Полный текст (604 стр.). Показаны 596–604 · переход к 601.
стр. 596
حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) ﴾ [البقرة: ٢٠١] (١) ، وهو ذكر عظيم، قَالَ أَنَسٌ ﵁: كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ : «اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» (٢) .
٩٧ - ورفع اليدين في الدعاء حال الطواف والسعي، محدث.
٩٨ - وليس للطواف ذكر خاص به، بل يكثر من جوامع الدعاء، وما شاء من خيري الدنيا والآخرة، وإن أذن المؤذن ردد معه، وإن كان في وقت أذكار صباح أو مساء قرأها حال طوافه، ويذكر الله بما تيسر له.
بحث قوله: (ثُمَّ نَفَذَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ) وبيان أنَّ موضع مقام إبراهيم هو في مكانه الآن من زمن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا ولم يكن ملصقًا بالكعبة
قال القاري في «مرقاة المفاتيح» (٥/ ١٧٦٦): مَحَلَّ الْمُقَامِ الْآنَ هُوَ الَّذِي كَانَ فِي عَهْدِهِ ﵊ عَلَى الصَّحِيحِ، وَأَمَّا مَا جَاءَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵃ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ أَرْبَعَةُ أَذْرُعٍ، فَلَمَّا كَثُرَ النَّاسُ وَتَضَيَّقُوا أَخَّرَهُ عُمَرُ إِلَى مَحَلِّهِ الْآنَ فَهُوَ غَرِيبٌ. اهـ. الحواشي
(١) أخرجه البيهقي في «الكبرى»(٢) أخرجه البخاري(٦٣٨٩) ، ومسلم(٢٦٩٠) .стр. 597
وقال البخاري ﵀ بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، (٣٩٥) : حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: سَأَلْنَا ابْنَ عُمَرَ عَنْ رَجُلٍ طَافَ بِالْبَيْتِ العُمْرَةَ، وَلَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، أَيَأْتِي امْرَأَتَهُ؟ فَقَالَ: «قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، وَصَلَّى خَلْفَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، وَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ»، وَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ.
قال الحافظ ابن حجر في «الفتح»: قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]): وَقَعَ فِي رِوَايَتِنَا وَاتَّخِذُوا بِكَسْرِ الْخَاءِ عَلَى الْأَمْرِ وَهِيَ إِحْدَى الْقِرَاءَتَيْنِ وَالْأُخْرَى بِالْفَتْحِ عَلَى الْخَبَرِ.
وَالْأَمْرُ دَالٌّ عَلَى الْوُجُوبِ لَكِنِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِ الصَّلَاةِ إِلَى جَمِيعِ جِهَاتِ الْكَعْبَةِ فَدَلَّ عَلَى عَدَمِ التَّخْصِيصِ، وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِمَقَامِ إِبْرَاهِيمَ الْحَجَرُ الَّذِي فِيهِ أَثَرُ قَدَمَيْهِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ إِلَى الْآنِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْمُرَادُ بِمَقَامِ إِبْرَاهِيمَ الْحَرَمُ كُلُّهُ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَقَدْ ثَبَتَ دَلِيلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ (١٢١٨) مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ.
ثم قال: وَقَدْ رَوَى الْأَزْرَقِيُّ فِي أَخْبَارِ مَكَّةَ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ أَنَّ الْمَقَامَ كَانَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ فِيهِ الْآنَ.
حَتَّى جَاءَ سَيْلٌ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ فَاحْتَمَلَهُ حَتَّى وُجِدَ بِأَسْفَلِ مَكَّةَ فَأُتِيَ بِهِ فَرُبِطَ
стр. 598
إِلَى أَسْتَارِ الْكَعْبَةِ حَتَّى قَدِمَ عُمَرُ فَاسْتَثْبَتَ فِي أَمْرِهِ حَتَّى تَحَقَّقَ مَوْضِعَهُ الْأَوَّلَ فَأَعَادَهُ إِلَيْهِ وَبَنَى حَوْلَهُ فَاسْتَقَرَّ ثَمَّ إِلَى الْآنَ. اهـ.
٩٩ - قَوْلُهُ - بعد ركعتي الطواف -: (ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ):
قال ابن قدامة في «المغني» (٥/ ٢٣٤): فَصْلٌ: وَإِذَا فَرَغَ مِنْ الرُّكُوعِ، وَأَرَادَ الْخُرُوجَ إلَى الصَّفَا، اُسْتُحِبَّ أَنْ يَعُودَ فَيَسْتَلِمَ الْحَجَرَ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَ ذَلِكَ. ذَكَرَهُ جَابِرٌ فِي صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ. وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. اهـ.
قُلْتُ: أثر ابن عمر ﵄ أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٨/ ٢٣٩).
قال ابن أبي شيبة في «المصنف» (٨/ ٢٣٩): حَدَّثنا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّهُ كَانَ لَا يَخْرُجُ مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَسْتَلِمَ، كَانَ فِي طَوَافٍ، أَوْ في غَيْرِ طَوَافٍ. وهذا سند صحيح، لكن هذا فعله النبي ﷺ بعد طواف قدومه، ولم يُنقل أنَّه كان إذا دخل البيت فصلى وأراد الانصراف رجع إلى الركن فاستلمه، وخير الهدي هديه، وتقدمت هذه المسألة، وبيان أنَّ استلام الحجر الأسود لغير طواف ليست من السنة، إلا في طواف يتبعه سعيٌ.
١٠٠ - قَوْلُهُ: (أَنْجَزَ وَعْدَهُ):
أي: وفَّى بوعده في أنَّه مظهر دينه، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ
стр. 599
بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣) ﴾ [التوبة: ٣٣].
١٠١ - قَوْلُهُ: (وَنَصَرَ عَبْدَهُ):
يعني: عبده ورسوله محمدًا ﷺ ، قال تعالى في أول سورة الفتح: ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣) ﴾ [الفتح: ٣].
١٠٢ - قَوْلُهُ: (وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ):
هَزَمَ الْأَحْزَابَ - أحزاب الكفر يوم الخندق - وَحْدَهُ، بغير قتال، كما قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٩]، وأعم من ذلك في جميع أحزاب الكفر.
١٠٣ - قَوْلُهُ: (ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ):
أخرج الفاكهي في «أخبار مكة» رقم (١٤١٢) ، قال: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ أَبِي رَوَّادٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ ﵄، وَقُلْتُ لَهُ: هَلْ مِنْ قَوْلٍ كَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ يَلْزَمُهُ؟ قَالَ: لَا تَسْأَلْ عَنْ ذَلِكَ قَالَ: يُكَبِّرُ وَيَدْعُو، قُلْتُ: هَلْ مِنْ قَوْلٍ كَانَ يَلْزَمُهُ قَالَ: لَا تَسْأَلْ عَنْ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ فَأَبَيْتُ أَنْ أَدَعَهُ حَتَّى يُخْبِرَنِي قَالَ: فَإِنَّهُ كَانَ يُطِيلُ الْقِيَامَ حَتَّى لَوْلَا الْحَيَاءُ مِنْهُ لَجَلَسْتُ قَالَ: فَيُكَبِّرُ عَبْدُ اللهِ ثَلَاثًا ثُمَّ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا
стр. 600
اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ثُمَّ يَدْعُو طَوِيلًا يَرْفَعُ صَوْتَهُ وَيَخْفِضُهُ، حَتَّى أَنَّهُ لَيَسْأَلُهُ أَنْ يَقْضِيَ عَنْهُ مَغْرَمَهُ فِيمَا يَسْأَلُهُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ثُمَّ يَدْعُو طَوِيلًا يَرْفَعُ صَوْتَهُ وَيَخْفِضُهُ، حَتَّى أَنَّهُ لَيَسْأَلُهُ أَنْ يَقْضِيَ مَغْرَمَهُ فِيمَا يَسْأَلُهُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ثُمَّ يَدْعُو طَوِيلًا يَرْفَعُ صَوْتَهُ وَيَخْفِضُهُ، حَتَّى أَنَّهُ لَيَسْأَلُهُ أَنْ يَقْضِيَ مَغْرَمَهُ فِيمَا يَسْأَلُهُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ثُمَّ يَسْأَلُ طَوِيلًا كَذَلِكَ حَتَّى يَقُولَ هَؤُلَاءِ التَّكْبِيرَاتِ وَالْقَوْلَ الَّذِي مَعَهُنَّ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ثُمَّ يَسْأَلُ طَوِيلًا كَذَلِكَ حَتَّى يَقُولَ هَؤُلَاءِ التَّكْبِيرَاتِ الثَّلَاثَ وَالْقَوْلَ مَعَهُنَّ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، سَبْعَ مَرَّاتٍ، بَيْنَهُنَّ الدُّعَاءُ وَالْمَسْأَلَةُ الطَّوِيلَةُ، يَقُولُ ذَلِكَ عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ كُلَّمَا حَجَّ أَوِ اعْتَمَرَ.
وأخرجه البيهقي في «الكبرى» (٩٤٢١) ، فقال: وَأَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْعَلَوِيُّ ﵀، أنبأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ النَّصْرَآبَاذِيُّ، ثنا أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ، ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ رَاشِدٍ الدِّمَشْقِيُّ أَبُو بَكْرٍ، ثنا صَدَقَةُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قُلْتُ لِنَافِعٍ، فذكره. فمخرج الأثر ابْنُ جُرَيْجٍ، عن نَافِعٍ به، وهذا سند صحيح.
وقال الفاكهي في «أخبار مكة» رقم (٢/ ٢٢٢): حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زُنْبُورٍ قَالَ:
стр. 601
حَدَّثَنَا فُضَيْلٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانُوا يَقُومُونَ عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ عِشْرِينَ أَوْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ آيَةً مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وهذا سند حسن.
مُحَمَّدُ بْنُ زُنْبُورٍ، لا بأس به، وباقي رجاله ثقات، (وتقدم نظيره في حديث جابر بلفظ النسائي).
١٠٤ - قَوْلُهُ: (حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى):
لم يذكر دعاء معينًا أثناء سعيه، ولم يثبت فيه حديث بعينه، إنَّما جعل السعي لذكر الله كما تقدم، فليذكر الله بما تيسر له. وقول عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، حال سعيه: رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ (وتجاوز عما تعلم) إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ، ثابت عنه عند ابن أبي شيبة، والبيهقي (٥/ ٩٥)؛ لكن هذا اجتهاد منه، ليس بحجة.
١٠٥ - قَوْلُهُ: (فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا): أي: بما فيه الدعاء في كل شوط حتى بعد آخر شوط.
١٠٦ - قَوْلُهُ: (لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ):
فيه جواز الـ (لو)، أما ما أخرجه مسلم في «صحيحه» (٢٦٦٤) ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ».
стр. 602
قال ابن الأثير في «النهاية»: (لَوْ) سَاكِنَةُ الْوَاوِ، وَهِيَ حَرْفٌ مِنْ حُرُوفِ الْمَعَانِي، يَمتنِع بِهَا الشَّيْءُ لامْتِناع غَيْرِهِ. اهـ.
وقال النووي في «شرحه على مسلم» (٢١٦) : قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: هَذَا النَّهْيُ إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ قَالَهُ مُعْتَقِدًا ذَلِكَ حَتْمًا وَأَنَّهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ تُصِبْهُ قَطْعًا فَأَمَّا مَنْ رَدَّ ذَلِكَ إِلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ لَنْ يُصِيبَهُ إِلَّا ماشاء اللَّهُ فَلَيْسَ مِنْ هَذَا، وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ فِي الْغَارِ: (لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ رَفَعَ رَأْسَهُ لَرَآنَا).
قَالَ الْقَاضِي: وَهَذَا لَا حُجَّةٌ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ مُسْتَقْبَلٍ، وَلَيْسَ فِيهِ دَعْوَى لِرَدِّ قدر بعد وقوعه قال، وكذا جميع ماذكره الْبُخَارِيُّ فِي بَابِ مَا يَجُوزُ مِنَ اللَّوِّ كَحَدِيثِ: «لَوْلَا حِدْثَانُ عَهْدِ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَأَتْمَمْتُ الْبَيْتَ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ»، «ولو كنت راجمًا بغير بينة لرجمت هذه»، «ولولا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ»، وَشِبْهِ ذَلِكَ، فَكُلُّهُ مُسْتَقْبَلٌ لَا اعْتِرَاضَ فِيهِ عَلَى قَدَرٍ، فَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَخْبَرَ عَنِ اعْتِقَادِهِ فِيمَا كَانَ يَفْعَلُ لَوْلَا الْمَانِعُ، وَعَمَّا هُوَ فِي قُدْرَتِهِ، فَأَمَّا مَا ذَهَبَ فَلَيْسَ فِي قُدْرَتِهِ.
قَالَ الْقَاضِي: فَاَلَّذِي عِنْدِي فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ: أَنَّ النَّهْيَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَعُمُومِهِ لَكِنَّهُ نَهْيُ تَنْزِيهٍ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ : «فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ»، أَيْ: يُلْقِي فِي الْقَلْبِ مُعَارَضَةَ الْقَدَرِ، وَيُوَسْوِسُ بِهِ الشَّيْطَانُ، هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي.
قُلْتُ: وَقَدْ جَاءَ مِنَ اسْتِعْمَالِ (لَوْ) فِي الْمَاضِي، قَوْلُهُ ﷺ : «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ
стр. 603
أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ»، وَغَيْرُ ذَلِكَ.
فَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا هُوَ عَنْ إِطْلَاقِ ذَلِكَ فِيمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ، فَيَكُونُ نَهْيُ تَنْزِيهٍ لَا تَحْرِيمٍ، فَأَمَّا من قاله تأسفًا على ما فات من طاعة الله تعالى، أو ما هو مُتَعَذَّرٌ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، وَنَحْوِ هَذَا، فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ أَكْثَرُ الِاسْتِعْمَالِ الْمَوْجُودِ فِي الْأَحَادِيثِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ.
وقال القرطبي في «المفهم» (٦٨٣) : إن الذي يتعين بعد وقوع المقدور التسليم لأمر الله، والرضا بما قدره الله تعالى، والإعراض عن الالتفات لما مضى وفات.
فإن افتكر فيما فاته من ذلك، وقال: (لو أني فعلت كذا لكان كذا)، جاءته وساوس الشيطان، ولا تزال به حتى تفضي به إلى الخسران؛ لتعارض توهم التدبير سابق المقادير، وهذا هو عمل الشيطان الذي نهى عنه النبي ﷺ بقوله: «فلا تقل: لو، فإنَّ لو تفتح عمل الشيطان»، ولا يفهم من هذا: أنَّه لا يجوز النطق بـ (لو) مطلقًا؛ إذ قد نطق بها النبي ﷺ فقال: «لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسُق الهدي، ولجعلتها عمرة»، «ولو كنت راجمًا أحدًا بغير بينة لرجمت هذه».
وقال أبو بكر ﵁: لو أن أحدهم نظر إلى رجليه لرآنا، ومثله كثير، لأنَّ محل النهي عن إطلاقها إنما هو فيما إذا أطلقت في معارضة القدر، أو مع اعتقاد أنَّ ذلك المانع لو ارتفع لوقع خلاف المقدور.
فأمَّا لو أخبر بالمانع على جهة أن تتعلق به فائدة في المستقبل، فلا يختلف في
стр. 604
جواز إطلاقه؛ إذ ليس في ذلك فتح لعمل الشيطان، ولا شيء يفضي إلى ممنوع، ولا حرام، والله تعالى أعلم. اهـ.
١٠٧ - قَوْلُهُ: (لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ):
ساق هديه من المدينة، كما عند النسائي (٢٧١٣) ، وهو صحيح.
١٠٨ - قَوْلُهُ: (بَلْ لِأَبَدِ أَبَدٍ):
ردٌّ على من ادعى أنَّ التمتع خاص بهم، وأخرج ابن ماجه (١٩٧٧) ، أنَّ النَّبِيّ ﷺ قَامَ خَطِيبًا بذي الحليفة، فَقَالَ: «أَلَا إِنَّ الْعُمْرَةَ، قَدْ دَخَلَتْ فِي الْحَجِّ، إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»، وهو منقطع بين طَاوُسٍ، وسُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ، فطَاوُسٌ لم يسمع من سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ، روايته عنه مرسلة كما في «تحفة التحصيل» والذي هنا أصح: أنه خطب على المروة.
١٠٩ - قَوْلُهُ: (وَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ بِبُدْنِ النَّبِيِّ ﷺ : لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ بعثه إلى اليمن ساعيًا، كما في البخاري (٤٣٤٩) ، فرجع بسعايته إلى مكة.
هذا ما يسره الله نحو مائة فائدة على هذا الحديث نسأل الله أن ينفعنا بها وإخواننا المسلمين.