← Фикх малики

Фикх малики · id 30135

مسالك الجلالة في اختصار المناهل الزلالة

مختار بن العربي الجزائري

Полный текст (1 525 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

والمعالم: جمع معلم وهو في اللغة الأثر الذي يستدل به على الطريق، والمراد بها هنا قواعد الإسلام الخمس بدليل إضافتها إلى الديانة. • قال المصنف رحمه الله تعالى: (فإنه روي أن تعليم الصغار لكتاب الله يطفئ غضب الله) أورد المؤلف ثلاثة أحاديث تدل على فضيلة تعليم الصغار. أولها: روي؛ أي: عن النبي ﷺ وصيغته مشعرة بالتضعيف بل الحديث ضعيف، رواه ابن عدي عن عبد الله بن عمر ﵁ مرفوعا (١)، وقد ضعفه الذهبي في ميزان الاعتدال (٢)، وأقره الحافظ في «اللسان» (٣)، وقبلهما أورده الحافظ ابن الجوزي في الموضوعات، وصححه السيوطي ولعل ذلك لوجود متابع لابن أبي علاج في شيخه سفيان (٤)، ولا شك أن تلاوة كتاب الله وتجويده والعمل به سبب عظيم من أسباب دفع البلاء وحلول البركات ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض﴾ [الأعراف: ٩٦]. والثاني: (وأن تعليم الشيء في الصغر كالنقش في الحجر)، إشارة لحديث ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «حفظ الغلام الصغير كالنقش في الحجر، وحفظ الرجل بعد ما يكبر كالكتاب على الماء» (٥).

стр. 37

• قال المصنف رحمه الله تعالى: (وقد مثلت لك من ذلك ما ينتفعون إن شاء الله بحفظه، ويشرفون بعلمه، ويسعدون باعتقاده والعمل به) إذ ضمنها من الآيات والأحاديث والفقه السديد مما يرجى أن ينتفع به حافظه، وينال الشرف الرفيع حامله، ويسعد به بإذن الله تعالى معتقده والعامل به، والعلم شرف للفتى وأي شرف قال تعالى: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ [المجادلة: ١١]، قال زروق (١): وقد حقق الله تعالى له ذلك فلا يعتني بها أحد علما وعملا إلا كان غنيا أو عالما، أو رئيسا، أو صالحا، أو أحدهما، أو اثنين أو ثلاثة منها، وقد ذكر ذلك الشيوخ وعزوه للاستقراء فإنه طريقة وبالله التوفيق. ورحم الله الألبيري إذ يقول في قصيدته الماتعة والتي مطلعها: تفت فؤادك الأيام فتا … وتنحت جسمك الساعات نحتا إلى أن يقول: أبا بكر دعوتك لو أجبتا … إلى ما فيه حظك إن عقلتا إلى علم تكون به إماما … مطاعا إن نهيت وإن أمرتا وتجلو ما بعينك من عشاها … وتهديك السبيل إذا ضللتا وتحمل منه في ناديك تاجا … ويكسوك الجمال إذا اغتربتا

стр. 38

ينالك نفعه ما دمت حيا … ويبقى ذخره لك إن ذهبتا والحديث الثالث: (وقد جاء أن يؤمروا بالصلاة لسبع سنين، ويضربوا عليها لعشر، ويفرق بينهم في المضاجع) والحديث من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر وفرقوا بينهم في المضاجع» رواه أبو داود والترمذي (١)، المضاجع: أي: المراقد. • قال المصنف رحمه الله تعالى: (فكذلك ينبغي أن يعلموا ما فرض الله (٢) على العباد من قول وعمل قبل بلوغهم، ليأتي عليهم البلوغ وقد تمكن ذلك من قلوبهم، وسكنت إليه أنفسهم، وأنست بما يعملون به من ذلك جوارحهم) فقد شبه رحمه الله تعالى تعليمهم ما ذكر من أعمال الجوارح والقلوب - وترويضهم على ذلك كترويضهم على الصلاة وهم أبناء سبع، وهو قياس صحيح لا لبس فيه، فإن الطفل إذا صلى قبل العشر أكثر من ثلاثة آلاف صلاة سهل عليه المحافظة عليها يافعا، ومن شب على لبان العلم صغيرا لم يأت عليه الحلم إلا وهو عالم منيب، وذاك قوله رحمه الله تعالى: (ليأتي عليهم البلوغ وقد تمكن ذلك من قلوبهم … إلخ). ولا التفات لمن قال أنهم لا يعلمون الصوم ففعل الصحابة مع أبنائهم غير خفي في كتب الصحاح والسنن (٣)، وكذلك حجهم (٤)، وجهادهم (٥)، وغير ذلك من أعمال الطاعات، فإن لم يشبوا على هذه الأعمال شبوا على غيرها.

стр. 39

• قال المصنف رحمه الله تعالى: (وقد فرض الله سبحانه على القلب عملا من الاعتقادات، وعلى الجوارح الظاهرة عملا من الطاعات)؛ يعني أنه يجب أن يتعلموا ما فرض الله عليهم مما تعلق بعمل القلوب والجوارح، فالقلوب محل القصد والاعتقاد، وقد فرض عليها أن تعتقد الاعتقاد الصحيح، والجوارح وجب عليها أن تعمل بما شرع الله تعالى من الشرائع في كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ من الطاعات والقربات. قال المصنف رحمه الله تعالى: (وسأفصل لك ما شرطت لك ذكره بابا بابا، ليقرب من فهم متعلميه إن شاء الله) وقد أنجز حر ما وعد، وأتى بذلك مفصلا في أبواب بسطها بسطا تنم عن عالم عامل مرب، كان على قدم السلف في العقيدة والتفقه في الدين والتزكية، وجملتها «ثمانية عشر ألف مسألة»، في ثمانية وأربعين ترجمة منها بغير لفظ الباب نحو من ثمانية وباقيها مبوب، وقوله: (إن شاء الله تعالى) تفويض ورجوع لعلم الله وامتثال لقوله تعالى: ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤]. (وإياه نستخير)؛ أي: ونطلب من الله وحده لا شريك له أن يختار لنا ما فيه الخير، والاستخارة سنة مشروعة وعبادة معلومة كان يعلمها النبي ﷺ أصحابه ويحثهم عليها لما فيها من طلب طريق الخير ممن بيده الخير. وليست الاستخارة ما يفعله بعض الجهال من عقد الأمر بالسبح أو غيرها من أنواع الكهانة، فذلك مسخرة وليست استخارة، فليتق الله أولئك المشعوذون الذين يلبسون الباطل ثوب الحق، ويضحكون على ضعاف المسلمين ليأكلوا أموالهم بالباطل، وكلام المؤلف دعاء أن يريه الله طريق الخير فيما يعمل، (وبه نستعين) لا بغيره، وقدم المعمول هنا وفي الذي قبله للحصر؛ والاستعانة طلب العون، ولا يكون على الحقيقة إلا من الله ، قال تعالى: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ [الفاتحة: ٥] فمن طلب العون ممن لا يقدر عليه ضل عن سواء السبيل، ومن وصايا الحبيب ﷺ : «وإذا استعنت فاستعن

стр. 40

بالله» (١)، و (و) قوله: (لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) فهي تنصل العبد من الحول والقوة من نفسه والاعتراف بأنه لا حركة ولا سكون ولا ثبات ولا تحول إلا به جل في علاه. (وصلى الله على سيدنا محمد نبيه وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا) وتم شرح الصلاة والسلام على النبي ﷺ وآله وصحبه في آخر باب ما تنطق به الألسنة من كتاب العقيدة بعون الله وتوفيقه.

стр. 41

باب ما تنطق به الألسنة، وتعتقده الأفئدة، من واجب أمور الديانات (من ذلك الإيمان بالقلب والنطق باللسان أن الله إله واحد لا إله غيره، ولا شبيه له، ولا نظير له، ولا ولد له، ولا والد له، ولا صاحبة له، ولا شريك له. ليس لأوليته ابتداء، ولا لآخريته انقضاء، لا يبلغ كنه صفته الواصفون، ولا يحيط بأمره المتفكرون، يعتبر المتفكرون بآياته، ولا يتفكرون في ماهية (١) ذاته، ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السموات والأرض ولا يعوده حفظهما وهو العلي العظيم﴾ [البقرة: ٢٥٥]. العالم (٢) الخبير، المدبر (٣) القدير، السميع البصير، العلي الكبير، وأنه فوق عرشه المجيد بذاته، وهو في كل مكان بعلمه. خلق الإنسان، ويعلم ما توسوس به نفسه، وهو أقرب إليه من حبل الوريد، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين. على العرش استوى، وعلى الملك احتوى، وله الأسماء الحسنى والصفات العلى، لم يزل بجميع صفاته وأسمائه، تعالى أن تكون صفاته مخلوقة، وأسماؤه محدثة. كلم موسى بكلامه الذي هو صفة ذاته، لا خلق من خلقه، وتجلى للجبل فصار دكا من جلاله، وأن القرآن كلام الله، ليس بمخلوق فيبيد، ولا صفة لمخلوق فينفد.

стр. 42

والإيمان بالقدر خيره وشره، حلوه ومره، وكل ذلك قد قدره الله ربنا، ومقادير الأمور بيده، ومصدرها عن قضائه. علم كل شيء قبل كونه، فجرى على قدره، لا يكون من عباده قول ولا عمل إلا وقد قضاه وسبق علمه به ﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾ [الملك: ١٤]. يضل من يشاء، فيخذله بعدله، ويهدي من يشاء فيوفقه بفضله، فكل ميسر بتيسيره، إلى ما سبق من علمه وقدره من شقي أو سعيد. تعالى أن يكون في ملكه ما لا يريد، أو يكون لأحد عنه غنى، أو يكون خالق لشيء إلا هو (١) رب العباد، ورب أعمالهم، والمقدر لحركاتهم وآجالهم، الباعث الرسل إليهم لإقامة الحجة عليهم. ثم ختم الرسالة والندارة والنبوة بمحمد نبيه (٢)، فجعله آخر المرسلين، بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، وأنزل عليه كتابه الحكيم، وشرح به دينه القويم، وهدى به الصراط المستقيم. وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من يموت، كما بدأهم يعودون. وأن الله ضاعف لعباده المؤمنين الحسنات، وصفح لهم بالتوبة عن كبائر السيئات، وغفر لهم الصغائر باجتناب الكبائر، وجعل من لم يتب من الكبائر صائرا إلى مشيئته ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨]. ومن عاقبه الله بناره أخرجه منها بإيمانه، فأدخله به جنته ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره﴾ [الزلزلة: ٧]، ويخرج منها بشفاعة النبي ﷺ (٣) من شفع له من أهل الكبائر من أمته.

стр. 43

وأن الله سبحانه قد خلق الجنة فأعدها دار خلود لأوليائه، وأكرمهم فيها بالنظر إلى وجهه الكريم (١)، وهي التي أهبط منها آدم نبيه وخليفته إلى أرضه، بما (٢) سبق في سابق علمه. وخلق النار فأعدها دار خلود لمن كفر به وألحد في آياته وكتبه ورسله، وجعلهم محجوبين عن رؤيته. وأن الله ﵎ يجيء يوم القيامة والملك صفا صفا؛ لعرض الأمم وحسابها، وعقوبتها وثوابها، وتوضع الموازين لوزن أعمال العباد، فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ويؤتون صحائفهم بأعمالهم، فمن أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا، ومن أوتي كتابه وراء ظهره فأولئك يصلون سعيرا. وأن الصراط حق، يجوزه العباد بقدر أعمالهم، فناجون متفاوتون في سرعة النجاة عليه من نار جهنم، وقوم أوبقتهم فيها أعمالهم. والإيمان بحوض رسول الله ﷺ ، ترده أمته لا يظمأ من شرب منه، ويذاد عنه من بدل وغير. وأن الإيمان قول باللسان، وإخلاص بالقلب، وعمل بالجوارح، يزيد بزيادة الأعمال، وينقص بنقصها (٣)، فيكون فيها النقص وبها الزيادة، ولا يكمل قول الإيمان إلا بالعمل، ولا قول وعمل إلا بنية (٤)، ولا قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة. وأنه لا يكفر أحد بذنب من أهل القبلة. وأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، وأرواح أهل السعادة باقية ناعمة إلى يوم يبعثون، وأرواح أهل الشقاوة (٥) معذبة إلى يوم الدين.

стр. 44

وأن المؤمنين يفتنون في قبورهم ويسألون (١)، ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ [إبراهيم: ٢٧]. وأن على العباد حفظة يكتبون أعمالهم، ولا يسقط شيء من ذلك عن علم ربهم، وأن ملك الموت يقبض الأرواح بإذن ربه. وأن خير القرون القرن الذين رأوا رسول الله ﷺ وآمنوا به، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم. وأفضل الصحابة (٢) الخلفاء الراشدون المهديون؛ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي له أجمعين. وأن لا يذكر أحد من صحابة الرسول ﷺ إلا بأحسن ذكر، والإمساك عما شجر بينهم، وأنهم أحق الناس، أن يلتمس لهم أحسن المخارج، ويظن بهم أحسن المذاهب. والطاعة لأئمة المسلمين من ولاة أمورهم (٣) وعلمائهم، واتباع السلف الصالح واقتفاء آثارهم، والاستغفار لهم، وترك المراء والجدال في الدين، وترك كل ما أحدثه المحدثون. وصلى الله على سيدنا محمد [نبيه] (٤) وعلى آله وأزواجه وذريته، وسلم تسليما كثيرا) (٥). شرح عنوان كتاب المعتقد: بدأ المصنف رحمه الله تعالى بهذا الباب العظيم الذي هو من أصول الدين فقال: (باب) والباب في اللغة هو: فرجة بين شيئين يتوصل به من الداخل إلى الخارج أو العكس، ومن الكتاب هو عبارة عن قسم يجمع تحته

стр. 45

بعض المسائل من جنس واحد، وهذا الباب الذي بدأ به هو: (ما تنطق به الألسنة)؛ أي: في بيان الأمور التي يجب أن تجري على ألسنة الموحدين الله رب العالمين، وأتباع سيد الأولين والآخرين الذي جاءنا بالعقيدة الصافية والشريعة الشافية الكافية، ولم يتركنا في لجج الهوى نتخبط ولا في غياهب ظلمات الشك والشرك نتردد، وأن من لم ينطق به وهو قادر على ذلك فليس بمسلم لأن النبي ﷺ اشترط في دخول الإسلام: النطق بالشهادتين فعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله» (١). (و) هو الذي يجب أن (تعتقده الأفئدة)؛ أي: تنطوي عليه القلوب من أمور الاعتقاد. معنى لفظ العقيدة: قال ابن فارس (٢): (عقد - العين والقاف والدال - أصل واحد يدل على شد وشدة وثوق؛ وإليه ترجع فروع الباب كلها). جاء في المعجم الوسيط (العقيدة): الحكم الذي لا يقبل الشك فيه لدى معتقده. ومن هذا المعنى اللغوي أخذ تعريف العقيدة في الاصطلاح الشرعي: (هي الأمور التي يجب أن يصدق بها قلبك، وتطمئن إليها نفسك، وتكون يقينا عندك لا يمازجه ريب ولا يخالطه شك). قوله: (من واجب أمور الديانات) فالواجب ما أمر الشارع بفعله أمرا جازما، يثاب فاعله ويستحق العقاب تاركه، إن وجدت الشروط وانتفت الموانع، وذلك كالوضوء والصلاة، وما إلى ذلك من الفرائض المقطوع بفرضيتها ومن أعظمها أمور الاعتقاد، التي داننا الله بها ولذلك قال من أمور

стр. 46

الديانات، فذلك فرض على المسلم أن يدين الله تعالى بما سيذكره المصنف من أمور الاعتقاد الجازم. والديانات: مفردها ديانة وهي ما يتعبد به، ودان بالإسلام دينا بالكسر، وتدين به كذلك فهو دين. ويشمل الدين أقساما ثلاثة أخبر بها النبي ﷺ : وهي الإسلام، والإيمان والإحسان، كما في حديث جبريل في «الصحيح»: «هذا جبريل ﷺ ، أتاكم يعلمكم دينكم» (١). • أصل أصول الإيمان هو توحيد الله تعالى: • قال المصنف رحمه الله تعالى: (من ذلك: الإيمان بالقلب، والنطق باللسان أن الله إله واحد لا إله غيره، ولا شبيه له، ولا نظير له، ولا ولد له، ولا والد له، ولا صاحبة له، ولا شريك له). الشرح قوله: (من ذلك)؛ أي: الواجب (الإيمان) وهو التصديق (٢)؛ (يعني: في اللغة)، وأما في الاصطلاح فإن: الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وثبت إجماعهم على ذلك. وهو قول المصنف في الرسالة كما سيأتي، وفي الجامع حيث قال: وأن الإيمان قول باللسان، وإخلاص بالقلب، وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية اه (٣). والقصد من قولهم: (قول وعمل)؛ أي: أرادوا قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح، وقد عقد الإمام البخاري في كتابه

стр. 47

«الصحيح الجامع»، كتابا باسم الإيمان وافتتحه بقوله: باب قول النبي ﷺ : (بني الإسلام على خمس … ) وهو قول وفعل، يزيد وينقص (١). ولذلك فإن الإيمان قول وعمل بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح. وعليه فقد نوه المصنف أن الإيمان (بالقلب)؛ أي: التصديق الجازم المتيقن الذي لا يخالطه شك بالقلب، ويستقر استقرارا ثابتا لا يزعزعه ريب، (و) لا يكفي هذا الاعتقاد القلبي حتى يكون بمعية (النطق باللسان)؛ أي: النطق بالشهادتين، فإن قلت أين العمل في قول المصنف؟، فالقول إنه «لا يقال: إنه لم يذكر الأعمال فيشابه مرجئة الفقهاء (٢)، لأنه قد ذكر في هذه المقدمة أن الإيمان يكون بالقلب واللسان والعمل»؛ وهذا هو مسمى الإيمان كما تقدم عند أهل السنة والجماعة وقد أخرج أبو نعيم في «الحلية» بإسناده إلى عمرو بن عثمان الرقي قال: قيل لابن عيينة: إن قوما يقولون الإيمان كلام، فقال: كان هذا قبل أن تنزل الأحكام، فأمر الناس أن يقولوا: (لا إله إلا الله) فلما علم صدقهم أمرهم بالصلاة ففعلوا، ولو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار … فذكر الأركان، إلى أن قال: فلما علم الله ما تتابع عليهم من

стр. 48

الفرائض وقبولهم قال: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ [المائدة: ٣] فمن ترك شيئا من ذلك كسلا أو مجونا أدبناه عليه، وكان ناقص الإيمان، ومن تركها جاحدا كان كافرا (١). فلذلك يجب في رأس أعمال المؤمن بالله أن يعتقد اعتقادا جازما: (أن الله - لا إله واحد) في كل شيء، في نفسه (٢)، وصفاته، وأفعاله، وهذا هو توحيد الباري، قال تعالى: ﴿وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو﴾ [البقرة: ١٦٣]. وقوله: (لا إله غيره) تأكيد لقوله إله واحد، وهذا معنى كلمة التوحيد التي لا يصح إسلام عبد إلا بالنطق بها. (و) الله لا (لا شبيه له، ولا نظير له) الشبيه والنظير: مترادفان على معنى واحد وهو نفي المماثل أي لا مثيل له، قال تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: ١١]، وقال تعالى: ﴿ولم يكن له كفوا أحد﴾ [الإخلاص: ٤]؛ أي: لم يكن له شبه ولا عدل، وليس كمثله شيء، قال شيخ الإسلام نعيم بن حماد شيخ البخاري: «من شبه الله بخلقه كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه، فمن أثبت الله تعالى ما وردت به الآيات الصريحة، والأخبار الصحيحة، على الوجه الذي يليق بجلال الله، ونفى عن الله تعالى النقائص فقد سلك سبيل الهدى» (٣). (ولا ولد له) قال تعالى: ﴿لم يلد﴾ [الإخلاص: ٣]، وقال سبحانه:

стр. 49

﴿ما اتخذ الله من ولد﴾ [المؤمنون: ٩١]، فعن أبي موسى له قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس أحد أو ليس شيء أصبر على أذى سمعه من الله إنهم ليدعون له ولدا وإنه ليعافيهم ويرزقهم» (١). أي: لا أحد أشد حلما من الله سبحانه، فإنه يسمع ما يؤذيه به بعض عباده من نسبة الولد له، وهو قادر أن ينتقم منهم ويسلط عليهم عذابه، ولكنه سبحانه مع ذلك حبس العقوبة على مستحقها عاجلا، ويحسن إليهم مع كفرهم به، فما أحلمه سبحانه! (٢). وقد بدأ الله تعالى في سورة الإخلاص بنفي الولد لأن أكثر من أشرك نسب الولد له - تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا -، قال تعالى عن افتراء النصارى واليهود: ﴿وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصرى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضهلون قول الذين كفروا من قبل قتلهم الله أنى يؤفكون﴾ [التوبة: ٣٠]، وقال في شأن المشركين: ﴿ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكذبون أصطفى البنات على البنين﴾ [الصافات: ١٥١ - ١٥٣]. (ولا والد) قال تعالى: ﴿ولم يولد﴾ (ولا صاحبة)؛ أي: لا زوجة لأن هذا شأن المحتاج وهو الغني المطلق، قال تعالى على لسان الجن لما آمنوا وأسلموا: ﴿وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صحبة ولا ولدا﴾ [الجن: ٣]، الجد: العظمة؛ أي: أنه تعالت عظمة ربنا، وقال سبحانه: ﴿بديع السموات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة﴾ [الأنعام: ١٠١]، (ولا شريك له) تأكيد وبيان لما قاله من قبل، فإن الله جلت قدرته وعظم سلطانه لا شريك له لا في ربوبيته، ولا ألوهيته، ولا في أسمائه، ولا صفاته، ولا أفعاله، وما ورد من تشابه في ذلك فهو في اللفظ لا في المعنى، وقد نفى الله الشريك في أكثر من آية قال تعالى: ﴿ولو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان

стр. 50

الله رب العرش عما يصفون﴾ [الأنبياء: ٢٢]، ولذلك كان أعظم ذنب يرتكبه المخلوق هو الشرك بالله، ومن نجا من الشرك فقد أريد له النجاة، قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: وقوله: ﴿لو كان فيهما عالمة إلا الله لفسدتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] والمراد بذلك تعظيم أمر الشرك. وهذا الفرض والتقدير الذي ذكره جل وعلا هنا في شأن الملائكة، ذكره أيضا في شأن الرسل على الجميع صلوات الله وسلامه قال تعالى: ﴿ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين﴾ [الزمر: ٦٥] ا هـ (١)، وقال تعالى: ﴿ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق﴾ [الحج: ٣١]، ﴿إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأونه النار﴾ [المائدة: ٧٢]، ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا﴾ [النساء: ٣٦]، والآيات في التحذير من الشرك كثيرة، ومن الأحاديث عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله؛ وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان عليه من عمل» (٢). «وما جاء في كلام ابن أبي زيد ﵀ من نفي الشبيه والنظير والوالد والولد والصاحبة هو نفي على طريقة السلف، وهو نفي متضمن إثبات كمال الله ، فنفي الشبيه والنظير متضمن إثبات كمال أحديته، ونفي الوالد والولد والصاحبة متضمن إثبات كمال غناه، وكل ما جاء في القرآن من نفي شيء عن الله فإنه يتضمن إثبات كمال ضد ذلك المنفي، مثل قوله: ﴿وما كان الله ليعجزه من شيء في السموات ولا في الأرض إنه كان عليما قديرا﴾ [فاطر: ٤٤] فإنه دال على كمال قدرته، … ومثل قوله: ﴿ولا يظلم ربك أحدا﴾ [الكهف: ٤٩] دال على كمال عدله، وقوله: ﴿وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض

стр. 51

ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين﴾ [يونس: ٦١] دال على إثبات كمال علمه. وهذا بخلاف النفي عند أهل الكلام» (١). • لا أولية لوجود الله تعالى ولا آخرية له، ووجوب التفكر في خلقه، و امتناع التفكر في ذاته: • قال المصنف رحمه الله تعالى: (ليس لأوليته ابتداء، ولا لآخريته انقضاء، لا يبلغ كنه صفته الواصفون، ولا يحيط بأمره المتفكرون، يعتبر المتفكرون بآياته، ولا يتفكرون في ماهية ذاته، ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السموات والأرض ولا يئوده حفظهما وهو العلي العظيم﴾). الشرح (ليس لأوليته ابتداء)؛ أي: ليس وجوده مفتتحا بأولية فيكون له أول، ولا منقضيا بآخرية فيكون له آخر في ﴿هو الأول والآخر والظاهر والباطن﴾ [الحديد: ٣] وقد كان من دعاء المصطفى ﷺ كما في حديث أبي هريرة ﷺ أنه كان يقول إذا أوى إلى فراشه: « … اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء … » (٢)؛ ولا يتنافى مع بقاء الجنة والنار، لأن لهما ابتداء فهو خالقهما وكذلك فإن الله تعالى هو الذي قضى بعدم فنائهما. (لا يبلغ كنه صفته الواصفون)، كنه الشيء، قال في «المصباح»: كنه الشيء حقيقته، ونهايته، وعرفته (كنه) المعرفة. حقيقته وماهيته؛ أي: لا تدرك حقيقة صفته، وبالأولى حقيقة نفسه، وإن

стр. 52

كان معنى الصفات معلوم في لغة العرب، وإلا لما قال مالك رحمه الله تعالى «الاستواء معلوم، ولكان أول من يحتج كفار قريش عن هذا الذي يزعم أن القرآن عربي وهو آت بما لا يفهمونه، ولذلك فإن أهل السنة المتبعون لنبيهم ﷺ يقتصرون على وصف الله بما وصف به نفسه دون الخوض في الكيفية التي هي من علم علام الغيوب، فالحقائق الواقعية التي تضمنتها آيات القرآن - والتي هي شيء وراء المعنى الذي يدركه الذهن عند سماع الخطاب - نوعان: - نوع يمكن إدراكه، وهو حقائق ما جاء في القرآن مما يتعلق بالإنسان والكون المحيط به ذواتا وأفعالا، مثل ذلك قوله سبحانه: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم * فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم﴾ [التوبة: ١٢٨/ ١٢٩]، ففي الآية ذكر للرسول ووصف له بأنه رؤوف ورحيم، ومن نزل فيهم الوحي يعرفون معاني هذه الكلمات الثلاث، كما أنهم يدركون واقعها وهو الرسول نفسه محمد ﷺ ورأفته ورحمته المتمثلتان في تصرفاته معهم». - ونوع لا يمكن إدراكه، وهو حقائق الوجود الغيبي سواء كانت حقائق ذات الله وصفاته من حيث كنهها وكيفيتها، أو حتى حقائق العالم الغيبي مثل ما أعد الله للناس من ألوان النعيم والعذاب. فقوله سبحانه: ﴿مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهر من ماء غير آسن وأنهر من لبن لم يتغير طعمه، وأنهر من خمر لذة للشاربين وأنهر من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم﴾ [محمد: ١٥] اشتركت في الأسماء واختلفت في المعاني. (ولا يحيط بأمره المتفكرون)؛ أي: ولا يحيط المتفكرون بشأنه سبحانه لقصور عقولهم عن إدراك جلاله، قال سبحانه: ﴿يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما﴾ [طه: ١١٠]، ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض﴾ [البقرة: ٢٥٥] والله لة وتقدست أسماؤه

стр. 53

يقول: ﴿ألا له الخلق والأمر﴾ [الأعراف: ٥٤]؛ أي: الملك والتصرف، فلذلك لا يجوز لعبد أن يجعل لغير الله الأمر والنهي في التشريع، والتصرف في الملك كما يزعم ذلك بعض الملاحدة، والمتفكر هو من قام به الفكر من ترتيب أشياء معلومة لإدراك أشياء مجهولة، فمهما فكر فإنه لا يمكنه إدراك أمره؛ أي: شأنه جل وعلا، وعليه فل ﴿يعتبر المتفكرون بآياته﴾؛ أي: يتعظ المتأملون بالعلامات التي نصبها لله دالة على باهر قدرته، وعظيم صنعته، وسطر أحرفها في الآفاق، قال تعالى: ﴿إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب (١٩٠) الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار﴾ [آل عمران: ١٩٠، ١٩١]. وقال سبحانه: ﴿قل انظروا ماذا في السموات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون﴾ [يونس: ١٠١]، قال ابن كثير رحمه الله تعالى: «يرشد تعالى عباده إلى التفكر في آلائه وما خلق في السموات والأرض من الآيات الباهرة لذوي الألباب، مما في السموات من كواكب نيرات، ثوابت وسيارات، والشمس والقمر، والليل والنهار، واختلافهما، وإيلاج أحدهما في الآخر، حتى يطول هذا ويقصر هذا، ثم يقصر هذا ويطول هذا، وارتفاع السماء واتساعها، وحسنها وزينتها، وما أنزل الله منها من مطر فأحيا به الأرض بعد موتها، وأخرج فيها من أفانين الثمار والزروع والأزاهير، وصنوف النبات، وما ذرأ فيها من دواب مختلفة الأشكال والألوان والمنافع، وما فيها من جبال وسهول وقفار وعمران وخراب، وما في البحر من العجائب والأمواج، وهو مع هذا [مسخر] مذلل للسالكين، يحمل سفنهم، ويجري بها برفق بتسخير القدير له، لا إله إلا هو، ولا رب سواه» اه (١). قال بشر بن الحارث: «لو تفكر الناس في عظمة الله لما عصوا الله» (٢).

стр. 54

(ولا يتفكرون في ماهية ذاته) الماهية؛ أي: المعبر عنه بما هو؟ قال ابن حمامة: مائية ذاته، المائية: حقيقة الشيء وذاته، والمائية أيضا السؤال بما؛ أي: ما هو؟ فكأنه قال: لا يتفكرون في كيفية ذاته، لأن المتفكر يتخيل ما يعرف صفته وكنهه أما الله ﷺ : ﴿لا تدركه الأبصر وهو يدرك الأبصر … وهو اللطيف الخبير﴾ [الأنعام: ١٠٣] ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: ١١]، قال تعالى: ﴿أولم يتفكروا في أنفسهم﴾ [الروم: ٨]. وقال تعالى: ﴿أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء﴾ [الأعراف: ١٨٥] فالمتفكر في ذلك لا طائل من وراء تفكيره إلا الحيرة والضياع، والخيبة والهلاك، وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك فقال: «تفكروا في خلق الله، ولا تفكروا في الله» (١) وفي لفظ: «فتهلكوا» (٢). قال أبو جعفر الطحاوي: «لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام، ولا يشبه الأنام».

стр. 55

وعلاج من وجد شيئا من ذلك أن يعرض عنه ويقطع التفكير فيه .. ويستعيذ بالله تعالى من الشيطان الرجيم، وليقل: «لا إله إلا الله، آمنت بالله». دواء الوسوسة: إن وجد المسلم شيئا من وساوس الشيطان الذي لا ينفك ينفث في صدور الناس الموحدين، ويشككهم في خالقهم، فمن وجد من ذلك شيئا فدواؤه أن يقول: آمنت بالله، وبرسله، وليتفل عن يساره، ثم ليتعوذ بالله العظيم، وليقل (الله أحد الله الصمد). وليتوقف عن التفكر فيما لا يمكن إدراكه، وقد بسطنا الأدلة في المناهل (١). قال المصنف: قال تعالى: ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السموات والأرض … ولا يئوده حفظهما وهو العلي العظيم﴾ [البقرة: ٢٥٥]. الشرح أورد المصنف الآية عقب كلامه عن التفكر في الخلق ومنعه في حق الخالق، وهي جزء من أعظم آية في القرآن الكريم لما تضمنته من أسماء الله الحسنى، ولئلا يتفكر الناس في ذاته وصفاته، قال ابن كثير رحمه الله تعالى: وقوله: ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء﴾؛ أي: لا يطلع أحد من علم الله على شيء إلا بما أعلمه الله ل وأطلعه عليه، ويحتمل أن يكون المراد لا يطلعون على شيء من علم ذاته وصفاته، إلا بما أطلعهم الله عليه، كقوله: (ولا يحيطون به علما) (٢). ولعل القول الأخير هو موضع الاستدلال. وقوله تعالى: ﴿ولا يئوده حفظهما﴾؛ أي: لا يثقله ولا يكرثه (٣) حفظ

стр. 56

السموات والأرض ومن فيهما، ومن بينهما، بل ذلك سهل عليه، يسير لديه، وهو القائم على كل نفس بما كسبت … وقوله: ﴿وهو العلي العظيم﴾، كقوله: وهو ﴿الكبير المتعال﴾، وهذه الآيات وما في معناها من الأحاديث الصحاح الأجود فيها طريقة السلف الصالح، أمروها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه اهـ (١). • قول المصنف: (العالم الخبير، المدبر (٢) القدير، السميع البصير، العلي الكبير، وأنه فوق عرشه المجيد بذاته، وهو في كل مكان بعلمه). الشرح ذكر المصنف ثمانية من أسماء الله جل وعلا بعد ذكره لاسمين من أسمائه في آية الكرسي، وقد أتى بهذه الأسماء كما جاءت مقترنة بعضها ببعض في كتاب الله جل وعلا، خلا [المدبر] فلم يرد في القرآن، وأما القدير فبكثرة، وجلها أسماء دلت صيغها على المبالغة خلا المدبر. قوله: (العالم الخبير) «العليم الخبير» اسمان من أسماء الله يدلان على صفتي العلم والخبرة، وهما متقاربان في المعنى، والعليم المحيط بكل شيء، والخبير من أسمائه الحسنى العظيمة، فعيل من الخبر كالعليم من العلم، وهو بمعنى العليم، أتى به للمبالغة. قال الله: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقنكم إن الله عليم خبير﴾ [الحجرات: ١٣]، وقال سبحانه: ﴿من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير﴾ [التحريم: ٣]. (المدبر) هو المبرم للأشياء على علمه بأدبارها؛ أي: عواقبها، وما يؤول إليه أمرها (٣)، قال الحليمي: ومعناه مصرف الأمور على ما يوجب حسن

стр. 57

عواقبها، فلا يخفى عليه عواقب الأمور … وهذا الاسم فيما يؤثر عن نبينا ﷺ ، قد رويناه في حديث عبد العزيز بن الحصين (١)، وقد جاء وصف الله بالتدبير في القرآن الكريم، ولم يأت منه اسم الفاعل المدبر، قال تعالى: ﴿يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون﴾ [السجدة: ٥]، وورد اسم المدبر في بعض روايات حديث عدد أسماء الله الحسنى، كما أخرج ذلك السيوطي في الجامع الصغير عن أبي هريرة ﷺ وضعف الحديث. و (القدير) لفظ مبالغة من قادر، قال الحليمي: «والقدير التام القدرة لا يلابس قدرته عجز بوجه» (٢). (السميع البصير) إن صفتي - السمع والبصر - ثابتتان الله بالكتاب والسنة، وإجماع أتباع الرسل، وبالعقل، والفطرة. قال - تعالى -: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: ١١]. قال البيهقي: «السميع من له سمع يدرك به المسموعات، والبصير من له بصر يدرك به المرئيات، وكل منهما في حق الباري صفة قائمة بذاته» (٣). وما أجمل قول أبي العلاء المعري (٤): يا من يرى مد البعوض جناحها … في ظلمة الليل البهيم الأليل ويرى مناط عروقها في نحرها … والمخ من تلك العظام النحل ور خرير الدم في أوداجها … متنقلا من مفصل في مفصل ويرى وصول غذى الجنين ببطنها … في ظلمة الأحشاء بغير تمقل

стр. 58

ويرى مكان الوطء من أقدامها … في سيرها وحثيثها المستعجل ويرى ويسمع حس ما هو دونها … في قاع بحر مظلم متهول امنن علي بتوبة تمحو بها … ما كان مني في الزمان الأول • علو العلي الغفار: (العلي) على خلقه علو ذات، وقهر، وقدر، فإن من لوازم العلي العلو المطلق بكل اعتبار، ومن جميع الوجوه، قال تعالى: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ [الأعلى: ١]. ومن الأحاديث: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون» (١). وعن أبي هريرة ﵁ مرفوعا: «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يصعد إلى الله إلا الطيب، فإن الله يقبلها بيمينه (٢)، ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه، حتى تكون مثل الجبل» (٣). ومن الأحاديث قوله ﷺ : «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحا ومساء» رواه البخاري (٤). والسؤال عنه بأين مما يدل على أنه ليس في كل مكان فوجب أن يكون سبحانه في العلو ومن الأدلة على ذلك: حديث معاوية بن الحكم ﵁ قال: «أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله إن جارية لي كانت ترعى غنما لي،

стр. 59

فجئتها، وقد فقدت شاة من الغنم، فسألتها عنها فقالت: أكلها الذئب، فأسفت عليها، وكنت من بني آدم فلطمت وجهها وعلي رقبة أفأعتقها، فقال لها رسول الله ﷺ : «أين الله؟ فقالت: في السماء، فقال: «من أنا؟» فقالت: أنت رسول الله قال: «أعتقها»» (١)، وفي رواية: «أعتقها فإنها مؤمنة»» (٢). ومما روي عن عثمان ﷺ أنه خطب في الناس الخطبة التي لم يخطب بعدها فقال: «الحمد لله الذي دنا في علوه، وناء في دنوه، لا يبلغ شيء مكانه، ولا يمتنع عليه شيء أراده» (٣). وقال إمامنا مالك رحمه الله تعالى: «الله في السماء، وعلمه في كل مكان، لا يخلو منه مكان» (٤)؛، أي: علمه. قال ابن جزي في التسهيل: ﴿استوى على العرش﴾ حيث وقع، حمله قوم على ظاهره منهم ابن أبي زيد وغيره، وتأوله قوم بمعنى قصد كقوله ثم استوى إلى السماء ولو كان كذلك لقال ثم استوى إلى العرش، وتأولها الأشعرية أن معنى استوى استولى بالملك والقدرة. قال: والحق الإيمان به من غير تكييف فإن السلامة في التسليم، والله در مالك بن أنس في قوله للذي سأله عن ذلك: الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والسؤال عن هذا بدعة (٥). (الكبير)؛ أي: المصرف عباده على ما يريده منهم من غير أن يروه، وقال الخطابي: «الكبير الموصوف بالجلال وكبر الشأن، فصغر دون جلاله كل كبير، ويقال: هو الذي كبر عن شبه المخلوقين» (٦) سبحانه، قال تعالى: ﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير﴾ [سبأ: ٢٣].

стр. 60

(وأنه) تعالى ﷻ ، وتقدست أسماؤه، وتنزهت صفاته، (فوق عرشه المجيد) مستو استواء يليق بجلاله وذلك (بذاته)، قال ابن أبي زيد الله في كتابه «الجامع» عند كلامه على تكليم الله لموسى ﵇ قال: وأن الله كلم موسى بذاته، وأسمعه كلامه، لا كلاما قام في غيره. اهـ (١)، ونقل ابن القيم عن المصنف من كلامه في «مختصر المدونة» قوله: «وأنه تعالى فوق عرشه بذاته فوق سبع سمواته دون أرضه» (٢). قال الأشعري في مقالات الإسلاميين: وقال أهل السنة وأصحاب الحديث: ليس بجسم ولا يشبه الأشياء وأنه على العرش كما قال ﷺ : ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه: ٥] ولا نقدم بين يدي الله في القول بل نقول استوى بلا كيف وأنه نور كما قال تعالى: ﴿الله نور السموات والأرض﴾ [النور: ٣٥] وأن له وجها كما قال الله: ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ [الرحمن: ٢٧] وأن له يدين كما قال: ﴿خلقت بيدي﴾ [ص: ٧٥] وأن له عينين كما قال: ﴿تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر﴾ [القمر: ١٤] وأنه يجيء يوم القيامة هو وملائكته كما قال: ﴿وجاء ربك والملك صفا صفا﴾ [الفجر: ٢٢] وأنه ينزل إلى السماء الدنيا كما جاء في الحديث ولم يقولوا شيئا إلا ما وجدوه في الكتاب أو جاءت به الرواية عن رسول الله ﷺ ، وقالت المعتزلة أن الله استوى على عرشه بمعنى استولى (٣). وهنا مسائل أولها: أن ورود الفوقية في كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ وكلام السلف ثابتة، قال الله تعالى: ﴿يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون﴾ [النحل: ٥٠]، وقال: ﴿وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير﴾ [الأنعام: ١٨].

стр. 61

المسألة الثانية: كلمة العرش: لقد وردت مادة: (عرش) بجميع صيغها في ثلاث وثلاثين موضعا، في كتاب الله مختلفة الصيغ والأبنية، وتتفق في معنى مشترك وهو العلو والارتفاع. وقد جاءت هذه الصفة المباركة في سبع آيات مباركة قال تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه: ٥]، وفي الأعراف، ويونس، والرعد، والفرقان، والسجدة، والحديد. وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان، كان حقا على الله أن يدخله الجنة، هاجر في سبيل الله، أو جلس في أرضه التي ولد فيها»، قالوا: يا رسول الله، أفلا ننبئ الناس بذلك؟ قال: «إن في الجنة مائة درجة، أعدها الله للمجاهدين في سبيله، كل درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة» رواه البخاري (١). قال ابن خزيمة: «فالخبر يصرح أن عرش ربنا - جل وعلا - فوق جنته، وقد أعلمنا -أنه مستو على عرشه، فخالقنا عال فوق عرشه، الذي هو فوق جنته» (٢). وذكر بسنده، عن عبد الله بن مسعود ﵁: «قال: ما بين كل سماء إلى الأخرى مسيرة خمسمائة عام، وما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام، وما بين السماء السابعة إلى الكرسي مسيرة خمسمائة عام، وما بين الكرسي إلى الماء مسيرة خمسمائة عام، والعرش على الماء، والله على العرش، ويعلم أعمالكم» (٣).

стр. 62

وذكر له طرقا عدة، وهو صحيح، ورواه البيهقي عن أبي ذر مرفوعا، قريبا من لفظه (١). المسألة الثالثة: لم ينفرد المصنف بإيراد كلمة: (ذاته)؛ أي: بذاته على العرش من أئمة المذاهب الأربعة رحمهم الله تعالى، منهم أبو منصور السجزي (المتوفى سنة ٤٤٤ هـ) رحمه الله تعالى - فقد قال: «وأئمتنا كالثوري، ومالك، وابن عيينة، وحماد بن زيد، والفضيل، وأحمد، وإسحاق، متفقون على أن الله فوق العرش بذاته، وأن علمه بكل مكان» انتهى. وأبو إسماعيل الهروي (المتوفى سنة ٤٨١ هـ) رحمه الله تعالى - لما صرح في كتبه بلفظ: (الذات) قال: «ولم تزل أئمة السلف تصرح بذلك» انتهى (٢). ومن أئمة المالكية: أبو عمرو الطلمنكي المالكي، ت سنة (٣٩٩ هـ). وأبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني المالكي، ت سنة (٤٠٣ هـ). ومحمد بن موهب القبري (٣) المالكي تلميذ ابن أبي زيد وأحد شراح الرسالة، المتوفى سنة (٤٠٦ هـ) (٤). ويحيى بن عمار السجزي، ت سنة (٤٢٢ هـ)، والقاضي عبد الوهاب بن نصر المالكي، ت سنة (٤٢٢ هـ)، ولم يعلق عليها مما يقتضي ارتضاؤها. وعبد القادر الجيلاني الولي السني الحنبلي العارف المعروف ت سنة (٥٦١ هـ).

стр. 63

ومحمد بن فرج القرطبي المالكي ت سنة (٦٧١ هـ). وغيرهم كثير. تنبيه: ذهب شيخنا العلامة محمد سالم ولد عدود ﵀ إلى أنه ينبغي أن يقال: نفسه بدل كلمة ذات، لأنها لم ترد في القرآن ولا في السنة، ولأن ذات اسم موصول مؤنث يقابله ذو للمفرد المذكر، ولم تأت أبدا عند العرب مضافة للفظ الجلالة، وإنما أتت مضافة للضمير والمراد بها ملته أو شرعته أو سبيله، كقول النابغة: مجلتهم ذات الإله ودينهم … قويم فما يرجون غير العواقب ويروى محلتهم بالحاء. ومعنى مجلتهم؛ أي: مكان إجلالهم وتعظيمهم الذي يجلونه ويعظمونه هو ذات الإله، ومعناه: ملة الله وشريعة الله، والرواية الأخرى: محلتهم ذات الإله؛ أي: أن الذي يعدلون به ويرجعون إليه في أمورهم هو شرعة الله، ولا يرجعون إلى هواهم ولهذا قال: ﴿فما يرجون غير العواقب﴾؛ أي: أمور الآخرة، فهنا قال: (ذات الإله) ولم يقل: ذات الله، فأضاف لفظة (ذات) إلى الإله، لأنه ليس علما ولا ضميرا، فهذا هو السياق اللغوي. وقد استشهد أيضا بقول خبيب بن عدي ﵁ عندما أرادوا صلبه فقال: ولست أبالي حين أقتل مسلما … على أي جنب كان لله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ … يبارك على أوصال شلو ممزع الشلو: العضو، ممزع: مقطع ومفرق. فأضافا كلاهما الذات للإله وليس للعلم، أو الضمير، وما أتى من إضافتها للعلم نادر أو شاذ، فمن النادر قول إبراهيم الخليل: لقد كذبت في ذات الله ثلاث كذبات، ومن الشاذ ما وجده ابن الزبير ﵄ في حجر داخل الكعبة حين هدمها لإعادة بنائها، فوجد فيها حجرا كتب عليه: أنا الله ذو بكة، حرمتها يوم خلقت السماوات والأرض (ذو بكة)؛ معناه: مالك مكة وبكة هي مكة.

стр. 64

قال شيخنا رحمه الله تعالى: يقال نفسه كما قال: ﴿كتب﴾ … ﴿ربكم﴾ الآية، أما من نسب ذاتا له فقد عنى التي له … ملته، شرعته، سبيله والأصل أن تضاف للإله … لا للضمير أو للفظ الله كمثل ما قال خبيب إذ صلب … وقال نابغة ذبيان الذرب لأنها تأنيث (ذي) الملتزم فيه … الإضافة لغير العلم من ظاهر، قال ابن مالك - … وقد ذكر ما يلزم (ذو) في ذا الصدد (ذو ذات أنثاه، ذوات الجمع … وجريان الأصل يجري الفرع) نعم، أتت مضافة الله … في كذبات القانت الأواء وهو شذوة، ونظيره ذو … بكة مما شأنه الشذوذ لأنه اعتبر أن ذات هي اسم موصول مؤنث ذو الموصولة، ثم استشهد بقول ابن مالك في «الكافية» (١). • قال المصنف: (وهو في كل مكان بعلمه)، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في ج صلى السماء، قال تعالى: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم﴾ [المجادلة: ٧]، قال ابن كثير رحمه الله تعالى: ثم قال تعالى مخبرا عن إحاطة علمه بخلقه، واطلاعه عليهم، وسماعه كلامهم، ورؤيته مكانهم حيث كانوا، وأين كانوا فقال تعالى: ﴿إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا﴾؛ أي: من سر ثلاثة ﴿إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا﴾؛ أي: مطلع عليهم يسمع كلامهم وسرهم ونجواهم، ورسله من ملائكته أيضا مع ذلك تكتب ما يتناجون به مع علم الله

стр. 65

به، وسمعه له، كما قال تعالى: ﴿ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب﴾ (١). المسألة الرابعة: الاستواء في اللغة، وفي القرآن: حقيقة الاستواء في اللغة: التساوي واستقامة الشيء واعتداله. وقد ورد في كلام العرب على معان اشترك لفظه فيها؛ فيكون بمعنى الاستقرار، ويكون بمعنى القصد، ويأتي بمعنى العلو والركوب؛ ويأتي بمعنى المماثلة والمساواة كقوله تعالى: ﴿قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور﴾ [الرعد: ١٦]، وجاء بهذا المعنى في سبعة عشرة موضعا (٢). قال ابن عبد البر: «الاستواء: الاستقرار في العلو، وبهذا خاطبنا الله ﷺ فقال: ﴿واستوت على الجودي﴾ [هود: ٤٤]، وقال: ﴿فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك﴾ [المؤمنون: ٢٨]». وقال الشاعر: فأوردتهم ماء بفيفاء قفرة … وقد حلق النجم اليماني فاستوى وهذا لا يجوز أن يتأول فيه أحد: استولى؛ لأن النجم لا يستولي. وقد ذكر النضر بن شميل (٣) - وكان ثقة مأمونا، جليلا في علم الديانة، واللغة قال: حدثني الخليل - وحسبك بالخليل - قال: أتيت أبا ربيعة الأعرابي، وكان من أعلم من رأيت، فإذا هو على سطح، فسلمنا، فرد علينا السلام، وقال لنا: استووا، فبقينا متحيرين، ولم ندر ما قال؟ قال: فقال لنا أعرابي إلى جنبه، إنه أمركم أن ترتفعوا، قال الخليل: هو من قول الله ﷺ : ﴿ثم استوى إلى السماء وهي دخان﴾ [فصلت: ١١]، فصعدنا إليه، فقال: هل لكم في خبز فطير (٤)، ولبن

стр. 66

هجير (١)، وماء نمير؟ فقلنا: الساعة فارقناه، فقال: سلاما، فلم ندر ما قال، فقال الأعرابي: إنه سألكم متاركة لا خير فيها، ولا شر، قال الخليل: هو من قول الله: ﴿وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما﴾ [الفرقان: ٦٣] (٢). اهـ. وذكر ابن حجر في تفسير: [استوى] أقوالا عديدة ثم قال: (وأما تفسير [استوى] علا فهو صحيح وهو المذهب الحق وقول أهل السنة، لأن الله ﵎ وصف نفسه بالعلو (٣)، ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾) [الشورى: ١١]. وما دمت لا تدرك الذات فما عليك إلا أن تؤمن يقينا أنك لا تدرك الصفات. قال شيخنا العلامة الحافظ محمد سالم بن عبد الودود الملقب (ولد عدود) الشنقيطي رحمه الله تعالى: وما نقول في صفات قدسه … فرع الذي نقوله في نفسه فإن يقل جهميهم: كيف استوى؟ … كيف يجي؟ فقل له: كيف هوا؟ لا فرق بين ما سميه يعد … وصفا لنا ك (علم) أو جزء ك (يد) الباب في الجميع واحد فلا … تكن معطلا ولا ممثلا (٤) • منهج السلف في مثل ذلك: وهذا هو منهج السلف في إثبات الاستواء لله على وجه يليق بجلاله وكماله من غير تكييف، ولا تحريف، ولا تمثيل، ولا تعطيل (٥).

стр. 67

أما منهج أهل البدع فعن أشهب بن عبد العزيز قال سمعت مالك بن أنس يقول: إياكم والبدع؟ قال: «أهل البدع الذين يتكلمون في أسمائه وصفاته، وكلامه، وعلمه، وقدرته، ولا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون» (١). ولهذا قال الإمام مالك ﵀: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة» (٢). قال الحافظ الذهبي في كتاب العلو بعد ذكره لقول مالك: وهو قول أهل السنة قاطبة: أن كيفية الاستواء لا نعقلها بل نجهلها، وأن استواءه معلوم كما أخبر في كتابه، وأنه كما يليق به: لا نتعمق، ولا نتحذلق، ولا نخوض في لوازم ذلك نفيا ولا إثباتا؛ بل نسكت ونقف كما وقف السلف، ونعلم أنه لو كان له تأويل لبادر إلى بيانه الصحابة والتابعون؛ ولما وسعهم إقراره وإمراره والسكوت عنه؛ ونعلم يقينا مع ذلك أن الله ﷻ مثل له في صفاته ولا في استوائه ولا في نزوله (٣). وأصل الشبهة التي حملت القوم على التأويل زعمهم أن لفظ استوى يؤدي إلى التشبيه، فحرفوا الكلمة وزادوا لها لاما ﴿فبدل الذين ظلموا قولا

стр. 68

غير الذي قيل لهم﴾ [البقرة: ٥٩]، وزعموا أنها توهم غير اللائق، وكلمة استولى هي المنزهة اللائقة بالله، مع أنه لا يعقل تشبيه أشنع من تشبيه استيلاء الله على عرشه المزعوم باستيلاء بشر بن مروان على العراق. وهل كان أحد يغالب الله على عرشه، حتى غلبه على العرش، واستولى عليه؟ وهل يوجد شيء إلا والله مستول عليه، فالله مستول على كل شيء، وهل يجوز أن يقال إنه تعالى استوى على كل شيء غير العرش؟ فافهم … وما فروا منه وقعوا فيه، فهل نزهوه حينما شبهوا استواءه (باستيلاء) بشر بن مروان على العراق، لأن تشبيه استيلاء الله على عرشه باستيلاء بشر من أفظع أنواع التشبيه، وليس بلائق قطعا، إلا أن يقولوا: إن الاستيلاء المزعوم منزه عن مشابهة استيلاء الخلق، مع أنه ضرب له المثل باستيلاء بشر على العراق، والله يقول: ﴿فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ [النحل: ٧٤]. أيها المؤول أي الكلمتين أحق وأليق بالتنزيه؟ أكلمة جاءت من الحق بالحق، أم كلمة لا يدري من قائلها، ولا سند لها في كتاب ولا سنة ولا قول عربي فصيح (١). بل نقل أئمة عظام اتفاق العلماء على أن معنى الاستواء هو ما أشار إليه مالك رحمه الله تعالى، مثل الإمام إسحاق بن راهويه، والحافظ ابن عبد البر وغيرهم، بل ورد المعنى موقوفا على أمنا أم سلمة رضي اللاه عنها كما قال الحافظ في «الفتح»: أخرج أبو القاسم اللالكائي في كتاب السنة من طريق الحسن البصري عن أمه عن أم سلمة رضي اللاه عنها أنها قالت: «الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإقرار به إيمان والجحود به كفر»؛ ومن طريق ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه سئل كيف استوى على العرش؟ فقال: «الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، وعلى الله الرسالة، وعلى رسوله البلاغ، وعلينا

стр. 69

«التسليم» (١). والبيت المزعوم في حق بشر بن مروان، مصنوع، وأنه غير موجود في دواوين العرب، وكان غير واحد من أئمة اللغة أنكروه وقالوا: إنه بيت مصنوع لا يعرف في اللغة وقد علم أنه لو احتج بحديث رسول الله ﷺ لاحتاج إلى صحته فكيف ببيت من الشعر لا يعرف إسناده وقد طعن فيه أئمة اللغة؛ وذكر أبو المظفر في كتابه «الإفصاح»: فقال: سئل الخليل هل وجدت في اللغة استوى بمعنى استولى؟ فقال: هذا ما لا تعرفه العرب؛ ولا هو جائز في لغتها وهو إمام في اللغة على ما عرف من حاله فحينئذ حمله على ما لا يعرف حمل باطل. • إبطال دعوى أن أحاديث الصفات لا تثبت بأحاديث الآحاد: إننا نعلم جميعا أن أكثر المؤولين قالوا: نحن لا نثبت أمور الغيبيات بأحاديث الآحاد لأنها في زعمهم ولو كانت ثابتة سندا إلا أنها ظنية الدلالة! فنقول لهم: كيف أجزتم لأنفسكم أن تستشهدوا ببيت لا يعرف قائله؟!. وتستدلوا به على تفسير صفة من صفات الله الثابتة في القرآن والسنة وإجماع صدر هذه الأمة، ضاربين عرض الحائط بأحاديث صحاح رواها أئمة ثقات، وبتفسير الراسخين من أهل العلم كالصحابة والتابعين والأئمة المتبعين الأزكياء المتقين. ثم لو فرضنا أن البيت صح، وأنه يستدل بشعره كما استدل بشعر من كفر قبله لكان ينبغي أن يحمل اللفظ على ما اتفق من معانيه لا أن يخترع له معنى لا يعرفه المبرزون في اللغة كابن الأعرابي والخليل بن أحمد الفراهيدي وغيرهم، وكل أهل فن أدرى بما فيه قال تعالى: ﴿فسئل به خبيرا﴾ [الفرقان: ٥٩]. قال ابن الأعرابي: العرب لا تعرف استوى بمعنى استولى، ومن قال ذلك فقد أعظم (أي: الفرية والكذب). قالوا: وإنما يقال استولى فلان على

стр. 70

كذا، إذا كان بعيدا عنه غير متمكن منه، ثم تمكن منه؛ والله ل لم يزل مستوليا على الأشياء؛ والبيتان لا يعرف قائلهما، كذا قال ابن فارس اللغوي؛ ولو صحا، فلا حجة فيهما لما بينا من استيلاء من لم يكن مستوليا. نعوذ بالله من تعطيل الملحدة وتشبيه المجسمة. اهـ (١). • قال المصنف رحمه الله تعالى: (خلق الإنسان، ويعلم ما توسوس به نفسه، وهو أقرب إليه من حبل الوريد، ﴿وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين﴾) [الأنعام: ٥٩]. الشرح (خلق الإنسان)، قال تعالى: ﴿الرحمن علم القرآن خلق الإنسان﴾ [الرحمن: ١ - ٣] وبين سبحانه مادة خلق الإنسان ﴿خلق الإنسان﴾ ﴿من صلصال كالفخار﴾ [الرحمن: ١٤]، والإنسان من الناس، اسم اشتق من الأنس كما قال البصريون، أو من النسيان قال الكوفيون. وهل يجوز إطلاق لفظ خلق بمعنى الإيجاد أو الصنع لغير الله تعالى؟ قال الألوسي رحمه الله تعالى: والخلق بمعنى التقدير وهو وصف يطلق على غيره تعالى كما في قوله تعالى: ﴿وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير﴾ [المائدة: ١١٠]، وقول زهير: ولأنت تفري ما خلقت وبعض … القوم يخلق ثم لا يفري فريت: معناه أن تقدر الشيء وتعالجه وتصلحه، وفي معنى ذلك تفسيره بالصنع كما فعل ابن عطية، ولا يصح تفسيره بالإيجاد عندنا إذ لا خالق بذلك المعنى غيره تعالى إلا أن يكون على الفرض والتقدير. والمعتزلة يفسرونه بذلك لقولهم: بأن العبد خالق لأفعاله وموجد لها استقلالا، فالخالق الموجد

стр. 71

متعدد عندهم، وقد تكلفت الكتب الكلامية بالرد عليهم» اهـ (١). وهو سبحانه خلق الإنسان ﴿ويعلم ما توسوس به نفسه﴾؛ أي: ما يختلج في سره وقلبه وضميره، وفي هذا زجر عن المعاصي التي يستخفي بها. والوسوسة: حديث النفس؛ يقال: وسوست إليه نفسه وسوسة ووسواسا (بكسر الواو). والوسواس (بالفتح): اسم، مثل الزلزال. والوسوسة هي ما يجول في الصدر من الخواطر، والأفكار السيئة والمشغلة للعبد عن ربه، والبعد به عن صراط الله المستقيم، وهي أقسام ودركات، أشنعها ما تقدم معنا في وسوسة الشيطان اللعين في التفكر في شأن الخالق، ومنها ما يتعلق بالعبادات والمعاملات ومخالطة الناس، نعوذ بالله من شر الوسواس الخناس. (وهو أقرب إليه من حبل الوريد)، وكل هذا الذي أورده المصنف منتزع من قوله تعالى: ﴿ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه، ونحن أقرب إليه من حبل الوريد﴾ [ق: ١٦] قال ابن كثير: قوله تعالى: ﴿ونحن أقرب إليه من حبل الوريد﴾؛ يعني: الملائكة، أقرب إلى الإنسان من حبل وريده، ومن تأوله على العلم؛ فإنما فر لئلا يلزم حلول، أو اتحاد، وهما منفيان بالإجماع، تعالى الله وتقدس، ولكن اللفظ لا يقتضيه، فإنه لم يقل: وأنا أقرب إليه من حبل الوريد، وإنما قال: ونحن أقرب إليه من حبل الوريد، كما قال في «المحتضر»: ﴿ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون﴾؛ يعني: ملائكته (٢). (﴿وما تسقط من ورقة﴾ قد فقدت حياتها وأصابها الذبول والفناء فسقطت من علو إلى سفل، ومن حياة إلى اندثار ﴿إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض﴾) قد بزغت ونمت، وانبثقت من الغور إلى السطح، ومن كمون وسكون إلى اندفاع وانطلاق، فأزهرت وأثمرت إلا يعلمها جل في علاه، قال تعالى: ﴿وما

стр. 72

تخرج من ثمرات من أكمامها وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه﴾ [فصلت: ٤٧] ﴿ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين﴾ [الأنعام: ٥٩]. فلا يغيب عن علم الله من ذلك شيء جملة وتفصيلا ﴿عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين﴾ [سبأ: ٣]. قال القرطبي: وقيل: المعنى «وما تسقط من ورقة»؛ أي: من ورقة الشجر إلا يعلم متى تسقط، وأين تسقط، وكم تدور في الهواء، ولا حبة إلا يعلم متى تنبت، وكم تنبت، ومن يأكلها، «وظلمات الأرض» بطونها وهذا أصح اه (١)؛ والآية من أعظم الأدلة على أن الذي يعلم الغيب إنما هو الله الخالق البارئ، ومن ادعى علم الغيب من الكهنة والسحرة والمشعوذين فهو كافر. • فصل في استواء الرب على العرش، وذكر ما يتعلق بأسمائه الحسنى: قال المصنف رحمه الله تعالى: (﴿على العرش استوى﴾ [طه: ٥] و ﴿على الملك احتوى﴾، وله الأسماء الحسنى والصفات العلى لم يزل بجميع صفاته وأسمائه، تعالى أن تكون صفاته مخلوقة، وأسماؤه محدثة). الشرح (﴿على العرش استوى﴾ [طه: ٥]) وقد تقدم الكلام عن هذه الصفة المباركة وهي صفة الاستواء، وسنذكر هنا ما قاله ابن كثير ﵀: وأما قوله تعالى: ﴿ثم استوى على العرش﴾ فللناس في هذا المقام مقالات كثيرة جدا ليس هذا موضع بسطها، وإنما نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح: مالك (فبدأ بإمامنا) والأوزاعي، والثوري، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم من أئمة المسلمين قديما وحديثا، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل، والظاهر المتبادر إلى أذهان

стр. 73

المشبهين منفي عن الله لا يشبهه شيء من خلقه ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: ١١]. قال أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى في «الإبانة» (١): وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية: إن معنى قول الله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾، أنه استولى وملك وقهر، وأن الله تعالى في كل مكان، وجحدوا أن يكون الله مستو على عرشه، كما قال أهل الحق، وذهبوا في الاستواء إلى القدرة وذكر البراهين والأدلة على ما ذهبوا إليه فانظره في الإبانة تستفد، وقد بينا ذلك في أصل هذا المختصر فارجع إليه. (وعلى الملك احتوى)، قال في «القاموس»: احتواه واحتوى عليه: جمعه، وأحرزه؛ من حويت الشيء إذا جمعته (٢). فالمراد باحتوى في كلام المصنف: الإحاطة والله أعلم. قال الله : ﴿تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير﴾ [الملك: ١] وقال سبحانه: ﴿ولم يكن له شريك في الملك﴾ [الإسراء: ١١١]، وقال تعالى: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير﴾ [سبأ: ٢٢]. • أسماء الله وصفاته: قوله: (له الأسماء الحسنى والصفات العلى لم يزل بجميع صفاته وأسمائه، تعالى أن تكون صفاته مخلوقة، وأسماؤه محدثة). الشرح (له الأسماء الحسنى) قال تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وقال سبحانه: ﴿الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى﴾

стр. 74

[طه: ٨]، والأسماء: جمع اسم وهو مأخوذ من السمة وهي العلامة، أو من السمو وهو العلو والرفعة، ووصفها بالحسنى لدلالتها على أشرف المعاني وأفضلها، قال القرطبي: سمى الله سبحانه أسماءه بالحسنى، لأنها حسنة في الأسماع والقلوب؛ فإنها تدل على توحيده وكرمه وجوده ورحمته وإفضاله. والحسنى مصدر وصف به؛ ويجوز أن يقدر «الحسنى» فعلى، مؤنث الأحسن؛ كالكبرى تأنيث الأكبر، والجمع الكبر والحسن اهـ. يقول قوام السنة الأصفهاني (ت ٥٣٥ هـ): «قال بعض العلماء: أول فرض فرضه الله على خلقه: معرفته، فإذا عرفه الناس عبدوه، قال الله (تعالى): ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾ [محمد: ١٩]، فينبغي للمسلمين أن يعرفوا أسماء الله وتفسيرها؛ فيعظموا الله حق عظمته، ولو أراد رجل أن يعامل رجلا: طلب أن يعرف اسمه وكنيته، واسم أبيه وجده، وسأل عن صغير أمره وكبيره، فالله الذي خلقنا ورزقنا، ونحن نرجو رحمته، ونخاف من سخطه، أولى أن نعرف أسماءه ونعرف تفسيرها» (١). وفقه أسماء الله تعالى وصفاته يوجب تحقيق الإيمان والعبادة لله وحده، وإفراده - سبحانه - بالقصد والحب والتوكل وسائر العبادات، كما بين ذلك أهل العلم. ولذا: يقول العز بن عبد السلام: «فهم معاني أسماء الله (تعالى) وسيلة إلى معاملته بثمراتها من: الخوف، والرجاء، والمهابة، والمحبة، والتوكل، وغير ذلك من ثمرات معرفة الصفات» (٢). ويقول أيضا: «ذكر الله بأوصاف الجمال موجب للرحمة، وبأوصاف الكمال موجب للمهابة، وبالتوحد بالأفعال موجب للتوكل، وبسعة الرحمة موجب للرجاء، وبشدة النقمة موجب للخوف، وبالتفرد بالإنعام موجب للشكر، ولذلك قال (سبحانه): ﴿اذكروا الله ذكرا كثيرا﴾ [الأحزاب: ٤١]».

стр. 75

وقد ورد من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر» (١)، [ومعنى أحصاها: حفظها، لورود رواية مرجحة بلفظ «حفظها» كما ذهب إلى ذلك البخاري رحمه الله تعالى] (٢)؛ والحديث أيضا أخرجه الترمذي (٣) في «جامعه»، وزاد بعد قوله: «يحب الوتر: هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم … ». ثم ذكر بقية أسماء الله الحسنى. وقد جمع كثير من أهل العلم تلك الأسماء وغيرها مما صح ذكره في الآثار، وثبت خبره في كلام الواحد الغفار، وقد أوردناها في أصل هذا الكتاب، وممن أوردها الحافظ ابن حجر فقد جمع هذا العدد في كتاب «فتح الباري» (٤)، وفي «التلخيص الحبير» (٥)، ومنهم الشيخ محمد بن عثيمين في كتابه «القواعد المثلى»، وهذه الكتب الثلاثة متفقة في أكثر الأسماء، ويوجد في أحدها ما لا يوجد في الآخر. والصحيح أسماء الله الحسنى غير منحصرة في تسعة وتسعين بدليل ما رواه الإمام أحمد في «مسنده» من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ما أصاب أحدا قط هم ولا حزن، فقال: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو علمته أحدا من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله همه
следующие страницы →