← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 30133

الدرة في الحج والعمرة

يحيى الحجوري

Полный текст (604 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

﵄، بالسند الذي أخرجه البخاري به، بلفظ: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ»، يَعْنِي: أَيَّامَ الْعَشْرِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ». قال الحافظ ابن حجر تحت الحديث (٦٩٦) في «الفتح» (٢/ ٦٤٠): وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى فَضْلِ صِيَامِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ لِانْدِرَاجِ الصَّوْمِ فِي الْعَمَلِ، وَاسْتَشْكَلَ بِتَحْرِيمِ الصَّوْمِ يَوْمَ الْعِيدِ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ، وَلَا يَرُدُّ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَائِمًا الْعَشْرَ قَطُّ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ كَانَ يَتْرُكُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَهُ خَشْيَةَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَى أُمَّتِهِ، كَمَا رَوَاهُ «الصَّحِيحَانِ» مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَيْضًا. اهـ. وذكر ابن رجب في «لطائف المعارف» (٣٨٦)، الصوم ضمن العمل في عشر ذي الحجة، ثم قال: وهو قول أكثر العلماء أو كثير منهم. اهـ. وأما حديث عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَائِمًا فِي الْعَشْرِ قَطُّ»، أخرجه مسلم (١١٧٦). قال النووي ﵀ في «شرح مسلم»: قَالَ الْعُلَمَاءُ: هذا الحديث مما يوهم كراهة

стр. 422

صوم العشر، وَالْمُرَادُ بِالْعَشْرِ هُنَا الْأَيَّامُ التِّسْعَةُ مِنْ أَوَّلِ ذِي الْحِجَّةِ، قَالُوا: وَهَذَا مِمَّا يُتَأَوَّلُ، فَلَيْسَ فِي صَوْمِ هَذِهِ التِّسْعَةِ كَرَاهَةٌ بَلْ هِيَ مستحبة استحبابًا شديدًا، لاسيما التَّاسِعُ مِنْهَا وَهُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَقَدْ سَبَقَتِ الْأَحَادِيثُ فِي فَضْلِهِ. وَثَبَتَ فِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» أن رسول الله ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَفْضَلُ مِنْهُ فِي هَذِهِ»، يَعْنِي: الْعَشْرَ الْأَوَائِلَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ. فَيُتَأَوَّلُ قَوْلُهَا: (لَمْ يَصُمِ الْعَشْرَ): أَنَّهُ لَمْ يَصُمْهُ لِعَارِضِ مَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، أَوْ أَنَّهَا لَمْ تَرَهُ صَائِمًا فِيهِ، وَلَا يَلْزَمُ من ذَلِكَ عَدَمُ صِيَامِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ. اهـ. قال المناوي في «فيض القدير» (٨٠١٣): فالجواب الحاسم لعرق الشبهة أن يقال: المثبت مقدم على النافي على القاعدة المقررة عندهم. اهـ. قال النووي: وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ حَدِيثُ هُنَيْدَةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ امْرَأَتِهِ، عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ تِسْعَ ذِي الْحِجَّةِ، وَيَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، الِاثْنَيْنِ مِنَ الشَّهْرِ وَالْخَمِيسَ»، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٢٤٣٧)، وَهَذَا لَفْظُهُ، وَأَحْمَدُ (٣٧/ ٢٤)، وَالنَّسَائِيُّ (٢٣٧٤). اهـ. وقد أُعِلَّ بالاضطراب، وبجهالة هنيدة بن خالد، وامرأته. وقال الحافظ في «التقريب»: هنيدة المذكور معدود في الصحابة، وقيل: من الثانية، ذكره ابن حبان في الموضعين. اهـ.

стр. 423

وقال في ترجمة امرأته: لم أقف على اسمها وهي صحابية روت عن أم سلمة. اهـ. ولهذا صححه العلامة الألباني في «صحيح أبي داود» رقم (٢١٠٦). وفي الباب: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ»، أخرجه أبو داود (٢٤٤٠)، وأحمد (٨٠٣١، ٩٧٦٠) والنسائي (٢٨٣١)، وابن خزيمة (٢١٠١)، البيهقي (٤/ ٢٨٤)، من طريق حَوْشَبِ بْنِ عُقَيْلٍ، عَنْ مَهْدِيٍّ المحاربي الْهَجَرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁. وهو ضعيف لجهالة مهدي بن حسان الهجري. قال الحافظ ﵀ في «التقريب»: مهدي بن حرب الهجري، مقبول. اهـ. أي: مجهول حال. قال ابن معين: لا أعرفه، وقال الذهبي في «الميزان»: مجهول. اهـ. فيذكر مع غيره في الباب، وتخصيصه بعرفة يدل على شرعيته لغير الواقف بعرفة. وعند الطبراني في «الأوسط» رقم (٢٠٦٥) قال: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرِ قَالَ نا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى الْقَطَّانُ، قَالَ: نا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: نَا الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ كَفَّارَةُ السَّنَةِ المَاضِيَةِ، وَالسَّنَةِ المُسْتَقْبَلَةِ»، وسنده ضعيف؛ لضعف سلمة، والحجاج بن أرطاة، وعطية العوفي، وليس كما يقول الهيثمي ﵀ في «مجمع الزوائد»: وَإِسْنَادُ الطَّبَرَانِيِّ حَسَنٌ. اهـ. إلا أنه في الباب.

стр. 424

وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ؟ فَقَالَ: «كُنَّا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَعْدِلُهُ بِصَوْمِ سَنَتَيْنِ». قال الهيثمي ﵀ في «مجمع الزوائد» (٥٢٠٨): رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي «الْأَوْسَطِ»، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ. اهـ. قال النسائي في «الكبرى» (٢٨٤٠): أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، قَالَ قَرَأْتُ عَلَى فُضَيْلٍ عَنْ أَبِي حَرِيزٍ، أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يَقُولُ: سَأَلَ رَجُلٌ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ، قَالَ: «كُنَّا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ نَعْدِلُهُ بِصَوْمِ سَنَةٍ». قال النسائي: أَبُو حَرِيزٍ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَاسْمُهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ حُسَيْنٍ، قَاضِي سِجِسْتَانَ، وَحَدِيثُهُ هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ. اهـ. قُلْتُ: لفظه الذي عند النسائي: «نَعْدِلُهُ بِصَوْمِ سَنَةٍ»، منكر مخالف لعدد من الأحاديث، أما لفظه الذي عند الطبراني في «الأوسط» (٧٥١)، وعند الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥٢٠٨)، بلفظ: «بِصَوْمِ سَنَتَيْنِ»، فلا نكارة فيه لموافقته لحديث أبي قتادة، وغيره. وأَبُو حَرِيزٍ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُسَيْنٍ في سنده، قال الحافظ في «التقريب»: صدوق يخطئ. اهـ. فمثله يقبل حديثه ما لم يخالف ما رواه الثقات.

стр. 425

ومن شواهده ما أخرجه أحمد (٦/ ١٢٨) فقال: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَهِيَ صَائِمَةٌ، وَالْمَاءُ يُرَشُّ عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَفْطِرِي، فَقَالَتْ: أُفْطِرُ وَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، يَقُولُ: «إِنَّ صَوْمَ يَوْمِ عَرَفَةَ يُكَفِّرُ الْعَامَ الَّذِي قَبْلَهُ»، وهو حديث صحيح، وسنده هذا منقطع. قال الحافظ في «أطراف مسند الإمام أحمد» (٩/ ١٨٨): هو مرسل، ويحتمل أن يكون رواه عن عبد الرحمن لكنه لم يسمع منه، فيكون مرسلًا أيضًا. اهـ. وقال الهيثمي في «المجمع» (١٨٩٣)، وقال: رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَعَطَاءٌ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَائِشَةَ بَلْ قَالَ ابْنُ مَعِينٍ: لَا أَعْلَمُهُ لَقِيَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ . وَبَقِيَّةُ رِجَالِهِ رِجَالُ الصَّحِيحِ. اهـ. ونقله محقق «مسند أحمد». وله طريق متصلة صحيحة أخرجها السهمي في «تاريخ جرجان» (١٤٢) عن أبي طلحة محمد بن العوام السيرافي، والشجري في «الأمالي الخميسية» (١٧١٨)، عن أَبي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ عُمَرَ السُّكَّرِيِّ. كلاهما قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُسَيْدٍ الْأَصْفَهَانِيُّ، قَالَ: عن حَاتِمِ بْنِ يُونُسَ الْجُرْجَانِيِّ، عن إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَعِيدٍ - وهو الكسائي - وَكَانَ ثِقَةً مَأْمُونًا فَقِيهًا، عن يَحْيَى بْنِ الضَّرِيسِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ

стр. 426

مُحَمَّدٍ، قَالَ: دَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عَلَى عَائِشَةَ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، فذكر الحديث. وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أُسَيْدٍ: قال فيه أبو الشيخ بن حيان: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أُسَيْدٍ شَيْخٌ جَلِيلٌ، كَثِيرُ الْحَدِيثِ، صَنَّفَ الْمُسْنَدَ وَالْأَبْوَابَ وَالشُّيُوخَ. وقال أبو نعيم: كثير الحديث صاحب غرائب وفوائد، صنف المسند، خرج إلى العراق في آخر أيامه فكتبوا عنه، وقال الذهبي: الإمام المجود والرحال، صاحب «المسند الكبير». اهـ. وحاتم بن يونس الحافظ الجرجاني: يعرف بابن أبي الليث الجوهري، ترجمه السهمي في «تاريخ جرجان» (٢٠٣)، فقال: وكان قد سافر، وكتب الكثير سمعت أبا بكر أحمد بن عبدان الحافظ يقول: حاتم بن يونس الجرجاني، حدثنا عنه الباغندي، وابن سمعان، وذكره الباغندي بالحفظ، قدم شيراز. اهـ. وترجمه الخطيب في «تاريخ بغداد» (٢٤٥ - ٢٤٦)، باسم: حاتم بْن الليث بْن الحارث بْن عَبْد الرَّحْمَنِ، أَبُو الفضل الجوهري. وقال: وَبعض الرواة عنه يقول: حَدَّثَنَا حاتم بْن أَبِي الليث وكان ثقة ثبتا، متقنا حافظا. اهـ. وباقي رجال الإسناد ثقات. • وفي الباب: عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ صِيَامِ عَرَفَةَ؟ قَالَ: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ الَّتِي أَنْتَ فِيهَا وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهَا».

стр. 427

قال الهيثمي في «المجمع»: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي «الْكَبِيرِ»، وَفِيهِ رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ، وَفِيهِ كَلَامٌ، وَقَدْ وُثِّقَ. اهـ. قُلْتُ: هو ضعيف. قال الحافظ في «التقريب»: كان صالحًا في حديثه، فأدركته غفلة الصالحين فخلط في الحديث. اهـ. • وشاهد آخر: قال ابن أبي شيبة في «المصنف» (٩٨١٠): حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ أَبِي حَفْصٍ الطَّائِفِيِّ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «صَوْمُ عَرَفَةَ كَفَّارَةُ سَنَتَيْنِ». وأخرجه أبو يعلى في «مسنده» (٧٥٤٨)، من طريق ابن أبي شيبة، به. وهذا سند حسن، والحديث صحيح بما في الباب. وأخرج ابن أبي شيبة ﵀ في «المصنف» (٩٨٠٨)، فقال: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ، عَنْ هُزَيْلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ كَانَتْ تَصُومُ عَرَفَةَ، وهذا سند حسن، رجاله ثقات غير أبي قيس، وهو عبد الرحمن بن ثروان، قال الحافظ: صدوق ربما خالف. اهـ. قُلْتُ: وهو صدوق، وقد وثقه جماعة منهم ابن معين.

стр. 428

(٩٨٠٩): حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ، عَنْ هُزَيْلٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: مَا مِنَ السَّنَةِ يَوْمٌ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصُومَهُ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، تقدم قبله. وقال (٩٨١١): حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ كَانَ يَصُومُ عَرَفَةَ، وهذا سند صحيح. وأخرج الفاكهي في «أخبار مكة» (٢٧٦٧)، من طريق حُمَيْدٍ الطَّوِيل، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ ﵄ يُرَشُّ عَلَيْهِ مَاءٌ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ وَهُوَ صَائِمٌ. وأخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٩٨١٥)، فقال: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ به، وسنده صحيح. قال الأثرم في «ناسخ الحديث ومنسوخه» (١٨١): ومما يؤكد صحة صوم يوم عرفة مع الأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ في فضله: أن الأئمة قد صاموه، قد روي عن علي ﵁، أنه كان يصومه ويذكر فضيلته. وعن عائشة أنها قالت: ما من السنة يوم أحب إلي أن أصومه من يوم عرفة. وعن ابن عمر أنه سئل عن صوم يوم عرفة فقال: أحق الأيام أن يصام. وعن عثمان بن عفان ﵁ أنه كان يصوم يوم عرفة.

стр. 429

وعن عثمان بن أبي العاص أنه كان يصومه. اهـ. وأثر ابن عمر ﵄، أخرجه ابن أبي الصقر في «مشيخته» (٧٨)، من طريق ابن لَهِيعَة، عَنْ عَمرَان بْنِ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ فذكره. ونقل الإجماع على استحباب صيام عرفة على ما تضمنته هذه الأحاديث: قال الترمذي ﵀ في «سننه» (٧٤٩): قْدِ اسْتَحَبَّ أَهْلُ العِلْمِ: صِيَامَ يَوْمِ عَرَفَةَ، إِلَّا بِعَرَفَةَ. اهـ. وقال القرطبي - في تفسير آية (١٩٨) من سورة البقرة -: اسْتَحَبَّ أَهْلُ الْعِلْمِ صَوْمَ يَوْمِ عَرَفَةَ إِلَّا بِعَرَفَةَ. اهـ. قال ابن هبيرة في «اختلاف الأئمة العلماء» (١/ ٢٥٨): واتفقوا على أنَّ صوم يوم عرفة مستحب لمن لم يكن بعرفة. اهـ. وقال المرداوي في «الإنصاف»: قَوْلُهُ (وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ كَفَّارَةُ سَنَةٍ، وَيَوْمُ عَرَفَةَ كَفَّارَةُ سَنَتَيْنِ)، وَهَذَا بِلَا نِزَاعٍ. اهـ. قال عبد الله البسام وفقه الله: صوم يوم عرفة هو أفضل صيام التطوع بإجماع العلماء. اهـ من «توضيح الأحكام» (٣/ ٢٠١). وقال ابن مفلح ﵀ في «الفروع» (٣/ ١٠٨): وَيُسْتَحَبُّ صَوْمُ عَشْرِ ذِي الْحَجَّةِ،

стр. 430

وَآكَدُهُ التَّاسِعُ، وَهُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ إجْمَاعًا. اهـ. ومن ضمن محاولات الكاتب الفاشلة لتضعيف هذه الأدلة، وردّ ما اتفق عليه أهل العلم من العمل بها على مبدأ: (خالف تُعرف)، استدلاله بحديث عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قال: «يَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ النَّحْرِ، وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ عِيدُنَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ»، وأنَّ يوم عرفة يوم عيد لا يُصام، وباعث هذا الاستدلال إما جهل أو هوى. فقد بوب الإمام البخاري ﵀ في «صحيحه» بَابُ صِيَامِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وساق (١٩٩٦) قال: وَقَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، كَانَتْ عَائِشَةُ ﵂: تَصُومُ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ بِمِنًى، وَكَانَ أَبُوهَا يَصُومُهَا. (١٩٩٧): حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عِيسى بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، وَعَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵃، قَالَا: «لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ، إِلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الهَدْيَ». (١٩٩٩): حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: الصِّيَامُ لِمَنْ تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ إِلَى يَوْمِ عَرَفَةَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا وَلَمْ يَصُمْ، صَامَ أَيَّامَ مِنًى. وعلى القول الصحيح، المؤيد بقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا

стр. 431

اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وبما في هذا الباب: أنه يجوز صيامها لمن لم يجد الهدي، حتى يوم عرفة للواقف بها ولم يجد الهدي. قال ابن عبد البر في «التمهيد» (٢١/ ١٦٤): وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ يَوْمَ عَرَفَةَ جَائِزٌ صِيَامُهُ لِلْمُتَمَتِّعِ إِذَا لَمْ يَجِدْ هَدْيًا. اهـ. وبعضهم أباح صيامها مطلقًا كما فى «فتح الباري»، عند الباب المذكور، وتفسير ابن كثير عند الآية، و «المفهم» للقرطبي (٣/ ١٩٩). وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله. وكذا الجمعة عيد كما دل عليه حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عند الطبراني في «الأوسط» (٢٠٨٤)، وفيه: «هَذِهِ الْجُمُعَةُ يَعْرِضُهَا عَلَيْكَ رَبُّكَ لِتَكُونَ لَكَ عِيدًا وَلِقَوْمِكَ مِنْ بَعْدِكَ»، وهو حديث محتج به. وقال أَبُو عُبَيْدٍ، مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ: شَهِدْتُ العِيدَ مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَصَلَّى قَبْلَ الخُطْبَةِ، ثُمَّ خَطَبَ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ هَذَا يَوْمٌ قَدِ اجْتَمَعَ لَكُمْ فِيهِ عِيدَانِ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْتَظِرَ الجُمُعَةَ مِنْ أَهْلِ العَوَالِي فَلْيَنْتَظِرْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْجِعَ فَقَدْ أَذِنْتُ لَهُ، أخرجه البخاري (٥٥٧٢). وهذا إجماع، فلم يعلم أنَّ أحدًا أنكر قوله هذا من الصحابة أنها عيد.

стр. 432

وكذا صح عن ابْنِ الزُّبَيْرِ ﵁، أنه قَالَ: عِيدَانِ اجْتَمَعَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، أخرجه أبو داود (١٠٥٩). وفي الباب عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عند ابن ماجه (١٣٢١)، أنه قَالَ: اجْتَمَعَ عِيدَانِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فذكر الحديث، وهو ضعيف؛ لكنه في الباب. ومثله عن زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ عند أحمد فى «المسند» (٤/ ٣٧٢) انه قال: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عِيدَيْنِ اجْتَمَعَا، الحديث فذكره، وهو صحيح لغيره. وأخرج أبو داود (١٠٦٠)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «قَدِ اجْتَمَعَ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا عِيدَانِ»، والراجح إرساله. و عند قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، ساق ابن كثير ﵀ قول عمر ﵁: نَزَلَتْ فِي يَوْمِ الجمعة وَيَوْمِ عَرَفَةَ، وَكَلَاهُمَا بِحَمْدِ اللَّهِ لَنَا عِيدٌ، وهو قول صحيح عنه، أصله في البخاري (٤٦٠٦)، ومسلم (٣٠١٧). وقول ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي يَوْمِ عِيدَيْنِ اثْنَيْنِ: يَوْمَ عِيدٍ، وَيَوْمَ جُمُعَةٍ، وهو حسن، فالجمعة عيد بلا خلاف. ومن المعلوم جواز صوم يوم الجمعة في الفرض والنفل ما لم يخصها بذلك، كما في البخاري (١٩٨٥)، ومسلم (١١٤٤)، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: «لَا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إِلَّا - أن يَصُومَ - يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ».

стр. 433

وأما بدون تخصيص له فقال مالك فى «الموطأ» (٧٠٩): لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ وَمَنْ يُقْتَدَى بِهِ نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَصِيَامُهُ حَسَنٌ. اهـ. ومثل ذلك ما دلت عليه الأدلة السابقة من استحباب صوم يوم عرفة لغير الواقف بعرفة. وإنما النهي المجمع عليه صوم يوم الفطر ويوم النحر، فلا يجوز صومهما للنهي عن ذلك، في عدة أحاديث، منها: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ يَوْمِ الْأَضْحَى، وَيَوْمِ الْفِطْرِ»، أخرجه البخاري (١٩٩٣)، ومسلم (١١٣٨). قال النووي فى شرح أحاديث الباب: وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَحْرِيمِ صَوْمِ هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ بِكُلِّ حَالٍ سَوَاءٌ صَامَهُمَا عَنْ نَذْرٍ أَوْ تَطَوُّعٍ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. اهـ. أما هذه الأيام الموصوفة أنها عيد، فالأدلة المذكورة وغيرها من بابها، تدل على شرعية صومها بضوابطها المذكورة. ومما يتعجب منه أنَّ صاحب الرسالة، فوزي، أتى ببعض الآثار ممن كره للواقف بعرفة أن يصوم يوم عرفة، وجعلها ضمن مقصوده في عدم صوم يوم عرفة بغير عرفة. وهذه المسأله خلاف تلك، فتلك على جوازها ما سبق من الأدلة والإجماع، وهذه عدم صوم يوم عرفة للواقف بعرفة عليه أدلته، وقول أكثر العلماء.

стр. 434

ومن تلك الأدلة ما تقدم من حديت أم الفضل ﵂ أنهم بعثوا بشراب الى النَّبِيِّ ﷺ وهو واقف بعرفة فشربه، وجملة مما في بابه من الأحاديث والآثار أخذ بها جمهور العلماء: بأنه لا يصوم الواقف بعرفة. قال الترمذي عقب حديث أم الفصل من «جامعة» (٧٥٠): وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ: يَسْتَحِبُّونَ الإِفْطَارَ بِعَرَفَةَ لِيَتَقَوَّى بِهِ الرَّجُلُ عَلَى الدُّعَاءِ، وَقَدْ صَامَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ يَوْمَ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ. اهـ. قال النووي في «شرح مسلم» حديث (١١٢٣): (بَابُ اسْتِحْبَابِ الْفِطْرِ لِلْحَاجِّ بِعَرَفَاتٍ يَوْمَ عَرَفَةَ): مذَهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ اسْتِحْبَابُ فِطْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ لِلْحَاجِّ. وَحَكَاهُ بن الْمُنْذِرِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ بن عفان، وبن عمر، والثوري، قال: وكان بن الزُّبَيْرِ، وَعَائِشَةُ يَصُومَانِهِ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، وَكَانَ إِسْحَاقُ يَمِيلُ إِلَيْهِ، وَكَانَ عَطَاءٌ يَصُومُهُ فِي الشِّتَاءِ دُونَ الصَّيْفِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: لَا بَأْسَ بِهِ إِذَا لَمْ يَضْعُفْ عَنِ الدُّعَاءِ. وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِفِطْرِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ؛ وَلِأَنَّهُ أَرْفَقُ بِالْحَاجِّ فِي آدَابِ الْوُقُوفِ وَمُهِمَّاتِ الْمَنَاسِكِ.

стр. 435

وَاحْتَجَّ الْآخَرُونَ بِالْأَحَادِيثِ الْمُطْلَقَةِ أَنَّ صَوْمَ عَرَفَةَ كَفَّارَةٌ سَنَتَيْنِ. وَحَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى مَنْ لَيْسَ هُنَاكَ. اهـ. انتهى عجالة ما قصدنا به، بيان شناعة خطأ هذا الأخ المضعف لهذه السنة الثابتة، وتنفيره عن هذا العمل الصالح، صيام يوم عرفة لغير الحاج بغير حجة، وبالله التوفيق.

стр. 436

٢١٢ - وقال الإمام البخاري في «صحيحة»: بَابُ الجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِعَرَفَةَ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ إِذَا فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ مَعَ الإِمَامِ جَمَعَ بَيْنَهُمَا: وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ، أَنَّ الحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ، عَامَ نَزَلَ بِابْنِ الزُّبَيْرِ ﵄، سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ ﵁، كَيْفَ تَصْنَعُ فِي المَوْقِفِ يَوْمَ عَرَفَةَ؟ فَقَالَ سَالِمٌ: «إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ فَهَجِّرْ بِالصَّلَاةِ يَوْمَ عَرَفَةَ»، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: «صَدَقَ، إِنَّهُمْ كَانُوا يَجْمَعُونَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ فِي السُّنَّةِ»، فَقُلْتُ لِسَالِمٍ: أَفَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ سَالِمٌ: «وَهَلْ تَتَّبِعُونَ فِي ذَلِكَ إِلَّا سُنَّتَهُ» (١). قال النووي في «شرح مسلم» عند شرح حديث جابر (١٢١٨): قَوْلُهُ (ثُمَّ أَذَّنَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا): فِيهِ أَنَّهُ يُشْرَعُ الْجَمْعُ بَيْنَ الظهر والعصر هُنَاكَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَقَدْ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَيْهِ. وَفِيهِ أَنَّ الْجَامِعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ يُصَلِّي الْأُولَى أَوَّلًا وَأَنَّهُ يُؤَذِّنُ لِلْأُولَى وَأَنَّهُ يُقِيمُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَأَنَّهُ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا، وَهَذَا كُلُّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَنَا. اهـ.

стр. 437

[٧٤]- فضل يوم عرفة، وعدم تطويل خطبة عرفة للتعجيل بالوقوف ٢١٣ - قال الإمام البخاري ﵀: بَابُ قَصْرِ الخُطْبَةِ بِعَرَفَةَ (١٦٦٣): حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عَبْدَ المَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ، كَتَبَ إِلَى الحَجَّاجِ أَنْ يَأْتَمَّ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي الحَجِّ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ، جَاءَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ وَأَنَا مَعَهُ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ أَوْ زَالَتْ، فَصَاحَ عِنْدَ فُسْطَاطِهِ أَيْنَ هَذَا؟ فَخَرَجَ إِلَيْهِ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: الرَّوَاحَ، فَقَالَ: الآنَ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَنْظِرْنِي أُفِيضُ عَلَيَّ مَاءً، فَنَزَلَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ حَتَّى خَرَجَ، فَسَارَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي فَقُلْتُ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تُصِيبَ السُّنَّةَ اليَوْمَ فَاقْصُرِ الخُطْبَةَ وَعَجِّلِ الوُقُوفَ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «صَدَقَ». قال الحافظ ابن حجر في «الفتح» (٣/ ٥١٤): وَقَيَّدَ الْمُصَنِّفُ قَصْرَ الْخُطْبَةِ بِعَرَفَةَ اتِّبَاعًا لِلَفْظِ الْحَدِيثِ وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ الْأَمْرَ بِاقْتِصَارِ الْخُطْبَةِ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ لعمَّار أخرجه فِي الْجُمُعَة. اهـ.

стр. 438

٢١٤ - وعَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ ﵁، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى عُمَرَ بن الخطاب ﵁، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَءُونَهَا، لَوْ عَلَيْنَا نَزَلَتْ، مَعْشَرَ الْيَهُودِ، لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا، قَالَ: وَأَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي لَأَعْلَمُ الْيَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ، وَالْمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ، «نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِعَرَفَاتٍ - عشية عرفة - فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ» (١). ٢١٥ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ، مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمِ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟» (٢). ٢١٦ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ يُبَاهِي بِأَهْلِ عَرَفَاتٍ أَهْلَ السَّمَاءِ، فَيَقُولُ لَهُمْ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي جَاءُونِي شُعْثًا غُبْرًا» (٣).

стр. 439

٢١٧ - وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ يُبَاهِي مَلَائِكَتَهُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِأَهْلِ عَرَفَةَ، فَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا» (١). إثبات صفة الدنو والمباهاة للَّه تعالى قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٥/ ٤٤٦): وَأَمَّا دُنُوُّهُ نَفْسُهُ وَتَقَرُّبُهُ مِنْ بَعْضِ عِبَادِهِ؛ فَهَذَا يُثْبِتُهُ مَنْ يُثْبِتُ قِيَامَ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ بِنَفْسِهِ، وَمَجِيئِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَنُزُولِهِ، وَاسْتِوَائِهِ عَلَى الْعَرْشِ. وَهَذَا مَذْهَبُ أَئِمَّةِ السَّلَفِ، وَأَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ الْمَشْهُورِينَ، وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَالنَّقْلُ عَنْهُمْ بِذَلِكَ مُتَوَاتِرٌ. اهـ. قال المباركفوري في «مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» (٩/ ١٣٦): قلت: الحديث محمول على ظاهره من غير تأويل وتكييف كما هو مذهب السلف الصالح في النزول، والعلو، وغيرهما من الصفات، من إمرارها على ظاهرها، وتفويض الكيفية إلى علمه .

стр. 440

فالدنو والمباهاة معناهما معلوم، والكيفية مجهولة، فنقول: إنه تعالى يدنو من عباده عشية عرفة بعرفات ويباهي بهم الملائكة كيف يشاء (فيقول: ما أراد هؤلاء؟). قال القاري: أي: (أي شيء أراد هؤلاء) حيث تركوا أهلهم، وأوطانهم، وصرفوا أموالهم، وأتعبوا أبدانهم، أي: ما أرادوا إلا المغفرة والرضاء، والقرب واللقاء، ومن جاء هذا الباب لا يخشى الرد، أو التقدير: ما أراد هؤلاء فهو حاصل لهم، ودرجاتهم على قدر مراداتهم ونياتهم. أو أي شيء أراد هؤلاء؟ أي شيئًا سهلًا يسيرًا عندنا إذ مغفرة كف من التراب لا يتعاظم عند رب الأرباب. اهـ. وقد جاء أنه سبحانه ينزل يوم عرفة إلى السماء الدنيا ولم يثبت: قال ابن خزيمة ﵀ في «صحيحه»: وَرَوَى مَرْزُوقٌ، هُوَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ إِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ فَيُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا ضَاحِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ»، فَتَقُولُ لَهُ الْمَلَائِكَةُ: أَيْ رَبِّ فِيهِمْ فُلَانٌ يَزْهُو وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ: «قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ»، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فَمَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرُ عَتِيقًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ»، حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى حدثنا أَبُو نُعَيْمٍ ثنا مَرْزُوقُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا أَبْرَأُ مِنْ عُهْدَةِ مَرْزُوقٍ. قُلْتُ: وأيضًا فيه عنعنة أبي الزبير وهو مدلس، وهو في «الضعيفة» للألباني

стр. 441

﵀ برقم (٦٧٩). وفي «شرح النووي على مسلم» (١٣٤٨): هَذَا الْحَدِيثُ ظَاهِرُ الدَّلَالَةِ فِي فَضْلِ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ امْرَأَتِي طَالِقٌ فِي أَفْضَلِ الْأَيَّامِ، فَلِأَصْحَابِنَا وَجْهَانِ: • أَحَدُهُمَا: تُطَلَّقُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِقَوْلِهِ ﷺ : «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةٍ» كَمَا سَبَقَ فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ». • وَأَصَحُّهُمَا: يَوْمُ عَرَفَةَ لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَيُتَأَوَّلُ حَدِيثُ: «يَوْمِ الْجُمُعَةِ»، عَلَى أَنَّهُ أَفْضَلُ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ. اهـ. سئل شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٢٢٨): أَيُّمَا أَفْضَلُ: يَوْمُ عَرَفَةَ أَوْ الْجُمْعَةِ أَوْ الْفِطَرِ أَوْ النَّحْرِ؟ فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَفْضَلُ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ يَوْمُ الْجُمْعَةِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. وَأَفْضَلُ أَيَّامِ الْعَامِ هُوَ يَوْمُ النَّحْرِ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: يَوْمُ عَرَفَةَ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ فِي السُّنَنِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «أَفْضَلُ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمُ النَّحْرِ ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ»؛ لِأَنَّهُ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «يَوْمُ النَّحْرِ هُوَ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ»، وَفِيهِ مِنْ الْأَعْمَالِ مَا لَا يُعْمَلُ فِي غَيْرِهِ: كَالْوُقُوفِ بمزدلفة وَرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَحْدَهَا وَالنَّحْرِ وَالْحَلْقِ وَطَوَافِ

стр. 442

الْإِفَاضَةِ فَإِنَّ فِعْلَ هَذِهِ فِيهِ أَفْضَلُ بِالسُّنَّةِ وَاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَسُئِلَ: عَنْ يَوْمِ الْجُمْعَةِ وَيَوْمِ النَّحْرِ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ فَأَجَابَ: يَوْمُ الْجُمْعَةِ أَفْضَلُ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ وَيَوْمُ النَّحْرِ أَفْضَلُ أَيَّامِ الْعَامِ. قَالَ ابْنُ الْقَيِّمُ (١): وَغَيْرُ هَذَا الْجَوَابِ لَا يَسْلَمُ صَاحِبُهُ مِنْ الِاعْتِرَاضِ الَّذِي لَا حِيلَةَ لَهُ فِي دَفْعِهِ. اهـ. قال ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (١/ ٦٠ - ٦٤): مَزِيَّةُ وَقْفَةِ الْجُمُعَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ: - وذكر حديث: «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ» -، ثم قال: قِيلَ: قَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى تَفْضِيلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ عَلَى يَوْمِ عَرَفَةَ مُحْتَجًّا بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَحَكَى الْقَاضِي أبو يعلى رِوَايَةً عَنْ أحمد أَنَّ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ أَفْضَلُ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَالصَّوَابُ أَنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَفْضَلُ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ، وَيَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ النَّحْرِ أَفْضَلُ أَيَّامِ الْعَامِ، وَكَذَلِكَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ، وَلَيْلَةُ الْجُمُعَةِ؛ وَلِهَذَا كَانَ لِوَقْفَةِ الْجُمُعَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ مَزِيَّةٌ عَلَى سَائِرِ الْأَيَّامِ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ:

стр. 443

• أَحَدُهَا: اجْتِمَاعُ الْيَوْمَيْنِ اللَّذَيْنِ هُمَا أَفْضَلُ الْأَيَّامِ. • الثَّانِي: أَنَّهُ الْيَوْمُ الَّذِي فِيهِ سَاعَةٌ مُحَقَّقَةُ الْإِجَابَةِ، وَأَكْثَرُ الْأَقْوَالِ أَنَّهَا آخِرُ سَاعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَأَهْلُ الْمَوْقِفِ كُلُّهُمْ إِذْ ذَاكَ وَاقِفُونَ لِلدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ. • الثَّالِثُ: مُوَافَقَتُهُ لِيَوْمِ وَقْفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . • الرَّابِعُ: أَنَّ فِيهِ اجْتِمَاعَ الْخَلَائِقِ مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ لِلْخُطْبَةِ وَصَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَيُوَافِقُ ذَلِكَ اجْتِمَاعَ أَهْلِ عَرَفَةَ يَوْمَ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ، فَيَحْصُلُ مِنَ اجْتِمَاعِ الْمُسْلِمِينَ فِي مَسَاجِدِهِمْ وَمَوْقِفِهِمْ مِنَ الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ مَا لَا يَحْصُلُ فِي يَوْمٍ سِوَاهُ. • الْخَامِسُ: أَنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَوْمُ عِيدٍ، وَيَوْمَ عَرَفَةَ يَوْمُ عِيدٍ. • السَّادِسُ: أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِيَوْمِ إِكْمَالِ اللَّهِ تَعَالَى دِينَهُ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِتْمَامِ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ، كَمَا ثَبَتَ فِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: جَاءَ يَهُودِيٌّ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ آيَةٌ تَقْرَءُونَهَا فِي كِتَابِكُمْ لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ نَزَلَتْ وَنَعْلَمُ ذَلِكَ الْيَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ لَاتَّخَذْنَاهُ عِيدًا، قَالَ: أَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: «إِنِّي لَأَعْلَمُ الْيَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ، وَالْمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ، نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ، وَنَحْنُ وَاقِفُونَ مَعَهُ بِعَرَفَةَ». • السَّابِعُ: أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِيَوْمِ الْجَمْعِ الْأَكْبَرِ، وَالْمَوْقِفِ الْأَعْظَمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَإِنَّ الْقِيَامَةَ تَقُومُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ

стр. 444

الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا، وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ، وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ». • الثَّامِنُ: أَنَّ الطَّاعَةَ الْوَاقِعَةَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، أَكْثَرُ مِنْهَا فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ حَتَّى إِنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ الْفُجُورِ يَحْتَرِمُونَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَتَهُ، وَيَرَوْنَ أَنَّ مَنْ تَجَرَّأَ فِيهِ عَلَى مَعَاصِي اللَّهِ عَجَّلَ اللَّهُ عُقُوبَتَهُ وَلَمْ يُمْهِلْهُ، وَهَذَا أَمْرٌ قَدِ اسْتَقَرَّ عِنْدَهُمْ وَعَلِمُوهُ بِالتَّجَارِبِ، وَذَلِكَ لِعِظَمِ الْيَوْمِ وَشَرَفِهِ عِنْدَ اللَّهِ، وَاخْتِيَارِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ لَهُ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَيَّامِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ لِلْوَقْفَةِ فِيهِ مَزِيَّةً عَلَى غَيْرِهِ. • التَّاسِعُ: أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِيَوْمِ الْمَزِيدِ فِي الْجَنَّةِ، وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي يُجْمَعُ فِيهِ أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي وَادٍ أَفْيَحَ، وَيُنْصَبُ لَهُمْ مَنَابِرُ مِنْ لُؤْلُؤٍ، وَمَنَابِرُ مِنْ ذَهَبٍ، وَمَنَابِرُ مِنْ زَبَرْجَدٍ وَيَاقُوتٍ عَلَى كُثْبَانِ الْمِسْكِ، فَيَنْظُرُونَ إِلَى رَبِّهِمْ ﵎، وَيَتَجَلَّى لَهُمْ فَيَرَوْنَهُ عِيَانًا، وَيَكُونُ أَسْرَعُهُمْ مُوَافَاةً أَعْجَلَهُمْ رَوَاحًا إِلَى الْمَسْجِدِ، وَأَقْرَبُهُمْ مِنْهُ أَقْرَبَهُمْ مِنَ الْإِمَامِ، فَأَهْلُ الْجَنَّةِ مُشْتَاقُونَ إِلَى يَوْمِ الْمَزِيدِ فِيهَا لِمَا يَنَالُونَ فِيهِ مِنَ الْكَرَامَةِ، وَهُوَ يَوْمُ جُمُعَةٍ، فَإِذَا وَافَقَ يَوْمَ عَرَفَةَ كَانَ لَهُ زِيَادَةُ مَزِيَّةٍ وَاخْتِصَاصٍ وَفَضْلٍ لَيْسَ لِغَيْرِهِ. • الْعَاشِرُ: أَنَّهُ يَدْنُو الرَّبُّ ﵎ عَشِيَّةَ يَوْمِ عَرَفَةَ مِنْ أَهْلِ الْمَوْقِفِ، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ فَيَقُولُ: «مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ»، وَتَحْصُلُ مَعَ دُنُوِّهِ مِنْهُمْ ﵎ سَاعَةُ الْإِجَابَةِ الَّتِي لَا يَرُدُّ فِيهَا سَائِلًا يَسْأَلُ خَيْرًا فَيَقْرُبُونَ مِنْهُ بِدُعَائِهِ وَالتَّضَرُّعِ إِلَيْهِ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ، وَيَقْرُبُ مِنْهُمْ تَعَالَى نَوْعَيْنِ مِنَ الْقُرْبِ:

стр. 445

• أَحَدُهُمَا: قُرْبُ الْإِجَابَةِ الْمُحَقَّقَةِ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ. • وَالثَّانِي: قُرْبُهُ الْخَاصُّ مِنْ أَهْلِ عَرَفَةَ، وَمُبَاهَاتُهُ بِهِمْ مَلَائِكَتَهُ، فَتَسْتَشْعِرُ قُلُوبُ أَهْلِ الْإِيمَانِ هَذِهِ الْأُمُورَ فَتَزْدَادُ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِهَا، وَفَرَحًا وَسُرُورًا وَابْتِهَاجًا، وَرَجَاءً لِفَضْلِ رَبِّهَا وَكَرَمِهِ، فَبِهَذِهِ الْوُجُوهِ وَغَيْرِهَا فُضِّلَتْ وَقْفَةُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ عَلَى غَيْرِهَا. اهـ باختصار.

стр. 446

[٧٥]- عدم اعتبار وقوف الحاج يوم عرفة خارج عرفة ٢١٨ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، - في حديثه عن حجة النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى، فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ (١)، وَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعَرٍ تُضْرَبُ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَسَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَلَا تَشُكُّ قُرَيْشٌ إِلَّا أَنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَجَازَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ، فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَنَزَلَ بِهَا، حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ، فَرُحِلَتْ لَهُ، فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي، فَخَطَبَ - إلى قوله -: ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ، فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ إِلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ.

стр. 447

[٧٦]- عُرَنَة ليست من عرفة فالواقف بها لم يقف بعرفة ٢١٩ - قال الإمام ابن ماجه (٣٠١٢): حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعُمَرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ، وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ، وَكُلُّ الْمُزْدَلِفَةِ مَوْقِفٌ، وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ مُحَسِّرٍ، وَكُلُّ مِنًى مَنْحَرٌ، إِلَّا مَا وَرَاءَ الْعَقَبَةِ» (١).

стр. 448

٢٢٠ - الحديث الثاني: وقال البزار في «كشف الأستار» (٢/ ٢٧): حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْد الْعَزِيزِ التَّنُوخِيُّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كُلُّ عَرَفَاتٍ مَوْقِفٌ، وَارْتَفِعُوا عَنْ عُرْنَةَ، وَكُلُّ مُزْدَلِفَةَ مَوْقِفٌ، وَارْتَفِعُوا عَنْ مُحَسِّرٍ، وَفِي كُلِّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ». قَالَ الْبَزَّارُ: تَفَرَّدَ بِهِ سَعِيدٌ، وَلا يُحَجُّ بِمَا تَفَرَّدَ بِهِ (١). ٢٢١ - الحديث الثالث: وأخرجه ابن خزيمة برقم (٢٨١٦، ٢٨١٧)، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ زِيَادٍ -وَهُوَ ابْنُ سَعْدٍ- عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ارْفَعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ، وَارْفَعُوا عَنْ بَطْنِ مُحَسِّرٍ».

стр. 449

٢٢٢ - فَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ يُقَالُ: ارْتَفَعُوا عَنْ مُحَسِّرٍ، وَارْتَفِعُوا عَنْ عُرَنَاتٍ. أَمَّا قَوْلُهُ: (الْعُرَنَاتُ): فَالْوُقُوفُ بِعُرَنَةَ أَلَّا يَقِفُوا بِعُرَنَةَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: (عَنْ مُحَسِّرٍ)، فَالنُّزُولُ بِجَمْعٍ، أَيْ: لَا تَنْزِلُوا مُحَسِّرًا (١). وقال ابن عبد البر في «الاستذكار» (٤/ ٢٧٤): مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: (اعْلَمُوا أَنَّ عَرَفَةَ كُلَّهَا مَوْقِفٌ إِلَّا بَطْنَ عُرَنَةَ، وَأَنَّ الْمُزْدَلِفَةَ كُلَّهَا مَوْقِفٌ إِلَّا بَطْنَ مُحَسِّرٍ). - وسنده صحيح -. قَالَ أَبُو عُمَرَ: هَذَا الْحَدِيثُ يَتَّصِلُ من حديث جابر وبن عباس وعلي بن أبي طالب وقد ذَكَرْنَا طُرُقَهُ فِي التَّمْهِيدِ وَأَكْثَرُهَا لَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ بَطْنِ عُرَنَةَ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَهُوَ مَحْفُوظٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «عَرَفَةُ كُلُّها مَوْقِفٌ وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ وَمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ

стр. 450

مُحَسِّرٍ وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ وَلِلْحَاجِّ مَكَّةُ كُلُّهَا مَنْحَرٌ». قَالَ: وَأَخْبَرَنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ بن عُمَرَ، قَالَ: عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ إِلَّا بَطْنَ عُرَنَةَ، وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ إِلَّا بَطْنَ مُحَسِّرٍ. اهـ. وعَنْ يَزِيدَ بْنِ شَيْبَانَ ﵁، قَالَ: أَتَانَا ابْنُ مِرْبَعٍ الْأَنْصَارِيُّ وَنَحْنُ بِعَرَفَةَ فِي مَكَانٍ يُبَاعِدُهُ عَمْرُو عَنِ الْإِمَامِ فَقَالَ: أَمَا إِنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَيْكُمْ يَقُولُ لَكُمْ: «قِفُوا عَلَى مَشَاعِرِكُمْ، فَإِنَّكُمْ عَلَى إِرْثٍ مِنْ إِرْثِ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ» (١). قُلْتُ: والحديث بمجموع هذه الطرق صحيح، وخرجه ابن الملقن في «البدر المنير» (٦/ ٢٣٤)، وبعدها من سبع طرق، وقال في الطريق الرابعة ما نقله ابن عبد البر: أنه صحيح عند الفقهاء. وممن صححه العلامة الألباني ﵀ في «الصحيحة» برقم (١٥٣٤)، وقد نقل الإجماع على ما دل عليه.

стр. 451

قال النووي في «المجموع» (٨/ ١٢٠): لَوْ وَقَفَ بِبَطْنِ عرنة لَمْ يَصِحَّ وُقُوفُهُ عِنْدَنَا وَبِهِ قَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ. اهـ. وقال النووي في «شرح مسلم» (١٢١٨): وَلَيْسَتْ عُرَنَةُ مِنْ أَرْضِ عَرَفَاتٍ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَالْعُلَمَاءِ كَافَّةً إِلَّا مَالِكًا فَقَالَ: هِيَ مِنْ عَرَفَاتٍ. اهـ. قُلْتُ: وكذا نمرة؛ لحديث جابر ﵁ الآتي، وفيه: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضُرِبَتْ لَهُ قُبَّةٌ بِنَمِرَةَ، فَنَزَلَ بِهَا، حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَتَى عَرَفَةَ»، دليل على أنَّ نمرة أيضًا ليست من عرفة كما قال النووي: وَهِيَ مَوْضِعٌ بجنب عَرَفَاتٍ وَلَيْسَتْ مِنْ عَرَفَاتٍ. اهـ. وقال شيخ الإسلام ﵀: وَ (نَمِرَةُ) كَانَتْ قَرْيَةً خَارِجَةً عَنْ عَرَفَاتٍ مِنْ جِهَةِ الْيَمِينِ فَيُقِيمُونَ بِهَا إلَى الزَّوَالِ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ ، ثُمَّ يَسِيرُونَ مِنْهَا إلَى بَطْنِ الْوَادِي، وَهُوَ مَوْضِعُ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الظُّهْر وَالْعَصْرَ وَخَطَبَ، وَهُوَ فِي حُدُودِ عَرَفَةَ بِبَطْنِ عرنة، وَهُنَاكَ مَسْجِدٌ يُقَالُ لَهُ: مَسْجِدُ إبْرَاهِيمَ وَإِنَّمَا بُنِيَ فِي أَوَّلِ دَوْلَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ. اهـ. وقال ابن عبد البر ﵀، - فيما نقله قال ابن قدامة في «المغني» تحت مسألة رقم (٦٣٥) -: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ وَقَفَ بِهِ لَا يُجْزِئُهُ، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ يُهْرِيقُ دَمًا، وَحَجُّهُ تَامٌّ. اهـ.

стр. 452

ورد ابن قدامة قول مالك بحديث جابر هذا: «وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ». وقال القرطبي ﵀ في «المفهم» (٣/ ٣٤٣): واتفق العلماء: على أنه لا موقف فيه. اهـ. قُلْتُ: وقد أضاف ابن المنذر وغيره دلالة الحديث المذكور، الاستدلال بحديث عروة بن مضرس ﵁: «مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ». وقد أثبت أهل العلم أنَّ مسجد نمرة أوله في عرنة، وآخره في عرفة، فمن بقي واقفًا في الجزء الواقع في عرنة من المسجد، ولم يقف شيئًا من الوقت في عرفة فحجه غير صحيح. وقال ابن المنذر في «الإشراف» (٣/ ٣١٢): واختلفوا فيمن وقف بعرفة من عرنة، فقال مالك: يهريق دمًا وحجه تام. وقال الشافعي: لا يجزيه ويحج ثانيًا إذا وقف ببطن عُرنة، وبه قال أبو مصعب: أن عليه حج قابل. وكذلك نقول، لا يجزيه أن يقف بمكان أمر النبي ﷺ أن لا يقف به. وثبت أن رسول الله ﷺ ، قال: «من صلى معنا هذه الصلاة، صلاة الغداة بجمع، أو أدرك معنا هذه الصلاة، وقد أتي عرفات قبل ذلك ليلًا أو نهارًا، فقد قضى تفثه وتم حجه». اهـ. وقال الماوردي في «الحاوي الكبير» (٤/ ١٧٢): قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَحَيْثُ وَقَفَ

стр. 453

النَّاسُ مِنْ عَرَفَةَ فِي جَوَانِبِهَا وَنَوَاحِيهَا وَمَضَارِبِهَا وَجِبَالِهَا وَسُهُولِهَا وَبَطْنِهَا وَأَوْدِيَتِهَا وَسُوقِهَا المعروف بِذِي الْمَجَازِ أَجْزَأَ إِذَا وَقَفَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَعْرِفُهُ الْعَرَبُ بِعَرَفَةَ. فَأَمَّا إِذَا وَقَفَ بِغَيْرِ عَرَفَةَ مِنْ وَرَائِهَا أَوْ دُونَهَا فِي عرفة عامدًا أَوْ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا بِهَا لَمْ تُجْزِهِ. اهـ.

стр. 454

[٧٧]- من أدرك الوقوف بعرفة أدرك الحج وبيان مكانه ووقته ابتداءً وانتهاءً ٢٢٣ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمَرَ الدِّيلِيِّ ﵁، قَالَ: شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ، وَأَتَاهُ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ الْحَجُّ؟ قَالَ: «الْحَجُّ عَرَفَةُ، فَمَنْ جَاءَ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، لَيْلَةَ جَمْعٍ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، أَيَّامُ مِنًى ثَلَاثَةٌ، فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ، فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، وَمَنْ تَأَخَّرَ، فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَرْدَفَ رَجُلًا خَلْفَهُ، فَجَعَلَ يُنَادِي بِهِنَّ» (١).

стр. 455

٢٢٤ - عَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ الطَّائِيِّ ﵁، أَنَّهُ حَجَّ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمْ يُدْرِكِ النَّاسَ، إِلَّا وَهُمْ بِجَمْعٍ، قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَنْضَيْتُ رَاحِلَتِي (١)، وَأَتْعَبْتُ نَفْسِي، وَاللَّهِ إِنْ تَرَكْتُ مِنْ حَبْلٍ، إِلَّا وَقَفْتُ عَلَيْهِ، فَهَلْ لِي مِنْ حَجٍّ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ شَهِدَ مَعَنَا الصَّلَاةَ، وَأَفَاضَ مِنْ عَرَفَاتٍ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ قَضَى تَفَثَهُ (٢)، وَتَمَّ حَجُّهُ» (٣). قال ابن المنذر في «الإشراف» (٣/ ٢٨٥): وأجمعوا على أنَّ الوقوف بعرفة فرض، ولا حج لمن فاته الوقوف بها. اهـ.

стр. 456

قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٣/ ٣٦٨): وَالْوُقُوفُ - بِعَرَفَةَ - رُكْنٌ، لَا يَتِمُّ الْحَجُّ إلَّا بِهِ، إجْمَاعًا. اهـ. وقت الوقوف ابتداءً نقل الإجماع أنَّ الوقوف لا يجزئ إلا بعد الزوال من يوم عرفة؛ لأن النَّبِيَّ ﷺ وقف بعد الزوال، وفعله يبين قوله: «مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا»، وفي الحديث الآخر: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ». قال ابن عبد البر في «الاستذكار» (٤/ ٢٨١): وَأجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ الزَّوَالِ ثُمَّ أَفَاضَ مِنْهَا قَبْلَ الزَّوَالِ، إِنْ لَمْ يَرْجِعْ فَيَقِفُ بَعْدَ الزَّوَالِ أَوْ يَقِفُ مِنْ لَيْلَتِهِ تِلْكَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ. اهـ. وكذا قال القرطبي في «تفسيره» (٢/ ٤١٥)، وابن رشد في «بداية المجتهد» (٢/ ١١٣). قُلْتُ: ولا يصح الإجماع المذكور، والخلاف مذكور في هذه المسألة. قال النووي في «شرح مسلم» تحت حديث حجة الوداع (١٢١٨): قَوْلُهُ (ثُمَّ أَذَّنَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا): • فِيهِ: أَنَّهُ يُشْرَعُ الْجَمْعُ بَيْنَ الظهر والعصر هُنَاكَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَقَدْ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَيْهِ.

стр. 457

فِي هَذَا الْفَصْلِ مَسَائِلُ وَآدَابٌ لِلْوُقُوفِ: • مِنْهَا: أَنَّهُ إِذَا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاتَيْنِ عَجَّلَ الذَّهَابَ إِلَى الْمَوْقِفِ. • وَمِنْهَا: أَنَّ الْوُقُوفَ رَاكِبًا أَفْضَلُ، وَفِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَفِي مَذْهَبِنَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَصَحُّهَا: أَنَّ الْوُقُوفَ رَاكِبًا أَفْضَلُ، وَالثَّانِي: غَيْرُ الرَّاكِبِ أَفْضَلُ، وَالثَّالِثُ: هُمَا سَوَاءٌ. • وَمِنْهَا: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ عِنْدَ الصَّخَرَاتِ الْمَذْكُورَاتِ، وَهِيَ صَخَرَاتٌ مُفْتَرِشَاتٌ فِي أَسْفَلِ جَبَلِ الرَّحْمَةِ، وَهُوَ الْجَبَلُ الَّذِي بِوَسَطِ أَرْضِ عَرَفَاتٍ، فَهَذَا هُوَ الْمَوْقِفُ الْمُسْتَحَبُّ، وَأَمَّا مَا اشْتُهِرَ بَيْنَ الْعَوَامِّ مِنْ الِاعْتِنَاءِ بِصُعُودِ الْجَبَلِ، وَتَوَهُّمِهِمْ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْوُقُوفُ إِلَّا فِيهِ، فَغَلَطٌ، بَلِ الصَّوَابُ جَوَازُ الْوُقُوفِ فِي كُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَرْضِ عَرَفَاتٍ، وَأَنَّ الْفَضِيلَةَ فِي مَوْقِفِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ الصَّخَرَاتِ، فَإِنْ عَجَزَ فَلْيَقْرَبْ مِنْهُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ الْحَدِيثِ بَيَانُ حُدُودِ عَرَفَاتٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَ قَوْلِهِ ﷺ وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ. • وَمِنْهَا: اسْتِحْبَابُ اسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ فِي الْوُقُوفِ. • وَمِنْهَا: أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَبْقَى فِي الْوُقُوفِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَيَتَحَقَّقَ كَمَالُ غُرُوبِهَا ثُمَّ يُفِيضُ إِلَى مُزْدَلِفَةَ فَلَوْ أَفَاضَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ صَحَّ وُقُوفُهُ وَحَجُّهُ وَيُجْبَرُ ذَلِكَ بِدَمٍ، وَهَلِ الدَّمُ وَاجِبٌ أَمْ مُسْتَحَبٌّ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ، أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ سُنَّةٌ، وَالثَّانِي: وَاجِبٌ وَهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَاجِبٌ عَلَى

стр. 458

مَنْ وَقَفَ بِالنَّهَارِ أَمْ لَا؟ وَفِيهِ قَوْلَانِ، أَصَحُّهُمَا: سُنَّةٌ، وَالثَّانِي: وَاجِبٌ. وَأَمَّا وَقْتُ الْوُقُوفِ فَهُوَ مَا بَيْنَ زَوَالِ الشَّمْسِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَطُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي يَوْمَ النَّحْرِ فَمَنْ حَصَلَ بِعَرَفَاتٍ فِي جُزْءٍ مِنْ هَذَا الزَّمَانِ صَحَّ وُقُوفُهُ، وَمَنْ فَاتَهُ ذَلِكَ فَاتَهُ الْحَجُّ هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَصِحُّ الْوُقُوفُ فِي النَّهَارِ مُنْفَرِدًا بَلْ لَا بُدَّ مِنَ اللَّيْلِ وَحْدَهُ، فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى اللَّيْلِ كَفَاهُ وَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى النَّهَارِ لَمْ يَصِحَّ وُقُوفُهُ. وَقَالَ أَحْمَدُ: يَدْخُلُ وَقْتَ الْوُقُوفِ مِنَ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ. وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ أَصْلَ الْوُقُوفِ رُكْنٌ لَا يَصِحُّ الْحَجُّ إِلَّا بِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ. وقال ابن المنذر في «الإشراف» (٣/ ٣١٣): وفي قوله: «وقد أتى عرفات قبل ذلك ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه»، دليل على أن من وقف بعرفة يوم عرفة، أو ليلة النحر مدركًا لحجه إذ هو واقف، وإن دفع قبل غروب الشمس بيّن ذلك في ظاهر قوله: «وقد أتى عرفات ليلًا أو نهارًا». اهـ. وهذا اختيار ابن المنذر: أنَّ أول الوقوف بعرفة من صبح يوم عرفة ولو لم يقف بعد غروب الشمس فيها شيئًا أجزأه. وقال ابن قدامة في «المغني» تحت مسألة (٦٣٦): وَقْتُ الْوُقُوفِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ. وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنَّ

стр. 459

آخِرَ الْوَقْتِ طُلُوعُ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ. قَالَ جَابِرٌ: «لَا يَفُوتُ الْحَجُّ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ»، قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: فَقُلْت لَهُ: أَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. رَوَاهُ الْأَثْرَمُ. وَأَمَّا أَوَّلُهُ فَمِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَمَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا الْوَقْتِ وَهُوَ عَاقِلٌ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: أَوَّلُ وَقْتِهِ زَوَالُ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ. وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ذَلِكَ إجْمَاعًا. وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ، قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ»، وَلِأَنَّهُ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، فَكَانَ وَقْتًا لِلْوُقُوفِ، كَبَعْدِ الزَّوَالِ، وَتَرْكُ الْوُقُوفِ لَا يَمْنَعُ كَوْنَهُ وَقْتًا لِلْوُقُوفِ، كَبَعْدِ الْعِشَاءِ، وَإِنَّمَا وَقَفُوا فِي وَقْتِ الْفَضِيلَةِ، وَلَمْ يَسْتَوْعِبُوا جَمِيعَ وَقْتِ الْوُقُوفِ. قُلْتُ: وهذا قول صحيح، فيه أخذٌ بالعموم فهو الأيسر، و «مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا»، وبما أنه لم ياتِ فيه نص ولا حصر زمان الوقوف فالأخذ لعموم الحديث كما أخذ به هؤلاء الأئمة أولى، وكما أنَّ النَّبِيّ ﷺ وقف في مكانٍ أفضل - وسواه يجوز الوقوف فيه من عرفة - أيضًا وقف في وقتٍ أفضل، وسواه مما في لفظ الحديث يجزئ. قال: وَكَيْفَمَا حَصَلَ بِعَرَفَةَ، وَهُوَ عَاقِلٌ، أَجْزَأَهُ، قَائِمًا أَوْ جَالِسًا أَوْ رَاكِبًا أَوْ نَائِمًا.

стр. 460

وَإِنْ مَرَّ بِهَا مُجْتَازًا، فَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا عَرَفَةُ، أَجْزَأَهُ أَيْضًا. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ وَاقِفًا إلَّا بِإِرَادَةٍ. وَلَنَا، عُمُومُ قَوْلِهِ ﷺ : «وَقَدْ أَتَى عَرَفَاتٍ، قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا»، وَلِأَنَّهُ حَصَلَ بِعَرَفَةَ فِي زَمَنِ الْوُقُوفِ وَهُوَ عَاقِلٌ، فَأَجْزَأْهُ كَمَا لَوْ عَلِمَ. وَإِنْ وَقَفَ وَهُوَ مُغْمًى عَلَيْهِ أَوْ مَجْنُونٌ، وَلَمْ يُفِقْ حَتَّى خَرَجَ مِنْهَا، لَمْ يُجْزِئْهُ. اهـ. قُلْتُ: وقال ابن المنذر ﵀ في «الإشراف» (٣/ ٣١٤): قال مالك، وأصحاب الرأي: يجزؤه. وقال الشافعي، وأبو ثور، وأحمد، وإسحاق: لا يجزيه، وقد فاته الحج. وبه نقول. اهـ. قُلْتُ: ما شأنه، ومن دخل عرفة نائمًا حتى خرج منها نائمًا إلا سواء، وتقدم تصحيح ابن قدامة حج الواقف بعرفة نائمًا، وهذا مثله. والأرجح والله أعلم: أنَّ الوقوف، والطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، عبادة، والعبادة يشترط لها النية؛ لحديث: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»، فلا يصح وقوف مجنون أو مغمى عليه أو نائم، ولا طوافه ولا سعيه إن دخل في تلك العبادة نائمًا، وخرج منها نائمًا أو فاقدًا عقله بجنون أو إغماء إلا إن أفاق فنوى فيصح عمله ذلك، أما من يريد الوقوف بعرفة ومر بها ولم يعرف أنه مشى فيها وقتًا، فوقوفه صحيح لقصده الوقوف، وإنما خفي عليه مكانها وقد وفق له.
следующие страницы →