على الوالدة وعلى الإخوة، وبذلك يظهر العدل الاجتماعي في الحصول على المال.
٥ - وأيضًا من الناحية الاجتماعية؛ فالذكر هو الذي يتحمل نفقات النساء ممن حوله -كأمه وأخته وابنته وزوجته-؛ لذلك فهو عليه قدر كبير من المسؤولية المالية.
وقد جاء في الحديث الصحيح: «مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَقلَّ الْعِلْمُ، وَيَظْهَرَ الْجَهْلُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا، وَتَكْثُرَ النِّسَاءُ، وَيَقِلَّ الرِّجَالُ؛ حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةَ الْقَيِّمُ الْوَاحِدُ» (١).
ومعنى (أَشْرَاط السَّاعَةِ): علاماتها التي تكون قبل وقوعها.
ومعنى (الْقَيِّمُ): يعني الذي يقوم بأمورهنَّ، وذلك بسبب كثرة الفتن والحروب التي يموت فيها الكثير من الرجال.
٦ - وأيضًا من جهة الواقع؛ فالذكور هم الذين يدخلون عادة في الأعباء العظيمة في المجتمع؛ كالحروب والدِّيَّات والصناعات والتجارات والزراعات؛ لذلك فمن الحكمة أن يكون نصيبهم في الميراث أكبر.
- تنبيهٌ وتحذيرٌ:
بعد هذه الأمثلة التي تدل على حكمة الله تعالى في نظام المواريث؛ فإنه لا بد من العلم بأن نظام توزيع الميراث ليس هو فقط من باب العدل! وإنما أيضًا هو شريعة ودين، والعمل به فريضة، وهي عبادة نتقرب بها إلى الله سبحانه، وإنَّ الإعراض عن التحاكم إلى شريعة الله في المواريث؛ قد يجعل المرء كافرًا!
قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤].
стр. 37
قال الإمام أحمد: "عجبتُ لقوم عرفوا الإسناد وصحته، ويذهبون إلى رأي سفيان؛ والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]، أتدري ما الفتنة؟ الفتنةُ الشِّركُ، لعله إذا ردَّ بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزَّيغ؛ فيهلِك" (١).
стр. 38
نظامُ الحدود
ومِن جملة محاسن هذا الدِّين العظيم "ما جاءتْ به الشريعةُ الإسلامية مِن الحدود، وتنوعها بحسب الجرائم، وهذا لأنَّ الجرائمَ والتعديَ على حقوق الله وحقوق عباده مِن أعظمِ الظلم الذي يُخِلُّ بالنظام، ويَختلُّ به الدِّينُ والدنيا؛ فوَضَعَ الشارعُ للجرائم والتجرُّؤات حدودًا ترْدَعُ عن مواقعتها، وتخفف مِن وطأتها؛ مِن القتل والقطع والجلد وأنواع التعزيرات، وكلُّها فيها مِن المنافع والمصالح الخاصة والعامة ما يَعْرِفُ به العاقلُ حُسنَ الشريعة؛ وأنَّ الشرورَ لا يمكن أنْ تُقاوم وتُدفع دفعًا كاملًا إلَّا بالحدود الشرعية التي رَتَّبَها الشارعُ بحسب الجرائم قلةً وكثرةً، وشدةً وضعفًا" (١).
والمتأملُ في هذا الوجه مِن محاسنِ الإسلام يجدُ في نظام الحدود "تأديب الجماعات الطاغية، فحَكَمَ بقتل القاتل، وأَمَرَ بقطع يد السارق؛ لِيحقن الدماءَ.
قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] الآية، والقطعُ لحفظ الأموال؛ فيعيش الناس آمنين مطمئنين، قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨].
وحَرَّم الزنا ومقدماته -كالنظر إلى الأجنبية، والخلوة بها، والقبلة واللمس-، وأمر برجم الزاني، وقتْلِ اللوطي على رؤوس الأشهاد، وحكم بجلد الزاني البكر مائة جلدة والتغريب، كلُّ ذلك محافظة على الأنساب والأعراض، وحمايةً للأخلاق،
стр. 39
وصيانةً للأمة مِن الفناء والفساد، وحَرَّمَ الخمر، وعَدَّها أمَّ الخبائث، وحَكَمَ على متعاطيها بالجلد لارتكابه النقائص والخسائس، كلُّ ذلك ليبقى العقلُ سليمًا، ويظلَّ المالُ مصونًا، ويدومَ الشرفُ والخُلُقُ طاهرًا نقيًا" (١).
وإذا استعرضنا سريعًا بعضَ هذه الحدود؛ فإننا نجدُ مِن حكمتها أنه سبحانه:
شَرَعَ حدَّ القتل على القاتل حفظًا للدماء؛ دماءِ المقتول، بل والقاتل والمجتمع -كما سيأتي عن ابن القيِّم ﵀ بعد قليل-.
قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] الآية، فمن عرف أنه إن قتل أحدًا؛ فإنه سوف يُقتل به؛ فسوف يمتنع عن القتل.
شَرَعَ حدَّ القطع على السارق حفظًا للأموال، وسدًا لباب السرقة؛ فينام الناس مطمئنين في بيوتهم.
قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨].
شَرَعَ حدَّ الرجم والجلد على الزاني حفظًا للأنساب والأخلاق.
قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢].
وأغلق قبل هذا كلَّ ذريعة تفضي إلى ذلك: مِن نظرةٍ أو لمسةٍ محرَّمة، ومِن خلوةٍ بأجنبية أو خطابٍ غيرِ محتشم.
شَرَعَ حدَّ الجلد على القاذف حفظًا للأعراض، ومنعًا لانتشار الفاحشة في المجتمع ولو على سبيل الإخبار والنقل!
стр. 40
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤. [
شَرَعَ حدَّ الجلد لشارب الخمر حفظًا للعقول والنفوس والأموال.
في الحديث الصحيح «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ فَاجْلِدُوهُ؛ فَإِنْ عَادَ فَاقْتُلُوهُ» (١).
وقد أتى الإسلام بنظام القِصَاص، وهو أصلٌ في إقامة العدل وكف الظلم والعدوان.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٨، ١٧٩].
وقد أفاد الإمامُ ابنُ القيِّم ﵀ هنا مسألةً وجوابَها، تتعلق بالقصاص في القتلى، وهي:
"في ضِمْنِ هذا الخطابِ ما هو كالجوابِ لسؤالٍ مُقَدَّرٍ: أنَّ إعدامَ هذه البنيةِ الشريفةِ؛ وإيلامَ هذه النَّفْسِ؛ وإعدامَها في مقابلةِ إعدامِ المقتولِ: تكثيرٌ لمفسدةِ القَتْلِ!
فَلِأَيَّةِ حكمةٍ صَدَرَ هذا ممَّن وَسِعَتْ رحمتُه كلَّ شيءٍ؛ وبَهَرَتْ حكمتُه العقولَ؟!
فتضمنَ الخطابُ جوابَ ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾، وذلك لأنَّ القاتلَ إذا تَوَهَّمَ أنه يُقْتَلُ قِصاصًا بمَن قَتَلَه؛ كَفَّ عن القتلِ وارتدعَ، وآثَرَ حُبَّ
стр. 41
حياتِه ونَفْسِه؛ فكان فيه حياةٌ له ولِمَن أراد قَتْلَه.
ومِن وجهٍ آخرَ: وهو أنهم كانوا إذا قُتِلَ الرجلُ مِن عشيرتِهم وقبيلتِهم قَتَلوا به كلَّ مَن وجدوه مِن عشيرةِ القاتلِ وحَيِّه وقبيلتِه؛ وكان في ذلك مِن الفسادِ والهلاكِ ما يَعُمُّ ضَرَرُه، وتَشْتَدُّ مؤنتُه؛ فشَرَعَ اللهُ تعالى القِصَاصَ، وأنْ لا يُقْتَلَ بالمقتولِ غيرُ قاتلِه؛ ففي ذلك حياةُ عشيرتِه وحَيِّهِ وأقاربِه، ولم تَكُنِ الحياةُ في القِصَاصِ مِن حيثُ أنه قُتِلَ! بل مِن حيثُ كونِه قِصَاصًا يُؤْخَذُ القاتلُ وحدَه بالمقتولِ لا غيرُه، فتَضَمَّنَ القِصَاصُ الحياةَ في الوجهين" (١).
стр. 42
نظامُ فصْلِ الخصومات وحلِّ النزاعات
ومِن جملة محاسن هذا الدِّين العظيم "الأصولُ والقواعدُ التي جَعَلَها الشارعُ أُسُسًا لفصل الخصومات وحلِّ المشاكل وترجيح أحد المتداعِيَين على الآخر؛ فإنها أصولٌ مبنيةٌ على العدل والبرهان واطِّراد العُرف وموافقة الفِطَر.
فإنه جَعَلَ البيِّنةَ على كل مَنِ ادعى شيئًا أو حقًّا مِن الحقوق، فإذا أتى بالبيِّنة التي تُرجِّح جانبَه وتقويه؛ ثَبَتَ له الحقُّ الذي ادعى به، ومتى لم يأتِ إلَّا بمجرد الدعوى؛ حَلَفَ المدعَى عليه على نفي الدعوى ولم يتوجه للمدعَى عليه حقٌّ.
وجَعَلَ الشارعُ البيِّناتِ بحسب مراتبِ الأشياء، وجَعَلَ القرائنَ المبيِّنةَ والعُرفَ المطَّرِد بين الناس مِن البيِّنات، فالبيِّنةُ اسمٌ جامعٌ لكل ما يُبَيِّنُ الحقَّ ويدلُّ عليه.
وجَعَلَ عند الاشتباه وتساوي الخصمين طريقَ الصلحِ العادلِ المناسبِ لكل قضية طريقًا إلى حلِّ المشاكل والمنازعات، فكلُّ طريقٍ لا ظلمَ فيه ولا يُدْخِلُ العبادَ في معصية الله -وهو نافعٌ لهم-؛ فقد حَثَّ عليه إذا كان وسيلةً إلى فصْل الخصومات وقطْع المشاجرات، وساوى في هذا بين القوي والضعيف، والرئيس والمرؤوس في جميع الحقوق، وأرضى الخصومَ بسلوك طرقِ العدل وعدمِ الحَيف" (١).
والحديثُ الشريفُ الأصلُ في هذا الباب هو ما رواه البيهقيُّ وابنُ حِبَّان
ومعنى: "فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا" أَنَّ الذئبَ أَكل ابنَ إحدى المرأتين.
فهنا: استدل سليمان ﵇ في معرفة أم الولد الحقيقية؛ بقرينة المحبة، فأمُّ الولد الحقيقية سترضى بالتنازل عن الولد كي يبقى حيًّا ولو كان عند غيرها، لذلك فقد أعطى الولد لمن تنازلت عنه خشية قتله، لأنَّ هذا هو البينة على المحبة وأنها هي أمه الحقيقية.
стр. 45
نظامُ الشُّورى
"الإسلامُ يدعو إلى الشورى على مستوى الأُمَّة وما تواجهه مِن أحداث، وعلى مستوى الفرد في حياته الخاصة.
فعلى مستوى الأُمَّة والقادة يأمر اللهُ نبيَّه بذلك في قوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
وقال تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الشورى: ٣٨].
وقد كان النَّبِيُّ ﷺ -وهو المعصومُ- أكثرَ الناس استشارة لأصحابه وزوجاته في كثير مِن أموره حتى في الحرب والسلم، وحثَّ ﷺ على بذل النصح لأئمة المسلمين وعامتهم.
قال ﷺ : «الدِّينُ النَّصِيحَةُ». قُلْنَا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «للهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ» رواه مسلم (١).
وقال ﷺ : «الْمُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ» (٢) رواه أهل السُّنَنِ، صحيح الجامع.
ويأمر اللهُ تعالى الأمَّةَ أنْ تُشاور وترجع إلى أولي الأمر وأهل الحلِّ والعقد، فيقول سبحانه: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣].
стр. 46
وعلى مستوى الفرد والأسرة يَحُثُّ الإسلامُ أتباعَه على عدم الاستعجال، وعلى التأني والتشاور، مثل أمور الأسرة والزواج والطلاق وتربية الأبناء وغيرها.
قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ [البقرة: ٢٣٣].
وقال ﷺ : «لَا تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ البِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ وَكَيْفَ إِذْنُهَا؟ قَالَ: «أَنْ تَسْكُتَ» متفق عليه (١)، الأيِّمُ: هي الثيب المطلقة أو الأرملة، ولا بد أنْ تتكلم في موضوع زواجها، والبكر قد تستحيي فتسكت؛ فيكون إذْنُها سكوتُها" (٢).
قال العلَّامة السعديُّ ﵀: " ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ﴾ أي: الأمور التي تحتاج إلى استشارة ونظر وفِكر؛ فإن في الاستشارة من الفوائد والمصالح الدينية والدنيوية ما لا يمكن حصرُه:
منها: أن المشاورة مِن العبادات المتقرِّب بها إلى الله.
ومنها: أن فيها تسميحًا لخواطرهم، وإزالة لما يصير في القلوب عند الحوادث، فإن مَن له الأمر على الناس -إذا جَمع أهلَ الرأي والفضل وشاورهم في حادثة من الحوادث- اطمأنت نفوسُهم وأحبوه، وعلموا أنه ليس بمستبد عليهم، وإنما ينظر إلى المصلحة الكلية العامة للجميع، فبذلوا جُهدَهم ومقدورَهم في طاعته؛ لعلمهم بسعيه في مصالح العموم، بخلاف مَن ليس كذلك؛ فإنهم لا يكادون يحبونه محبة صادقة، ولا يطيعونه، وإن أطاعوه فطاعة غير تامة.
стр. 47
ومنها: أن في الاستشارة تنوُّرُ الأفكار، بسبب إعمالها فيما وُضعت له، فصار في ذلك زيادةٌ للعقول.
ومنها: ما تنتجه الاستشارة مِن الرأي المصيب، فإن المشاوِر لا يكاد يخطئ في فعله، وإن أخطأ أو لم يتم له مطلوب؛ فليس بملوم، فإذا كان الله يقول لرسوله ﷺ وهو أكمل الناس عقلًا وأغزرهم علمًا، وأفضلهم رأيًا-: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ﴾ فكيف بغيره؟! " (١).
стр. 48
الفصل الثالث: محاسنُ الدِّين الإسلامي مِن الجانب الروحيِّ
الإسلامُ دِينُ الفطرة السليمة
"لا يصطدم دِينُ الإسلام مع الفطرة الصحيحة التي خَلَقَ اللهُ الناسَ عليها، بل توافق دينَ الإسلام بشكل كامل، ولذلك فإنَّ للإسلام جاذبيةً خاصة تجذب إليه الناسَ إذا تعرَّفوا عليه بشكل صحيح.
كما أنه لا يوجد مسلمٌ يترك دِينَه لعدم قناعته به أو عدم اطمئنان نفسه به!
وقد ثَبَتَ أنَّ الإسلامَ هو الدِّين الأول في العالم الذي يزيد أتباعه يوميًا مِن مختلف الأجناس والأعراق والمستويات العلمية والفكرية، ولا ينقصون -مع كثرة ما يتعرض له الإسلام مِن حملات تشويه واتهامات وافتراءات-، قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: ٧].
وقال ﷺ : «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ» متفق عليه (١)، ولم يقلِ النَّبِيُّ ﷺ : يُسَلِّمانه! لأنَّ الفطرةَ هي الإسلامُ، فمِن رحمة الله تعالى أنه حبَّبَ الإسلامَ إلى كل نفس متجردة تبحث عن الحق وتريد الهداية، وفي عهد النَّبِيِّ ﷺ ذهب أبو سفيان ﵁ -قبل أنْ يُسْلِم- إلى هِرقلَ -مَلِك الروم النصارى في الشام-، وسأله هِرقلُ عدةَ أسئلة عن الإسلام ورسولِه ﷺ ، فكان
стр. 49
مما دار بينهما هذا الحوارُ العجيبُ:
(هِرقلُ: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أنْ يقول ما قال؟
أبو سفيان: لا.
هِرقلُ: أشرافُ الناس اتَّبَعوه أم ضعفاؤهم؟
أبو سفيان: ضعفاؤهم.
هِرقلُ: هل ينقصون أم يزيدون؟
أبو سفيان: يزيدون.
هِرقلُ: هل يَرتَدُّ منهم أحدٌ سخطةً لدينه -أي: عدم رضا وقناعة-؟
أبو سفيان: لا.
هِرقلُ: فماذا يأمركم؟
أبو سفيان: يقول: اعبدوا اللهَ ولا تشركوا به شيئًا، ويأمرنا بالصلاة والصدقة والعفاف والصلة.
هِرقلُ: إنْ كان ما تقول حقًّا؛ فسيملك موضعَ قدميَّ هاتين، ولو أعلم أني أخلص إليه لتَجَشَّمتُ لقاءَه، ولو كنت عنده لغسلتُ عن قدميه)، وهذه القصةُ رواها البخاري (١)، وكاد أنْ يُسْلِم هِرقلُ بعد أنْ عَرَفَ أَنَّ هذا هو الدِّينُ الصحيح لولا خوفه مِن قومه" (٢).
стр. 50
وإنَّ أعظمَ فطرة حرص عليها الإسلام وأشاد بها هي فطرةُ التوحيد، والتعلقُ بالخالق سبحانه، وهي عقيدةُ التوحيد، عقيدةُ أنْ لا إله إلَّا الله؛ عقيدةُ أنْ لا معبودَ بحق إلَّا الله.
قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠]، فالفِطرُ السليمةُ مجبولةٌ على عبادة الله وحده لا شريك له، فقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ يبين أنَّ أقومَ الأديان ما بُني على الإخلاص، كيف لا وهو يدعو الناس جميعًا إلى كلمة سواءٍ وهي العودة إلى إله واحد، وهو الذي خَلَقَ الخَلْقَ جميعًا، وهو الذي يحاسبهم جميعًا؟!
فتأملْ قولَه تعالى في محاجَّة أهل الكتاب بذلك: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ [البقرة: ١٣٩].
وتأملْ أيضًا محاجَّتَهم في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤].
وتأملْ أيضًا قولَه تعالى في محاجَّة إبراهيم لقومه مِن أهل الأوثان: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ *وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ٨٠، ٨٣].
стр. 51
بل إنَّ الإسلامَ قد اعتنى بأمور عملية كثيرة هي غايةٌ في الطهارة والرُّقِي، سمَّاها سُنَن الفطرة.
قال ﷺ : «عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ، وَقَصُّ الْأَظْفَارِ، وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ (١)، وَنَتْفُ الْإِبِطِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ (٢) قَالَ زَكَرِيَّا: قَالَ مُصْعَبٌ: وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةَ) (٣).
стр. 52
الشعورُ بالانتماء، والسَّيرُ على منهج الأنبياء
التوحيدُ هو دِين جميع الأنبياء والمرسلين، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥].
وقال سبحانه: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ * وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٨٣ - ٩٠].
"دِينُ الإسلام مبنيٌّ على أصول الإيمان المذكورة في قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦]، فهذه الأصولُ العظيمةُ التي أَمَرَ اللهُ عبادَه بها هي الأصول التي اتفق عليها الأنبياء والمرسلون، وهي محتوية على أجَلِّ المعارف والاعتقادات مِن الإيمان بكل ما وصف الله به نفسه على ألسنة رسله، وعلى بذل الجهد في سلوك مرضاته.
فدِينٌ أصلُه الإيمانُ بالله، وثمرتُه السعي في كل ما يحبه ويرضاه، وإخلاصُ
стр. 53
ذلك لله؛ هل يُتصور أنْ يكونَ دينٌ أحسنَ منه وأجَلَّ وأفضلَّ؟!
ودينٌ أَمَرَ بالإيمان بكل ما أوتيه الأنبياء، والتصديقِ برسالاتهم، والاعترافِ بالحق الذي جاءوا به مِن عند ربهم، وعدم التفريق بينهم، وأنهم كلَّهم رسلُ الله الصادقون وأمناؤه المخلصون؛ يستحيل أنْ يَتوجَّه إليه أيُّ اعتراضٍ وقدحٍ، فهو يأمر بكل حقٍّ، ويعترف بكل صِدق، ويُقَرِّرُ الحقائق الدِّينية المستندة إلى وحي الله لرسله، ويَجري مع الحقائق العقلية الفِطرية النافعة، ولا يَرُدُّ حقًّا بوجه مِن الوجوه، ولا يُصَدِّقُ بكذبٍ، ولا يَرُوج عليه الباطلُ؛ فهو مهيمن على سائر الأديان؛ يأمر بمحاسن الأعمال ومكارم الأخلاق ومصالح العباد، ويحثُّ على العدل والفضل والرحمة والخير، ويزجر عن الظلم والبغي ومساوئ الأخلاق، ما مِن خصلةِ كمالٍ قرَّرَها الأنبياءُ والمرسلون إلَّا وقرَّرَها وأثبتَها، وما مِن مصلحة دينية ودنيوية دَعَتْ إليها الشرائعُ إلَّا حثَّ عليها، ولا مفسدة إلَّا نهى عنها وأَمَرَ بمجانبتها" (١).
فهذا هو الدِّين القويم، وهو دِينُ الأنبياء والمرسلين مِن لدن آدم إلى محمد صلَّى الله عليهم وسلَّم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩]، فهم قدوتنا، ونحن على الأثر؛ فلا إله إلَّا الله، محمدٌ رسول الله، وكما قال الشاعر:
"أولئك آبائي؛ فجئني بمثلهم … إذا جمعتنا يا جريرُ المجامع" (٢).
стр. 54
الطمأنينةُ
"المسلمُ الموحد هو أكثرُ الناس أمانًا واطمئنانًا وسعادة وشجاعة وحرية، لأنَّ الإسلام يُحَرِّرُ الإنسان مِن العبودية لغير الله، كالعبودية للبشر أو الأصنام أو الهوى والشهوات" (١).
وإنَّ مِن أهم أسباب الطمأنينة عند المسلمين هو الإيمان بالقضاء والقدر" وهو مِن أركان الإيمان الستة التي لا بد منها، فكل شيء في هذا الكون هو بيد الله تعالى يدبره كيف يشاء، ولا يمكن لأي قوة مهما بلغت أنْ تُحْدِثَ في هذا الكون شيئًا يخالف قضاء الله وقدره سبحانه، وإنَّ الانسانَ له اختياره ومشيئته ومحاسب على تصرفاته؛ ولكنه في النهاية لا يَخرج عمَّا قَدَّرَه اللهُ وكَتَبَه عليه، قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩].
فلذلك لا ييئَس المؤمن ولا يحزن، ولا يَغتر بعقله وتدبيره المحدود!
كما أنَّ المسلمَ لا يخاف ويقلق في الدنيا ولا يتشاءم، بل يتفاءل لأنه يعلم أنه لن يصيبه إلَّا ما كَتب الله له، وأنَّ قضاءَ الله وقدرَه كلَّه خيرٌ، ولذلك نرى قلةَ حالات الانتحار عند المسلمين، وكذلك قلةَ الأمراض النفسية والقلق والاكتئاب.
قال ﷺ : «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ وَلَا تَعْجَزَنْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ؛ فَلَا تَقُلْ لَو أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا لَكَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ قَدَّرَ اللهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ؛ فَإِنَّ -لَو-
стр. 55
تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» (١) " (٢).
وأيضًا مِن خلال أذكار الصباح والمساء، والصلوات الخمس، والدعاء في كل صغيرة وكبيرة، ودعاء الاستخارة، وهي طلب الخيرة مِن الله تعالى، وقد حَثَّ عليها النَّبِيُّ ﷺ ، وكان يُعَلِّمُها الصحابة كما يُعَلِّمُهم السورة مِن القرآن، فإذا هَمَّ المسلم بأمر مِن أمور حياته صلى ركعتين ثم دعا بدعاء الاستخارة الوارد عن النَّبِيّ ِصلَّى الله عليه وسلَّم -أو بأيِّ دعاءٍ في معناه- فيسأل اللهَ إنْ كان ذلك الأمر الذي يريده خيرًا له في دنياه وآخرته أنْ يوفقه له ويبارك له فيه، وإنْ كان ذلك الأمر شرًّا له في دنياه وآخرته أنْ يصرفه عنه ويُقَدِّرَ له الخيرَ حيث كان، والحديث رواه البخاري (٣).
فيحصل للمسلم بعد الاستخارة راحةٌ وانشراحُ صدر وطمأنينةٌ وتوكلٌ على الله تعالى وعدمُ خوف مِن المستقبل إذا هَمَّ المسلم بأمر معين، كل ذلك مباشرة بين العبد وربه وبدون واسطة.
стр. 56
الإسلامُ أعظمُ وسائل الإصلاح؛ فإنه يُربي أتْبَاعَه على مراقبةِ الله
إنَّ الإسلامَ "يربط المؤمن بربه في كل صغيرة وكبيرة، وفي جميع الأحوال، وجَعَلَ هذه المرتبة هي أعلى مراتب الدِّين، أَلَا وهي مرتبة الإحسان، وهي أنْ تعبد الله كأنك تراه؛ فإنْ لم تكن تراه فإنه يراك (١)، فالمؤمن يرجو ما عند الله تعالى، ولا يطلب مِن الناس جزاءً ولا شكورًا، ويخشى اللهَ ويراقبه في عبادته ومعاملاته وعلاقاته.
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧].
فالمسلم يَعلم بأنَّ الله معه دائمًا، يراه ويسمع شكواه ودعاءه، وأنَّ اللهَ هو الخالقُ الرازقُ المحيي المميتُ، وبيده خزائنُ السموات والأرض.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦].
وقال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣].
وبهذا يَتبينُ أنَّ الإسلامَ أعظمُ وسيلة لإصلاح النفس البشرية وتهذيبها وتطهيرها وتزكيتها، وإنقاذها مِن الضلال والشقاء إلى الهدى والسعادة، وليس مجردَ
стр. 57
ثقافة أو عقيدة بعيدة عن الحياة العملية!
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢].
وقد رأينا في هذا الزمان بعضَ الدول الإسلامية وغيرها تفتح أبوابَ سجونها لدعاة الإسلام لِمَا رأوا مِن قوة تأثير الإيمان في تهذيب نفوس النزلاء وإصلاحهم بعدما عجزتْ قوانينُها وأنظمتُها في ردْعِ الناس ومنْعِهم مِنِ ارتكاب المحرمات والجرائم" (١).
стр. 58
الفصل الرابع: محاسنُ الدِّينِ الإسلامي مِن الجانب العقلي
حِفْظُ العقل
وهذا لأنَّ العقلَ هو آلة التمييز وسببُ التكليف، وسبب للتكريم؛ فلابد من الحفاظ عليه حفظًا لِمَا يتعلق به.
وقد أمر سبحانه باستعمال العقل وعدم التقليد الأعمى.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]، والفؤاد: هو القلب، والإنسان يَعْقِلُ به.
وحَرَّمَ اللهُ كلَّ مُسْكِرٍ؛ لأنه يُفسد العقل.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠].
وجعل حَدَّ السَّكَرِ الجلدَ، وهذا ردعًا لمن أراد أن يشرب الخمر.
وحرم القليلَ مِن المُسْكِرِ وَإِنْ لم يُسْكِر! ففي الحديث الصحيح: «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُه؛ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ» (١).
وللعلم أيضًا؛ فإنه يُلحق بحفظ العقل الحفظُ من كلِّ ما كان في درجة الخمر أو
стр. 59
أشد؛ مِن المفترات والمخدرات؛ بل وأصناف السُّمِّ -السريع والبطيء- مما أقرَّ أهلُ العلم بضرره.
وكذا يُلحق بحفظ العقل؛ حِفْظُه مِن كل فِكْر مشبوه ومسموم، كقراءة كلام أهل الزندقة والإلحاد والشبهات وأهل البدع؛ مما خرجوا به عن طريق أهل الصواب المستقيمين على الشريعة الحكيمة، والتي شهدت لها العقول السليمة بصحتها.
стр. 60
الإسلامُ يحثُّ على العلم والتعلم والتفكر
إنَّ "أولَ آية نزلت مِن القرآن الكريم قولُه تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١].
كما جَعَلَ الإسلامُ للعلماء فضلًا وقدرًا عاليًا في الدنيا والآخرة، وحثَّ الناسَ على احترامهم وتقديرهم والرجوع إليهم، وخدمتهم وإعانتهم على أداء دورهم في خدمة البشرية جمعاء، قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١١].
وقد بَرَعَ عددٌ مِن علماء المسلمين منذ القرن الأول الهجري في كثير مِن العلوم كالطب والفلسفة وعلم الأرض والتاريخ والفيزياء والكيمياء والجغرافيا والصيدلة والفلك وغيرها مِن العلوم التي تخدم البشرية.
وقد ورد في القرآن الكريم وفي السُّنَّة النبوية كثيرٌ مِن الحقائق العلمية المتعلقة بخَلْق الإنسان وسلوكياته، وكذلك عن خَلْقِ هذه الدنيا وما فيها مِن جبال وبحار، وعن الشمس والقمر والنجوم وغيرها مِن الحقائق العلمية التي لم يكتشفها العلماء إلَّا قبل زمن قريب، وقد أُلِّفَ فيها كتبٌ كثيرة تحت مسمى: الإعجاز العلمي في القرآن والسُّنَّة.
كما أنَّ أحكامَ الشريعة الإسلامية قائمةٌ على الدليل مِن الكتاب والسُّنَّة وليس على التقليد الأعمى! وبابُ الاجتهاد مفتوح إلى يوم القيامة.
كما اعتنى المسلمون بترجمة كثير مِن كُتُبِ الأمم السابقة، ونشروها في العالم،
стр. 61
وقد بَلَغَ مِن شدة عناية المسلمين بذلك أنَّ الخليفة العباسي المأمون -المتوفى عام ٢١٨ هـ- كان يقبل الجزية كتبًا، وكان يدفع وزن كل كتاب يُترجم ذهبًا! وقد كان عددٌ مِن البلدان الإسلامية تزخر بعدد مِن صروح العلم والجامعات التي خرَّجت عددًا مِن العلماء في شتى الفنون.
وكانت بلاد الأندلس -إسبانيا حاليًّا- تُمَثِّلُ منارةَ علم ومركزًا حضاريًا لأوروبا كلها، إلى أنْ خرج منها المسلمون عام (٧١١) هجرية -١٤٩٢ ميلادي-.
وقد أَلَّفَ المؤرخ الفرنسي إفاريست ليفر بروفنسال المتوفى عام (١٨٩٤ م) كتابًا بعنوان "حضارة العرب في الأندلس" ذَكَرَ فيه جوانبَ عظيمةً مِن تلك الحضارة.
وقد كَتب أحدُ ملوك أوروبا في القرن الثاني عشر ميلادي -وهو جورج الثاني مَلِكُ انجلترا والسويد والنرويج- إلى الخليفة هشام الثالث -أحدِ ملوك الأندلس- الرسالةَ التالية التي تُثبت أنَّ أوروبا كانت ترسل البعثات للدراسة والتعلم في الأندلس:
"مِن جورج الثاني -مَلِكِ انجلترا والسويد والنرويج- إلى الخليفة مَلِكِ المسلمين في مملكة الأندلس؛ صاحبِ العظمة هشام الثالث الجليلِ المقام، بعد التعظيم والتوقير؛ نفيدكم أننا سمعنا عن الرقي العظيم الذي تتمتع بفيضه الصافي معاهدُ العلم والصناعات في بلادكم العامرة، فأردنا لأبنائنا اقتباسَ نماذجَ مِن هذه الفضائل لتكون بداية حسنة في اقتفاء أثركم لنشر أنوار العلم في بلادنا التي يحيط بها الجهل مِن أركانها الأربعة، وقد وضعنا ابنةَ شقيقنا الأميرةَ (دوبانت) على رأس بعثة مِن بنات الأشراف الانجليز لتتشرف بلثم أهداب العرش والتماس العطف لتكون مع زميلاتها موضعَ عنايةِ عظمتكم، وقد زوَّدْتُ الأميرةَ الصغيرةَ بهدية متواضعة لمقامكم
стр. 62
الجليل؛ أرجو التكرم بقبولها مع التعظيم والحب الخالص.
الامضاء: خادمُكم المطيعُ جورجُ الثاني" مجلة المجتمع الكويتية عدد رقم (١٧٠٧) صفحة (٤٩٩) " (١).
وقد قال أحدُ أبرز علماء الأجِنَّة (٢) شهادة تسجل للتاريخ في هذا الباب، قال: "إنَّ التعبيرات القرآنية عن مراحل تكوين الجنين في الإنسان لتبلغ الدقة والشمول ما لم يبلغه العلمُ الحديث! وهذا إنْ دلَّ على شيء؛ فإنما يدلُّ على أنَّ هذا القرآن لا يمكن أنْ يكون إلَّا كلام الله، وأنَّ محمدًا رسول الله" (٣).
стр. 63
الفصل الخامس: محاسنُ الدِّين الإسلامي مِن الجانب الاجتماعي
الإسلامُ يؤْمنُ بجميع الأنبياء والمرسلين، وبجميع الكتب السماوية، والقرآنُ مُصَدِّقٌ لها
"بل إنَّ ذلك ركنٌ مِن أركان الإيمان، كما يُثبتُ الإسلامُ للأنبياء الأوصافَ الجميلة والأخلاقَ العظيمة، وأنهم معصومون مِن الفواحش والكبائر.
كما ذكر اللهُ في القرآن الكريم قصةَ مريم وولادتها لعيسى ﵇ بأسلوب أدبيٍّ بعيدٍ عن كل ما يخدش الحياء، قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥].
وقد ذَكَرَ اللهُ تعالى في القرآن الكريم أسماءَ خمسة وعشرين نبيٍّ" (١).
كما ورد اسمُ نبي الله ابراهيم ﵇ (٦٣) مرة.
وورد اسمُ نبي الله موسى ﵇ (١٣١) مرة.
وورد اسمُ نبي الله عيسى ﵇ (٢٥) مرة.
وورد اسمُ مريم ﵍ (٣١) مرة.
стр. 64
بينما ورد اسم نبيِّنا محمد ﷺ (٤) مرات فقط!
والقرآنُ الكريم مُصَدِّقٌ لِمَا قبْلَه مِن الكتب السماوية، جعله اللهُ مهيمنًا عليها؛ فهو أفضلُ كُتبِ الله وأعظمُها وأشملُها وآخرُها.
стр. 65
الإسلامُ دِينٌ عالميٌّ، وهو خاتمُ الأديان السماوية
"الإسلامُ رسالةُ الله للناس أجمعين، وليس خاصًّا بالعرب وحدهم.
قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
بل حتى الجنّ مطالبون بالدخول في الإسلام، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].
وليس دِينًا جديدًا بالكلية! بل إنه دِينُ جميع الأنبياء والمرسلين السابقين، كما قال تعالى عن نبيِّه إبراهيم ﵇: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧].
وقال تعالى عن يوسف ﵇: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١].
وقال تعالى عن موسى ﵇: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤].
بل إنَّ عيسى ﵇ قد بَشَّرَ بالنَّبِيِّ محمد ﷺ ، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصف: ٦].
كما أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مذكورٌ في التوراة والإنجيل، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ
стр. 66
النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦].
فكثيرٌ مِن علماء أهل الكتاب يَعرفون أنَّ محمدًا ﷺ وما جاء به حقٌّ، كما أنَّ نُبُوَّةَ محمد ﷺ مذكورةٌ في الإنجيل أكثر مِن أربع مرات، ووصِفَ فيها بكلمة (بارقليط) أو (باركلتيوس) ومعناها: أحمد أو محمد، وذلك في إنجيل يوحنا (١٥/ ١٤ - ٣٠) " (١).
стр. 67
الإسلامُ أَخرج الناس مِن جاهليتها إلى نورها، ومِن ذُلِّها إلى عِزِّها
قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥، ١٦].
وقال سبحانه في خصوص العرب: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢].
وفي هذا بيانٌ لعظمة الإسلام؛ فإنه "حوَّل الوثنيين والمشركين والكفار إلى مؤمنين صالحين، أتقياء زهادًا ورِعين، يخافون اللهَ، ويعبدونه وحده لا شريك له، ويقِفُون بجانب الحق، لا تأخذهم في الله لومةُ لائم" (١).
ولو استعرضنا سريعًا حالةَ العرب قبل وبعد الإسلام لأدركنا عظيمَ شأنه، وكبيرَ أثره، فمثلًا:
فمِن الناحية الدِّينية -وهي أعظمُها-: فقد كانوا يعبدون المخلوقات والعبيد!! فأرشدهم الإسلامُ إلى عبادة رب العبيد -وهذا هو التوحيد-، وكذا أرشدهم إلى الإيمان بالرسل، وإلى الإيمان بيوم الحساب، وهذه الثلاثةُ هي أصول بعثة الرسل جميعًا (٢).
стр. 68
ومِن الناحية الاجتماعية: فقد كانوا قبائل متفرقة؛ فجمعهم اللهُ في أُمَّةٍ واحدة بإمام واحد على دعوة واحدة.
قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣].
وقد كانوا ينكحون زوجاتِ آبائهم! ويقتلون أولادَهم خشية أنْ يَطعموا معهم! فنهاهم الإسلام عن ذلك.
ومِن الناحية الاقتصادية: فقد حضَّهم سبحانه على الكسب الطيب مِن الصناعات والتجارات، ونهاهم عن الربا، وإنَّ كلَّ عاقل حكيم ليعلم ما في الربا مِن فساد الاقتصاد وأثرِ ذلك على غلاء الأسعار.
وشَرَعَ لهم الجهادَ؛ فصار مِن أكبر مواردهم المالية الغنائمُ والجزيةُ، وإنْ كان ذلك إنما حقيقتُه أنه سبب لحضِّ غيرِ المسلمين على الإسلام.
ومِن الناحية العلمية الدنيوية: فقد كانوا جهالًا أُمِّيِّين؛ فحضَّهم الإسلامُ على العلم، لاسيما العلم الذي يصل بالأُمَّة الإسلامية جميعًا إلى رقيها، حيث جَعَلَ الإسلامُ النوايا أصلًا للثواب، فمَن سعى لرفع شأن الأُمَّة في جهة مِن الجهات محتسبًا لذلك عند الله؛ فإنَّ عملَه هذا عبادةٌ يُؤجر عليها -وإنْ كانت في غير العلم الشرعي-، وهذا يُعَدُّ نوعًا مِن الجهاد بشكل غير مباشر.
ومِن الناحية السياسية: فقد أَمَرَهم الإسلامُ بطاعة ولاة الأمور، وقد كانوا يأنفون قبل الإسلام مِن تأَمُّر أحد عليهم! وأرشدهم إلى أنَّ طاعةَ أمير رسول الله ﷺ هو طاعةٌ له ﷺ ، وجَعَلَ طاعةَ ولاة الأمور في غير معصية فرضًا لازمًا.
стр. 69
قال الإمامُ الشافعيُّ ﵀: "كلّ مَن كان حول مكة مِن العرب؛ لم يكن يَعرف إمارةً، وكانت تأنَفُ أنْ يُعْطِيَ بعضُها بعضًا طاعةَ الإمارة، فلمَّا دانت لرسول الله بالطاعة؛ لم تكن ترى ذلك يَصلح لغير رسول الله، فأُمِروا أنْ يُطِيعوا أولي الأمر الذين أَمَّرَهم رسولُ الله؛ لا طاعةً مطلقة بل طاعةً مُسْتَثْناةً فيما لهم وعليهم، فقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ٥٩] يعني: إنِ اختلفتم في شيء، وهذا -إنْ شاء الله- كما قال في أولي الأمر؛ إلَّا أنَّه يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ﴾ يعني -والله أعلم- هم وأُمَراؤهم الذين أُمِروا بطاعتهم، ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ يعني -والله أعلم- إلى ما قال اللهُ والرسولُ إنْ عرفتموه، فإنْ لم تعرفوه سألتم الرسولَ عنه إذا وصلتم أو من وَصَلَ منكم إليه" (١).
وبالمقابل أيضًا؛ حضَّ الإسلامُ كلَّ مَنِ استرعاه اللهُ رعيةً على العناية بهم، وأنَّ الرفقَ بهم والشدةَ؛ هو سببٌ لرفق الله به والشدةِ عليه.
كما في الحديث: «اللهُمَّ؛ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ؛ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ؛ فَارْفُقْ بِهِ» (٢).
وشرع لهم نظامَ الشورى حيث لا يَستبدُّ أحدٌ برأيه! وإنما يَنتفع بآراء جميع أهل الرأي؛ فقلما يخطئ مَن كان هذا حالُه، وإذا لم يوفق للصواب؛ فإنَّ أحدًا لا يلومه.
ومِن الناحية العسكرية: فقد جَعَلَ الإسلامُ لهم شأنًا عظيمًا حيث جَعَلَ لهم إمَّا النصرَ على الأعداء وإمَّا الفوز بالجنة، -وكلاهما فوزٌ-، وقد وصلتْ رقعةُ العالم
стр. 70
الإسلامي إلى أقصى الشرق وأقصى الغرب بفضل الله ثم بفضل الفتوحات الإسلامية والدعاة المسلمين.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧٤].
стр. 71
الحثُّ على مكارم الأخلاق
"يأمر الإسلامُ بمكارم الأخلاق، ويُثيب عليها في الدنيا والآخرة، مثل برِّ الوالدين، وإكرام الضيف، وإكرام الجار، وإعانة المحتاجين، وستر عورات الآخرين، والشجاعة، والصدق، والوفاء بالوعود، وردِّ الجميل، والكلام الطيب، وحفْظِ النظر، وغير ذلك مِن الأخلاق الجميلة في كثير مِن الآيات والأحاديث.
قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] (١).
وقال ﷺ : «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ» (٢)، صحيح الجامع.
وفي الحديث «مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ المُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ، وَإِنَّ
стр. 72
اللَّهَ لَيُبْغِضُ الفَاحِشَ البَذِيءَ» (١). رواه الترمذي، صحيح الجامع.
كما نهى الإسلام عن مساوئ الأخلاق، وبيَّنَ أنَّ لها آثارًا سلبية في الدنيا والآخرة، وعلى الفرد والمجتمع؛ فنهى عن الكذب والغش والخيانة والظلم والبهتان والغيبة والنميمة والاستهزاء بالآخرين وشرب الخمر والزنا وغير ذلك مِن الأخلاق السيئة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠].
وأَخبر النَّبِيُّ ﷺ أنَّ سيءَ الخُلُقِ الذي يظلم ويغش ويعتدي على الآخرين هو المفلسُ يومَ القيامة، ولا تنفعه عباداتُه مهما كثرت!
قال ﷺ : «أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟) قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: (إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ؛ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا! وَقَذَفَ هَذَا! وَأَكَلَ مَالَ هَذَا! وَسَفَكَ دَمَ هَذَا! وَضَرَبَ هَذَا! فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ؛ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ)) (٢)(٣).
стр. 73
الإسلامُ دِينُ الرحمة
"قد أَمَرَ اللهُ سبحانه المسلمَ أنْ يَرحم مَن في الأرض، حتى الطيرَ والحيوانَ، فقد قال النَّبِيُّ محمدٌ ﷺ : «ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» (١)، وقال ﷺ : «مَنْ لَا يَرْحَمِ النَّاسَ؛ لَا يَرْحَمْهُ اللهُ » (٢).
وحرَّم اللهُ أذى الناس في طرقاتهم وفي أماكن اجتماعهم وفي متنزهاتهم وفي كل أحوالهم.
وأمر المسلمَ أنْ يزيلَ الأذى عن الطريق، وأنْ يُعِين الضعيف، وأنْ يُطعم الجائع، ويكرمَ الضيفَ ولو كان غيرَ مسلم، وأمره أنْ يَرحم الأيتامَ والعجزةَ وأنْ يَكفلهم، وقال ﷺ : «أَنَا وَكَافِلُ اليَتِيْمِ فِي الجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ) وجمع أصبعيه الوسطى والتي تلي الإبهام) (٣).
وقال رسول الله ﷺ : «ارْحَمْ مَن فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكَ مَن فِي السَّمَاءِ» (٤)، وقال ﷺ : «ارْحَمُوا تُرْحَمُوا، وَاغْفِرُوا يَغْفِرِ اللَّهُ لَكُم» (٥)، وقال ﷺ أيضًا: «مَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَومِ القِيَامَةِ» (٦)، وقال ﷺ أيضًا: «هَلْ تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُم» (٧)؟! " (٨).
стр. 74
الإسلامُ دينُ السلام والأمان، ورحمةٌ للعالمين، ويُحَرِّمُ الإرهاب
"فالإسلام رسالة سلام وأمان ورحمة للعالمين،
فتحية المسلمين هي السلام،
ومن أسماء الله تعالى السلام،
والجنة هي دار السلام،
والإسلام رحمة للناس وللحيوان وللشجر ولكل شيء.
قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
وفي الحديث: (قيل يا رسولَ اللهِ: ألا تدعو على المشركين؟ قال: «إني لم أُبعث لعَّانًا، وإنما بُعثتُ رحمةً» رواه مسلم (١).
فالإسلام يتطلع إلى السلام مع جميع الناس، كما أن الرسول ﷺ رحيم ورؤوف بالناس وحريص عليهم ويؤلمه ما يؤلمهم (٢).
قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].
والله تعالى يَحُثُّ المسلمَ أن يكون رحيمًا في جميع شؤون حياته.
قال ﷺ : «الرَّاحمون يَرحمهم الرحمنُ»؛ رواه أبو داود والترمذي، صحيح الجامع (٣).
стр. 75
وجميع أحكام الشريعة الإسلامية رحمةٌ وخير وسعادة للبشرية كلها، وتحقيق الأمن والأمان في النفس والمجتمع مِن أهدافها العظيمة - بما في ذلك الحدود الشرعية -.
قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩].
وحرَّمتِ الشريعةُ الإسلامية الإرهابَ -وهو ترويع الآمنين والاعتداء على ممتلكاتهم، وسفك دماء الأبرياء والإفساد في الأرض-، واعتبرتِ الشريعةُ أن قتْل نفسٍ واحدة بغير حق كأنه قتْلُ الناسِ جميعًا.
قال تعالى: ﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢].
وقال ﷺ : «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ»، رواه أحمد والترمذي، صحيح الجامع (١) " (٢).