← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 30137

فصل المقال في هدايا العمال

تقي الدين السبكي

Полный текст (189 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يسر «مشروع أسفار» أن يقدِّم للقارئ الكريم الإصدار السادس عشر من إصدارات المشروع؛ رسالة من رسائل التقي السبكي بعنوان: (فصل المقال في هدايا العمال). وللسُّبْكي عناية ظاهرة في تصنيف الرسائل في الموضوعات المفردة، مع حسن العرض، وجودة الفقه، فمن تلك المسائل التي صنف فيها: حكم الهدايا التي تهدى للعمال، وهل يصح أن توصف بالحل أو الحرمة جملة، أو يكون الحكم فيها مفصلا لتعدد الأحوال؟، وكان باعثه في البحث كما ذكر في تقدمته: ما أدركه السبكي من وقوع اختلاف في الديار المصرية حول حكم المسألة، وتصنيف بعضهم فيها نصرة لما ذهب إليه، وصادف ذلك اشتغال السبكي بتفسير آية لها تعلق بالمسألة في أثناء درسه على البيضاوي. وقسم السبكي كتابه على ثمانية فصول: الأحاديث الواردة في المسألة، حكم الهدية للقاضي عند الشافعية، وحكمها عند بقية المذاهب؛ كل مذهب في فصل مستقل، الفرق بين الهدية والرشوة، حكم قبول هدايا المشركين عند الشافعية، زبدة المسألة. وكان من جملة العلماء المستدرك عليهم: ابن الرفعة، إمام الشافعية، وشيخ المصنف. وأصل هذا العمل: رسالة ماجستير من المعهد العالي للقضاء التابع لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض.

стр. 2

ونسأل الله أن يغفر لمؤلف الكتاب، ويتغمده بواسع رحمته، ويرفع درجته، وأن يجزي محقق الكتاب خير الجزاء، ويسبل عظيم فضله ووافر إحسانه وبركته على من تكفل بطباعة الكتاب وساهم في إخراجه بجهده أو ماله، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. أسفار لِنَشْرِ نَفِيسِ الكُتُبِ وَالرَّسَائِلِ العِلمِيَّةِ دولة الكويت

стр. 3

المقدمة الحمد لله الذي وفق من شاء من عباده للفقه في الدين، ورفع منزلة أهل العلم درجات على سائر المؤمنين، وخصهم بأن يكونوا ورثة النبيين، ومشعلاً يُستضاء به بين العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، سيد المرسلين، وقدوة العالمين، صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه، والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد: فلا يخفى ما للفقه من منزلة عظيمة، وأهمية كبيرة، ورتبة جليلة؛ ذلك أن حاجة الناس إليه شديدة. يقول الحجوي ﵀: «فالأمة الإسلامية لا حياة لها بدون الفقه، ولا رابطة ولا جامعة تجمعها سوى رابطة الفقه وعقائد الإسلام، ولا تتعصب لأي جنسية، فهي دائمة بدوام الفقه، مضمحلة باضمحلاله» (١). والحاجة إلى الفقه شاملة لجميع المسائل كلها، دقيقها وجليلها، لا سيما المسائل التي لها الأثر البالغ في واقع الناس وتعاملاتهم. ومن هذه المسائل التي تضافرت الأدلة على بيان حكمها، وتجلية أمرها: مسألة هدايا العمال. ومما يُبيِّن عظيم موقعها وجليل خطرها، أنَّ بعض أهل العلم وصَفَها بأنَّها _________ (١) الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي ١/ ٧١.

стр. 4

هي أصل فساد العالم. يقول ابن قيم الجوزية: «الوالي والقاضي والشافع ممنوع من قبول الهديَّة، وهو أصل فسادِ العالم، وإسناد الأمر إلى غير أهله، وتولية الخونة والضعفاء والعاجزين، وقد دخل بذلك من الفساد ما لا يُحصيه إلا الله؛ وما ذاك إلا لأنَّ قبول الهدية ممن لم تَجْرِ عادته بمهاداته ذريعة إلى قضاء حاجته، وحُبُّكَ الشيء يُعمي ويُصِمُّ، فيقوم عنده شهوة لقضاء حاجته مكافأة له مقرونة بشره وإغماض عن كونه لا يصلح» (١). ولهذا، كان أغلب كلام السادة الفقهاء والعلماء الأجلاء في مدوناتهم الفقهية منصبا على القضاة، ومتوجها إليهم، وإن كان الحكم لا ينحصر فيهم، إلا أنه في حقهم أغلظ وأخطر. يقول الفقيه أبو الحسن الماوردي في حق قضاة الأحكام: «فالهدايا في حقهم أغلظ مأثما وأشدُّ تحريماً؛ لأنَّهم مندوبون لحفظ الحقوق على أهلها دون أخذها، يأمرون فيها بالمعروف وينهون فيها عن المنكر، وقد روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «لعن الله الرَّاشِي والمرتشي في الحكم» (٢) فخص الحكم بالذكر؛ لاختصاصه بالتغليظ» (٣). ويلتحق بهم عند عامة الفقهاء سائر أصحاب الولايات والأعمال والوظائف؛ فإنَّهم في حكمهم. ولما كانت هذه المسألة بهذه المنزلة، خصها بعض الفقهاء بالتأليف، _________ (١) إعلام الموقعين عن رب العالمين ٥/ ٢٠. (٢) سيأتي تخريجه والحكم عليه ص ٦٠. (٣) الحاوي، للماوردي ١٦/ ٢٨٦.

стр. 5

ووسع القول فيها، ومن هؤلاء العلامة المتفنن تقي الدين علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام السبكي (ت ٧٥٦ هـ)، حيث ألف رسالة وسمها بـ: (فصل المقال في هدايا العمال) بين فيها حدود هذه المسألة وصورها، ووسع القول في بيان أحكامها وذكر الأدلة عليها. وقد يسر الله ـ بحوله وقوته ـ أن حصلت على نسخة وحيدة نفيسة لهذه الرسالة، فقرأتها، وفحصتها، وتحققتها، ووجدتها سفرًا من أسفار الفقه العظيمة، وعُمدةً في بابها، ففرحت بذلك جدًّا، وسارعت باقتناء المخطوطة، وإعداد خطة بحثية لتحقيقها؛ ليكون هذا الكتاب موضوعًا للحصول على درجة الماجستير في الفقه المقارن من المعهد العالي للقضاء (١)، وها أنا بحمد الله اليوم: أطوي مدة زمنية متواصلة قاربت السنة ونصفها، قضيتها في تحقيق هذا السفر الفريد، لأقدمه إلى ثلة من العلماء الفاحصين لتقويمه وتصويبه، وبعد ذلك إلى طبعه ونشره؛ لأشبع به نهم العلماء العارفين، والقضاة العادلين، وطلاب العلم المثابرين، ويأخذ هذا الكتاب موقعه في المكتبة الإسلامية بعد أن كان غائبًا عنها دهرا من الزمان. أهمية الموضوع وأسباب اختياره: ١ - جلالة مؤلف هذا الكتاب ومكانته العلمية، حيث إنه أحد المحققين الكبار، والأعلام البارزين في المذهب الشافعي، وهو من الذين اتسمت مؤلفاته _________ (١) عند إعداد الكتاب للطباعة تم تقليص عدد صفحات الرسالة إلى ثلثي حجمها، وذلك باختصار ترجمة السبكي، وحذف الفهارس العلمية المساندة لفهرس الموضوعات، وحذف تراجم أكثر الأعلام الذين ورد ذكرهم في النص لا سيما رجال الأسانيد، مع اختصار تخريج الأحاديث، وحذف التعريف بكثير من المصطلحات إلى غير ذلك.

стр. 6

بالتحقيق والتدقيق، واشتملت على بحوث نافعة وتحريرات بالغة؛ فثناء العلماء عليه وشهرة ذلك غني عن البيان. ٢ - ما لهذا الكتاب من أهمية بالغة؛ حيث إن له صلة مباشرة بباب القضاء خصوصاً ـ والقضاء باب من أبواب الفقه - حيث حرّر فيه المؤلّف مسائل عدَّةً تهم القضاة؛ كمسألة حكم الهدية، والفرق بينها وبين الرشوة، وأيضًا مسألة قبول هدايا المشركين، ومسألة الرشوة هل تُرَدُّ لبيت المال أم لصاحبها؟ إلى غير ذلك من المسائل. ويزيد هذا العلق النفيس نفاسةً، أن مؤلّفه ممَّن وَلِيَ القضاء، وعاناه زمنًا، وعايشه دهرًا، مما أكسبه خبرةً بمسائله ومعرفةً بقضاياه. ٣ - كونه اشتمل على ذكر الخلاف العالي بين المذاهب الفقهية، فلا يأتي على مسألة إلا ويذكر الخلاف فيها، فهو قد اعتنى فيه بذكر الخلافيات، فهو يذكر الخلاف داخل المذهب الشافعي حسب اختلاف طرق أتباع الإمام الشافعي في حكاية المذهب المعتمد فيذكر طريقة العراقيين من أصحاب الإمام الشافعي ﵀؛ كأبي الطيب، والبَنْدَنِيجي، وابن الصباغ. ويضاف إلى هذا كله، ذكر أقوال المذاهب الأخرى، بل ومن شدة استقصائه ﵀ في دراسة مسائل هذا الكتاب أن يذكر ما وجده في المسألة محل البحث حتى وإن كانت احتمالاً في مذهب آخر غير مذهب الشافعي، كما هو الحال في نقولاته غير القليلة عن موفق الدين ابن قدامة في عددٍ من المسائل، كاحتمال فقهي على مذهب أحمد في المسألة محل البحث. ٤ - ظهور براعة مؤلّفه في تقرير الأشبه بمذهب الإمام فيما لا نص فيه، أو حصل التعارض فيه بين نصوصه.

стр. 7

٥ - عنايته ﵀ في هذا الكتاب بالأثر والرأي معا. ٦ - اشتمال هذا الكتاب على نُقول كثيرة عن عدد من أهل العلم. ٧ - احتواؤه على نصوص من كتب تعد في عداد المفقود؛ حيث لا أثر لها، ولا خبر عنها، مما يزيد هذا الكتاب قيمةً وأهمية مما سيأتي الإشارة إليه في موضعه. ٨ - التعرف على بعض كتب المصنف التي لا تزال مفقودة، وأشار إليها في كتابه هذا ومن ذلك: تفسيره الموسوم بـ «الدر النظيم في تفسير القرآن الكريم». ٩ - أن هذا الكتاب على أهميته، لا يزال مخطوطاً ولم يحقق قبل ذلك، مما قوى الرغبة في خدمته الخدمة اللائقة به. وبعد هذا كله أقول: لقد علم الله ـ وكفى به سبحانه شهيدا ــ ما بذلت في هذا السفر من العناية والاهتمام، واستفراغ الوسع لإخراجه بما يليق بمكانة مصنفه، ووفق ما يريده، فقد لزمت هذا الكتاب ما يقارب السنة، وجعلت له سنام وقتي، أحرر لفظه، وأخدم نصه، وأحليه بكلام أهل العلم ليزيد رونقه، ويسفر وجهه، ويكون تحفة لقارئه، فيعم به النفع، ويحصل به المقصود. ويعلم كل من له عناية بفن التحقيق، أن التحقيق على نسخة واحدة صعب جدا وشاق، بل الجهد فيه يربو على ما لو كان للمخطوط أكثر من نسخة، وهذا المعنى وجدته نصب عيني في عملي هذا، حيث أنه كانت تعترضني بعض الكلمات، ويشكل عليَّ رسمها، أو تكون غير واضحة، أو واضحة ولكن غير مفهومة المعنى، وليس أمامي خيار إلا بالرجوع إلى الكتب التي تكون مظنة

стр. 8

لاستفادة المؤلف منها، أو الكتب التي تنقل عنه. وإني في ختام مقدمة هذا العمل وديباجته: أتقدم إلى الله العلي الكبير، صاحب الفضل والإحسان، واللطف والامتنان، والطول والإنعام، حامداً ومثنياً وشاكراً له ـ سبحانه ـ على ما تفضل به عليَّ من نعمة الإسلام والتوحيد، والتوفيق والهداية، لسلوك سبيل العلم الشرعي ودراسته، وسائر سوابغ نعمه، فلك الحمد يا رب أولاً وآخراً، وظاهراً وباطناً. ثم الشكر المتجدد، والثناء المتدفق؛ لصاحبي الفضل والإحسان، والبر والحنان؛ نور الدنيا، وبهجة الحياة، من عُمِرَ قلبي بمحبتهما، ولهج لساني بالدعاء الخالص لهما: والدي الكريمين؛ فما زلت ببركة دعائهما أجني الخير والفلاح والتوفيق، فأسأل الله أن يضاعف لهما الأجر والثواب، وأن يحسن إليهما كما أحسنا إليَّ، وأن يمد في أعمارهما على عمل صالح، وخير وتوفيق، وأن يمتعهما بالصحة والسلامة والعافية. ولأبي ذي المقام الرفيع: شكر عاطر منفرد ومجتمع؛ على صبره ومصابرته، وتضحيته بأمور دنياه في سبيل تربية ولده، ودعمه وتشجيعه منذ الصغر على حفظ القرآن العظيم، وسلوك سبيل العلم الشرعي، تولّى الله عني مكافأته، وأعان على الخير نيته، وأصحب بقاءه عزا وسعادة، وبركة وتوفيقاً. ثم الشكر لفضيلة شيخنا وأستاذنا الدكتور/ عبد الحميد بن عبد الله المجلي رئيس قسم السياسة الشرعية في المعهد العالي للقضاء، الذي له الجهد العظيم في إخراج هذا التحقيق إخراجاً متقناً وحرصه على ذلك؛ فجزاه الله عني خير الجزاء، وبارك الله في علمه وفي عمره، وجعله مباركاً أيما كان. كما أشكر فضيلة شيخنا الدكتور/ عبد الملك بن مرشود العتيبي عضو

стр. 9

هيئة التدريس في جامعة الملك سعود، الذي كان سبباً في اقتناء هذا المخطوط وعلى متابعته وتشجيعي، فجزاه الله عني خيراً. والشكر موصول إلى إخوتي الكرام الأعزاء، ولكل من أعان وسدد ونصح، فلهم مني جميعاً أطيب الشكر وأجزله وأوفره. وأختم بما بدأت به حامداً ومصلياً، فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على نبينا محمد وآله.

стр. 10

القسم الدراسي وفيه فصلان الفصل الأول: التعريف بالمؤلّف. الفصل الثاني: دراسة الكتاب.

стр. 11

الفصل الأول التعريف بالمؤلف وفيه ستة مطالب: المطلب الأول: اسمه، ونسبه، وكنيته، ولقبه، ومولده. المطلب الثاني: شيوخه، وتلاميذه الآخذون عنه. المطلب الثالث: مكانته العلمية، وثناء العلماء عليه. المطلب الرابع: عقيدته، ومذهبه الفقهي. المطلب الخامس: آثاره العلمية. المطلب السادس: وفاته.

стр. 12

المطلب الأول: اسمه ونسبه، وكنيته، ولقبه، ومولده هو علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام بن يوسف بن موسى بن تمام بن حامد بن يحيى بن عمر بن عثمان بن علي بن مسوار بن سوار بن سليم السبكي، هذا ما أثبته ولده تاج الدين في طبقاته (١). ويُنسب السبكي إلى قرية (سُبْك)، بضم السين وسكون الباء، إحدى قرى مصر بالمنوفية (٢). يكنى بأبي الحسن، ويلقب بتقي الدين. وأما مولده؛ فقد اتفقت كلمة المؤرخين على أن السبكي وُلِد بسبك، وكان ذلك في مستهل شهر صفر سنة ثلاث وثمانين وستمائة (٣)، وقد ذكر ولده تاج الدين أنه وُلِد في اليوم الثالث منه (٤). المطلب الثاني: شيوخه، وتلاميذه الآخذون عنه أما شيوخ المصنف فمنهم: ابن الرفعة (ت ٧١٠) صاحب المطلب العالي وكفاية النبيه، وعبد المؤمن الدمياطي (ت ٧١٤) - وقد نقل عنهما في كتابنا هذا ــ، _________ (١) ينظر: طبقات الشافعية الكبرى ١٠/ ١٣٩. (٢) ينظر: طبقات الشافعية، لابن قاضي شهبة ٣/ ٣٧، ٣/ ٣٨، الدرر الكامنة، لابن حجر ٤/ ٧٤، حسن المحاضرة ١/ ٣٢١. (٣) ينظر: طبقات الشافعية ٣/ ٣٨، الدرر الكامنة، ٤/ ٧٤، حسن المحاضرة ١/ ٣٢١، الأعلام، للزركلي ٤/ ٣٠٢. (٤) ينظر: طبقات الشافعية الكبرى ١٠/ ١٤٨.

стр. 13

وعلم الدين العراقي (ت ٧٠٤) أخذ عنه التفسير، وعلاء الدين الباجي (ت ٧١٤) أخذ عنه الأصلين، وأبو حيان الأندلسي (ت ٧١٥)، وغيرهم. وأما تلاميذه فمنهم: الصفدي (ت ٧٦٤)، والعلائي (ت ٧٦١)، والإسنوي (ت ٧٧٢)، والبرزالي (ت ٧٣٩)، والذهبي (ت ٧٤٨)، وابنه التاج (ت ٧٧١)، وغيرهم. المطلب الثالث: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه كان للسبكي مكانةٌ علمية بحيث كثرت كلماتُ الثناء عليه أثناء ترجمة العلماء له، وهذه طائفة من هذه الكلمات، قال ابنه تاج الدين: «وقد تولى بدمشق مع القضاء خطابة الجامع الأموي … وقال لي شيخنا الذهبي حين ولي الخطابة: إنه ما صعد هذا المنبر بعد ابن عبد السلام، أعظم منه» (١). وقال أيضا: «ولقد سمعت صلاح الدين خليل كيكلدي العلائي يقول: الناس يقولون: ما جاء بعد الغزالي مثل السبكي، وعندي أنهم يظلمونه بهذا، وما هو عندي إلا مثل سفيان الثوري» (٢). وقال الذهبي: «القاضي الإمام العلامة الفقيه المحدث الحافظ فخر العلماء، تقي الدين أبو الحسن السبكي، ثم المصري الشافعي .. كان صادقًا مثبتًا، خيرًا دينا متواضعاً، حسن السَّمْتِ، من أوعية العلم، يدري الفقه ويقرّره، وعِلْمَ الحديث ويُحرّره، والأصول ويُقرئها، والعربية ويحققها .. وصنف التصانيف المتقنة، وقد بقي في زمانه الملحوظ إليه بالتحقيق والفضل» (٣). _________ (١) طبقات الشافعية الكبرى ١/ ١٦٨. (٢) طبقات الشافعية الكبرى ١٠/ ١٩٧. (٣) طبقات الشافعية الكبرى ١٠/ ١٤٧، ١٤٨.

стр. 14

وأما الحافظ أبو الحجاج المزي فلم يكتب لفظة شيخ الإسلام إلا له، وللشيخ تقي الدين ابن تيمية، وللشيخ شمس الدين بن أبي عمر (١). المطلب الرابع: عقيدته، ومذهبه الفقهي عقيدته: كان أبو الحسن علي بن عبد الكافي السبكي على مذهب أبي الحسن الأشعري في مسائل أصول الدين، قال السيوطي - ﵀ -: «ولما توفي المزي، عينت مشيخة دار الحديث الأشرفية الذهبي، فقيل: إن شرط واقفها أن يكون الشيخ أشعري العقيدة، والذهبي متكلم فيه فوليها السبكي» (٢). مذهبه الفقهي: الإمام السبكي شافعي المذهب، بل إمام الشافعية في عصره، ويصفه ابنه في الطبقات بشافعي الزمان (٣). المطلب الخامس: آثاره العلمية يعتبر الشيخ الإمام من أكثر العلماء الذين صنفوا الكتب في كثير من المجالات والفنون، وفي ذلك يقول ابنه تاج الدين: «اعلم أن باب مباحثه بحر _________ (١) ينظر: طبقات الشافعية الكبرى ١٠/ ١٩٥. (٢) ذيل طبقات الحفاظ، للسيوطي، ص ٢٣٤، طبقات الحفاظ، للسيوطي، ص ٥٢٦. وراجع الحادثة في: طبقات الشافعية الكبرى ١٠/ ٢٠٠، ٢٠١. (٣) ينظر: طبقات الشافعية الكبرى ١٠/ ١٤١.

стр. 15

لا ساحل له، ولقد سمعت بعض الفضلاء يقول: أنا أعتقد أن كلَّ بحث يقع اليوم على وجه الأرض فهو له، أو مُستمَدٌّ من كلامه وتقريراته التي طبقت طبق الأرض» (١). ويقول أيضا: «ومما أعتقد به عظمة الشيخ الإمام ﵀ أن عامة تصانيفه اللطاف في مسائل نادرة الوقوع، مولدة الاستخراج لم يسبق فيها للسابقين كلام، وإن تكلّم في آية أو حديث أو مسألة سبق إلى الكلام فيها، اقتصر على ذكر ما عنده ممّا استخرجته فكرته السليمة، ووقعت عليه أعماله القويمة، غير جامع كلمات السابقين» (٢). وقال السيوطي: «وصنّف نحو مائة وخمسين كتابًا مطولاً ومختصرًا، والمختصر منها لا بدّ وأن يشتمل على ما لا يوجد في غيره، من تحقيق وتحرير لقاعدة واستنباط دقيق» (٣). فمن تلك المؤلفات ما هو مطبوع ومنها ما هو مخطوط أو مفقود، وسأقتصر على ذكر ما علمته مطبوعا (٤): * الإبهاج في شرح المنهاج، كتب فيه جزءًا حتى مقدمة الواجب وأتمّه ولده التاج السبكي، طبع بدار البحوث الإسلامية وإحياء التراث سنة ١٤٢٤ هـ، ٢٠٠٤ م. * التمهيد في ما يجب التحديد، نشره صلاح الدين المنجد، دمشق، مطبعة الشرقي، عام ١٣٧٠ هـ، ١٩٥١ م. _________ (١) طبقات الشافعية الكبرى ١٠/ ٢٦٦. (٢) المصدر السابق ١/ ١٠٠. (٣) بغية الوعاة ٢/ ١٧٧. (٤) وانظر: طبقات الشافعية الكبرى ١٠/ ٣٠٧ - ٣١٥.

стр. 16

• رسالة في رفع اليدين في الصلاة، طبعت ضمن كتاب «مجموعة الرسائل المنيرية» طبع في بيروت، إدارة الطباعة المنيرية، ١٩٧٠ م، ص ٣٥٣. • شفاء السقام في زيارة خير الأنام، طبع في حيدر آباد، عام ١٣١٥ هـ. • فتاوى السبكي، طبعت في القاهرة، مكتبة القدسي ١٩٣٧ م. • السيف الصقيل في الرد على ابن زفيل، القاهرة، مطبعة السعادة ١٩٣٧ م. • تكملة «المجموع شرح المهذب» قال ولده في الطبقات ١٠/ ٣٠٧: «بنى على النووي ﵀ من باب الربا، ووصل إلى أثناء التفليس، في خمس مجلدات»، حققه وعلق عليه وأكمله بعد نقصانه محمد نجيب المطيعي، نشرته: مكتبة الإرشاد، جدة - المملكة العربية السعودية. • العلم المنشور في إثبات الشهور، طبعته مكتبة الشافعي في الرياض، الطبعة الثانية ١٤١٠ هـ. • معنى قول المطلبي إذا صح الحديث فهو مذهبي، طبع ضمن الرسائل المنيرية ص ٩٨. • إن مدرك الركوع ليس بمدرك الركعة على الصحيح، مطبوع مع كتاب: جزء القراءة خلف الإمام للإمام البخاري، حققه فضل الرحمن الثوري، نشرته المكتبة السلفية بباكستان، لاهور سنة ١٤٠٠ هـ، ١٩٨٠ م. • الابتهاج شرح المنهاج، حقق في رسائل علمية بجامعة أم القرى. • إبراز الحكم من حديث «رفع القلم»، حققه كيلاني محمد خليفة، ونشرته دار البشائر الإسلامية، بيروت سنة ١٤١٢ هـ، ١٩٩٢ م. • أحاديث رفع اليدين، مطبوع ضمن مجموعة الرسائل المنيرية، دار

стр. 17

إحياء التراث العربي، بيروت. • أحكام كل وما عليه تدل، مطبوع بذيل تلقيح المفهوم في تخصيص صيغ العموم، للحافظ العلائي. • الاعتبار ببقاء الجنة والنار، حققه: طه الدسوقي حبيشي في القاهرة سنة ١٩٨٧ م. بيان حكم الربط في اعتراض الشرط على الشرط، حققته: نورة أمين البساطي من جامعة أم القرى، سنة ١٤١٤ هـ. • الرفدة في معنى وحده، حققه: الدكتور عبد الكريم الزبيدي، نشرته دار البلاغة سنة ١٤٠٩ هـ، ١٩٨٨ م. • السيف المسلول على من سب الرسول، نشرته دار الفتح، عمان - الأردن، سنة ١٤٢١ هـ، ٢٠٠٠ م، بتحقيق: إياد أحمد الغوج. • القول الموعب في القضاء بالموجب، حققه الدكتور علي القصير، ونشره في مجلة البحوث الفقهية المعاصرة في عدد: ٦٤، سنة ١٤٢٥ هـ. • المسائل الحلبية، طبعت باسم: قضاء الأرب في أسئلة حلب، حققه: محمد عالم عبد المجيد الأفغاني، نشرته المكتبة التجارية بمكة المكرمة سنة ١٤٠٩ هـ. • السهم الصائب في قبض دين الغائب، طبع بتحقيق الدكتور: خالد بن محمد العروسي ضمن بحوث مجلة أم القرى العدد الخامس والعشرين (ص ٦٤٧ - ١٠١٦) ١٤٢٣ هـ. • ورد العلل في فهم العلل، حققه الدكتور: علي بن صالح المحمادي،

стр. 18

جامعة أم القرى. * كتاب بر الوالدين، طبعت بدار البشائر الإسلامية، تحقيق: نظام محمد صالح يعقوبي. * نصيحة القضاة، ضمن كتاب معيد النعم ومبيد النقم، ص ٥٠، نقلها التاج من خطه ﷺ . المطلب السادس: وفاته ابتدأ الضعف به في ذي القعدة سنة ٧٥٥ هـ، واستمر عليلا، إلا أنه لم يُحَمَّ قطُّ. واستمر بدمشق عليلا، فأناب ولده تاج الدين على قضاء الشام بدلا عنه، ثم انتقل إلى الديار المصرية، حيث كان يذكر أنه لا يموت إلا بها، فاستمر عليلا أياما يسيرة، ثم توفي ليلة الاثنين المسفرة عن ثالث جمادى الآخرة سنة ٧٥٦ هـ، بظاهر القاهرة، ودفن بباب النصر، تغمده الله برحمته ورضوانه، وأسكنه فسيح جناته، وأجمع من شهد جنازته أنه لم ير جنازة أكثر جمعاً منها (١). _________ (١) ينظر: طبقات الشافعية الكبرى ١٠/ ٣١٥، ٣١٦.

стр. 19

الفصل الثاني دراسة الكتاب وفيه ثمانية مطالب: * المطلب الأول: إثبات اسم الكتاب. * المطلب الثاني: توثيق نسبة الكتاب لمصنفه. * المطلب الثالث: التعريف بالكتاب، وبيان السبب الباعث على تأليفه. * المطلب الرابع: منهج المصنف في الكتاب. * المطلب الخامس: مصادر المؤلف في الكتاب. * المطلب السادس: محاسن الكتاب. * المطلب السابع: المآخذ على الكتاب. * المطلب الثامن: وصف النسخة الخطية للكتاب.

стр. 20

المطلب الأول: إثبات اسم الكتاب سُمي هذا الكتاب بـ «فصل المقال في هدايا العمال» وهذه التسمية يمكن إثباتها بما يأتي: ١ ـ أن المؤلف نفسه قد نص على اسم هذا الكتاب في مقدمته، حيث قال: «وبقي في نفسي ما لم يحتمله التفسير، فأحببت أن أبينه فأفردت هذه الكراسة وجعلتها مسألة مستقلة سميتها «فصل المقال في هدايا العمال» وهو مرتب على فصول» (١). ٢ ـ أن علماء الشافعية ﵀ ذكروا اسم هذا الكتاب كما هو مثبت على طرة المخطوط، ومن هؤلاء: أ ـ أن ابنه التاج نسبه إليه فإنه لما ذكر محاسن أبيه في كتابه «معيد النعم ومبيد النقم» عدَّ منها تأليفه هذا الكتاب، وامتدحه وأطراه، فقال: «ومن محاسن الشيخ الإمام رحمه الله تعالى، كتاب «فصل المقال في هدايا العمال»؛ اشتمل على فوائد نفيسة، فلينظره من شاء» (٢). ب - أن ابنه التاج ذكره عندما عدَّد مصنَّفاتِ والده فنَصَّ عليه وسمَّاه: «فصل المقال في هدايا العمال» كما هو مثبت على طرة المخطوط، وأشار إلى مختصره أيضاً (٣)، وهو مطبوع ضمن فتاوى السبكي ١/ ٢٠٣ وما بعدها، _________ (١) ٣/ أ (٢) معيد النعم ومبيد النقم، ص ٤٩. (٣) ينظر: طبقات الشافعية الكبرى ١٠/ ٣٠٩، معجم الشيوخ، للسبكي ص ٢٧٩.

стр. 21

وتوجد نسخة منه في المكتبة المركزية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية برقم (٤٨٧٠/ ١ ف). ج ـ جلال الدين السيوطي؛ حيث ذكر أن للسبكي مصنفات جليلةً، فنص عليه، وسماه «فصل المقال في هدايا العمال» (١). المطلب الثاني: توثيق نسبة الكتاب لمصنفه ﵀ - مما لا شك فيه ثبوت نسبة كتاب «فصل المقال في هدايا العمال» لمؤلفه: أبي الحسن علي السبكي ﵀. وهذا الأمر مقطوع به دون تطرق احتمال أو شك؛ وذلك للأمور الآتية: ١ - أن المصنف نفسه ـ أعني التقي السبكي ـ أشار في كتابه هذا إلى تفسير له موسوم بـ «الدر النظيم في تفسير القرآن الكريم» حيث قال في أول رسالته هذه: «والآن عن لي أن أكتب شيئاً في ذلك، والحامل على ذلك أنني لما وصلت في التفسير إلى قوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾، إلخ (٢). مما يدل على أن هذا الكتاب هو أحد مؤلفاته». ٢ - أن المصنف نفسه أشار إلى مختصره، في فتاواه، وبالمقارنة بين المختصر وبين الأصل، ظهر أنه مطابق لألفاظه ومضمونه وفكرته، فجاء في المختصر: «وبعد: فهذا مختصر من كتابي فصل المقال في هدايا العمال، مرتب على فصلين: الفصل الأول» (٣). _________ (١) ينظر: حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة ١/ ٣٢٢. (٢) ٢/ ب، ٣/ أ. (٣) ينظر: فتاوى السبكي ١/ ٢٠٣، ٢/ أ.

стр. 22

وإذا طابقت بين هذا الكلام في مختصره وبين الكلام في الأصل، تجد بينهما تطابقا بينا (١). ٣ ـ أن مضمون ما في هذه الرسالة من فتاوى وتقريرات، موافق تماما لما في كتبه، ورسائله الأخرى من فتاوى وتقريرات، فعلى سبيل المثال: في فتوى له في «قضاء الأرب في أسئلة حلب» أجاب فيها بجواب قال فيه: «والهدية يقصد بها التودد والميل، ووجه المهدى إليه، والميل هو المحذور في القاضي فافترقا» (٢). وبمقابلة هذه الفتوى والتقرير بما في رسالته هذه نجد أن بينهما تطابقا وتوافقا، ويظهر ذلك بالرجوع إلى كلامه في الفرق بين الهدية والصدقة في رسالته هذه (٣) ـ محل التحقيق والدراسة ـ. ٤ ـ أن عدداً من الفقهاء نقلوا عنه فتاوى له ـ اشتمل عليها هذا الكتاب ــ، ومنهم: * ابن حجر الهيتمي في كتابه: (تحفة المحتاج)، في موضعين الموضع الأول، حيث قال: «وبحث التاج السبكي أن خِلَعَ الملوك؛ أي: التي من أموالهم كما هو ظاهر، ليست كالهدية، بشرط اعتيادها لمثله، وأن لا يتغير بها قلبه عن التصميم على الحق، وسائر العُمَّال مثله في نحو الهدية، لكنه أغلظ، هذا ما أفتى به جمع واعتمده السبكي» (٤). وبتدقيقنا لهذا النص الذي نقله الهيثمي مع كتابنا هذا نجد أنه مطابق لما نقل، وهو موجود فيه (٥). الموضع الثاني، قال فيه أيضا: «وقول البدر بن جماعة بالحل لهم ضعيف _________ (١) ٣/ ١ (٢) قضاء الأرب في أسئلة حلب، ص ٣٥١. (٣) ١/ ٢٦ (٤) تحفة المحتاج في شرح المنهاج وحواشي الشرواني والعبادي ١٣٧/ ١٠، ١٣٨. (٥) ٢٥/ ب

стр. 23

جدا مصادم للحديث المشهور «هدايا العمال غلول» ولما سأل السبكي شيخه ابن الرفعة عن هذا التخالف فأجابه بأنهم إن كافئوا عليها ولو بدجاجة لم يحرم قال: أتوهم أن الحامل له على هذا الجواب عدم موافقته للطائفتين، أو عدم إتقانه للمسألة والله يغفر لنا وله. اهـ.» (١) وبتدقيقنا لهذا النص الذي نقله الهيثمي مع كتابنا هذا نجد أنه مطابق لما نقل، وهو موجود فيه (٢). * وكذا عبد الحميد الشرواني في حاشيته، حيث قال: «قوله: بل احترز به عما ينقل للرشوة … إلخ، للسبكي أن يلتزم كون ذلك من الهدية. غاية الأمر أنه هدية ورشوة، ويدل عليه خبر «هدايا العُمَّال غُلول» ونحوه فسماها هدايا، والأصل الحقيقة، ويدخل على ما قاله السبكي ما إذا لم يكن مع قَصْدِ شيءٍ مطلقا، فإن الظاهر أنه من الهدية، فليتأمل» (٣). * وكذا محمد بن محمد بن الحسيني، الشهير بالمرتضى الزبيدي، حيث نقل عنه في «إتحاف السادة المتقين» نصا عزاه لرسالته هذه، فقال: «قال التقى السبكي في فصل المقال … » (٤). وبالمقارنة بين هذا النص الذي نقله الزبيدي مع كتابنا هذا نجد بينهما تطابقا (٥). وكل ما سبق يصح نسبة هذا الكتاب إليه، ويثبت به كونه أحد تآليفه، وهي أمور كافيه إن شاء الله في القطع بأن فصل المقال، كتاب فقهي الإمام شافعي، مارس القضاء وخبره، وعرف مسائله ودرى أحواله، هو الإمام التقي السبكي رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى. _________ (١) تحفة المحتاج في شرح المنهاج وحواشي الشرواني والعبادي ١٠/ ١٣٨. (٢) ٢/ ب. (٣) تحفة المحتاج في شرح المنهاج وحواشي الشرواني والعبادي ٦/ ٢٩٧. (٤) إتحاف السادة المتقين ٦/ ١٦٤. (٥) ١٠/ ب، ١١/ أ، ١١/ ب.

стр. 24

المطلب الثالث: التعريف بالكتاب، وبيان السبب الباعث على تأليفه من المسائل المشهورة، والأبحاث المتداولة، والفروع المعروفة: هدايا العمال وما يتعلق بها من مسائل. وللعلماء فيها مذاهب متسعة، وأقوال كثيرة؛ ولهذا وقع بينهم كلام طويل فيها، وتنازعوا في حكمها، ولهم تفصيلات وتفريعات. وبسبب هدايا أُهديت من الولاة المعروفين والأمراء المشتهرين، وقع الكلام في حكمها في بعض البلاد والديار؛ كبلاد مصر وديارها. وكان تقي الدين أبو الحسن السبكي آنذاك قاضيًا من قضاة الشام البارزين، ممن يعاني القضاء، ويتولى أمره، ويبحث شؤونه، ويتتبع مسائله، ويتقصى أخباره، وبلغه الكلام الواقع فيها، والتنازع الحاصل فيها؛ مما جعله يكتب رسالة في هذا الباب، ويوضح فيها الصواب، ويفصل الخطاب، قال في مقدمتها: «فإني كنت في الشام في سنة سبع وسبعمئة في رحلتي إليها، ووقع في الديار المصرية في ذلك الوقت الكلام في هدايا العمال وحكمها في مذاهب العلماء المعوّل عليها، بسبب هدايا أهديت إلى بيبرس وسَلَّار ونحوهما من أمراء الأمة، وهل توصف بالحِلّ أو الحُرمة؟ فأفتاهم عز الدين عبد العزيز بن عبد الجليل النَّمْراوي الشافعي بتحريمها، ووافقه الشيخ شمس الدين محمد بن يوسف بن هبة الجوزي الخطيب، ونجم الدين الحسين بن علي بن سيد الكل الأسواني، متمسكين بالحديث المشهور: «هدايا العُمَّال غُلُولٌ» (١)، وبقول الفقهاء في القاضي: ولا يقبل الهدية ممن لم يكن له عادة بالهدية، وأفتاهم بدر الدين بن جماعة قاضي الشافعية بإباحتها، وأنكر القول بالتحريم، وعمل في _________ (١) سيأتي تخريجه ص ٦٩.

стр. 25

ذلك تصنيفا لطيفًا، ووقفت عليه. ولما قدمت من الشام وبلغني ذلك، وإنكار القاضي بدر الدين على النمراوي في فتواه بذلك، سألت عن ابن الرّفْعة: ما كان جوابه في ذلك؟ فقال: إنه سأل المهدى إليهم: هل تثيبون عليها؟ فقالوا: نعم، فقال لهم: هذه هبة ثواب، وليس من الهدايا المحرَّمة، فقالوا: ما هو الثواب؟ فقلت: ولو دجاجة. هذا ما اتفق في ذلك، وما برحت أستنكر القول بالإباحة، وقول ابن الرفعة أيضًا، وأتوهم أن الحامل له على ذلك قصده عدم موافقة الطائفتين ـ والله يغفر لنا وله ـ أو عدم إتقان المسألة» (١). فوسع السبكي القول فيها، وبيَّنها بيانا شافيًا، وأفرد لها كراسةً، وجعلها مستقلة، وسماها: «فصل المقال في هدايا العمال». ورتبها على فصول مفصلة: فجعل الفصل الأول فيما ورد من الأحاديث في ذلك. وكان ينقل الأحاديث مسندة منه إلى من أخرجها، ثم يبين درجتها صحةً وضعفاً. ومجموع ما ذكره من الأحاديث في هذا الكتاب على هذا النحو تسعة أحاديث، واحد منها في الرشوة، والبقية في التجارة. ثم الفصل الثاني: في حكم الهدية. وذكر فيه المؤلِّف ما قيل في الهدية إلى القاضي، ونقل كلام أصحابه _________ (١) ٢/ أ، ٢/ ب. وسيأتي التعريف بالأعلام الوارد ذكرهم في النص المحقق.

стр. 26

الشافعية مع الحُجَج، والتعليق على ذلك. وقد أطال في ذلك، وأكثر من النقل عنهم. ثم عقب ذلك بفصل ثالث: فرق فيه بين الرشوة والهدية، فذكر فيه كلام الناس، وجمع، ووفق، ونبه إلى عدم الاختلاف فيه. وقد بسط الكلام في هذا الموضع؛ فبين معنى الهدية، ووجه استحبابها، ثم عرَّف بالرشوة، وشرح معناها، ثم نقل كلام العلماء في التفريق بينهما، وحقق في ذلك. ثم بعد أن فَرَغَ منه رجع إلى نقل كلام بقية الفقهاء في حكم الهدايا، وعقد لذلك فصلاً رابعاً. وعقد بعده فصلا خامسًا فيما قاله أصحابه في قبول هدايا المشركين. ثم عقد فصلا سادساً لما قالته المالكية في ذلك؛ نقل فيه عن أئمتهم وفقهائهم أقوالهم في هذه المسألة، وحكاها عنهم من كتبهم ومدوناتهم. ثم جعل لما ذكره الحنابلة وغيرهم فيها فصلا سابعاً. ثم ألحق بالفصول السابقة فصلا فيه زبدة القول وخلاصة الكلام وحاصل ما قيل. المطلب الرابع: منهج المصنف في الكتاب سار الإمام التقي السبكي ﵀ في كتابه هذا على منهج واضح، وطريقة سديدة، وسنة رشيدة، هي من أحسن المناهج، وأوضحها، وأسدها، وأرشدها. وتتمثل هذه الطريقة في العرض والمنهج المتبع منه ﵀ في هذا الكتاب

стр. 27

في المعالم الآتية: أولا: أنه يقدّم ما عنده في المسألة، ثم يذكر كلام الناس فيها، ويجمع بين الكلام، وينبه إلى عدم الاختلاف فيه، ثم يقول فيه قولاً مختصرًا، ثم يبسط الكلام فيه. ثانيًا: النقل عن العلماء من كتبهم الأصيلة، ومدوناتهم المعتمدة في كل مذهب؛ فيحرر أقوالهم منها؛ ففي كل قول ينقله عن مذهب معين ينقله من الكتاب الذي يحرّر رأي المذهب؛ مما يدل على عناية شديدة ومعرفة تامة بكتب المذاهب الفقهية وأئمتها. ثالثا: نقله الأقوال من المدونات الفقهية بنصها؛ فإذا نقل قولاً من كتاب فقهي بَيَّنَ نوع نقله له؛ فيذكر هل نقله نصا أو بمعناه؛ مما يدل ـــ أيضا ـ على أمانته فيما ينقل وتَحَرِّيه فيما يكتب، مثال ذلك: أنه لما نقل عن أبي الحسن الجوري في شرحه لمختصر المزني بنصه قال: «وقال أبو الحسن الجوري في شرحه لـ «مختصر المزني» في باب المواهب الذي يلي باب الإقرار» باب كامل من كلام ابن سريج، وها أنا أنقله بنصه، قال: «باب الهدايا … إلخ» (١). رابعا: ذكره للأحاديث بأسانيدها إلى مصنفيها؛ بحيث لا يذكر حديثًا في كتابه إلا ويُسنده إلى الكتب المصنفة، والمدونات الحديثية من طريقه. خامسا: الدقة في الرواية والأمانة في النقل، كما في بعض الأحاديث التي أوردها، فإنه بين ما كان منها طريق تحمله إجازة وما كان طريق تحمله سماعا (٢). سادسا: الاختصار في ألفاظ الأداء، كما هي عادة المصنفين من _________ (١) ١٨/ أ (٢) ٣/ أ

стр. 28

المحدثين، فنجد أنه في حكاية الطريق الموصل للمتن يختصر ألفاظ الأداء؛ فبدل أن يقول: حدثنا، يكتفي باختصارها: «ثنا»، وكذا يقول في أخبرنا: «أبنا»؛ فيحذف الخاء والراء (١). سابعا: الحكم على الأحاديث ونقد السند، فلا يكتفي بإيراد الأحاديث دون حكم عليها؛ بل يبين ما فيها من صحة وضعف، وقبول ورد. فمثلا: في حديث «لعنة الله على الراشي والمرتشي» حكم على إسناده ورجاله؛ فقال: «إسناده جيدٌ، كلهم من رجال الصحيح، إلا الحارث خال ابن أبي ذئب؛ فإنه روى له الأربعة، وليس فيه قدح (٢)». ثامنا: النقل عن العلماء في تفسير الأحاديث وتأويلها؛ فإنه ـ أيضاً ـ لا يكتفي كما سبق، بإيراد الأحاديث والحكم عليها فحسب، وإنَّما نقل كلام العلماء في معناها وتفسيرهم لها. كما في نقله كلام ابن عبد البر في تأويل الحديث التاسع (٣). تاسعا: الاعتذار للأئمة، وحمل كلامهم على المحامل الحسنة. كما في استنكاره لقول ابن الرّفعة وفتواه في إباحة الهدية؛ حيث اعتذر له بأن الحامل له على ذلك قصده عدم موافقة الطائفتين أو عدم إتقان المسألة، والدعاء له بالمغفرة (٤). وكما في اعتذاره للحنفية والشافعية في قولهم بأنه إذا لم يكن للقاضي شيء من بيت المال، فله أن يأخذ عشر ما يتولاه من أموال اليتامى والوقوف _________ (١) ٣/ أ، ٣/ ب (٢) ٣/ ب (٣) ٩/ ب، ١/ ١٠، ١٠/ ب. (٤) ٢/ ب

стр. 29

للضرورة. حيث قال معتذرا لهم: «غفر الله لهم إن كانوا قالوا هذا الكلام في واقعة خاصة في بلد اشتدت فيه ضرورة القاضي، ولم يوجد غيره، وكان عُشْرُ ما يتولاه قَدْرَ أُجرةِ عمله، فيُحتمل» (١). المطلب الخامس: مصادر المؤلف في الكتاب استقى المؤلف كتابه هذا من مصادر عدة، من أهمها (٢): ١ - الأحكام السلطانية، للماوردي. ٢ - الإحياء، للغزالي. ٣ - أدب القاضي، لابن القاص. ٤ - أدب القضاة، للقفال الكبير. ٥ - الاستيعاب، لابن عبد البر. ٦ - الإفصاح، لأبي علي الطبري. ٧ - الأم، للشافعي. ٨ - الانتصار، لابن أبي عصرون. ٩ - بحر المذهب، لأبي المحاسن الروياني. ١٠ - البسيط، للواحدي. ١١ - البيان، للعمراني. _________ (١) ١٤/ ب. (٢) راعيت ترتيبها هجائياً.

стр. 30

١٢ - التعليق، لأبي الطيب. ١٣ - التعليق، للبندنيجي. ١٤ - التقريب، للقاسم الشاشي. ١٥ - التمهيد، لابن عبد البر. ١٦ - التهذيب، للبغوي. ١٧ - جامع الترمذي. ١٨ - الحاوي، للماوردي. ١٩ ـ الذخائر، للقاضي مجلي بن جميع. ٢٠ - روضة الطالبين، للنووي. ٢١ - سنن ابن ماجه. ٢٢ - سنن أبي داود. ٢٣ - الشامل، لابن الصباغ. ٢٤ ـ شرح السير الكبير، لشمس الأئمة السرخسي. ٢٥ - شرح مختصر المزني، لأبي الحسن الجوري. ٢٦ - صحيح البخاري. ٢٧ - العزيز في شرح الوجيز، للرافعي. ٢٨ - الفرق بين القضاة العادلة والجائرة، للنقاش. ٢٩ - الكافي، لأبي عبد الله الزبيدي.

стр. 31

٣٠ - كتاب الأموال، لأبي عبيد القاسم بن سلام. ٣١ - كتاب الفروق، لأبي عبد الله الترمذي الحكيم. ٣٢ - كفاية النبيه، لابن الرفعة. ٣٣ - المحلى، لأبي محمد ابن حزم. ٣٤ - المستدرك، للحاكم. ٣٥ - مسند الإمام أحمد. ٣٦ - مسند البزار. ٣٧ - معالم السنن، للخطابي. ٣٨ - المغني، لابن قدامة الحنبلي. ٣٩ - المنتقى، لأبي الوليد الباجي. ٤٠ - نهاية المطلب، للجويني. ٤١ - النوادر، لأبي محمد عبد الله بن أبي زيد المالكي. ٤٢ - الوسيط، للغزالي. المطلب السادس: محاسن الكتاب لكتاب القاضي التقي السبكي رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى هذا محاسن زِينَتُهُ، وفضائل زادت من قيمته، كما هو شأن كل كتاب يكون مؤلفه وكاتبه من أمثال التقي السبكي، ممَّن رسخت قدمهم في العلم، واتَّسَمُوا بالتحقيق والتدقيق، وتفوقوا على غيرهم بقوة التحرير؛ ففي هذا الكتاب خاصَّةً لهذا العلم محاسن يحسن الوقوف

стр. 32

معها، والاستفادة منها، ولعل من أهمها ما يلي: * الأول: عنايته الشديدة بالأدلة وتوجيهها: فقد حَرَصَ ﵀ في كتابه هذا على الأدلة، واعتنى بها عناية شديدة، ويظهر ذلك من خلال كثرة إيراده لها، واحتجاجه بها، وبيان وجه دلالتها على المسائل المذكورة، واستخراج فوائد منها، واستنباط الأحكام، وإذا وقع بينها وبين أدلة أخرى تعارض يحاول التوفيق بينها، ولا يتركها دون توجيه. ومن ذلك مثلا: توجيهه لحديث بعث معاذ ﵁ إلى اليمن (١)، وتوفيقه بينه وبين حديث ابن اللُّثْبِيَّةِ (٢) وغيره (٣). وكذا حديث عبد الرحمن بن علقمة في قدوم وَفْدِ ثقيف على رسول الله ﷺ ، حيث استدل به على الفرق بين الهدية والصدقة، وذلك في مساق تفريقه بين الرشوة والهدية (٤). * الثاني: عنايته بفقه الأئمة في تراجمهم على الأحاديث: فلم يكن يُهمل ذلك، بل يذكره ويعتني بإيراده ونقله عنهم، كما في إيراده لحديث معاذ ﵁ في بعث النبي ﷺ له إلى اليمن، حيث ذكر ترجمة الإمام الترمذي عنه (٥). وكذا حين أورد حديث ابن اللُّثْبِيَّةِ في البخاري؛ حيث نقل ترجمة صاحب _________ (١) سيأتي الحديث وتخريجه ص ٧٣. (٢) سيأتي الحديث وتخريجه ص ٦٧. (٣) ٢٢/ ب، ٢٣/ أ. (٤) ٢٦/ أ، ٢٦/ ب. (٥) ٢٦/ أ.

стр. 33

الصحيح عليه، والمواضع التي أوردها فيها (١)؛ ليظهر من خلال ذلك فقه الأحاديث، وتفقه البخاري ﵀ فيها. الثالث: تعقب الأئمة في استدلالاتهم: فهو وإن اعتنى بالأحاديث من جهة إيرادها، وسَوْق أسانيدها، والتفقه فيها، ونقل تراجم الأئمة عليها، إلا أنه إذا ذكر استدلالهم بها على المسائل المبحوثة لم يكن مقلّداً ومتابعاً لهم، وإنَّما كان يتعقب عليهم استدلالاتهم صحةً وضعفًا. ومن ذلك: تعقبه على الإمام الغزالي استدلاله بحديث ابن اللتية (٢) على تحريم المال المعطى لاستمالة قلب صاحب جاه، جاهه جاه ولاية، ولم يقصد منه حكمًا، وإنَّما قصد استمالة قلبه عسى أن ينتفع به في مهماته، وينال بصحبته خيرًا، قال التقي السبكي ﵀: «فاستدل الغزالي بحديث ابن اللتبية على التحريم، ويكون هذا وإن كان القصد استمالة القلب من غير قصد خاص خرج من قسم الهدية، ودخل في قسم الرشوة بالحديث. والذي أقوله: إن هذا قسم متوسط بين الهدية والرشوة صورة وحكمًا، وأن حكمه أن يجوز القبول ويوضع في بيت المال، وحكم ما سواه من الهدايا يؤخذ ويتملكه المهدى له، وحكم الرشوة أن لا تؤخذ، بل تُرَدُّ إلى صاحبها» (٣). الرابع: تصحيحه الأوهام الواقعة في الأسانيد: فإنه فوق إحسانه للصناعة الفقهية، فهو على درجة عالية من العناية _________ (١) ١/ ٧، ٧/ ب. (٢) سيأتي الحديث وتخريجه ص ٦٧. (٣) ١/ ٢٩.

стр. 34

بالصناعة الحديثية، وقد ظهر هذا جليا في كتابه هذا، فإنه في أول الكتاب اعتنى بسياق الأحاديث المتصلة بموضوع الكتاب، وساقها بأسانيده إلى أصحاب المدونات الحديثية، مبينا طريق اتصالها بها ومرتبة ذلك، سماعا كان أم إجازة، ثم أظهر تفوُّقَه في الصنعة الحديثية بتصحيحه ما وقع في هذه الأسانيد من أوهام؛ كما في إسناد البزار الذي بين الخطأ الواقع فيه (١). الخامس: عنايته بالتعليل: يأتي بعد العناية بالدليل عند الفقهاء العناية بالتعليل، وقد كان لهذا الأمر حظ وافر عند التقي السبكي في كتابه هذا؛ حيث اعتنى بذكر التعليلات الفقهية، فلا يذكر حكما ـ غالبا ـ له تعليل إلا ويذكر عِلتَه. السادس: اعتناؤه بالمقاصد: فهو مع اهتمامه بالأدلة والتعليلات، يهتم كذلك بالمقاصد؛ ولا يخفى ما لذلك من أهمية قصوى، وأثر كبير في جانب الأحكام. السابع: دقته في الأحكام: فقد امتاز هذا الكتاب بدقة أحكام مؤلّفه، فأحكامه دقيقة، فقد ظهر هذا في مسائل الكتاب جليًّا، ويُدركه من يطالعه بنفس الفقهاء. الثامن: بيانه لمراتب الأحكام: فللمؤلف عناية ببيان مراتب الأحكام؛ حيث يُبين ما هو أشدُّ حُرمةً مما هو أخف منه. كما في بيانه لمراتب ما يأخذه القاضي؛ حيث فصل أعظمها تحريماً، ثم ذكر الذي يليه في الحرمة، وهكذا. _________ (١) ١/ ٨، ٨ ب

стр. 35

التاسع: تقييده لما أطلقه أصحاب مذهبه: من المعلوم أن التقي السبكي شافعي المذهب؛ بل هو من الأعلام الكبار لهذا المذهب، وله معرفة تامة بمذهب أصحابه؛ ومن ذلك: معرفته بما أطلقوه مما قيدوه، فقد ذكر في كتابه هذا موضعاً وقع من أصحابه إطلاق فيه، ولم يتعرضوا لتقييده؛ فقيده؛ كما في مسألة منقولة عن الشافعي، وحكاها عنه ابن الصباغ فيما لو أهدى له ذو رحم وذو مودة كان يهاديه قبل الولاية، فالتنزه أحب، ولا بأس أن يقبل ويتموّل، فرأى التقي السبكي أن يكون التقييد بتقدم العادة خاصاً بذي المودة، ولا يشترط في ذي الرحم، خلافاً للأصحاب الذين لم يتعرضوا لذلك، وأطلقوا (١). العاشر: أنه لا يتعصب لمذهبه: فالشيخ الإمام شافعي المذهب، منتسب إليه في الفروع، ومع ما غلب على المتمذهبين لا سيما المُقلّدة منهم من التعصب لمذاهبهم، إلَّا أنَّ التقي السبكي ﵀ لم يكن كذلك، فقد كان متجردًا للحق، مُتَّبِعاً للصواب. فإذا تبين له الحق في مسألة وكان مخالفًا لما عليه مذهبه؛ فإنه لا يتعصب لمذهبه؛ وإنَّما يرجح القول الموافق للحق، ويذهب إليه. الحادي عشر: كثرة النقول عن الأئمة: فقد أكثر التقي السبكي في رسالته هذه النقل عن الأئمة، ويظهر هذا لمن قرأها؛ فإنه يجد أنه في كل مسألة ينقل أقوال الأئمة فيها، ويعزوها إلى كتبهم، ويُعيّن محلها وموضعها منها. ولا يخفى أن في هذا إضافةً علمية، تزيد من قيمة الكتاب، وتكسبه ثقة قارئيه. _________ (١) ٢١/ ب.

стр. 36

الثاني عشر: التعليق على النقول: لم يقتصر ﵀ على إيراد النقول للأئمة فحسب، وإنَّما كان مع إيراده لها يُعلّق عليها، فيذكر موقفه منها تأييدا أو مُخالفةً، ويشرح ما تقتضيه أقوالهم وما تشتمل عليه. ويظهر هذا مثلا في تعقبه لقول أبي علي الطبري (١)، وكذلك في تعليقه على كلام الواحدي - رحمهما الله تعالى (٢). الثالث عشر: تلخيصه للنقول: اهتم المؤلف ﵀ كما سبق - بالنقل عن الأئمة في كتابه، والتعقيب عليهم والتعليق على هذه النقول كذلك، ومما اهتم به أنه بعد النقل يلخص مضمونه ويذكر زبدة ما فيه. ففي مسألة حكم الهدية إلى القاضي نقل جملة من كلام الشافعية، واقتصر على موضع الحاجة منه، ثم بعد ذلك قام بتلخيصه على وجه أكمل وأقصر (٣). الرابع عشر: الترجيح والاختيار: لم يكن شأن السبكي في كتابه هذا النقل للخلاف، وإيراد الأقوال في المسائل فقط دون الترجيح والاختيار؛ وإنَّما كان يختار منها ويُرجح بينها. وظهر هذا في مسائل كثيرة صدر فيها ترجيحه واختياره بقوله: «والمختار عندي»، وغيرها من العبارات الدالة على الترجيح والاختيار؛ كقوله: «والأَوْلَى». _________ (١) ٢٠/ ب. (٢) ٢٧/ ب، ٢٨/ أ. (٣) ٢١/ ب، ٢٢/ أ.

стр. 37

* الخامس عشر: اهتمامه الواضح بالفروق الفقهية: فقد اهتمَّ السُّبكيُّ ﵀ أيضاً بالفروق الفقهية اهتماماً واضحاً، ولا أدلُّ على ذلك أكثر من عَقْدِهِ فصلاً للفرق بين الرشوة والهدية، هو من أطول فصول هذا الكتاب؛ فقد فصَّل فيه تفصيلاً طويلاً؛ وبين فيه ما يترتب على الفرق بينهما من اختلاف في الحكم. * السادس عشر: إيراد الاعتراضات والجواب عنها: اعتنى ﵀ في كتابه هذا بإيراد الاعتراضات والجواب عنها. وهذا إن دلَّ على شدَّة اعتنائه ببيان المسائل ومبالغته في إيضاحها، ويظهر من خلاله قوَّته العلمية، وتمكنه في الفقه، وحُسن تصوُّره للمسائل. * السابع عشر: النقل عن كتب مفقودة: وهذه إحدى المزايا لهذا الكتاب في عصرنا، حيث فقدت المكتبة الإسلامية كثيراً من كتبها، فلم يعثر عليها المسلمون، ولم يجدوا لها ذكراً ولا أثراً إلاَّ في تراجم أصحابها، أو في كتب من نقل عنها من العلماء ممن وقف عليها. وهذا الكتاب اشتمل على نقول من كتب مفقودة، ولا أثر لها إلاَّ من خلال نصوص نقلها السبكي في كتابه هذا؛ ككتاب القضاة العادلة والجائرة … إلخ. وتجدر الإشارة إلى أن هذا ممَّا يشجع على البحث عنها وتطلُّبها من المختصين والباحثين.

стр. 38

المطلب السابع: المآخذ على الكتاب مِمّا هو معلوم ومستقر، أن التصنيف والتأليف عمل بشري؛ لابد أن يعتريه النقص؛ فالتمام والكمال لكتاب الله وحده، وأما غيره من الكتب فكاتِبُوها عُرضة للنقص والسهو والزَّلل، مهما عَلَت رتبهم في العلم، ورسخت أقدامهم فيه. والإمام السبكي من العلماء الأكابر، وفحول الفقهاء، وسادات الزمان في التحرير والتدقيق. ولقد تلقى العلماء كُتبه بحفاوة بالغة، وعناية لا نظير لها؛ لما فيها من العلم الجَمِّ، والمعرفة الكثيرة، ولما اتَّسَمَ به مؤلفها من التحقيق فيما يكتب، والتحرير لما ينقل. ومع ذلك كله فإن كتابنا هذا لا يخلو مما يمكن أن يكون محلا للتأمل والنظر ومن ذلك: أولاً: توسعه في بعض الفصول توسعاً كثيراً، كما في الفصل الثالث الذي أطال فيه في الفرق بين الهدية والرشوة، ويعتذر له بأن المقام اقتضى ذلك؛ لما يترتب على التفريق بينهما من أثر في الحكم. ثانياً: تصرفه في النقول لكلام العلماء؛ فبعض النقول لم ينقلها بحروفها؛ وإنما نقلها بالمعنى؛ وتصرَّفَ فيها بالزيادة والنقص، ولعله إما نقلها من حفظه، أو أن هذه المصادر لم تكن متوفرةً بين يديه، وكانت هذه سمة بارزة في مصنفات الأوائل. ومَا سبق كله ممَّا لا يُقلّل من قيمة الكتاب العلمية؛ ومثلها لا يذهب بمحاسن الكتاب التي سبق ذكرها وبيانها.

стр. 39

المطلب الثامن: وصف النسخة الخطية للكتاب لم أقف لهذا الكتاب إلا على نسخة واحدة فقط، وهذه النسخة تقع ضمن مجموع برقم (١٥١٠) من مخطوطات مكتبة أيا صوفيا المعروفة بتركيا، وهي الرسالة الأولى في المجموع، وتبدأ من الورقة (١) إلى الورقة «٥٣ أ»، وكل ورقة تحتوي على «١٧» سطرا، وكل سطر يحتوي على ١١ كلمة تقريباً، و «٢٥٠» كلمة تقريبا في كل لوح، وعدد ألواحه (٥٣) لوحاً، وكُتبت بخطّ نسخي متقن من خطوط القرن الثامن الهجري تقديرا، وعليه تملك لأبي حامد بن محمد الأنصاري، وجاءت هذه النسخة سليمة بعض الشيء من البياض، وما يعتري النسخ المخطوطة من بعض الآفات.

стр. 40

نماذج من المخطوط
следующие страницы →