[٦٥]- السعي في الوادي
١٨٩ - وفي مسلم (١٢١٨) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَشَى حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى، حَتَّى إِذَا صَعِدَنَا مَشَى (١).
стр. 390
[٦٦]- شدة السعي في بطن الوادي بين العلمين لغير المرأة
١٩٠ - قال الإمام أحمد ﵀: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ الْقَطْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، أَخْبَرَنِي حَرْبٌ أَبُو سُفْيَانَ الْمِنْقَرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ أَبُو جَعْفَرٍ، حَدَّثَنِي عَمِّي، عَنْ أَبِيِ ﵁: أَنَّهُ «رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا، وَالْمَرْوَةِ فِي الْمَسْعَى كَاشِفًا عَنْ ثَوْبِهِ، قَدْ بَلَغَ إِلَى رُكْبَتَيْهِ» (١).
وفي حديث عَلِيَّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ دليل على أنَّ الركبة ليست عورة، كما أنَّ السُّرَّة ليست عورة، والعورة: (تحت السُّرَّة، وفوق الركبة) لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أنَّه قَالَ للْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄: أَرِنِي أُقَبِّلْ مِنْكَ حَيْثُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ
стр. 391
ﷺ يُقَبِّلُ. قَالَ: فَقَالَ: بِقَمِيصِهِ، قَالَ: فَقَبَّلَ سُرَّتَهُ (١).
ومن بابه أنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁: (أَقْبَلَ آخِذًا بِطَرَفِ ثَوْبِهِ حَتَّى أَبْدَى عَنْ رُكْبَتِهِ) (٢).
قال النووي في «شرح مسلم» عند حديث (١٢١٨): وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ السَّعْيِ الشَّدِيدِ فِي بَطْنِ الْوَادِي حَتَّى يَصْعَدَ ثُمَّ يَمْشِي بَاقِي الْمَسَافَةِ إِلَى الْمَرْوَةِ عَلَى عَادَةِ مَشْيِهِ، وَهَذَا السَّعْيُ مُسْتَحَبٌّ فِي كُلِّ مَرَّةٍ مِنَ الْمَرَّاتِ السَّبْعِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَالْمَشْيُ مُسْتَحَبٌّ فِيمَا قَبْلَ الْوَادِي وَبَعْدَهُ، وَلَوْ مَشَى فِي الْجَمِيعِ أَوْ سَعَى فِي الْجَمِيعِ أَجْزَأَهُ وَفَاتَتْهُ الْفَضِيلَةُ. اهـ.
وقال عند شرح حديث رقم (١٢٧٧): مَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ: أَنَّ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِهِ. اهـ.
حكم السعي قبل الطواف
ومن خلال أدلة الباب ترى فيها الترتيب بين الطواف ثم السعي، وقد جاء حديث أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ ﵁، أنَّ رجلًا قَالَ للنَّبِيِّ ﷺ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، سَعَيْتُ
стр. 392
قَبْلَ أَنْ أَطُوفَ أَوْ قَدَّمْتُ شَيْئًا أَوْ أَخَّرْتُ شَيْئًا، فَكَانَ يَقُولُ: «لَا حَرَجَ لَا حَرَجَ».
أخرجه أبو داود (٢٠١٥)، وابن خزيمة (٢٧٧٤)، وآخرون من طريق جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ به، وقد شذَّ جَرِيرٌ بقوله: (سَعَيْتُ قَبْلَ أَنْ أَطُوفَ)، ونص الحفاظ على شذوذها:
قال الدارقطني: لَمْ يَقُلْ: (سَعَيْتُ قَبْلَ أَنْ أَطُوفَ)، إِلا جَرِيرٌ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ. اهـ من «السنن» (٢٥٤٢).
وقال البيهقي في «الكبرى» (٥/ ٤٦): هَذَا اللَّفْظُ سَعَيْتُ قَبْلَ أَنْ أَطُوفَ غَرِيبٌ تَفَرَّدَ بِهِ جَرِيرٌ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَكَأَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ رَجُلٍ سَعَى عَقِيبَ طَوَافِ الْقُدُومِ قَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ، فَقَالَ: «لَا حَرَجَ»، وَاللهُ أَعْلَمُ. اهـ.
قال ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (٢/ ٢٣٩): وَقَوْلُهُ: سَعَيْتُ قَبْلَ أَنْ أَطُوفَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ، وَالْمَحْفُوظُ: تَقْدِيمُ الرَّمْيِ، وَالنَّحْرِ، وَالْحَلْقِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ. اهـ.
وقال الشوكاني في «السيل الجرار» (٢/ ١٩٨): وأما ما وقع في حديث أسامه عند أبي دأود بلفظ: سعيت قبل أن أطوف، فقد قال الحفاظ: أنَّه ليس بمحفوظ. اهـ.
وقال الألباني ﵀ في «صحيح أبي داود» رقم (١٧٥٩): قوله: (سعيت قبل أن
стр. 393
أطوف … ): شاذ. اهـ.
قال الحافظ ابن حجر في «الفتح» (٣/ ٥٠٥) تحت رقم (١٦٥٢): وَحكى بن الْمُنْذِرِ عَنْ عَطَاءٍ قَوْلَيْنِ فِيمَنْ بَدَأَ بِالسَّعْيِ قَبْلَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَبِالْإِجْزَاءِ، قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ: وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: سَعَيْتُ قَبْلَ أَنْ أَطُوفَ قَالَ: «طُفْ وَلَا حَرَجَ».
وَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا يُجْزِئُهُ وَأَوَّلُوا حَدِيثَ أُسَامَةَ عَلَى مَنْ سَعَى بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ وَقَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ. اهـ.
قُلْتُ: وبعد معرفة شذوذ هذه اللفظة لا يحتاج إلى التأويل.
قال المباركفوري ﵀ في «تحفة الأحوذي»: قوله: (وَأَنَا شَيْخٌ كَبِيرٌ): هَذَا اعْتِذَارٌ لِتَرْكِ الْسعي. اهـ.
قُلْتُ: منها أنَّ السعي بين العلمين مستحب لغير العاجز، وأجمعوا أنَّ المرأة لا يشرع لها السعي بينهما ولا حول البيت.
قال ابن عبد البر في «التمهيد» (٢/ ٧٨): أَجْمَعُوا أَنْ لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ رَمَلٌ فِي طَوَافِهِنَّ بِالْبَيْتِ وَلَا هَرْوَلَةٌ فِي سَعْيِهِنَّ بَيْنَ الصفا والمروة. اهـ.
قال النووي ﵀: إِذَا طَافَ فِي غَيْرِ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَلَا رَمَلَ بِلَا خِلَافٍ. اهـ من «شرح مسلم».
قال ابن عبد البر في «الاستذكار» (٤/ ١٩٥): أَجْمَعُوا عَلَى أَنْ لَا رَمَلَ عَلَى مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا. اهـ.
قُلْنَا: ومن كان من أهل مكة لا رمل عليه؛ إنما الرمل يستحب للآفاقي، إذ لم يرد الدليل إلا فيه.
وأخرجه أحمد (٢٢٦٥٠)، فقال: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ فَقَالَ: «أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ كَفَّارَةَ سَنَتَيْنِ مَاضِيَةٍ وَمُسْتَقْبَلَةٍ».
وطريق مَهْدِيِّ بْنِ مَيْمُونٍ، أخرجها مسلم (٢٧٥٠)، مختصرةً.
وأخرجه أحمد (٢٢٥٣٠)، فقال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعْنَاهُ مِنْ دَاوُدَ بْنِ شَابُورَ، عَنْ أَبِي قَزْعَةَ، عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ، عَنْ أَبِي حَرْمَلَةَ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: «صِيَامُ عَرَفَةَ يُكَفِّرُ السَّنَةَ وَالَّتِي تَلِيهَا، وَصِيَامُ عَاشُورَاءَ يُكَفِّرُ سَنَةً» قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قَالَ أَبِي: لَمْ يَرْفَعْهُ لَنَا سُفْيَانُ وَهُوَ مَرْفُوعٌ. اهـ.
وهذا سند صحيح، رجاله ثقات.
أَبُو قَزْعَةَ: سويد ين حجر الباهلي، ثقة أخرج له مسلم.
وأَبُو الْخَلِيلِ: صالح بن أبي مريم، ثقة، أخرج له البخاري ومسلم، وغيرهما.
قال الترمذي ﵀ في «السنن»، بَاب (٤٦): مَا جَاءَ فِي فَضْلِ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ، (٧٤٩): حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، به.
ثم قال: وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ. اهـ.
وبما سبق يُعلم صحة هذا الحديث لذاته، وستأتي له مزيد شواهد.
стр. 412
وقد رأيت رسالة بعنوان: «جزء فيه تخريج حديث صوم يوم عرفة»، جمعها: فوزي بن عبد الله بن محمد الحميدي، ذكر حديث أبي قتادة هذا، وتجرأ على تضعيفه، فقال، عنه كما في صفحة (١٥): حديث معلول ضعيف. اهـ.
وجعجع فيه راكبًا الصعب والذلول لتضعيف هذا الحديث، دون تهيب من التعدي على أحاديث «صحيح مسلم» التي لم ينتقدها متتبعوه من الحفاظ، وتلقتها الأمة بالقبول، كما نقل الإجماع على ذلك.
نقل السخاوي ﵀ في «فتح المغيث بشرح ألفية الحديث» (١/ ٩٣): عن أَبِي إِسْحَاقَ الْإِسْفِرَايِينِيِّ، قال: أَهْلُ الصَّنْعَةِ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ الْأَخْبَارَ الَّتِي اشْتَمَلَ عَلَيْهَا «الصَّحِيحَانِ» - مَقْطُوعٌ بِصِحَّةِ أُصُولِهَا وَمُتُونِهَا، وَلَا يَحْصُلُ الْخِلَافُ فِيهَا بِحَالٍ، وَإِنْ حَصَلَ فَذَاكَ اخْتِلَافٌ فِي طُرُقِهَا وَرُوَاتِهَا.
قَالَ: فَمَنْ خَالَفَ حُكْمُهُ خَبَرًا مِنْهَا، وَلَيْسَ لَهُ تَأْوِيلٌ سَائِغٌ لِلْخَبَرِ، نَقَضْنَا حُكْمَهُ; لِأَنَّ هَذِهِ الْأَخْبَارَ تَلَقَّتْهَا الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ. اهـ.
وقال ابن الصلاح ﵀ في «صيانة صحيح مسلم» (٨٥): جَمِيع مَا حكم مُسلم بِصِحَّتِهِ من هَذَا الْكتاب فَهُوَ مَقْطُوع بِصِحَّتِهِ وَالْعلم النظري حَاصِل بِصِحَّتِهِ فِي نفس الْأَمر وَهَكَذَا مَا حكم البُخَارِيّ بِصِحَّتِهِ فِي كِتَابه وَذَلِكَ لِأَن الْأمة تلقت ذَلِك بِالْقبُولِ سوى من لَا يعْتد بِخِلَافِهِ ووفاقه فِي الْإِجْمَاع.
стр. 413
وقال بعده: وَقد أخبرونا فِي إذْنهمْ عَنْ الْحَافِظ الْفَقِيه أبي طَاهِر أَحْمد بن مُحَمَّد الْأَصْبَهَانِيّ ﵀، قَالَ سَمِعت القَاضِي أَبَا حَكِيم الجيلي، يَقُول سَمِعت أَبَا الْمَعَالِي عبد الْملك بن عبد الله بن يُوسُف الْجُوَيْنِيّ بنيسابور، يَقُول: لَو حلف إِنْسَان بِطَلَاق امْرَأَته أَنَّ مَا فِي كتابي البُخَارِيّ وَمُسلم مِمَّا حكما بِصِحَّتِهِ من قَول النَّبِي ﷺ لما ألزمته الطَّلَاق وَلَا حنثته لإِجْمَاع عُلَمَاء الْمُسلمين على صحتهما. اهـ.
ونقله النووي ﵀ عنه في «مقدمة صحيح مسلم» (١/ ٤٦)، فقال: اتفق العلماء ﵏ على أنَّ أصح الكتب بعد القرآن العزيز، الصحيحان، البخاري ومسلم وتلقتهما الأمة بالقبول. اهـ.
قال الدهلوي ﵀ في كتابه «حجة الله البالغة» (١/ ٢٣٢): أما «الصحيحان»، فقد اتّفق المحدثون على أَنْ جَمِيع مَا فيهمَا من الْمُتَّصِل الْمَرْفُوع صَحِيح بِالْقطعِ، وأنهما متواتران إِلَى مصنفيهما، وَأَنَّ كل من يهون أَمرهمَا فَهُوَ مُبْتَدع مُتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ. اهـ.
ولم يكتفِ المذكور بارتكاب هذا الخطأ فقط في تضعيف هذا الحديث الصحيح، بل تجرأ أيضًا على إنكار شرعية صيام يوم عرفة لغير الحاج الواقف بها، غير عابئٍ بما في الباب من أدلة وإجماع، فقام بتكلفٍ، ولملمة أقوالٍ، وتضخيم الرسالة بما لا طائل نافع فيه، ولا بركة.
стр. 414
وقد طعن في الحديث بالانقطاع بين عبد الله بن معبد الزماني البصري، وبين أبي قتادة ﵁، واستند إلى قول الإمام البخاري ﵀ في «تاريخه الكبير» (٣/ ٦٨): وَلا يعرف سماع عَبْد اللَّه بْن معبد من أَبِي قتادة.
وقال في موضع آخر (٥/ ١٩٨): ولا نَعرِفُ سماعه من أَبي قَتادة. اهـ.
فقوله: (لا نعرف سماعه)، جاء ما يثبت سماعه منه على شرط مسلم، ومن المعلوم أنَّ المثبت مقدم على النافي (١)، وقد أثبت سماعه من أبي قتادة الإمام الخطيب في «المتفق والمفترق» (٣/ ١٤٤١)، فقال: سمع أبا قتادة الأنصاري روى عنه قتادة بن دعامة وغيلان بن جرير. اهـ.
وأيضًا الحديث أخرجه مسلم في «صحيحه»، ولم يُعِلُّه متتبعوا «صحيح
стр. 415
مسلم» بأي قادحٍ في صحته (١).
وأثبت سماعه أيضًا، أبو محمد بن حزم ﵀ فقال: وَقَدْ تَكَلَّمَ فِي سَمَاعِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ الزِّمَّانِيِّ مِنْ أَبِي قَتَادَةَ. قُلْنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ -: أَمَّا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَصُمْهُ فَلَا حُجَّةَ لَكُمْ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ ﵇ قَدْ حَضَّ عَلَى صِيَامِهِ أَعْظَمَ حَضٍّ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ يُكَفِّرُ ذُنُوبَ سَنَتَيْنِ، وَمَا عَلَيْنَا أَنْ نَنْتَظِرَ بَعْدَ هَذَا أَيَصُومُهُ ﵇ أَمْ لَا؟
وَأَمَّا سَمَاعُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ مِنْ أَبِي قَتَادَةَ فَعَبْدُ اللَّهِ ثِقَةٌ، وَالثِّقَاتُ مَقْبُولُونَ لَا يَحِلُّ رَدُّ رِوَايَاتِهِمْ بِالظُّنُونِ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. اهـ من «المحلى» مسألة (٧٩٥) من كتاب الصيام (٦/ ٣٨٩، ٣٩١).
قُلْتُ: وقد توفي أبو قتادة ﵁ سنة (٥٤)، فيما صححه ابن حجر في «التقريب»، وعبد الله بن معبد الزماني ذكره الذهبي في «تاريخ الإسلام» في وفيات سنة (٩٠)، وكذا ذكره الصفدي في «الوافي بالوفيات» (١٧/ ٣٣٦) فقال: توفي في حدود (٩٠) للهجرة. اهـ.
стр. 416
وقال الذهبي ﵀ في «سير أعلام النبلاء» (٤/ ٢٠٦): بَصْرِيٌّ، ثِقَةٌ، جَلِيْلٌ. اهـ.
وقال في «ميزان الاعتدال»: من جلة التابعين، وثقه النسائي، يحدث عن أبي قتادة. قال البخاري: لا يعرف له سماع منه. اهـ.
ولم يعل الحديث بقول البخاري، بل دافع عنه في «ديوان الضعفاء» رقم (٢٣١٩)، فنقل كلام البخاري، وقال: قلت: لا يضره ذلك. اهـ.
وهو كما قال، أن قول البخاري: أنه لا يعرف سماع الزماني من أبي قتادة لا يضره؛ لأنه قد عرف سماعه منه غير البخاري، ومن علم حجة على من لم يعلم؛ لأن عنده مزيد علم بما أثبته، وسبق أن الذهبي يعتبر الزماني، ثقة جليلًا من جلة التابعين، فلم يذكره في كتابه «الضعفاء» لتضعيفه، وإنما من صنف في «الضعفاء» قد يذكر من تُكلم فيه، ولو كان ثقة، ويدافع عنه، كما فعل الذهبي في ترجمة هشام بن عروة من «ميزان الاعتدال» لما تكلم فيه ابن القطان، فقال:
هشام بن عروة، أحد الأعلام، حجة إمام، لكن في الكبر تناقص حفظه، ولم يختلط أبدا، ولا عبرة بما قاله أبو الحسن بن القطان من أنه وسهيل بن أبي صالح اختلطا، وتغيرًا.
نعم الرجل تغير قليلًا ولم يبق حفظه كهو في حال الشبيبة، فنسى بعض محفوظه أو وهم، فكان ماذا! أهو معصوم من النسيان!
стр. 417
ولما قدم العراق في آخر عمره حدث بجملة كثيرة من العلم، في غضون ذلك يسير أحاديث لم يجودها، ومثل هذا يقع لمالك ولشعبة ولوكيع ولكبار الثقات.
فدع عنك الخبط وذر خلط الأئمة الأثبات بالضعفاء والمخلطين، فهشام شيخ الإسلام، ولكن أحسن الله عزاءنا فيك يا بن القطان. اهـ.
وترجم الذهبي ﵀ في «الميزان» للإمام الثقة، الثبت، شيخ البخاري، وإمام الحديث والعلل في عصره علي بن عبد الله المديني، بسبب إدخال العقيلي له في «الضعفاء» رقم (١٢٤٠)، وكلامه فيه، ومما قاله: أفما لك عقل يا عقيلي، أتدرى فيمن تتكلم، وإنما تبعناك في ذكر هذا النمط لنذب عنهم، ولنزيف ما قيل فيهم، كأنك لا تدرى أنَّ كل واحد من هؤلاء أوثق منك بطبقات، بل وأوثق من ثقات كثيرين لم توردهم في كتابك، فهذا مما لا يرتاب فيه محدث.
وأنا أشتهى أن تعرفني من هو الثقة الثبت الذي ما غلط ولا انفرد بما لا يتابع عليه، بل الثقة الحافظ إذا انفرد بأحاديث كان أرفع له، وأكمل لرتبته، وأدل على اعتنائه بعلم الأثر، وضبطه دون أقرانه لأشياء ما عرفوها، اللهم إلا أن يتبين غلطه ووهمه في الشيء فيعرف ذلك. اهـ.
بل ترجم الذهبي ﵀ لنفسه في «ذيل ديوان الضعفاء» (ص ٥٩) رقم (٣٤٥)، فقال: محمد بن أحمد بن عثمان الغافقي: سيء الحفظ، ليس بالمتقن ولا بالمتقي، سامحه الله تعالى. اهـ.
стр. 418
وقال الذهبي في «السير» (٤/ ٢٠٦)، - ترجمة عَبْدِ اللَّهِ الزِّمَّانِيِّ -: رَوَى عَنِ: ابْنِ مَسْعُوْدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي قَتَادَةَ.
حَدَّثَ عَنْهُ: ثَابِتٌ البُنَانِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْلَانُ بنُ جَرِيْرٍ. اهـ.
قُلْتُ: وثابت، وقتادة رويا عن بعض الصحابة، وكبار التابعين.
وعلى هذا فهو معاصرٌ لأبي قتادة ليس بينه وبين أبي قتادة سِوى (٣٦) سنة، ولقيه لأبي قتادة مُمكِن جدًا، فأبو قتادة مدنِي، والمدينة يفد إليها المسلمون من البصرة وغيرها من أسقاع المعمورة، فيلقون من بها من أصحاب رسول الله ﷺ وينهلون من علمهم، ولهذا فسائر أئمه الحديث الذين خرَّجوا هذا الحديث، واحتجوا به، صححوه، منهم:
• الإمام مسلم أخرجه في «صحيحه».
• ومنهم الإمام الترمذي قال: حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ. اهـ.
• ومنهم النسائي، فقال ﵀ في «السنن الكبرى»: هَذَا أَجْوَدُ حَدِيثٍ عِنْدِي فِي هَذَا الْبَابِ. اهـ.
• ومنهم ابن جرير الطبري قال ﵀ في «تهذيب الآثار» مسند عمر (١/ ٢٩٠): وَهَذَا خَبَرٌ عِنْدَنَا صَحِيحٌ سَنَدُهُ، لَا عِلَّةَ فِيهِ تُوَهِّنُهُ، وَلَا لتضعيفه سَبَب يُضَعِّفُهُ؛ لِعَدَالَةِ مَنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ نَقَلَتِهِ. اهـ كلام الطبراني، وهو
стр. 419
وأمثاله فيه كفاية لبيان شؤم جناية هذا الكاتب على هذه السنة الثابتة.
• وأخرجه ابن خزيمة، وأبو عوانة، وابن حبان، في «صحاحهم».
• وقال ابن عبد البر في «التمهيد» (٢١/ ١٦٢): صَحِيحٌ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ مِنْ وُجُوهٍ. اهـ.
• وقال البغوي في «شرح السنة»: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. اهـ.
• وقال الحاكم: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ إِنَّمَا احْتَجَّ مُسْلِمٌ بِحَدِيثِ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ: «صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ يُكَفِّرُ السُّنَّةَ وَمَا قَبْلَهَا». اهـ.
• وصححه ابن قدامة في «المغني».
• وقال الحافظ ابن حجر في «الفتح»: وَأَصَحُّهَا حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ: «أَنَّهُ يُكَفِّرُ سَنَةً آتِيَةً وَسَنَةً مَاضِيَةً»، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. اهـ.
• وقال ابن القيم ﵀ في «تهذيب السنن» (٧/ ٧٧): وَصَحَّ عَنْهُ ﷺ : «أَنَّ صِيَامه يُكَفِّر سَنَتَيْنِ». اهـ.
• وصححه العلامة الألباني ﵀ في «إرواء الغليل» (٩٥٥)، وغيرهم من علماء الحديث.
فلا يجوز التجرؤ على مثل هذا الحديث الصحيح لذاته بالتضعيف، كيف وقد جاءت جملة أحاديث من بابه تشهد له!
ومن شواهده ما بوب البخاري ﵀، بَابُ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ (١٩٨٨)،
стр. 420
وساق: عَنْ أُمِّ الفَضْلِ بِنْتِ الحَارِثِ، أَنَّ نَاسًا تَمَارَوْا عِنْدَهَا يَوْمَ عَرَفَةَ فِي صَوْمِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ صَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِصَائِمٍ، «فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ، فَشَرِبَهُ»، وأخرجه مسلم (١١٢٣).
قُلْتُ: ففي هذا دلالة على أنَّ عادة النَّبِيِّ ﷺ صيام يوم عرفة بغير عرفة، ولو لم يكن كذلك ما شك الصحابة ﵃ هل هو صائم بعرفة أم لا؟
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «فتح الباري» (٤/ ٢٣٧)، عند حديث (١٩٨٨): قَوْله: (فِي صَوْمِ النَّبِيِّ ﷺ ، هَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ صَوْمَ يَوْمِ عَرَفَةَ كَانَ مَعْرُوفًا عِنْدَهُمْ، مُعْتَادًا لَهُمْ فِي الْحَضَرِ، وَكَأَنَّ مَنْ جَزَمَ بِأَنَّهُ صَائِمٌ اسْتَنَدَ إِلَى مَا أَلِفَهُ مِنَ الْعَادَةِ، وَمَنْ جَزَمَ بِأَنَّهُ غَيْرُ صَائِمٍ قَامَتْ عِنْدَهُ قَرِينَةُ كَوْنِهِ مُسَافِرًا، وَقَدْ عُرِفَ نَهْيُهُ عَنْ صَوْمِ الْفَرْضِ فِي السَّفَرِ فَضْلًا عَنِ النَّفْلِ. اهـ.
ومن عموم ذلك: ما أخرجه الإمام البخاري في «صحيحه» رقم (٩٦٩)، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «مَا العَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذِهِ؟» قَالُوا: وَلَا الجِهَادُ؟ قَالَ: «وَلَا الجِهَادُ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ».
وأخرجه أبو داود (٢٤٣٨)، وأحمد (١٩٦٨)، وابن ماجه (١٧٢٧)، والترمذي (٧٥٧)، وآخرون، من طريق مُسْلِمٍ الْبَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ
стр. 421
﵄، بالسند الذي أخرجه البخاري به، بلفظ: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ»، يَعْنِي: أَيَّامَ الْعَشْرِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ».
قال الحافظ ابن حجر تحت الحديث (٦٩٦) في «الفتح» (٢/ ٦٤٠): وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى فَضْلِ صِيَامِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ لِانْدِرَاجِ الصَّوْمِ فِي الْعَمَلِ، وَاسْتَشْكَلَ بِتَحْرِيمِ الصَّوْمِ يَوْمَ الْعِيدِ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ، وَلَا يَرُدُّ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَائِمًا الْعَشْرَ قَطُّ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ كَانَ يَتْرُكُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَهُ خَشْيَةَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَى أُمَّتِهِ، كَمَا رَوَاهُ «الصَّحِيحَانِ» مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَيْضًا. اهـ.
وذكر ابن رجب في «لطائف المعارف» (٣٨٦)، الصوم ضمن العمل في عشر ذي الحجة، ثم قال: وهو قول أكثر العلماء أو كثير منهم. اهـ.
وأما حديث عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَائِمًا فِي الْعَشْرِ قَطُّ»، أخرجه مسلم (١١٧٦).
قال النووي ﵀ في «شرح مسلم»: قَالَ الْعُلَمَاءُ: هذا الحديث مما يوهم كراهة
стр. 422
صوم العشر، وَالْمُرَادُ بِالْعَشْرِ هُنَا الْأَيَّامُ التِّسْعَةُ مِنْ أَوَّلِ ذِي الْحِجَّةِ، قَالُوا: وَهَذَا مِمَّا يُتَأَوَّلُ، فَلَيْسَ فِي صَوْمِ هَذِهِ التِّسْعَةِ كَرَاهَةٌ بَلْ هِيَ مستحبة استحبابًا شديدًا، لاسيما التَّاسِعُ مِنْهَا وَهُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَقَدْ سَبَقَتِ الْأَحَادِيثُ فِي فَضْلِهِ.
وَثَبَتَ فِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» أن رسول الله ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَفْضَلُ مِنْهُ فِي هَذِهِ»، يَعْنِي: الْعَشْرَ الْأَوَائِلَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ.
فَيُتَأَوَّلُ قَوْلُهَا: (لَمْ يَصُمِ الْعَشْرَ): أَنَّهُ لَمْ يَصُمْهُ لِعَارِضِ مَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، أَوْ أَنَّهَا لَمْ تَرَهُ صَائِمًا فِيهِ، وَلَا يَلْزَمُ من ذَلِكَ عَدَمُ صِيَامِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ. اهـ.
قال المناوي في «فيض القدير» (٨٠١٣): فالجواب الحاسم لعرق الشبهة أن يقال: المثبت مقدم على النافي على القاعدة المقررة عندهم. اهـ.
قال النووي: وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ حَدِيثُ هُنَيْدَةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ امْرَأَتِهِ، عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ تِسْعَ ذِي الْحِجَّةِ، وَيَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، الِاثْنَيْنِ مِنَ الشَّهْرِ وَالْخَمِيسَ»، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٢٤٣٧)، وَهَذَا لَفْظُهُ، وَأَحْمَدُ (٣٧/ ٢٤)، وَالنَّسَائِيُّ (٢٣٧٤). اهـ.
وقد أُعِلَّ بالاضطراب، وبجهالة هنيدة بن خالد، وامرأته.
وقال الحافظ في «التقريب»: هنيدة المذكور معدود في الصحابة، وقيل: من الثانية، ذكره ابن حبان في الموضعين. اهـ.
стр. 423
وقال في ترجمة امرأته: لم أقف على اسمها وهي صحابية روت عن أم سلمة. اهـ.
ولهذا صححه العلامة الألباني في «صحيح أبي داود» رقم (٢١٠٦).
وفي الباب: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ»، أخرجه أبو داود (٢٤٤٠)، وأحمد (٨٠٣١، ٩٧٦٠) والنسائي (٢٨٣١)، وابن خزيمة (٢١٠١)، البيهقي (٤/ ٢٨٤)، من طريق حَوْشَبِ بْنِ عُقَيْلٍ، عَنْ مَهْدِيٍّ المحاربي الْهَجَرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁.
وهو ضعيف لجهالة مهدي بن حسان الهجري.
قال الحافظ ﵀ في «التقريب»: مهدي بن حرب الهجري، مقبول. اهـ. أي: مجهول حال. قال ابن معين: لا أعرفه، وقال الذهبي في «الميزان»: مجهول. اهـ.
فيذكر مع غيره في الباب، وتخصيصه بعرفة يدل على شرعيته لغير الواقف بعرفة.
وعند الطبراني في «الأوسط» رقم (٢٠٦٥) قال: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرِ قَالَ نا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى الْقَطَّانُ، قَالَ: نا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: نَا الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ كَفَّارَةُ السَّنَةِ المَاضِيَةِ، وَالسَّنَةِ المُسْتَقْبَلَةِ»، وسنده ضعيف؛ لضعف سلمة، والحجاج بن أرطاة، وعطية العوفي، وليس كما يقول الهيثمي ﵀ في «مجمع الزوائد»: وَإِسْنَادُ الطَّبَرَانِيِّ حَسَنٌ. اهـ. إلا أنه في الباب.
стр. 424
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ؟ فَقَالَ: «كُنَّا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَعْدِلُهُ بِصَوْمِ سَنَتَيْنِ».
قال الهيثمي ﵀ في «مجمع الزوائد» (٥٢٠٨): رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي «الْأَوْسَطِ»، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ. اهـ.
قال النسائي في «الكبرى» (٢٨٤٠): أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، قَالَ قَرَأْتُ عَلَى فُضَيْلٍ عَنْ أَبِي حَرِيزٍ، أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يَقُولُ: سَأَلَ رَجُلٌ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ، قَالَ: «كُنَّا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ نَعْدِلُهُ بِصَوْمِ سَنَةٍ».
قال النسائي: أَبُو حَرِيزٍ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَاسْمُهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ حُسَيْنٍ، قَاضِي سِجِسْتَانَ، وَحَدِيثُهُ هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ. اهـ.
قُلْتُ: لفظه الذي عند النسائي: «نَعْدِلُهُ بِصَوْمِ سَنَةٍ»، منكر مخالف لعدد من الأحاديث، أما لفظه الذي عند الطبراني في «الأوسط» (٧٥١)، وعند الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥٢٠٨)، بلفظ: «بِصَوْمِ سَنَتَيْنِ»، فلا نكارة فيه لموافقته لحديث أبي قتادة، وغيره.
وأَبُو حَرِيزٍ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُسَيْنٍ في سنده، قال الحافظ في «التقريب»: صدوق يخطئ. اهـ. فمثله يقبل حديثه ما لم يخالف ما رواه الثقات.
стр. 425
ومن شواهده ما أخرجه أحمد (٦/ ١٢٨) فقال: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَهِيَ صَائِمَةٌ، وَالْمَاءُ يُرَشُّ عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَفْطِرِي، فَقَالَتْ: أُفْطِرُ وَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، يَقُولُ: «إِنَّ صَوْمَ يَوْمِ عَرَفَةَ يُكَفِّرُ الْعَامَ الَّذِي قَبْلَهُ»، وهو حديث صحيح، وسنده هذا منقطع.
قال الحافظ في «أطراف مسند الإمام أحمد» (٩/ ١٨٨): هو مرسل، ويحتمل أن يكون رواه عن عبد الرحمن لكنه لم يسمع منه، فيكون مرسلًا أيضًا. اهـ.
وقال الهيثمي في «المجمع» (١٨٩٣)، وقال: رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَعَطَاءٌ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَائِشَةَ بَلْ قَالَ ابْنُ مَعِينٍ: لَا أَعْلَمُهُ لَقِيَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ . وَبَقِيَّةُ رِجَالِهِ رِجَالُ الصَّحِيحِ. اهـ. ونقله محقق «مسند أحمد».
وله طريق متصلة صحيحة أخرجها السهمي في «تاريخ جرجان» (١٤٢) عن أبي طلحة محمد بن العوام السيرافي، والشجري في «الأمالي الخميسية» (١٧١٨)، عن أَبي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ عُمَرَ السُّكَّرِيِّ.
كلاهما قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُسَيْدٍ الْأَصْفَهَانِيُّ، قَالَ: عن حَاتِمِ بْنِ يُونُسَ الْجُرْجَانِيِّ، عن إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَعِيدٍ - وهو الكسائي - وَكَانَ ثِقَةً مَأْمُونًا فَقِيهًا، عن يَحْيَى بْنِ الضَّرِيسِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ