← Фикх малики

Фикх малики · id 30135

مسالك الجلالة في اختصار المناهل الزلالة

مختار بن العربي الجزائري

Полный текст (1 525 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ شعار * قال تعالى: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾ [التوبة: ١٢٢]. * وعن معاوية ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» (١). * * * * قال العلامة محمد بن عمر النابغة الشنقيطي رحمه الله تعالى: علامة الجهل بهذا الجيل … ترك الرسالة إلى خليل وترك الأخضري إلى ابن عاشر … وترك ذين للرسالة احذر (٢) * قال القاضي عبد الوهاب رحمه الله تعالى: رسالة علم صاغها العلم النهد … قد اجتمعت فيها الفرائض والزهد أصول أضاءت بالهدى فكأنما … بدا لعيون الناظرين بها الرشد وفي صدرها علم الديانة واضح … و آداب خير الخلق ليس لها ند لقد أم بانيها السداد فذكره … بها خالد ما حج واعتمر الوفد * وقال الشاعر: الفقه في الدين بالآثار مقترن … فاشغل زمانك في فقه وفي أثر فالشغل بالفقه والآثار مرتفع … بقاصد الله فوق الشمس والقمر

стр. 2

مقدمة بين يدي الكتاب الحمد لله رب العالمين، نحمده سبحانه ونشكره، ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونصلي ونسلم على سيدنا وقدوتنا وحبيبنا محمد صلاة وسلاما دائمين متلازمين إلى يوم أن نلقاه، فنسعد بلقياه، وعلى آله الأطهار، وأزواجه أمهات المؤمنين، وصحبه البررة الأخيار، وبعد: فإن من نعم الله على العبد المسلم أن هداه الله للإسلام، وجعله متعبدا له سبحانه بما أنزله على خير الأنام عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، فقام بتبليغ رسالته على الوجه الذي رام، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا مخذول اتخذ الهوى معبودا دون الملك العلام، ورضي الله عن الصحابة الأعلام ومن تبعهم إلى يوم القيام لرب الأنام، وجزى الله عنا أئمة الهدى، وينابيع الفضل والتقى، خير جزاء فقد سهلوا الشريعة باستنباط الأحكام، وتسهيلها لعامة الأقوام، وكان منهم العالم الهمام، والمبجل الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة والقائم بأمر السنة خير قيام، وخلف تلاميذة بصروا الناس بما يحتاجونه من فقه في العبادات وغيرها من سائر الأحكام، وتبعتهم على مدى العصور والأيام، ثلة من الفقهاء الأعلام، منهم شيخ مشايخنا بالسند الثابت كالأعلام، أبي محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني رحمه ذو الرحمة والإكرام، حيث ترك لنا رسالة مشهورة في سائر الأقطار والأزمان على الدوام، ضمنها عقيدة السلف الصالح، واجتنب فيها فذلكة أهل الكلام، وثنى بالعبادات والمعاملات وأجمل الخاتمة بباب فيه جملة من الآداب والفرائض والأحكام، فختمها أحسن ختام. وقد تناولها الفقهاء بالشرح، والزيادة عليها من غير تنقيص ولا جرح،

стр. 3

فكثرت شروحها، وطابت أصولها وفروعها، وطارت بها الركبان إلى مطلع الشمس وغروبها، ومن الله علينا من فضله فوضعنا عليها شرحا مع الدليل، وكان فيه من لطف الله الجليل، الذي حبانا فيه من التيسير والتسهيل، مما لا نستطيع شكره، ولا نجحد ذكره، حيث جاء قرة عين للطلاب وكل شيخ جليل، وكنا قد سميناه ب «المناهل الزلالة في شرح وأدلة الرسالة»، فاحتوشه الطلاب، بفضل الملك الوهاب، ورغب إلينا بعض الأخيار من بلاد المغرب الأقصى وغيرها من الأقطار أن يكون له اختصار، ليكون مقررا على الطلاب في المدارس والمحاضر والكتاب، فما كان منا إلا الاستجابة لطلب من يعز علينا لا سيما كفضيلة الشيخ العالم والأديب الشاعر أبي عامر عادل بن المحجوب رفوش المراكشي المغربي (١) وغيره من خيرة الطلاب والدعاة الذين اجتمعنا بهم في جلسات علمية ملؤها الأخوة والوداد، ومدادها المحبة والتواد، فأسأل الله جل في علاه أن يجعل عملنا خالصا، لوجهه الكريم ليس قالصا، وأن ينفع به، وبأصله، وبما نكتب كما نفع برسالة الولي الصالح، والشيخ المربي الناصح ابن أبي زيد القيرواني ذي المكارم الواضح، والفيوض النوافح وسميته على بركة الله: مسالك الجلالة في شرح وأدلة الرسالة (٢) وهو مختصر من المناهل الزلالة مع تحرير بعض المسائل وزيادات فوائد وفرائد لا سيما في كتاب البيوع

стр. 4

شرح مقدمة المصنف رحمه الله تعالى (بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، قال أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني ﵁ وأرضاه): بدأ المصنف رحمه الله تعالى - وقيل البادئ بها تلامذته -، كتابه بالبسملة اقتداء بالكتاب الكريم تبركا وبعمل المصطفى، والشأن في هذا أن كل أمر ذي بال يسن فيه الابتداء ببسم الله، فما بالك إذا كان الشأن هو العلم الشرعي قال ﷺ : «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع» (١). و (الله) اسم لذات ذي الجلال، المنعوت بصفات الكمال، المنزه عن النقص والمثال؛ (الرحمن والرحيم) اسمان مشتقان من الرحمة، جاريان على صيغ المبالغة، والرحمن: رحمته ينعم بها على جميع الخلق حيث أوجدهم، ورزقهم، وأنعم عليهم بنعم لا تحصى، والرحيم: رحمته قاصرة على عباده وأوليائه المؤمنين قال تعالى: ﴿وكان بالمؤمنين رحيما﴾ [الأحزاب: ٤٣]، والله أعلم.

стр. 5

(وصلى الله على سيدنا محمد)؛ أي: وصل اللهم وسلم وهي صيغة إخبار يراد بها الطلب، وقد صلى عليه، وصلى على من يصلي عليه، ومعنى الصلاة على النبي ﷺ هو طلب الثناء عليه من الله تعالى إذا كان الطالب بشرا، أما إن كانت من العلي الأعلى ﷺ فهي ثناء الله تعالى عليه في الملأ الأعلى، وهذا القول لأبي العالية (١)، والآثار في فضل الصلاة والسلام على نبينا ﷺ كثيرة وسيأتي بعضها في آخر كتاب العقيدة. (والسيد) وهو مشتق من السؤدد، وقيل من السواد لكونه يرأس على السواد العظيم من الناس؛ أي: الأشخاص الكثيرة، وهو حقا سيد ولد آدم، قال ﵊: «أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون مم ذلك؟ يجمع الله الناس الأولين والآخرين في صعيد واحد، يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، وتدنو الشمس … » (٢). (وآله) الآل: اسم جمع لا واحد له من لفظه مشتق من آل يئول إذا رجع إليك بقرابة ونحوها، واختلف فيه فقيل: «آل» الرجل قرابته كأهله. وقيل من كان من شيعته، وإن لم يكن قريبا منه؛ قال الشاعر: فلا تبك ميتا بعد ميت أجنه … علي وعباس وآل أبي بكر ولهذا قيل: آل النبي من آمن به إلى آخر الدهر، ومن لم يؤمن به فليس بآله، وإن كان نسيبا له، كأبي لهب وأبي طالب. والآل هم أتقياء أمته ﵊ كما هو قول مالك رحمه الله تعالى لتعميم الدعاء، قاله الأزهري وجماعة ونقله النفراوي (٣)، بخلاف باب

стр. 6

الزكاة فإن المراد بهم أقاربه المؤمنين وهم آل علي بن أبي طالب، وآل صلى الله جعفر، وآل العباس، وبنو الحارث بن عبد المطلب وأزواج النبي ﷺ . (وصحبه وسلم تسليما) الصحب جمع صاحب، وهو كل من لقي النبي ﷺ مؤمنا به ومات على ذلك، وإن تخللت الردة بين لقيه ﷺ وبين موته (أي: من ارتد ثم رجع) على الأصح (١)، وسيأتي مزيد من الكلام عن الصحابة وفضلهم في الدين، وسابقتهم في الإسلام.

стр. 7

قال أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني ﵁ وأرضاه: بطاقة تعريف بالشيخ العلامة أبي محمد عبد الله بن أبي زيد عبد الرحمن (١) هو الإمام العلامة القدوة الفقيه عالم أهل المغرب (٢)، أبو محمد عبد الله بن أبي زيد عبد الرحمن النفزي - بالزاي المعجمة - وقيل النفزاوي نسبة إلى قبيلة نفزاوة من قبائل إفريقية البربرية. وقيل بل إلى نفزة من بلاد الأندلس، ورد هذه النسبة الأستاذ البحاثة الهادي إدريس أنه لو كانت نسبته إليها للقب بالأندلسي، وهذا لم يقع البتة (٣)، القيرواني: نسبة إلى مدينة القيروان بتونس، المالكي مذهبا، ولد سنة ٣١٠ هـ - ٩٢٢ م - على الأرجح (٤)، وتوفي سنة ٣٨٦ هـ - ٩٩٦ م، على الصحيح عن ستة وسبعين عاما هجريا ودفن

стр. 8

بداره (١)، كان من وجوه العلم ورفعائهم، معنيا بلزوم السنة والأثر، والرد على أهل الأهواء والبدع، وبخاصة الشيعة العبيديين، الذين كانت له معهم صولات وجولات في زمن نفوذ سلطانهم؛ وبسبب علمه، وورعه، ونبوغه في المذهب المالكي وإحاطته البالغة بالمذهب سمي بمالك الصغير، ومن اطلع على كتابه «النوادر والزيادات» (٢)، ليتعجب من نبوغ هذا العلم في المذهب، وهو وطبقته آخر المتقدمين وأول المتأخرين منهم. وكان - رحمه الله تعالى - عالما، فقيها، ورعا، كريما، ممدحا، ثريا، عالي الهمة، سريا. وقال القابسي: إمام موثوق به في درايته وروايته (٣). ذا عذوبة في الألفاظ، وملاحة إيراد، وجزالة معان، ذا بيان ومعرفة بما يقوله ضربت إليه الأكباد من سائر البلدان، وكان يقول الشعر ويجيده (٤). وحصلت له إمامة المالكية بل أهل السنة كافة في المغرب في زمانه، وكان عالي الإسناد بينه وبين سحنون واسطة، ويروي عن ابن القاسم بواسطتين وعن مالك بثلاث (٥)، معنيا بلقاء الشيوخ والأخذ عنهم واستجازتهم غربا وشرقا، لا سيما في رحلته الحجازية لأداء فريضة حج بيت الله الحرام، ولهذا احتوشه الطلاب، وكثر الآخذون عنه، وصار طلب العلم وتعليمه: صنعته، وتدريسه: حرفته، فشهد درسه الكبار، وتخرج به الأقران، وألحق الأحفاد بالأجداد، وكان له في التأليف ريادة، وفي صنعته عناية، وعلى عبارته حلاوة وطلاوة (٦). جمال ذي الأرض كانوا في الحياة وهم … بعد الممات جمال الكتب والسير * * *

стр. 9

والملخص أن الشيخ هو أحد أعمدة المذهب العلمية فقد وصفه البحاثة الهادي روجيه إدريس الذي لا يمكن أن نصف كلامه في حيز المتعصبين من أهل المذهب بل هو باحث غربي محايد يقول: كان أبو محمد عبد الله بن أبي زيد عبد الرحمن النفزي شخصية فذة، إذ قد يبدو من المؤكد أنه هو الذي ضمن الانتصار النهائي للمذهب المالكي بإفريقية، فقد جمع من جهة عناصر عمل الإمام سحنون ومدرسته، وكون منها بعد دراسة تمحيصية المبادئ العامة للمالكية القيروانية، ولخص المادة من جهة أخرى في كتاب صغير أشبه بالمختصر ليضمن لها انتشارا كبيرا في جميع الأوساط، وقد كان هو المنظر والمبشط للمذهب المالكي بعد تنظيمه وإعمال الفكر فيه، وأيضا قاضيا، مفتيا، نبيها، ومسموع الكلمة، وإن فتاويه التي لا تحصى، لتشهد على حصافة فكر قادر على النبوغ في كل الأمور المجردة، والمحسوسة؛ إن الأسباب التي تفسر شهرة ابن أبي زيد، وعمق عمله واستمراره هي أساسا ترد إلى قيمة شيوخه، وتنوعهم، وغزارة إنتاجه، ومواهبه الكبيرة في الكتابة طول المدة التي قضاها في النشاط العلمي، والتي وصلت الستين سنة خصوصية تفكيره (١)؛ له شيوخ وتلاميذ ومصنفات كثر قد ذكرتهم في أصل هذا المختصر (٢).

стр. 10

ما تمتاز به الرسالة عن غيرها تمتاز الرسالة بسلاستها وحسن عبارتها، وجودة سبكها، وترتيب أبوابها إلا ما رأى المصنف تكراره ليبني عليه (١)، أو يفسر به ما انبهم في مكان آخر، وأغلب مسائلها مشهورة في المذهب معتمدة فيه، وما لم يكن كذلك فقليل، والحقيقة أنه لو قيس ما خالف فيه من مسائل المذهب وقواعده مقارنا بما أورد فيها من مسائل بلغت أربعة آلاف مسألة (٢) لعد كالعدم، حتى قيل عندنا «من قرأ الرسالة ما فات امساله» (٣)، ومع ذلك لا يسلم أحد من ألسنة الناس، والعبرة بطلب الحق ومجافاة الباطل، وابن أبي زيد بحر لا يكدره نجل الفخار (٤)، ولا غيره من الأخيار، وإن كان مع ابن الفخار في بعضها الحق، فإن الماء إذا بلغ القلتين لا ينجسه الخبث (٥)، فكيف إذا كانت القلتان عسلا مصفى، والكمال عزيز: ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها … كفى بالمرء نبلا أن تعد معايبه

стр. 11

وقال عياض رحمه الله تعالى: عارض كثير من الناس أكثرها (أي: كتبه)، فلم يبلغوا مداه، مع فضل السبق، وصعوبة المبتدأ، وعرف قدره الأكابر (١)، فأذعنوا له. وقد نظم ابن غازي (٢) رحمه الله تعالى مشكل الرسالة وشرحه العلامة أبو عبد الله محمد الحطاب (٣) والله الهادي للمحجة والصواب.

стр. 12

• قال المصنف رحمه الله تعالى: (بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم قال أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني ﵁ وأرضاه. الحمد لله الذي ابتدأ الإنسان بنعمته، وصوره في الأرحام بحكمته؛ وأبرزه إلى رفقه، وما يسره له من رزقه، وعلمه ما لم يكن يعلم، وكان فضل الله عليه عظيما. ونبهه بآثار صنعته، وأعذر إليه على ألسنة المرسلين الخيرة من خلقه، فهدى من وفقه بفضله، وأضل من خذله بعدله، ويسر المؤمنين لليسرى وشرح صدورهم للذكرى، فآمنوا بالله بألسنتهم ناطقين، وبقلوبهم مخلصين، وبما أتتهم به رسله وكتبه عاملين، وتعلموا ما علمهم، ووقفوا عند ما حد لهم، واستغنوا بما أحل لهم، عن ما حرم عليهم. (أما بعد) أعاننا الله وإياك على رعاية ودائعه، وحفظ ما أودعنا من شرائعه فإنك سألتني أن أكتب لك جملة مختصرة من واجب أمور الديانة، مما تنطق به الألسنة، وتعتقده القلوب، وتعمله الجوارح، وما يتصل بالواجب من ذلك من السنن من مؤكدها، ونوافلها، ورغائبها، وشيء من الآداب منها، وجمل من أصول الفقه وفنونه، على مذهب (الإمام) (١) مالك بن أنس رحمه الله تعالى وطريقته، مع ما سهل سبيل ما أشكل من ذلك من تفسير الراسخين، وبيان المتفقهين، لما رغبت (فيه) (٢) من

стр. 13

تعليم ذلك للولدان، كما تعلمهم حروف القرآن، ليسبق إلى قلوبهم من فهم دين الله وشرائعه، ما ترجى لهم بركته، وتحمد لهم عاقبته، فأجبتك إلى ذلك لما رجوته (١) لنفسي ولك من ثواب من علم دين الله أو دعا إليه. واعلم أن خير القلوب أوعاها للخير، وأرجى القلوب للخير ما لم يسبق الشر إليه، وأولى ما عني به الناصحون، ورغب في أجره الراغبون، إيصال الخير إلى قلوب أولاد المؤمنين ليرسخ فيها، وتنبيههم على معالم الديانة، وحدود الشريعة، ليراضوا عليها، وما عليهم أن تعتقده من الدين قلوبهم، وتعمل به جوارحهم، فإنه روي أن تعليم الصغار لكتاب الله يطفئ غضب الله، وأن تعليم الشيء في الصغر كالنقش في الحجر، وقد مثلت لك من ذلك: ما ينتفعون إن شاء الله بحفظه، ويشرفون بعلمه، ويسعدون باعتقاده، والعمل به. وقد جاء أن يؤمروا بالصلاة: لسبع سنين، ويضربوا عليها لعشر، ويفرق بينهم في المضاجع، فكذلك ينبغي أن يعلموا ما فرض الله (٢) على العباد من قول وعمل، قبل بلوغهم، ليأتي عليهم البلوغ، وقد تمكن ذلك من قلوبهم، وسكنت إليه أنفسهم، وأنست بما يعملون به من ذلك جوارحهم. وقد فرض الله سبحانه على القلب عملا من الاعتقادات، وعلى الجوارح الظاهرة عملا من الطاعات، وسأفصل لك ما شرطت لك ذكره بابا بابا، ليقرب من فهم متعلميه إن شاء الله (تعالى) (٣)، وإياه نستخير، وبه نستعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله (العلي العظيم) (٤)، وصلى الله على سيدنا (٥) محمد نبيه وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا).

стр. 14

الشرح (الحمد لله الذي ابتدأ الإنسان بنعمته) معنى الحمد كما قال العلماء: هو الثناء بالجميل الاختياري على وجه التبجيل والتعظيم للمحمود بالكمال محبة وتعظيما، فإن وصفه بالكمال لا محبة ولا تعظيما، ولكن خوفا ورهبة ذلك مدحا لا حمدا، فله الحمد على ما أنعم به علينا من نعمه الظاهرة سمي والباطنة، ومنها إيجادنا وإمدادنا (١)، حيث أوجدنا من عدم، وأمدنا بسائر النعم، ولولا إنعام الله علينا بالإيجاد لما وجدنا، ولولا نعمته علينا بإمداد النعم لما بقينا فهو أهل الفضل والكرم قال تعالى: ﴿ما لكم لا ترجون لله وقارا﴾ ﴿وقد خلقكم أطوارا﴾ ﴿ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقا﴾ ﴿وجعل القمر فيهن﴾ ﴿نورا وجعل الشمس سراجا﴾ ﴿والله أنبتكم من الأرض نباتا﴾ ﴿ثم يعيدكم فيها ويخرجكم﴾ ﴿إخراجا﴾ ﴿والله جعل لكم الأرض بساطا﴾ ﴿لتسلكوا منها سبلا فجاجا﴾ [نوح: - ١٣ ٢٠]، وقال سبحانه: ﴿ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم﴾ ﴿من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا﴾ [الإسراء: ٧٠]. (وصوره في الأرحام بحكمته) قال تعالى: ﴿هو الذي يصوركم في الأرحام﴾ ﴿كيف يشاء﴾ [آل عمران: ٦]، التصوير التخطيط والتشكيل حيث صور الله ﵎ الإنسان في أحسن صورة وأتم خلق عبر مراحل خلقية متدرجة في رحم أمه، أدهشت العقول، وحيرت الألباب تفكرا في جميل الصنعة، ولطيف الحكمة، حيث يمر بها الجنين من النطفة، إلى النطفة الأمشاج (٢)، إلى العلقة

стр. 15

إلى المضغة إلى خلق العظام ثم كسوتها لحما، حتى إنشائه خلقا آخر قال جلت قدرته: ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأنه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٤]. (وأبرزه إلى رفقه، وما يسره له من رزقه)، أبرزه أخرجه وأظهره من العدم إلى الوجود الغيبي، ثم إلى الوجود الظاهر المشاهد، فالله سبحانه خلق الإنسان من طين ثم خلق ذريته من ماء مهين، وفي كل مراحله رفق به سبحانه فصوره في أحسن صورة، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، ويسر له الرزق في جميع أطوار حياته الجنينية والخارجية، فعندما كان في بطن أمه جعل دم حيضها له غذاء، ولما أخرجه حوله بجميل صنعته له سقاء، عذبا باردا في الحر، ودافئا سائغا شتاء (وما يسره له من رزقه) و (ما) بمعنى الذي أي: والذي أعد له رزقه قبل خروجه إلى هذه الحياة، وقد جاء الدليل عليه من قوله تعالى: ﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها﴾ [هود: ٦]، وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق قال: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكا فيؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله، ورزقه، وأجله، وشقي أو سعيد» رواه الشيخان (١).

стр. 16

والرزق شأنه عجيب تهرب منه ويتبعك، قال محمد بن إدريس البلنسي (ت ٦٤٣ هـ): مثل الرزق الذي تطلبه … مثل الظل الذي يمشي معك أنت لا تدركه متبعا … وإذا وليت عنه تبعك واختلف أهل العلم هل الرزق ما تملكه أم هو ما تنتفع به؟ قال صاحب الجوهرة: والرزق عند القوم ما به انتفع … وقيل لا بل ما ملك وما اتبع فيرزق الله الحلال فاعلما … ويرزق المكروه والمحرما والأرزاق مقسومة معلومة عند أهل السنة لا تزيد بتقوى، ولا تنقص بفجور، فالمال، رزق والعلم رزق، والأخلاق رزق، وهكذا كل ما يأتي من الكريم سبحانه، قال إبراهيم الخليل كما جاء على لسانه في الذكر: ﴿وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير﴾ [البقرة: ١٢٦]. (وعلمه ما لم يكن يعلم وكان فضل الله عليه عظيما) تلميح إلى قوله تعالى: ﴿وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما﴾ [النساء: ١١٣]، نعم لقد خرج الإنسان من بطن أمه إلى هذا العالم المترامي جاهلا لا يعرف شيئا، إلا أنه خرج مزودا بآلات الاكتساب والتعلم مما حوله قال تعالى: ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصر والأفئدة لعلكم تشكرون﴾ [النحل: ٧٨]، فعلمه الله تعالى، وفتح له بصيرته، كما علم أباه من قبل. إن هذا من فضل الله علينا ونعمه العظيمة التي توصل العبد إلى الفوز العظيم في جنات النعيم، إذ لا فضل أعظم من هذا، والفضل إعطاء الشيء من غير عوض لا في الحال ولا في المال، وهذا لا يكون من غيره تعالى، وإنما قال «عظيما» دون غيره من الأوصاف لاندراج كل صفة حسنة تحت

стр. 17

«العظمة» (١)، فله الحمد والشكر. (ونبهه بآثار صنعته) ومن فضله تعالى على الإنسان أن جعل له عقلا يهتدي به من غفلته، ويهتدي إليه بآثار صنعته في نفسه وفي مخلوقاته فذلك منه تنبيه لعبده ليزداد معرفة به، قال تعالى: ﴿وفي الأرض آيات للموقنين (٢٠) وفي أنفسكم أفلا تبصرون (٢١)﴾ [الذاريات: ٢٠/ ٢١]، وقال سبحانه: ﴿إن في خلق السموات والأرض واختلاف اليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون (١٦٤)﴾ [البقرة: ١٦٤]، وقال: ﴿إن في خلق السموات والأرض واختلاف اليل والنهار لآيات لأولي الألباب (١٩٠) الذين يذكرون الله قيما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار (١٩١)﴾ [آل عمران: ١٩٠/ ١٩١]، والكون كتاب منشور يتفكر المتفكرون بالنظر فيه، والتأمل في جميل صنعة الخالق، وبديع حكمته، فيستدلون عليه بخلقه، ويهتدون إليه بإتقان صنعته. سئل أبو نواس عن ذلك فأنشد: تأمل في نبات الأرض وانظر … إلى آثار ما صنع المليك عيون من لجين شاخصات … بأحداق هي الذهب السبيك على قضب الزبرجد شاهدات … بأن الله ليس له شريك وقال آخرون: من تأمل هذه السماوات في ارتفاعها واتساعها وما فيها من الكواكب الكبار والصغار المنيرة من السيارة ومن الثوابت، وشاهدها كيف تدور مع الفلك العظيم في كل يوم وليلة دويرة ولها في أنفسها سير يخصها، ونظر إلى البحار الملتفة للأرض من كل جانب، والجبال الموضوعة في الأرض لتقر ويسكن ساكنوها مع اختلاف أشكالها وألوانها كما قال: ﴿ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلمؤا﴾ [فاطر:

стр. 18

٢٧ - ٢٨] وكذلك هذه الأنهار السارحة من قطر إلى قطر لمنافع العباد، وما ذرأ في الأرض من الحيوانات المتنوعة، والنبات المختلف الطعوم والأرابيح والأشكال والألوان مع اتحاد طبيعة التربة والماء، علم وجود الصانع وقدرته العظيمة وحكمته ورحمته بخلقه، ولطفه بهم وإحسانه إليهم وبره بهم، لا إله غيره ولا رب سواه، عليه توكلت وإليه أنيب، والآيات في القرآن الدالة على هذا المقام كثيرة جدا. اهـ. وقد أحسن الإمام الشافعي وأجاد حينما قال (١): أيا عجبا كيف يعصى الإله … أم كيف يجحده الجاحد وله في كل شيء تسكينة … عليك وتحريكة شاهد وفي كل شيء له آية … تدل على أنه الواحد (وأعذر إليه على ألسنة المرسلين الخيرة من خلقه) أعذر؛ أي: بالغ في الإعذار لجنس الإنسان والجان بإرسال الرسل الكرام، ليقيم عليهم الحجة، وتتضح لهم المحجة، جاءو عليهم الصلاة والسلام يحملون البشرى للمؤمنين والنذارة للكافرين، واصطفاهم من خير الخلق، قال سبحانه: ﴿الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير﴾ [الحج: ٧٥] ﴿رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما﴾ [النساء: ١٦٥]، وقال سبحانه: ﴿وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كذبوا بنايتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون﴾ [الأنعام: ٤٨، ٤٩]. (فهدى من وفقه بفضله، وأضل من خذله بعدله)، لما ذكر المصنف منة الله تعالى على عبده بوجوده وموجوده، وقيام حجته عليه في أوامره ونواهيه ذكر أن التوفيق إليها، والهداية لها من فضل الله ورحمته، وأن الإضلال عنها والخذلان فيها من قضائه وعدله، فعاد الأمر إليه كما بدأ منه (٢)، ﴿لا يسئل عما

стр. 19

﴿يفعل وهم يسألون﴾ [الأنبياء: ٢٣]، ﴿فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة﴾ [الأعراف: ٣٠]، ﴿من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم﴾ [الأنعام: ٣٩] يقول الإمام الشافعي عليه رحمة الله (١): ما شئت كان وإن لم أشأ … وما شئت إن لم تشأ لم يكن خلقت العباد على ما علمت … ففي العلم يجري الفتى والمسن على ذا مننت وهذا خذلت … وهذا أعنت وذا لم تعن فمنهم غني ومنهم فقير … ومنهم قبيح ومنهم حسن ومنهم شقي ومنهم سعيد … وكل بأعمالهم مرتهن (ويسر المؤمنين)؛ أي: هيأهم (لليسرى) ضد العسرى، وهو ما لا مشقة فيه من عمل صالح تحفه السعادة الأبدية، وفسرت اليسرى بالجنة أو الخير أو طريقهما إذ طريق الخير عاقبته (٢)، وعن علي ﵁ قال: كان النبي ﷺ في جنازة فأخذ شيئا فجعل ينكت به الأرض، فقال: «ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة، قالوا يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاء، فييسر لعمل أهل الشقاوة» ثم قرأ: ﴿فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى﴾ [الليل: ٥ - ٧] (٣). (وشرح صدورهم للذكرى) وشرح أي وسع قلوبهم وأفسح فيها فقبلت لتنورها بنوره نوره، وذلك من نبع هدايته ﴿أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه﴾ [الزمر: ٢٢]، والتعبير بالصدور عن القلوب من التعبير عن الشيء بمحله فأطلق المحل وأراد الحال، والتعبير بالشرح وهو من خصائص

стр. 20

الأجسام فيه مجاز، وقد فسر النبي ﷺ علامة الانشراح عندما سئل عن هذه الآية: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام﴾ [الأنعام: ١٢٥] وقالوا: كيف يشرح صدره يا رسول الله؟ قال: «نور يقذف فيه، فينشرح له وينفسح». قالوا: فهل لذلك من أمارة يعرف بها؟ قال: «الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل لقاء الموت» (١). والذكرى: الموعظة يتقبلها الأتقياء ويحرم منها الأشقياء ﴿فذكر إن نفعت الذكرى سيذكر من يخشى ويتجنبها الأشقى﴾ [الأعلى: ٩ - ١١] (ف) لما قبلوا الذكرى (آمنوا بالله) حيث قالوا (بألسنتهم ناطقين) أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله ﷺ (وبقلوبهم مخلصين)؛ أي: معتقدين اعتقادا خالصا بتلك الشهادة، إذ الإخلاص هو تمحض وجهة العمل لوجه الله تعالى، ومحله القلب، (وبما أتتهم به رسله وكتبه عاملين) بمقتضى شهادة التوحيد، وقد جمع بين القول والاعتقاد والعمل، وهو ما عليه أهل السنة والجماعة، وقد أشار إلى ذلك في ثنايا مقدمته كما سيأتي الكلام عليه بحول الله مستوفى، وجمعه للرسل والكتب لا إشكال فيه فمن آمن بمحمد ﷺ وتبعه، وعمل بالكتاب كان مؤمنا بجميع الرسل وعاملا بما في الكتب لأن الله تعالى أخذ ميثاق الأنبياء لئن بعث إليهم رسولا ليتبعونه ويصدقونه ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصرى قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون﴾ [آل عمران: ٨١، ٨٢] (٢).

стр. 21

(وتعلموا ما علمهم، ووقفوا عند ما حد لهم، واستغنوا بما أحل لهم عما حرم عليهم)؛ أي: وتعلموا من الإيمان والطاعات، مما جاءهم على لسان رسولهم، وما اعتقدوه من خالص الإيمان في قلوبهم، فكانت نتيجة ذلك أن وقفوا عند حدود الله التي حدت لهم فلم يتعدوها، فأحلوا ما أحل الله وكانوا على يقين من حله، واطمأنت قلوبهم لعلمهم به، وحرموا ما حرم الله، وتركوا ما شبه عليهم ابتغاء رضوان الله، واعلم أن أكل العبد الحلال، وتجنبه الحرام، من أعظم التوفيق للوقوف عند حدود الله التي حدها ﴿تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون﴾ [البقرة: ٢٢٩]. (أما بعد) كلمة فصل وافتتاح يؤتى بها لغرض الانتقال من كلام لآخر، وأصل أما: مهما يكن من شيء، بعد الحمد والصلاة والسلام، قال بعض المحققين ولتضمنها معنى الشرط لزمتها الفاء اللازمة للشرط غالبا (١)، وجاء عدم الورود في قول أفصح الخلق ﷺ : «أما بعد ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله» هكذا وقع في «صحيح البخاري» (٢): «ما بال» بحذف الفاء، والأصل: أما بعد فما بال رجال، فحذفت الفاء. و (بعد): تضم داله وأجاز الفراء فتحه منونا، وهشام فتحه بدون تنوين وأنكره النحاس. وقال جماعة أما بعد: هي فصل الخطاب، واختلف في أول من قالها

стр. 22

قال الحافظ: فقيل داود ﵇ رواه الطبراني مرفوعا من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ وفي إسناده ضعف، وقيل غيره (١)، وبوب البخاري بابا فقال: باب من قال في الخطبة بعد الثناء: أما بعد (٢). وقد قيل: جرى الخلف «أما بعد» من كان باديا … بها سبعة أقوال: وداود أقرب لفصل خطاب ثم يعقوب قسهم … فسحبان أيوب فكعب فيعرب (٣) (أعاننا الله وإياك على رعاية ودائعه) لما وعد المصنف من طلب منه كتب رسالة في أحكام الدين لم يجد بدا من أن يجأر إلى الله واهب المنن، ومعين العباد على قضاء الوعود أن يعينه؛ أي: يقدره ومن تصله رسالته على حفظ ما استودعه الله من ودائع قيل هي: جوارح الإنسان، وأضيفت له تعالى لأنه الخالق لها، وحفظها أن لا يرتكب بها منهيا عنه، وأن لا يتخلف عن مأمور باستطاعة، وقيل هي الشرائع من الصلاة والزكاة وغيرهما من المأمورات ورعايتها علما وعملا وتبليغا، قال النفراوي: والأول أولى لعدم التكرار (٤). وقد بدأ في الدعاء بنفسه اقتداء بالكتاب العزيز كقوله تعالى: ﴿ربنا

стр. 23

اغفر لنا ولإخواننا﴾ [الحشر: ١٠] وغيرها من الآيات، وثبت عن أبي بن كعب، قال: «كان رسول الله ﷺ إذا دعا بدأ بنفسه» رواه أبو داود (١)، ثم ثنى للمسلمين أو للمؤدب الذي سأله الكتاب، وهكذا دأب الأنبياء والصالحين وأدبهم مع الله في الدعاء. والودائع: جمع وديعة، وهي ما وضع عند الشخص ليحفظه ويرعاه فإذا طلبه صاحبه وفاه إياه. (و) أعاننا الله وإياك على (حفظ ما أودعنا) وائتمننا عليه (من شرائعه) وهي أحكامه تعالى، ولعل هذا مقتبس من قول سيد الناس ﷺ لابن عباس ﵁ احفظ الله يحفظك (٢)، أي: احفظ أوامر الله بامتثالها، ونواهيه باجتنابها يحفظك الله تعالى في بدنك ومالك وأهلك في الدنيا من الآفات والمكروهات، وفي العقبى من أنواع العقاب والدركات، وقوله ﷺ : « … من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، … » (٣)، والشريعة هي العقيدة والأحكام العلمية والعملية ﴿ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها﴾ [الجاثية: ١٨]، ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا﴾ [المائدة: ٤٨]. (فإنك سألتني أن أكتب لك جملة مختصرة) سؤال القرين لقرينه التماس، ومن العالي أمر، ومن الأدنى للأعلى ﷻ دعاء، والكتابة معناها: الضم والجمع، وذلك أن يضم المسائل بعضها لبعض مجملة تحت أبواب وفصول، والجملة مأخوذة من جملت الشيء إذا لم أفصله، والاختصار: الإيجاز البليغ من القادر عليه المستوعب لأطراف الكلام في الموضوع، والمختصرات أسهل في الضبط والحفظ، والذي سأكتبه لك ستكون أبوابه

стр. 24

قطوفا (من واجب أمور الديانة)؛ مما تنطق به الألسنة كالشهادتين للقادر على النطق بهما، وكقراءة أم القرآن، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسائر الواجبات القولية، والألسنة: جمع لسان آلة النطق المعروفة. (وتعتقده القلوب)؛ أي: تجزم به وتصمم عليه القلوب، كالإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر (وتعمله الجوارح) من أعمال مفروضة ومسنونة وغيرها، والواجب هو ما ألزمنا الشارع بفعله من أمور الديانة؛ ولم يقتصر في رسالته على الواجبات بل (وما يتصل بالواجب من ذلك من السنن من مؤكدها، ونوافلها، ورغائبها)؛ إذ لا تخلو فريضة من فرائض الشرع المطهر إلا ولها شروط، وأركان، وسنن، ومستحبات، ومكروهات، ومبطلات، فأشار إلى ما يتصل بذلك من السنن المؤكدة، والنوافل المطلقة والمقيدة، والرغائب التي رغب فيها الشارع، والرواتب القبلية والبعدية، وقد شرحنا كل حكم من الأحكام الخمسة في موضعه، وبالله التوفيق، كما شرحنا ذلك مستوفى بحمد الله في كتابنا العرف الناشر في شرح وأدلة فقه متن ابن عاشر. ولما كانت عادة المتقدمين في عدم إغفالهم أمور الأدب والتربية من أجل تزكية النفوس وترويضها على العمل بالعلم، فقد كتبوا في ذلك كتبا، أو عقدوا لها في الكتب أبوابا (١)، قال: (وشيء من الآداب منها)، والآداب جمع أدب، وأصله الدعوة إلى الشيء ومنه سميت المأدبة لأنها يدعى لها الناس، «والأدب ما يحسن حالة الإنسان فيما بينه وبين ربه، وملائكته،

стр. 25

ورسله، وكتبه، وبينه وبين الناس» (١)، والشرع يدعو الناس إلى مكارم الأخلاق وأعاليها، وينهاهم عن قبيحها وسفسافها (٢)، وقد عقد المصنف ﵀ لهذه الجملة من الآداب بابا في آخر الكتاب كنت أتمنى أن يكون في الترتيب بعد مقدمة العقيدة أو قبلها ليجمل بنا أن ندخل باب الطلب للعلم مزودين بالآداب الحسنة، لا بالغرور والتعالي، وقد كان السلف ﵏ لا يغدو طالبهم لطلب العلم إلا بعد أن يتنسك، قال الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله تعالى: لقد تواردت موجبات الشرع على أن التحلي بمحاسن الأدب، ومكارم الأخلاق، والهدي الحسن والسمت الصالح: سمة أهل الإسلام، وأن العلم - وهو أثمن درة في تاج الشرع المطهر - لا يصل إليه إلا المتحلي بآدابه، المتخلي عن آفاته، ولهذا عناها العلماء بالبحث والتنبيه، وأفردوها بالتأليف، إما على وجه العموم لكافة العلوم، أو على وجه الخصوص، كآداب حملة القرآن الكريم (٣)، وآداب المحدث (٤)، وآداب المفتي، وآداب القاضي، وآداب المحتسب، وهكذا … والشأن هنا في الآداب العامة لمن يسلك طريق التعلم الشرعي. وقد كان العلماء السابقون يلقنون الطلاب في حلق العلم آداب الطلب (٥)، قال ابن سرن رحمه الله تعالى: «كانوا يتعلمون الهدي كما يتعلمون العلم» (٦)، بل كانوا صورا طبق الأصل لشيوخهم في السمت الصالح

стр. 26

والأدب الراقي، قال ابن داسة رحمه الله تعالى: وبلغنا أن أبا داود سليمان بن الأشعت السجستاني (ت ٢٧٥ هـ) (١) كان من العلماء العاملين حتى أن بعض الأئمة قال: كان أبو داود يشبه بأحمد بن حنبل في هديه، ودله، وسمته (٢)، وكان أحمد يشبه في ذلك بوكيع (٣)، وكان وكيع يشبه في ذلك بسفيان (٤)، وسفيان بمنصور (٥)، ومنصور بإبراهيم (٦)، وإبراهيم بعلقمة (٧)، وعلقمة بابن مسعود (٨)، وقال علقمة: كان ابن مسعود ﵁ يشبه بالنبي ﷺ في هديه ودله (٩). (وجمل من أصول الفقه) التي هي قواعد للمسائل الفرعية، والأصل في اللغة: ما يبنى عليه غيره كالأساس للجدار، وأصل الشجرة لفرعها، والفقه الفهم، وفي الاصطلاح هو: العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية (١٠)، وأصول الفقه هو: إدراك القواعد التي يتوصل بها إلى

стр. 27

استنباط الأحكام الشرعية عن أدلتها التفصيلية (١)، وهذا لا يريده هنا لأنه لعدم تعرضه له، وإنما يريد أصول الفقه التي استنبط منها من قرءان وسنة أو ما وقع عليه الإجماع، وفهمه أهل القياس في إلحاقهم الفروع بأصولها وهلم جرا، والله أعلم. (وفنونه) جمع فن وهي الفروع المأخوذة من تلك الأصول هكذا قال زروق، وفي اللغة: الفن واحد الفنون وهي الأنواع، والأفانين الأساليب وهي أجناس الكلام وطرقه (٢). (على مذهب الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى وطريقته) المذهب: مفعل من الذهاب، وهو لغة: الطريق ومكان الذهاب، ثم صار عند الفقهاء حقيقة عرفية فيما ذهب إليه إمام من الأئمة في الأحكام الاجتهادية استنتاجا واستنباطا؛ وعند المتأخرين يطلق على ما به الفتوى في المسائل الفقهية فيقولون مذهب مالك في المسألة كذا وكذا من إطلاق الشيء على جزئه الأهم (٣) فهو طريقة الإمام في بيان الأحكام الشرعية وما استنبط منها من مسائل فقهية، من قبل أتباعه من أئمة الفقه لوجود التشابه بين المنقول عنه والمنقول إليه، ولم تكن المذاهب معروفة في الزمن الأول، بل كان الناس ينشرون علم السنة وفقه الصحابة، ولذا لم يكن مالك يسمي طريقته في نشر العلم مذهبا، ولا ادعى ذلك، بل كان يوصي أتباعه أن يعرضوا كلامه على هدي الكتاب والسنة فما وافق أخذوا به وما عارض تركوه، «ما من أحد إلا وهو مأخوذ من كلامه ومردود عليه، إلا رسول الله ﷺ ، وإنما حدد مصطلح المذهب في القرن الرابع الهجري عندما دعت الظروف إلى هذا النوع من الالتزام بمنهاج معين في الفقه والتشريع» (٤)، وهو الذي ننصح به طالب العلم

стр. 28

أن يتفقه على مذهب أهل بلده لوجود من هو أبصر منه فيه، ووفرة الكتب في مذهبه، وليحفظ من ذلك ما استطاع في صغره. o ثناء العلماء على مذهب مالك: يقول الإمام الذهبي رحمه الله تعالى: «شأن الطالب أن يدرس أولا مصنفا في الفقه، فإذا حفظه، بحثه، وطالع الشروح، فإن كان ذكيا،، فقيه النفس، ورأى حجج الأئمة، فليراقب الله وليحتط لدينه، فإن خير الدين الورع، ومن ترك الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، والمعصوم من عصمه الله .. إلى أن قال: وبكل حال فإلى فقه مالك المنتهى، فعامة آرائه مسددة، ولو لم يكن له إلا حسم مادة الحيل، ومراعاة المقاصد لكفاه .. » (١). ومعنى ذلك إن صرت أهلا للاجتهاد وتوفرت فيك آلته فلك أن تأخذ بالدليل الأقوى، فمالك رحمه الله تعالى أو غيره من الأئمة لم يلزموا أحدا باتباعهم فيما لم يخالفهم فيه الصواب، ولا ادعو لأنفسهم العصمة رحمهم الله تعالى، ولكن إن كنت مبتدئا فاحذر التطاول كقول بعض المستسمنين ورما «هم رجال ونحن رجال» فنقول لك نعم: خلق الله للحروب رجالا … ورجالا لقصعة وثريد o العلماء الراسخون هم الذين يقدرون اختلاف العلماء: لا خير أيها الإخوة والأخوات فيمن أتى لقوم على مذهب من هذه المذاهب السنية السديدة فشق عصاهم، وفرق جماعتهم، وسفه فقه أئمتهم فهو أحق بما رماهم به، ولو قرأ تراجمهم لاستحيا أن يفكر في تنقيصهم. قال الإمام الحافظ الحجة أبو عمر يوسف بن عبد البر رحمه الله تعالى: «فكل قوم ينبغي لهم امتثال طريق سلفهم فيما سبق إليهم من الخير، وسلوك مناهجهم فيما احتملوا عليه من البر، وإن كان غيره مباحا مرغوبا فيه» (٢).

стр. 29

قال سفيان رحمه الله تعالى: «إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي قد اختلف فيه وأنت ترى غيره فلا تنهه» (١)، وقال أحمد رحمه الله تعالى: «لا ينبغي للفقيه أن يحمل الناس على مذهب، ولا يشدد عليهم» (٢). وكذلك لا خير فيمن ترك الدليل الصحيح - إن كان أهلا لمعرفته، وشرط صحته واستنباط أحكامه، ومعرفة ناسخه ومنسوخه، وما يتعلق بلفظه - لرأي إمام من الأئمة رحمهم الله تعالى. قال الإمام الأصولي الفقيه المعروف بالقرافي المالكي صاحب الكتب الماتعة رحمه الله تعالى: «وقد آثرت التنبيه على مذهب المخالفين لنا من الأئمة الثلاثة ومآخذهم في كثير من المسائل تكميلا للفائدة ومزيدا من الاطلاع، فإن الحق ليس محصورا في جهة فيعلم الفقيه أي المذهبين أقرب للتقوى وأعلق بالسبب الأقوى» (٣). ونقل الإمام الزاهد والمحدث الصادق الإمام النووي عن شيخ الإسلام أبي عمرو بن الصلاح رحمهما الله تعالى قال: «فمن وجد من الشافعية حديثا يخالف مذهبه، نظر إن كملت آلات الاجتهاد فيه مطلقا، أو في ذلك الباب أو في المسألة، كان له الاستقلال بالعمل به، وإن لم تكمل وشق عليه مخالفة الحديث بعد أن بحث فلم يجد لمخالفه عنه جوابا شافيا، فله العمل به إن كان عمل به إمام مستقل غير الشافعي ويكون هذا عذرا له في ترك مذهب إمامه هنا، وهذا الذي قاله حسن متعين، والله أعلم» (٤). وترجمة الإمام مالك رحمه الله تعالى مبسوطة في كتب التراجم (٥) ومثله لا يحتاج إلى تعريف:

стр. 30

وكيف يصح في الأذهان شيء … إذا احتاج النهار إلى دليل (وطريقته) وهي أقوال أصحابه إذ طريق أصحابه طريقه، وقيل المذهب، والطريقة بمعنى واحد، وقيل مذهبه ما يفتي به، وطريقته ما يأخذ به في خاصة نفسه، فقد يحمل نفسه على أشياء لا يفتي بها غيره (١). قال الشيخ أبو الحسن شارح المدونة نقلا عن أبي محمد صالح: الأدلة التي بني عليها مالك مذهبه ستة عشر: نص الكتاب، وظاهر الكتاب وهو العموم، ودليل الكتاب وهو مفهوم المخالفة، ومفهوم الكتاب وهو المفهوم بالأولى، وتنبيه الكتاب وهو التنبيه على العلة مثل قوله تعالى: ﴿فإنه رجس أو فسقا﴾، ومن السنة أيضا مثل هذه الخمسة. والحادي عشر: الإجماع. والثاني عشر: القياس. والثالث عشر: عمل أهل المدينة. والرابع عشر: قول الصحابي. والخامس عشر: الاستحسان. والسادس عشر: الحكم بالذرائع؛ أي: بسد الذرائع، واختلف قوله في السابع عشر وهو مراعاة الخلاف فمرة راعاه ومرة لم يراعه. قال الشيخ أبو الحسن: ومما بنى عليه مذهبه الاستصحاب اهـ (٢). و (مع) الجملة المختصرة والطريقة الميسرة أبين (ما)؛ أي: الذي (سهل)؛ أي: يسر (سبيل ما أشكل) بأن التبس واشتبه (من ذلك)؛ أي: من واجب أمور الديانة وأشار لبيان ذلك بقوله: (من تفسير الراسخين)؛ أي:

стр. 31

من بيان الثابتة أقدامهم وعلا كعبهم في العلم قرءانا وسنة، تفسيرا وشرحا، فهما وتأصيلا، والراسخون من الصحابة كأصحاب العلم والفتيا الذين شهد لهم النبي ﷺ في حياته، أو اتفقت الصحابة من بعده على رسوخهم كالعبادلة (١)، (وبيان المتفقهين)، وتوضيح ما أشكل أيضا من أمور الديانة مما بينه الفقهاء المشهود لهم في المذهب من أصحاب مالك، قال الشراح (٢): كابن القاسم وأشهب وغيرهما فإنهم قيدوا ما أطلق وخصصوا ما عمم من الآثار. وقدم تفسير الراسخين على بيان المتفقهين لفضل المفسر على الناقل المبين. o حرص السلف على تعليم الصغار وتهذيبهم: (لما رغبت فيه من تعليم ذلك للولدان، كما تعلمهم حروف القرآن) لما ذكر مقاصد المطلب وهي خمسة: بيان الواجب نطقا وعقدا وعملا، وبيان المندوب كذلك على حسب متعلقه من الجوارح وتعقله، وذكر جمل من أصول الفقه وكون ذلك مقيدا بمذهب مالك مع ما يحل مشكله ويفتح مقفله من كلام عالم راسخ أو متفقه ناصح ذكر السبب الموجب لذلك، والباعث عليه هو رغبته في تعليم ذلك للصبيان كما يعلمهم القرآن (٣)، وقد كان ذلك دأب السلف في تعليمهم أبناءهم فطفحت كتب الحديث والسير تروي لنا قصصهم ومآثرهم في حفظ القرآن والسنة وهم صغار كابن عباس وابن عمر وجابر وغيرهم من الصحابة وأبنائهم، والتابعين ومن جاء بعدهم، (ل) يكون أول شيء يسبق إلى قلوبهم من فهم دين الله وشرائعه لقول النبي ﷺ : «أدبوا أولادكم على ثلاث خصال: حب نبيكم، وحب أهل بيته، وقراءة القرآن، فإن حملة القرآن في ظل الله يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظله مع أنبيائه وأصفيائه»

стр. 32

رواه الطبراني وابن النجار (١)، لأن قلوب الصبيان صفحات بيضاء ناصعة، فطرتها نقية، وأرضها خصبة طيبة ندية، ما غرس فيها بسق، وما علق بها اتسق، ولذلك رجى المصنف رحمه الله تعالى أن يكون أول شيء يراضون عليه هو حفظ كتاب الله تعالى مع مبادئ الشرع المطهر الذي ارتضاه الله لنا شرعة ومنهاجا، فيشب الولدان على إدراك أصول الدين ومقاصده، عقيدة سليمة على مذهب السلف الصالح، وفقها صحيحا مستنبطا من شريعة الله الطاهرة، لا يفرقون بين ما ذهب إليه مالك وغيره من الأئمة في العقيدة والفقه والآداب كالمتأخرين الذين جعلوا مذهب مالك عضين. o اختلاف العلماء في أي العلوم يعلم الصغار أولا؟: وقد اختلف العلماء في أيهما يسبق إلى قلوبهم هل حفظ القرآن، أم تعلم العقيدة والأحكام فكان من رأي ابن العربي المالكي (٢) أن لا يخلط الطالب في التعليم بين علمين، وأن يقدم تعليم العربية والشعر والحساب، ثم ينتقل منه إلى القرآن. لكن تعقبه ابن خلدون بأن العوائد لا تساعد على هذا، وأن المقدم هو دراسة القرآن الكريم وحفظه، لأن الولد ما دام في الحجر؛ ينقاد للحكم، فإذا تجاوز البلوغ؛ صعب جبره (٣). قلت: وهو المجرب والصواب، والله الموفق. وقال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: «تعليم الصبيان القرآن أصل من أصول الإسلام، فينشئون على الفطرة، ويسبق إلى قلوبهم أنوار الحكمة قبل تمكن الأهواء منها؛ وسوادها بأكدار المعصية والضلال» (٤). وقال التتائي

стр. 33

رحمه الله تعالى: «والإجماع على أن تعليم العقائد ومعرفة الشرائع آكد من تعليم القرآن، لأن القرآن إنما يتعلم حروفه دون معناه، ولا يتأكد عليه من القرآن إلا أم القرآن التي هي فرض في الصلاة، وقراءة السورة التي هي سنة وما زاد على ذلك فمستحب» (١). قلت: والذي يتأكد في حق المكلف البالغ العاقل المميز، أما الصبي فعلى والده إذا أراد أن يكون من أهل العلم والفقه في الدين أن يحفظه كتاب الله تعالى ليبني عليه ما بعده، ومن الله العون والسداد. ودين الله أضيف إليه لأنه ارتضاه ولا يقبل من الخلق سواه قال تعالى: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ [آل عمران: ١٩]، ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه﴾ [آل عمران: ٨٥]. (ما ترجى لهم بركته) الرجاء: تعلق القلب بما يطمع في حصوله مع بذل سبب التحصيل وإلا فطمع، والبركة الخير المتدارك الزائد، والمتكاثر النافع، ولا شك أن من حفظ كتاب الله تعالى، وطلب العلم وعمل به فهو مبارك، وتحمد لهم عاقبته والعاقبة: ما يؤول إليه الأمر من خير وغيره، والمراد ما يحصل لهم من الخير العظيم، والنفع العميم، والرفعة في الدارين (فأجبتك إلى ذلك) ولبيت مرادك لما رجوته لنفسي ولك من ثواب من علم دين الله فقد صح عن النبي ﷺ «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» (٢)، وعن أبي أمامة الباهلي ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أربعة تجري عليهم أجورهم بعد الموت: من مات مرابطا في سبيل الله، ومن علم علما أجري له أجره ما عمل به، ومن تصدق بصدقة فأجرها يجري له ما جرت، ورجل ترك ولدا صالحا، فهو يدعو له» رواه أحمد والطبراني في «الكبير» (٣). وعن ابن

стр. 34

عباس ﵁: «معلم الخير ومتعلمه يستغفر لهم كل شيء حتى الحوت في البحر» رواه الدارمي، وابن أبي شيبة (١). (أو دعا إليه) لقوله تعالى: ﴿ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين﴾ [فصلت: ٣٣]، وقوله ﷺ : «والدال على الخير كفاعله» (٢)، و «لئن يهدي الله بك رجلا واحدا، خير لك من حمر النعم» متفق عليه (٣). o خير القلوب عند الله تعالى: • قال المصنف ﵀: (واعلم أن خير القلوب أوعاها للخير، وأرجى القلوب للخير ما لم يسبق الشر إليه، وأولى ما عني به الناصحون، ورغب في أجره الراغبون، إيصال الخير إلى قلوب أولاد المؤمنين ليرسخ فيها، وتنبيههم على معالم الديانة وحدود الشريعة ليراضوا عليها، وما عليهم أن تعتقده من الدين قلوبهم، وتعمل به جوارحهم). واعلم يؤتى بها لإرادة تنبيه السامع، ولفت انتباهه لما يلقى إليه من أمر مهم، والأمر المهم هو تنبيهه للاعتناء بالأولاد في سن الطفولة وقد كرره لأهميته، فهو أفضل عمل يعنى به؛ أي: يهتم به المخلصون في نصحهم، وتشتد رغبة الخيرين في التنافس إليه، فغرس الخير في قلوبهم أرسخ من غيرهم، وتأثيره فيهم أشد.

стр. 35

أي واعلم أن أفضل القلوب ما كان وعاء للخير، ولم تدنسه الخطايا، فالقلوب أوعية والآذان مقامع ترمي إليها، والولد كما قال ﷺ : ﴿كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمحسانه … ﴾ مالك، والشيخان (١)، وكما قال المجنون قيس بن الملوح العامري: أتاني هواها قبل أن أعرف الهوا … فصادف قلبا خاليا فتمكنا وقلوب أولاد المؤمنين لترعرعهم بين آباء مسلمين وأمهات مسلمات أولى القلوب بهذا الخير والسبق إليه، فإن من سبق إليه الشر احتاج إلى إزالته كما تزال الأوساخ والأقذار قبل صبغ الدار، وفي ذلك مشقة وأكدار، والولد إذا نشأ في بيئة علمية شرعية سهل انقياده، وتوجيهه وإرشاده: وينشأ ناشي الفتيان منا … على ما كان عوده أبوه وما دان الفتى بحجى … ولكن يعوده التدين أقربوه (٢) وقال آخر: قد ينفع الأدب الأحداث في مهل وليس ينفع بعد الكبرة الأدب إن الغصون إذا قومتها اعتدلت ولن تلين إذا قومتها الخشب يقول الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى (ت ٥٠٥ هـ): «الصبي أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة ساذجة، خالية من كل نقش وصورة؛ وهو قابل لكل ما نقش، ومائل إلى كل ما يمال به إليه، فإن عود الخير وعلمه نشأ عليه، وسعد في الدنيا والآخرة أبواه، وكل معلم له ومؤدب، وإن عود الشر وأهمل إهمال البهائم، وشقي وهلك، وكان الوزر في رقبة القيم عليه والوالي له» (٣).

стр. 36

والمعالم: جمع معلم وهو في اللغة الأثر الذي يستدل به على الطريق، والمراد بها هنا قواعد الإسلام الخمس بدليل إضافتها إلى الديانة. • قال المصنف رحمه الله تعالى: (فإنه روي أن تعليم الصغار لكتاب الله يطفئ غضب الله) أورد المؤلف ثلاثة أحاديث تدل على فضيلة تعليم الصغار. أولها: روي؛ أي: عن النبي ﷺ وصيغته مشعرة بالتضعيف بل الحديث ضعيف، رواه ابن عدي عن عبد الله بن عمر ﵁ مرفوعا (١)، وقد ضعفه الذهبي في ميزان الاعتدال (٢)، وأقره الحافظ في «اللسان» (٣)، وقبلهما أورده الحافظ ابن الجوزي في الموضوعات، وصححه السيوطي ولعل ذلك لوجود متابع لابن أبي علاج في شيخه سفيان (٤)، ولا شك أن تلاوة كتاب الله وتجويده والعمل به سبب عظيم من أسباب دفع البلاء وحلول البركات ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض﴾ [الأعراف: ٩٦]. والثاني: (وأن تعليم الشيء في الصغر كالنقش في الحجر)، إشارة لحديث ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «حفظ الغلام الصغير كالنقش في الحجر، وحفظ الرجل بعد ما يكبر كالكتاب على الماء» (٥).

стр. 37

• قال المصنف رحمه الله تعالى: (وقد مثلت لك من ذلك ما ينتفعون إن شاء الله بحفظه، ويشرفون بعلمه، ويسعدون باعتقاده والعمل به) إذ ضمنها من الآيات والأحاديث والفقه السديد مما يرجى أن ينتفع به حافظه، وينال الشرف الرفيع حامله، ويسعد به بإذن الله تعالى معتقده والعامل به، والعلم شرف للفتى وأي شرف قال تعالى: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ [المجادلة: ١١]، قال زروق (١): وقد حقق الله تعالى له ذلك فلا يعتني بها أحد علما وعملا إلا كان غنيا أو عالما، أو رئيسا، أو صالحا، أو أحدهما، أو اثنين أو ثلاثة منها، وقد ذكر ذلك الشيوخ وعزوه للاستقراء فإنه طريقة وبالله التوفيق. ورحم الله الألبيري إذ يقول في قصيدته الماتعة والتي مطلعها: تفت فؤادك الأيام فتا … وتنحت جسمك الساعات نحتا إلى أن يقول: أبا بكر دعوتك لو أجبتا … إلى ما فيه حظك إن عقلتا إلى علم تكون به إماما … مطاعا إن نهيت وإن أمرتا وتجلو ما بعينك من عشاها … وتهديك السبيل إذا ضللتا وتحمل منه في ناديك تاجا … ويكسوك الجمال إذا اغتربتا

стр. 38

ينالك نفعه ما دمت حيا … ويبقى ذخره لك إن ذهبتا والحديث الثالث: (وقد جاء أن يؤمروا بالصلاة لسبع سنين، ويضربوا عليها لعشر، ويفرق بينهم في المضاجع) والحديث من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر وفرقوا بينهم في المضاجع» رواه أبو داود والترمذي (١)، المضاجع: أي: المراقد. • قال المصنف رحمه الله تعالى: (فكذلك ينبغي أن يعلموا ما فرض الله (٢) على العباد من قول وعمل قبل بلوغهم، ليأتي عليهم البلوغ وقد تمكن ذلك من قلوبهم، وسكنت إليه أنفسهم، وأنست بما يعملون به من ذلك جوارحهم) فقد شبه رحمه الله تعالى تعليمهم ما ذكر من أعمال الجوارح والقلوب - وترويضهم على ذلك كترويضهم على الصلاة وهم أبناء سبع، وهو قياس صحيح لا لبس فيه، فإن الطفل إذا صلى قبل العشر أكثر من ثلاثة آلاف صلاة سهل عليه المحافظة عليها يافعا، ومن شب على لبان العلم صغيرا لم يأت عليه الحلم إلا وهو عالم منيب، وذاك قوله رحمه الله تعالى: (ليأتي عليهم البلوغ وقد تمكن ذلك من قلوبهم … إلخ). ولا التفات لمن قال أنهم لا يعلمون الصوم ففعل الصحابة مع أبنائهم غير خفي في كتب الصحاح والسنن (٣)، وكذلك حجهم (٤)، وجهادهم (٥)، وغير ذلك من أعمال الطاعات، فإن لم يشبوا على هذه الأعمال شبوا على غيرها.

стр. 39

• قال المصنف رحمه الله تعالى: (وقد فرض الله سبحانه على القلب عملا من الاعتقادات، وعلى الجوارح الظاهرة عملا من الطاعات)؛ يعني أنه يجب أن يتعلموا ما فرض الله عليهم مما تعلق بعمل القلوب والجوارح، فالقلوب محل القصد والاعتقاد، وقد فرض عليها أن تعتقد الاعتقاد الصحيح، والجوارح وجب عليها أن تعمل بما شرع الله تعالى من الشرائع في كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ من الطاعات والقربات. قال المصنف رحمه الله تعالى: (وسأفصل لك ما شرطت لك ذكره بابا بابا، ليقرب من فهم متعلميه إن شاء الله) وقد أنجز حر ما وعد، وأتى بذلك مفصلا في أبواب بسطها بسطا تنم عن عالم عامل مرب، كان على قدم السلف في العقيدة والتفقه في الدين والتزكية، وجملتها «ثمانية عشر ألف مسألة»، في ثمانية وأربعين ترجمة منها بغير لفظ الباب نحو من ثمانية وباقيها مبوب، وقوله: (إن شاء الله تعالى) تفويض ورجوع لعلم الله وامتثال لقوله تعالى: ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤]. (وإياه نستخير)؛ أي: ونطلب من الله وحده لا شريك له أن يختار لنا ما فيه الخير، والاستخارة سنة مشروعة وعبادة معلومة كان يعلمها النبي ﷺ أصحابه ويحثهم عليها لما فيها من طلب طريق الخير ممن بيده الخير. وليست الاستخارة ما يفعله بعض الجهال من عقد الأمر بالسبح أو غيرها من أنواع الكهانة، فذلك مسخرة وليست استخارة، فليتق الله أولئك المشعوذون الذين يلبسون الباطل ثوب الحق، ويضحكون على ضعاف المسلمين ليأكلوا أموالهم بالباطل، وكلام المؤلف دعاء أن يريه الله طريق الخير فيما يعمل، (وبه نستعين) لا بغيره، وقدم المعمول هنا وفي الذي قبله للحصر؛ والاستعانة طلب العون، ولا يكون على الحقيقة إلا من الله ، قال تعالى: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ [الفاتحة: ٥] فمن طلب العون ممن لا يقدر عليه ضل عن سواء السبيل، ومن وصايا الحبيب ﷺ : «وإذا استعنت فاستعن

стр. 40

بالله» (١)، و (و) قوله: (لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) فهي تنصل العبد من الحول والقوة من نفسه والاعتراف بأنه لا حركة ولا سكون ولا ثبات ولا تحول إلا به جل في علاه. (وصلى الله على سيدنا محمد نبيه وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا) وتم شرح الصلاة والسلام على النبي ﷺ وآله وصحبه في آخر باب ما تنطق به الألسنة من كتاب العقيدة بعون الله وتوفيقه.
следующие страницы →