٢٣١ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ»، كُلَّمَا أَتَى حَبْلًا مِنَ الْحِبَالِ أَرْخَى لَهَا قَلِيلًا، حَتَّى تَصْعَدَ، حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ اضْطَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، وَصَلَّى الْفَجْرَ، حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ، بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ، حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَدَعَاهُ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا، فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ (١).
قال النووي في شرح حديث جابر هذا: الْمَبِيت بِمُزْدَلِفَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ بَعْدَ الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَاتٍ نُسُكٌ وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ لَكِنِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَمْ رُكْنٌ أَمْ سُنَّةٌ؟ وَالصَّحِيحُ مِنْ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ وَاجِبٌ لَوْ تَرَكَهُ أَثِمَ وَصَحَّ حَجُّهُ. اهـ.
قُلْتُ: وهذا هو الصواب، القول: بوجوب المبيت بمزدلفة، وصلاة الصبح بها على غير المعذورين، وهو قول جمهور العلماء.
وفي قوله: (ثُمَّ اضْطَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ): فيه أنَّه ما قام الليل تلك الليلة، أما صلاة الوتر وركعتا الصبح فلم يكن يدعهما في سفر ولا حضر.
стр. 492
الذكر في مزدلفة مستحب
قال ابن عبد البر في «التمهيد» (٩/ ٢٧٦): وَكُلٌّ قَدْ أَجْمَعَ أَنَّهُ لَوْ وَقَفَ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَلَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ أَنَّ حَجَّهُ تَامٌّ. اهـ.
ونقله الحافظ ابن حجر في «الفتح» (٣/ ٥٢٩)، تحت رقم (١٦٧٩)، كما سيأتي بعده.
والقصد البقاء بها إلى وقت الدفع منها، سواء نام أم لم ينم، وحجة الجمهور أنَّ النَّبِيّ ﷺ رخَّصَّ للضعفة، والرخصة لا تكون إلا من واجب، فبقي من لا عذر له على عدم الرخصة وهو الوجوب.
وأما القول: بأن المبيت بمزدلفة ركن، فمبني على زيادة منكرة:
قال الحافظ ابن حجر في «الفتح» (٣/ ٥٢٩)، - تحت حديث رقم (١٦٧٩) -: وَذهب ابن بنت الشَّافِعِي وابن خُزَيْمَةَ إِلَى أَنَّ الْوُقُوفَ بِهَا رُكْنٌ لَا يتم الْحَج إِلَّا بِهِ، وَأَشَارَ بن الْمُنْذر إِلَى تَرْجِيحه، وَنَقله بن الْمُنْذِرِ عَنْ عَلْقَمَةَ وَالنَّخَعِيِّ، وَالْعَجَبُ! أَنَّهُمْ قَالُوا: مَنْ لَمْ يَقِفْ بِهَا فَاتَهُ الْحَجُّ، وَيُجْعَلْ إِحْرَامُهُ عُمْرَةً!
وَاحْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَذْكُرِ الْوُقُوفَ، وَإِنَّمَا قَالَ: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ وَقَفَ بِهَا بِغَيْرِ ذِكْرِ أَنَّ حَجَّهُ تَامٌّ فَإِذَا كَانَ الذِّكْرُ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ لَيْسَ مَنْ صُلْبِ الْحَجِّ فَالْمَوْطِنُ الَّذِي يَكُونُ الذِّكْرُ فِيهِ أَحْرَى أَنْ لَا يَكُونَ فَرْضًا، قَالَ: وَمَا احْتَجُّوا بِهِ مِنْ حَدِيثِ
قال النووي في «شرح مسلم» (١٢١٨): الْمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ بَعْدَ الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَاتٍ نُسُكٌ، وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ؛ لَكِنِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَمْ رُكْنٌ أَمْ سُنَّةٌ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ وَاجِبٌ. اهـ.
وقال تحت رقم (١٢٩٠): مَنْ تَرَكَهُ لَزِمَهُ دَمٌ وَصَحَّ حَجُّهُ، وَبِهِ قال فُقَهَاءُ الْكُوفَةِ وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ. اهـ.
وقال ابن قدامة في «المغني» (٣/ ٣٧٧): لَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّ السُّنَّةَ الدَّفْعُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ. اهـ.
قال ابن عبد البر في «الاستذكار» (٤/ ٢٩٢): أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وقف بالمشعر الحرام بعد ما صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ دَفَعَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ. اهـ.
قوله: (إِنَّ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ حُوِّلَتَا عَنْ وَقْتِهِمَا … ):
قال ابن رجب في «فتح الباري» (٣/ ٢٢٣)، تحت (٥٧٦): وهذا كله يدل على أن النبي ﷺ لم تكن عادته أنه يصلي الفجر ساعة بزوغ الفجر، وإنما فعل ذلك بمزدلفة يوم النحر. اهـ.
وقال النووي في «شرح مسلم» (١٢٨٩): مَعْنَاهُ: أَنَّهُ صَلَّى الْمَغْرِبَ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ بِجَمْعٍ الَّتِي هِيَ الْمُزْدَلِفَةُ وَصَلَّى الْفَجْرَ يَوْمَئِذٍ قَبْلَ مِيقَاتِهَا الْمُعْتَادِ؛ وَلَكِنْ بَعْدَ تَحَقُّقِ
[٨٥]- باب قصر الحاج الصلاة الرباعية إلى ركعتين في أيام أعمال الحج الستة كلها وعدم صلاة عيدٍ أو جمعةٍ بها في مشاعر الحج
٢٤٤ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَمَعَ عُثْمَانَ صَدْرًا مِنْ إِمَارَتِهِ ثُمَّ أَتَمَّهَا» (١).
٢٤٥ - عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ ﵁، قَالَ: «صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ آمَنَ مَا كَانَ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ» (٢).
وقد خطب النَّبِيُّ ﷺ قبل الأذان خلافًا للجمعة، فإن الأذان قبل الخطبة كما في حديث جابر ﵄ في مسلم (١٢١٨)، وجمع العصر مع الظهر بأذان واحد وأقامتين، وأسر بالقراءة وكان ذلك في يوم جمعة بعرفة بلا خلاف.
قال ابن الملقن في «البدر المنير» (٥/ ١٩٩): إِجْمَاع الْمُسلمين عَلَى أَنْ وَقْفَة عَرَفَة فِي
стр. 510
حجَّة الْوَدَاع يَوْم الْجُمُعَة. اهـ.
وكذا في «حجة الوداع» للدهلوي (١٦٨)، وغيرها.
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ١٠ - ١١): وَأَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ بِمِنًى يَوْمَ الْعِيدِ وَأَمَامَ مِنًى يُصَلِّي بِالْمُسْلِمِينَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، وَالْمُسْلِمُونَ خَلْفَهُ يُصَلِّي بِصَلَاتِهِ أَهْلُ مَكَّةَ، وَغَيْرُهُمْ، وَكَذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ بَعْدَهُ، وَلَمْ يَأْمُرْ النَّبِيُّ ﷺ ، وَلَا أَبُو بَكْرٍ، وَلَا عُمَرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا لَا بِمِنًى، وَلَا بِغَيْرِهَا.
فَلِهَذَا كَانَ أَصَحُّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ: أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ يَجْمَعُونَ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَيَقْصُرُونَ بِهَا وَبِمِنًى وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ … ، الخ. اهـ.
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٨٥): وَلِهَذَا اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ؛ لِأَنَّ جَمْعَ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ دُونَ غَيْرِهِمَا مِمَّا صَلَّاهُ بِالْمُسْلِمِينَ بِمِنَى أَوْ بِمَكَّةَ هُوَ مِنْ الْمَنْقُولِ نَقْلًا عَامًّا مُتَوَاتِرًا مُسْتَفِيضًا. اهـ.
قُلْتُ: جمع وقصر أهل مكة مع غيرهم في تلك المشاعر يختص بالحجاج منهم دون الباعة، والكدادين، وغيرهم ممن ليس حاجًا، فلا مبرر لقصرهم بها؛ لأن ذلك غير سفر لقرب المشاعر من مكة.
стр. 511
[٨٦]- فضل يوم النحر، وأيام التشريق وفضل الإكثار من ذكر الله تعالى فيها
وقال الله ﵎: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣].
قال ابن العربي في «أحكام القران»: لَا خِلَافَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالذِّكْرِ هَاهُنَا التَّكْبِيرُ.
قُلْتُ: ويشمل غيره أيضًا؛ ولكن التكبير يدخل في هذا الأمر في هذه الأيام دخولًا أوليًّا.
٢٤٦ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرْطٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «إِنَّ أَعْظَمَ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ ﵎ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ» (١).
стр. 512
وقال ابن خزيمة: يَوْمُ الْقَرِّ، يَعْنِي: يَوْمَ الثَّانِي مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ. اهـ.
وقال ابن الأثير ﵀ في «النهاية»: هُوَ الحَادِيَ عَشَرَ من ذِي الْحِجَّةِ، لأنَّ النَّاسَ يَقِرّون فِيهِ بِمِنًى. اهـ.
وانظر التفاضل بين يوم النحر والجمعة في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ١٨٨)، وقد نقلناه فيما سبق من هذا البحث.
وتمام حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرْطٍ ﵁، وَقُرِّبَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَدَنَاتٌ خَمْسٌ - أَوْ سِتٌّ - فَطَفِقْنَ يَزْدَلِفْنَ إِلَيْهِ بِأَيَّتِهِنَّ يَبْدَأُ، فَلَمَّا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا، قَالَ: فَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ خَفِيَّةٍ لَمْ أَفْهَمْهَا، فَقُلْتُ: مَا قَالَ؟ قَالَ: «مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ».
قال الخطابي في «معالم السنن» (٢/ ١٥٧): وقوله يزدلفن معناه يقتربن من قولك زلف الشيء إذا قرب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤)﴾ [الشعراء: ٦٤]. اهـ.
وقال ﵀: وقوله: (وجبت جنوبها): معناه: زهقت أنفسها فسقطت على جنوبها، وأصل الوجوب السقوط.
وفي قوله: (من شاء اقتطع): دليل على جواز هبة المشاع، وفيه دلالة على جواز أخذ النثار في عقد الإملاك وأنه ليس من باب النهبى، وإنما هو من باب الإباحة وقد كره ذلك بعض العلماء خوفًا أن يدخل فيما نهى عنه من النهبى. اهـ.
стр. 513
توجيه إشكال
لا إشكال في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، لإن الله رخص للمتعجل في ترك الرمي بواحدٍ وعشرين حصاةٍ، وترك مبيت ليلة في منى، ورفع عنه الإثم في تركها.
إنما الإشكال في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣]: وذلك أنَّ الحاج قد استوفى ما يلزمه في إتمام الحج، فما معنى: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، فإنَّ هذه اللفظة إنما تقال في حق المقَّصِّر، ولا تقال في حق من أتى بتمام العمل.
قد توسع بعض المفسرين في ذلك وحاصله فيما يلي:
قال ابن الجوزي في «زاد المسير» عند تفسير آية (٢٠٣ من البقرة): قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾، أي: فمن تعجل النفر الأول في اليوم الثاني من أيام منى، فلا إثم عليه، ومن تأخر إلى النفر الثاني، وهو اليوم الثالث من أيام منى، فلا إثم عليه.
فان قيل: إنما يخاف الإثم المتعجل، فما بال المتأخر ألحق به، والذي أتى به أفضل؟! فعنه أربعة أجوبة:
• أحدها: أنَّ المعنى: لا إثم على المتعجل، والمتأخر مأجور، فقال: لا إثم
стр. 514
عليه، لتوافق اللفظة الثانية الأولى، كقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤].
• والثاني: أنَّ المعنى: فلا إثم على المتأخر في ترك استعمال الرخصة.
• والثالث: أن المعنى: قد زالت آثام المتعجل، والمتأخّر التي كانت عليهما قبل حجهما.
• والرابع: أن المعنى طرح المأثم عن المتعجل والمتأخر إنما يكون بشرط التقوى. اهـ.
ورجح الطبري هذا الرابع، فقال ﵀ عند تفسير آية (٢٠٣ من البقرة): وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصِّحَّةِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: تَأْوِيلُ ذَلِكَ: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ مِنْ أَيَّامِ مِنًى الثَّلَاثَةِ فَنَفَرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، لِحَطِّ اللَّهِ ذُنُوبَهُ، إِنْ كَانَ قَدِ اتَّقَى اللَّهَ فِي حَجِّهِ فَاجْتَنَبَ فِيهِ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِاجْتِنَابِهِ وَفَعَلَ فِيهِ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِفِعْلِهِ وَأَطَاعَهُ بِأَدَائِهِ عَلَى مَا كَلَّفَهُ مِنْ حُدُودِهِ.
وَمَنْ تَأَخَّرَ إِلَى الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنْهُنَّ فَلَمْ يَنْفِرْ إِلَى النَّفْرِ الثَّانِي حَتَّى نَفَرَ مِنْ غَدِ النَّفْرِ الْأَوَّلِ، فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِتَكْفِيرِ اللَّهِ لَهُ مَا سَلَفَ مِنْ آثَامِهِ وَأَجْرَامِهِ، وَإِنْ كَانَ اتَّقَى اللَّهَ فِي حَجِّهِ بِأَدَائِهِ بِحُدُودِهِ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا أَنَّ ذَلِكَ أَوْلَى تَأْوِيلَاتِهِ لِتَظَاهُرِ الْأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ»، وَأَنَّهُ قَالَ ﷺ : «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ
стр. 515
الْحَدِيدِ، وَالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ». اهـ.
قُلْتُ: فمعنى: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، أي: لم يبقَ عليه إثم، بل غفرت ذنوبه كلها إذا لم يفسق في حجه، ولم يرفث، وحج حجًا مبرورًا إذا اتقى في حجه، ومن تقواه فيه أن يقرنه بتوبة، وتحلل من المظالم، فيرجع من حجه كيوم ولدته أمه كما في الحديث المذكور، سواء أخذ بالرخصة فتعجل في يومين، أو أخذ بالأفضل الذي فعله رسول الله ﷺ فتأخر، فالكل مغفور له.
ويليه القول الآخر: أنَّه لا إثم على المتأخر في تركه الأخذ بالرخصة؛ ولكن في هذا القول، وسائر تلك الأقوال غير ما رجحه ابن جرير، نظر؛ لأن النبي ﷺ تأخر ولم يأخذ بهذه الرخصة، فلو قلنا: إنَّ تارك الرخصة هنا، تارك للأفضل، دخل رسول الله ﷺ تحت هذا الحكم، وحاشاه أن يترك الأفضل، لا سيما والمتأخر يظفر بمزيد من عبادة الصلوات بمنى، والرمى، والمبيت، وفي الحديث: «أَجْرُكِ عَلَى قَدْرِ نَصَبِكِ»، وقال الله تعالى: ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥]، وقال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأحقاف: ١٩]، وقال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ [مريم: ٦٥].
وَاحِدَةٍ مَقَامَ سَبْعِ شِيَاهٍ حَتَّى لَوْ كَانَ عَلَى الْمُحْرِمِ سَبْعَةُ دِمَاءٍ بِغَيْرِ جَزَاءِ الصَّيْدِ وَذَبَحَ عَنْهَا بَدَنَةً أَوْ بَقَرَةً أَجْزَأَهُ عَنِ الْجَمِيعِ. اهـ.
وقد نقل الإجماع على أنَّه لا يجوز أنَّ يشترك في الهدي الواجب أكثر من سبعة، انظر «الفتح» (١٦٨٨)، و «شرح السنة» (٤/ ٣٥٥).
وهذا هو الصواب، وأما حديث ابن عباس ﵄:
فقال أبو جعفر الطبري: أجمعت الأمة على أنَّ البقرة أو البدنة لا تجزئ إلا عن سبعة. وفي دليل على أنَّ حديث ابن عباس ﵄، قيل: منسوخ؛ لأنه كان في عمرة الحديبية، وحديث جابر ﵁ في حجة الوداع.
قال النووي في «شرح مسلم»: هذا الحديث دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَسْتَدِيمُ التَّلْبِيَةَ حَتَّى يَشْرَعَ فِي رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ غَدَاةَ يَوْمِ النَّحْرِ، وَهَذَا مَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ. اهـ.
قال النووي في «شرح المهذب» (٨/ ١٦٢): رَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَاجِبٌ بِلَا خِلَافٍ. اهـ.
وقال شيخ الإسلام ﵀: وَعَلَيْهِ أَيْضًا رَمْيُ الْجِمَارِ أَيَّامَ مِنًى بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. اهـ من «مجموع الفتاوى» (١٧/ ٤٦٠).
بماذا يحصل التحلل الأول؟
أخرج البخاري (١٥٣٩)، ومسلم (١١٨٩)، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ حِينَ يُحْرِمُ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ».
وقال الإمام أحمد ﵀ (٢٦٠٧٨): حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُرْوَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ، وَالْقَاسِمَ، يُخْبِرَانِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «طَيَّبْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِيَدَيَّ بِذَرِيرَةٍ لِحَجَّةِ الْوَدَاعِ لِلْحِلِّ وَالْإِحْرَامِ: حِينَ أَحْرَمَ، وَحِينَ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ»، وهو حديث صحيح رجاله ثقات، إلا عُمَر بْن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قال الحافظ: مقبول. اهـ.
стр. 525
قُلْنَا: أخرج له البخاري ومسلم في «صحيحيهما»، فحديثه يحتج به؛ لأنه غير مجهول، وشاهده عن ابن عباس ﵄:
قال الأمام أحمد (٢٠٩٠): حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَلَمَةَ، عَنِ الْحَسَنِ الْعُرَنِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا رَمَيْتُمُ الْجَمْرَةَ، فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ إِلا النِّسَاءَ»، فَقَالَ رَجُلٌ: وَالطِّيبُ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَّا أَنَا فَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، يُضَمِّخُ رَأْسَهُ بِالْمِسْكِ، أَفَطِيبٌ ذَاكَ أَمْ لَا؟
سُفْيَانُ: هو الثوري، وسَلَمَةَ: هو ابن كهيل، إلا أنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الْعُرَنِيّ لم يسمع من ابن عباس ﵄، كما في «تحفة التحصيل».
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في «الفتح» تحت حديث عائشة الأول (١٥٣٩): وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى حِلِّ الطِّيبِ وَغَيْرِهِ مِنْ مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَيَسْتَمِرُّ امْتِنَاعُ الْجِمَاعِ وَمُتَعَلَّقَاتِهِ عَلَى الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَهُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّ لِلْحَجِّ تَحَلُّلَيْنِ، كَمَا هُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ كَوْنِهِ ﷺ فِي حَجَّتِهِ رَمَى ثُمَّ حَلَقَ ثُمَّ طَافَ فَلَوْلَا أَنَّ الطِّيبَ بَعْدَ الرَّمْيِ وَالْحَلْقِ لَمَا اقْتَصَرَتْ عَلَى الطَّوَافِ فِي قَوْلِهَا قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ. اهـ باختصار.
قال النووي في «شرحه على مسلم»: وَأَمَّا قَوْلُهَا: (وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ): فَالْمُرَادُ بِهِ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ فَفِيهِ دَلَالَةٌ لِاسْتِبَاحَةِ الطِّيبِ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَالْحَلْقِ وَقَبْلَ
стр. 526
الطَّوَافِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَالْعُلَمَاءِ كَافَّةً، إِلَّا مَالِكًا كَرِهَهُ قَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ، وَهُوَ مَحْجُوجٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ.
وَقَوْلُهَا: (لِحِلِّهِ): دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ حَصَلَ لَهُ تَحَلُّلٌ وَفِي الْحَجِّ تَحَلُّلَانِ يَحْصُلَانِ بثلاثة أشياء رمي جمرة العقبة والحلق وَطَوَافِ الْإِفَاضَةِ مَعَ سَعْيِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ سعى عقب طَوَافِ الْقُدُومِ فَإِذَا فَعَلَ الثَّلَاثَةَ حَصَلَ التَّحَلُّلَانِ وَإِذَا فَعَلَ اثْنَيْنِ مِنْهُمَا حَصَلَ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ أَيِ اثْنَيْنِ كَانَا وَيَحِلُّ بِالتَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ جَمِيعُ الْمُحَرَّمَاتِ - على المحرم - إِلَّا الِاسْتِمْتَاعَ بِالنِّسَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ إِلَّا بِالثَّانِي. اهـ.
وفي «مجموع فتاوى ورسائل العلامة العثيمين» (٢٣/ ١٧٣): التحلل الأول لا يحصل بالرمي فقط، والتحلل باثنين من ثلاثة أيضًا لا يصح، لأن هذا من كلام الفقهاء ولا دليل عليه. والصحيح أنه لا يحل إلا برمي جمرة العقبة والحلق، ودليل ذلك قول عائشة ﵂: «كنت أطيب النبي ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت»، ولم تقل: لحله قبل أن يحلق، وأن الرسول ﷺ حلق قبل طوافه بالبيت، والصواب في هذه المسألة أنه لا يحصل التحلل الأول إلا بالرمي مع الحلق أو التقصير. اهـ.