← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 30133

الدرة في الحج والعمرة

يحيى الحجوري

Полный текст (604 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

٢٣١ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ»، كُلَّمَا أَتَى حَبْلًا مِنَ الْحِبَالِ أَرْخَى لَهَا قَلِيلًا، حَتَّى تَصْعَدَ، حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ اضْطَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، وَصَلَّى الْفَجْرَ، حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ، بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ، حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَدَعَاهُ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا، فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ (١). قال النووي في شرح حديث جابر هذا: الْمَبِيت بِمُزْدَلِفَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ بَعْدَ الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَاتٍ نُسُكٌ وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ لَكِنِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَمْ رُكْنٌ أَمْ سُنَّةٌ؟ وَالصَّحِيحُ مِنْ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ وَاجِبٌ لَوْ تَرَكَهُ أَثِمَ وَصَحَّ حَجُّهُ. اهـ. قُلْتُ: وهذا هو الصواب، القول: بوجوب المبيت بمزدلفة، وصلاة الصبح بها على غير المعذورين، وهو قول جمهور العلماء. وفي قوله: (ثُمَّ اضْطَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ): فيه أنَّه ما قام الليل تلك الليلة، أما صلاة الوتر وركعتا الصبح فلم يكن يدعهما في سفر ولا حضر.

стр. 492

الذكر في مزدلفة مستحب قال ابن عبد البر في «التمهيد» (٩/ ٢٧٦): وَكُلٌّ قَدْ أَجْمَعَ أَنَّهُ لَوْ وَقَفَ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَلَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ أَنَّ حَجَّهُ تَامٌّ. اهـ. ونقله الحافظ ابن حجر في «الفتح» (٣/ ٥٢٩)، تحت رقم (١٦٧٩)، كما سيأتي بعده. والقصد البقاء بها إلى وقت الدفع منها، سواء نام أم لم ينم، وحجة الجمهور أنَّ النَّبِيّ ﷺ رخَّصَّ للضعفة، والرخصة لا تكون إلا من واجب، فبقي من لا عذر له على عدم الرخصة وهو الوجوب. وأما القول: بأن المبيت بمزدلفة ركن، فمبني على زيادة منكرة: قال الحافظ ابن حجر في «الفتح» (٣/ ٥٢٩)، - تحت حديث رقم (١٦٧٩) -: وَذهب ابن بنت الشَّافِعِي وابن خُزَيْمَةَ إِلَى أَنَّ الْوُقُوفَ بِهَا رُكْنٌ لَا يتم الْحَج إِلَّا بِهِ، وَأَشَارَ بن الْمُنْذر إِلَى تَرْجِيحه، وَنَقله بن الْمُنْذِرِ عَنْ عَلْقَمَةَ وَالنَّخَعِيِّ، وَالْعَجَبُ! أَنَّهُمْ قَالُوا: مَنْ لَمْ يَقِفْ بِهَا فَاتَهُ الْحَجُّ، وَيُجْعَلْ إِحْرَامُهُ عُمْرَةً! وَاحْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَذْكُرِ الْوُقُوفَ، وَإِنَّمَا قَالَ: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ وَقَفَ بِهَا بِغَيْرِ ذِكْرِ أَنَّ حَجَّهُ تَامٌّ فَإِذَا كَانَ الذِّكْرُ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ لَيْسَ مَنْ صُلْبِ الْحَجِّ فَالْمَوْطِنُ الَّذِي يَكُونُ الذِّكْرُ فِيهِ أَحْرَى أَنْ لَا يَكُونَ فَرْضًا، قَالَ: وَمَا احْتَجُّوا بِهِ مِنْ حَدِيثِ

стр. 493

عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ رَفَعَهُ، قَالَ: «مَنْ شَهِدَ مَعَنَا صَلَاةَ الْفَجْرِ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَكَانَ قَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ»، لِإِجْمَاعِهِمْ أَنَّهُ لَوْ بَاتَ بِهَا وَوَقَفَ وَنَامَ عَنِ الصَّلَاةِ فَلَمْ يُصَلِّهَا مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى فَاتَتْهُ أَنَّ حَجَّهُ تَامٌّ. انْتَهَى. وَحَدِيثُ عُرْوَة أخرجه أَصْحَاب السّنَن، وَصَححهُ بن حِبَّانَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَلَفْظُ أَبِي دَاوُدَ (١) عَنْهُ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالْمَوْقِفِ، يَعْنِي: بِجْمَعٍ، قُلْتُ: جِئْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ جَبَلِ طَيِّئٍ فَأَكْلَلْتُ مَطِيَّتِي، وَأَتْعَبْتُ نَفْسِي، وَاللَّهِ مَا تَرَكْتُ مِنْ جَبَلٍ إِلَّا وَقَفْتُ عَلَيْهِ، فَهَلْ لِي مِنْ حَجٍّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «من أَدْرَكَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ وَأَتَى عَرَفَاتٍ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ»، وَلِلنَّسَائِيِّ (٢): «مَنْ أَدْرَكَ جَمْعًا مَعَ الْإِمَامِ وَالنَّاسِ حَتَّى يُفِيضُوا فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ (وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ مَعَ الْإِمَامِ وَالنَّاسِ فَلَمْ يُدْرِكْ)»، وَلِأَبِي يَعْلَى (٣): «(وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ جَمْعًا فَلَا حَجَّ لَهُ)». وَقَدْ صَنَّفَ أَبُو جَعْفَرٍ الْعُقَيْلِيُّ جُزْءًا فِي إِنْكَارِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَبَيَّنَ أَنَّهَا مِنْ رِوَايَةِ مُطَرِّفٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، وَأَنْ مُطَرِّفًا كَانَ يَهِمُ فِي الْمُتُونِ.

стр. 494

وَقد إرتكب بن حَزْمٍ الشَّطَطَ، فَزَعَمَ: أَنَّهُ مَنْ لَمْ يُصَلِّ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِمُزْدَلِفَةَ مَعَ الْإِمَامِ أَنَّ الْحَجَّ يَفُوتُهُ، الْتِزَامًا لِمَا أَلْزَمَهُ بِهِ الطَّحَاوِيُّ، وَلَمْ يعْتَبر ابن قُدَامَةَ مُخَالَفَتَهُ هَذِهِ، فَحَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَى الْإِجْزَاءِ كَمَا حَكَاهُ الطَّحَاوِيُّ. اهـ.

стр. 495

[٨٢]- الدفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس مخالفة للمشركين قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]. ٢٣٢ - عَنْ عُمَرَ ﵁، أَنَّه صَلَّى بِجَمْعٍ الصُّبْحَ، ثُمَّ وَقَفَ فَقَالَ: «إِنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا لَا يُفِيضُونَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَيَقُولُونَ: أَشْرِقْ ثَبِيرُ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَالَفَهُمْ، ثُمَّ أَفَاضَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ» (١). ٢٣٣ - عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄، أَنَّهُ قَالَ: رَدِفْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ عَرَفَاتٍ، فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الشِّعْبَ الأَيْسَرَ، الَّذِي دُونَ المُزْدَلِفَةِ، أَنَاخَ، فَبَالَ ثُمَّ جَاءَ، فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ الوَضُوءَ، فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا خَفِيفًا، فَقُلْتُ: الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ»، فَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَتَى المُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى، ثُمَّ رَدِفَ الفَضْلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَدَاةَ جَمْعٍ (٢).

стр. 496

الشَّرحُ: قال ابن قدامة في «المغني» مسألة (٦٤٢): لَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّ السُّنَّةَ الدَّفْعُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ … ، وَالسُّنَّةُ أَنْ يَقِفَ حَتَّى يُسْفِرَ جِدًّا. اهـ.

стр. 497

٢٣٤ - عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَمَعَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ المَغْرِبَ وَالعِشَاءَ بِالْمُزْدَلِفَةِ» (١). ٢٣٥ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «جَمَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ لَيْسَ بَيْنَهُمَا سَجْدَةٌ، وَصَلَّى الْمَغْرِبَ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ، وَصَلَّى الْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ» (٢). قال ابن رشد في «بداية المجتهد» (١/ ١٧٠): أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الظُّهْرِ، وَالْعَصْرِ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ بِعَرَفَةَ، وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِالْمُزْدَلِفَةِ أَيْضًا فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ - الآخرة - سُنَّةٌ. اهـ. ونقل الإجماع على ذلك غير واحد. قال ابن قدامة في «الشرح الكبير» (٣/ ٤٣٩): لا نَعْلَمُ خِلافًا في أنَّه إذا فاتَه الجَمْعُ مع الإِمامِ بمُزْدَلِفَةَ، أنَّه يَجْمَعُ وَحْدَه. اهـ.

стр. 498

قال النووي في «شرح مسلم» عند شرح حديث (١٢١٨): فِيهِ فَوَائِدُ مِنْهَا: أَنَّ السُّنَّةَ لِلدَّافِعِ مِنْ عَرَفَاتٍ أَنْ يُؤَخِّرَ الْمَغْرِبَ إِلَى وَقْتِ الْعِشَاءِ وَيَكُونُ هَذَا التَّأْخِيرُ بِنِيَّةِ الْجَمْعِ ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا فِي الْمُزْدَلِفَةِ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ. وقال ﵀: وَلَوْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ فِي أَرْضِ عَرَفَاتٍ أَوْ فِي الطَّرِيقِ أَوْ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَصَلَّى كُلَّ وَاحِدَةٍ فِي وَقْتِهَا جَازَ جَمِيعُ ذَلِكَ؛ لَكِنَّهُ خِلَافُ الْأَفْضَلِ هَذَا مَذْهَبُنَا، وَبِهِ قَالَ جَمَاعَاتٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. وقال ﵀: وَمِنْهَا: أَنْ يُصَلِّيَ الصَّلَاتَيْنِ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ بِأَذَانٍ لِلْأُولَى وَإِقَامَتَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ إِقَامَةٌ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ الْمَاجِشُونُ الْمَالِكِيُّ، وَالطَّحَاوِيُّ الْحَنَفِيُّ. وَقَالَ مَالِكٌ: يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ لِلْأُولَى وَيُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ أَيْضًا للثانية. اهـ.

стр. 499

[٨٣]- جواز تقديم الضعفة والصغار (١) ورميهم جمرة العقبة قبل طلوع الشمس، وأنَّ انتظار المتقدمين بالرمي الى بعد طلوع الشمس أفضل ٢٣٦ - عَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: رَمَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى. وَأَمَّا بَعْدُ، فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ (٢). وفي الباب حديث ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَدِّمُ ضُعَفَاءَ أَهْلِهِ بِغَلَسٍ، وَيَأْمُرُهُمْ يَعْنِي لَا يَرْمُونَ الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» (٣). والجمع بين هذه الأحاديث: أنَّ جواز رمي المتقدم قبل طلوع الشمس، وإن تأخر إلى بعد طلوعها كان أفضل.

стр. 500

قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: السُّنَّةُ أَنْ لَا يَرْمِيَ إلَّا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا يَجُوزُ الرَّمْيُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ؛ لِأَنَّ فَاعِلَهُ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ، وَمَنْ رَمَاهَا حِينَئِذٍ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ إذْ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ: لَا يُجْزِئُهُ. اهـ من «نيل الأوطار» (٥/ ٧٩) للشوكاني تحت بَاب رَمْي جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ وَأَحْكَامِهِ.

стр. 501

٢٣٧ - عَنْ سَالِمٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ يُقَدِّمُ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ، فَيَقِفُونَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرَامِ بِالْمُزْدَلِفَةِ بِلَيْلٍ فَيَذْكُرُونَ اللَّهَ مَا بَدَا لَهُمْ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ قَبْلَ أَنْ يَقِفَ الإِمَامُ وَقَبْلَ أَنْ يَدْفَعَ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ مِنًى لِصَلَاةِ الفَجْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِذَا قَدِمُوا رَمَوْا الجَمْرَةَ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: «أَرْخَصَ فِي أُولَئِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » (١). ٢٣٨ - عَنِ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄، يَقُولُ: «أَنَا مِمَّنْ قَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ لَيْلَةَ المُزْدَلِفَةِ فِي ضَعَفَةِ أَهْلِهِ» (٢). ٢٣٩ - عَنْ أَسْمَاءَ ﵂: أَنَّهَا نَزَلَتْ لَيْلَةَ جَمْعٍ عِنْدَ المُزْدَلِفَةِ، فَقَامَتْ تُصَلِّي، فَصَلَّتْ سَاعَةً ثُمَّ قَالَتْ: يَا بُنَيَّ، هَلْ غَابَ القَمَرُ؟، قُلْتُ: لَا، فَصَلَّتْ سَاعَةً ثُمَّ قَالَتْ: يَا بُنَيَّ هَلْ غَابَ القَمَرُ؟، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَتْ: فَارْتَحِلُوا، فَارْتَحَلْنَا وَمَضَيْنَا، حَتَّى رَمَتِ الجَمْرَةَ، ثُمَّ رَجَعَتْ فَصَلَّتِ الصُّبْحَ فِي مَنْزِلِهَا، فَقُلْتُ لَهَا: يَا هَنْتَاهُ مَا أُرَانَا إِلَّا قَدْ غَلَّسْنَا، قَالَتْ: «يَا بُنَيَّ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَذِنَ لِلظُّعُنِ» (٣).

стр. 502

٢٤٠ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: وَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ اسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، كَمَا اسْتَأْذَنَتْهُ سَوْدَةُ، فَأُصَلِّي الصُّبْحَ بِمِنًى، فَأَرْمِي الْجَمْرَةَ، قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ النَّاسُ، فَقِيلَ لِعَائِشَةَ: فَكَانَتْ سَوْدَةُ اسْتَأْذَنَتْهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. إِنَّهَا كَانَتِ امْرَأَةً ثَقِيلَةً ثَبِطَةً (١)، وفسره في الرواية، بقوله: (الثَبِيطَةُ): الثَّقِيلَةُ، قال النووي: أَيْ ثَقِيلَةُ الْحَرَكَةِ بَطِيئَةُ. اهـ.

стр. 503

[٨٤]- باب متى يخرج الحاج من مزدلفة، والتبكير بصلاة الفجر في أول وقتها قال الله ﵎: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾ [البقرة: ١٩٩]. قال ابن كثير في تفسير قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾ [البقرة: ١٩٩]: (ثُمَّ) هَاهُنَا لِعَطْفِ خَبَرٍ عَلَى خَبَرٍ وَتَرْتِيبِهِ عَلَيْهِ، كَأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ الْوَاقِفَ بِعَرَفَاتٍ أَنْ يَدْفَع إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ، لِيَذْكُرَ اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَكُونَ وُقُوفُهُ مَعَ جُمْهُورِ النَّاسِ بِعَرَفَاتٍ، كَمَا كَانَ جُمْهُورُ النَّاسِ يَصْنَعُونَ، يَقِفُونَ بِهَا إِلَّا قُرَيْشًا، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَخْرُجُونَ مِنَ الْحَرَمِ، فَيَقِفُونَ فِي طَرَفِ الْحَرَمِ عِنْدَ أَدْنَى الحِل، وَيَقُولُونَ: نَحْنُ أَهْلُ اللَّهِ فِي بَلدَتِهِ، وقُطَّان بَيْتِهِ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَتْ قُرَيْشٌ وَمَنْ دَانَ دِينَهَا يَقِفُونَ بِالْمُزْدَلِفَةِ، وَكَانُوا يُسَمّون الحُمْس، وَكَانَ سَائِرُ الْعَرَبِ يَقِفُونَ بِعَرَفَاتٍ. فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ أَمَرَ اللَّهُ

стр. 504

نَبِيَّهُ ﷺ أَنْ يَأتَي عَرَفَاتٍ، ثُمَّ يَقِفُ بِهَا ثُمَّ يُفيض مِنْهَا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]. وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعَطَاءٌ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَغَيْرُهُمْ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَحَكَى عَلَيْهِ الْإِجْمَاعَ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُفْيان، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أضللتُ بَعِيرًا لِي بِعَرَفَةَ، فَذَهَبْتُ أَطْلُبُهُ، فَإِذَا النَّبِيُّ ﷺ وَاقِفٌ، قُلْتُ: إِنَّ هَذَا مِنَ الحمْس مَا شَأْنُهُ هَاهُنَا؟ أَخْرَجَاهُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ». ثُمَّ رَوَاه الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بن عقبة، عن كُرَيب، عن ابن عباس ﵄ مَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِفَاضَةِ هَاهُنَا هِيَ الْإِفَاضَةُ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ إِلَى مِنًى لِرَمْيِ الْجِمَارِ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَحَكَاهُ ابنُ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ فَقَطْ. قَالَ: وَالْمُرَادُ (بِالنَّاسِ): إِبْرَاهِيمَ ﵇، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الْإِمَامُ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَلَوْلَا إِجْمَاعُ الْحُجَّةِ عَلَى خِلَافِهِ لَكَانَ هُوَ الْأَرْجَحُ. اهـ. قُلْتُ: هذا سياقه في وصف ابن عباس ﵄ لبعض المناسك من البخاري رقم (٤٥٢١)، قال: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «يَطَّوَّفُ الرَّجُلُ بِالْبَيْتِ مَا

стр. 505

كَانَ حَلَالًا حَتَّى يُهِلَّ بِالحَجِّ، فَإِذَا رَكِبَ إِلَى عَرَفَةَ فَمَنْ تَيَسَّرَ لَهُ هَدِيَّةٌ مِنَ الإِبِلِ أَوِ البَقَرِ أَوِ الغَنَمِ، مَا تَيَسَّرَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ، أَيَّ ذَلِكَ شَاءَ، غَيْرَ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ فَعَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ، وَذَلِكَ قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ، فَإِنْ كَانَ آخِرُ يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ، ثُمَّ لِيَنْطَلِقْ حَتَّى يَقِفَ بِعَرَفَاتٍ مِنْ صَلَاةِ العَصْرِ إِلَى أَنْ يَكُونَ الظَّلَامُ، ثُمَّ لِيَدْفَعُوا مِنْ عَرَفَاتٍ إِذَا أَفَاضُوا مِنْهَا حَتَّى يَبْلُغُوا جَمْعًا الَّذِي يُتَبَرَّرُ فِيهِ، ثُمَّ لِيَذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا، وَأَكْثِرُوا التَّكْبِيرَ وَالتَّهْلِيلَ قَبْلَ أَنْ تُصْبِحُوا، ثُمَّ أَفِيضُوا فَإِنَّ النَّاسَ كَانُوا يُفِيضُونَ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾ [البقرة: ١٩٩]، حَتَّى تَرْمُوا الجَمْرَةَ».

стр. 506

٢٤١ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، قَالَ: «مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى صَلَاةً بِغَيْرِ مِيقَاتِهَا، إِلَّا صَلَاتَيْنِ: جَمَعَ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ، وَصَلَّى الفَجْرَ قَبْلَ مِيقَاتِهَا» (١). ٢٤٢ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، إِلَى مَكَّةَ، ثُمَّ قَدِمْنَا جَمْعًا، فَصَلَّى الصَّلَاتَيْنِ كُلَّ صَلَاةٍ وَحْدَهَا بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، وَالعَشَاءُ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى الفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الفَجْرُ، قَائِلٌ يَقُولُ: طَلَعَ الفَجْرُ، وَقَائِلٌ يَقُولُ: لَمْ يَطْلُعِ الفَجْرُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ حُوِّلَتَا عَنْ وَقْتِهِمَا، فِي هَذَا المَكَانِ، المَغْرِبَ وَالعِشَاءَ، فَلَا يَقْدَمُ النَّاسُ جَمْعًا حَتَّى يُعْتِمُوا، وَصَلَاةَ الفَجْرِ هَذِهِ السَّاعَةَ»، ثُمَّ وَقَفَ حَتَّى أَسْفَرَ، ثُمَّ قَالَ: لَوْ أَنَّ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ أَفَاضَ الآنَ أَصَابَ السُّنَّةَ، فَمَا أَدْرِي: أَقَوْلُهُ كَانَ أَسْرَعَ أَمْ دَفْعُ عُثْمَانَ ﵁، فَلَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ (٢). ٢٤٣ - وبوب البخاري في الحج من «صحيحه» باب (١٠٠)، مَتَى يُدْفَعُ مِنْ جَمْعٍ؟ وساق (١٦٨٤): عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، قَالَ: شَهِدْتُ عُمَرَ ﵁ صَلَّى بِجَمْعٍ الصُّبْحَ، ثُمَّ وَقَفَ، فَقَالَ: «إِنَّ المُشْرِكِينَ كَانُوا لَا يُفِيضُونَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَيَقُولُونَ: أَشْرِقْ ثَبِيرُ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَالَفَهُمْ ثُمَّ أَفَاضَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ».

стр. 507

قال النووي في «شرح مسلم» (١٢١٨): الْمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ بَعْدَ الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَاتٍ نُسُكٌ، وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ؛ لَكِنِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَمْ رُكْنٌ أَمْ سُنَّةٌ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ وَاجِبٌ. اهـ. وقال تحت رقم (١٢٩٠): مَنْ تَرَكَهُ لَزِمَهُ دَمٌ وَصَحَّ حَجُّهُ، وَبِهِ قال فُقَهَاءُ الْكُوفَةِ وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ. اهـ. وقال ابن قدامة في «المغني» (٣/ ٣٧٧): لَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّ السُّنَّةَ الدَّفْعُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ. اهـ. قال ابن عبد البر في «الاستذكار» (٤/ ٢٩٢): أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وقف بالمشعر الحرام بعد ما صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ دَفَعَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ. اهـ. قوله: (إِنَّ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ حُوِّلَتَا عَنْ وَقْتِهِمَا … ): قال ابن رجب في «فتح الباري» (٣/ ٢٢٣)، تحت (٥٧٦): وهذا كله يدل على أن النبي ﷺ لم تكن عادته أنه يصلي الفجر ساعة بزوغ الفجر، وإنما فعل ذلك بمزدلفة يوم النحر. اهـ. وقال النووي في «شرح مسلم» (١٢٨٩): مَعْنَاهُ: أَنَّهُ صَلَّى الْمَغْرِبَ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ بِجَمْعٍ الَّتِي هِيَ الْمُزْدَلِفَةُ وَصَلَّى الْفَجْرَ يَوْمَئِذٍ قَبْلَ مِيقَاتِهَا الْمُعْتَادِ؛ وَلَكِنْ بَعْدَ تَحَقُّقِ

стр. 508

طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَقَوْلُهُ: (قَبْلَ وَقْتِهَا): الْمُرَادُ: قَبْلَ وَقْتِهَا الْمُعْتَادِ لَا قَبْلَ طلوع الفجر؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِجَائِزٍ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ فَيَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُهُ عَلَى مَا ذَكَرْتُهُ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَعْضِ رواياته أنَّ ابن مَسْعُودٍ صَلَّى الْفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ بِالْمُزْدَلِفَةِ، ثُمَّ قَالَ: (إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الْفَجْرَ هَذِهِ السَّاعَةَ)، وَفِي رِوَايَةٍ: فَلَمَّا طَلَعَ الْفَجْرُ قَالَ: (إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ لَا يُصَلِّي هَذِهِ السَّاعَةَ إِلَّا هَذِهِ الصَّلَاةَ فِي هَذَا الْمَكَانِ مِنْ هَذَا الْيَوْمِ)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا حُجَّةٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي اسْتِحْبَابِ الصَّلَاةِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ فِي غَيْرِ هَذَا الْيَوْمِ، وَمَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ اسْتِحْبَابُ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ فِي كُلِّ الْأَيَّامِ؛ ولَكِنْ فِي هَذَا الْيَوْمِ أَشَدُّ اسْتِحْبَابًا، وَقَدْ سَبَقَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ إِيضَاحُ الْمَسْأَلَةِ بِدَلَائِلِهَا، وَتُسَنُّ زِيَادَةُ التَّبْكِيرِ فِي هَذَا الْيَوْمِ. وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا عَنْ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ بِأَنَّ مَعْنَاهَا: أَنَّهُ ﷺ كَانَ فِي غَيْرِ هَذَا الْيَوْمِ يَتَأَخَّرُ عَنْ أَوَّلِ طُلُوعِ الْفَجْرِ لَحْظَةً إِلَى أَنْ يَأْتِيَهُ بِلَالٌ، وَفِي هَذَا الْيَوْمِ لَمْ يَتَأَخَّرْ لِكَثْرَةِ الْمَنَاسِكِ فِيهِ فَيَحْتَاجُ إِلَى الْمُبَالَغَةِ فِي التَّبْكِيرِ لِيَتَّسِعَ الْوَقْتُ لِفِعْلِ الْمَنَاسِكِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ.

стр. 509

[٨٥]- باب قصر الحاج الصلاة الرباعية إلى ركعتين في أيام أعمال الحج الستة كلها وعدم صلاة عيدٍ أو جمعةٍ بها في مشاعر الحج ٢٤٤ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَمَعَ عُثْمَانَ صَدْرًا مِنْ إِمَارَتِهِ ثُمَّ أَتَمَّهَا» (١). ٢٤٥ - عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ ﵁، قَالَ: «صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ آمَنَ مَا كَانَ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ» (٢). وقد خطب النَّبِيُّ ﷺ قبل الأذان خلافًا للجمعة، فإن الأذان قبل الخطبة كما في حديث جابر ﵄ في مسلم (١٢١٨)، وجمع العصر مع الظهر بأذان واحد وأقامتين، وأسر بالقراءة وكان ذلك في يوم جمعة بعرفة بلا خلاف. قال ابن الملقن في «البدر المنير» (٥/ ١٩٩): إِجْمَاع الْمُسلمين عَلَى أَنْ وَقْفَة عَرَفَة فِي

стр. 510

حجَّة الْوَدَاع يَوْم الْجُمُعَة. اهـ. وكذا في «حجة الوداع» للدهلوي (١٦٨)، وغيرها. قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ١٠ - ١١): وَأَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ بِمِنًى يَوْمَ الْعِيدِ وَأَمَامَ مِنًى يُصَلِّي بِالْمُسْلِمِينَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، وَالْمُسْلِمُونَ خَلْفَهُ يُصَلِّي بِصَلَاتِهِ أَهْلُ مَكَّةَ، وَغَيْرُهُمْ، وَكَذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ بَعْدَهُ، وَلَمْ يَأْمُرْ النَّبِيُّ ﷺ ، وَلَا أَبُو بَكْرٍ، وَلَا عُمَرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا لَا بِمِنًى، وَلَا بِغَيْرِهَا. فَلِهَذَا كَانَ أَصَحُّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ: أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ يَجْمَعُونَ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَيَقْصُرُونَ بِهَا وَبِمِنًى وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ … ، الخ. اهـ. قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٨٥): وَلِهَذَا اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ؛ لِأَنَّ جَمْعَ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ دُونَ غَيْرِهِمَا مِمَّا صَلَّاهُ بِالْمُسْلِمِينَ بِمِنَى أَوْ بِمَكَّةَ هُوَ مِنْ الْمَنْقُولِ نَقْلًا عَامًّا مُتَوَاتِرًا مُسْتَفِيضًا. اهـ. قُلْتُ: جمع وقصر أهل مكة مع غيرهم في تلك المشاعر يختص بالحجاج منهم دون الباعة، والكدادين، وغيرهم ممن ليس حاجًا، فلا مبرر لقصرهم بها؛ لأن ذلك غير سفر لقرب المشاعر من مكة.

стр. 511

[٨٦]- فضل يوم النحر، وأيام التشريق وفضل الإكثار من ذكر الله تعالى فيها وقال الله ﵎: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣]. قال ابن العربي في «أحكام القران»: لَا خِلَافَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالذِّكْرِ هَاهُنَا التَّكْبِيرُ. قُلْتُ: ويشمل غيره أيضًا؛ ولكن التكبير يدخل في هذا الأمر في هذه الأيام دخولًا أوليًّا. ٢٤٦ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرْطٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «إِنَّ أَعْظَمَ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ ﵎ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ» (١).

стр. 512

وقال ابن خزيمة: يَوْمُ الْقَرِّ، يَعْنِي: يَوْمَ الثَّانِي مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ. اهـ. وقال ابن الأثير ﵀ في «النهاية»: هُوَ الحَادِيَ عَشَرَ من ذِي الْحِجَّةِ، لأنَّ النَّاسَ يَقِرّون فِيهِ بِمِنًى. اهـ. وانظر التفاضل بين يوم النحر والجمعة في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ١٨٨)، وقد نقلناه فيما سبق من هذا البحث. وتمام حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرْطٍ ﵁، وَقُرِّبَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَدَنَاتٌ خَمْسٌ - أَوْ سِتٌّ - فَطَفِقْنَ يَزْدَلِفْنَ إِلَيْهِ بِأَيَّتِهِنَّ يَبْدَأُ، فَلَمَّا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا، قَالَ: فَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ خَفِيَّةٍ لَمْ أَفْهَمْهَا، فَقُلْتُ: مَا قَالَ؟ قَالَ: «مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ». قال الخطابي في «معالم السنن» (٢/ ١٥٧): وقوله يزدلفن معناه يقتربن من قولك زلف الشيء إذا قرب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤)﴾ [الشعراء: ٦٤]. اهـ. وقال ﵀: وقوله: (وجبت جنوبها): معناه: زهقت أنفسها فسقطت على جنوبها، وأصل الوجوب السقوط. وفي قوله: (من شاء اقتطع): دليل على جواز هبة المشاع، وفيه دلالة على جواز أخذ النثار في عقد الإملاك وأنه ليس من باب النهبى، وإنما هو من باب الإباحة وقد كره ذلك بعض العلماء خوفًا أن يدخل فيما نهى عنه من النهبى. اهـ.

стр. 513

توجيه إشكال لا إشكال في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، لإن الله رخص للمتعجل في ترك الرمي بواحدٍ وعشرين حصاةٍ، وترك مبيت ليلة في منى، ورفع عنه الإثم في تركها. إنما الإشكال في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣]: وذلك أنَّ الحاج قد استوفى ما يلزمه في إتمام الحج، فما معنى: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، فإنَّ هذه اللفظة إنما تقال في حق المقَّصِّر، ولا تقال في حق من أتى بتمام العمل. قد توسع بعض المفسرين في ذلك وحاصله فيما يلي: قال ابن الجوزي في «زاد المسير» عند تفسير آية (٢٠٣ من البقرة): قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾، أي: فمن تعجل النفر الأول في اليوم الثاني من أيام منى، فلا إثم عليه، ومن تأخر إلى النفر الثاني، وهو اليوم الثالث من أيام منى، فلا إثم عليه. فان قيل: إنما يخاف الإثم المتعجل، فما بال المتأخر ألحق به، والذي أتى به أفضل؟! فعنه أربعة أجوبة: • أحدها: أنَّ المعنى: لا إثم على المتعجل، والمتأخر مأجور، فقال: لا إثم

стр. 514

عليه، لتوافق اللفظة الثانية الأولى، كقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤]. • والثاني: أنَّ المعنى: فلا إثم على المتأخر في ترك استعمال الرخصة. • والثالث: أن المعنى: قد زالت آثام المتعجل، والمتأخّر التي كانت عليهما قبل حجهما. • والرابع: أن المعنى طرح المأثم عن المتعجل والمتأخر إنما يكون بشرط التقوى. اهـ. ورجح الطبري هذا الرابع، فقال ﵀ عند تفسير آية (٢٠٣ من البقرة): وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصِّحَّةِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: تَأْوِيلُ ذَلِكَ: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ مِنْ أَيَّامِ مِنًى الثَّلَاثَةِ فَنَفَرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، لِحَطِّ اللَّهِ ذُنُوبَهُ، إِنْ كَانَ قَدِ اتَّقَى اللَّهَ فِي حَجِّهِ فَاجْتَنَبَ فِيهِ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِاجْتِنَابِهِ وَفَعَلَ فِيهِ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِفِعْلِهِ وَأَطَاعَهُ بِأَدَائِهِ عَلَى مَا كَلَّفَهُ مِنْ حُدُودِهِ. وَمَنْ تَأَخَّرَ إِلَى الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنْهُنَّ فَلَمْ يَنْفِرْ إِلَى النَّفْرِ الثَّانِي حَتَّى نَفَرَ مِنْ غَدِ النَّفْرِ الْأَوَّلِ، فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِتَكْفِيرِ اللَّهِ لَهُ مَا سَلَفَ مِنْ آثَامِهِ وَأَجْرَامِهِ، وَإِنْ كَانَ اتَّقَى اللَّهَ فِي حَجِّهِ بِأَدَائِهِ بِحُدُودِهِ. وَإِنَّمَا قُلْنَا أَنَّ ذَلِكَ أَوْلَى تَأْوِيلَاتِهِ لِتَظَاهُرِ الْأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ»، وَأَنَّهُ قَالَ ﷺ : «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ

стр. 515

الْحَدِيدِ، وَالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ». اهـ. قُلْتُ: فمعنى: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، أي: لم يبقَ عليه إثم، بل غفرت ذنوبه كلها إذا لم يفسق في حجه، ولم يرفث، وحج حجًا مبرورًا إذا اتقى في حجه، ومن تقواه فيه أن يقرنه بتوبة، وتحلل من المظالم، فيرجع من حجه كيوم ولدته أمه كما في الحديث المذكور، سواء أخذ بالرخصة فتعجل في يومين، أو أخذ بالأفضل الذي فعله رسول الله ﷺ فتأخر، فالكل مغفور له. ويليه القول الآخر: أنَّه لا إثم على المتأخر في تركه الأخذ بالرخصة؛ ولكن في هذا القول، وسائر تلك الأقوال غير ما رجحه ابن جرير، نظر؛ لأن النبي ﷺ تأخر ولم يأخذ بهذه الرخصة، فلو قلنا: إنَّ تارك الرخصة هنا، تارك للأفضل، دخل رسول الله ﷺ تحت هذا الحكم، وحاشاه أن يترك الأفضل، لا سيما والمتأخر يظفر بمزيد من عبادة الصلوات بمنى، والرمى، والمبيت، وفي الحديث: «أَجْرُكِ عَلَى قَدْرِ نَصَبِكِ»، وقال الله تعالى: ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥]، وقال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأحقاف: ١٩]، وقال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ [مريم: ٦٥].

стр. 516

٢٤٧ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمَرَ، أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِعَرَفَةَ فَسَأَلُوهُ، فَأَمَرَ مُنَادِيًا، فَنَادَى: «الحَجُّ عَرَفَةُ، مَنْ جَاءَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ الحَجَّ، أَيَّامُ مِنًى ثَلَاثَةٌ، فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ» (١). ٢٤٨ - وعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ النَّحْرِ، وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ عِيدُنَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ، وَهِيَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ» (٢). ٢٤٩ - وعَنْ نُبَيْشَةَ الْهُذَلِيِّ ﵁، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، وَذِكْرٍ لِلَّهِ»، أخرجه مسلم (١١٤١).

стр. 517

٢٥٠ - وعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَهُ وَأَوْسَ بْنَ الْحَدَثَانِ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، فَنَادَى: «أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَأَيَّامُ مِنًى أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ» (١). ٢٥١ - وأخرج البخاري (٢)، عَنْ عَائِشَةَ، وَابْنِ عُمَرَ ﵄، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ، إِلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الهَدْيَ». قال ابن عبد البر في «التمهيد» (١٣/ ٤٥٢): وَأَيَّامُ مِنًى هِيَ أَيَّامُ رَمْيِ الْجِمَارِ بمنى، وهي واقعة بإجماع على الثلاثة الْأَيَّامَ الَّتِي يَتَعَجَّلُ الْحَاجُّ مِنْهَا فِي يَوْمَيْنِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ، فَأَيَّامُ مِنًى ثَلَاثَةٌ بِإِجْمَاعٍ، وَهِيَ: أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، وَهِيَ الْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ. اهـ. قُلْتُ: ومستند هذا الإجماع، حديث عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمَرَ المذكور في الباب.

стр. 518

[٨٧]- الهدي فرضًا وتطوعًا وجواز الاشتراك في البقرة عن سبعة والبدنة عن سبعة قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (١)، الآية. ٢٥٢ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، قَالَ: «نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ» (٢).

стр. 519

٢٥٣ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَحَضَرَ النَّحْرُ، فَاشْتَرَكْنَا فِي الْبَعِيرِ عَنْ عَشْرَةٍ وَالْبَقَرَةِ عَنْ سَبْعَةٍ» (١). قال النووي في «شرح مسلم» (١٣١٨): فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ دَلَالَةٌ لِجَوَازِ الِاشْتِرَاكِ فِي الْهَدْيِ. وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ: فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ جَوَازُ الِاشْتِرَاكِ فِي الْهَدْيِ سَوَاءٌ كَانَ تَطَوُّعًا أَوْ وَاجِبًا وَسَوَاءٌ كَانُوا كُلُّهُمْ مُتَقَرِّبِينَ أَوْ بَعْضُهُمْ يُرِيدُ الْقُرْبَةَ، وَبَعْضُهُمْ يُرِيدُ اللَّحْمَ، وَدَلِيلُهُ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ وَبِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ. وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الشَّاةَ لَا يَجُوزُ الِاشْتِرَاكُ فِيهَا (٢). وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ الْبَدَنَةَ تُجْزِئ عَنْ سَبْعَةٍ وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ وَتَقُومُ كُلُّ

стр. 520

وَاحِدَةٍ مَقَامَ سَبْعِ شِيَاهٍ حَتَّى لَوْ كَانَ عَلَى الْمُحْرِمِ سَبْعَةُ دِمَاءٍ بِغَيْرِ جَزَاءِ الصَّيْدِ وَذَبَحَ عَنْهَا بَدَنَةً أَوْ بَقَرَةً أَجْزَأَهُ عَنِ الْجَمِيعِ. اهـ. وقد نقل الإجماع على أنَّه لا يجوز أنَّ يشترك في الهدي الواجب أكثر من سبعة، انظر «الفتح» (١٦٨٨)، و «شرح السنة» (٤/ ٣٥٥). وهذا هو الصواب، وأما حديث ابن عباس ﵄: فقال أبو جعفر الطبري: أجمعت الأمة على أنَّ البقرة أو البدنة لا تجزئ إلا عن سبعة. وفي دليل على أنَّ حديث ابن عباس ﵄، قيل: منسوخ؛ لأنه كان في عمرة الحديبية، وحديث جابر ﵁ في حجة الوداع.

стр. 521

[٨٨]- استحباب التطوع بالهدي إلى البيت لغير الحاج والمعتمر، ولا يصير بذلك محرمًا ٢٥٤ - عَنْ عَائِشَةُ ﵂، قَالَتْ: أَنَا فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِيَدَيَّ، ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ أَبِي، فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ شَيْءٌ أَحَلَّهُ اللهُ لَهُ، حَتَّى نُحِرَ الْهَدْيُ (١). الشَّرحُ: قال النووي في «شرح مسلم» (١٣٢١): فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْهَدْيِ إِلَى الْحَرَمِ وَأَنَّ مَنْ لَمْ يَذْهَبْ إِلَيْهِ يُسْتَحَبُّ لَهُ بَعْثُهُ مَعَ غَيْرِهِ. اهـ. وقال القرافي ﵀ في «الذخيرة» (٣/ ١٨٦): وَلَا أَعْلَمُ فِي التَّطَوُّعِ بِالْهَدْي خلافًا وَقد بعث ﷺ بِالْهَدَايَا تَطَوُّعًا مَعَ نَاجِيَةَ الْأَسْلَمِيِّ وَمَعَ غَيْرِهِ وَمَا زَالَ السَّلَفُ عَلَى ذَلِكَ. اهـ.

стр. 522

الأكل من هدي التطوع قال النووي في «شرح مسلم»: وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْأَكْلَ مِنْ هَدْيِ التَّطَوُّعِ وَأُضْحِيَّتِهِ سُنَّةٌ لَيْسَ بِوَاجِبٍ. اهـ. ونقل الحافظ في «الفتح» تحت حديث (١٧١٧): اتِّفَاقهمْ عَلَى جَوَازِ الْأَكْلِ مِنْ لَحْمِ هَدْيِ التَّطَوُّعِ. اهـ. كما يستحب الأكل من الهدي الواجب: وقال الشوكاني ﵀ في «نيل الأوطار» تحت بَابِ الْأَكْلِ مِنْ دَمِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَالتَّطَوُّعِ، حديث (٢٠٩٠): وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْ الْهَدْيِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ مَا كَانَ مِنْهُ تَطَوُّعًا وَمَا كَانَ فَرْضًا لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: ٢٨]، وَلَمْ يُفَصِّلْ. اهـ. قال القرطبي ﵀ في تفسير الآية: وَكُلُّ الْعُلَمَاءِ يَسْتَحِبُّ أَنْ يَأْكُلَ الْإِنْسَانُ مِنْ هَدْيِهِ. اهـ.

стр. 523

[٨٩]- حصى الجمار وكيف ترمى؟ وقطع التلبية عند رمي جمرة العقبة يوم النحر ٢٥٥ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرْدَفَ الفَضْلَ، فَأَخْبَرَ الفَضْلُ: «أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى الجَمْرَةَ». وفي رواية له: أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ﵄ كَانَ رِدْفَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ عَرَفَةَ إِلَى المُزْدَلِفَةِ، ثُمَّ أَرْدَفَ الفَضْلَ مِنَ المُزْدَلِفَةِ إِلَى مِنًى، قَالَ: فَكِلَاهُمَا قَالَا: «لَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ ﷺ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ» (١). ٢٥٦ - عَنِ الْفَضْلِ ﵁، «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى بَلَغَ الْجَمْرَةَ» (٢).

стр. 524

قال النووي في «شرح مسلم»: هذا الحديث دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَسْتَدِيمُ التَّلْبِيَةَ حَتَّى يَشْرَعَ فِي رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ غَدَاةَ يَوْمِ النَّحْرِ، وَهَذَا مَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ. اهـ. قال النووي في «شرح المهذب» (٨/ ١٦٢): رَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَاجِبٌ بِلَا خِلَافٍ. اهـ. وقال شيخ الإسلام ﵀: وَعَلَيْهِ أَيْضًا رَمْيُ الْجِمَارِ أَيَّامَ مِنًى بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. اهـ من «مجموع الفتاوى» (١٧/ ٤٦٠). بماذا يحصل التحلل الأول؟ أخرج البخاري (١٥٣٩)، ومسلم (١١٨٩)، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ حِينَ يُحْرِمُ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ». وقال الإمام أحمد ﵀ (٢٦٠٧٨): حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُرْوَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ، وَالْقَاسِمَ، يُخْبِرَانِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «طَيَّبْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِيَدَيَّ بِذَرِيرَةٍ لِحَجَّةِ الْوَدَاعِ لِلْحِلِّ وَالْإِحْرَامِ: حِينَ أَحْرَمَ، وَحِينَ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ»، وهو حديث صحيح رجاله ثقات، إلا عُمَر بْن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قال الحافظ: مقبول. اهـ.

стр. 525

قُلْنَا: أخرج له البخاري ومسلم في «صحيحيهما»، فحديثه يحتج به؛ لأنه غير مجهول، وشاهده عن ابن عباس ﵄: قال الأمام أحمد (٢٠٩٠): حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَلَمَةَ، عَنِ الْحَسَنِ الْعُرَنِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا رَمَيْتُمُ الْجَمْرَةَ، فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ إِلا النِّسَاءَ»، فَقَالَ رَجُلٌ: وَالطِّيبُ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَّا أَنَا فَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، يُضَمِّخُ رَأْسَهُ بِالْمِسْكِ، أَفَطِيبٌ ذَاكَ أَمْ لَا؟ سُفْيَانُ: هو الثوري، وسَلَمَةَ: هو ابن كهيل، إلا أنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الْعُرَنِيّ لم يسمع من ابن عباس ﵄، كما في «تحفة التحصيل». قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» تحت حديث عائشة الأول (١٥٣٩): وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى حِلِّ الطِّيبِ وَغَيْرِهِ مِنْ مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَيَسْتَمِرُّ امْتِنَاعُ الْجِمَاعِ وَمُتَعَلَّقَاتِهِ عَلَى الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَهُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّ لِلْحَجِّ تَحَلُّلَيْنِ، كَمَا هُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ كَوْنِهِ ﷺ فِي حَجَّتِهِ رَمَى ثُمَّ حَلَقَ ثُمَّ طَافَ فَلَوْلَا أَنَّ الطِّيبَ بَعْدَ الرَّمْيِ وَالْحَلْقِ لَمَا اقْتَصَرَتْ عَلَى الطَّوَافِ فِي قَوْلِهَا قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ. اهـ باختصار. قال النووي في «شرحه على مسلم»: وَأَمَّا قَوْلُهَا: (وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ): فَالْمُرَادُ بِهِ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ فَفِيهِ دَلَالَةٌ لِاسْتِبَاحَةِ الطِّيبِ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَالْحَلْقِ وَقَبْلَ

стр. 526

الطَّوَافِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَالْعُلَمَاءِ كَافَّةً، إِلَّا مَالِكًا كَرِهَهُ قَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ، وَهُوَ مَحْجُوجٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ. وَقَوْلُهَا: (لِحِلِّهِ): دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ حَصَلَ لَهُ تَحَلُّلٌ وَفِي الْحَجِّ تَحَلُّلَانِ يَحْصُلَانِ بثلاثة أشياء رمي جمرة العقبة والحلق وَطَوَافِ الْإِفَاضَةِ مَعَ سَعْيِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ سعى عقب طَوَافِ الْقُدُومِ فَإِذَا فَعَلَ الثَّلَاثَةَ حَصَلَ التَّحَلُّلَانِ وَإِذَا فَعَلَ اثْنَيْنِ مِنْهُمَا حَصَلَ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ أَيِ اثْنَيْنِ كَانَا وَيَحِلُّ بِالتَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ جَمِيعُ الْمُحَرَّمَاتِ - على المحرم - إِلَّا الِاسْتِمْتَاعَ بِالنِّسَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ إِلَّا بِالثَّانِي. اهـ. وفي «مجموع فتاوى ورسائل العلامة العثيمين» (٢٣/ ١٧٣): التحلل الأول لا يحصل بالرمي فقط، والتحلل باثنين من ثلاثة أيضًا لا يصح، لأن هذا من كلام الفقهاء ولا دليل عليه. والصحيح أنه لا يحل إلا برمي جمرة العقبة والحلق، ودليل ذلك قول عائشة ﵂: «كنت أطيب النبي ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت»، ولم تقل: لحله قبل أن يحلق، وأن الرسول ﷺ حلق قبل طوافه بالبيت، والصواب في هذه المسألة أنه لا يحصل التحلل الأول إلا بالرمي مع الحلق أو التقصير. اهـ.

стр. 527

٢٥٧ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، أَنَّهُ كَانَ مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ حِينَ رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ، فَاسْتَبْطَنَ الوَادِيَ حَتَّى إِذَا حَاذَى بِالشَّجَرَةِ اعْتَرَضَهَا، فَرَمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ ثُمَّ قَالَ: «مِنْ هَا هُنَا وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ قَامَ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البَقَرَةِ ﷺ » (١). قال النووي في «شرح مسلم» عند هذا الرقم (١٢٩٦): يُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْعَلَ مَكَّةَ عَنْ يَسَارِهِ وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ، وَيَسْتَقْبِلَ الْجَمْرَةَ وَيَرْمِيَهَا بِالْحَصَيَاتِ السَّبْعِ، وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ … وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ مِنْ حَيْثُ رَمَاهَا جَازَ سَوَاءٌ اسْتَقْبَلَهَا أَوْ جَعَلَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ رَمَاهَا مِنْ فَوْقِهَا أَوْ أَسْفَلِهَا. وَأَمَّا رَمْيُ بَاقِي الْجَمَرَاتِ فَيُسْتَحَبُّ مِنْ فَوْقِهَا. اهـ. وقال في فوائد الحديث: • مِنْهَا إِثْبَاتُ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ وَاجِبٌ، وَهُوَ أَحَدُ أَسْبَابِ التَّحَلُّلِ، وَهِيَ ثَلَاثَةٌ: (١) - رَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ.

стр. 528

(٢) - وَطَوَافُ الْإِفَاضَةِ. (٣) - وَالْحَلْقُ. فالاثنين الأوليين: التحلل الأول، يحل له كل ما يحل لغير المحرم إلا الجماع، وبالثاني: يحل له كل ما يحل لغير المحرم حتى الجماع. • وَمِنْهَا اسْتِحْبَابُ التَّكْبِيرِ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ - نقله - مَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً. • وذكر الإجماع عَلَى أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ التَّكْبِيرَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ. • وَمِنْهَا كَوْنُ الرَّمْيِ سَبْعَ حَصَيَاتٍ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ. اهـ. قال ابن قدامة في «المغني» تحت مسألة (٦٤٤): وَيُجْزِئُ الرَّامِيَ بِكُلِّ مَا يُسَمَّى حَصًى، وَهِيَ الْحِجَارَةُ الصِّغَارُ، سَوَاءٌ كَانَ أَسْوَدَ أَوْ أَبْيَضَ أَوْ أَحْمَرَ، مِنْ الْمَرْمَرِ، أَوْ الْبِرَامِ، أَوْ الْمَرْوِ، وَهُوَ الصَّوَّانُ، أَوْ الرُّخَامِ، أَوْ الْكَذَّانِ، أَوْ حَجَرِ الْمِسَنِّ. اهـ. قال النووي في «المجموع شرح المهذب» (٨/ ١٧١): مَا لَيْسَ بِحَجَرٍ كَالْمَاءِ، وَالنُّورَةِ، وَالزِّرْنِيخِ، وَالْإِثْمِدِ، وَالْمَدَرِ، وَالْجِصِّ، وَالْآجُرِّ، وَالْخَزَفِ، وَالْجَوَاهِرِ الْمُنْطَبِعَةِ: كَالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، وَالرَّصَاصِ، وَالنُّحَاسِ، وَالْحَدِيدِ، ونحوها، فلا يجزئ الرمى بشيءٍ مِنْ هَذَا بِلَا خِلَافٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ.

стр. 529

٢٥٨ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي الجَمْرَةَ الدُّنْيَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ عَلَى إِثْرِ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ حَتَّى يُسْهِلَ، فَيَقُومَ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، فَيَقُومُ طَوِيلًا، وَيَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَرْمِي الوُسْطَى، ثُمَّ يَأْخُذُ ذَاتَ الشِّمَالِ فَيَسْتَهِلُ، وَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، فَيَقُومُ طَوِيلًا، وَيَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، وَيَقُومُ طَوِيلًا، ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ ذَاتِ العَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الوَادِي، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَيَقُولُ: «هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَفْعَلُهُ» (١). قال ابن قدامة في «المغني»: لَا نعلم لما تضمنه حَدِيث بن عُمَرَ هَذَا مُخَالِفًا. اهـ. وقال ابن المنذر: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَنْكَرَ رَفْعَ الْيَدَيْنِ فِي الدُّعَاءِ عِنْدَ الْجَمْرَةِ إِلَّا مَا حَكَاهُ بن الْقَاسِم عَنْ مَالك. اهـ من «فتح الباري» تحت رقم: (١٧٥٢). قُلْتُ: ومالك محجوج بهذه السنة.

стр. 530

٢٥٩ - عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، يَقُولُ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ رَمَى الْجَمْرَةَ بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ» (١). ٢٦٠ - عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، قَالَ: أَفَاضَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ، وَأَمَرَهُمْ بِالسَّكِينَةِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَرْمُوا، بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ، وَأَوْضَعَ فِي وَادِي مُحَسِّرٍ (٢). ٢٦١ - وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ غَدَاةَ الْعَقَبَةِ: «هَاتِ، الْقُطْ لِي» فَلَقَطْتُ لَهُ حَصَيَاتٍ هُنَّ حَصَى الْخَذْفِ، فَلَمَّا وَضَعْتُهُنَّ فِي يَدِهِ، قَالَ: «بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ» (٣). قال ابن عبد البر في «التمهيد» (١٦/ ٣٨٤): أهل العلم كلهم يستحبون أن يكون حصى الجمار بمثل هذا المقدار. اهـ.
следующие страницы →