفُوظُ عَنْ زُبَيْدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عُمَرَ، وَهُوَ الصَّوَابُ إن شاء الله تعالى. اهـ. وقال البزار في «مسنده» رقم (٣٣١): وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ يَزِيدُ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ زُبَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، عَنْ عُمَرَ، وَشُعْبَةَ، وَالثَّوْرِيَّ فَلَمْ يَذْكُرَا كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ، وَهُمَا حَافِظَانِ. وَيَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ فَغَيْرُ حَافَظٍ. اهـ. قُلْتُ: فعلم أنَّ الرواية المتصلة بذكر كعب شاذة، تفرد بها يزيد بن زياد، وقد

стр. 44

قال عنه الحافظ في «التقريب»: صدوق. اهـ. والراجح أنه ثقة، وثقه جماعة كما في «التهذيب»؛ لكنه غير حافظ، والثوري وشعبة أرجح من أعداد مثله، فلم تبقَ إلا رواية ابن أبي ليلى عن عمر، وقد اختلف في سماعه من عمر. قال ابن المديني: لم يثبت عندنا من جهة صحيحة أن ابن أبي ليلى سمع من عمر، وكان شعبه ينكر أنه سمع من عمر، وقال ابن معين لم يرى عمر. اهـ. فقيل له: قوله: سمعت عمر يقول: (صلاة الجمعة ركعتان)، فذكر هذا الحديث، قال: ليس بشيءٍ. وسئل أبو حاتم: هل يصح له سماع من عمر، قال: لا. اهـ من «تحفة التحصيل»، لأبي زرعه العراقي. وقال النسائي عقب هذا الحديث (١٤٢١): لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عُمَرَ. اهـ. وممن أثبت روايته عن عمر، مسلم في «مقدمة صحيحه» في آخر بَاب صِحَّةِ الِاحْتِجَاجِ بِالْحَدِيثِ الْمُعَنْعَنِ، فقال: وَأَسْنَدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، وَقَدْ حَفِظَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. اهـ. وأخرج أبو يعلى في «مسنده»: من طريق الْأَعْمَشِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى، حَدَّثَهُ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إِلَى مَكَّةَ، فَاسْتَقْبَلَنَا أَمِيرُ مَكَّةَ نَافِعُ بْنُ عَلْقَمَةَ، وذكر قوله: مَنِ اسْتَخْلَفْتَ عَلَى مَكَّةَ؟، إلى

стр. 45

قوله: «إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بِالْقُرْآنِ أَقْوَامًا، وَيَضَعُ بِالْقُرْآنِ أَقْوَامًا» (١). فحاصله: أنه ليس هناك ما يثبت سماع عبد الرحمن بن أبي ليلى، من عمر كما نصَّ عليه الحفاظ. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «صَلَاةُ السَّفَرِ رَكْعَتَانِ مَنْ خَالَفَ السُّنَّةَ فَقَدْ كَفَرَ» (٢)، وعَنْ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: مَنْ صَلَّى فِي السَّفَرِ أَرْبَعًا كَانَ كَمَنْ صَلَّى فِي الْحَضَرِ رَكْعَتَيْنِ (٣)، وعَنْ مُوسَى بْنِ سَلَمَةَ الْهُذَلِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ: كَيْفَ أُصَلِّي إِذَا كُنْتُ بِمَكَّةَ، إِذَا لَمْ أُصَلِّ مَعَ الْإِمَامِ؟ فَقَالَ: «رَكْعَتَيْنِ سُنَّةَ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ » (٤). وعن أَبِي جَمْرَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَا تَطِيبُ نَفْسِي أَنْ أُصَلِّيَ بِمَكَّةَ

стр. 46

رَكْعَتَيْنِ، قَالَ: أَفَتَطِيبُ نَفْسُكَ أَنْ تُصَلِّيَ الصُّبْحَ أَرْبَعًا؟ (١). قال الإمام البخاري ﵀ رقم (١١٠٢): حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عِيسَى بْنِ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي: أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: «صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَكَانَ لَا يَزِيدُ فِي السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ كَذَلِكَ ﵃». وأخرجه برقم (١١٠١)، وفيه: قَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: صَحِبْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَلَمْ أَرَهُ يُسَبِّحُ فِي السَّفَرِ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: قَالَ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. وأخرجه مسلم، بزيادة: (فَلَمْ يَزِدْ أَحَدٌ مِنْهُم فِي السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ)، وفيه إشكال يظهر في الحديث الذي سنذكره بعده مع توجيهه إن شاء الله. قال الإمام البخاري ﵀ (٢): حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ

стр. 47

عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ وَمَعَ عُثْمَانَ صَدْرًا مِنْ إِمَارَتِهِ ثُمَّ أَتَمَّهَا». وأوضح هذا الإشكال ما أخرجه الإمام البخاري ﵀ رقم (١٠٨٤)، قال: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ، يَقُولُ: صَلَّى بِنَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁ بِمِنًى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فَقِيلَ: ذَلِكَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، فَاسْتَرْجَعَ، ثُمَّ قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ»، فَلَيْتَ حَظِّي مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَانِ مُتَقَبَّلَتَانِ. وأخرجه مسلم رقم (٦٩٥)، زاد أبو داود (١٩٦٠)، فَقِيلَ لابْنِ مَسْعُودٍ: عِبْتَ عَلَى عُثْمَانَ ثُمَّ صَلَّيْتُ أَرْبَعًا، قَالَ: الْخِلَافُ شَرٌّ. فبان الإشكال مع رواية ابن عمر الأولى التي فيها: (أنَّ عثمان صلى بمنى ركعتين ركعتين حتى قبض)؛ لأن في روايته الأخرى: (أنه بعد ذلك أتم). وفي حديث ابن مسعود أنَّ عثمان صلى أربعًا في منى. وقد جمع النووي ﵀ بين هذه الروايات، فقال في شرحه على «صحيح مسلم»: وَتَأَوَّلَ الْعُلَمَاءُ رِوَايَة حديث ابن عمر: أَنَّ عُثْمَانَ لَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى

стр. 48

قَبَضَهُ اللَّهُ، - هذا في السفر، أما في منى فقد كان يقصر من قبل ثم أتم بعد ذلك - وَالرِّوَايَاتُ الْمَشْهُورَةُ بِإِتْمَامِ عُثْمَانَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْإِتْمَامِ بِمِنًى خَاصَّةً. وَقَدْ فَسَّرَ عِمْرَانُ بْنُ الْحُصَيْنِ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّ إِتْمَامَ عُثْمَانَ إِنَّمَا كَانَ بِمِنًى وَكَذَا ظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِمٌ. اهـ. فتبين أنَّ عثمان ﵁ كان إذا سافر قصر وكان يفعل ذلك حتى قبضه الله، وأنه كان يقصر في منى في أول إمارته ثم بعد ذلك أتم في آخر أمره في منى اجتهادًا منه. المسافر يقصر إذا جاوز بيوت قريته وفي رجوعه حتى يدخلها قال الإمام البخاري ﵀ (١): حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: «صَلَّيْتُ الظُّهْرَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَبِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ»، واستدل بهذا الحديث أنَّ المسافر يبدأ القصر إذا جاوز بيوت قريته كما سيأتي بعد هذا. قال شيخ الإسلام ﵀، - بعد كلام له في القصر -: وَأَمَّا الْقَصْرُ فَكُلُّ الصَّحَابَةِ كَانُوا يَقْصُرُونَ مِنْهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ وَغَيْرُ أَهْلِ مَكَّةِ بِمِنًى وَعَرَفَةَ وَغَيْرِهِمَا، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ نَقَلُوا بِالتَّوَاتُرِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُصَلِّ فِي السَّفَرِ إلَّا رَكْعَتَيْنِ

стр. 49

وَلَمْ يَنْقُلْ عَنْهُ أَحَدٌ أَنَّهُ صَلَّى أَرْبَعًا قَطُّ وَلَكِنَّ الثَّابِتَ عَنْهُ أَنَّهُ صَامَ فِي السَّفَرِ وَأَفْطَرَ وَكَانَ أَصْحَابُهُ مِنْهُمْ الصَّائِمُ، وَمِنْهُمْ الْمُفْطِرُ. اهـ من «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٨ - ٩). قال الإمام ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (١/ ٤٤٧): وَكَانَ يَقْصُرُ الرُّبَاعِيَّةَ، فَيُصَلِّيهَا رَكْعَتَيْنِ مِنْ حِينِ يَخْرُجُ مُسَافِرًا إِلَى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ أَنَّهُ أَتَمَّ الرُّبَاعِيَّةَ فِي سَفَرِهِ الْبَتَّةَ، وَأَمَّا حَدِيثُ عائشة: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْصُرُ فِي السَّفَرِ، وَيُتِمُّ، وَيُفْطِرُ، وَيَصُومُ»، فَلَا يَصِحَّ. وَسَمِعْتُ شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ يَقُولُ: هُوَ كَذِبٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْتَهَى، وَقَدْ رُوِيَ كَانَ يَقْصُرُ وَتُتِمُّ، الْأَوَّلُ بِالْيَاءِ آخِرِ الْحُرُوفِ، وَالثَّانِي بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقٍ، وَكَذَلِكَ يُفْطِرُ وَتَصُومُ، أَيْ: تَأْخُذُ هِيَ بِالْعَزِيمَةِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ. قَالَ: شَيْخُنَا ابن تيمية: وَهَذَا بَاطِلٌ مَا كَانَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ لِتُخَالِفَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَجَمِيعَ أَصْحَابِهِ، فَتُصَلِّيَ خِلَافَ صَلَاتِهِمْ، كَيْفَ وَالصَّحِيحُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: «إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ الصَّلَاةَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ، زِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ، وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ»، فَكَيْفَ يُظَنُّ بِهَا مَعَ ذَلِكَ أَنْ تُصَلِّيَ بِخِلَافِ صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْمُسْلِمِينَ مَعَهُ. قُلْتُ: وَقَدْ أَتَمَّتْ عائشة بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: إِنَّهَا تَأَوَّلَتْ كَمَا تَأَوَّلَ عثمان، وَإِنَّ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ يَقْصُرُ دَائِمًا، فَرَكَّبَ بَعْضُ الرُّوَاةِ مِنَ

стр. 50

الْحَدِيثَيْنِ حَدِيثًا، وَقَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْصُرُ وَتُتِمُّ هِيَ، فَغَلِطَ بَعْضُ الرُّوَاةِ، فَقَالَ: كَانَ يَقْصُرُ وَيُتِمُّ، أَيْ هُوَ. وَالتَّأْوِيلُ الَّذِي تَأَوَّلَتْهُ قَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ، فَقِيلَ ظَنَّتْ أَنَّ الْقَصْرَ مَشْرُوطٌ بِالْخَوْفِ فِي السَّفَرِ، فَإِذَا زَالَ الْخَوْفُ زَالَ سَبَبُ الْقَصْرِ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ غَيْرُ صَحِيحٍ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَافَرَ آمِنًا وَكَانَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ. اهـ. وقال ابن حزم في «المحلى» مسألة (٥١٢): وَكَوْنُ الصَّلَاة الْمَذْكُورَةِ فِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ فَرْضٌ سَوَاءٌ كَانَ سَفَرَ طَاعَةٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ، أَوْ لَا طَاعَةَ وَلَا مَعْصِيَةَ، أَمْنًا كَانَ أَوْ خَوْفًا. اهـ. قال الشوكاني ﵀، بعد عرض قول الفريقين في المسألة: وَقَدْ لَاحَ مِنْ مَجْمُوعِ مَا ذَكَرْنَا رُجْحَانُ الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ، وَأَمَّا دَعْوَى أَنَّ التَّمَام أَفْضَلُ فَمَدْفُوعَةٌ بِمُلَازَمَتِهِ ﷺ لِلْقَصْرِ فِي جَمِيعِ أَسْفَارِهِ وَعَدَمِ صُدُورِ التَّمَامِ عَنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَيَبْعُدُ أَنْ يُلَازِمَ ﷺ طُولَ عُمْرِهِ الْمَفْضُولَ وَيَدَعَ الْأَفْضَلَ. اهـ من «نيل الأوطار» (٣/ ٢٠٢). قُلْتُ: وبهذا قال عمر بن عبد العزيز، وسفيان الثوري، والحسن بن صالح، والظاهرية أجمعون، وغيرهم ممن يطول الكلام بذكرهم، والمقصود هو معرفة الراجح وقد تبين بهذا أنَّ القصر للمسافر واجب. وإليك أهم ما استدل به الجمهور على عدم وجوب القصر في السفر، وأنه أفضل من الإتمام فقط:

стр. 51

• قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]، قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: وَلَا يُسْتَعْمَلُ لَا جُنَاحَ إلَّا فِي الْمُبَاحِ. «المجموع للنووي» (٤/ ٣٣٩). • حديث عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁: أنَّ يَعْلَى بْنَ أُمَيَّةَ، قَالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، فَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ، فَقَالَ: عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتُ مِنْهُ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» (١)، قالوا: فالقصر إنما هو صدقة ورخصة وليس بواجب. • قالوا: ثبت عن عثمان ﵁ أنه أتم الصلاة بمنى، وصلى خلفه ابن مسعود وغيره، ولو لم يكن الإتمام جائزًا لما أقره أصحاب رسول الله ﷺ على ذلك. • قالوا: ثبت من حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ الكَعْبِيّ ﵁، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قال: «إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ شَطْرَ الصَّلَاةِ عَنِ الْمُسَافِرِ، وَوَضَعَ الصَّوْمَ الحامل وَالْمُرْضِعِ»، فهذا الحديث يدل أنَّ الله سبحانه إنما خفف للمسافر، فأذن له في القصر تخفيفًا فقط فهو رخصة، كما أنَّ الفطر والمسح على الخفين ثلاثة أيام بلياليهن رخصة للمسافر يجوز له فعله وتركه.

стр. 52

• قالوا: وقد جاء من حديث عَائِشَةَ ﵂، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْصُرُ فِي السَّفَرِ وَيُتِمُّ، وَيُفْطِرُ وَيَصُومُ»، وتقدم أنَّه حديث باطل. فهذا أهم ما لهم من الأدلة على جواز الإتمام في السفر كما ذكر ذلك النووي في «المجموع»، والشوكاني في «النيل» وغيرهما، ورد من قال بوجوب القصر على استدلالهم بما يلي: • أما استدلالهم بالآية: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]، فالمقصود بالقصر هنا: قصر الصفة في الركوع، والخشوع، والسجود، والتخفيف في القراءة، ونحو ذلك، وتشمل قصر العدد. قال ابن القيم ﵀: وَالْآيَةُ قَدِ أُشْكِلَتْ عَلَى عمر وَعَلَى غَيْرِهِ، فَسَأَلَ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَجَابَهُ بِالشِّفَاءِ، وَأَنَّ هَذَا صَدَقَةٌ مِنَ اللَّهِ وَشَرْعٌ شَرَعَهُ لِلْأُمَّةِ، وَكَانَ هَذَا بَيَانَ أَنَّ حُكْمَ الْمَفْهُومِ غَيْرُ مُرَادٍ وَأَنَّ الْجُنَاحَ مُرْتَفِعٌ فِي قَصْرِ الصَّلَاةِ عَنِ الْآمِنِ وَالْخَائِفِ، وَغَايَتُهُ أَنَّهُ نَوْعُ تَخْصِيصٍ لِلْمَفْهُومِ أَوْ رَفْعٍ لَهُ، وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ الْآيَةَ اقْتَضَتْ قَصْرًا يَتَنَاوَلُ قَصْرَ الْأَرْكَانِ بِالتَّخْفِيفِ، وَقَصْرَ الْعَدَدِ بِنُقْصَانِ رَكْعَتَيْنِ، وَقُيَّدَ ذَلِكَ بِأَمْرَيْنِ: الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ وَالْخَوْفِ، فَإِذَا وُجِدَ الْأَمْرَانِ أُبِيحَ الْقَصْرَانِ، فَيُصَلُّونَ صَلَاةَ الْخَوْفِ مَقْصُورَةً عَدَدُهَا وَأَرْكَانُهَا، وَإِنِ انْتَفَى الْأَمْرَانِ فَكَانُوا آمِنِينَ مُقِيمِينَ انْتَفَى الْقَصْرَانِ فَيُصَلُّونَ صَلَاةً تَامَّةً كَامِلَةً، وَإِنْ وُجِدَ أَحَدُ السَّبَبَيْنِ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ قَصْرُهُ وَحْدَهُ، فَإِذَا وُجِدَ الْخَوْفُ وَالْإِقَامَةُ قُصِرَتِ الْأَرْكَانُ

стр. 53

وَاسْتُوفِيَ الْعَدَدُ، وَهَذَا نَوْعُ قَصْرٍ، وَلَيْسَ بِالْقَصْرِ الْمُطْلَقِ فِي الْآيَةِ، فَإِنْ وُجِدَ السَّفَرُ وَالْأَمْنُ قُصِرَ الْعَدَدُ وَاسْتُوفِيَ الْأَرْكَانُ، وَسُمِّيَتْ صَلَاةَ أَمْنٍ، وَهَذَا نَوْعُ قَصْرٍ، وَلَيْسَ بِالْقَصْرِ الْمُطْلَقِ. اهـ من «زاد المعاد» (١/ ٤٦٦)، ونقل ملخص البحث الشوكاني في «نيل بالأوطار» (٣/ ٢٠١). قال ابن كثير ﵀ بعد ذكر بعض الأحاديث الماضية عندنا، قال: فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ دَالَّةٌ صَرِيحًا عَلَى أَنَّ الْقَصْرَ لَيْسَ مَنْ شَرْطِهِ وُجُودُ الْخَوْفِ؛ وَلِهَذَا قَالَ مَنْ قَالَ مِنَ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْقَصْرِ هَاهُنَا إِنَّمَا هُوَ قَصْرُ الْكَيْفِيَّةِ لَا الْكَمِّيَّةِ. وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وَالضَّحَّاكِ، وَالسُّدِّيِّ. اهـ. قُلْتُ: بل وقول عائشة، وابن عباس ﵄ كما في «زاد المعاد»، وعمر، وابن عمر، وجابر بن عبد الله، كلهم ثبت عنهم: أنَّ صلاة السفر ركعتان. • وأما حديث عمر ﵁: «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ»، ففي الحديث نفسه ما يدل على وجوب قبول هذه الصدقة، فقال في آخره: «فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ». قال ابن حزم ﵀ في «المحلى» (٤/ ٢٦٧): أَمَرَ ﵇ بِقَبُولِهَا، فَيَكُونُ مَنْ لَا يَقْبَلُهَا عَاصِيًا. اهـ. • وأما كون عثمان ﵁ أتم في منى، فالجواب عنه من وجهين: الأول: أن الله سبحانه لم يلزمنا بطاعة أحد من خلقه دون رسول الله ﷺ ،

стр. 54

فهو المعصوم دون أفراد أصحابه رضوان الله عليهم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وقال سبحانه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الممتحنة: ٦]. الثاني: أنَّ عثمان ﵁ قد تأول في إتمامه في منى، واختلفوا في نوع تأويله، فذكر ابن القيم ﵀ ستة تأويلات كلها عليها انتقاد، قال: وأحسن ما اعتذر به عن عثمان ﵁: أَنَّهُ كَانَ قَدْ تَأَهَّلَ بِمِنًى وَالْمُسَافِرُ إِذَا أَقَامَ فِي مَوْضِعٍ، وَتَزَوَّجَ فِيهِ، أَوْ كَانَ لَهُ بِهِ زَوْجَةٌ، أَتَمَّ. اهـ من «زاد المعاد» (١/ ٤٧٠). قُلْتُ: وهذا القول جاء فيه حديث ضعيف كما سنبينه إن شاء الله في مسألة من تزوج في مكان أو كان له ببلد زوجة هل يتم، وأحسن منه أن يقال في ذلك إن عثمان ﵁ اجتهد في فهم الآية: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، ففهم أنَّ القصر يكون في حالة السفر مع الخوف كما فهمت عائشة منها كذلك، ولم يوافقهما جميع أصحاب رسول الله ﷺ على هذا الفهم، لوجود النصوص المتكاثرة عن رسول الله ﷺ على بيان الآية: أنَّ المراد بها قصر الصفة كما تقدم، فيكون مأجورًا على اجتهاده وبذل وسعه في طلب الحق، ولا يجوز لنا

стр. 55

متابعته على الخطأ بعد وضوح الصواب بأدلته الثابتة. • وأما كون أصحاب رسول الله ﷺ أقروه على ذلك، فهذا غير صحيح فقد تقدم حديث ابن مسعود أنه حين صلى عثمان بمنى أربعًا عد ذلك من المصائب، وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، وقال ابن عمر: تفرقت بكم الأهواء، لكن ابن مسعود يقول: الخلاف شر، فيرى أنَّ جمع الكلمة وطاعة ولي الأمر المسلم أوجب من القصر، والنبي ﷺ يقول: «صلوا فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ وَلَهُمْ، وَإِنْ أَخْطَئُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ»، وليس القصر للمسافر شرطًا في صحة صلاته. وقد استدلّه ابن عبد البر للجمهور بوجوب إتمام المسافر خلف المقيم على أنَّ القصر غير واجب، فقال ﵀ في «التمهيد» (٣٤٢): وَفِي إِجْمَاعِ الْجُمْهُورِ مِنَ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا دَخَلَ فِي صَلَاةِ الْمُقِيمِينَ فَأَدْرَكَ مِنْهَا رَكْعَةً أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا، فَلَوْ كَانَ فَرْضُ الْمُسَافِرِ رَكْعَتَيْنِ لَمْ يَنْتَقِلْ فَرْضُهُ إِلَى أَرْبَعٍ، كَمَا أَنَّ الْمُقِيمَ إِذَا دَخَلَ خَلْفَ الْمُسَافِرِ لَمْ يَنْتَقِلْ فَرْضُهُ إلى اثنين، وَهَذَا وَاضِحٌ لِمَنْ تَدَبَّرَ وَأَنْصَفَ. اهـ. قُلْتُ: وهذا القول يرد على من رأى أنَّ القصر شرط لصحة الصلاة، فإن أتم بطلت صلاته، وسيأتي بيان أنَّه إن أتمَّ صحة صلاته، وإنما هو واجب تركه ابن مسعود لما هو أوجب منه، وهو طاعة ولي الأمر.

стр. 56

من نوى الإقامة في بلدٍ أربعًا فأقل يقصر، ومن نوى أكثر أتمَّ بواب المجد في «منتقى الأخبار» بَابُ أَنَّ مَنْ دَخَلَ بَلَدًا فَنَوَى الْإِقَامَة فِيهِ أَرْبَعًا يَقْصُر، واستدل بحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إلَى مَكَّةَ فِي الْمَسِيرِ وَالْمُقَامِ بِمَكَّةَ إلَى أَنْ رَجَعُوا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ فِي «مُسْنَده» (١). قال البوصيري في «إتحاف الخيرة» رقم (١٥٥٧): رِجَالُهُ ثِقَاتٌ. اهـ. إلا أنَّ جَابِرَ بْنَ يَزِيدَ لم يسمع من أبي هريرة ﵁ فهو منقطع. (١١٦٥): وَعَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى مَكَّةَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى رَجَعْنَا إلَى الْمَدِينَةِ قُلْتُ: أَقَمْتُمْ بِهَا شَيْئًا؟ قَالَ: أَقَمْنَا بِهَا عَشْرًا» (٢)، وَلِمُسْلِمٍ بعده: خَرَجْنَا مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى الْحَجِّ. ثُمَّ ذَكَرَ مِثْله. وَقَالَ أَحْمَدُ: إنَّمَا وَجْه حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّهُ حَسَبُ مُقَام النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ وَمِنًى، وَإِلَّا فَلَا وَجْهَ لَهُ غَيْر هَذَا، وَاحْتُجَّ بِحَدِيثِ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدِمَ مَكَّةَ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَأَقَامَ بِهَا الرَّابِعَ وَالْخَامِسَ وَالسَّادِسَ وَالسَّابِعَ، وَصَلَّى الصُّبْحَ

стр. 57

فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى مِنًى، وَخَرَجَ مِنْ مَكَّةَ مُتَوَجِّهًا إلَى الْمَدِينَةِ، بَعْدَ أَيَّامَ التَّشْرِيق» وَمَعْنَى ذَلِكَ كُلّه فِي «الصَّحِيحَيْنِ» وَغَيْرهمَا. قَوْلُهُ: (رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ) زَادَ الْبَيْهَقِيُّ: «إلَّا الْمَغْرِب». قَوْلُهُ: (أَقَمْنَا بِهَا عَشْرًا) هَذَا لَا يُعَارِض حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ الْآتِيَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا فِي فَتْح مَكَّةَ، وَهَذَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ. اهـ من «المنتقى مع نيل الأوطار». قُلْتُ: وبهذا قال جمهور العلماء. قال النووي في «شرحه على مسلم» تحت حديث (٦٩٣): هَذَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَقَامَ فِي مَكَّةَ وَمَا حَوَالَيْهَا لَا فِي نَفْسِ مَكَّةَ فَقَطْ وَالْمُرَادُ فِي سَفَرِهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَدِمَ مَكَّةَ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ فَأَقَامَ بِهَا الْخَامِسَ وَالسَّادِسَ وَالسَّابِعَ وَخَرَجَ مِنْهَا فِي الثَّامِنِ إِلَى مِنًى، وَذَهَبَ إِلَى عَرَفَاتٍ فِي التَّاسِعِ، وَعَادَ إِلَى مِنًى فِي الْعَاشِرِ، فَأَقَامَ بِهَا الْحَادِيَ عَشَرَ وَالثَّانِيَ عَشَرَ، وَنَفَرَ فِي الثَّالِثَ عَشَرَ إِلَى مَكَّةَ وَخَرَجَ مِنْهَا إِلَى الْمَدِينَةِ فِي الرَّابِعَ عَشَرَ. فَمُدَّةُ إِقَامَتِهِ ﷺ فِي مَكَّةَ وَحَوَالَيْهَا عَشَرَةَ أَيَّامٍ وَكَانَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِيهَا كُلِّهَا، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا نَوَى إِقَامَةً دُونَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سِوَى يَوْمَيِ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ يَقْصُرُ، وَأَنَّ الثَّلَاثَةَ لَيْسَتْ إِقَامَةً؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقَامَ هُوَ وَالْمُهَاجِرُونَ ثَلَاثًا بِمَكَّةَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الثَّلَاثَةَ لَيْسَتْ إِقَامَةً شَرْعِيَّةً، وَأَنَّ يَوْمَيِ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ لَا يُحْسَبَانِ مِنْهَا.

стр. 58

وَبِهَذِهِ الْجُمْلَةِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ، وَفِيهَا خلاف منتشر للسلف. اهـ. متى يبدأ المسافر في القصر تقدم حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ من «الصحيحين» أنه قال: «صلينا مع النَّبِيِّ ﷺ الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَالعَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ»، وفيه أنَّ المسافر يقصر إذا جاوز بيوت قريته. قال ابن المنذر: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ لِمَنْ يُرِيدُ السَّفَرَ أَنْ يَقْصُرَ إِذَا خَرَجَ عَنْ جَمِيعِ بُيُوتِ الْقَرْيَةِ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْهَا، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا قَبْلَ الْخُرُوجِ عَنِ الْبُيُوتِ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مُفَارَقَةِ جَمِيعِ الْبُيُوتِ، وَذَهَبَ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ إِلَى أَنَّهُ إِذَا أَرَادَ السَّفَرَ يقصر وَلَوْ كَانَ فِي بيته، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِذَا رَكِبَ قَصَرَ. ثم رجح القول الأول، واستدل بما ثبت عن علي ﵁ أنَّه كان في سفر فقصر بأصحابه وهم يرون البيوت، ثم رجع من سفره فقصر بهم وهم يرون البيوت (١). وثبت عن ابن عمر ﵄ أنَّه كان يقصر إذا خرج من بيوت المدينة، أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (٢/ ٥٣٠)، من طريقين يشهد أحدهما للآخر.

стр. 59

قال ابن عبد البر ﵀ في «الاستذكار» (٦/ ٧٧): وَهُوَ مَذْهَبُ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ إِلَّا مَنْ شَذَّ. اهـ. قُلْتُ: فإذا ثبت أنه إجماع لم يقل بخلافه إلا من شذ، فنقول به باطمئنان أنَّ من أراد السفر لا يشرع له القصر حتى يفارق بيوت قريته التي يسكنها، وإذا رجع يقصر حتى يدخلها ولو كان يراها من بعيد، ويستدل لذلك أيضًا بقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]، فعلق الله سبحانه القصر بالضرب في الأرض. وبهذا استدل النووي في «المجموع» (٤/ ٣٤٦)، قال: وَلَا نَعْلَمُ النَّبِيَّ ﷺ قَصَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَسْفَارِهِ إِلَّا بَعْدَ خُرُوجِهِ عَنِ الْمَدِينَةِ. اهـ. قال: وَإِنْ اتَّصَلَت حِيطَانُ الْبَسَاتِينِ بِحِيطَانِ الْبَلَدِ فَفَارَقَ بُنْيَانَ الْبَلَدِ قَصَرَ، - ولو اتصلت حيطان البساتين بحيطان بلده -، وبه قال ابن حزم في «المحلى» مسألة (٥١٣). قُلْتُ: ولو كانت المدينة واسعة بحيث إذا دخل في طرفها لا يصل إلى بيته إلا بعد نصف ساعة أو نحوها، فالحكم كما تقدم أنَّه إذا خرج لا يقصر حتى يخرج من المدينة كلها، وعند رجوعه يتم، وإن دخل في أطرافها كما تقدم برهان ذلك. والله أعلم. كم المسافة التي تعتبر سفرًا هذه مسألة اختلف فيها اختلافًا شديدًا على نحو عشرين قولًا، حتى قال الإمام

стр. 60

الشوكاني ﵀ في «الدراري» (١٤٤): إنها من المعارك التي تتبلد عندها الأذهان. اهـ. ونعم لأنها اختلفت فيها الأدلة. قال الحافظ في «الفتح» (٢/ ٥٦٧): أَصَحُّ حَدِيثٍ وَرَدَ فِي بَيَانِ ذَلِكَ، حَدِيثَ أَنَسٍ في «صحيح مسلم» رقم (٦٩١): قَالَ: «إنَّ النَّبِيِّ ﷺ إِذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ أَوْ فَرَاسِخٍ قَصَرَ الصَّلَاةَ ركعتين»، وَحَمَلَهُ مَنْ خَالَفَهُ بعضهم عَلَى أَنَّ هذه الْمسَافَة الَّتِي يبتدأ مِنْهَا الْقَصْرُ، وليس هذا غَايَةُ الْقَصْرِ. وكذا حديث أنس في «الصحيحين» أنَّ النبي ﷺ قصر بذي الحليفة، كان هذا في أثناء سفر، ولم يكن هذا غايته. قال ابن قدامة في «المغنى» (٣/ ١٠٩): وَالثَّانِي: أَنَّ التَّقْدِيرَ بَابُهُ التَّوْقِيفُ، فَلَا يَجُوزُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ بِرَأْيٍ مُجَرَّدٍ، سِيَّمَا وَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ يُرَدُّ إلَيْهِ، وَلَا نَظِيرٌ يُقَاسُ عَلَيْهِ، وَالْحُجَّةُ مَعَ مَنْ أَبَاحَ الْقَصْرَ لِكُلِّ مُسَافِرٍ. اهـ. واستدل بعضهم بحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، المتفق عليه: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، أنَّ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ»، وبوب عليه البخاري في «صحيحه» فقال: بَابٌ: فِي كَمْ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ، قال: وَسَمَّى النَّبِيُّ ﷺ : يَوْمًا وَلَيْلَةً سَفَرًا. وعند مسلم: «مَسِيرَةَ يَوْمٍ»، وفي رواية: «مَسِيرَةَ لَيْلَةٍ»، وعند أبي داود، وابن

стр. 61

خزيمة: «لَا تُسَافِرُ امْرَأَةُ بَرِيدًا إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ»، قال ابن خزيمة: الْبَرِيدُ: اثْنَا عَشَرَ مِيلًا. قال النووي: «مَسِيرَةُ نِصْفِ يَوْمٍ»، وسند الحديث حسن. قال الشوكاني ﵀ في «الدراري»: وليس في هذا الحديث ذكر القصر ولا هو في سياقه والاحتجاج به مجرد تخمين. اهـ. وقال صديق حسن خان في «الروضة» (١/ ٣٧٧): وتسمية هذا التقدير سفرًا لا تنافي تسمية ما دونه سفرًا. اهـ. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٢٤/ ١٣٤ - ١٣٥): فَالتَّحْدِيدُ بِالْمَسَافَةِ لَا أَصْلَ لَهُ فِي شَرْعٍ وَلَا لُغَةٍ وَلَا عُرْفٍ وَلَا عَقْلٍ. اهـ. وقال العلامة ابن القيم ﵀: وَلَمْ يَحُدَّ النَّبِيُّ ﷺ لِأُمَّتِهِ مَسَافَةً مَحْدُودَةً لِلْقَصْرِ وَالْفِطْرِ، بَلْ أَطْلَقَ لَهُمْ ذَلِكَ فِي مُطْلَقِ السَّفَرِ وَالضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ، وَأَمَّا مَا يُرْوَى عَنْهُ مِنَ التَّحْدِيدِ بِالْيَوْمِ أَوِ الْيَوْمَيْنِ أَوِ الثَّلَاثَةِ فَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُ مِنْهَا شَيْءٌ. اهـ من «زاد المعاد» (١/ ٤٨١). قُلْتُ: والحاصل أنَّه لا خلاف بين العلماء أنَّه لا يوجد نصٌّ على تحديد مسافة القصر، وكل ذهب إلى ما يراه أقرب الأدلة، فجمهور أهل الحديث قالوا: لا يصح

стр. 62

القصر إلا في مسيرة مرحلتين وذلك على مضمون حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، أنَّ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ». قالوا: فإذا سافر إلى مكان وصل إليه بنصف نهار فهذه مرحلة، وإذا رجع إلى بيته استغرق النصف الثاني فهذه مرحلة فيقصر في مسيرة يوم ذهابًا أو ذهابًا وإيابًا، وقال الظاهرية: إذا سافر ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ قصر على ظاهر حديث أنس على أنه فيه اختلاف بين الميل والفرسخ معلوم. وقال ابن حزم: أقل ما ورد القصر فيه بريد فإذا سافر الإنسان بريدًا قصر. اهـ. وكل هذه الأقوال ليست ثابتة أمام النقد العلمي، لعدم اعتمادها على نص صريح في التحديد، وأقربها إلى الصواب ما قاله ابن قدامة، وابن تيمية، وابن القيم، وصديق حسن خان، وغيرهم: أنَّه يجب الرجوع إلى ما يصدق عليه مسمى السفر، ومسمى الضرب في الأرض في عرف الأوائل. القصر في الحج لأهل مكة وغيرهم لأجل السفر وليس لأجل النسك فلا دليل على قصر النسك تقدم ذكر عدة أحاديث في باب وجوب القصر على المسافر منها حديث حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ ﵁، قَالَ: «صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ آمَنَ مَا كَانَ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ» (١)،

стр. 63

وحديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ وَمَعَ عُثْمَانَ صَدْرًا مِنْ إِمَارَتِهِ ثُمَّ أَتَمَّهَا» (١)، وحديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ» (٢). واختلف العلماء في القصر للحاج بمنى: قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وَقَدْ كَانَ ﷺ لَمَّا حَجَّ بِالْمُسْلِمِينَ حِجَّةَ الْوَدَاعِ يُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ إلَى أَنْ رَجَعَ)، وَجَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَالْمُسْلِمُونَ خَلْفَهُ وَيُصَلِّي بِصَلَاتِهِ أَهْلُ مَكَّةَ وَغَيْرُهُمْ جَمْعًا وَقَصْرًا، وَأَقَامَ بِمِنًى يَوْمَ الْعِيدِ وَأَمَامَ مِنًى يُصَلِّي بِالْمُسْلِمِينَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ وَالْمُسْلِمُونَ خَلْفَهُ يُصَلِّي بِصَلَاتِهِ أَهْلُ مَكَّةَ وَغَيْرُهُمْ وَكَذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ بَعْدَهُ وَلَمْ يَأْمُرْ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا لَا بِمِنًى وَلَا بِغَيْرِهَا فَلِهَذَا كَانَ أَصَحُّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ يَجْمَعُونَ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَيَقْصُرُونَ بِهَا وَبِمِنًى وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ.

стр. 64

وَقِيلَ: لَا يَقْصُرُونَ وَلَا يَجْمَعُونَ. كَمَا يَقُولُهُ مَنْ يَقُولُهُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَهُوَ أَضْعَفُ الْأَقْوَالِ. وَالصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ: أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ يَقْصُرُونَ وَيَجْمَعُونَ هُنَاكَ كَمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ هُنَاكَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَخُلَفَائِهِ. اهـ. وقال (٢٤/ ١٠) من «المجموع»: وَقَدْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي قَصْرِ أَهْلِ مَكَّةَ خَلْفَهُ: • فَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ لِأَجْلِ النُّسُكِ فَلَا يَقْصُرُ الْمُسَافِرُ سَفَرًا قَصِيرًا هُنَاكَ. • وَقِيلَ: بَلْ كَانَ ذَلِكَ لِأَجْلِ السَّفَرِ وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ قَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ أَحْمَد. وَالْقَوْلُ الثَّانِي هُوَ الصَّوَابُ، وَهُوَ أَنَّهُمْ قَصَرُوا لِأَجْلِ سَفَرِهِمْ وَلِهَذَا لَمْ يَكُونُوا يَقْصُرُونَ بِمَكَّةَ وَكَانُوا مُحْرِمِينَ وَالْقَصْرُ مُعَلَّقٌ بِالسَّفَرِ وُجُودًا وَعَدَمًا فَلَا يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ إلَّا مُسَافِرٌ وَكُلُّ مُسَافِرٍ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ كَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ صَلَاةُ الْمُسَافِرِ رَكْعَتَانِ وَصَلَاةُ الْفِطْرِ رَكْعَتَانِ وَصَلَاةُ النَّحْرِ رَكْعَتَانِ وَصَلَاةُ الْجُمْعَةِ رَكْعَتَانِ تَمَامٌ غَيْرُ نَقْصٍ: أَيْ غَيْرُ قَصْرٍ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ ﷺ ، وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: «فُرِضَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ زِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ». وَقَدْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ: هَلْ يَخْتَصُّ بِسَفَرٍ دُونَ سَفَرٍ؟ أَمْ يَجُوزُ فِي كُلِّ سَفَرٍ؟ وَأَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي كُلِّ سَفَرٍ قَصِيرًا كَانَ أَوْ طَوِيلًا كَمَا قَصَرَ أَهْلُ مَكَّةَ خَلْفَ

стр. 65

النَّبِيِّ ﷺ بِعَرَفَةَ وَمِنًى وَبَيْنَ مَكَّةَ وَعَرَفَةَ نَحْوُ بَرِيدٍ. اهـ. شرعية الجمع بين الصلاتين في السفر جمع التأخير بين المغرب والعشاء: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ فِي السَّفَرِ، يُؤَخِّرُ صَلَاةَ المَغْرِبِ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ العِشَاءِ»، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ يَفْعَلُهُ (١). عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ»، يَعْنِي المَغْرِبَ وَالعِشَاءَ (٢). الجمع للمسافر بأذان واحد وإقامتين عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، في حديثه الطويل عند مسلم (١٢١٨)، قَالَ: فَخَطَبَ النَّاسَ - ثُمَّ ذكر خطبته، ثُمَّ قَالَ -: ثُمَّ أَذَّنَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ (ركعتين)، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا. قال النووي: فِيهِ أَنَّهُ يُشْرَعُ الْجَمْعُ بَيْنَ الظهر والعصر هُنَاكَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَقَدْ

стр. 66

أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَيْهِ وَاخْتَلَفُوا فِي سَبَبِهِ فَقِيلَ بِسَبَبِ النُّسُكِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ هُوَ بِسَبَبِ السَّفَرِ فَمَنْ كَانَ حَاضِرًا أَوْ مُسَافِرًا دُونَ مَرْحَلَتَيْنِ كَأَهْلِ مَكَّةَ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْجَمْعُ كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ الْقَصْرُ وَفِيهِ أَنَّ الْجَامِعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ يُصَلِّي الْأُولَى أَوَّلًا وَأَنَّهُ يُؤَذِّنُ لِلْأُولَى وَأَنَّهُ يُقِيمُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَأَنَّهُ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا وَهَذَا كُلُّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَنَا. اهـ. وقال بعدها: حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا. قال النووي: يجمع بينهما بالْمُزْدَلِفَةِ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، قال: وَلَوْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ فِي أَرْضِ عَرَفَاتٍ أَوْ فِي الطَّرِيقِ أَوْ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَصَلَّى كُلَّ وَاحِدَةٍ فِي وَقْتِهَا جَازَ جَمِيعُ ذَلِكَ لَكِنَّهُ خِلَافُ الْأَفْضَلِ. اهـ. الجمع بعرفة ومزدلفة للمسافر قال البخاري ﵀ (٣/ ٥٩٩) رقم (١٦٦٢) بَابُ الجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِعَرَفَةَ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ إِذَا فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ مَعَ الإِمَامِ جَمَعَ بَيْنَهُمَا، وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ، أَنَّ الحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ، عَامَ نَزَلَ بِابْنِ الزُّبَيْرِ ﵄، سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ ﵁، كَيْفَ تَصْنَعُ فِي المَوْقِفِ يَوْمَ عَرَفَةَ؟ فَقَالَ سَالِمٌ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ فَهَجِّرْ بِالصَّلَاةِ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ

стр. 67

عُمَرَ: «صَدَقَ، إِنَّهُمْ كَانُوا يَجْمَعُونَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ فِي السُّنَّةِ»، فَقُلْتُ لِسَالِمٍ: أَفَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ سَالِمٌ: وَهَلْ تَتَّبِعُونَ فِي ذَلِكَ إِلَّا سُنَّتَهُ. اهـ. مَسْأَلة: لا يشرع جمع الحجاج الصلاتين بمنى. لم أجد دليلًا على أنَّ الحاج يجمع بين الصلوات بمنى. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وَلَمْ يَجْمَعْ بِمِنَى قَبْلَ التَّعْرِيفِ (١)، وَلَا جَمَعَ بِهَا بَعْدَ التَّعْرِيفِ أَيَّامَ مِنًى بَلْ يُصَلِّي كُلَّ صَلَاةٍ رَكْعَتَيْنِ (٢). اهـ من «الرسائل والمسائل» للإمام ابن تيمية (٢/ ٢٧٣). ١٤ - كراهية التفرق في الشعاب والأودية حال النزول في السفر: وعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ ﵁، قَالَ: كَانَ النَّاسُ إِذَا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْزِلًا تَفَرَّقُوا فِي الشِّعَابِ وَالْأَوْدِيَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ تَفَرُّقَكُمْ فِي هَذِهِ الشِّعَابِ وَالْأَوْدِيَةِ، إِنَّمَا ذَلِكُمْ مِنَ الشَّيْطَانِ»، فَلَمْ يَنْزِلْ بَعْدَ ذَلِكَ مَنْزِلًا إِلَّا انْضَمَّ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، حَتَّى يُقَالَ: لَوْ بُسِطَ عَلَيْهِمْ ثَوْبٌ لَعَمَّهُمْ (٣).

стр. 68

١٥ - كانوا إذا نزلوا منزلًا صلوا نافلة: وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: «كُنَّا إِذَا نَزَلْنَا مَنْزِلًا لَا نُسَبِّحُ حَتَّى تُحَلَّ الرِّحَالُ» (١). ١٦ - إعانةِ الرفيقِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» (٢)، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خَيْرُ الأَصْحَابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ، وَخَيْرُ الجِيرَانِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ» (٣). وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَةٍ لَهُ، قَالَ: فَجَعَلَ يَصْرِفُ بَصَرَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ مِنْ زَادٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ»، قَالَ: فَذَكَرَ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ مَا ذَكَرَ

стр. 69

حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنَّا فِي فَضْلٍ (١). وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَغْزُوَ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، إِنَّ مِنْ إِخْوَانِكُمْ قَوْمًا لَيْسَ لَهُمْ مَالٌ وَلَا عَشِيرَةٌ، فَلْيَضُمَّ أَحَدُكُمْ إِلَيْهِ الرَّجُلَيْنِ أَوِ الثَّلَاثَةِ، فَمَا لِأَحَدِنَا مِنْ ظَهْرٍ يَحْمِلُهُ إِلَّا عُقْبَةٌ كَعُقْبَةِ»، يَعْنِي: أَحَدِهِمْ، قَالَ: فَضَمَمْتُ إِلَيَّ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، قَالَ: مَا لِي إِلَّا عُقْبَةٌ كَعُقْبَةِ أَحَدِهِمْ مِنْ جَمَلِي (٢). ١٧ - باب تكبير المسافر إِذَا صعد، وتسبيحه إذا هبط، والنهي عن المبالغة في رفع الصوتِ بالتكبير ونحوه بما يشق على صاحبه: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، قَالَ: «كُنَّا إِذَا صَعِدْنَا كَبَّرْنَا، وَإِذَا نَزَلْنَا سَبَّحْنَا» (٣). وعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَجُيُوشُهُ إِذَا عَلَوْا الثَّنَايَا كَبَّرُوا، وَإِذَا هَبَطُوا سَبَّحُوا (٤). وعنهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَفَلَ مِنَ الحَجِّ أَوِ العُمْرَةِ - وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَالَ

стр. 70

الغَزْوِ - يَقُولُ كُلَّمَا أَوْفَى عَلَى ثَنِيَّةٍ أَوْ فَدْفَدٍ: كَبَّرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ سَاجِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ» (١). عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُسَافِرَ فَأَوْصِنِي، قَالَ: «عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالتَّكْبِيرِ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ»، فَلَمَّا أَنْ وَلَّى الرَّجُلُ، قَالَ: «اللَّهُمَّ اطْوِ لَهُ الأَرْضَ، وَهَوِّنْ عَلَيْهِ السَّفَرَ» (٢). وعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵁، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ -، فَكُنَّا إِذَا أَشْرَفْنَا عَلَى وَادٍ، هَلَّلْنَا وَكَبَّرْنَا ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّهُ مَعَكُمْ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ» (٣). ١٨ - باب استحباب تعجيل المسافر الرجوع إِلَى أهله إِذَا قضى حاجته: قال الإمام البخاري (٤) ﵀: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «السَّفَرُ

стр. 71

قِطْعَةٌ مِنَ العَذَابِ، يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَنَوْمَهُ، فَإِذَا قَضَى نَهْمَتَهُ، فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْلِهِ»، وهذا اللفظ الصحيح شامل لسائر الأسفار من حج، وغيره. قال النووي في «شرح مسلم»: مَعْنَاهُ: يَمْنَعُهُ كَمَالَهَا وَلَذِيذَهَا لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَشَقَّةِ وَالتَّعَبِ، وَمُقَاسَاةِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ، وَالسُّرَى، وَالْخَوْفِ، وَمُفَارَقَةِ الْأَهْلِ وَالْأَصْحَابِ، وَخُشُونَةِ الْعَيْشِ. قَوْلُهُ ﷺ : (فَإِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ نَهْمَتَهُ مِنْ وَجْهِهِ فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْلِهِ): النَّهْمَةُ بِفَتْحِ النُّونِ وَإِسْكَانِ الْهَاءِ: هِيَ الْحَاجَةُ، وَالْمَقْصُودُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ تَعْجِيلِ الرُّجُوعِ إِلَى الْأَهْلِ بَعْدَ قَضَاءِ شُغْلِهِ، وَلَا يَتَأَخَّرُ بِمَا لَيْسَ لَهُ بِمُهِمٍّ. اهـ. وقد جاء هذا الحديث عن عائشة ﵂، بلفظ: «إِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ حَاجَتَهُ»، وهو غير محفوظ. قال ابن عبد البر في «التمهيد» (١٣/ ٥٦٧): وَقَدْ رَوَاهُ عِصَامُ بْنُ رُوَّادِ بْنِ الْجَرَّاحِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ رَبِيعَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ، وَعَنْ مَالِكٍ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَلَذَّتَهُ، (فَإِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ حَاجَتَهُ) فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْلِهِ». حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ

стр. 72

يَزِيدَ بِمَكَّةَ، حَدَّثَنَا عِصَامُ بْنُ رُوَّادِ بْنِ الْجَرَّاحِ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرحمن، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، وَعَنْ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁. قَالَ أَبُو عمر: الإسناد الأول لمالك، عَنْ رَبِيعَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ، غَيْرُ مَحْفُوظٍ، لَا أَعْلَمُ رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ، غَيْرَ رُوَّادٍ هَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَهُوَ خَطَأٌ، وَلَيْسَ رُوَّادُ بْنُ الْجَرَّاحِ مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِهِ، وَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ. اهـ. قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (٣/ ٦٢٣)، تحت حديث أبي هريرة ﵁ رقم (١٨٠٤): قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَخطَأ فِيهِ رواد بن الْجراح. اهـ. قُلْتُ: انظر «علل الدارقطني» رقم: (١٩٠٦). وجاء عن عائشة ﵂ بلفظ: «إِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ حَجَّهُ». قال ابن عدي في «الكامل» - في ترجمة محمد بنُ يَزِيدَ أبي بكر المستملي الطرسوسي -: يسرق الحديث ويزيد فيها ويضع. اهـ. وذكر جملة من مناكيره، منها: حدثنا بن أبي قتيبة، حَدَّثَنا مُحَمد بْنُ يَزِيدَ الْمُسْتَمْلِي، حَدَّثَنا مُبَشِّرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الأَوْزاعِيّ، عَنْ يَحْيى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَنَس، قَال: قَال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ

стр. 73

أَرَادَ أَنْ يَقْوَى عَلَى الصِّيَامِ فَلْيَتَسَحَّرْ وَلْيَقِلْ وَيَشُمَّ طِيبًا، ولَا يُفْطِرْ عَلَى مَاءٍ». قال ابن عدي: وهذا يرويه مُحَمد بن عيسى بْن الطباع، عن شُعَيب، ومبشر، عن الأَوْزاعِيّ. قال ابن عدي: فادعاه هذا المستملي عَلَى مبشر فرواه عنه، عن الأَوْزاعِيّ. اهـ. وقال العلامة الألباني ﵀ في «الضعيفة» (٦٢٠٧): أخرجه ابن عدي في «الكامل» (٦/ ٢٨٢)، والبيهقي في «الشعب» (٣/ ٤٠٩/ ٣٩١٤) من طريق محمد بن يزيد المستملي، حدثنا مبشر بن إسماعيل، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أنس مرفوعًا، أورده ابن عدي في ترجمة المستملي هذا، وقال فيه: يسرق الحديث من الثقات، ويزيد فيها ويضع. وقال الخطيب، - وقد ذكر له حديثًا في فضل أبي حنيفة ﵀: هذا خبر باطل، ومحمد بن يزيد متروك. اهـ. وساق له ابن عدي هذا الحديث، فقال: حَدَّثَنَا مُحَمد بن عُمَر الديماسي، حَدَّثَنا مُحَمد بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَال رَسُول اللهِ ﷺ : «إِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ حَجَّهُ فَلْيُعَجِّلُ الرُّجُوعَ إِلَى أَهْلِهِ». قال ابن عدي: وَهَذَا يعرف بأبي مروان العثماني، عَنْ أَنَس بْن عياض سرقه مِنْهُ مُحَمد بْن يزيد وقال: إذا قضى أحدكم حجه، وإِنَّما هُوَ إذا قضى أحدكم سفره. اهـ.

стр. 74

وترجمه الحافظ ابن حجر ﵀ في «لسان الميزان»، وذكر كلام ابن عدي فيه. وقال الخطيب: ومحمد بن يزيد، متروك. وهذا الحديث في «الصحيحة» للشيخ الألباني ﵀ (١٣٧٩)، قال: أخرجه الدارقطني (٢٨٩)، والحاكم (٧١/ ٤٧٧)، وعنه البيهقي (٥/ ٢٥٩)، من طريق أبي مروان محمد بن عثمان العثماني، حدثنا أبو ضمرة الليثي، عن هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة ﵂، مرفوعًا. وقال الحاكم: (صحيح على شرط الشيخين)، ووافقه الذهبي، كذا قالا، والعثماني هذا لم يخرج له الشيخان شيئًا، وفيه كلام يسير. فقد أورده الذهبي نفسه في «الضعفاء»، وقال: ثقة له عن أبيه مناكير؛ لكنه ذكر في «الميزان» أن نكارتها من قبل أبيه. وقال الحافظ في «التقريب»: صدوق يخطئ. فالحديث حسن على أقل الدرجات. قُلْتُ: وتحسينه هذا الحديث ﵀ مبني على ظاهر إسناده، وقد أثبت ابن عدي علة هذه اللفظة: (حَجَّهُ) فأبان أنَّ الحديث من طريق العثماني، بلفظ: «إذا قضى أحدكم سفره»، وسرقه منه محمد بن يزيد المستملي فغير لفظه إلى: «إِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ (حَجَّهُ)»، وهو بلفظ: (سفره)، من طريق العثماني، أخرجه أبو نعيم في «تاريخ أصبهان» (٢/ ٥٠).

стр. 75

وكلام ابن عدي ﵀، وإعلاله الواضح للحديث يرد قول الحافظ ابن حجر ﵀ في «فتح الباري»، (٣/ ٦٢٣): (وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ). اهـ. أي: بلفظ: (حَجَّهُ). وكذا يرد قول الذهبي ﵀ في «المهذب في اختصار السنن الكبير»، (٨٥٧٩): (قلت: سنده قوي). اهـ. أي: بلفظ: (حَجَّهُ). لأن ابن عدي أثبت فيها علة، وأنها من طريق الوضاع المستملي سارق الحديث، والمثبت عنده زيادة علم. ١٩ - استحباب القدوم عَلَى أهله نهارًا وكراهته في الليل إذا لم يعلموا ذلك: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا أَطَالَ أَحَدُكُمُ الغَيْبَةَ فَلَا يَطْرُقْ أَهْلَهُ لَيْلًا» (١). وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَطْرُقُ أَهْلَهُ، كَانَ لَا يَدْخُلُ إِلَّا غُدْوَةً أَوْ عَشِيَّةً» (٢). ٢٠ - استحباب ابتداء القادم بالمسجد الذي في جواره وصلاته فيه ركعتين: عن كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، «أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، بَدَأَ
следующие страницы →