← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 30137

فصل المقال في هدايا العمال

تقي الدين السبكي

Полный текст (189 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الثاني عشر: التعليق على النقول: لم يقتصر ﵀ على إيراد النقول للأئمة فحسب، وإنَّما كان مع إيراده لها يُعلّق عليها، فيذكر موقفه منها تأييدا أو مُخالفةً، ويشرح ما تقتضيه أقوالهم وما تشتمل عليه. ويظهر هذا مثلا في تعقبه لقول أبي علي الطبري (١)، وكذلك في تعليقه على كلام الواحدي - رحمهما الله تعالى (٢). الثالث عشر: تلخيصه للنقول: اهتم المؤلف ﵀ كما سبق - بالنقل عن الأئمة في كتابه، والتعقيب عليهم والتعليق على هذه النقول كذلك، ومما اهتم به أنه بعد النقل يلخص مضمونه ويذكر زبدة ما فيه. ففي مسألة حكم الهدية إلى القاضي نقل جملة من كلام الشافعية، واقتصر على موضع الحاجة منه، ثم بعد ذلك قام بتلخيصه على وجه أكمل وأقصر (٣). الرابع عشر: الترجيح والاختيار: لم يكن شأن السبكي في كتابه هذا النقل للخلاف، وإيراد الأقوال في المسائل فقط دون الترجيح والاختيار؛ وإنَّما كان يختار منها ويُرجح بينها. وظهر هذا في مسائل كثيرة صدر فيها ترجيحه واختياره بقوله: «والمختار عندي»، وغيرها من العبارات الدالة على الترجيح والاختيار؛ كقوله: «والأَوْلَى». _________ (١) ٢٠/ ب. (٢) ٢٧/ ب، ٢٨/ أ. (٣) ٢١/ ب، ٢٢/ أ.

стр. 37

* الخامس عشر: اهتمامه الواضح بالفروق الفقهية: فقد اهتمَّ السُّبكيُّ ﵀ أيضاً بالفروق الفقهية اهتماماً واضحاً، ولا أدلُّ على ذلك أكثر من عَقْدِهِ فصلاً للفرق بين الرشوة والهدية، هو من أطول فصول هذا الكتاب؛ فقد فصَّل فيه تفصيلاً طويلاً؛ وبين فيه ما يترتب على الفرق بينهما من اختلاف في الحكم. * السادس عشر: إيراد الاعتراضات والجواب عنها: اعتنى ﵀ في كتابه هذا بإيراد الاعتراضات والجواب عنها. وهذا إن دلَّ على شدَّة اعتنائه ببيان المسائل ومبالغته في إيضاحها، ويظهر من خلاله قوَّته العلمية، وتمكنه في الفقه، وحُسن تصوُّره للمسائل. * السابع عشر: النقل عن كتب مفقودة: وهذه إحدى المزايا لهذا الكتاب في عصرنا، حيث فقدت المكتبة الإسلامية كثيراً من كتبها، فلم يعثر عليها المسلمون، ولم يجدوا لها ذكراً ولا أثراً إلاَّ في تراجم أصحابها، أو في كتب من نقل عنها من العلماء ممن وقف عليها. وهذا الكتاب اشتمل على نقول من كتب مفقودة، ولا أثر لها إلاَّ من خلال نصوص نقلها السبكي في كتابه هذا؛ ككتاب القضاة العادلة والجائرة … إلخ. وتجدر الإشارة إلى أن هذا ممَّا يشجع على البحث عنها وتطلُّبها من المختصين والباحثين.

стр. 38

المطلب السابع: المآخذ على الكتاب مِمّا هو معلوم ومستقر، أن التصنيف والتأليف عمل بشري؛ لابد أن يعتريه النقص؛ فالتمام والكمال لكتاب الله وحده، وأما غيره من الكتب فكاتِبُوها عُرضة للنقص والسهو والزَّلل، مهما عَلَت رتبهم في العلم، ورسخت أقدامهم فيه. والإمام السبكي من العلماء الأكابر، وفحول الفقهاء، وسادات الزمان في التحرير والتدقيق. ولقد تلقى العلماء كُتبه بحفاوة بالغة، وعناية لا نظير لها؛ لما فيها من العلم الجَمِّ، والمعرفة الكثيرة، ولما اتَّسَمَ به مؤلفها من التحقيق فيما يكتب، والتحرير لما ينقل. ومع ذلك كله فإن كتابنا هذا لا يخلو مما يمكن أن يكون محلا للتأمل والنظر ومن ذلك: أولاً: توسعه في بعض الفصول توسعاً كثيراً، كما في الفصل الثالث الذي أطال فيه في الفرق بين الهدية والرشوة، ويعتذر له بأن المقام اقتضى ذلك؛ لما يترتب على التفريق بينهما من أثر في الحكم. ثانياً: تصرفه في النقول لكلام العلماء؛ فبعض النقول لم ينقلها بحروفها؛ وإنما نقلها بالمعنى؛ وتصرَّفَ فيها بالزيادة والنقص، ولعله إما نقلها من حفظه، أو أن هذه المصادر لم تكن متوفرةً بين يديه، وكانت هذه سمة بارزة في مصنفات الأوائل. ومَا سبق كله ممَّا لا يُقلّل من قيمة الكتاب العلمية؛ ومثلها لا يذهب بمحاسن الكتاب التي سبق ذكرها وبيانها.

стр. 39

المطلب الثامن: وصف النسخة الخطية للكتاب لم أقف لهذا الكتاب إلا على نسخة واحدة فقط، وهذه النسخة تقع ضمن مجموع برقم (١٥١٠) من مخطوطات مكتبة أيا صوفيا المعروفة بتركيا، وهي الرسالة الأولى في المجموع، وتبدأ من الورقة (١) إلى الورقة «٥٣ أ»، وكل ورقة تحتوي على «١٧» سطرا، وكل سطر يحتوي على ١١ كلمة تقريباً، و «٢٥٠» كلمة تقريبا في كل لوح، وعدد ألواحه (٥٣) لوحاً، وكُتبت بخطّ نسخي متقن من خطوط القرن الثامن الهجري تقديرا، وعليه تملك لأبي حامد بن محمد الأنصاري، وجاءت هذه النسخة سليمة بعض الشيء من البياض، وما يعتري النسخ المخطوطة من بعض الآفات.

стр. 40

نماذج من المخطوط

стр. 41

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة المؤلف قال الشيخ الإمام العالم العلامة، شيخ الإسلام، قاضي القضاة، تقي الدين، ضياء الإسلام، فخر الأنام، بهاء الملة، عِزُّ السنة، مؤيد الشريعة، سيد العلماء والحكام، أبو الحسن علي ابن الشيخ ضياء الدين عبد الكافي بن علي بن تمام بن يوسف بن موسى بن تمام السبكي الشافعي أيده الله تعالى: الحمد لله على نعمه الكافية، ومِنَنِه المتوالية، وأشهد أن لا إله إلا الله، جُنَّةٌ من النار واقية، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبعوث إلى كل أُمَّةٍ قاصية ودانية، ﷺ صلاةً على ممر الأيام باقية، وتحيَّةً لا تزال إلى طيبة ساعية، وفي مسامعه حين يُلقيها الملك إليه راضية، وعلى صحابته الذين سادوا الدين وأطلعوا هواديه، ونشروا أعلامه ورفعوا معاليه، وعلى الخلفاء الراشدين، ومن تبعهم في سيرتهم سريرةً وعلانية. سبب التأليف أما بعد: فإني كنت في الشام في سنة سبع وسبعمئة في رحلتي إليها، ووقع في الديار المصرية في ذلك الوقت الكلام في هدايا العُمَّال وحكمها في مذاهب العلماء المعوّل عليها، بسبب هدايا أُهدِيَت إلى بيبرس (١) وسلار (٢)

стр. 42

ونحوهما من أمراء الأمة، وهل توصف بالحِلّ أو الحرمة؟ فأفتاهم عز الدين عبد العزيز بن عبد الجليل النَّمْراوي الشافعي (١) بتحريمها، ووافقه الشيخ شمس الدن محمد بن يوسف بن هبة الجوزي الخطيب (٢)، ونجم الدين الحسين بن علي بن سيد الكل (٣) الأسواني (٤). متمسكين بالحديث المشهور: «هدايا العُمَّال غُلُولٌ» (٥)، وبقول الفقهاء في القاضي: ولا يقبل الهدية ممن لم يكن له عادة بالهدية. وأفتاهم بدر الدين بن جماعة (٦) قاضي الشافعية بإباحتها، وأنكر القول بالتحريم، وعمل في ذلك تصنيفا لطيفا (٧)، وقفت عليه.

стр. 43

ولما قدمت من الشام وبلغني ذلك، وإنكار القاضي بدر الدين على النمراوي في فتواه بذلك، سألت عن ابن الرّفعة: ما كان جوابه في ذلك؟ فقال: إنه سأل المهدى إليهم: هل تثيبون عليها؟ فقالوا: نعم، فقال لهم: هذه هبة ثواب، وليس من الهدايا المحرَّمة، فقالوا: ما هو الثواب؟ فقلت: ولو دجاجة. هذا ما اتفق في ذلك، وما برحت أستنكر القول بالإباحة، وقول ابن الرفعة أيضًا، وأتوهم أن الحامل له على ذلك قصده عدم موافقة الطائفتين ـ والله يغفر لنا وله ـ أو عدم إتقان المسألة. والآن عَنَّ لي أن أكتب شيئًا في ذلك، والحامل على ذلك، أنَّني لما وصلت في التفسير (١) إلى قوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾ (٢)، تكلمت في القاضي الذي هو نائب الشرع، وما يلزمه من التحفظ والتصاون عن تطرف إليهم، ووسعت القول في ذلك. وبقي في نفسي ما لم يحتمله التفسير، فأحببت أن أبينه، فأفردت هذه الكراسة له، وجعلتها مسألة مستقلة سميتها: «فصل المقال في هدايا العمال» وهو مرتب على فصول:

стр. 44

الفصل الأول: ما ورد من الأحاديث في ذلك سياق الأحاديث الواردة في الباب وفيه أحاديث: أحدها في الرشوة. الحديث الأول أخبرنا الحافظ أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي سماعًا عليه، قال: أبنا أبو الحسن بن المقير سماعًا، أبنا الفضل بن سهل، وابن ناصر، إجازة، قال الفضل بن سهل: أبنا الخطيب إجازة. وقال ابن ناصر: أبنا ابن السمرقندي، و [ابن] (١) الفراء، وأبو غالب الماوردي سماعاً. قال ابن السمرقندي و [ابن] الفراء: أبنا الخطيب سماعا، وقال ابن السمرقندي: إلا الجزء السابع والعشرين فإجازة، وليس الحديث الذي أذكره من السابع والعشرين. وقال الماوردي: أبنا التستري، قال الخطيب والتستري: أبنا أبو عمر الهاشمي، أبنا أبو علي اللؤلؤي، ثنا أبو داود، ثنا أحمد بن يونس، ثنا ابن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن أبي سلمة، عن عبد الله بن عمرو، قال: «لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي». وأخبرنا القاضي أبو بكر محمد بن عبد العظيم بقراءتي عليه، عن أبي بكر عبد العزيز بن أحمد بن باقا، أبنا أبو زرعة بجميع «سنن ابن ماجه» إلا الجزء

стр. 45

الأول والعاشر، والسابع عشر، وهو آخر الكتاب، فإجازة. وهذا الحديث من الجزء التاسع، فهو سماع. أبنا أبو منصور المقومي إجازةً إن لم يكن سماعاً، ثم ظهر سماعه، أبنا القاسم بن أبي المنذر، ثنا علي بن إبراهيم بن سلمة، ثنا ابن ماجه، ثنا علي بن محمد، ثنا وكيع، ثنا ابن أبي ذئب، عن خاله الحارث بن عبد الرحمن، عن أبي سلمة، عن عبد الله بن عمرو، قال رسول الله ﷺ : «لعنة الله على الراشي والمرتشي». أخرجه أبو داود (١)، وابن ماجه (٢)، كلاهما في «كتاب الأقضية»، وإسناده جيد، كلهم من رجال الصحيح، إلَّا الحارث خال ابن أبي ذئب، فإنه روى له الأربعة، وليس فيه قدح. ورواه أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار في «مسنده»، قال: ثنا الوليد بن عمرو بن سكين، ثنا يعقوب بن إسحاق، قال: حدثني عمر بن حفص، ثنا الحسن بن عثمان بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبيه، قال رسول الله ﷺ : «الراشي والمرتشي في النار» (٣). قال البزار: «وهذا الحديث لا نعلمه يُروى عن عبد الرحمن بن عوف إلَّا من هذا الوجه بهذا الإسناد، وقد قال فيه: عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة.

стр. 46

وقال ابن أبي ذئب: عن الحارث بن عبد الرحمن، عن أبي سلمة، عن عبد الله بن عمرو» (١)، انتهى كلام البزار. ورواه أحمد في «مسنده»: حدثنا عفان، ثنا أبو عوانة، ثنا عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ : «لعن الله الراشي والمرتشي في الحكم» (٢). ورواه الحاكم في «المستدرك» من حديث عبد الله بن عمرو، وقال: «صحيح الإسناد، وشاهده الحديث المشهور عن أبي هريرة، وحديث ثوبان» (٣). ثم ذكر حديث أبي هريرة من حديث عمر بن أبي سلمة، وحديث ثوبان من حديث ليث بن أبي سليم، وقال: «إنما ذكرتهما (٤) في الشواهد لا في الأصول» (٥). ورواه الترمذي عن أبي موسى محمد بن المثنى، ثنا أبو عامر العقدي، ثنا ابن أبي ذئب، عن خاله الحارث بن عبد الرحمن، عن أبي سلمة، عن عبد الله بن عمرو، قال: «لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي (٦). وقال: «هذا حديث حسن صحيح» (٧). ورواه الترمذي أيضًا من حديث عمرو بن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال:

стр. 47

«لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي في الحكم» (١). قال: «وفي الباب عن عبد الله بن عمرو، وعائشة، وابن حَيْدَةَ، وأُمّ سلمة. حديث أبي هريرة حديث حسن، وروي عن أبي سلمة، عن أبيه، عن النبي ﷺ ، ولا يصح. وسمعت عبد الله بن عبد الرحمن يقول: حديث أبي سلمة، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ أحسن شيء في هذا الباب وأصح» (٢). أخبرنا بجميع ما ذكرناه عن الترمذي، وبجميع «جامع الترمذي» الشيخ أبو بكر عبد الله بن علي بن عمر بن شبل بن محمود الصنهاجي الحِمْيَري (٣)، بقراءتي عليه، قال: أخبرنا الشيخ قطب الدين أبو بكر محمد بن أحمد بن علي القسطلاني بجميع «الجامع». وأخوه تاج الدين أبو الحسن علي من أوله إلى «باب طلاق المعتوه»، ح. وقرأت من أوله إلى آخر «باب ما جاء في دعوة المظلوم» على كمال الدين أبي القاسم عبد الرحمن بن محمد بن يعيش الخليلي السبتي (٤)، وشرف الدين أبي العباس أحمد بن عبد المحسن بن الرفعة العدوي، ح.

стр. 48

وقرأت من «أبواب المناقب» إلى آخر «كتاب العلل» وهو آخر الكتاب على بدر الدين أبي المحاسن يوسف بن عمر بن حسين بن أبي بكر الختني الصوفي (١). ومن «مناقب أهل بيت النبي ﷺ » إلى آخر الكتاب على الشيخ كمال الدين الخليلي المذكور. قال الخليلي: أبنا شيخ القرّاء كمال الدين أبو الحسن علي بن شجاع بن سالم القرشي الضرير. وقال ابن الرفعة: أخبرنا الشيخان شهاب الدين أبو عبد الله محمد بن عبد المنعم بن الخيمي، وأبو حفص عمر بن منصور بن إسحاق الأرسوفي. وقال الختني: أبنا الحافظ زكي الدين أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي المنذري. قالوا كلهم خلا تاج الدين بن القسطلاني: أبنا أبو الحسن علي بن أبي الكرم نصر بن البناء، قال المنذري أيضًا وابن طَبَرْزَد: سماعًا له بدمشق، وعبد المجيب بن زهير سماعًا لأحاديث منه ومناولة لباقيه. وقال تاج الدين بن القسطلاني: أبنا زاهر بن رستم، وعبد الملك الدَّوْلَعيّ، وعمر بن كرم إجازةً. وقال أخوه قطب الدين: أبنا الدينوري هذا، والحسين بن صَصَري إجازة.

стр. 49

قالوا كلهم خلا عبد المجيب: أبنا الكروخي، قال الدينوري وابن صصري: إجازة، وقال الباقون: سماعًا، وقال عبد المجيب: أبنا عبد الصبور الهروي، قال هو والكروخي: أبنا أبو عامر الأزدي، زاد الكروخي: وأبو بكر الغُورجي. قال: وأخبرني من أول الكتاب إلى «مناقب عبد الله بن العباس»: أبو نصر الترياقي. ومن ثمَّ إلى آخر الكتاب: عبد الله (١) بن علي بن ياسين الدَّهان (٢). قالوا أربعتُهم: أخبرنا الجَرَّاحِي، أبنا المحبوبي، ثنا الترمذي. وفي كتاب «الفرق بين القضاة العادلة والجائرة» (٣) للنقاش (٤)، وقد سمعته بجبل قاسيون (٥) سنة سبع وسبعمئة، على أبي بكر بن أحمد بن عبد الدايم، أبنا جعفر الهمداني، ح. وأنبأنا غير واحد عن جعفر، واللفظ لهم، قال: أبنا السلفي، أبنا أحمد بن عبد الغفار بن أَشْتَةَ، أبنا أبو سعيد محمد بن علي بن عمرو بن مهدي النقاش،

стр. 50

أبنا أحمد بن الحسن، ومحمد بن أحمد، قالا: أنبأنا ابن أبي عاصم، ثنا عقبة بن مكرم، ثنا سلم بن قتيبة، ثنا ابن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن أبي سلمة، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ : «أنه لعن الراشي والمرتشي، والمفتري الذي يسعى بينهما». وقال النقاش أيضا: أبنا أبو بكر الشافعي، ثنا محمد بن عبد الله بن مهران، ثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، ثنا أبو بكر بن عياش، عن ليث، عن أبي الخطاب (١)، عن أبي زرعة (٢)، عن ثوبان قال: «لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي والرائش الذي يعمل بينهما» (٣). وأسنده النقاش أيضًا عن عائشة، وأم سلمة، وأبي سلمة، عن أبيه. وبالإسناد إلى النقاش قال: «باب ما أَذِنَ النبي ﷺ لمن تمنى الموت إذا بيع الحكم»: حدثنا أحمد بن الحسن بن أيوب، ومحمد بن أحمد الثقفي، قالا: أبنا ابن أبي عاصم، ثنا عبد الوهاب الحَوْطِي، ثنا تليد بن أعين (٤)، عن

стр. 51

[أبي] (١) الصباح الواسطي، عن عبد العزيز بن سعيد، عن عمرو بن عبسة، عن النبي ﷺ قال: «لا يَتَمَنَّيْنَّ أحدكم الموت إلا أن يرى في الإسلام بيع الحكم» (٢). وأسنده أيضا عن [عبس] (٣) الغفاري (٤)، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بادروا بالموت قبل خصال ستة: إمرة السفهاء، وكثرة الشرط، وبيع الحكم، واستخفاف بالدم، وقطيعة الرحم، ونشء يتخذون القرآن مزامير يقدمون الرجل يغنيهم بالقرآن وإن كان أقلهم فقها» (٥) الحديث الثاني: وبالإسناد إلى الترمذي، قال: «باب ما جاء في هدايا الأمراء»:

стр. 52

حدثنا أبو كريب، ثنا أبو أسامة، عن داود بن يزيد الأودي، عن المغيرة بن شبيل، عن قيس بن أبي حازم، عن معاذ بن جبل، قال: «بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، فلما سِرتُ أرسل في أَثَرِي، [فَرَدَدْتُ] (١)، فقال: أتدري لم بَعَثْتُ إليك؟ لا تصيبن شيئًا بغير إذني فإنه غلول، ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٢)؛ لهذا دعوتك، فامض لعملك» (٣). قال الترمذي: «وفي الباب عن عدي بن عميرة، وبريدة، والمستورد بن شداد، وأبي حميد، وابن عمر. حديث معاذ حدث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي أسامة، عن داود الأودي» (٤). انفرد الترمذي بإخراجه. الحديث الثالث: وبالإسناد المتقدم إلى أبي داود، قال: «باب في هدايا العمال»: حدثنا مسدد، ثنا يحيى، عن إسماعيل بن أبي خالد، قال: حدثني قيس، قال: حدثني عدي بن عميرة الكندي، أن رسول الله ﷺ قال: «يا أيها الناس،

стр. 53

مَنْ عَمِل منكم لنا على عمل فكتمنا منه مِخْيَطًا (١) فما فوقه فهو غُل يأتي به يوم القيامة، فقام رجل من الأنصار أسود كأني أنظر إليه، فقال: يا رسول الله، اقبل عني عملك، قال: وما ذاك؟ قال: سمعتك تقول كذا وكذا، قال: وأنا أقول ذاك: من استعملناه على عمل فليأتِ بقليله وكثيره، فما أوتي منه أخذ، وما نهي عنه انتهى» (٢). انفرد أبو داود بإخراجه. الحديث الرابع: أخبرنا جماعة عن ابن الزبيدي سماعا، أبنا أبو الوقت، أبنا الداودي، أبنا الحموي، أبنا الفَرَبْري، ثنا البخاري، قال: «باب هدايا العمال»: حدثنا علي بن عبد الله، ثنا سفيان، عن الزهري، أنه سمع عروة قال: أبنا أبو حميد الساعدي، قال: «استعمل النبي ﷺ رجلا من بني أسد يقال له: ابن اللتبيَّة على صدقة، فلما قدم قال: هذا لكم، وهذا أهدي لي، فقام النبي ﷺ على المنبر، قال سفيان أيضًا: فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ما بال العامل نبعثه فيأتي فيقول: هذا لكم، وهذا لي، فهلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى له أم لا؟! والذي نفسي بيده، لا يأتي بشيء إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته إن كان بعيرًا له رُغَاء، أو بقرة لها خُوار، أو شاة تَيْعر، ثم رفع يديه حتى رأينا عفرة (٣) إبطيه، ألا هل بلغت، ثلاثًا».

стр. 54

هذا الحديث متفق عليه (١)، وبوب البخاري عليه في موضع آخر: «باب محاسبة الإمام عُمَّالَه»، وفيه: «فهلا جلست في بيت أبيك وأمك فتأتيك هديتك إن كنت صادقًا»، وفيه: «فوالله، لا يأخذ أحدكم منها شيئًا بغير حقه، إلَّا جاء يحمله يوم القيامة» (٢). وكلا البابين في البخاري في «كتاب الأحكام»، وذكره مرة ثالثة في «كتاب الهبة» في «باب من لم يقبل الهدية لعلة»، فقال: «وقال عمر بن عبد العزيز: كانت الهدية في زمن رسول الله ﷺ هدية، واليوم رشوة» (٣). ثم ذكر حديث الصَّعْبِ بن جَثَّامَةَ في هدية الصيد (٤)، ثم ذكر حديث ابن اللُّتْبِيَّة كما سبق (٥). الحديث الخامس: في «سنن أبي داود» أيضًا بالإسناد المتقدم إليه، قال: ثنا زيد بن أخزم أبو طالب، ثنا أبو عاصم، عن عبد الوارث بن سعيد، عن حسين المعلم، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: «من استعملناه على عمل فرزقناه رزقًا، فما أخذ بعد ذلك فهو غلول» (٦). وهذا إسناد صحيح.

стр. 55

الحديث السادس: بالإسناد إلى أبي داود، قال: ثنا موسى بن مروان الرقي، الحديث ثنا المُعَافَى، ثنا الأوزاعي، عن الحارث بن يزيد، عن جبير بن نفير، عن المستورد بن شداد، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من كان لنا عاملا فليكتسب زوجةً، فإن لم يكن له خادم فليكتسب خادمًا، فإن لم يكن له مسكن فليكتسب مسكنا». قال أبو بكر: أخبرت أن النبي ﷺ قال: «مَنْ اتَّخذ غير ذلك، فهو غال أو سارق» (١). تأويل الحديث قال الشيخ زكي الدين في حواشيه: قيل: هذا يتأول على وجهين: أحدهما: أنه إنَّما أباح اكتساب الخدم والمسكن من عمالته التي هي أجر مثله، وليس له أن يرتفق بشيء سواها. والوجه الآخر: أن للعامل السكنى والخدمة، فإن لم يكن له مسكن وخادم استؤجر له من يخدمه، فيكفيه مهنة مثله، ويُكترى له سكن يسكنه مدة مقامه في عمله (٢). والله أعلم. الحديث السابع: هدايا العمال غلول، روي عن أبي حميد، وغيره، عن الحديث صلى الله وسلم النبي ﷺ ، رواه البزار، وأحمد في «مسنديهما».

стр. 56

أما البزار فقال: ثنا محمد بن عبد الرحيم، ثنا إبراهيم بن مهدي، ثنا إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن سعيد، عن عروة بن الزبير، عن أبي حميد الساعدي، قال: قال رسول الله ﷺ : «هدايا العمال غلول» (١). قال: «ورواه إسماعيل بن عياش مختصرًا، ووهم فيه، وإنما هو عن الزهري، عن عروة، عن أبي حميد: أن النبي ﷺ بعث رجلا على الصدقة» (٢)؛ يعني: حديث ابن اللتبية المشهور (٣). وقد روى الحديث أحمد في مسنده، قال: ثنا إسحاق بن عيسى، ثنا إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن سعيد، عن عروة بن الزبير، عن أبي حميد الساعدي، أن رسول الله ﷺ قال: «هدايا العمال غلول» (٤). وقد عرفت ما قاله البزار من وهم إسماعيل بن عياش فيه، ولا شك أن إسماعيل بن عياش روايته عن الحجازيين، كيحيى بن سعيد ونحوه، ضعيفة. وهذا الحديث منها، لا سيما مع ما بينه البزار من وهمه فيه، ومعناه: أنه وهم في الإسناد، فانتقل من الزهري إلى يحيى، ووهم في المتن من حديث ابن اللتبية إلى هذا اللفظ المختصر. وقال النقاش في كتاب «القضاة العادلة والجائرة» (٥): أخبرنا محمد بن

стр. 57

نصر المؤدب، ثنا عبد الله بن محمد بن زكريا، ثنا محمد بن بكير، ثنا إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن سعيد، عن عروة، عن أبي حميد الساعدي، قال رسول الله ﷺ : «هدايا الأمراء غلول» (١). وهذه الروايات كلها عن إسماعيل بن عياش، وإسماعيل فيما يروي عن غير الشاميين ضعيف، وروايته هنا عن غير الشاميين؛ إذ هي عن يحيى بن سعيد الأنصاري المدني، لا سيما وقد نَصَّ البزار على خطا إسماعيل بن عياش فيها. وشرح كلام البزار أن الخطأ وقع في السند، فجعل يحيى موضع الزهري، وفي المتن، فجعل «هدايا العمال غلول» موضع حديث ابن اللتبية المشهور (٢)؛ لأنه بمعناه. وحينئذ لا يكون هذا اللفظ ثابتا ألبتة. وقد رواه النقاش أيضًا من طريق أبي سعيد الخدري وأبي هريرة، قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر، ثنا إسماعيل، ثنا أبو نعيم، ثنا سفيان، عن أبان بن أبي عياش، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، أن النبي ﷺ قال: «هدايا الأمراء غلول» (٣). وبه قال: أبنا محمد بن أبي قطن، ثنا أحمد بن عمار، ثنا أحمد بن [معاوية

стр. 58

بن بكر الباهلي] (١)، ثنا النضر بن شميل، ثنا ابن عون، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ : «هدايا الأمراء غلول» (٢). وهذان الطريقان لا يقوم بهما حجة، وهما أضعف من طريق إسماعيل بن عياش. الحديث الثامن: في التجارة. وبالإسناد إلى النقاش: أبنا أحمد بن الحسن ومحمد بن أحمد الثقفي، قالا: أبنا ابن أبي عاصم، ثنا الحوطي، ثنا بقية، ثنا خالد بن حميد المهري، عن أبي الأسود المالكي، عن أبيه (٣)، عن جده، قال رسول الله ﷺ : «ما عدل وال تَجِرَ في رعيته» (٤). وبه قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ مِنْ أَخْوَنِ الخيانة تجارة الوالي في رعيته» (٥).

стр. 59

الْحَدِيثُ التَّاسِعُ: حديث معاذ في بعثه إلى اليمن، رواه ابن سعد عن محمد بن عمر، قال: ثنا عيسى بن النعمان، عن معاذ بن رفاعة، عن جابر بن عبد الله، قال: «كان معاذ بن جبل من أحسن الناس وجها، وأحسنه خلقا، وأسمحه كفا، فادانَ فلزمه غرماؤه حتى استأدى غرماؤه رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله، خُذْ لنا حقنا منه، فقال رسول الله ﷺ : رَحِمَ الله من تصدَّقَ عليه، فتصدَّقَ عليه ناس، فقالوا: يا رسول الله، خُذْ حقنا منه، فقال رسول الله ﷺ : اصبر لهم يا معاذ، قال: فخلعه رسول الله ﷺ من ماله فدفعه إلى غرمائه، فأصابهم خمسة أسباع حقوقهم، قالوا: يا رسول الله، بعه لنا، قال: خلوا عنه، فليس لكم إليه سبيل، ثم دعاه فبعثه إلى اليمن، وقال: لعل الله يُجبرك، ويؤدي عنك دَيْنَك، فخرج معاذ إلى اليمن، فلم يزل بها حتى توفي رسول الله ﷺ فوافى السنة التي حج فيها عمر بن الخطاب، فالتقيا [٩/ ب] يوم التروية، وعزَّى كلُّ واحد منهما صاحبه برسول الله ﷺ ، فرأى عمر عند معاذ غلمانا، قال: ما هؤلاء؟ قال: أصبتهم في وجهي هذا، قال عمر: من أي وجه؟ قال: أُهدوا إليَّ وأكرمت بهم، فقال عمر: اذكرهم لأبي بكر، فقال معاذ: ما ذكري [هذا] (١) لأبي بكر ونام معاذ، فرأى كأنه على شفير النار، وعمرُ آخِذٌ بِحُجْزَتِه من ورائه أن يقع في النار، ففزع معاذ فذكره لأبي بكر، فسوغه أبو بكر [ذلك] (٢) وقضى بقية غرمائه، وقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لعل الله يجبرك»» (٣). وقال ابن عبد البر: «بعثه رسول الله ﷺ قاضياً إلى الجند من اليمن يُعَلِّمُ الناس القرآن وشرائع الإسلام، ويقضي بينهم، وجعل إليه قبض الصدقات من

стр. 60

العمال [الذين] (١) باليمن». وقال فيه: «إنه لما قدم قال عمر لأبي بكر: أرسل إلى هذا الرجل فدع له ما يُعَيِّشُه، وخُذْ سائره منه، فقال أبو بكر: إنما بعثه النبي ﷺ ليجبره، ولستُ بأخذ منه شيئًا إلا أن يُعطيني، فانطلق عمر إليه؛ إذ لم يُطعه أبو بكر، فذكر ذلك لمعاذ، فقال معاذ: إنَّما أرسلني النبي ﷺ ليجبرني ولست بفاعل، ثم لقي معاذ عمر، فقال: قد أطعتك، إني رأيت في المنام [أني] (٢) في حومة ماء [قد] (٣) خشيت الغرق، فخلصني منه يا عمر، فجاء معاذ أبا بكر، فقال أبو بكر: لا آخذ منك شيئًا قد وَهَبْتُه لك، فقال عمر: هذا حين حَلَّ وطاب» (٤).

стр. 61

الفصل الثاني في حكم الهدية ذكر ما قيل في الهدية إلى القاضي قال أصحابنا: لا يقبل القاضي الهدية ممن لم يكن له عادة بالهدية، ولا ممن كانت له عادة ما دامت له خصومة، فإن لم يكن له خصومة جاز له أن يقبل، والأفضل أن لا يقبل. حكم الهدية إلى القاضي عند أصحاب الشافعي وقد أطلق الأصحاب فيما إذا كان له عادة قبل القضاء جواز القبول (١). قال ابن الرّفْعَة: وهذا العمري، فيما إذا لم يكن ما تقدم من الإهداء إليه في حال ترشحه للقضاء، وغلب على الظن حصوله عن قرب له، بل كان ذلك لقرابة أو [مودة] (٢) (٣) قلت: وإذا فرض [ذلك] (٤) فينبغي أن يمتنع الشخص المترشّح للولاية من قبول هدية من غلب على [الظن] (٥) أن هَدِيَّته كذلك، ويكون حكمها حكم

стр. 62

الهدية للقاضي. وحيث قلنا بجواز القبول للقاضي إذا كانت عادة متقدمة، فالأولى أن لا يقبل، ويَسُدَّ على نفسه باب قبول الهدايا مطلقا. قال الشافعي: وما أهدى له ذو [رحم] (١) ومودة كان يهاديه قبل الولاية فالترك أحبُّ إليَّ، ولا بأس أن يقبل ويتمول (٢). وعلى هذا جرى العراقيون؛ كأبي الطيب (٣)، والبندنيجي، وابن الصباغ (٤) (٥). وأشار الإمام (٦) إلى أن الأولى في هذه الحالة أن يُثِيب المهدي، فإن لم يُثِبه فليضع ذلك في بيت المال (٧). وفي «الشامل»: إن من أصحابنا من قال: لا يجوز قبولها للخبر (٨) (٩)، ووجهه في «الحاوي»: أنه قد يحدث له خصومة، فيكون قد تسبب بالهدية للممايلة (١٠). وقضية كلام هذا القائل، أنه لا يجوز للحاكم قبول الهدية ممن هو من أهل

стр. 63

ولايته مطلقا، وإليه صار الفُوراني، والمسعودي. والمشهور الأول (١)، ومحله: إذا كانت الهدية بعد الولاية قدر ما كانت قبل الولاية أو مثلها، فلو كانت أكثر أو أرفع، مثل أن كان يُهادِيه بالطعام، فصار يهاديه بالثياب، قال في «الحاوي» (٢) و «التهذيب» (٣) و «الكافي» (٤): لم يَجُزْ قبولها. وقال الرافعي: إنها تصير كهدية من لم يُعهد منه الهدية (٥). وقال الماوردي أيضًا فيما إذا كانت عادته أن يُهدي إلى الإمام قبل الولاية قدرا معلومًا، فأهدى إليه بعد الولاية أكثر منه: لا يحرم القبول إذا كان من جنس الأول (٦). وفي الفرق غموض. هذا حكم الهدية للقاضي ممَّن له عادة بالهدية إليه قبل الولاية. حكم الهدية إلى القاضي إذا لم تكن له عادة وحاصل القول فيها: أنها في حال الخصومة حرام؛ لئلا ينكسر قلب خصمه، وفي غير حال الخصومة إن زاد على عادته فكذلك، وإن لم يزد جاز، والأولى تركها. أما من ليست له عادة: فالذي قاله العراقيون والبغوي (٧)

стр. 64

والرافعي (١): التحريم؛ للخبر (٢)، وعبارة الماوردي مصرحة بالتحريم (٣)، واقتصر الإمام (٤) والغزالي (٥) على الكراهة. وعلى هذا، فالأحسن أن يُثيب (٦) أو يضعها في بيت المال؛ ليندفع عنه محذور الميل (٧)، وهذا على المشهور في أنه يملك الهدية في هذه الحالة (٨). وعن القفال (٩) حكاية وجه: أنه لا يملكها (١٠). قال الإمام: ومن هذا يؤخذ أن القبول حرام عند هذا القائل لا محالة (١١). وقد حكيناه من قبل عن الفُورَاني والمسعودي (١٢)، والكلام في قبولها ممن هو من أهل ولايته، أما قبولها ممن ليس من أهل ولايته ولا خصومة له،

стр. 65

وكانت له عادة بالهدية له، قال الإمام: فهو قريب، والمستحبُّ له الامتناع (١). ويقرب منها عبارة الماوردي، والفُراني، والبغوي، وفرضوا ذلك فيما إذا سافر عن عمله، ولم يكن له عادة بالهدية له قبل الولاية، فيكره القبول، وإن قبل ملك، والأولى أن يثيب، فإن لم يفعل وضع الهدية في بيت المال (٢). ولفظ الشافعي فيما قاله ابن الصباغ: فإن أُهدي إليه في غير عمله كرهت له ذلك، فإن قبل جاز (٣). وفي «تعليق» أبي الطيب (٤) والبندنيجي: أن من أصحابنا من حرم القبول أيضًا (٥). والماوردي حكى الوجهين فيما لو قبل الهدية من غير أهل عمله في عمله، كما إذا أرسل إليه بها رسولاً، وقال: إنه لو حضر هو بها حرم القبول؛ لأنه صار من أهل عمله (٦). ولا كراهة في أكل طعام من ليس من أهل عمله إذا نزل عليهم ضيفًا عابر سبيل، ويكره إن كان مقيمًا (٧).

стр. 66

قال الماوردي: وحيث قلنا: إن القبول ليس بحرام، فله الأخذ والتملك، والأولى أن يثيب أو يضع في بيت المال، وحيث قلنا بالتحريم فقبلها، لم يملك (١) في الأصح الذي ذكره الأكثرون، ومنهم: القاضي حسين. وقال صاحب «التقريب» (٢): يملك؛ لأن الهدية مطلوبة، والتحريم للتهمة، فهو كالصلاة في الدار المغصوبة (٣). وقال الماوردي: إنه يجب رد الهدية إلى مالكها، سواء كانت قبل الحكم أم بعده، لكنها إن كانت قبل الحكم فردها، ثم حكم له أو عليه، نفذ، وإن لم يردها فحكم على المهدي، نفذ، وإن حكم له فوجهان، وإن كانت بعد الحكم جزاء لما حكم به، فالحكم نافذ، وقال فيما إذا كانت الهدية مبتدأة ممن لا عادة له ولا حكومة، وهو من أهل العمل: إنه لا يملكها، وفيما يصنع بها وجهان: أحدهما: يضعها في بيت المال.

стр. 67

والثاني: يردُّها على مالكها (١). وللقاضي الحسين في هذه احتمال وجهين في ملكه (٢). والقاضي أبو الطيب (٣) وابن الصبّاغ (٤) قالا فيما إذا قبل حيث قلنا: لا يجوز القبول، هل يُرَدُّ إلى بيت المال للمصالح؛ لأنه أهدي إليه لمكان ولايته وهو منتصب لمصلحة المسلمين، فكأن المُهدَى أُهدي للمسلمين، فصُرِف في مصالحهم، أو يُرَدُّ إلى صاحبه؟ فيه وجهان، وبعضهم يقول: قولان، وهما جاريان فيما وهب لعامل الصدقات: أحدهما: يُرَدُّ إلى الصدقات. والثاني: إلى مالكها (٥). والمذهب في «تعليق» (٦) البندنيجي في الصورتين: الأول، وجمع في (الذخائر) (٧) الطريقين، فقال: هل يملك؟ فيه وجهان، فإن قلنا: لا يملك، فيرد

стр. 68

إلى بيت المال، أو إلى مالكه؟ وجهان، ومن المجموع يأتي ثلاثة أوجه (١). قال الرافعي: والقياس ما ذكره أبو الفرج الزاز (٢)، وهو أنه إذا لم يملكها تُرَدُّ على مالكها، فإن لم يُعرَف وُضعت في بيت المال (٣) (٤)، وهو الأصح في «الروضة» (٥)، ونزول القاضي على من هو في محلّ ولايته، وأكل طعامهم كقبول هديتهم، قاله الماوردي (٦). وأخذ الرشوة حرام بالاتفاق، وكذا بذلها إن كان على أن يحكم بغير الحق، أو يقف عن الحكم بالحق، وأما إذا كان على أن يحكم بالحق فلا يحرم البذل، ويحرم القبول، صرح به الماوردي (٧) (٨)، وأبو الطيب (٩)، وابن الصباغ (١٠)، وعلى الأول يُحمل لعن الراشي (١١)

стр. 69

وهذا التفصيل يؤيّد القول بأن الرشوة المال المدفوع قبل الحكم، سواء كان بحق أو بباطل (١). قال النووي في «الروضة»: وأما المتوسط بين الراشي والمرتشي، فله حكم مُوكَّله منهما، فإن كان وكيلا عنهما حرم؛ لأنه وكيل عن الآخذ، وهو محرَّم عليه (٢). قال ابن الرفعة: ثم ما حرمناه منها على الحكم بالحق محله: إذا كان للحاكم رِزْقٌ (٣) من بيت المال، فإن لم يكن له رزق، وكان ممن يجوز أن يفرض له، فقال للمتحاكمين: لا أحكم بينكما حتى تجعلا لي جعلا، فالمحكي عن الشيخ أبي حامد، وهو المذكور في «تعليق» القاضي أبي الطيب: أنه يحل له ذلك (٤)، وعليه جرى الجرجاني في «التحرير» (٥). قال ابن الصباغ: ويجوز مثل ذلك؛ لأنه لم يُذكر أنه طلبه من أحدهما (٦)،

стр. 70

واعتبر البندنيجي في جواز ذلك أن يكون مشغولًا في معاشه بحيث يقطعه النظر عن اكتساب المادة، كما قاله في «الحاوي» (١). أما إذا لم يقطعه إما لغناه بما يستمده، وإما لقلة المحاكمات التي لا تمنعه من الاكتساب، فلا يجوز أن يرتزق من الخصوم. ثم اعتبر في «الحاوي» (٢) في حالة الجواز مع ما ذكرناه ثمانية شروط: أحدها: أن يعلم به الخصمان قبل التحاكم، فإن لم يعلماه إلا بعد الحكم لم يجز أن يرتزقهما. الثاني: أن يكون على الطالب والمطلوب. الثالث: أن يكون عن إذن الإمام، فإن لم يأذن لم يجز. الرابع: أن لا يجد متطوعاً، فإن وجد لم يجز. الخامس: أن يعجز الإمام عن دفع رزقه، فإن قدر لم يجز. السادس: أن يكون ما يرتزقه من الخصوم غير مُضِرّ بهم، فإن أضر بهم، وأثر عليهم لم يجز. السابع: أن لا يستزيد على قدر حاجته، فإن زاد لم يجز. الثامن: أن يكون قَدْرُ المأخوذ مشهورًا يتساوى فيه جميع الخصوم، وإن تفاضلوا في المطالبات، فإن فاضل بينهم لم يجز إلا أن يتفاضلوا في الزمان، فيجوز.

стр. 71

قال (١): وفي مثل هذا معرَّة (٢) على المسلمين، ولئن جاز في الضرورات فواجب على الإمام وكافة المسلمين أن يُزال مع الإمكان، إما بأن يتطوع بينهم بالقضاء من هو أهل، وإما أن يقام لهذا بالكفاية. فلو اجتمع أهل البلد مع إعواز (٣) بيت المال على أن جعلوا للقاضي رزقًا من أموالهم دارا، جاز، وكان أولى من أن يأخذ من أعيان الخصوم (٤). وأطلق (٥) في كتاب القسمة القول بأنه لا يجوز للقاضي أن يأخذ شيئًا من الرعية إذا لم يكن له رزقٌ من بيت المال (٦). وقال الرافعي في موضع: إن القاضي أبا سعد الهروي قال: الأكثرون منعوا أخذ الرزق من أهل ولايته، أو واحد الناس (٧). وفي موضع آخر: إنه لو رزق الإمام القاضي من مال نفسه، أو رزقه أهل ولايته، أو واحد منهم، فالذي خرَّجه صاحب «التلخيص»: أنه لا يجوز له قبوله (٨)، لكن قد ذكرنا في الأذان أنه كما يجوز أن يكون رزق المؤذن من بيت المال، يجوز أن يكون من مال الإمام، أو واحد من الرعية، وقد يفرق بأن رزق القاضي يورث تهمة وميلا، ولا كذلك رزق المؤذن ونحوه.

стр. 72

وحكي عن ابن كَجٍّ أنه قال: ذكر جماعة من فقهاء أبي حنيفة والشافعي: إذا لم يكن للقاضي شيء من بيت المال، فله أن يأخذ عُشر ما يتولاه من أموال اليتامى، والوقوف للضرورة. ثم بالغ في الإنكار عليه، وقال: أيُّ ضرورة في هذا إن لم يتفرغ للقضاء من غير رزق فليمتنع، ومن ذهب إلى هذا فكأنه ذكر العُشر تمثيلا وتقريبا، ولا بد من النظر إلى كفايته، وإلى قدر المال والعمل (١) (٢). قلت: ما أفسد الدين إلا الإغضاء (٣) عن مثل هذا الكلام، وهو الحنفية والشافعية - غفر الله لهم - إن كانوا قالوا هذا الكلام في واقعة خاصة في بلد اشتدت فيها ضرورة القاضي، ولم يوجد غيره، وكان عُشر ما يتولاه قدر أجرة عمله، فيحتمل. وأما إذا لم يكن كذلك، أو أن يجعل هذا عاما في جميع الأحوال وإن زاد عُشر الأوقاف عن أجرة عمله، فمعاذ الله أن يكون هذا في دين الله، ولا يُحمل قول من قال ذلك من الفقهاء إلا على واقعة خاصة أفتوا بحسبها، والفتاوى التي تجري في الوقائع الخاصة لا تتعداها، ولا عموم فيها، فلا يظن أحد من القضاة الفَجَرَةِ أن له متمسكا بها. وقال القفال الكبير (٤) في كتاب «أدب القضاة» (٥) في «عيادة القاضي».

стр. 73

لأحد الخصمين: قال بعضهم: إن كان ممن لا يتخلف عن عيادة المرضى فعادهُ لم أكره له، وإن لم يكن ذلك من شأنه، فلا أرى له أن يخصه بذلك حتى تنقضي الخصومة. وهذا مُحتمل، والأشبه بقول الشافعي: أنه لا يعوده ما لم تنقض خصومته، كما قال: إنه لا يقبل منه هدية، وإن كان يُهدي إليه قبل ذلك، حتى تنقضي خصومته (١). هذا كلام القفال. ثم قال أيضا: وأشدُّ ما ينبغي للحاكم الاجتهاد في إثباته إلى أحد الخصمين أمر الهدية؛ فلا ينبغي له أن يقبل من أحدهما هديةً، وإن كان يُهدى له قبل ذلك؛ لما في الهدية من قوة الإمالة، وقد قيل: إنما سمي مالاً؛ لأنه يميل. وقد روي أن رجلا أهدى لعمر رجل جزورٍ، ثم جاء يخاصم إليه، فجعل يقول: يا أمير المؤمنين: افصل بيننا كما يفصل رجل الجزور، وعمر لا يفهم، ثم فهم، فذكر ذلك للناس، وقال: ما زال يُكَرّرها حتى كدت أقضي له (٢). وقال أبو العباس بن القاص في كتاب «أدب القاضي»: قال مالك، والأوزاعي، وابن أبي ليلى، والثوري، وأبو حنيفة: لا بأس أن يأخذ القاضي أجرة (٣).

стр. 74

وروي عن [عمر]﵁: «لا ينبغي لقاضي المسلمين أن يأخذ على القضاء أجرة، ولا صاحب مغنمهم» (١). ومعناه: من غير بيت المال، أو يكون على الاختيار له؛ لأنه قد روي: أن عمر بن الخطاب كان يرزق شريحاً كل شهر مئة درهم (٢). وحجة أخرى: أن القاضي عامل من عمال المسلمين، وقد جعل الله للعاملين على الصدقة في كتابه سهماً (٣)، وهذا كله إذا كان من مال الله من بيت مال المسلمين، فأما أن يُجري له أهل عمله رزقاً، فلا يجوز له قبوله، وكذلك لو أجراه رجل منهم، أو أجراه السلطان. قلته على مذهبهما تخريجاً؛ وذلك أن الشافعي قال في «كتاب

стр. 75

الصدقات» (١): ولو أهدى إلى الساعي رجل من أهل عمله فأخذ هديته وأثابه (٢) عليها، حلت له، فإن لم يثبه عليها فليجعلها في الصدقات لا يحل له عندي غير ذلك، وإن أعطاه ربُّ المال فحرام أَخْذُه (٣). فأما أن يُهدى إليه على طريق الهدايا لا على طريق الرزق على عمله، فإن الشافعي قال في كتاب [أدب] (٤) القاضي (٥): ولا يقبل من أحد الخصمين هدية حتى ينفد خصومتهما (٦). وحكى محمد بن الحسن في كتابه عن أبي حنيفة، أنه قال: لا ينبغي للقاضي أن يقبل هدية؛ فإن ذلك يُوقِعُ التهمة، ويُطمع فيه الناس (٧)، وحكى الخَصَّاف عنه أنه كره قبولها، وإن قبل لم تسقط عدالته (٨). حكم إجابة القاضي الوليمة واختلفا (٩) في إجابة القاضي الوليمة؛ فقال الشافعي: ليس إلا أن يجيب كُلًّا، أو يدع كلا (١٠)، وقال الكوفيون: له أن يجيب الولائم، وكل طعام دعي
следующие страницы →