← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 30137

فصل المقال في هدايا العمال

تقي الدين السبكي

Полный текст (189 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

قال (١): وفي مثل هذا معرَّة (٢) على المسلمين، ولئن جاز في الضرورات فواجب على الإمام وكافة المسلمين أن يُزال مع الإمكان، إما بأن يتطوع بينهم بالقضاء من هو أهل، وإما أن يقام لهذا بالكفاية. فلو اجتمع أهل البلد مع إعواز (٣) بيت المال على أن جعلوا للقاضي رزقًا من أموالهم دارا، جاز، وكان أولى من أن يأخذ من أعيان الخصوم (٤). وأطلق (٥) في كتاب القسمة القول بأنه لا يجوز للقاضي أن يأخذ شيئًا من الرعية إذا لم يكن له رزقٌ من بيت المال (٦). وقال الرافعي في موضع: إن القاضي أبا سعد الهروي قال: الأكثرون منعوا أخذ الرزق من أهل ولايته، أو واحد الناس (٧). وفي موضع آخر: إنه لو رزق الإمام القاضي من مال نفسه، أو رزقه أهل ولايته، أو واحد منهم، فالذي خرَّجه صاحب «التلخيص»: أنه لا يجوز له قبوله (٨)، لكن قد ذكرنا في الأذان أنه كما يجوز أن يكون رزق المؤذن من بيت المال، يجوز أن يكون من مال الإمام، أو واحد من الرعية، وقد يفرق بأن رزق القاضي يورث تهمة وميلا، ولا كذلك رزق المؤذن ونحوه.

стр. 72

وحكي عن ابن كَجٍّ أنه قال: ذكر جماعة من فقهاء أبي حنيفة والشافعي: إذا لم يكن للقاضي شيء من بيت المال، فله أن يأخذ عُشر ما يتولاه من أموال اليتامى، والوقوف للضرورة. ثم بالغ في الإنكار عليه، وقال: أيُّ ضرورة في هذا إن لم يتفرغ للقضاء من غير رزق فليمتنع، ومن ذهب إلى هذا فكأنه ذكر العُشر تمثيلا وتقريبا، ولا بد من النظر إلى كفايته، وإلى قدر المال والعمل (١) (٢). قلت: ما أفسد الدين إلا الإغضاء (٣) عن مثل هذا الكلام، وهو الحنفية والشافعية - غفر الله لهم - إن كانوا قالوا هذا الكلام في واقعة خاصة في بلد اشتدت فيها ضرورة القاضي، ولم يوجد غيره، وكان عُشر ما يتولاه قدر أجرة عمله، فيحتمل. وأما إذا لم يكن كذلك، أو أن يجعل هذا عاما في جميع الأحوال وإن زاد عُشر الأوقاف عن أجرة عمله، فمعاذ الله أن يكون هذا في دين الله، ولا يُحمل قول من قال ذلك من الفقهاء إلا على واقعة خاصة أفتوا بحسبها، والفتاوى التي تجري في الوقائع الخاصة لا تتعداها، ولا عموم فيها، فلا يظن أحد من القضاة الفَجَرَةِ أن له متمسكا بها. وقال القفال الكبير (٤) في كتاب «أدب القضاة» (٥) في «عيادة القاضي».

стр. 73

لأحد الخصمين: قال بعضهم: إن كان ممن لا يتخلف عن عيادة المرضى فعادهُ لم أكره له، وإن لم يكن ذلك من شأنه، فلا أرى له أن يخصه بذلك حتى تنقضي الخصومة. وهذا مُحتمل، والأشبه بقول الشافعي: أنه لا يعوده ما لم تنقض خصومته، كما قال: إنه لا يقبل منه هدية، وإن كان يُهدي إليه قبل ذلك، حتى تنقضي خصومته (١). هذا كلام القفال. ثم قال أيضا: وأشدُّ ما ينبغي للحاكم الاجتهاد في إثباته إلى أحد الخصمين أمر الهدية؛ فلا ينبغي له أن يقبل من أحدهما هديةً، وإن كان يُهدى له قبل ذلك؛ لما في الهدية من قوة الإمالة، وقد قيل: إنما سمي مالاً؛ لأنه يميل. وقد روي أن رجلا أهدى لعمر رجل جزورٍ، ثم جاء يخاصم إليه، فجعل يقول: يا أمير المؤمنين: افصل بيننا كما يفصل رجل الجزور، وعمر لا يفهم، ثم فهم، فذكر ذلك للناس، وقال: ما زال يُكَرّرها حتى كدت أقضي له (٢). وقال أبو العباس بن القاص في كتاب «أدب القاضي»: قال مالك، والأوزاعي، وابن أبي ليلى، والثوري، وأبو حنيفة: لا بأس أن يأخذ القاضي أجرة (٣).

стр. 74

وروي عن [عمر]﵁: «لا ينبغي لقاضي المسلمين أن يأخذ على القضاء أجرة، ولا صاحب مغنمهم» (١). ومعناه: من غير بيت المال، أو يكون على الاختيار له؛ لأنه قد روي: أن عمر بن الخطاب كان يرزق شريحاً كل شهر مئة درهم (٢). وحجة أخرى: أن القاضي عامل من عمال المسلمين، وقد جعل الله للعاملين على الصدقة في كتابه سهماً (٣)، وهذا كله إذا كان من مال الله من بيت مال المسلمين، فأما أن يُجري له أهل عمله رزقاً، فلا يجوز له قبوله، وكذلك لو أجراه رجل منهم، أو أجراه السلطان. قلته على مذهبهما تخريجاً؛ وذلك أن الشافعي قال في «كتاب

стр. 75

الصدقات» (١): ولو أهدى إلى الساعي رجل من أهل عمله فأخذ هديته وأثابه (٢) عليها، حلت له، فإن لم يثبه عليها فليجعلها في الصدقات لا يحل له عندي غير ذلك، وإن أعطاه ربُّ المال فحرام أَخْذُه (٣). فأما أن يُهدى إليه على طريق الهدايا لا على طريق الرزق على عمله، فإن الشافعي قال في كتاب [أدب] (٤) القاضي (٥): ولا يقبل من أحد الخصمين هدية حتى ينفد خصومتهما (٦). وحكى محمد بن الحسن في كتابه عن أبي حنيفة، أنه قال: لا ينبغي للقاضي أن يقبل هدية؛ فإن ذلك يُوقِعُ التهمة، ويُطمع فيه الناس (٧)، وحكى الخَصَّاف عنه أنه كره قبولها، وإن قبل لم تسقط عدالته (٨). حكم إجابة القاضي الوليمة واختلفا (٩) في إجابة القاضي الوليمة؛ فقال الشافعي: ليس إلا أن يجيب كُلًّا، أو يدع كلا (١٠)، وقال الكوفيون: له أن يجيب الولائم، وكل طعام دعي

стр. 76

إليه عامةُ الناس، فأما دعوةُ الخاصة فلا يُجيب (١)، قاله نصًّا. قال: والذي يجب عندي على مذهب الكوفي تخريجًا، أن يُجيب في دعوة الخاص ذا رحمه دون غيرهم على ما حكى عنه محمد بن الحسن في الهدية، والذي يجب على مذهب الشافعي: لا يجيب في دعوة الخاص واحدًا من الخصمين حتى ينفد خصومتهما على ما قاله في الهدية، وينبغي [١٥/ ب] للقاضي على مذهب الشافعي أن يُثيب على الهدية، فإن لم يُثب عليها ولم يُرِدْ صاحبها الثواب؛ ففيه قولان: أحدهما: ما قال في «أدب القاضي» من جواز قبول الهدية إذا أنفدت الخصومات (٢). والآخر: ما قال في «كتاب الصدقات» في هدايا العمال من أهل عمله: إن لم يُثب عليها فهي حرام (٣). وإذا أخذ القاضي رشوةً على قضائه، فقضاؤه مردود وإن قضى بحق، والرشوة مردودة، وكذلك كلُّ قضاء تقضى بعده [بثواب] (٤). قال: يقبل القاضي القضاء بقبالة (٥) (٦)،

стр. 77

وأعطى [عليها] (١) رشوة، فولايته باطلة، وقضاؤه مردود، وإذا أعطى رشوة على عزل قاض؛ ليتولى مكانه فكذلك، وإن أعطاها على عزله دون ولايته نفسه (٢) فعزل الأول برشوته واستقضى هو مكانه لغير رشوة، نظر في المعزول؛ فإن كان عدلا فإعطاء الرشوة على عزله حرام، والمعزول على قضائه إلا أن يكون من عزله قد تاب برد الرشوة قبل عزله. وقضاء المستخلف (٣) باطل، إلا أن يكون المستخلف أيضا قد تاب قبل الولاية، فيصح قضاؤه، وإن كان المعزول جائرا (٤) لم يبطل قضاء المستخلف، قلت ذلك كله على مذهبهما تخريجا. تخريج حكم آخذ المعدل والشاهد وحكم القاضي والجلاد ووكلاء الخصوم فأما المعدل (٥) فلا يجوز له أخذ الأرزاق على ذلك من بيت المال ولا … غيره، كما لا يجوز للشاهد أن يأخذ على ذلك شيئا على شهادته، قلته تخريجا. واختلف قول الشافعي [والكوفي في أرزاق ترجمان القاضي فقياس قول

стр. 78

الشافعي كـ] (١) الشاهد لا يجوز له أخذ الرزق بحال، وقياس قول الكوفي أنه كالحاكم، له أخذ الأرزاق من بيت المال دون غيره. وأما قاسم القاضي وشرطه؛ فإن لم يكن عليهم رزق من بيت المال جاز لهم أن يأخذوا ممن أجرى لهم رزقا، وإن أجري لهم من بيت المال لم يجز أن يأخذوا من غير بيت المال إلا بإذن الحاكم. وكذلك الجلاد، ومن يقيم الحدود للحاكم، إلا في خصلة واحدة، وهي أنَّ من أقيم عليه قصاص في القَوَدِ والجراح، كانت الأجرة على المقتص منهم إذا لم يُعط من بيت المال، وقلته في الباقي تخريجاً. فأما كاتب القاضي فمحله في أرزاقه كمحل القاضي؛ لأنه نده، قلته تخريجاً على مذهبهما. وأما وكلاء الخصوم على باب القاضي؛ فهو حرام، ليس لهم في بيت المال حق إلا من نصبه القاضي لشيء من أمور المسلمين؛ مثل أن يدعى لمسجد أو طريق أو معونة للمسلمين، وما أشبه ذلك، فيجوز له أخذ الأجرة من بيت المال وغيره (٢). وقال أبو عبد الله الزبيري في «الكفاية (٣)»: الهدايا ثلاثة: هدية محرمة على

стр. 79

المهدي والمهدى إليه، فإن قبلها فعليه ردُّها، فإن تلفت فعليه قيمتها، فإن مات قبل أدائها أديت عنه من ماله وهي دين عليه، وذلك أن يُهدي ليدفع عنه حقًّا لَزِمَه، أو ليصل به إلى باطل، أو ليشهد له بزُورٍ أو للمرأة؛ لينال بها فاحشة، أو إلى رجل؛ لينال من أَمَتِه أو عَبْدِه الفاحشة. فهذا كله محرَّم، وهدية ثابتة حرام على من أُهديت إليه أن يقبلها، ومُهدِيها أخف إثمًا ممَّن أُهدِيَت إليه، وإن كان لا يجد منها بدا رجوت أن يعفو الله عنه إن شاء الله تعالى ـ، وذلك مثل الرجل يجب له الحق عند الحاكم، فلا يحكم له به حتى يُهدي إليه، أو يجب له الشهادة على الشاهد فلا يشهد له حتى يُهدي إليه. وجماع ذلك على من وجب له حق فلم يقم به من وجب عليه إلَّا بأن يُهدى إليه. والباب الثالث: هي الهدية الجائزة التي يتهاداها الرجلان على المودة أو القرابة أو الجوار، وهي تُوجِبُ المحبَّةَ. وضرب رابع: يُهدي الرجل إلى الرجل؛ لينتفع به إما ليُعينه على بر، وإِمَّا أن يقوم معه لتأدية حقّ، وإما أن يصل به إلى خير، وذلك كلُّ ما كان لو استأجر عليه صلحت فيه الأجرة، فالهدية حلال فيه للمهدي والمهدى إليه. وقد كره بعض الناس أن يُهدي الرجل إلى من يتعلم منه الخير والقرآن، واحتج بحديث القوس (١)، وليس حديث القوس بثابت، وقد عارضه حديثان

стр. 80

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 81

هما أثبت منه: أحدهما: حديث الرقية (١). ومنها: أن النبي ﷺ زَوَّجَ امرأةً على سُورِ من القرآن (٢)، وهذا إجازة الإجازة على فعله القرآن، فلا تحرم الهدية على ذلك (٣). وقال الإمام: قال الأصحاب: المُهدي إن كان له خصومةٌ لم يَحِلَّ قبول هديته، فإن قبل ذهب الأكثرون إلى أنه لا يملك، ومنهم من قال: يملك، وهذا الخلاف يقرب مِنْ تَرَدُّدِ الأصحاب في هبة الماء بعد دخول الوقت لغير العطشان. وإن لم يكن خصومة، فإن لم يكن من ولايته، نُظر، إن كان يُهدى إليه قبل الولاية فقبول الهدية قريب، وإذا قبل ملك، وإن كان لا يُهدى إليه قبل ولا خصومة، وليس من ولايته، فيكره القبول، وإذا قبل ملك، والأولى أن يثيب، فإن لم يفعل وضع الهدية في بيت المال.

стр. 82

وإن كان من بلد ولايته وكان يُهدي قديماً، فلا كراهية، والمستحبُّ الامتناعُ، وإن كان لا يُهدي قديماً وهو من أهل ولايته، ولا خصومة، اشتدت الكراهة، ولو قبل ملك (١). وقال القفال فيه وجهان، والطريقة المشهورة للأصحاب: أن الهدية إذا لم تكن في حال الخصومة فهي ملكه، فلا يطلق إلا الكراهة، وإن كانت في حال الخصومة قطعنا بالتحريم، وفي حصول الملك وجهان (٢). وقال القاضي حسين: إن كان له خصومة لم يَحِلَّ قبول هديته، سواء كان من بلد/ [١٧/ ب] ولايته أم في غيرها، وإن قبل لم يملك، ويلزمه الردُّ، وإن لم يكن خصومة، فإن لم يكن من ولايته وكان يُهدي إليه من قبل، كره القبول، فإن قبل فالأولى أن يُثيب، فإن لم يفعل جعلها في بيت المال. وإن كان من ولايته فإن كان يُهدي إليه من قبل، فلمن ليس من ولايته، وإن كان لا يُهدي إليه من قبل لا يقبل الهدية، فإن قبل أثابه، أو جعلها في بيت المال، وإن لم يفعل يحتمل وجهين: أحدهما: يملك، ولا يلزمه الردُّ. والثاني: لا يملك. سُئل ﵁: لو كان المُهدي من محل ولايته خليفته، فهو من جملة ولايته، وقد ذكرنا حكمه (٣). انتهى ما قاله القاضي حسين. وقال أبو الحسن الجوري (٤) في شرحه.

стр. 83

لـ «مختصر المزني» (١) في باب المواهب الذي يلي «باب [الإقرار]» (٢) باب كامل من كلام ابن سريج، وها أنا أنقله بنصه، قال: باب الهدايا: قال ابن سريج ﵀: الهدايا عندنا نوع من الهبة، وكذلك الإباحة، ثم قال: وأما ما يحرم من الهدايا؛ فهو أن يمتنع الرجل عن القيام من واجب عليه إلا بأن يُعطى شيئًا، فهذا الحرام المحض وهو الرشوة، وهو كمن امتنع من الصلاة والصيام إلا بجعل، ومن قام بواجب وأُهدِي له وشكر عليه [١٨/ ١] ولم يتقدم منه امتناع إلا بأن يضمن له، فلا بأس بذلك. ومن المحرم أيضًا وما يُشبهه، أن يأخذ منه شيئًا على أن يُعِينَه على استخراج حقه من عند سلطان أو غيره، ولا يصل إليه إلا به. قال أبو الحسن: لأنه إذا لم يصل إليه إلا به، فقد صار فرضًا عليه إيصاله إليه، وإن كان له سبيل من غير جهته إلى ذلك الحق، فليس بمحرَّم أخذُ شيءٍ منه على استخراجه وأخذه؛ كالوكلاء على أبواب القضاة والمخاصمين، وكالحج عن غيره بأجرة، وكتعليم القرآن والكتابة بأجرة؛ لأنه ليس بفرض عليه خاصَّةً تَعيينه الحج عن غيره، ولا تعليم غيره القرآن، ولا أن يُنصب نفسه للحكم بين الناس، ولتعليمهم. ونحو ذلك: لو امتنع حاكم من الحكم بما ثبت عنده، أو [شاهد من] (٣)

стр. 84

إقامة الشهادة التي قد تحملها، أو سلطان من إيصال حق إلى [مستحقه] (١) حتى يأخذ منه شيئًا، فهذا حرام محض، ورشوة؛ لأنه منصوب لهذا الفرض (٢)، والقيام به. وكذلك لو امتنع فقيه من أن يُفتي إلَّا بشيء يأخذه، وليس هناك غيره، فحرام ذلك عليه؛ لأن فرض الفتيا قد تعين عليه. وكذلك قوم لقوا عدوا وطلبوا أموالهم وحريمهم، فامتنعوا من قتالهم ودفعهم إلا بشيء يأخذونه، فحرام؛ لأن الفرض قد تعين عليهم، فإن كان هناك [فقيه] (٣) غيره، وطائفة غيرهم يقاتل هذا العدو، جاز لذلك الواحد الامتناع من الفتيا حتى يأخذ عليه جُعلا؛ لأن الفرض لم يتعين على هذا الواحد الممتنع. وكذلك لو رضي رجلان برجل من الرَّعِيَّة يحكم بينهما في خصومة بينهما، ولم يكن ذلك الرجل حاكمًا منصوبًا للحكم بين الناس، ولا سلطانا، جاز له أن يأخذ الجعل عليه. الفرق بين الهدية إلى القاضي والهدية إلى السلطان والفرق بينه وبين الحاكم المنصوب للناس: أن الحاكم قد نصب للقيام بهذا الفرض، وهذا الذي اختاراه لم يلتزم الحكم، ولا الحكم بينهما مفروض عليه، ولو قال قائل: قد تعيّن الفرض على هذا الفقيه المقصود بالسؤال، وعلى هذه الطائفة التي حضرت العدو وإن كان هناك غيرهم ممن فيه كفاية، فلا يجوز لهم الامتناع، ولا أَخْذُ الجُعل عليه كان مذهبًا محتملا، والله أعلم.

стр. 85

فإن أهدى العدو إلى سلطان المسلمين هديةً أو رعية سلطان إلى سلطانهم من والي خراج أو صدقات، أو إلى حاكمهم هدية، فإن كافئوا عليها من مالهم فلا بأس أن يتملكوها، وإن كافئوا عليها من مال المسلمين أو لم يكافئوا عليها فالهدية للمسلمين. [استدلالاً] (١) بحديث ابن النَّبيَّة (٢)، فأخبر ﷺ أن ذلك إنَّما أُهدي إليه وستم من أجل عمله لا له في نفسه، فسبيل ذلك إن لم يكافئ من ماله أن يكون في الفيء إن كان على الخراج، أو في الصدقات إن كان على الصدقات، أو في مصالح المسلمين إن كان على [مصالح المسلمين] (٣)، وهدية، ونحو ذلك لا يجوز له تملكها. وقد أهدى رسول الله ﷺ إلى ملوك، وأهدي له، ولم يكن ذلك إلا من وستم ماله الذي جعله الله جل ثناؤه له من الفيء وغير ذلك، والله أعلم. هذا آخر كلام الجوري. وقال ابن أبي عصرون: يَحْرُمُ على القاضي وعامل الصدقة أخذُ الرشوة على الحكم بغير حقٌّ، وكذا على إيقاف الحكم بالحق، وبذلها لذلك حرام، وهو المقصود بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ (٤) الآية. أما الهدية ممن لم يَجْرِ له عادة فلا يجوز، ويُحكى عن أبي حنيفة وأصحابه أنه يكره أخذها (٥).

стр. 86

فأمّا هديّةٌ من جرت عادته بالهديّة قبل الولاية لقرابة أو صداقة ونحوهما، فإن كان له حكومة لم يجز، وإلا فإن أهدى أكثر أو أرفع لم يجز. قال: ولو اختصّ المنع بقدر الزيادة كان متّجها، وإن لم يزد فقبولها جائز، حكاه في «المهذّب» (١) وجهًا واحدًا، وحكاه في «الشّامل» (٢) على وجهين، وجه المنع: هدايا العمال غلول (٣)، ورُوي: «سُحت» (٤)، والأوّل هو المنصوص في «الأمّ» (٥). ويجب رَدُّها إذا أخذها إلى مالكها على الأصحّ، وقيل: يكون لبيت المال، وقيل: يُرَدُّ في الصدقات، هذا إذا عُلم المأخوذ منه، أما إذا تعذّر ذلك فيجب ردُّه إلى بيت المال؛ لأنه في حكم الضّالّ (٦). وقال أبو علي الطبري (٧) في «الإفصاح» (٨): باب الهديّة للوالي، قال الشافعي: أبنا سفيان، عن الزهري، عن أبي حميد، وذكر حديث ابن اللُتْبِيَّة (٩). قال الشافعي: وإذا أُهدي إليه شيء فقبِله، لم يَخْلُ من أمور: إِمّا أن يُهدَى

стр. 87

إليه على حق كان منه، فقبل العمل فيقبله، فيكون ذلك جائزاً، أو يُهدى إليه على دفع باطل أو إيصال إلى حق، فهذا محرَّمٌ (١)، وهو الذي قاله ﵇: «الراشي والمرتشي في النار» (٢). وإما أن يُهدي إليه رجل من أهل عمله، لا على سبب يُعرف أكثر من ولايته عليهم، نظر، فإن أثابه عليه بمثله كان له قبوله، والمستحبُّ أن يُجعَل في الصدقات، وإن لم يُثبه فقد قال الشافعي: لم يَحِلَّ له عندي إلا وضعه في الصدقات (٣)؛ لأن ذلك إنَّما وصل إليه بسبب العمالة، وقال بعض أصحابنا: قال الشافعي في «أدب القاضي»: فإن أهدي إليه لم يقبله حتى تذهب خصومته، فإن قبلها بعده لم يكن محرَّمًا (٤)، قال: فهذا قول ثان في جواز تملكها إذا قبل. انتهى كلام أبي علي الطبري. وهو يقتضي أن القول المنقول عن «أدب القضاء» غريب عنده. وقال ابن الصباغ في «الشامل»: الرشوة للحاكم والتحامل على الصدقة حرام، وإن أخذ على أن يحكم بالحق لم يكن له ذلك. وعن الشيخ أبي حامد: إن كان لا يأخذ رزقًا فقال: لا أقضي بينكما حتى تجعلا لي عوضا، جاز، وذكر القاضي مثله (٥)، ولم يذكر أنه طلب من أحدهما. وينبغي أن يكون أخذه للحكم بالحق يجري مجرى الهدية، وسنذكره (٦).

стр. 88

قلت: قد تقدم الكلام على هذا (١). قال ابن الصباغ: فأما الرائش، فإن طلب بدفعه الرشوة دَفْعَ الحُكم بحق أو إيقافه، حَرُمَ، وإن طلب وصوله إلى حقه، لم يحرم عليه، وإن كان حرامًا على الآخذ. فأما الهدية؛ فالذي ذكره أصحابنا أنه إذا كان المهدي ممَّن لم [تَجْرِ] (٢) له عادة قبل القضاء، فالقبول محرَّمٌ؛ لحديث أبي حميد (٣)، وليس فيه حجة ظاهرة؛ لأنه يجري مجرى أخذ الرشوة؛ لأن العامل قبل الهدية ممن له عليه الصدقة، وإنَّما كلامنا في هدية من لا حكومة له. وأما من جرت له عادة لقرابة أو صداقة، فإن كان له حكومة لم يقبل، وإلا فالذي نص عليه أنه جائز، ومن أصحابنا من قال: لا يجوز. قال الشافعي: فإن أُهدي إليه في غير عمله، كرهت له ذلك، وإن قبل فجائز (٤)، فأجراه الشافعي مجرى من جرت عادته بالهدية له، فقال: التنزه أحبُّ إليَّ، ومن أصحابنا من حرمه. وإذا منعناه من قبولها فماذا يُصنع بها؟ وجهان: أحدهما: يردُّ إلى بيت المال؛ لأن في ذلك مصلحة للمسلمين. والثاني: إلى صاحبها؛ لأنه لم يَزُلْ ملكه عنها (٥). والله أعلم.

стр. 89

وقول صاحب «الشامل»: إن حديث ابن اللتبية (١) فيما أهداه له من له عليه صدقة محتمل، وليس بنَص، فإن الحديث مطلق ولم يستفسره النبي ﷺ هل هي [غلها] (٢) من جهة أهل الصدقة أو لا؟ وهل إهداؤها له قبل إعطائهم الصدقة أو بعدها؟ فإن بعد الإعطاء تفرغ ولايته، فيصيرون كالمتخاصمين بعد الخصومة، وترك الاستفصال تنزل منزلة العموم (٣). وقال صاحب «البيان»: يحرم على القاضي أخذ الرشوة؛ للحديث (٤)، ولأنه إن أخذها للحكم بغير الحق فهو محرم، فكذا ما لو أخذ عليه، وإن أخذها ليتوقف عنه فكذلك، وإن أخذها ليحكم بالحق لم يجز؛ لأنه يأخذ الرزق من الإمام. وإن أهدي إلى القاضي أو عامل الصدقة، فإن لم يكن عادة حَرُمَ، وإن كانت عادة فإن كان له حكومة لم يجز؛ لأن زيد بن ثابت كان يُهدي إلى عمر كلَّ سنة لبنا، ثم استقرض منه من بيت المال، فأهدى زيد لعمر فلم يقبل، وقال: لعله إنما قُدّم لنا لما أقرضناه، فلم يقبل منه حتى قضى دينه (٥). وإن لم يكن حكومة، حكى ابن الصباغ وجهين (٦)، فإن خرج القاضي عن محل ولايته فأهدي إليه، فهل يجوز قبولها؟ فيه وجهان:

стр. 90

المنصوص: الجواز؛ لأنه هناك كآحاد الرعية. والثاني: لا، كما لا يجوز له أخذ الرشوة هناك. وكل موضع قلنا: لا يجوز قبول الهدية فقبلها، لا يملكها، وإلى من يردُّها؟ فيه وجهان: أحدهما: إلى المهدي. والثاني: يردها إلى بيت المال. وهو ظاهر المذهب؛ لأنه أُهدي إليه لمكان ولايته يته، وهو منتصب لمصلحة المسلمين، فكأن المهدي أهدى للمسلمين. وكذلك الوجهان في العامل إذا قبل: أحدهما: يُرَدُّ على المهدي. والثاني: يُدخِلُها في الصدقات. هذا ترتيب أصحابنا العراقيين، وقال الخراسانيون: هل يملكها المهدى إليه؟ وجهان (١). انتهى. وقال الشافعي في «الأم» فيما حكاه ابن الصباغ: «ما أهدى له ذو رحم وذو مودة كان يهاديه قبل الولاية، فالتنزه أحبُّ، ولا بأس أن يقبل ويتمول» (٢). انتهى. وينبغي أن يكون التقييد [بتقدم] (٣) العادة خاصا بذي المودة، ولا يشترط في ذي الرحم، ولكن الأصحاب لم يتعرضوا لذلك، وأطلقوا.

стр. 91

خاتمة لنقتصر على هذا القدر من كلام الأصحاب، وملخصه: أن قبول الرشوة حرام قطعا من كل أحد، وكذا الهدية في حال الخصومة، أما في غير حال الخصومة فإن لم يكن له عادة قبل الولاية، حرم القبول في الأصح، إلا أن يكون المهدي من غير بلد ولايته في غير بلد ولايته، فيحل، وكذا في بلد ولايته على الوجه الذي حكاه الماوردي. وأما قبولها ممن هو من أهل ولايته إذا خرج القاضي لغير ولايته، فقد تقدم ما يقتضي وجها فيه، وهو بعيد. والذي ينبغي في المسائل الثلاث: أنه متى ظهر أنه يُهدي لأجل الولاية يحرم، وإن كان في غير ولايته ممَّن ليس من أهل ولايته، وإن كانت له عادة، جاز في الأصح ما لم يزد. وحيث حرمنا القبول، فإن جهل صاحبها وُضِعت في بيت المال، وقيل: هي ملك لمن أهديت له، وإن علم صاحبها، فالأصح عند النووي وغيره من المتأخرين ردُّها إليه، وقيل: توضع في بيت المال (١)، وهو المختار؛ لحديث ابن اللتبية (٢)، وقال صاحب «البيان»: إنه المذهب (٣). والمعنى الذي أشار إليه الشافعي والأصحاب المتقدمون، والحنفية من اعتبار المعنى الذي قصده المهدي فكأنها للمسلمين، ويرشد إليه قول ابن أبي عصرون (٤)، وقيل: في الصدقات ليس بجيد؛ لأن المهدى إليه إن كان عامل

стр. 92

صدقة ففي الصدقات ليس إلا، وإن كان واليًا عامًا ففي بيت المال، ومن أطلق أحد اللفظين فمحمول على هذا التفصيل، فلا يُجعلان وجهين، هذا كله في الهدية. أما الرشوة فالذي ينبغي أنه إن جهل صاحبها وضعت في بيت المال قطعًا، وإن عُرِفَ رُدَّت عليه قطعاً؛ لأنه لم يخرج عنها إلا لما قصده من الحكم الذي لم يحصل له، ولا يملكها المهدى إليه بلا خلاف. وأما إذا قلنا: إن قبول الهدية مكروه حيث نقول به، فالأكثرون من الأصحاب على أنه يملكها المهدى إليه. والمختار عندي: أنه لا يملكها كما حكاه القفال (١) اعتباراً بالمعنى الذي لحظوه؛ من أنه إنَّما أهدى إليه لقوة المسلمين لا لقوته بخصوصه، ويرشد إلى هذا حديث معاذ (٢) لما بعثه النبي ﷺ إلى اليمن، وجاء بهدايا، وقصته مع أبي بكر وعمر مشهورة. بل أقول: إن حديث ابن اللتبية (٣) وغيره إنما يدل على هذا، ولا يدل على التحريم؛ ولهذا سماها غُلولًا، فالقول بأن الهدايا حرام تُرَدُّ على صاحبها مخالف لحديث ابن اللتبية، ولحديث معاذ. والقول بأنها حرام وتوضع في بيت المال، لم يدل عليه الأحاديث، وفيه نسبة معاذ إلى ارتكابه مع قوله ﷺ : «أعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل» (٤).

стр. 93

فالذي يظهر بأن الهدايا إذا لم يقصد بها معنى الرشوة ولا كانت في وقت خصومة، ولا تضمين إزراء (١) لمنصب القضاء، ولا تهمة، أو ميلا، بل كانت مكارمة بين الأكفاء؛ أنه لا يمتنع/ [٢٢/ ب] قبولها، لكنه يُنظر مع ذلك إلى المعنى الباعث لصاحبها على الإهداء، فإن كان هو لولاية فلا يملكها المهدى إليه، بل يكون للمسلمين؛ لأنه إنما أخذها بقوتهم وسببهم، وكأنه قائم مقامهم، وإن كان الباعث عليها قصده بخصوصه كما إذا لم يكن له ولاية، فهي ملكه، هذا هو الذي يظهر من ذلك. ولما كان القاضي مَظِنَّةَ التُّهمة، كرهنا له قبول الهدايا مطلقا، فإن زالت الرِّيبة جاز. وحديث معاذ (٢) الذي أشرنا إليه قد ذكرناه، وتناولُ معاذ له من أربابه يدل على اعتقاده [حِلَّ] (٣) القبول، وأبو بكر وعمر لم يُنكرا عليه، ولا قالا له: إنه فَعَلَ حرامًا، وإنما اقتضى كلامهما أنه لبيت المال، واختلف رأيهما؛ فعمر رأى أنه لا يطيب إلا بأمر الإمام، وأبو بكر لعله رأى أن ذلك يتقيد بقول النبي ﷺ : «لعل الله يجبرك»، فلا معارضة بينه وبين قول عمر. هذا ما ظهر لنا من البحث، والفقهاء من جميع المذاهب استدلوا بحديث معاذ بن جبل.

стр. 94

ابن اللتبية (١) على تحريم القبول، وهم أعلم منا، فلا بأس بموافقتهم، ولا مانع أن يَصدُرَ من بعض الصحابة شيء عن اعتقادِ إباحة، [ويبين] (٢) النبي ﷺ حُرمَته، فيرجعون إليه. ولو ثبت جوازه في العامل لم يلزم جوازه في القاضي؛ لأن القاضي منصوب للعدل بين الخصوم، وعدم الميل بالكلية، فيمتنع مما يؤدي إلى خلاف ذلك، والمطلوب من العامل وظيفة يقوم بها على وجهها، والله أعلم. فإن قلت: فإذا كانت حلالاً وهي لبيت المال، فربما يقول من هي في يده: أنا لي حق في بيت المال، فأخُذُها منه. قلتُ: ليس له إلا أن يأذن الإمام الناظر في المصالح وأموال بيت المال، فإن رآه أهلا لذلك وضعها فيه، كما فعل أبو بكر بمعاذ، وإلا صرفها عنه إلى من هو أحق بها، وهذا شأن أموال بيت المال كلّها. وفي هذه زيادة خصوصية تقتضي تحتم الإيثار بها إلى الإمام، من جهة أن المهدى إليه إذا تحقق أنه لا يختص بها، بل لا بد أن يأتي بها إلى الإمام، فإن طيبها له قبلها، وإلا دفعها إلى بيت المال، لم يبقَ له غرض خاص فيها، فتزول التهمة عنه، ولا يصير في معنى الرشوة. بخلاف ما إذا أخذها وغَلَّها، فإن التهمة حينئذ متمكنة، والميل قوي لما حصل له بخصوصه من النفع من جهته. فإن قلت: فمعاذ إِنَّما قبلها لنفسه على ما ظهر من حديثه، ولم يكن في نيته

стр. 95

أن يأتي بها إلى بيت المال، فإن نظرتم إلى فعله فقولوا بالجواز، وإن قصد أخذها لنفسه. قلت: قد قال: إن النبي ﷺ قال: «لعل الله يجبرك»، فلعله نزل ذلك منزلة الإذن من النبي ﷺ وهو الإمام، وظاهر حال معاذ أنه فَهِم ذلك، وكذا ظاهر حال أبي بكر في جوابه لعمر. فإن قلت: فإن كان ذلك لأمر النبي ﷺ ، فيكون إباحة الهدية له خاصةً رخصة من النبي ﷺ ، فلا يُستدل به في غيره. قلت: ما قلنا: إن أمر النبي ﷺ له بالقبول، بل القبول مباح، وإنما فهم من النبي ﷺ تخصيصه بما يحصل له، فلا يؤخذ منه كما أخذ من ابن اللبِيَّةِ، وبهذا تجتمع الأحاديث، ولا تتناقض. فإن قلت: ما ذكرته يقتضي أن الهدية للحاكم وللعامل مباحةٌ، وقد قلت: إن الأصح تحريمها. قلتُ: الهدية باعتبار ما يُقصد بها، فمتى ظهر من صاحبها استعانة بها على شيء من الحكم، حَرُمَ قبولها، ومتى كانت لمجرد المكارمة والتودُّد، لم تحرم، ولم يكن يخفى ذلك على معاذ، وهو أعلمُ الأُمَّةِ بالحلال والحرام، ولا يخفى عليه حاله فيما يتناوله، وهو من جلة الصحابة، فلم يكن يُقدِمُ إِلَّا على ما هو حلال إن شاء الله. ونحن إذا أنا أطلقنا في القاضي التحريم، فهو بناءً على ما هو الغالب فيمن لم يُهد إليه إلا بعد القضاء مع كثرة الرّيب والتهم، فإن فرض في صورة نادرة من ظهر له بقرائن الأحوال انتفاء الرّيب كلها والتهم، والله أعلم بباطنه، فنرجو أنه لا حرج عليه في القبول،/ [٢٤/ ١] وحينئذ يجب عليه وضعها في بيت المال، والله أعلم.

стр. 96

الفصل الثالث: في الفرق بين الهدية والرشوة (١) القول المختصر في الفرق بين الهدية والرشوة وأرى أن أقدم ما عندي في ذلك، ثم أذكر كلام الناس فيه، وأجمع بين الكلام، وأنبه على عدم الاختلاف فيه، فأقول أولاً مختصرًا: إن الهدية يُقصد بها التودد، والرشوة يقصد بها التوصل. يبسط الكلام في ذلك ثم أبسط هذا الكلام وأقول: إن الهدية والهَدْي والهدى والإهداء والتهادي كله راجع إلى معنى الميل والإمالة، ومنه: هدايته الطريق؛ أي: أملته إليه، والهدى: الرشاد، وهو الإمالة عن طريق الغَيِّ، و هديت المرأة إلى زوجها، راجع إلى ذلك أيضاً. ومصدره: هدَاء، قال زهير (٢): . . . . . . . . . . . … فَحُقَّ لِكُلِّ مُحْصَنَةٍ هِدَاء (٣) وهي مهدية وهدي، و: فلان يهادى بين اثنين، إذا كان يمشي بينهما

стр. 97

معتمدا عليهما، وفي مَشْيِه تمايل من الضعف، و يتهادى في مشيه؛ أي: يتمايل، فالكلمة كلها راجعة إلى هذا المعنى. ولما كانت العطية تُمِيلُ [قلب] (١) مَنْ يُعطَى له إلى من يعطيها، سُمِّيت هدية لذلك، ومنه الحديث: (تَهَادُوا تَحَابُّوا) (٢)، فَجَعَلَ التهادي سببًا في التحابب، والهدية سبباً في المحبة، والمحبة ميل القلب، والتحابب والتوادد. واستمالة القلوب محبوب في الشرع بهذا الحديث وبغيره؛ فلهذا استُحِبَّت الهدية لما يترتب عليها من الأمر المطلوب شرعاً، وهو التوادد الذي به يحصل التعاون على مصالح الدنيا والآخرة، ويكون عباد الله إخوانا كما أمرهم نبيهم ﷺ . فإن خطر ببالك سؤالٌ يَرِدُ على هذا، فستجده في آخر الكلام إن شاء الله تعالى. تعريف الرشوة وأما الرشوة؛ فهي بكسر الراء وضمها، وجمعُها: رشاء، بكسر الراء وضمها أيضاً، فهي راجعة إلى معنى التوصل، ومنه: الرشاء، بالمد وكسر الراء،

стр. 98

وهو الحبل الذي يُستمدُّ به الماء من البئر فينتزعه، و: استرشاء الفصيل؛ إذا طلب الرضاع، و: أَرْشَيْتُ الدلو، جعلت لها رِشاء، و: ترشَّيْتُ الرجلَ؛ إذا لاينته و: راشيته؛ إذا ظاهرته، و: أَرْشَا الحنظل؛ إذا امتدت أغصانه، شُبِّه بالأرشية. والرشاء كواكب صغيرة كثيرة على صورة السمكة، يقال لها: بطن الحوت، وفي سُرَّتِها كوكب نير يُنزله القمر، واسترشى في حكمه، طلب الرشوة عليه. فالكلمة كلها راجعة إلى معنى التوصل والامتداد، كما يتوصل بالرشاء الممدود في البئر إلى مائها، والرشوة في الحكم يتوصل بها الراشي إلى حكم الحاكم. فإن قلت: المهدي أيضًا يتوصل بهديته إلى محبة المهدى إليه، والراشي يستميل المرتشي حتى يحكم له، فلم اختص كل منهما باسم؟ قلتُ: المهدي ليس له غرض معين إلَّا استمالة القلب، والراشي له غرض معين وهو ذلك الحكم، وليس غرضه استمالة القلب، بل قد يكون يكرهه ويلعنه، ففي الهدية تودُّد خاص بها، وتوصل مشترك بينها وبين الرشوة، وإن افترقا في التوصل إليه، وفي الرشوة توصل خاص لا غير. فخصصنا كلا منهما باسم، وميزنا بينهما بما اختصا به، وألغينا في الهدية المشترك. وأيضا لما كان المتوصل إليه بالهدية محبوبًا في الشرع، كان هو المعتبر في التسمية، ولم يُنظر إلى السبب، وما كان المتوصل إليه بالرشوة حرامًا في الشرع لم يعتبر، وإنَّما اعتبر في التسمية التسبب فقط؛ لأنه لم يقصد الراشي والمرتشي غيره، وكانت تسمية كل منهما باعتبار مقصدِ فاعلهما.

стр. 99

فإن قلت: المهدي قد يكون فقيرًا فيقصد بهديته عوضاً من جهة المهدى إليه، ولا يقصد غير ذلك. قلت: هذا بيع أخرج في صورة الهدية، فإن صححناها بيعًا أو أفسدناها فلا يُرَدُّ علينا، وإن صححناها هديةً وأوجبنا الثواب فتسميتها هدية باعتبار صورتها لا باعتبار معناها، ونحن كلامنا في الهدية صورةً ومعنى، فإنَّا إذا حددنا حقيقةً إنما نحد ذلك، وتسمية الصورة المذكورة هدية كتسمية الصورة المنفوسة إنسانًا. على أنه قد يقال: إن الفقير قصد استمالة قلب المهدى إليه فيرحمه ويعطيه، لا على سبيل المعاوضة، فلا يخرج عن قصد التودُّد، فيسمى هدية حقيقة، وهذا هو العُرف عند الناس، ومقصود الفقراء. ألا ترى أن العوض ليس معيَّنا، ولا معلومًا، وإنما يقصد الفقير المهدي أن ينعطف (١) الغني المهدى إليه، ويتحنن عليه، فرجع إلى معنى الهدية الذي قدمناه، وليس مقصوده شيئًا معينًا كما هو مقصود الراشي، فكذلك لا تَحرُمُ الهدية المذكورة. وقد روى عبد الرحمن بن علقمة قال: قدم وفد ثقيف على رسول الله ﷺ ومعهم هدية قد جاءوا بها، فقال لهم: ما هذا؟ هدية أم صدقة؟ فإن الصدقة يُبتَغَى بها وجه الله، والهدية يبتغى بها وجه الرسول، وقضاء الحاجة، قالوا: هدية، فقبضها منهم (٢).

стр. 100

وقد استفيد من هذا الحديث الفرق بين الصدقة والهدية، وقوله: إن الهدية يُبتَغَى بها وجه الرسول وقضاء الحاجة، لا ينافي ما قلناه؛ لأنا إما أن نقول: إن التودُّد خاصَّةً يُراد قضاؤها، وإما أن نقول: إن الهدية تُطلق بمعنى أعم في مقابلة الصدقة، وهي المقصود من الحديث، وبمعنى أخص في مقابلة الرشوة، وهي التي نتكلم فيها، ويصير إطلاق الهدية بالمعنى الذي نحن نبحث فيه على الرشوة مهجورا. فقد بان لك بهذا أن الهدية المال الذي يُقصد [به] (١) التودد، والرشوة هي المال الذي يقصد به التوصل كما أن الرشاء لا يقصد به إلا التوصل لماء البئر. ثم بعد هذا نقول: المتوصل إليه بالرشوة إن كان حكما بحق أو موقوفا على الباطل، فسبب تسمية ما يُبذل لأجله رشوة وتحريمه: أنه يستمد العدل من الحاكم، والله تعالى أمر الحكام أن يحكموا بين الناس بالعدل، وكلُّ مَنْ في الأرض من إمام، أو سلطان، أو نُوَّابِه أو قضاة فهم خلفاء الله في حكمه، مأخوذ عليهم أن يُقيموا العدل في الرعايا ويبذلوه، واجب عليهم ذلك، ولم ينصبوا إلَّا لأجله. فإذا أخذ الرشوة عليه فكأنه صيَّرها ثمنًا للعدل، والله تعالى لا يرضى أن يُباع عدله في أرضه بحُطام الدنيا، فإنه بذل العدل لعباده، ولم يَعْتَض عليه من عباده شيئًا، وأنزل الكتاب والميزان؛ ليقوم الناس بالقسط، وأمر أن تؤدى الأمانات إلى أهلها. فإذا جاء النائب عن الله تعالى يأخذ ثمنا على العدل الذي نصبه الله لإقامته، فقد خان الله تعالى وملائكته ورسله والمؤمنين، وإن حكم بالحق، بل

стр. 101

يجب عليه أن يجعل العدل مبذولاً لكل من طلبه كالماء الجاري يتمكن منه كلُّ من أراده. وإطلاق الرشوة على ما يأخذه الحاكم في هذه الحالة متمكن تشبيها لها بالحبل، وتشبيها للعدل المبذول لكلّ بالماء الذي في البئر الذي لا يختص به أحد، فلما سُمي حبل البئر رشاءً للتوصل به إلى ما لا يجوز منعه، سُمي هذا رشوة للتوصل به إلى الحكم الذي لا يجوز منعه. والتحريم هنا في الأخذ لا في الحكم، حتى لو رَدَّ الرشوة وتاب إلى الله تعالى، وجدد الإمام له تَوَلَّيه، وحكم بالحق، نفذ حكمه، ولو حكم بالحق بدون ذلك فالحق في نفسه نافذ، لكنَّ حُكمه وهو فاسق غير صحيح إذا قلنا بانعزاله، فإن لم نقل بانعزاله نفذ حكمه، ولا إثم عليه في الحكم، وإنما الإثم في أخذ الرشوة. والإثم في أخذها عليه وعلى وكيله الذي يأخذ عليه، وأما باذِلُها فإن لم يتوصل إلى حقه إلا بذلك فلا إثم عليه، ولا على وكيله الذي ليس بوكيل عن الآخِذِ، وإن كان يمكنه التوصل إلى حقه بغير ذلك ولو عند قاض آخَرَ، فينبغي أن تحرم عليه؛ لأن فيه إعانةً على مُحَرَّم من غير ضرورة. وإن كان المتوصل إليه بالرشوة حكما بباطل أو توقفا عن الحكم بحق واجب، فهذا هو السُّحتُ الذي قال الله تعالى فيه: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ (١). قال الواحدي: أجمعوا على أن المراد بالسحت ها هنا الرشوة في الحكم، وقالوا: نزلت الآية في حُكّام اليهود؛ كانوا يرتشون ويقضون لمن رشاهم (٢).

стр. 102

وقال الحسن في هذه الآية: تلك الحكام يسمعون الكذب ممن يكذب في دعواه عندهم، ويأتيهم برشوة فيأخذونها ويأكلونها، سمعوا كذبه، وأكلوا رشوته (١). وأما اشتقاق السُّحتِ؛ فقال الزجاج: إن الرشى [التي] (٢) يأخذونها [يعاقبهم] (٣) الله بها أن يُسْحِتهم بعذاب؛ أي: يستأصلهم (٤). وذكر عن الفراء أنه قال: أصله كلب الجوع، يقال: رجل مسحوت المَعِدَةِ؛ إذا كان أكولاً لا [يُلقى] (٥) إلا جائعاً أبداً، وقال رؤبة (٦) في قصة يونس والحوت: … ... … ... يدفع عنه جوفه المسحوت (٧)

стр. 103

أي: الجائع، فالسُّحتُ حرام، يُحمل عليه الشَّرَهُ كشَرَةِ المسحوت المعدة. وعلى ما قال الليث (١): إنه حرام يلزم منه العار (٢)، يمكن أن يقال: سمي سحتا؛ لأنه يسحت مروءة الإنسان (٣). انتهى كلام الواحدي. وحاصله: أن السحت حرام خاص، ليس كل حرام يقال له: سُحتُ، بل الحرام الشديد الذي يُذهِبُ المروءة، ولا يُقدِم عليه إِلَّا مَنْ به شَرَهُ عظيم، وجوع شديد، ورشوة الحاكم من هذا القبيل؛ لذلك سماها الله تعالى سحتا. وإنما جعلنا هذا من القسم الثاني الذي هو الحكم بالباطل؛ لقول الحسن (٤): إنهم كذبوا في دعواهم، وعلى هذا يكون من تبديل أحكام الله تعالى، ويكونون قد سمعوا الكذب وأكلوا السُّحتَ، وحكموا بما لم ينزل الله، فكلُّ مَنْ فعل هذا من حكام المسلمين فقد [ضاهى] (٥) حكام اليهود الذين نزل فيهم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٦)، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّلِمُونَ﴾ (٧)، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٨). وتفسير الواحدي السُّحتَ بالرشوة في الحكم من غير تقييد بالحكم بالباطل يشمل الأمرين، فيدخل فيه القسم الأول أيضا، ونحن قدمنا أن تسمية الأول بالرشوة متمكّن؛ لمشاركته الرشاء في التوصل إلى شيء صحيح

стр. 104

لِكُلِّ أَحَدٍ أَخْذُه. وتسمية القسم الثاني رشوة؛ لكونه يُوصل به إلى حكم الحاكم، وإن لم يكن صحيحًا، لكنه أبعد في مشابهة الرشاء من الأول، وإن كان أشد تحريمًا منه؛ لأن تحريم الأول من جهة أخذ الرشوة، وتحجير عدل الله، وتحريم الثاني من جهة الرشوة، والحكم بغير ما حكم الله، وكلاهما على غير طريق الله، المستحِلُّ لذلك كافرٌ، وفاعله غير مستحل فاسق. فقد عُلم بهذا أن كلَّ ما يُعطى للحاكم على حكم بحق أو باطل، أو توقف عن حكم بحق أو باطل، فهو رشوة محرمة بإجماع المسلمين، بل بإجماع الملل أجمعين؛ فإن اليهود ما فعلوا ذلك إلا لما حرَّفوا وبدلوا وغيروا شريعة أنبيائهم، ومن فعل هذا في هذه الملة فهو مُتَّبع لليهود لعنهم الله. فإن قلت: إطلاق الرشوة على هذا لغوي أو شرعي، إن كان لغويا فأهل اللغة من أين يعرفون الحق أو الباطل، وإن كان شرعيا فلم رجعتم فيه إلى الاشتقاق؟ قلت: بل هو لغوي، وأهل اللغة وإن كانوا في الجاهلية قبل الإسلام فلهم أحكام يرجعون إليها، وزعماء ورؤساء قرَّروا لهم قوانين وسياسات معلومةً بينهم، فإذا حكم زعيمهم بمالٍ يأخذه على ذلك، سَمَّوْهُ رشوةً. فإن قلت: قد عرفت أن الهدية كلُّ مالٍ أعطاه صاحبه لاستمالة القلوب، والرشوة كل مال أعطاه للتوصل إلى حكم، لكن استمالة القلب قد يكون المقصود بها التوصل إلى الحكم، فيدخل الرشوة في قسم الهدية؟ قلت: لا، بل الهدية لا يُقصد بها إلا استمالة القلب، والرشوة يقصد بها الحكم الخاص، مال القلب أو لم يَمِلْ.

стр. 105

فإن قلت: العاقل إنما يقصد استمالة قلب غيره لغرض صحيح، أما مجرَّدُ استمالة القلب من غير غرض آخَرَ، فلا. قلت: صحيح، لكن استمالة القلب له بواعث، منها: إن ترتب عليه مصلحة مخصوصة معينة كالحكم ميلا، فها هنا المقصود تلك المصلحة، وصارت استمالة القلب وسيلةً غير مقصودة؛ لأن القصد متى عُلِمَ بعينه لا نقف مع سببه، فدخل هذا في قسم الرشوة. ومنها: إن ترتب عليه مصالح لا تنحصر، إما أخروية كالأخوة في الله، والمحبة، ونَيْلِ ثوابها، وما أشبه ذلك، لعلم أو دين، فهذه مستحبَّةٌ، والإهداء لها مستحب. حكم الملل المعطى لاستمالة قلب صاحب جاه للتوصل إلى غرض دنيوي ومنها: أن تكون دنيوية؛ كالتوصل بذلك إلى أغراض له لا تنحصر بأن يكون المستمال قلبه صاحب جاه، فإن كان جاهه بالعلم والدين، فذلك جائز. وهل هو جائز بلا كراهية أو بكراهة تنزيه؟ اقتضى كلام الغزالي في «الإحياء» النهي (١)، ومراده في القبول للهدية، وهو صحيح؛ لأنه يكون قد أكل بعلمه أو دينه، أما الباذل فلا يُكره له ذلك وإن كان جاهه بأمر دنيوي، فإن لم تكن ولاية، بل كان له وجاهة بمال أو صلة عند الأكابر، ويقدر على نفعه، لا يكره الإهداء إليه لهذا الغرض. وأما قبوله فهو أقل كراهة من الذي قبله، بل لا يظهر فيه كراهة؛ لأنه لم يأكل بعلمه ولا دينه، وإنما هو أمر دنيوي، ولم يخرج عن حدّ الهدية فلا كراهة.

стр. 106

وإن كان جاهه ولاية، ولم يقصد حكما منه، وإنما قصد استمالة قلبه عسى أن ينتفع به في مهماته، وينال بصحبته خيرًا، فهذا محل التودد، يحتمل أن يقال: إنه هدية؛ لكونه ليس له غرض خاص، ويحتمل أن يقال: هو رشوة؛ لكون المهدى إليه في مَظنَّة الحكم. فاستدل الغزالي بحديث ابن اللتبيَّة (١) على التحريم، ويكون هذا وإن كان القصد استمالة القلب من غير قصد خاص خرج من قسم الهدية، ودخل في قسم الرشوة بالحديث. تعقيب المؤلف على استدلال الغزالي والذي أقوله: إن هذا قسم متوسط بين الهدية والرشوة صورة حكمًا، و [و] (٢)، وأن حكمه أن يجوز القبول ويوضع في بيت المال، وحكم ما سواه من الهدايا يؤخذ ويتملكه المهدى له، وحكم الرشوة أن لا تؤخذ، بل تُرَدُّ إلى صاحبها. وإنما صار حكم القسم المتوسط هكذا بالحديث رشوة، أنه بالنسبة إلى صورته جاز الأخذ لأغراض المعطى عنه، وعدم تعلق قصده بعوض خاص، وبالنسبة إلى معناه، وأن المعطى له نائب عن المسلمين جعلت للمسلمين إن كان واليا عاما أو قاضياً، وإن كان عامل صدقة جعلت في الصدقات الذي هو نائب عن أصحابها. فإن قلت: فإذا كان المهدى إليه غير حاكم. قلت: إن كان نائبه، أو حاجبه، أو من ندبه وولاه إيصال الأمور وما أشبه ذلك، فهو مثله.

стр. 107

وعلى الجملة؛ كلُّ مَنْ تولَّى ولايةً يتعين عليه ذلك الفعل فيها، أو يجب وإن لم يتعين، كما إذا كان اثنان في وظيفة يحرم على كل منهما أن يأخذ على شغل ما يجب أو يحرم. فإن قلت: فإن كان مما لا يجب لا يحرم، بل يجوز، هل يجوز الأخذ عليه؟ قلت: هذا في حق المتولي عزيز، فإنه يجب عليه رعاية المصالح، فمتى ظهرت مصلحة في شيء وجب، ومتى ظهر خلافُها حَرُمَ، ومتى أَشْكَلَ وجب النظر، فإن وُجد في فعل القاضي ونحوه ممن يلي أمور المسلمين ما يتخير بين فعله وتركه على سبيل التشهي. وإن فرض ذلك فيحرم الأخذُ عليه أيضًا؛ لأنه نائب عن الله تعالى في ذلك الفعل، فكما لا يأخذ على حكمه لا يأخذ على فعله، وأعني بهذا ما يتصرف فيه القاضي غير الأحكام من التولية ونحوها، فلا يجوز له أن يأخذ من أحد شيئًا على أن يوليه نيابة قضاء، أو مباشرة وقف أو مال يتيم. وكذلك لا يجوز له أن يأخذ شيئًا على ما يتعاطاه من العقود والفروض والفسوخ، وإن لم تكن هذه الأشياء أحكامًا بمعنى أنها ليست تنفيذا لما قامت به الحجة، بل أشياء (١) تصرفات مبتدأة، ولكن الأخذ عليها ممتنع كالحكم؛ لأنه نائب فيها عن الله تعالى كما هو نائب في الحكم عنه. فإن قلت: قد حَجَرْتَ الأمر على القاضي فيفضي إلى تضييق رزقه. قلتُ: لا يَحِلُّ للقاضي أن يأخذ شيئًا إلا أن يرزقه الإمام من بيت المال، أو يفعل بيده ما يستحق به أجرةً؛ كأن يكتب مكتوبًا يستحق أجرة مثله فيه، ونحو

стр. 108

ذلك، فإن ذلك ليس من الأحكام والأفعال التي هو مستخلف فيها. فإن قلت: فالعالم الذي تعيَّن عليه تعليمُ العِلم، أو وجب فرض كفاية ولم يتعين، هل يجوز قبوله الأجرة أو الهدية عليه؟ قلت: هذا مما اختلف العلماء فيه، والأولى التنزه عنه، ولا يظهر التحاقه في التحريم بالقاضي، فإن القاضي فيه وصفان، أحدهما: الوجوب، والثاني: كونه نائبا عن الله تعالى، والعالم ليس فيه إلا الأول فقط. فإن قلت: فمن ليس متوليا إذا أهدى إليه؛ ليتحدث له في أمر جائز عند ذي سلطان. قلت: إذا كانت تلك الحالة جائزة، ولم يكن المتحدث مرصداً لإبلاغ مثلها بحيث يجب عليه، فإن كان لحديثه فيها أجرة بأن يكون يحتاج إلى عمل كثير، جاز، وإلا فلا. أما الجواز فلأنه إجارة أو جعالة، وأما المنع فلأنَّ الشرع لم يَرِدْ بالمعاوضة في هذا النوع، وإن كان قد يقصده العقلاء. وقد بان بهذا الفرق بين الرشوة والهدية، وأن ما يأخذه القاضي مَرَاتِبُ: أعظمها في التحريم: الأخذُ على أن يحكم بالباطل، فيكون قد غيّر شريعة الله تعالى، وأَكَلَ السُّحتَ. ويليه في التحريم: أن يأخذ ليتوقف عن الحكم بالحق، فإن الحكم بالحق بعد ثبوته واجب متى استحل تركه كَفَرَ. ويليه: بأن يأخذ ليحكم بالحق أو يتوقف عن الباطل، فيكون قد غير طريقة الله تعالى، وباع عدل الله الذي بذله الله لعباده بغير عوض، وهو راجع إلى الحكم

стр. 109

بغير طريقة الله تعالى، ولما امتنع من الحكم إلا بعوض فقد امتنع من حكم الله، فيدخل في قوله: ﴿وَمَنْ لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللهُ﴾ (١)، وقوله ﷺ : «لعن الله الراشي والمرتشي» (٢)، يشمل ذلك. ويلي هذا في التحريم: أخذه على التولية والعزل والعقود والفروض والفسوخ؛ لمشابهتها الأحكام، فتدخل في الحديث إما بالنَّص وإما بالقياس، والأقرب أنه بالنص، فإنه إذا وجب ذلك عليه فالتوصل إليه بمال كالتوصل إلى الحكم بمال. وأكثر ألفاظ الحديث أُطلق فيها الراشي والمرتشي، فيَعُمُّ، وفي بعضها مقيد في الحكم، فعلى هذه الرواية إما أن يقول: إن هذه التصرفات حكم، أو في معنى الحكم؛ لأنها وظيفة الخلافة عن الله تعالى، بل هي جُلُّ ما يقصد القاضي له، فإن الحكم الذي هو الإلزام والتقييد لمقتضى الحُجَّة لا يثبت أمرًا لم يكن، بل هو إخبار للمدعى عليه على ما قامت به الحجة. فهو يساوي في الصورة إلزام غير الحاكم ممَّن له يد قوية، وعلم دَيْنًا على شخص وامتناعه ظلمًا من أدائه لصاحبه، فأَكْرَهَه بيده القوية على أدائه له، فهكذا حكم الحاكم وإن فارقه من بعض الوجوه. وأما هذه التصرفات التي يُنشِئُها الحاكم فلا تصح إلا به، وضرورات الناس ماسَّة إليها؛ لاحتياجهم إلى النجاح ونحوه، وإنَّما يتعاطاه فيمن لا ولي

стр. 110

لها الحاكم النائب عن الله تعالى، فبفعله يحصل الإباحة، وبفسخه يحصل التحريم، وبحَجْرِه يحصل المنع في التصرف، وببيعه مال يتيم ينتقل الملك، وباستيفائه الحدود يبرأ صاحبها مما عليه لله تعالى؛ فأفعال الحاكم كلُّها منسوبة إلى الله تعالى، والحاكم واسطة. فمتى أخذ عليها أجراً يكون كعبدٍ أَمَرَه سَيِّدُه بإيصال شيء مما للسيد إلى عبد آخر، وأوجبه عليه ومَنَعَه من تأخيره، ولم يجعل له عليه شيئًا، بل مجرد طاعة السيد، والقيام بمصلحة عبيده، فقال: لا أوصله لصاحبه حتى تعطيني جعلا، أما أن (١) يكون أظلم الظالمين؟ فإن قلت: قد عظمت الأمر في ذلك، والقاضي إذا كان متوليا على عمل فلا يجب عليه أن يُوَلِّيَ فيه، والذي يوليه فيه إنما هو نائب عنه يساعده على العمل، فإذا جاز له استنابة من شاء فأعطاه ذلك النائب على استنابته شيئًا لم يعطه على أمر واجب ولا حرام، وهو له فيه غرض صحيح؛ لما يحصل له به من الجاه والرفعة والكَسْبِ، فلِمَ يَحْرُمُ؟ قلتُ: يَحرُمُ الأمور: أحدها: أن القاضي مأمور بالنصح للمسلمين، صح في الحديث: أَنَّ مَنْ وَلِيَ قوماً ثم لم يُحِطهم بنصيحة؛ فالجنة عليه حرام (٢)، ومَن وَلِيَ قوما فولى
следующие страницы →