مانع، فله ذلك، أما من ليس كذلك فلا يشرع له، هذا الذي يجتمع به ترك النبي ﷺ وأصحابه بما فيهم عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄، وقد وصل مع أخته الى الحل ولم يعتمر.
وإذنه لعائشة ﵂ خاصة، ولو وجد معها من النساء من شغلت عن العمرة بالحيض كما شغلت عائشة لكان حالها كحال عائشة ﵂ في الإذن، والله الموفق.
١ - قول مُحَمَّدٍ الْبَاقِرِ: (دَخَلْنَا عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ): فيه: فضيلة له لأخذه العلم عن جابر ﵁.
٢ - وفيه: أنه لم يذكر الاستئذان، ولا بد منه لأدلة أخرى.
٣ - فضل زيارة العلماء وفوائدها.
٤ - قَوْلُهُ: (عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ)، فيه: أنَّ السنة أنْ تذكر لفظة: (ابن) في النسبة، ولم يعلم حذفها، وقد صنف في تغريب الألقاب الشيخ بكر أبو زيد ﵀ وأنكر حذف لفظة: (ابن).
٥ - قَوْلُهُ: (فَسَأَلَ عَنِ الْقَوْمِ)، فيه: التعارف لإنزال الناس منازلهم، وقال الله تعالى: ﴿لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: ١٣]، الآية.
٦ - قَوْلُهُ: (حَتَّى انْتَهَى إِلَيَّ)، فيه: أَنَّه سأل عنهم على الترتيب.
٧ - قَوْلُهُ: (فَقُلْتُ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ)، فيه: أنَّ السلف كانوا يتسمون بأسماء آبائهم وأجدادهم فأنَّ علي بن الحسين تسمى باسم جده علي بن أبي طالب ﵁.
٨ - ملاطفة الزائر ومؤانسته بما يليق به، وفعل ذلك ليس على إطلاقه.
٩ - وفيه: تسمية ثندوة الرجل ثدي.
١٠ - وأنَّ صدر الرجل ليس عورة، كما أنَّ ظهره ليس بعورة؛ لحديث: عَمْرِو
стр. 572
بْنِ أَخْطَبَ ﵁، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كشف له ظهره لينظر خاتم النبوة، أخرجه أحمد في «المسند» (٣٧/ ٥٢٦)، وهو حديث صحيح.
١١ - وفيه: أنَّه يطلق على الشاب غلام.
١٢ - استحباب الترحيب بالضيف وبالزائر، وقال النَّبِيُّ ﷺ لوفد عبد القيس: «مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ، أَوْ بِالْوَفْدِ، غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى».
١٣ - وفيه: أنَّ من إكرام الزائر البشاشة.
١٤ - فيه: أنَّ الترحيب بكبير الوفد ترحيب بهم كلهم، فانهم كانوا جماعة، وقال جابر ﵁: مَرْحَبًا بِكَ، يَا ابْنَ أَخِي.
١٥ - وفيه: أنَّ محمد بن علي كان شادًا أزراره، وما جاء أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أطلق أزراره في حديث قرة بن إياس ﵁ عند أبي داود رقم (٤٠٨٢)، وأحمد (٢٤/ ٣٤٧)، بسند صحيح، لم يكن ذلك حاله على الإطلاق، ولو كان حاله مطلقًا لما كان لبس أصحابه إلا كذلك؛ ولكن هذا في بعض الأحوال، والمداومة على حل الإزار من القميص، وكشف الصدر، مذكورة في الحديث من فعل معاوية بن قرة وأبيه، صحابي الحديث قرة بن إياس ﵁، والسنة أنَّ يفعل ذلك في بعض الأوقات، وليس على الإطلاق.
١٦ - وفيه: أنَّ المؤمنين إخوة.
١٧ - جواز قول الكبير للصغير: يا ابن أخي، ونحوه، وقول الصغير للكبير:
стр. 573
يا عم، كما قال معاذ، ومعوذ لعبد الرحمن بن عوف: يَا عَمِّ هَلْ تَعْرِفُ أَبَا جَهْلٍ؟ أخرجه البخاري (٣١٤١)، مسلم (١٧٥٢).
١٨ - وفيه: أنَّ دخول الباقر كان التماسًا للعلم، وقد عرف هذا منه جابر ﵁، فقال: سَلْ عَمَّا شِئْتَ.
١٩ - أنَّ قول العالم للسائل: سَلْ عَمَّا شِئْتَ، لا بأس به، فيجيبه بما يعلم، ويقول: الله أعلم فيما لا يعلم.
٢٠ - قَوْلُهُ: (فَسَأَلْتُهُ): لم يذكر السؤال عن شيء غير الحج، وأنه سأله عن أعداد الأسئلة، وإنَّما سأله سؤالًا واحدًا، كما قال: (فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ حَجَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
٢١ - فيه: أنَّ السؤال الطيب مفتاح العلم.
٢٢ - وفيه: أخذ الفتوى عن الأعمى لأنَّ مبنى الفتوى على العلم.
٢٣ - والصلاة خلف الأعمى، قاله النووي؛ لأنَّ مبنى ذلك على ما دل عليه حديث ابن مسعود ﵁: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ» (١).
٢٤ - وفيه: إتيان الطالب إلى العالم، فالعلم يؤتى.
٢٥ - وفيه: أداء الصلاة في وقتها، وعدم تأخيرها انشغالًا بغيرها من قوله:
стр. 574
وَحَضَرَ وَقْتُ الصَّلَاةِ، وفي الصحيح: «فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ».
٢٦ - وفيه: القيام في الصلاة إلا من عذر، من قوله: «فَقَامَ»، ولحديث: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا».
٢٧ - وفيه: جواز الصلاة في ثوب واحد مع وجود غيره.
٢٨ - وضيق الحال الذي كانوا فيه؛ لصغر القطعة التي صلى فيها.
٢٩ - وتغطية المنكبين كليهما في الصلاة.
٣٠ - ومن لباسهم الأردية.
٣١ - وفيه: جواز صلاة الأعمى في بيته، فهو معذور عن حضور الجماعة.
قال النووي (٦٥٣): وأَنَّ حُضُورَ الْجَمَاعَةِ يَسْقُطُ بِالْعُذْرِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَدَلِيلُهُ مِنَ السُّنَّةِ حَدِيثُ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ. اهـ.
قُلْتُ: أما قوله لابن أم مكتوم: «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ؟» فقال: نَعَمْ. قَالَ: «فَأَجِبْ»، أمره النَّبِيُّ ﷺ بالأخذ بالعزيمة لما رأى فيه من قوة وجلد.
٣٢ - وحرصهم على أداء الصلاة جماعة.
٣٣ - وفيه: أنَّ ربَّ المنزل، وإمام المسجد أحق بالإمامة فيه من غيره، قاله النووي.
قُلْتُ: وقد اجتمع في جابر كونه الأعلم، والأسن، والأقدم، والأقرأ فيهم.
стр. 575
٣٤ - قَوْلُهُ: (فَصَلَّى بِنَا)، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ حَجَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، لم يذكر أنهم أتوا بأذكار الصلاة، فهل كان سوق الحديث بعد الصلاة؟ أم بعد الإتيان ببعض الأذكار؟ هذا الأخير الذي كان عليه النَّبِيُّ ﷺ وتعلموه منه، الإتيان بالأذكار بعد الصلاة فيحمل هنا على ذلك.
٣٥ - قَوْلُهُ: (فَقَالَ: بِيَدِهِ فَعَقَدَ تِسْعًا)، فيه: التعليم بالوصف.
٣٦ - قَوْلُهُ: (مَكَثَ تِسْعَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ)، يعني: بالمدينة بعد الهجرة، أي: لم يحج، اتفق العلماء على أنَّه لم يحج بعد هجرته إلى المدينة سوى حجة الوداع، وكانت سنة عشر كما في «مرعاة المفاتيح».
قال شيخ الإسلام ﵀ كما في «مجموع الفتاوى» (٧/ ٣٠٣): وَقَدْ اتَّفَقَوا عَلَى أَنَّ الحَجَّ لَمْ يُفْرَضْ قَبْلَ العام السادس. اهـ.
قُلْتُ: وجمهور العلماء أنَّه فُرض في السادس، كما نقله القسطلاني في «المواهب»، والأصح أنَّه فرض في العام التاسع.
وكان قد حج من مكة قبل الهجرة، لحديث جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁، قَالَ: «أَضْلَلْتُ بَعِيرًا لِي، فَذَهَبْتُ أَطْلُبُهُ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَاقِفًا بِعَرَفَةَ» (١).
﵁ قَالَ: «حَجَّ النَّبِيُّ ﷺ ثَلَاثَ حِجَجٍ: حَجَّتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ، وَحَجَّةً بَعْدَمَا هَاجَرَ مَعَهَا عُمْرَةٌ». قَالَ الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ سفيان. قَالَ وَسَأَلْتُ مُحَمَّدًا - يَعْنِي: الْبُخَارِيَّ - عَنْ هَذَا، فَلَمْ يَعْرِفْهُ مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ، وَفِي رِوَايَةٍ لَا يُعَدُّ هَذَا الْحَدِيثُ مَحْفُوظًا. اهـ.
٣٧ - قال ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (٢/ ٩٦): وَلَمَّا نَزَلَ فَرْضُ الْحَجِّ، بَادَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْحَجِّ مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ، فَإِنَّ فَرْضَ الْحَجِّ تَأَخَّرَ إِلَى سَنَةِ تِسْعٍ أَوْ عَشْرٍ، وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فَإِنَّهَا وَإِنْ نَزَلَتْ سَنَةَ سِتٍّ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَلَيْسَ فِيهَا فَرْضِيَّةُ الْحَجِّ وَإِنَّمَا فِيهَا الْأَمْرُ بِإِتْمَامِهِ وَإِتْمَامِ الْعُمْرَةِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِمَا، وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الِابْتِدَاءِ. اهـ.
قال الدهلوي في «حجة الوداع» (٦٦): وجزم الشامي بالتسع، وقال: وليس بيد من ادعى التقدم دليل واحد. اهـ من «حاشية رد المحتار» (٢/ ٥٠٠).
٣٨ - هل الحج على الفور أم التراخي؟ وما سبب تأخير النَّبِيّ ﷺ ؟
والصحيح: أنَّ الحج على الفور لمن استطاع إليه سبيلًا، لحديث: «مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ، فَلْيَتَعَجَّلْ»، وللأمر بالمسارعة، والمبادرة بالأعمال.
٣٩ - قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَذَّنَ فِي النَّاسِ)، أي: أمر من يؤذن، فإنَّ الآمر فاعل.
٤٠ - قَوْلُهُ: (فِي النَّاسِ)، إطلاق العام ويراد به الخاص.
стр. 578
٤١ - وفيه: إعلام الناس بالأمور المهمة ليتأهبوا لها.
٤٢ - وفيه: إخبار صاحب الشأن بخروجه إذا أمن، أما إذا لم يأمن العدو فإنَّه لا يخبر بوجهته التي يخاف الخروج إليها؛ لحديث كعب بن مالك ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ غَزْوَةً وَرَّى غَيْرَهَا».
٤٣ - وفيه: أنَّه ﷺ هو الذي حج بالناس حجة الوداع، وأَمَّرَ على الحجاج قبله في العام التاسع أبا بكر ﵁، ففيه: أنَّ الحجاج لا بد لهم من أمير يحج بهم، وعلى ذلك جرى عمل المسلمين على أنَّ أمراء المسلمين هم الذين يقيمون الحج لهم.
٤٤ - وفيه: أهمية رفقة الحجاج للعلماء لتعلم أمور الدين.
٤٥ - وفيه: تبليغ الدعوة، والعلم للناس، بالقول والفعل؛ فإنَّه أراد من ذلك أن يعلموا منه مناسكهم وغيرها من أمور الدين.
٤٦ - وفيه: إشهار دعوة المسلمين، وكثرتهم على الهدى؛ ففي ذلك مزيد عظمة لهم، وهيبة في صدور أعدائهم.
٤٧ - وفيه: أنَّه كلما كثر أهل الحق كان أنفع لهم وللإسلام.
٤٨ - وفيه: التصفية، فلم يحج النَّبِيُّ ﷺ بالناس العام التاسع؛ حتى يصير الحج صافيًا من المنكرات التي يفعلها المشركون.
٤٩ - وفيه: أنَّ العاقبة للمتقين، خرج رَسُولُ اللَّهِ ﷺ من مكة فارًا، ورجع
стр. 579
فاتحًا ثم حاجًا بمن معه من المسلمين، كما قال تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾ [الفتح: ٢٧].
٥٠ - وفيه: أنَّه بعد ابتلاء الله للصالحين يُمَكِّن لهم، قال تعالى: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ [النور: ٥٥]، الآية.
٥١ - وفيه: محبة الصحابة لرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وحرصهم على رفقته وأخذ دين الله عنه، من قوله: (فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ).
٥٢ - وفيه: التماس العلم من أهله، ليس من كل أحد.
٥٣ - وفيه: أنَّ طريقة السلف الحرص على اتباع رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فكلهم يريد أن يأتمَّ به، ويقتدي به، ويتبع هديه؛ لمعرفتهم بأمر الله ورسوله بذلك، وأنَّه أحد شرطي صحة قبول العمل اتباع السنة، لحديث: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ».
٥٤ - قَوْلُهُ: (فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ)، لم نر دليلًا في تحديد عددهم.
٥٥ - قَوْلُهُ: (وَيَعْمَلَ مِثْلَ عَمَلِهِ)، فيه: أنَّ الأصل التأسي، ولا ينتقل منه إلى القول بأن هذا من خصائص النَّبِيِّ ﷺ إلا بدليل.
٥٦ - وفيه: أنَّ التاريخ المجمع عليه عند الصحابة ﵃ من هجرة النَّبِيِّ ﷺ ، فان قوله: (مَكَثَ تِسْعَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ)، هذا من بداية هجرته، وعلى ذلك جرى عمل الصحابة ﵃، ومن بعدهم في التاريخ الهجري.
стр. 580
٥٧ - قَوْلُهُ: (فَخَرَجْنَا مَعَهُ)، هذا من أدب السلف أن يضيفوا أنفسهم إلى صاحب الشأن تأدبًا، وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: «أَنَّهم صَلَّوا معه الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَالعَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، وبَاتَ بِهَا حَتَّى أَصْبَحَ»، أخرجه البخاري (١٥٤٧)، ومسلم (٦٩٠).
٥٨ - وهذا يدل أنَّ خروجه كان نهارًا بعد الظهر.
قال ابن حزم في «المحلى» (٨٧): قَدْ صَحَّ بِيَقِينٍ لَا خِلَافَ فِيهِ أَنَّهُ ﷺ ، إنَّمَا أَحْرَمَ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ إثْرَ صَلَاةِ الظُّهْرِ. اهـ.
خلاف ما قرره في كتابه «حجة الوداع» (١٤٢)، أنه أحرم قبل الظهر بيسير، ورد عليه العلماء في ذلك، منهم: ابن القيم في «زاد المعاد» (٩٧)، قال: خَرَجَ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ. اهـ. كما سبق في آداب قبل الحج، باب الخروج يوم الخميس.
٥٩ - قَوْلُهُ: (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، في «صحيح البخاري» (١٥٤٥)، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «أنَّه ﷺ خرج مِنَ المَدِينَةِ بَعْدَ مَا تَرَجَّلَ، وَادَّهَنَ وَلَبِسَ إِزَارَهُ وَرِدَاءَهُ»، ففيه شرعية تجرد الآفاقي، واستعداده للإحرام قبل الميقات، ولا يهل إلا من الميقات أو محاذاته.
٦٠ - قَوْلُهُ: (حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ):
قال النووي (١١٨١): (ذَو الْحُلَيْفَةِ): بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْفَاءِ، وَهِيَ: أَبْعَدُ
стр. 581
الْمَوَاقِيتِ مِنْ مَكَّةَ بَيْنَهُمَا نَحْوُ عَشْرِ مَرَاحِلَ أَوْ تِسْعٍ وَهِيَ قَرِيبَةٌ مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى نَحْوِ سِتَّةِ أَمْيَالٍ مِنْهَا. اهـ.
وهي: ميقات أهل المدينة كما في حديث ابن عمر ﵄، وغيره: «مُهَلُّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ»، ومن مرَّ عليها؛ لحديث ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عند البخاري (١٥٢٦)، ومسلم (١١٨١)، قَالَ: «هُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ لِمَنْ كَانَ يُرِيدُ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ، فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ، فَمُهَلُّهُ مِنْ أَهْلِهِ، وَكَذَاكَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا - من مكة -».
٦١ - قَوْلُهُ: (فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ)، فيه: حرص الصحابة ﵃ رجالًا ونساء على العلم والعبادة؛ فإنَّها حجت وهي في قرب الولادة.
٦٢ - وفيه: تيسير الولادة في الأزمنة الأولى، وكثرة العمليات القيصرية في هذه الأزمان لها أسباب منها: صرف (طبيبات تحديد النسل) للحوامل بعض الأدوية من حقن عند الولادة أو أدوية قبل ذلك تسبب تعقيد الولادة الطبيعية بعد تقدير الله .
٦٣ - فيه: حج الحامل فرضًا أو تطوعًا.
٦٤ - وفيه: نسبة الولد لأبيه، من قوله: مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وقال تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥].
٦٥ - قَوْلُهُ: (فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ : كَيْفَ أَصْنَعُ؟) فيه: أنَّهم كانوا يعتبرون العبادة توقيفية على الدليل. وهذا هو الصواب.
стр. 582
٦٦ - قَوْلُهُ: (اغْتَسِلِي)، الأمر هنا للاستحباب.
٦٧ - قال النووي ﵀: وَفِيهِ: صِحَّةُ إِحْرَامِ النُّفَسَاءِ وَالْحَائِضِ، وَاسْتِحْبَابُ اغْتِسَالِهِمَا لِلْإِحْرَامِ، وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَى الْأَمْرِ بِهِ؛ لَكِنْ مَذْهَبُ … الْجُمْهُورِ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ.
وَقَالَ الْحَسَنُ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ: هُوَ وَاجِبٌ وَالْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ يَصِحُّ مِنْهُمَا جَمِيعُ أَفْعَالِ الْحَجِّ إِلَّا الطَّوَافَ وَرَكْعَتَيْهِ لِقَوْلِهِ ﷺ : «اصْنَعِي مَا يَصْنَعُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي».
قُلْتُ: وكذا الحائض؛ لقول النَّبِيِّ ﷺ لعائشة ﵂ لما حاضت: «أَنُفِسْتِ؟» (١)، فسمى الحيض نفاسًا.
ولا خلاف من أحد في أنَّ حكم النفساء حكم الحائض في جميع ما يحرم عليها، وما يحل، وما يسقط عنها، وفي إباحة مباشرتها والاستمتاع بما دون الفرج. اهـ.
نقله صاحب «موسوعة الاجماع» رقم: (٤١٠٠)، عن عدد من الأئمة.
٦٨ - قال النووي: وَفِيهِ: أَنَّ رَكْعَتَيِ الْإِحْرَامِ سُنَّةٌ لَيْسَتَا بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الْحَجِّ لِأَنَّ أَسْمَاءَ لَمْ تُصَلِّهِمَا. اهـ. ولا أمر بها أحدًا من الصحابة المحرمين معه.
стр. 583
٦٩ - قَوْلُهُ: (وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ)، قال النووي: فِيهِ أَمَرَ الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ وَالْمُسْتَحَاضَةَ بِالِاسْتِثْفَارِ، وَهُوَ أَنْ تَشُدَّ فِي وَسَطِهَا شَيْئًا، وَتَأْخُذَ خِرْقَةً عَرِيضَةً تَجْعَلُهَا عَلَى مَحَلِّ الدَّمِ، وَتَشُدَّ طَرَفَيْهَا مِنْ قُدَّامِهَا وَمِنْ وَرَائِهَا فِي ذَلِكَ الْمَشْدُودِ فِي وَسَطِهَا. اهـ.
قُلْتُ: وهذا الأمر لا يختص بالمحرمة؛ بل كل حائض ونفساء، تتحفظ حتى يسيل الدم في تلك الحفاظة ولا ينجس ما عداها؛ لأن دم الحيض والنفساء نجس؛ لقول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
فلهذه الآية، وأمر النَّبِيِّ ﷺ : الحائض عند طهرها بالغسل، أجمعوا على وجوب غسل الحائض والنفساء عند طهرها، كما في «موسوعة الإجماع» (٧٩٧)، وأجمعوا على أنَّ دم الحيض نجس كما في «إجماعات العبادات، طبع الدرر السنية» (٤٢).
٧٠ - قَوْلُهُ: (وَأَحْرِمِي):
تقدم قول النووي: فِيهِ صِحَّةُ إِحْرَامِ النُّفَسَاءِ، وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ. اهـ.
٧١ - قُلْتُ: وفيه: أنَّ الحائض والنفساء تذكر الله فإنَّ الإهلال ذكر لله تعالى، وقد قال لعائشة ﵂: «افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي».
٧٢ - والحاج يذكر الله ويقرأ القرآن.
стр. 584
وفي «صحيح مسلم» (١٢٠٩)، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «نُفِسَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، بِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ بِالشَّجَرَةِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ يَأْمُرُهَا أَنْ تَغْتَسِلَ، وَتُهِلَّ»، وفي «صحيح مسلم» (١٢١٣) عَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى عَائِشَةَ ﵂، فَوَجَدَهَا تَبْكِي، فَقَالَ: «مَا شَأْنُكِ؟» قَالَتْ: شَأْنِي أَنِّي قَدْ حِضْتُ، وَقَدْ حَلَّ النَّاسُ وَلَمْ أَحْلِلْ وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَالنَّاسُ يَذْهَبُونَ إِلَى الْحَجِّ الْآنَ، فَقَالَ: «إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ فَاغْتَسِلِي، ثُمَّ أَهِلِّي بِالْحَجِّ».
٧٣ - وإذا أمر النَّبِيُّ ﷺ النفساء بالغسل للإحرام فلغيرها من باب أولى، وقد اختلف في الغسل قبل الإحرام: فذهب جمهور العلماء أنَّه مستحب؛ لقول ابْنِ عُمَرَ ﵁: «مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ»، أخرجه البزار كما في «كشف الأستار» (١/ ١١)، وهو حديث صحيح مخرج في «الصحيح المسند» لشيخنا ﵀ رقم: (٧١٥).
وعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵄، أَنَّهُ «رَأَى النَّبِيَّ ﷺ تَجَرَّدَ لِإِهْلَالِهِ وَاغْتَسَلَ»، أخرجه الترمذي (٨٣٠)، والدارمي رقم (١٨٣٥)، والبيهقي (٥/ ٣٢)، وابن خزيمة (٢٥٩٥)، والحاكم (١/ ٤٤٧)، من طريق ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِيهِ به، وهذا حديث صحيح بما قبله.
وله شاهد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمر النُّفَسَاءَ وَالحَائِضَ تَغْتَسِلُ، وَتُحْرِمُ، وَتَقْضِي المَنَاسِكَ كُلَّهَا، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفَ بِالبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرَ»،
стр. 585
أخرجه الترمذي (٩٤٥)، وأبو داود (١٧٤٤)، وفيه خُصَيْفُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ضعيف؛ لكنه في الشواهد فهو صحيح لغيره.
قال ابن قدامة ﵀ في «المغني» (٦/ ٨٤): وَلَيْسَ ذَلِكَ وَاجِبًا فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْإِحْرَامَ جَائِزٌ بِغَيْرِ اغْتِسَالٍ، وَأَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ. اهـ.
قُلْتُ: ذهب ابن حزم في «المحلى» مسألة (٨٢٤)، إلى وجوبه على النفساء ومثلها الحائض، للأمر لهما به في الحديثين المذكورين.
وقال الشوكاني: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ - أمر النفساء بالغسل - لِقَذَرِ النِّفَاسِ فَلَا يَصْلُحُ لِلِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ مُطْلَقِ الْغُسْلِ. اهـ.
قُلْتُ: القول: بالاستحباب هو الأصل، والصواب.
وبوب النووي في الحج من «صحيح مسلم» (١٦) على الحديثين: بَابُ إِحْرَامِ النُّفَسَاءِ، وَاسْتِحْبَابِ اغْتِسَالِهَا لِلْإِحْرَامِ، وَكَذَا الْحَائِضُ.
وقال: وَفِيهِ: صِحَّةُ إِحْرَامِ النُّفَسَاءِ وَالْحَائِضِ، وَاسْتِحْبَابُ اغْتِسَالِهِمَا لِلْإِحْرَامِ، وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَى الْأَمْرِ بِهِ؛ لَكِنْ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالْجُمْهُورِ: أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ.
стр. 586
وَقَالَ الْحَسَنُ، وَأَهْلُ الظَّاهِرِ: هُوَ وَاجِبٌ، وَالْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ يَصِحُّ مِنْهُمَا جَمِيعُ أَفْعَالِ الْحَجِّ إِلَّا الطَّوَافَ وَرَكْعَتَيْهِ، لِقَوْلِهِ ﷺ : «اصْنَعِي مَا يَصْنَعُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بالبيت». اهـ.
٧٤ - لم يذكر الطيب بعد الغسل، وقد بوب البخاري في «صحيحه» في الْحَجِّ (١٨): بَابُ الطِّيبِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، وساق (١٥٣٩) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَتْ: «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ حِينَ يُحْرِمُ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ»، واخرجه مسلم (١١٨٩/ ٣٣) وبوب عليه النووي: بَابُ الطِّيبِ لِلْمُحْرِمِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ.
وفي البخاري (١٥٣٨)، ومسلم (١١٩٠)، قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ»، والوبيص: البريق واللمعان. والمفرق: وسط الرأس حيث يفرق فيه الشعر.
قال النووي ﵀: وَفِيهِ: دَلَالَةٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ الطِّيبِ عِنْدَ إِرَادَةِ الْإِحْرَامِ وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِاسْتِدَامَتِهِ، وَهَذَا مَذْهَبُنَا، وَبِهِ قَالَ خَلَائِقُ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، وَجَمَاهِيرُ الْمُحَدِّثِينَ، وَالْفُقَهَاءِ. اهـ.
٧٥ - قَوْلُهُ: (فَصَلَّى):
قال النووي: فِيهِ اسْتِحْبَابُ رَكْعَتَيِ الْإِحْرَامِ.
الأدلة أنَّه صلى الظهر بالمدينة، وصلى العصر بذي الحليفة، وبات فيها، وصلى الصبح في الوادي المبارك، ذي الحليفة، ثم أهل منها.
قال شيخ الاسلام كما في «اختيارات البعلي» (١٧٠): وَيَحْرُمُ عَقِبَ فَرْضٍ إنْ كَانَ أَوْ نَفْلٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْإِحْرَامِ صَلَاةٌ تَخُصُّهُ. اهـ.
قُلْنَا: ولو وافق وقت ضحى أو نفلًا مطلقًا في غير وقت كراهة فصلى، أمر طيب، لحديث ابن عمر ﵄ المذكور.
стр. 589
الشَّرحُ:
٧٦ - قَوْلُهُ: (فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ):
وهذه الصلاة التي ركب بعدها هي الصبح، كما في البخاري رقم (١٧١٥)، عَنْ أَنَسٍ ﵁: «ثُمَّ بَاتَ حَتَّى أَصْبَحَ، فَصَلَّى الصُّبْحَ، ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ».
قال القاضي في «إكمال المعلم»: ليس المبيت بها من السُنن، ولا من حدود الحج، لكن من فعله تأسيًا بالنبى ﷺ فحسنٌ. اهـ.
٧٧ - وطيَّبَته عائشة ﵂ ثم طاف على نسائه، ثم اغتسل ثم طيَّبَته لإحرامه كما في البخاري (٢٧٠) ومسلم (١١٩٢).
قال ابن القيم في «الزاد» (٢/ ٢٧٨): - الطِيبُ للطُواف عَلَى نِسَائِهِ - لَيْسَ فِيهِ مَا يَمْنَعُ الطِّيبَ الثَّانِيَ عِنْدَ إِحْرَامِهِ. اهـ.
٧٨ - قَوْلُهُ: (ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ):
قال القرطبي ﵀ في «المفهم» (٣/ ٣٢٢): الْقَصْوَاءُ، والجدعاء، والعضباء. والخرماء، والمخضرمة: كلها أسماء لناقةٍ واحدةٍ.
والجدع، والخرم، والقصو: قطع طرف أذنها. اهـ.
стр. 590
٧٩ - قَوْلُهُ: (حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ):
وفي حديث ابْنِ عُمَرَ ﵄، «أنَّه أَهَلَّ مِنْ عِنْدِ الشَّجَرَةِ، حِينَ قَامَ بِهِ بَعِيرُهُ»، وبوب عليه البخاري رقم (١٥٥٢)، بَابُ مَنْ أَهَلَّ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ، وأخرجه ابن ماجه (٢٩١٦)، «كَانَ إِذَا أَدْخَلَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ، وَاسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ - قائمة -، أَهَلَّ»، وهو صحيح.
• فهذه السنة الأولى: الإهلال بعد الركوب.
ويجمع بين ما في «صحيح البخاري» (١٥٤٥) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ انْطَلَقَ مِنَ المَدِينَةِ بَعْدَ مَا تَرَجَّلَ، وَادَّهَنَ وَلَبِسَ إِزَارَهُ وَرِدَاءَهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَلَمْ يَنْهَ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الأَرْدِيَةِ وَالأُزُرِ تُلْبَسُ إِلَّا المُزَعْفَرَةَ الَّتِي تَرْدَعُ عَلَى الجِلْدِ، فَأَصْبَحَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ حَتَّى اسْتَوَى عَلَى البَيْدَاءِ، أَهَلَّ هُوَ وَأَصْحَابُهُ». اهـ المراد.
وجمع بين الحديثين لفظ حديث ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عند أبي داود رقم (١٧٧٠)، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أهل من ذي الحليفة، فنقل إهلاله من سمعه، وكرر الإهلال والتلبية من بعدها بقليل وهو ما يسمى: (بالبيداء)، فنقل كلٌّ ما سمع، وهذا جمع حسن، وكذا جمع الحافظ في «الفتح».
• السنة الثانية: بعد استقبال القبلة بالراحلة إن استطاع، وبوب عليه
стр. 591
البخاري رقم (١٥٥٣) الإِهْلَالِ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، وفيه، عن ابن عمر ﵄ «يَسْتَقْبَلُ القِبْلَةَ قَائِمًا، ثُمَّ يُلَبِّي».
• والسنة الثالثة: بعد استقبال القبلة قبل الاهلال، وبوب عليها البخاري (١٥٥١) بَابُ التَّحْمِيدِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّكْبِيرِ، قَبْلَ الإِهْلَالِ، عِنْدَ الرُّكُوبِ عَلَى الدَّابَّةِ، وساق عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ مَعَهُ بِالْمَدِينَةِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا، وَالعَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ بَاتَ بِهَا حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى البَيْدَاءِ، حَمِدَ اللَّهَ، وَسَبَّحَ، وَكَبَّرَ، ثُمَّ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهِمَا».
٨٠ - (البَيْدَاءُ): وهي كما قال الحافظ: فَوْقَ عِلْمِي ذِي الْحُلَيْفَةِ لِمَنْ صَعَدَ مِنَ الْوَادِي.
٨١ - قَوْلُهُ: (مِنْ رَاكِبٍ وَمَاشٍ):
قال النووي: فِيهِ جَوَازُ الْحَجِّ رَاكِبًا وَمَاشِيًا، وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج: ٢٧].
وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ - على أنَّ - الرُّكُوبُ أَفْضَلُ، اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ ﷺ ؛ وَلِأَنَّهُ أَعْوَنُ لَهُ عَلَى وَظَائِفِ مَنَاسِكِهِ؛ وَلِأَنَّهُ أَكْثَرُ نَفَقَةً. اهـ.
٨٢ - قَوْلُهُ: (وَرَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، وَعَلَيْهِ يَنْزِلُ الْقُرْآنُ):
فيه أنَّ القرآن منه ما نزل في السفر والحضر، وأنَّ القرآن نزل مبينًا، قال تعالى:
стр. 592
﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤].
٨٣ - قَوْلُهُ: (وَمَا عَمِلَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ عَمِلْنَا بِهِ):
هذا أصل في الاتباع إلا ما دل عليه خصوصيته ﷺ ، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧].
وقال النَّبِيُّ ﷺ : «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ»، ففيه حجية السنة، وخلاف ذلك خلاف للإجماع، ومشاقة لرسول الله ﷺ .
٨٤ - قَوْلُهُ: (فَأَهَلَّ):
أي: من ذي الحليفة من عند المسجد، وقد بوب البخاري في الحَجِّ من «صحيحه» باب (٢٠) بَابُ الإِهْلَالِ عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الحُلَيْفَةِ، وساق عَنِ ابْنَ عُمَرَ ﵄، قال: «مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَّا مِنْ عِنْدِ مَسْجِد ذِي الحُلَيْفَةِ» (١).
قال النووي عنده: وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ مِيقَاتَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ عِنْدِ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَلَا يَجُوزُ لَهُمْ تَأْخِيرُ الْإِحْرَامِ إِلَى الْبَيْدَاءِ وَبِهَذَا قَالَ جَمِيعُ الْعُلَمَاءِ. اهـ.
стр. 593
٨٥ - قَوْلُهُ: (بِالتَّوْحِيدِ): دليل على أنَّ التلبية كلها توحيد.
٨٦ - قَوْلُهُ: (لَسْنَا نَنْوِي إِلَّا الْحَجَّ، لَسْنَا نَعْرِفُ الْعُمْرَةَ):
أي: في أشهر الحج، فقد كانوا يعتبرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، كما في البخاري (١٥٦٤)، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ العُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ مِنْ أَفْجَرِ الفُجُورِ فِي الأَرْضِ، وَيَجْعَلُونَ المُحَرَّمَ صَفَرًا، وَيَقُولُونَ: إِذَا بَرَا الدَّبَرْ، وَعَفَا الأَثَرْ، وَانْسَلَخَ صَفَرْ، حَلَّتِ العُمْرَةُ لِمَنِ اعْتَمَرْ، قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ مُهِلِّينَ بِالحَجِّ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، فَتَعَاظَمَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الحِلِّ؟ قَالَ: «حِلٌّ كُلُّهُ» (١).
٨٧ - قَوْلُهُ: (حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ):
لم يصح في رفع اليدين والدعاء عند رؤية البيت حديثٌ، وصلاة تحية المسجد عند دخول المسجد الحرام محدثة، فإن النَّبِيَّ ﷺ أول ما دخله بدأ الطواف كما في سياق هذا الحديث.
قال ابن كثير ﵀ في «البداية والنهاية» (٤١٣): وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ
٨٨ - قَوْلُهُ: (اسْتَلَمَ الرُّكْنَ):
أخرجه أبو داود (١٨٧٦)، والنسائي (٢٩٥٠)، من طريق عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَدَعُ أَنْ يَسْتَلِمَ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَ، وَالْحَجَرَ فِي كُلِّ طَوْفَةٍ». قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ. وهذا سند صحيح، رجاله ثقات، وتقدم أنَّ هذا مستحب، ما لم يشق على نفسه أو يضر غيره.
قَوْلُهُ: (حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ، اسْتَلَمَ الرُّكْنَ):
٨٩ - فيه: أنَّهم استمروا على التلبية حتى بدأوا في الطواف كما قدمنا.
٩٠ - وفيه: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ جمع بين تقبيل الحجر واستلامه:
٩١ - وفيه: أنَّ الرمل في الثلاثة الأشواب سنة، والمشي في الأربعة الباقية سنة.
٩٢ - وفيه: الموالاة بين الطواف، وأداء ركعتين الطواف ثم السعي.
٩٣ - وفيه: شرعية قراءة الآية إذا صلى خلف المقام.
٩٤ - وفيه: استحباب الصلاة خلف المقام.
قَوْلُهُ: (فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا):
٩٥ - لم يذكر الذكر والدعاء حال الطواف، وقد ثبت عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَرَمْيُ الْجِمَارِ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ».
٩٦ - وجاء أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا
стр. 596
حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾ [البقرة: ٢٠١] (١)، وهو ذكر عظيم، قَالَ أَنَسٌ ﵁: كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ : «اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» (٢).
٩٧ - ورفع اليدين في الدعاء حال الطواف والسعي، محدث.
٩٨ - وليس للطواف ذكر خاص به، بل يكثر من جوامع الدعاء، وما شاء من خيري الدنيا والآخرة، وإن أذن المؤذن ردد معه، وإن كان في وقت أذكار صباح أو مساء قرأها حال طوافه، ويذكر الله بما تيسر له.
بحث قوله: (ثُمَّ نَفَذَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ) وبيان أنَّ موضع مقام إبراهيم هو في مكانه الآن من زمن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا ولم يكن ملصقًا بالكعبة
قال القاري في «مرقاة المفاتيح» (٥/ ١٧٦٦): مَحَلَّ الْمُقَامِ الْآنَ هُوَ الَّذِي كَانَ فِي عَهْدِهِ ﵊ عَلَى الصَّحِيحِ، وَأَمَّا مَا جَاءَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵃ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ أَرْبَعَةُ أَذْرُعٍ، فَلَمَّا كَثُرَ النَّاسُ وَتَضَيَّقُوا أَخَّرَهُ عُمَرُ إِلَى مَحَلِّهِ الْآنَ فَهُوَ غَرِيبٌ. اهـ.