بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقريظٌ
بقلم
أ. د عاصم بن عبد الله القريوتي
الحمد لله رب العالمين، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله؛ خاتم الأنبياء والمرسلين؛ نبيِّنا محمد ﷺ ، وبعد:
فإن دينَ الإسلام خاتمُ الأديان، وكلُّه محاسن ومحامد، وقد انبرى أخي الحبيب فضيلة الشيخ أبوعبد اللهِ خلدون بن محمود بن نغوي آل حقوي -حفظه الله- إلى تصنيف بعنوان: "اللؤلؤُ والمَرجانُ في محاسنِ دينِ الإسلام"، وقد استفاد ممن سبقه في ذلك -كما وضح في مقدمته-، وزاد بما فتح الله به عليه، وتناول المؤلف في هذا الكتاب محاسن الإسلام وشرائعه العظيمة من عدة جوانب، ومن أبرزها:
بيانُ محاسنِ دين الإسلام في توحيد الله ، ونبذ الشرك بجميع صوره وأشكاله، موضحًا ما في الدين من مصالح العباد في الدنيا والآخرة، ومن جمع الكلمة والتحذير من الفُرقة والاختلاف؛ لما في ذلك من حفظٍ للأمة ووحدتها.
وبيَّن محاسنَ نظام الميراث وما فيه من عدالة تحفظ الحقوق، وتضمن الإنصاف بين الورثة، وأن نظام الحدود في الإسلام يهدف إلى صيانة المجتمع وردع المفسدين، وأن نظام الشورى الذي يجعل القرار الجماعي أساسًا للحكم الرشيد.
كما أظهر المؤلف -وفقه الله- أن الإسلام دينٌ يُغذي الرُّوح بالإيمان، ويُرسي الطمأنينة في القلب، وهو دين الفطرة السليمة التي فُطر الناس عليها، ويربي أتباعه على مراقبة الله تعالى في السر والعلانية؛ مما يُزكِّي النفس ويطهرها.
стр. 2
وأبرز المؤلف أن الإسلام يحفظ العقل من كل ما يفسده، ويحث على العلم والتعلم والتفكر، ويجعل ذلك من أفضل القربات إلى الله تعالى.
وأفاد المؤلف أيضًا أن الإسلام يؤمن بجميع الأنبياء والمرسلين، ويُصدق جميع الكتب السماوية السابقة، والقرآن الكريم مصدقٌ لها ومهيمن عليها، وهو خاتمها.
وبيَّن المؤلف أيضًا أن الإسلام دينٌ عالمي؛ خُتمت به الرسالات السماوية، وجاء متممًا لمكارم الأخلاق، وهو رحمةٌ للعالمين أجمعين، وهو دين العدل والمساواة، وقد اعتنى بالأسرة، واهتم بالمرأة وحقوقها.
كما بيَّن المؤلف أيضًا كثرةَ أبواب الخير في الإسلام، وأنه وسَط في العبادة لله تعالى -لا غلو فيه ولا تفريط-، ودعا لمحاربة الربا والغش لما فيه من فساد مالي وأخلاقي، وحثه على العمل والإنتاج، والتخفيف عن المعسرين رحمةً بهم.
وقد ختم كتابه -وفقه الله- إلى تناول عددٍ من أشهر الشبهات المثارة حول الإسلام؛ فناقشها بعلم؛ فجزاه الله خير الجزاء، وبارك في عِلْمه وعمله.
وهذا الكتاب سيكون تعريفًا بالإسلام لغير المسلمين، وتثبيتًا للمسلمين بإذن الله.
نفعه الله بما كتب، وجعله في ميزان حسناته.
وكتبه عاصم بن عبد الله القريوتي
في ٢٨ /شوال /١٤٤٦ هـ الموافق ٢٦/ ٤ /٢٠٢٥ م
стр. 3
مقدمةُ المؤلفِ
إنَّ الحمدَ لله، نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله مِن شرور أنفسنا ومِن سيئات أعمالنا، مَن يهده اللهُ فلا مضلَّ له، ومَن يضلل فلا هادي له، وأشهد أنْ لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله.
أمَّا بعدُ؛ فإني كنتُ منذ زمن طويل -وإلى الآن- أتطلع إلى خدمة دين الله تعالى، وإلى أنْ يكون لي سبب إلى رضاه تعالى في حياتي وبعد مماتي (١)، ومِن ذلك أنَّ أكونَ أحدَ جنود الإسلام المدافعين عنه باليد واللسان.
ولم أَرَ أنفع لدين الإسلام -عند أزمنة انتشار الجهل والشرك والبعد عن السُّنَّة وفشوِّ البدع- مِن جهادٍ باللسان وفري بالقلم (٢)، وذلك بنشر السُّنَّة الصحيحة، وبيانِ أصول أهل الإسلام، وقواعد الدِّين، ومنهج أصحاب النَّبيِّ ﷺ في فهم دينِ الإسلام والعمل به.
وقد رأيتُ الاعتناءَ بموضوعٍ هو اليومَ مِن أهم المواضيع، ألا وهو "بيانُ جملةٍ مِن محاسنِ دينِ الإسلام".
وقد قمتُ -مستعينًا بالله تعالى وحده، ومستنيرًا بشروح العلماء وأهل الفَنِّ-
стр. 4
بتصنيف رسالة في ذلك؛ على أنْ تكون شموليةً في طريقة تصنيفها وتبويبها؛ وميسَّرةً لِمَن أراد الاختصار والوقوف على أهم المطالب في بابها، وأيضًا أنْ تكون منطلقًا ومفتاحًا ينطلق منها المتوسع إنْ أراد الاستقصاء.
"واعلمْ أنَّ محاسنَ الدِّينِ الإسلامي عامةٌ في جميع مسائله ودلائله، وفي أصوله وفروعه، وفيما دلَّ عليه مِن علوم الشرع والأحكام، وما دلَّ عليه مِن علوم الكون والاجتماع، وليس القصدُ هنا استيعابَ ذلك وتتبعَه! فإنه يستدعي بسطًا كثيرًا، وإنما الغرضُ ذِكْرُ أمثلةٍ نافعةٍ يُستدلُّ بها على سواها، وينفتحُ بها البابُ لِمَن أراد الدخولَ" (١).
وقد راعيتُ -قدرَ المستطاعِ- أنْ يكون البحثُ وجيزًا في عبارته، واسعًا في فوائده، مع العنايةِ بتحقيق الآثار المرفوعة والموقوفة موضعِ الاستدلال (٢)، ولا أدَّعي لنفسي التفردَ في تصنيف الكتاب! وإنما هو الاعتمادُ على كلام العلماء الأفاضل وأهل الفَنِّ -قديمًا وحديثًا-.
وأخيرًا أسألُ اللهَ تعالى إجابتي دعوةً كدعوة سيدنا إبراهيم ﵊: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٤٠، ٤١].
وكتبه:
أبو عبد الله؛ خلدون بن محمود بن نغوي آل حقوي (٣)
стр. 5
أهميةُ مادةِ البحث
قال العلَّامةُ السَّعديُّ ﵀: "أمَّا بعدُ؛ فإنَّ دينَ الإسلام الذي جاء به محمدٌ ﷺ أكملُ الأديان وأفضلُها، وأعلاها وأجَلُّها، وقد حوى مِن المحاسن والكمال والصلاح والرحمة والعدل والحكمة، ما يشهدُ لله تعالى بالكمال المطلق وسعة العلم والحكمة، ويشهدُ لنبيِّه ﷺ أنه رسولُ الله حقًا، وأنه الصادقُ المصدوقُ الذي لا ينطق عن الهوى ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤].
فهذا الدِّين الإسلاميُّ أعظمُ برهان، وأجلُّ شاهد لله بالتفرد بالكمال المطلق كله، ولنبيِّه ﷺ بالرسالة والصدق.
وغرضي مِن هذا التعليق إبداءُ ما وَصَلَ إليه عِلمي مِن بيان أصولِ محاسنِ هذا الدِّين العظيم؛ فإني وإنْ كان علمي ومعرفتي تقصر كل القصور عن إبداء بعضِ ما احتوى عليه هذا الدِّين مِن الجلال والجمال والكمال، وعبارتي تضْعُف عن شرحه على وجه الإجمال -فضلًا عن التفصيل في المقال-، وكان ما لا يُدرك جميعُه ولا يوصلُ إلى غايته ومعظمِه؛ فلا ينبغي أنْ يُتركَ منه ما يعرفه الإنسانُ لعجزه عما لا يعرفه؛ فـ ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وذلك أنَّ في معرفة هذا العلم فوائدَ متعددةً، منها:
١ - أنَّ الاشتغالَ في هذا الموضوع -الذي هو أشرفُ المواضيع وأجلُّها- مِن أفضل الأعمال الصالحة، فمعرفتُه والبحث عنه والتفكير فيه وسلوك كل طريق يحصل إلى معرفته خيرُ ما شَغَلَ العبدُ به نفسَه، والوقتُ الذي تُنفقه في ذلك هو الوقتُ الذي لك لا عليك.
стр. 6
٢ - ومنها: أنَّ معرفةَ النِّعَم والتحدثَ بها قد أَمَرَ اللهُ به ورسولُه، وهو مِن أكبر الأعمال الصالحة، ولا شك أنَّ البحثَ في هذا اعترافٌ وتحدُّث وتفكُّر في أجلِّ نِعمه سبحانه على عباده؛ وهو الدِّين الإسلاميُّ الذي لا يَقبل الله مِن أحد دينًا سواه، فيكون هذا التحدثُ شكرًا لله، واستدعاءً للمزيد مِن هذه النعمة.
٣ - ومنها: أنَّ الناسَ يتفاوتون في الإيمان وكماله تفاوتًا عظيمًا، وكلما كان العبدُ أعرفَ بهذا الدِّين وأشدَّ تعظيمًا له وسرورًا به وابتهاجًا؛ كان أكملَ إيمانًا وأصحَّ يقينًا؛ فإنه برهانٌ على جميع أصول الإيمان وقواعده.
٤ - ومنها: أنَّ مِن أكبرِ الدعوة إلى دين الإسلام شرحَ ما احتوى عليه مِن المحاسن التي يَقبلها ويتقبلها كلُّ صاحب عقل وفطرة سليمة، فلو تصدى للدعوة إلى هذا الدِّين رجالٌ يشرحون حقائقَه ويُبيِّنون للخَلْق مصالحَه؛ لكان ذلك كافيًا كفايةً تامةً في جذب الخلْق إليه لِمَا يَرون مِن موافقته للمصالح الدِّينية والدنيوية، ولصلاح الظاهر والباطن، مِن غير حاجة إلى التعرض لدفع شُبَهِ المعارضين والطعن في أديان المخالفين! فإنه في نفْسِه يَدفع كلَّ شبهة تعارضُه، لأنه حقٌّ مقرونٌ بالبيان الواضح والبراهين الموصلة إلى اليقين؛ فإذا كُشف عن بعض حقائق هذا الدِّين صار أكبرَ داعٍ إلى قَبوله ورجحانه على غيره" (١).
стр. 7
عملي في هذا البحث
١ - محاولةُ الاستقصاء -جُهدي- في تبويب جوانب محاسن الإسلام، مع نَظْمِ تفريعٍ مناسب لكل جانب، علمًا أنَّ كثيرًا مِن تلك التفريعات صالحةٌ لإيرادها في أكثر مِن تبويب، وهذا مِن براهين كمال وإعجاز هذه الشريعة العظيمة.
٢ - إيرادُ جملة مِن الفوائد والمسائل المتعلقة بهذا البحث؛ مما فيه إثراءٌ للمادة العلمية.
٣ - التركيزُ على ما اختصَّ به الإسلامُ وتميَّزَ به مما يشير إلى شرفه وخصوصيته على سائر الملل؛ دون ما هو عامٌّ مشتركٌ بين سائر الملل (١).
٤ - إيرادُ جملةٍ واسعة مِن الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة المتعلقة بالبحث مما يتعلق بالمطلوب.
٥ - العنايةُ بتخريج الحديث النبوي وذِكْرِ درجته، والحرصِ على أنْ تكون الأحاديثُ الشواهد مِن الأحاديث الصحيحة عند أهل الحديث؛ لاسيما ما كان من «الصحيحين» أو مما صححه الشيخ المحدث محمد ناصر الدِّين الألباني ﵀.
٦ - العنايةُ بعزو كلام أهل العلم إلى مصادره، مِن كتاب مطبوع، أو شريط مسموع.
стр. 8
الفصل الأول: أُسُسُ الإحسان في الإسلام
مِن الجدير بالذكر أنه "ليس مِن السهل على أيِّ إنسان أنْ يُبيِّنَ محاسنَ الشريعة، ولا أنْ يُعَدِّدَ جوانبَ الإحسان فيه؛ لأنها شريعةُ الإحسان، كما قال ﷺ : «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ»، و "كلُّ شيء" لم يخرجْ منه ولا شيء، حتى في حالة القتل وإزهاق الرُّوح! فلا بُدَّ مِن الإحسان، وفي ذبح الحيوان، وفي المحلات التي لا يتذكر الإنسانُ فيها معنًى للإحسان! «فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا القِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ» (١) إلى آخر الحديث.
ثم لو ذهبنا نتتبَّع مرافقَ الحياة كلِّها لوجدنا الإحسان يُتوِّجُها، بل إنَّ الغايةَ مِن خلْق الإنسان وإماتته وإحيائه لم يكن لشيء إلَّا للإحسان.
﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ١، ٢].
﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧].
وفي الحديث -بعد بيان الإسلام- ثم يتدرج إلى الإيمان، ثم يُتَوِّجُ الجميعَ بالإحسان (٢).
إنها صبغةُ الله ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة: ١٣٨].
стр. 9
ولو ذهبنا نُعَدِّدُ جوانبَ الإحسان -ولو على سبيل الإجمال- ابتداءً مِن القول باللسان؛ نَجِدُ قولَه تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣]،
حتى في الجِدال: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]،
وفي الدعوة إلى الله: ﴿بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥]،
حتى مع المسيء: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون: ٩٦]،
﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: ٣٤]،
وفي العشرة الزوجية إذا لم تَدُمْ: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]،
ومع الوالدَين: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦]، إلى ما لا نهاية له،
وأخيرًا ومِن العموم: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥] " (١).
وعلى كل حالٍ؛ فإنَّ المتأملَ في شريعة الإسلام يَظهر له -على وجه الإجمال- أنَّ أُسُسَ محاسنها تدور حول عدةِ محاورَ، وهي:
"الكمالُ، والشمولُ، والسماحةُ، والبقاءُ.
١ - أمَّا الكمالُ؛ فلأنها مِن الله، وبكلمات الله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥]،
﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء: ١٠٥]،
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]،
وفي الحديث: «مَا تَرَكْتُ شَيئًا يُقَرِّبُكُم إِلَى اللهِ إِلَّا بَيَّنْتُهُ لَكُم وَأَمَرْتُكُم بِهِ، وَلَا شَيئًا يُبَاعِدُكُم عَنِ اللهِ إلَّا بَيَّنْتُهُ لَكُم وَنَهَيتُكُم عَنْهُ» (٢)،
стр. 10
وعليه قال مالك بن أنس ﵀: مَن سَنَّ سُنَّةً وزَعَمَ أنها حسنةٌ؛ فقد زَعَمَ أنَّ محمدًا خان الرسالةَ! (١) لأنَّ اللهَ أَخْبَرَ بأنه أكملَ لنا الدِّين، وما كان كاملًا فلا يحتمل زيادةً، ومَن أراد الزيادةَ فقد زَعَمَ فيه النقصَ حتى يُتِمَّهُ هو! ولن يكونَ" (٢).
"وإنَّ مِن أَكْمَلِ الأدلةِ على كمالها: لَوجودُها منذ تشريعها بكمالها؛ لم تحتجْ إلى ما يكملها! ولم يطرأْ عليها ما يُنقصها، فقد سايرتِ السنينَ والقرونَ ولم يستطع معاندٌ أو موالٍ أنْ يَستدركَ على ما فيها، وما تجرأَ إنسانٌ على معارضتها إلَّا مكابرٌ ومعاندٌ، وهو بمعارضته يُعْلِنُ عن جهله وقصور نظرِه، وهو في عمله أصدقُ ما يكون عليه قولُ الشاعر:
كناطحِ صخرٍ يومًا لِيوهنها … فلم يَضرَّها وأوهى قرنَه الوعلُ (٣) " (٤).
٢ - وأمَّا الشمولُ؛ فهي صالحةٌ لكل زمان ومكان، ولا أدلَّ على هذا مِن استمرارها مِن زمن بعثة النَّبِيِّ ﷺ إلى يومنا هذا، وانتشارِ رقعتها شرقًا وغربًا؛ حيث دَخَلَ فيها العربُ والعجمُ، على اختلاف أجناسهم مِن أحمر وأبيض وأسود، مصداقًا لقوله ﷺ : «إِنَّ اللهَ زَوَى لِي الْأَرْضَ؛ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا، وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ» (٥)، ومعنى: "وأعطيتُ الكنزين الأحمر والأبيض: أي: الذهب والفضة، والمرادُ كنزا كسرى وقيصر، مَلكي العراق والشام" (٦).
"ومِن عظمةِ القرآن أنه يَقرأه جميعُ المسلمين -كبيرُهم وصغيرُهم-،
стр. 11
ويحفظونه ويتلى في الإذاعات.
كما أنَّ للقرآن الكريم تأثيرًا وجاذبية على مَن يستمع إليه مِن غير المسلمين، وهذا لا يُعرف لأيِّ كتاب غير القرآن الكريم، وهو معجزة النَّبِيِّ ﷺ الخالدة الى يوم القيامة.
ومِن إعجازه: بلاغتُه، وما أَخبر الله فيه مِن علوم إنسانية، كخلْق الإنسان في بطن أمه، ومِن علومٍ فلكية وكونية عن خلْق السماوات والأرض والشمس والقمر وغيرها مِن المخلوقات العظيمة" (١).
٣ - "أمَّا السماحةُ في الشريعة؛ فهي صفتُها الخاصةُ، كما في الحديث «بُعِثْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ» (٢).
ومِن سماحتها أنَّ اللهَ لم يَجعلْ فيها مِن حرجٍ في التكليف، كما قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]،
وقوله: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]،
ولم يكلفْ نفسًا إلَّا وسْعَها: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] " (٣).
"ومِن السماحةِ: التيسيرُ، ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥، ٦] " (٤).
فالمتأملُ في الشريعة الإسلامية على وجه الإجمال -بل والتفصيل- يجد أنَّ "أحكامَ الشريعة الإسلامية لها عِلَلُها وفوائدُها، ومبنيةٌ على التيسير ورفعِ الحرج، فلا يوجد حُكْمٌ في الشريعة إلَّا وله فائدة أو علة، فالله تعالى هو الحكيم الخبير سبحانه،
стр. 12
وقد تظهر لنا هذه الفوائدُ والعللُ والحِكَمُ وقد تخفى علينا.
والشريعة الإسلامية جاءت لتحقيق المصالح ودرء المفاسد، وإسعاد البشرية، قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤].
كما أنَّ أحكام الشريعة الإسلامية مبنية على التيسير، ورفع الحرج، وعدم المشقة على الناس، قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]،
وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]،
وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
فمثلًا:
أباحتِ الشريعةُ الإسلاميةُ التيممَ عند فَقْدِ الماء أو عدمِ الاستطاعة على استعماله.
وكذلك يصلي المسلم قائمًا؛ فإنْ لم يستطع فجالسًا؛ فإنْ لم يستطع فعلى جنبه.
ويصلي في أيِّ مكان طاهر، ويَقْصُر الصلاة ويجمعها في السفر.
وأباحتِ الشريعةُ للمريض والمسافر الفِطرَ في رمضان.
وأوجب اللهُ الحجَّ مرة واحدة في العمر -مَنِ استطاع إليه سبيلًا-.
وهكذا في كثير مِن أحكام الشريعة الإسلامية.
كما أباحتِ الشريعةُ الإسلاميةُ -عند الضرورة- أكْلَ المحرمات لإنقاذ النفس البشرية مِن الهلاك.
стр. 13
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣] " (١).
٤ - وأمَّا البقاءُ؛ فلأنَّها شريعةٌ أصيلةٌ حافظتْ على أصولها وفروعها، قد خاطبتِ العقلَ والفطرةَ، وراعتْ حاجاتَ الأبدان والأرواح معًا، تماشتْ مع الحضارات المختلفة لِتُقِرَّ خيرَها وتُقَوِّمَ شَرَّها وخطأَها، فهي شريعةٌ لا يَدخلها نقصٌ ولا يَلزمها زيادةٌ، قد حَوَتْ في داخلها ما يلزم لاستمرارها وشمولها؛ كيف لا وهي شريعةُ اللهِ العليم الحكيم؟!
وإنَّ بقاءَها إنما هو فرعٌ عن شموليتها وعالميتها.
ومِن جهة أخرى؛ فإنَّ اللهَ تعالى هو الذي يَحفظ بقاءَها، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، وهذا الحفظُ مستمرٌ باقٍ إلى أنْ يشاء سبحانه رفْعَها، كما في الحديث الشريف عن عائشة ﵂ مرفوعًا «لَا يَذْهَبُ اللَّيْلُ وَالنَّهْارُ حَتَّى تُعْبَدَ اللَّاتُ وَالعُزَّى». فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنْ كُنْتُ لَأَظنُّ حِيْنَ أَنْزَلَ اللهُ ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِيْنِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّيْنِ كُلِّهِ وَلَو كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣] أَنَّ ذَلِكَ تَامًّا! قَالَ: «إنَّهُ سَيَكُونُ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ رِيْحًا طَيِّبَةً فَتَوَفَّى كُلَّ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إيْمَانٍ؛ فَيَبْقَى مَنْ لَا خَيْرَ فيهِ؛ فَيَرْجِعُونَ إِلَى دِيْنِ آبَائِهِم» (٢).
стр. 14
الفصل الثاني: محاسنُ الإسلام مِن جهة شرائع الإسلام الكبار
التوحيدُ ونَبْذُ الشرك
"الإسلامُ يدعو إلى توحيد الله تعالى وتعظيمه، وتحرير الإنسان مِن العبودية لغير الله، وأنه لا معبود بحق إلَّا الله تعالى، فالمسلم يدعو الله وحده ولا يتوكل إلَّا على الله، ولا يرجو إلَّا الله، ولا يخاف إلَّا مِن الله وحده، ويعلم يقينًا أنَّ الله هو وحده مَن يملك الضر والنفع، وأنَّ الله لا شريك له في مُلكه وتدبيره - لا نبيًّا مرسلًا، ولا مَلَكًا مقربًّا، ولا أحدًا مِن الصالحين-، كما حرَّم الإسلامُ الذهاب إلى الكهان والسحرة والمشعوذين.
قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨].
وقال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].
وقال ﷺ : «مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ» (١).
وقال ﷺ : «يَا غُلَامُ؛ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدهُ تُجَاهَكَ، إِذَاَ سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَاَ اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِن بِاللهِ، وَاعْلَم أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيءٍ قَد كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وإِنْ اجْتَمَعوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بشَيءٍ قَد كَتَبَهُ اللهُ عَلَيكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ، وَجَفَّتِ الصُّحُفُ» (٢) " (٣).
стр. 15
وهذا بخلاف مَن عَبَدَ عبدًا مِن عبادِ اللهِ؛ يَتعلق به ويرجوه!
قال تعالى عن يوسف ﵊ في سياق الدعوة إلى التوحيد وذمِّ آلهة المشركين وبيانِ محاسن الإسلام العظيم: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ * يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٣٨ - ٤٠].
فخاطبَ يوسفُ ﵊ العقلَ والفطرةَ بقوله: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾؟!
والجوابُ هنا مسكوتٌ عنه لوضوحه، فهل الواحدُ المتفرد بصفات الربوبية مِن مُلْكٍ وخَلْقٍ وتدبير؛ الذي قَهر الخلْقَ جميعًا على ما أراد: يصحُّ أنْ يُجعل في مقارنةٍ أصلًا مع آلهة متعددة متباينة مفتقرة إلى ربها؛ فضلًا عن أنه يَلزمها مَن يحميها؟!
وكما قال تعالى عن إبراهيم ﷺ في محاجَّتِه لقومه وإقامته الحجةَ عليهم بذلك: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ * قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ * وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ * فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ * قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ * قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ * قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ
стр. 16
فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ * فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ * قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥١ - ٦٧].
فهم كما قال تعالى: " ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: بالمَلامَة في عدم احترازهم وحراستهم لآلهتهم! فقالوا: ﴿إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: في ترككم لها مهملةً لا حافظَ عندها" (١).
وكذا قال تعالى عن الذين عَبدوا الملائكةَ الكرام: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ * وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٥ - ٢٩] حيث بيَّن سبحانه عدمَ استحقاقِ العبادة لِمَن كان أصلًا مربوبًا مأمورًا مِن غيره، بل ولا يملكُ الشفاعةَ ابتداءً عند سيده إلَّا أنْ يأذنَ له في ذلك وبأنْ يَرضى عن المشفوع فيه! وكما قال سبحانه في موضع آخر عنهم: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦].
وكذا قال تعالى عمَّن عَبَدَ الأنبياءَ الكرام: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى
стр. 17
يُؤْفَكُونَ * قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [المائدة: ٧٥، ٧٦].
حيث بيَّن سبحانه عدمَ استحقاقِ العبادة لِمَن كان محتاجًا للطعام والشراب! لأنه أصلًا غيرُ قادر على الاستقلال بجلب النفع لنفسه؛ فكيف لغيره؟!
بخلافه سبحانه الغنيِّ عن خَلْقِه، الذي لا يأكل ولا يشرب ولا ينام، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١، ٢] فإنه مِن معاني اسم الصَّمَد، هو "الذي لا يأكلُ الطعام، ولا يشربُ الشراب" (١)،
وكقوله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٤].
وأيضًا؛ فالإسلام يُقَرِّرُ أنه لا شريك لله، لا في ربوبيته، ولا في ألوهيته، ولا في أسمائه وصفاته.
قال تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٧٠].
وأيضًا؛ فالإسلام يأمر بالتحاكم إلى الله وحده، وترك التحاكم إلى قوانين البشر الوضعية.
قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف: ٤٠] (٢).
стр. 18
الصَّلاةُ
تأمَّلْ ما في الصلاة مِن:
الإخلاص لله، والإقبالِ التام عليه، والثناءِ والدعاءِ والخضوعِ، وأنها مِن شجرة الإيمان بمنزلة الرعاية والسقي للبستان، فلولا تكرار الصلاة في اليوم والليلة ليبستْ شجرةُ الإيمان، وذَوى عُودها! ولكنها تنمو وتتجدد بعبودية الصلاة، وانظرْ إلى ما تحتوي عليه الصلاةُ مِن الاشتغال بذكر الله -الذي هو أكبر مِن كل شيء-، وأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، كما قال تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٥].
وهي أكبر عونٍ للعبد على مصالح دينه ودنياه، قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥].
فأمَّا عونُها على مصالح دينه؛ فلأنَّ العبد إذا داوم على الصلاة وحافظ عليها؛ قويتْ رغبتُه في الخير، وسَهُلَتْ عليه الطاعاتُ، وبَذَلَ الإحسانَ بطمأنينة نفْسٍ واحتسابٍ ورجاءً للثواب.
وأمَّا عونُها على مصالح الدنيا؛ فإنها تُهَوِّنُ المشاقَّ، وتُسَلِّي عن المصائب، والله سبحانه لا يُضيع أجرَ مَن أحسن عملًا؛ فيجازيه بتيسير أموره، ويبارك في ماله وأعماله.
وفي تأديتها جماعةً يحصل التعارف والتواصل، والتوادُّ والتعاطف والتراحم،
стр. 19
ويسود الوقار والمحبة بين الصغير والكبير، ويحصل بذلك تعليمٌ فِعْلِيٌّ لصفة الصلاة (١).
وفيها مغفرة للذنوب على هيئة الطهارة بعد كل اتساخ، كما في حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «أَرَأَيتُمْ لَو أَنَّ نَهَرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَومٍ خَمْسًا؛ مَا تَقُولُ ذَلِكَ يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ؟» قَالُوا: لَا يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ شَيئًا. قَالَ: «فَذَلِكَ مِثْلُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ؛ يَمْحُو اللهُ بِهَا الخَطَايَا» (٢).
فهذه الذنوب هي التي لو تتابعت على القلب لختمتْ عليه! ولمَا عَرف بعدها الخيرَ مِن الشر! ولكنْ جعل الله تعالى مداومةَ الصلاة بعد الصلاة سببًا لمغفرة الذنوب تلو الذنوب.
وفي الحديث الشريف:
«تَحْتَرِقُونَ تَحْتَرِقُونَ؛ فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الْفَجْرَ غَسَلَتْهَا،
ثُمَّ تَحْتَرِقُونَ تَحْتَرِقُونَ؛ فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الظُّهْرَ غَسَلَتْهَا،
ثُمَّ تَحْتَرِقُونَ تَحْتَرِقُونَ؛ فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الْعَصْرَ غَسَلَتْهَا،
ثُمَّ تَحْتَرِقُونَ تَحْتَرِقُونَ؛ فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الْمَغْرِبَ غَسَلَتْهَا،
ثُمَّ تَحْتَرِقُونَ تَحْتَرِقُونَ؛ فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الْعِشَاءَ غَسَلَتْهَا،
ثُمَّ تَنَامُونَ؛ فَلَا يُكْتَبُ عَلَيْكُمْ حَتَّى تَسْتَيْقِظُوا» (٣).
стр. 20
الزكاةُ
انظرْ إلى حِكَمِ الزكاة وما فيها مِن:
التخلقِ بأخلاق الكرام، مِن السخاء والجود والبعد عن أخلاق اللئام، والشكرِ لله على ما أولاه مِن الإنعام، وحفظِ المال مِن المنغِّصات الحِسِّيَّة والمعنوية؛ كالشعور بحسد الحاسد مِن ذوي الحاجة والفاقة، ولهفةِ نفوس المتشوِّفِين إلى ما مَنَّ اللهُ على العبد ممَّا حَرَمَهم منه، وهكذا.
وفيها الإحسانُ إلى الخَلْق، ومواساةُ المحتاجين، وسدُّ مصالح المحتاج إليها؛ فإنَّ في الزكاة دفعُ حاجة المضطرين المحتاجين، وقضاءُ دَين المدين، وبذلك حَفِظَ اللهُ تعالى حقوقَ الفقراء والمساكين؛ مما يَكفل لهم حياة كريمة، ولا يُعرِّضهم للسؤال! فإنما هو حق لهم في مال الأغنياء، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٤، ٢٥].
وفيها الاستعانةُ على الجهاد والمصالح الكلية التي لا يستغني عنها المسلمون؛ فإنَّ الجهادَ في سبيل الله هو أحدُ مصارف الزكاة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠].
وفيها دفعُ صولة الفقر والفقراء؛ فيحققُ المواساةَ في المجتمع المسلم، والعدالة الاجتماعية بين الأغنياء والفقراء، وبنحو ذلك قال ﷺ في طعام الوليمة:
стр. 21
«شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الوَلِيمَةِ؛ يُدْعَى لَهَا الأَغْنِيَاءُ وَيُتْرَكُ الفُقَرَاءُ» (١)؛ رواه البخاري، فنكتفي بذلك مِن شرِّ الشيوعيةِ الماكرة.
وفيها الثقةُ بخَلَفِ الله، والرجاء لثوابه، وتصديق موعوده، كما قال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٨].
وقال ﷺ : «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ العِبَادُ فِيهِ؛ إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا» (٢) متفق عليه.
وفيها تطهيرُ النفوس وتزكيتُها ببذل المال بلا مَنٍّ ولا أذًى، قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٣].
وبها يَطهر المرءُ مِن رذيلة الشُّحِّ، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩].
وهي سببٌ عظيم مِن أسباب نعيم الجنة والنجاة مِن النار، كما قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٦، ١٧].
стр. 22
وقال ﷺ : «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» (١)(٢).
وأيضًا؛ فالصدقة تطفئ غضب الرب، ففي الحديث الصحيح «صَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ» (٣).
стр. 23
الصيامُ
في الصوم:
تحصيل التقوى، وذلك بتمرين النفس على ترْك محبوبها الذي أَلِفَتْه؛ حبًّا لله، وتقربًا إليه، وتعويدٌ للنفس وتمرينٌ لها على قوة العزيمة والصبر.
وتقويةُ داعي الإخلاص، وتحقيقُ محبته سبحانه على محبة النفس.
ولذلك كان الصومُ لله؛ اختصَّه لنفسه مِن بين سائر الأعمال، كما في الحديث القدسي: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصَّوْمَ؛ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» (١).
وهو أيضًا يبعث في الإنسان فضيلةَ الرحمة بالفقراء، والعطفَ على البائسين؛ فإنَّ الإنسان إذا جاع تذكر الفقيرَ الجائعَ.
ومنها أنه بامتناعه عن الأكل يَعرف فضْلَ نعمة اللهِ عليه فيشكرها.
ومنها؛ أنَّ الصيامَ يُقوي النفسَ على خُلُقِ الحِلم، مما يُجنب العبدَ كلَّ ما مِن شأنه إثارةُ الغضب.
ومنها؛ أنَّ الصومَ يُنقي الجسم مِن الأخلاط الرديئة، ويُحَسِّنُ الصحة العامة؛ فإنَّ المعدةَ بيتُ الداء، والحميةَ بيتُ الدواء (٢).
стр. 24
الحجُّ
وتأملْ ما في حج بيت الله مِن المحاسن؛ ومنها:
بذلُ الأموال، وتحمُّل المشقَّات، والتعرض للأخطار والصعوبات؛ طلبًا لرضا الله، والوفادة على الله، والتملق له في بيته وفي عَرصاته.
والتنوعُ في عبوديات الله في تلك المشاعر التي هي موائدُ مَدَّها اللهُ لعباده ووُفُودِ بيته.
وما فيها مِن التعظيم والخضوع التامِّ لله.
والتذكرُ لأحوال الأنبياء والمرسلين، والأصفياء والمخلصين، وتقويةُ الإيمان بهم، وشدةُ التعلق بمحبتهم والاقتداء بهم.
وما فيه مِن التعارف بين المسلمين، والسعي في جمع كلمتهم واتفاقهم على مصالحهم الخاصة والعامة مما لا يمكن تعداده؛ فإنه مِن أعظم محاسنِ الدِّين وأجلِّ الفوائد الحاصلة للمؤمنين؛ فإنهم يجتمعون فيه مِن مشارق الأرض ومغاربها في صعيد واحد، يعبدون إلهًا واحدًا، قلوبُهم متحدةٌ، وأرواحُهم مؤتلفةٌ في الحج، يتذكر المسلمون الرابطةَ الدِّينيةَ وقوةَ الوحدة الإسلامية.
ومِن محاسن الحج تصفيةُ النفس، وتعويدُها البذل والإنفاق، وتحمُّل المشاقِّ، وترك الزينة والخيلاء.
ومنها شعورُ المرء بمساواته لغيره؛ فلا مَلِكٌ ولا مملوك، ولا غنيٌ ولا فقير! بلِ الكلُّ هناك سواء.
ومِن محاسن الحج تذكر المَجْمع العظيم -مَجْمع يوم القيامة- في صعيد
стр. 25
واحد، يُسْمِعُهم الداعي، ويَنْفُذُهم البصرُ، وذلك في المحشر ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] حفاة عراة غُرلًا (١).
ومِن محاسنه توطينُ النفس على فِراق الأهل والولد؛ إِذْ لا بُدَّ مِن مفارقتهم يومًا ما، فلو فارقهم فجأةً حصل صدمةٌ عظيمةٌ عند الفِراق.
ومِن محاسن الحجِّ أنه متى قَصَدَه؛ فإنه يَتزود لسفره بكل ما يَحتاج إليه مدةَ ذهابه وإيابه؛ فيتزود للعقبى، وهي السفرةُ الطويلةُ التي لا رجوعَ بعدها حتى يَبعث اللهُ الأولين والآخرين، كما قال تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧].
ومِن محاسنه أنَّ الإنسانَ يعتاد التوكلَ على الله، لأنه لا يمكنه أنْ يَحملَ كلَّ ما يحتاج إليه في سفره للحج؛ فلا بد مِن التوكل على الله تعالى فيما حمله وفيما لم يحمله؛ فيعتاد توكلَه إلى كل ما يحتاج إليه.
ومِن محاسنه أنه إذا أَحْرَمَ نَزَعَ المخِيطَ -الذي هو لباسُ الأحياء- ولبس غيرَه مما هو أشبهُ بلباس الأموات؛ فيَجِدَّ ويجتهد في الاستعداد لِمَا أمامه، إلى غير ذلك مِن المحاسن التي يَصعب حصْرُها (٢).
стр. 26
جمْعُ الكلمةِ، والتحذيرُ مِن الفُرقةِ والاختلاف
قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٣].
وهذا مِن أهمِّ "ما أَمَرَ به الشارعُ وحَثَّ عليه؛ مِن وجوب الاجتماع والائتلاف، ونهيه وتحذيره عن التفرق والاختلاف، على هذا الأصل الكبير مِن نصوص الكتاب والسُّنَّة شيءٌ كثيرٌ.
وقد عَلِمَ كلُّ مَن له أدنى معقول، منفعةَ هذا الأمر، وما يترتبُ عليه مِن المصالح الدِّينية والدنيوية، وما يندفع به مِن المضار والمفاسد" (١).
"ولذلك شَرَعَ اللهُ كثيرًا مِن العبادات جماعةً،
فأمر بالجماعة في الصلوات الخمس، وفي صلاة الجمعة،
وكذلك تجتمعُ الأُمَّةُ في الحج،
كما تصوم شهر رمضان جميعًا،
كما حَثَّ الإسلامُ على إصلاح ذات البَين، وحَرَّمَ الهجران والقطيعة والشحناء والبغضاء.
قال ﷺ : «لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ؛ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا! وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ» (٢) رواه مسلم.
стр. 27
وحَثَّ الإسلامُ المسلمين إذا كانوا في سفر أنْ يُؤمِّروا أحدَهم لكيلا يختلفوا في الآراء.
قال ﷺ : «إِذَا خَرَجَ ثَلَاثَةٌ فِي سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ» (١) رواه أبو داود، صحيح الجامع" (٢).
وإنَّ "نظرةً مجملةً في فتوحات الإسلام المتسعة الخارقة للعوائد، ثم لبقائه محترمًا مع تكالب الأعداء ومقاوماتهم العنيفة ومواقفهم المعروفة معه؛ وذلك أنَّ مَن نَظَرَ إلى منْبَع هذا الدِّين، وكيف أَلَّفَ جزيرةَ العرب على افتراقِ قلوبِها وكثرة ضغائنها وتعاديها، وكيف أَلَّفَهم وجمع قاصيهم لدانيهم، وأزال تلك العداوات، وأحلَّ الأخوةَ الإيمانية محلَّها، ثم اندفعوا في أقطار الأرض يفتحونها قطرًا قطرًا، وفي مقدمة هذه الأقطار أُمَّةُ فارس والروم -أقوى الأمم وأعظمها ملكًا، وأشدها قوةً، وأكثرها عَددًا وعُددًا- ففتحوهما وما وراءهما بفضلِ دينهم وقوةِ إيمانهم ونصرِ الله ومعونتِه لهم حتى وصل الإسلامُ مشارقَ الأرض ومغاربَها؛ فصار هذا يُعَدُّ مِن آياتِ الله وبراهين دِينِه ومعجزات نبيِّه، وبهذا دَخَلَ الخلقُ فيه أفواجًا ببصيرة وطمأنينة لا بقهر ولا إزعاج.
فمَن نظر نظرةً إجمالية إلى هذا الأمر عَرَفَ أنَّ هذا هو الحقُّ الذي لا يقوم له الباطل مهما عظمتْ قوتُه وتعاظمتْ سطوتُه، وهذا يُعرف ببداهة العقول، ولا يرتاب فيه منصف، وهو مِن الضروريات، بخلاف ما يقوله طائفة مِن كُتَّاب هذا العصر الذين دفعهم الرضوخُ الفكريُّ إلى مشايعة أعداء الإسلام؛ فزعموا أنَّ انتشارَ الإسلام وفتوحَه الخارقة للعادة مبنيٌّ على أمور مادية محضة، حَلَّلُوها بمزاعمهم الخاطئة، ويَرجع تحليلُها إلى
стр. 28
ضعف دولة الأكاسرة ودولة الرومان وقوة المادة في العرب! وهذا مجردُ تصورِه: كافٍ في إبطاله، فأيُّ قوةٍ في العرب تؤهلهم لمقاومة أدنى حكومة مِن الحكومات الصغيرة في ذلك الوقت؟! فضلًا عن الحكومات الكبيرة الضخمة، فضلًا عن مقاومة أضخم الأمم في وقتها على الإطلاق وأقواها وأعظمها عَددًا وعُدَّةً في وقت واحد؛ حتى مَزقوا الجميعَ كلَّ ممزقٍ، وحَلَّتْ محلَّ أحكام هؤلاء الملوك الجبابرة أحكامُ القرآن والدِّين العادلة التي قَبِلَها وتلقاها بالقبول كلُّ منصف مريد للحق.
فهل يمكن تفسير هذا الفتح المنتشر المتسع الأرجاء بتفوق العرب في الأمور المادية المحضة؟! وإنما يَتكلم بهذا مَن يريد القدحَ في الدِّين الإسلامي، أو مَن راج عليه كلامُ الأعداء مِن غير معرفة للحقائق.
ثم بقاءُ هذا الدِّين على توالي النكبات وتكالب الأعداء على مَحْقِه وإبطاله بالكلية: هو مِن آيات هذا الدِّين وأنه دينُ اللهِ الحقُّ، فلو ساعدَتْه قوةٌ كافيةٌ تَرُدُّ عنه، عاديةَ العادِين وطغيانَ الطاغين لم يَبْقَ على وجه الأرض دينٌ سواه، ولَقَبِلَهُ الخلْقُ مِن غير إكراه ولا إلزام، لأنه دينُ الحق، ودينُ الفطرة، ودينُ الصلاح والإصلاح، لكنَّ تقصيرَ أهلِه وضَعْفَهم وتفرقَهم، وضغطَ أعدائهم عليهم؛ هو الذي أوقفَ سيرَه، فلا حول ولا قوة إلَّا بالله" (١).
стр. 29
الجهادُ
وأيضًا مِن محاسنِ هذا الدِّين العظيم "ما جاء به هذا الدِّين مِن الجهاد، والأمر بكل معروف، والنهي عن كل منكر، فإنَّ الجهاد الذي جاء به مقصودٌ به دفعُ عدوان المعتدين على حقوق هذا الدِّين وعلى ردِّ دعوته، وهو أفضلُ أنواع الجهاد، لم يُقصد به جشعٌ ولا طمعٌ ولا أغراضٌ نفسية!
ومَن نَظَرَ إلى أدلة هذا الأصل وسيرةِ النَّبيِّ ﷺ وأصحابه مع أعدائهم؛ عَرَفَ بلا شك أنَّ الجهادَ يدخلُ في الضروريات ودفْع عادية المعتدين" (١).
وفي الجهاد "قمعُ أعداء الله، ونصرُ أوليائه، وإعلاءُ كلمة الإسلام، وحملُ الكافر على ترك الكفر الذي هو أقبحُ الأشياء، والإقبالُ على ما هو أحسنُ الأشياء، وفيه إخراجُ البشر عن درجة الأَنعام، قال تعالى في حق الكفرة: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤].
ومِن محاسنه اكتسابُ حياة الأبد؛ فإنه إنْ قَتَل فقد أعلى دينَ الله، وإنْ قُتِل فقد أحيا نفسَه.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩].
ومنها ما يحصل للمجاهد في سبيل الله مِن الثواب الجزيل.
ومنها تكثيرُ المسلمين، وتقليلُ الكفرة.
стр. 30
ومنها -وهو أعلاها- امتثالُ أمْرِ الله حيث يقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣].
ومِن محاسنِ الجهاد أنهم في الانتصار يَغنمون ويَشكرون ويَقتوون، وإنْ أُديل عليهم الكفار عَرفوا أنَّ ذلك بسبب معصيتهم وذنوبهم وفشلهم وتنازعهم؛ فيلجئوا إلى الله متضرعين تائبين.
ومِن محاسنه أنَّ ترْك الجهاد سببٌ للذل، لِمَا ورد عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ» رواه أبو داود (١).
ومِن محاسنِ الجهاد؛ السلامةُ مِن النفاق، لحديث «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ؛ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ» رواه أبو داود والنسائي (٢).
وفي الحديث الآخر: «مَنْ لَقِيَ اللَّهَ بِغَيْرِ أَثَرٍ مِنْ جِهَادٍ لَقِيَ اللَّهَ وَفِيهِ ثُلْمَةٌ» [وفيه ضعف] (٣).
وفي الحديث الآخر: «مَا تَرَكَ قَوْمٌ الْجِهَادَ إِلَّا عَمَّهُمُ اللَّهُ بِالْعَذَابِ» (٤) " (٥).
стр. 31
الأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر
وأيضًا مِن محاسنِ هذا الدِّين العظيم: "الأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر.
لَمَّا كان لا يستقيم هذا الدِّينُ إلَّا باستقامة أهله على أصوله وشرائعه، وامتثال أوامره -التي هي الغايةُ في الصلاح-، واجتنابُ نواهيه -التي هي شرٌّ وفساد-، وكان أهلُه ملتزمين لهذه الأمور، ولكيلا تُزَيِّنَ لبعضهم نفوسُهم الظالمةُ التجرؤَ على بعض المحرمات والتقصيرَ عن أداء المقدور عليه مِن الواجبات، وكان ذلك لا يتم إلَّا بأمر ونهي بحسب ذلك؛ كان ذلك مِن أجَلِّ محاسن الدِّين، ومِن أعظم الضروريات لقيامه، كما أنَّ في ذلك تقويمَ المعوجين مِن أهله، وتهذيبَهم وقمعَهم عن رذائل الأمور، وحمْلَهم على معاليها، وأمَّا إطلاقُ الحرية لهم -وهم قد التزموه ودخلوا تحت حُكْمِه وتقيدوا بشرائعه- فمِن أعظم الظلم والضرر عليهم وعلى المجتمع، خصوصًا الحقوق الواجبة المطلوبة شرعًا وعقلًا وعرفًا" (١).
وفي «صحيح البخاري» من حديث النعمان بن بشير ﵄ مرفوعًا: «مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا؛ كَمَثَلِ قَومٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوقَهُمْ، فَقَالُوا: لَو أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوقَنَا! فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيدِيهِمْ نَجَوا وَنَجَوا جَمِيعًا» (٢).
стр. 32
وأيضًا؛ أنه يَحْمِلُ جميع الناس على القيام بالطاعات، ويمنع تجرؤ الظالمين على المحرمات.
وأيضًا؛ أنه ينشر في المجتمع تعظيم أمر الشريعة ظاهرًا وباطنًا.
وهو سبب لنجاة الأمة من لعنة الله.
قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَونَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ??، ??].
وفي الحديث الصحيح: «مَا مِنْ قَومِ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالمَعَاصِي؛ ثُمَّ يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُغَيِّرُوا ثُمَّ لَا يُغَيِّرُوا! إِلَّا يُوشِكُ أَنْ يَعْمَّهُمُ اللهُ مِنْهُ بِعِقَابِ» (١).
стр. 33
نظامُ الميراث والوصيةُ
وأيضًا مِن جملة محاسن هذا الدين العظيم ما جاء به من نظام انتقال المال والتركات بعد الموت -وهو علم الفرائض-، يعني: نظام توزيع المال على الورثة بعد وفاة الإنسان.
ومحاسن دين الإسلام في هذا الجانب تظهر من خلال عدة نقاط:
منها؛ أن نفوس الورثة كلهم تَطيب بهذا التوزيع، ولا يشعرون بالظلم!
لأنه عندما يَعلم الورثةُ بأن طريقة التوزيع إنما كانت من الله تعالى؛ فإن نفوسهم ترضى -سواء من الذكور أو الإناث-، لأنهم يعلمون أن الله تعالى عدل ولا يظلم أحدًا، وأنه أرحم بهم من أهلهم.
ومنها؛ منع حصول الاقتتال بين الأقارب -بعد وفاة قريبهم- لأن كل واحد يريد أن يأخذ أكبر نصيب من الميت!
ومنها؛ عدم حرمان الضعفاء من النساء واليتامى لحقوقهم؛ فالله تعالى هو الذي تكفل بها لهم حتى لو كان نصيبهم قليلًا.
قال تعالى: ﴿لِلرِّجَال نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧].
أيضًا؛ أنه لو تُرِكَ الأمر إلى آراء الناس وأهوائهم لحصل بسبب ذلك الفوضى والخلل؛ وكل بلد أو قبيلة أو زمن؛ لهم طريقة توزيع بحسب أهوائهم وشهواتهم وعاداتهم!!
стр. 34
"وقد أشار تعالى إلى حكمة طريقة التوزيع بقوله: ﴿لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ [النساء: ١١]، فوضَعَها اللهُ بنفسه بحسب ما يَعْلَمُه مِن قُرْبِ النفع، وما يُحب العبدُ عادةً أنْ يصل إليه مالُه، وما هو أولى ببِرِّهِ وفضْلِه، مرتبًا ذلك ترتيبًا تشهدُ العقولُ الصحيحةُ بحُسْنِه، وأنه لو وُكِلَ الأمرُ إلى آراء الناس وأهوائهم وإراداتهم لحصل بسبب ذلك مِن الخلل والاختلال وزوال الانتظام وسوء الاختيار ما يشبه الفوضى.
وجَعَلَ الشارعُ للعبد أنْ يوصيَ في جهات البِرِّ والتقوى بشيء مِن ماله فيما ينفعه لآخرته، وقَيَّدَ ذلك بالثلث فأقلَّ، لغير وارثٍ، لئلا تصير الأمورُ -التي جعلها اللهُ قيامًا للناس- ملعبةً يَتلاعب بها قاصرو العقول والديانة عند انتقالهم مِن الدنيا، أمَّا حالُهم في حالة صحة الأجسام والعقول؛ فما يخشونه مِن الفقر والإفلاس مانعٌ لهم مِن صَرْفِه فيما يَضرُّهم غالبًا" (١).
وفي الحديث الصحيح: «الثُّلُثُ يَا سَعْدُ؛ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ! إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ ذُرِّيَّتَكَ أَغْنِيَاءَ؛ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ».
ومعنى: (الثَّلْثُ كَثِيرُ) يعني لو كانت الوصية أقل من الثلث؛ فهو أفضل.
ومعنى: (تَذَر) تترك بعد موتك.
ومعنى: (عَالَةٌ يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ) أي: فقراء يتسولون من الناس ما يحتاجون إليه!
стр. 35
- أمثلةٌ على التناسب في مقادير المواريث بما يتعلق بالحكمة في ذلك:
١ - الولدُ أكثر نفعًا -للشخص قبل موته- من والده؛ لذلك كان ميراثُ ولد الميت أكبرَ من ميراث والد الميت.
وكذا الوالدُ أكثرُ نفعًا للشخص من أخيه.
وكذا الأخ أكثر نفعًا من عمه، وهكذا.
وهذا الترتيب أصلًا هو درجات التعصيب في المواريث.
٢ - الولدُ أكثر نفعًا -للشخص قبل موته- من ابنته؛ لذلك كان ميراثُ ولد الميت أكبرَ من ميراث ابنة الميت.
وكذا والده أكثرُ نفعًا له من والدته؛ فكان ميراثه أكبر.
وكذا الأخ أكثرُ نفعًا للشخص من أخته؛ فكان ميراثه أكبر، وهكذا.
٣ - الزوجُ أكثرُ نفعًا للزوجة من منفعتها له؛ فهو الذي ينفق عليها وعلى الأولاد.
وهكذا؛ فقد وزع الله تعالى الميراث -بعد موت الإنسان- بحسب المنفعة التي كان ينالها الإنسان ممن حوله في حياته.
٤ - وأيضًا جعل الله تعالى في الميراث مراعاةً للناحية الاجتماعية في النفقات.
فمثلا في ميراث الأولاد وميراث الإخوة الأشقاء وميراث الأب والأم مع الولد؛ فالذكر يأخذ ضعف الأنثى، وفي هذا مراعاة لناحية اجتماعية، وهي أن الذكر هو الذي يدفع المهر في الزواج، وأما البنت؛ التي تأخذ المهر، وكذا الوالد هو المنفق
стр. 36
على الوالدة وعلى الإخوة، وبذلك يظهر العدل الاجتماعي في الحصول على المال.
٥ - وأيضًا من الناحية الاجتماعية؛ فالذكر هو الذي يتحمل نفقات النساء ممن حوله -كأمه وأخته وابنته وزوجته-؛ لذلك فهو عليه قدر كبير من المسؤولية المالية.
وقد جاء في الحديث الصحيح: «مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَقلَّ الْعِلْمُ، وَيَظْهَرَ الْجَهْلُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا، وَتَكْثُرَ النِّسَاءُ، وَيَقِلَّ الرِّجَالُ؛ حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةَ الْقَيِّمُ الْوَاحِدُ» (١).
ومعنى (أَشْرَاط السَّاعَةِ): علاماتها التي تكون قبل وقوعها.
ومعنى (الْقَيِّمُ): يعني الذي يقوم بأمورهنَّ، وذلك بسبب كثرة الفتن والحروب التي يموت فيها الكثير من الرجال.
٦ - وأيضًا من جهة الواقع؛ فالذكور هم الذين يدخلون عادة في الأعباء العظيمة في المجتمع؛ كالحروب والدِّيَّات والصناعات والتجارات والزراعات؛ لذلك فمن الحكمة أن يكون نصيبهم في الميراث أكبر.
- تنبيهٌ وتحذيرٌ:
بعد هذه الأمثلة التي تدل على حكمة الله تعالى في نظام المواريث؛ فإنه لا بد من العلم بأن نظام توزيع الميراث ليس هو فقط من باب العدل! وإنما أيضًا هو شريعة ودين، والعمل به فريضة، وهي عبادة نتقرب بها إلى الله سبحانه، وإنَّ الإعراض عن التحاكم إلى شريعة الله في المواريث؛ قد يجعل المرء كافرًا!
قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤].
стр. 37
قال الإمام أحمد: "عجبتُ لقوم عرفوا الإسناد وصحته، ويذهبون إلى رأي سفيان؛ والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]، أتدري ما الفتنة؟ الفتنةُ الشِّركُ، لعله إذا ردَّ بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزَّيغ؛ فيهلِك" (١).
стр. 38
نظامُ الحدود
ومِن جملة محاسن هذا الدِّين العظيم "ما جاءتْ به الشريعةُ الإسلامية مِن الحدود، وتنوعها بحسب الجرائم، وهذا لأنَّ الجرائمَ والتعديَ على حقوق الله وحقوق عباده مِن أعظمِ الظلم الذي يُخِلُّ بالنظام، ويَختلُّ به الدِّينُ والدنيا؛ فوَضَعَ الشارعُ للجرائم والتجرُّؤات حدودًا ترْدَعُ عن مواقعتها، وتخفف مِن وطأتها؛ مِن القتل والقطع والجلد وأنواع التعزيرات، وكلُّها فيها مِن المنافع والمصالح الخاصة والعامة ما يَعْرِفُ به العاقلُ حُسنَ الشريعة؛ وأنَّ الشرورَ لا يمكن أنْ تُقاوم وتُدفع دفعًا كاملًا إلَّا بالحدود الشرعية التي رَتَّبَها الشارعُ بحسب الجرائم قلةً وكثرةً، وشدةً وضعفًا" (١).
والمتأملُ في هذا الوجه مِن محاسنِ الإسلام يجدُ في نظام الحدود "تأديب الجماعات الطاغية، فحَكَمَ بقتل القاتل، وأَمَرَ بقطع يد السارق؛ لِيحقن الدماءَ.
قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] الآية، والقطعُ لحفظ الأموال؛ فيعيش الناس آمنين مطمئنين، قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨].
وحَرَّم الزنا ومقدماته -كالنظر إلى الأجنبية، والخلوة بها، والقبلة واللمس-، وأمر برجم الزاني، وقتْلِ اللوطي على رؤوس الأشهاد، وحكم بجلد الزاني البكر مائة جلدة والتغريب، كلُّ ذلك محافظة على الأنساب والأعراض، وحمايةً للأخلاق،
стр. 39
وصيانةً للأمة مِن الفناء والفساد، وحَرَّمَ الخمر، وعَدَّها أمَّ الخبائث، وحَكَمَ على متعاطيها بالجلد لارتكابه النقائص والخسائس، كلُّ ذلك ليبقى العقلُ سليمًا، ويظلَّ المالُ مصونًا، ويدومَ الشرفُ والخُلُقُ طاهرًا نقيًا" (١).
وإذا استعرضنا سريعًا بعضَ هذه الحدود؛ فإننا نجدُ مِن حكمتها أنه سبحانه:
شَرَعَ حدَّ القتل على القاتل حفظًا للدماء؛ دماءِ المقتول، بل والقاتل والمجتمع -كما سيأتي عن ابن القيِّم ﵀ بعد قليل-.
قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] الآية، فمن عرف أنه إن قتل أحدًا؛ فإنه سوف يُقتل به؛ فسوف يمتنع عن القتل.
شَرَعَ حدَّ القطع على السارق حفظًا للأموال، وسدًا لباب السرقة؛ فينام الناس مطمئنين في بيوتهم.
قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨].
شَرَعَ حدَّ الرجم والجلد على الزاني حفظًا للأنساب والأخلاق.
قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢].
وأغلق قبل هذا كلَّ ذريعة تفضي إلى ذلك: مِن نظرةٍ أو لمسةٍ محرَّمة، ومِن خلوةٍ بأجنبية أو خطابٍ غيرِ محتشم.
شَرَعَ حدَّ الجلد على القاذف حفظًا للأعراض، ومنعًا لانتشار الفاحشة في المجتمع ولو على سبيل الإخبار والنقل!
стр. 40
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤. [
شَرَعَ حدَّ الجلد لشارب الخمر حفظًا للعقول والنفوس والأموال.
في الحديث الصحيح «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ فَاجْلِدُوهُ؛ فَإِنْ عَادَ فَاقْتُلُوهُ» (١).
وقد أتى الإسلام بنظام القِصَاص، وهو أصلٌ في إقامة العدل وكف الظلم والعدوان.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٨، ١٧٩].
وقد أفاد الإمامُ ابنُ القيِّم ﵀ هنا مسألةً وجوابَها، تتعلق بالقصاص في القتلى، وهي:
"في ضِمْنِ هذا الخطابِ ما هو كالجوابِ لسؤالٍ مُقَدَّرٍ: أنَّ إعدامَ هذه البنيةِ الشريفةِ؛ وإيلامَ هذه النَّفْسِ؛ وإعدامَها في مقابلةِ إعدامِ المقتولِ: تكثيرٌ لمفسدةِ القَتْلِ!
فَلِأَيَّةِ حكمةٍ صَدَرَ هذا ممَّن وَسِعَتْ رحمتُه كلَّ شيءٍ؛ وبَهَرَتْ حكمتُه العقولَ؟!
فتضمنَ الخطابُ جوابَ ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾، وذلك لأنَّ القاتلَ إذا تَوَهَّمَ أنه يُقْتَلُ قِصاصًا بمَن قَتَلَه؛ كَفَّ عن القتلِ وارتدعَ، وآثَرَ حُبَّ