يَزِيدَ بِمَكَّةَ، حَدَّثَنَا عِصَامُ بْنُ رُوَّادِ بْنِ الْجَرَّاحِ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرحمن، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، وَعَنْ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁.
قَالَ أَبُو عمر: الإسناد الأول لمالك، عَنْ رَبِيعَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ، غَيْرُ مَحْفُوظٍ، لَا أَعْلَمُ رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ، غَيْرَ رُوَّادٍ هَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَهُوَ خَطَأٌ، وَلَيْسَ رُوَّادُ بْنُ الْجَرَّاحِ مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِهِ، وَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ. اهـ.
قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (٣/ ٦٢٣)، تحت حديث أبي هريرة ﵁ رقم (١٨٠٤): قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَخطَأ فِيهِ رواد بن الْجراح. اهـ.
قُلْتُ: انظر «علل الدارقطني» رقم: (١٩٠٦).
وجاء عن عائشة ﵂ بلفظ: «إِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ حَجَّهُ».
قال ابن عدي في «الكامل» - في ترجمة محمد بنُ يَزِيدَ أبي بكر المستملي الطرسوسي -: يسرق الحديث ويزيد فيها ويضع. اهـ.
وذكر جملة من مناكيره، منها:
حدثنا بن أبي قتيبة، حَدَّثَنا مُحَمد بْنُ يَزِيدَ الْمُسْتَمْلِي، حَدَّثَنا مُبَشِّرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الأَوْزاعِيّ، عَنْ يَحْيى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَنَس، قَال: قَال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ
стр. 73
أَرَادَ أَنْ يَقْوَى عَلَى الصِّيَامِ فَلْيَتَسَحَّرْ وَلْيَقِلْ وَيَشُمَّ طِيبًا، ولَا يُفْطِرْ عَلَى مَاءٍ».
قال ابن عدي: وهذا يرويه مُحَمد بن عيسى بْن الطباع، عن شُعَيب، ومبشر، عن الأَوْزاعِيّ.
قال ابن عدي: فادعاه هذا المستملي عَلَى مبشر فرواه عنه، عن الأَوْزاعِيّ. اهـ.
وقال العلامة الألباني ﵀ في «الضعيفة» (٦٢٠٧): أخرجه ابن عدي في «الكامل» (٦/ ٢٨٢)، والبيهقي في «الشعب» (٣/ ٤٠٩/ ٣٩١٤) من طريق محمد بن يزيد المستملي، حدثنا مبشر بن إسماعيل، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أنس مرفوعًا، أورده ابن عدي في ترجمة المستملي هذا، وقال فيه: يسرق الحديث من الثقات، ويزيد فيها ويضع.
وقال الخطيب، - وقد ذكر له حديثًا في فضل أبي حنيفة ﵀: هذا خبر باطل، ومحمد بن يزيد متروك. اهـ.
وساق له ابن عدي هذا الحديث، فقال: حَدَّثَنَا مُحَمد بن عُمَر الديماسي، حَدَّثَنا مُحَمد بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَال رَسُول اللهِ ﷺ : «إِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ حَجَّهُ فَلْيُعَجِّلُ الرُّجُوعَ إِلَى أَهْلِهِ».
قال ابن عدي: وَهَذَا يعرف بأبي مروان العثماني، عَنْ أَنَس بْن عياض سرقه مِنْهُ مُحَمد بْن يزيد وقال: إذا قضى أحدكم حجه، وإِنَّما هُوَ إذا قضى أحدكم سفره. اهـ.
стр. 74
وترجمه الحافظ ابن حجر ﵀ في «لسان الميزان»، وذكر كلام ابن عدي فيه.
وقال الخطيب: ومحمد بن يزيد، متروك.
وهذا الحديث في «الصحيحة» للشيخ الألباني ﵀ (١٣٧٩)، قال: أخرجه الدارقطني (٢٨٩)، والحاكم (٧١/ ٤٧٧)، وعنه البيهقي (٥/ ٢٥٩)، من طريق أبي مروان محمد بن عثمان العثماني، حدثنا أبو ضمرة الليثي، عن هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة ﵂، مرفوعًا.
وقال الحاكم: (صحيح على شرط الشيخين)، ووافقه الذهبي، كذا قالا، والعثماني هذا لم يخرج له الشيخان شيئًا، وفيه كلام يسير.
فقد أورده الذهبي نفسه في «الضعفاء»، وقال: ثقة له عن أبيه مناكير؛ لكنه ذكر في «الميزان» أن نكارتها من قبل أبيه.
وقال الحافظ في «التقريب»: صدوق يخطئ. فالحديث حسن على أقل الدرجات.
قُلْتُ: وتحسينه هذا الحديث ﵀ مبني على ظاهر إسناده، وقد أثبت ابن عدي علة هذه اللفظة: (حَجَّهُ) فأبان أنَّ الحديث من طريق العثماني، بلفظ: «إذا قضى أحدكم سفره»، وسرقه منه محمد بن يزيد المستملي فغير لفظه إلى: «إِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ (حَجَّهُ)»، وهو بلفظ: (سفره)، من طريق العثماني، أخرجه أبو نعيم في «تاريخ أصبهان» (٢/ ٥٠).
стр. 75
وكلام ابن عدي ﵀، وإعلاله الواضح للحديث يرد قول الحافظ ابن حجر ﵀ في «فتح الباري»، (٣/ ٦٢٣): (وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ). اهـ. أي: بلفظ: (حَجَّهُ).
وكذا يرد قول الذهبي ﵀ في «المهذب في اختصار السنن الكبير»، (٨٥٧٩): (قلت: سنده قوي). اهـ. أي: بلفظ: (حَجَّهُ).
لأن ابن عدي أثبت فيها علة، وأنها من طريق الوضاع المستملي سارق الحديث، والمثبت عنده زيادة علم.
١٩ - استحباب القدوم عَلَى أهله نهارًا وكراهته في الليل إذا لم يعلموا ذلك:
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا أَطَالَ أَحَدُكُمُ الغَيْبَةَ فَلَا يَطْرُقْ أَهْلَهُ لَيْلًا» (١). وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَطْرُقُ أَهْلَهُ، كَانَ لَا يَدْخُلُ إِلَّا غُدْوَةً أَوْ عَشِيَّةً» (٢).
٢٠ - استحباب ابتداء القادم بالمسجد الذي في جواره وصلاته فيه ركعتين:
عن كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، «أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، بَدَأَ
стр. 76
بِالْمَسْجِدِ فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ» (١).
٢١ - تحريم سفر المرأة بغير محرم سواء لحج أو غيره:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ عَلَيْهَا» (٢).
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ يَقُولُ: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ، وَلَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ»، فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً، وَإِنِّي اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: «انْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ» (٣). وعَنِ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قال: «لا تَحُجُّ امرأةٌ إلا ومعها مَحْرَمٌ» (٤).
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» - شرح حديث - (١٨٦٢): وَالْمَحْفُوظُ أنه من مراسيل عِكْرِمَةَ. اهـ.
стр. 77
قُلْتُ: الحج يتضمن السفر، قال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج: ٢٧]، وعلى هذا فالمرفوع الصحيح: «وَلَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ»، أصل هذا المرسل، فيصح به.
وقال الطحاوي ﵀ في «شرح معاني الآثار» (٢/ ١١٥): حَدَّثَنَا رَبِيعٌ الْمُؤَذِّنُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنِ اللَّيْثِ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ حَدَّثَهُ، عَنْ عَمْرَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ ﵂، أُخْبِرَتْ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يُفْتِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: «لَا يَصْلُحُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُسَافِرَ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ»، فَقَالَتْ: «مَا لِكُلِّهِنَّ ذُو مَحْرَمٍ»، فَإِنَّ الْحُجَّةَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ مَا قَدْ تَوَاتَرَتْ بِهِ الْآثَارُ الَّتِي قَدْ ذَكَرْنَاهَا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَهِيَ حُجَّةٌ عَلَى كُلِّ مَنْ خَالَفَهَا.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّ الْحَجَّ لَمْ يَدْخُلْ فِي السَّفَرِ الَّذِي نَهَى عَنْهُ فِي تِلْكَ الْآثَارِ فَالْحُجَّةُ عَلَى ذَلِكَ الْقَائِلِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي بَدَأْنَا بِذِكْرِهِ فِي هَذَا الْبَابِ إِذْ يَقُولُ: خَطَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ «لَا تُسَافِرِ امْرَأَةٌ إِلَّا مَعَ مَحْرَمٍ»، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: إِنِّي أَرَدْتُ أَنْ أَحُجَّ بِامْرَأَتِي وَقَدِ اكْتَتَبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: «احْجُجْ بِامْرَأَتِكَ»، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا لَا يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَحُجَّ إِلَّا بِهِ. اهـ.
ونقل بعض هذا الكلام العلامة الألباني ﵀ في «الصحيحة» (٣٠٦٥)، مقرًا له، ثم قال: وبهذا قال الحسن البصري، وطاوس: (أنَّه لا تحج المرأة إلا مع محرم)،
стр. 78
أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٤/ ٤، ٥) عنهما. اهـ.
قُلْتُ: وما أحسنَ ما قاله ابن المنذر ﵀ في «الإشراف» (٣/ ١٧٦):
باب سقوط الحج عن المرأة التي لا محرم لها: قال: ثبت أن رسول الله ﷺ ، قال: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله ورسوله تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم منها». واختلفوا في وجوب الحج على المرأة التي لا محرم لها: فقالت طائفة: المحرم من السبيل، منهم النخعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وقال الحسن البصري: لا تحج إلا مع ذي محرم. وأغفل قوم القول بظاهر الحديث، وشرط كل رجل منهم شرطًا لا حجة معهم فيما اشترطوه.
قال مالك: تخرج مع جماعة من النساء. وقال الشافعي: تخرج مع ثقة حرة مسلمة. وقال ابن سيرين: تخرج مع رجل من المسلمين لا بأس به. وقال الأوزاعي: تخرج مع قوم عدول، وتتخذ سلمًا تصعد عليه وتنزل، ولا يقر بها رجل إلا ليأخذ برأس البعير ويضع رجله على ذراعه. قال أبو بكر: ظاهر الحديث أولى، ولا يعلم مع هؤلاء حجة توجب ما قالوا. اهـ.
وقال ابن عبد البر في «الاستذكار» (٨/ ٥٣٣): وَالَّذِي جَمَعَ مَعَانِيَ آثَارِ هَذَا الْحَدِيثِ - عَلَى اخْتِلَافِ أَلْفَاظِهِ - أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ تُمْنَعُ مِنْ كُلِّ سَفَرٍ يُخْشَى عَلَيْهَا فِيهِ الْفِتْنَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ أَوْ زَوْجٍ قَصِيرًا كَانَ السَّفَرُ أَوْ طَوِيلًا، والله أعلم. اهـ.
وبنحوه كلامه في «التمهيد» (١٣/ ١٨٩).
стр. 79
قال ابن قدامة في «المغني» مسألة رقم (٥٤٠):
فَمَنْ لَا مَحْرَمَ لَهَا لَا تَكُونُ كَالرَّجُلِ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْحَجُّ. وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فَقَالَ أَبُو دَاوُد: قُلْت: لِأَحْمَدَ: امْرَأَةٌ مُوسِرَةٌ، لَمْ يَكُنْ لَهَا مَحْرَمٌ، هَلْ يَجِبُ عَلَيْهَا الْحَجُّ؟ قَالَ: لَا.
وَقَالَ أَيْضًا: الْمَحْرَمُ مِنْ السَّبِيلِ. وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ، وَالنَّخَعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. اهـ.
وفي «مصنف عبد الرزاق» (١)، قَالَ: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ أَبِي هُبَيْرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: كَتَبَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ مِنَ الرَّيِّ تَسْأَلُهُ عَنِ الْحَجِّ مَعَ غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ؟ فَقَالَ: هُوَ مِنَ السَّبِيلِ، فَإِذَا لَمْ تَجِدْ ذَا مَحْرَمٍ فَلَا سَبِيلَ لَهَا.
وقال العلامة ابن باز ﵀ كما في «مجموع فتاواه» (١٦/ ٣٨٣): لا يجوز سفر المرأة المسلمة في الطائرة ولا غيرها بدون محرم يرافقها في سفرها.
وقال أيضا: المرأة التي تسافر بدون محرم مع حافلة النقل الجماعي آثمة وعلى المرأة المذكورة التوبة إلى الله من ذلك وذلك بالندم على ما وقع منها والعزم الصادق على أن لا تعود لذلك. اهـ.
стр. 80
وسئل العلامة العثيمين ﵀ كما في «مجموع فتاواه» (٢١/ ١٨٣):
السؤال (٢٣٥): امرأة تريد السفر إلى جدة للعمرة، وودعها محرم لها من الرياض، وركبت الطائرة واستقبلها في جدة محرم آخر هل يجوز ذلك؟
فأجاب: هذا حرام عليها، لأنها داخلة في عموم قوله ﷺ : «لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم»، وهذه امرأة سافرت بدون محرم، فصدق عليها الوقوع فيما نهى عنه الرسول ﷺ .
قد تقول: إنَّ محرمها إذا شيعها إلى المطار واستقبلها المحرم الآخر زال المحذور، والرسول ﵊ ما نهى عن ذلك إلا خوف المحذور.
فالجواب: أن الرسول ﷺ أطلق النهي قال: «لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم»، فقال رجل: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة، وإني أكتتبت في غزوة كذا وكذا، فقال: «انطلق فحج مع امرأتك»، فأمره الرسول ﵊ أن يلغي الغزوة، وأن يذهب مع امرأته. وهل استفصل النبي ﷺ من هذا الرجل، وقال: هل امرأتك آمنة أو غير آمنة؟
هل قال: معها نساء أو لا؟!
هل قال: هي عجوز أو شابة؟!
لم يقل ذلك، فالأصل بقاء اللفظ على عمومه، لا سيما أن قصة هذا الرجل
صَلَّى، أَوْ صَلَّاهَا، صَلَاةَ العَصْرِ وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ» فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ صَلَّى مَعَهُ فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ المَسْجِدِ وَهُمْ رَاكِعُونَ، قَالَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ، لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ قِبَلَ مَكَّةَ، فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ البَيْتِ، وَكَانَ الَّذِي مَاتَ عَلَى القِبْلَةِ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ قِبَلَ البَيْتِ رِجَالٌ قُتِلُوا، لَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣]. أي: صَلَاتكُمْ.
قال ابن العربي في «أحكام القرآن» (١/ ٦٢): اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيمَنْ مَاتَ وَهُوَ يُصَلِّي إلَى الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ. اهـ.
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٢١٥): وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُصَلِّي اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ فِي الْجُمْلَةِ. اهـ.
وقال النووي في «المجموع شرح المهذب»: استقبال القبلة شرط في صحة الصلاة، إلى قوله: وهذا لا خلاف بين العلماء فيه من حيث الجملة. اهـ.
وقال ابن رشد «بداية المجتهد» (١/ ١١٨): اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ التَّوَجُّهَ نَحْوَ الْبَيْتِ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ. اهـ.
٢ - تحريم دخول المشركين الحرم المكي:
قال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا
стр. 94
الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨)﴾ [التوبة: ٢٨].
قال شيخ الإسلام ﵀ في «الجواب الصحيح» (٣/ ١١٩): في قَوْلِهِ: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨]، يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ الْكُفَّارِ، أَهْلُ الْكِتَابِ وَغَيْرُهُمْ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ. اهـ.
قال ابن هبيرة في «إجماع الأئمة الأربعة» (٢/ ٣٣٦): وَاتَّفَقُوا على أَنه يمْنَع الْكَافِر من دُخُول الْحرم. اهـ.
ونقله ابن قاسم في «حاشية الروض المربع» (٤/ ٣١٧).
قال النووي في «المجموع» (٧/ ٤٦٧): يُمْنَعُ كُلُّ كَافِرٍ مِنْ دُخُولِهِ مُقِيمًا كَانَ أَوْ مَارًّا هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ. اهـ.
قال ابن قدامة في «المغني» (١٣/ ٢٤٥): فَأَمَّا الْحَرَمُ، فَلَيْسَ لَهُمْ دُخُولُهُ بِحَالٍ. اهـ.
وفي «فتاوى اللجنة الدائمة» المجموعة الأولى (٢/ ١١٦): يحرم على المسلمين أن يمكنوا أي كافر من دخول المسجد الحرام وما حوله من الحرم كله؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]، الآية. اهـ.
رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْكَبَائِرُ؟ فَقَالَ: «هُنَّ تِسْعٌ»، فَذَكَرَ مَعْنَاهُ زَادَ: «وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ، وَاسْتِحْلَالُ الْبَيْتِ الْحَرَامِ قِبْلَتِكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا» (١).
قال الإمام أحمد في «مسنده» (٤٠٧١): حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ السُّدِّيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ مُرَّةَ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ - قَالَ لِي شُعْبَةُ: وَرَفَعَهُ، وَلَا أَرْفَعُهُ لَكَ - يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج: ٢٥]، قَالَ: «لَوْ أَنَّ رَجُلًا هَمَّ فِيهِ بِإِلْحَادٍ وَهُوَ بِعَدَنِ أَبْيَنَ، لَأَذَاقَهُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا»، والصواب وقفه، والموقوف صحيح وله حكم الرفع؛ لأن هذا أمر غيبي لا يقال من قبيل الرأي.
قال ابن كثير في تفسير الآية: قُلْتُ: هَذَا الْإِسْنَادُ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، وَوَقْفُهُ أَشْبَهُ مِنْ رَفْعِهِ؛ وَلِهَذَا صَمم شُعْبَةُ عَلَى وَقْفه مِنْ كَلَامِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَسْبَاطٌ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ مُرة، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ.
ثم ساق آثارًا في معاني (الإلحاد بظلم في الحرم) على أربعة أقوال، لخصها القشيري، كما سيأتي.
قال ابن كثير: وَهَذِهِ الْآثَارُ، وَإِنْ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مِنَ الْإِلْحَادِ، ولكنْ
стр. 97
هُو أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، بَلْ فِيهَا تَنْبِيهٌ عَلَى مَا هُوَ أَغْلَظُ مِنْهَا. اهـ.
قُلْتُ: الإلحاد في المسجد الحرام أعم مما ذكر في تلك الآثار التي لخصها أبو نصر القشيري المتوفى (٥١٤ هـ) في «التيسير في التفسير» عند الآية، فقال: والإلحاد: تحريف الشيء وإمالته عن حقيقته، أي: من أمال المسجد الذي جُعِلَ للناس على غير هذا الحكم فصدَّ عنه، وأشرَكَ به ظالمًا واضعًا الشيء غير موضعه، فهو مستحق للعقاب.
والإلحاد في الحرم، قيل: الشرك، وقيل: القتل، وقيل: استحلال الحرام، وقيل: احتكار الطعام، واللفظ عام في جميع االمعاصي، ودلت الآية على أنَّ الإرادة للذنب في الحرم يستحق بها العذاب كما يستحق بالعمل، وإن اختلفا في العقوبة. اهـ.
وممن قال بأن الإلحاد في المسجد الحرام هو جميع المعاصي:
• ابن جر ير الطبري قال: وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ بِالصَّوَابِ الْقَوْلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، مِنْ أَنَّهُ مَعْنِيُّ بِالظُّلْمِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ كُلُّ مَعْصِيَةٍ لِلَّهِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَمَّ، بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج: ٢٥]، وَلَمْ يُخَصَّصْ بِهِ ظُلْمٌ دُونَ ظُلْمٍ فِي خَبَرٍ وَلَا عَقْلٍ، فَهُوَ عَلَى عُمُومِهِ. اهـ من «تفسير ابن جرير» (١٦/ ٥١٠).
• وقال القرطبي ﵀: وَهَذَا الْإِلْحَادُ وَالظُّلْمُ يَجْمَعُ جميع الْمَعَاصِيَ مِنَ الْكُفْرِ إِلَى الصَّغَائِرِ، فَلِعِظَمِ حُرْمَةِ الْمَكَانِ تَوَعَّدَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى نِيَّةِ السَّيِّئَةِ فِيهِ. وَمَنْ نَوَى