الحثُّ على مكارم الأخلاق
"يأمر الإسلامُ بمكارم الأخلاق، ويُثيب عليها في الدنيا والآخرة، مثل برِّ الوالدين، وإكرام الضيف، وإكرام الجار، وإعانة المحتاجين، وستر عورات الآخرين، والشجاعة، والصدق، والوفاء بالوعود، وردِّ الجميل، والكلام الطيب، وحفْظِ النظر، وغير ذلك مِن الأخلاق الجميلة في كثير مِن الآيات والأحاديث.
قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] (١).
وقال ﷺ : «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ» (٢)، صحيح الجامع.
وفي الحديث «مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ المُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ، وَإِنَّ
стр. 72
اللَّهَ لَيُبْغِضُ الفَاحِشَ البَذِيءَ» (١). رواه الترمذي، صحيح الجامع.
كما نهى الإسلام عن مساوئ الأخلاق، وبيَّنَ أنَّ لها آثارًا سلبية في الدنيا والآخرة، وعلى الفرد والمجتمع؛ فنهى عن الكذب والغش والخيانة والظلم والبهتان والغيبة والنميمة والاستهزاء بالآخرين وشرب الخمر والزنا وغير ذلك مِن الأخلاق السيئة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠].
وأَخبر النَّبِيُّ ﷺ أنَّ سيءَ الخُلُقِ الذي يظلم ويغش ويعتدي على الآخرين هو المفلسُ يومَ القيامة، ولا تنفعه عباداتُه مهما كثرت!
قال ﷺ : «أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟) قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: (إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ؛ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا! وَقَذَفَ هَذَا! وَأَكَلَ مَالَ هَذَا! وَسَفَكَ دَمَ هَذَا! وَضَرَبَ هَذَا! فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ؛ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ)) (٢)(٣).
стр. 73
الإسلامُ دِينُ الرحمة
"قد أَمَرَ اللهُ سبحانه المسلمَ أنْ يَرحم مَن في الأرض، حتى الطيرَ والحيوانَ، فقد قال النَّبِيُّ محمدٌ ﷺ : «ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» (١)، وقال ﷺ : «مَنْ لَا يَرْحَمِ النَّاسَ؛ لَا يَرْحَمْهُ اللهُ » (٢).
وحرَّم اللهُ أذى الناس في طرقاتهم وفي أماكن اجتماعهم وفي متنزهاتهم وفي كل أحوالهم.
وأمر المسلمَ أنْ يزيلَ الأذى عن الطريق، وأنْ يُعِين الضعيف، وأنْ يُطعم الجائع، ويكرمَ الضيفَ ولو كان غيرَ مسلم، وأمره أنْ يَرحم الأيتامَ والعجزةَ وأنْ يَكفلهم، وقال ﷺ : «أَنَا وَكَافِلُ اليَتِيْمِ فِي الجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ) وجمع أصبعيه الوسطى والتي تلي الإبهام) (٣).
وقال رسول الله ﷺ : «ارْحَمْ مَن فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكَ مَن فِي السَّمَاءِ» (٤)، وقال ﷺ : «ارْحَمُوا تُرْحَمُوا، وَاغْفِرُوا يَغْفِرِ اللَّهُ لَكُم» (٥)، وقال ﷺ أيضًا: «مَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَومِ القِيَامَةِ» (٦)، وقال ﷺ أيضًا: «هَلْ تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُم» (٧)؟! " (٨).
стр. 74
الإسلامُ دينُ السلام والأمان، ورحمةٌ للعالمين، ويُحَرِّمُ الإرهاب
"فالإسلام رسالة سلام وأمان ورحمة للعالمين،
فتحية المسلمين هي السلام،
ومن أسماء الله تعالى السلام،
والجنة هي دار السلام،
والإسلام رحمة للناس وللحيوان وللشجر ولكل شيء.
قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
وفي الحديث: (قيل يا رسولَ اللهِ: ألا تدعو على المشركين؟ قال: «إني لم أُبعث لعَّانًا، وإنما بُعثتُ رحمةً» رواه مسلم (١).
فالإسلام يتطلع إلى السلام مع جميع الناس، كما أن الرسول ﷺ رحيم ورؤوف بالناس وحريص عليهم ويؤلمه ما يؤلمهم (٢).
قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].
والله تعالى يَحُثُّ المسلمَ أن يكون رحيمًا في جميع شؤون حياته.
قال ﷺ : «الرَّاحمون يَرحمهم الرحمنُ»؛ رواه أبو داود والترمذي، صحيح الجامع (٣).
стр. 75
وجميع أحكام الشريعة الإسلامية رحمةٌ وخير وسعادة للبشرية كلها، وتحقيق الأمن والأمان في النفس والمجتمع مِن أهدافها العظيمة - بما في ذلك الحدود الشرعية -.
قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩].
وحرَّمتِ الشريعةُ الإسلامية الإرهابَ -وهو ترويع الآمنين والاعتداء على ممتلكاتهم، وسفك دماء الأبرياء والإفساد في الأرض-، واعتبرتِ الشريعةُ أن قتْل نفسٍ واحدة بغير حق كأنه قتْلُ الناسِ جميعًا.
قال تعالى: ﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢].
وقال ﷺ : «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ»، رواه أحمد والترمذي، صحيح الجامع (١) " (٢).
стр. 76
الإسلامُ دِينُ العدل
"قد أَمَرَ اللهُ تعالى بالعدل مع العدو والصديق، وحرَّم الظلمَ على نفسه، وجعله مُحَرَّمًا بين عباده، وأمر بالأمانة والصدق، وحرَّم الخيانة، وأمر ببرِّ الوالدين، وصلة الأرحام، والإحسان إلى الفقراء، والمشاركة في الأعمال الخيرية.
قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢].
ومِن سُنَنِ الله الكونية أنَّ العدلَ أساسُ كل شيء، لا يستقيم أيُّ أمر بدونه، فالسموات والأرض قامتَا على العدل، ومعنى ذلك محسوس لدى علماء الفلك والفيزياء، ومنه أنَّ اللهَ سبحانه يمسك السماء والأرض وما بينهما بنظام عظيم مُحْكَم وهو الجاذبية الهائلة التي لا تتغير ولا تضطرب، فهي العُمدُ التي لا نراها، وجعل الأرض مسخرة ذلولًا يعيش عليها العباد، ويأكلون مما تُنْبِتُه، وسَخَّرَ الشمس والقمر والنجوم تَسْبح في أفلاك يتمتع العباد بها، ويعرفون بها السنين والحساب، ويهتدون بها في ظلمات البرِّ والبحر، ويستضيئون بالشمس ويستدفئون بها، وتصلح بها معايشهم.
والعدلُ أساسُ الملك، ولذا مِن سُنَّةِ الله تعالى أنَّ حُكْمَ الحاكم العدل يدوم ولو كان كافرًا.
والحاكم المسلم العدل هو الذي يحكم بما أنزل الله، وهو الذي لا يظلم الناس، ويعطي كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، ولا يدوم الحكم للحاكم الظالم -وإنْ كان مسلمًا-، بل إنَّ الله ينزعه منه، هذا في الدنيا، وفي الآخرة قد توعده الله بالنار - أعاذنا الله منها-.
стр. 77
والعدلُ أساسُ صلاح المصنوعات والانتفاع بها، فالبنيان لا يقوم إلَّا على الأسس والأعمدة القوية، والقِدْرُ لا ينتصب إلَّا على ثلاثة قوائم، وهكذا السيارة والطائرة لا تستقيم في حركتها وسيرها إلَّا على العدل في حملها على عجلاتها السليمة في جوانبها، وعلى سلامة محركاتها واعتدالها، بل إنَّ الإنسان لو اختلَّ توازنُه لسقط، وهكذا الكلام والنظام لجميع الشؤون الحياتية لا يتم ويصلح إلَّا إذا كان معتدلًا سليمًا من الأخطاء.
والعدلُ في كل شيء مِن المعاملات وغيرها واجبٌ على الوجه الشرعي، وكذا العدل بالتسوية في عطية الأولاد، ما عدا ما يجب لكل واحد بعينه إذا وُجِد موجبُه؛ كمهر زواجه، وإعانته في المسكن، وفي شراء السيارة، بخلاف الذي لم يبلغ سِنَّ الزواج ولم يحتج لمسكن مستقل ولا للسيارة لصغر سِنِّه؛ فإنَّ ذلك تابع للمصروف لا تسوية فيه.
ومما ينبغي التنبه له أنَّ قولَ بعض الكُتَّاب: الإسلامُ دينُ المساواة! قولٌ يحتاج إلى تفصيل، فإنْ كان فيما فَرَّقَ اللهُ فيه بين الرجل والمرأة، كالميراث واختصاص الرجل برئاسة الدولة والشهادة -في غير الأموال وما يختص بالنساء ونحو ذلك-؛ فهو قول باطل، وظالم للمرأة والرجل.
وكذا التسوية بين الحرِّ والمملوك؛ فإنَّ اللهَ قد فَرَّقَ بينهما في عدة أمور، والتسوية بينهما ظلم مخالف لتشريع الحكيم الخبير.
وإنما الذي أَمر به من مساواته -إذا كان ذميًًا أو معاهدًا-: في الحكم عند القضاء والمعاملة، والوفاء بالعهد والعقد، وتحريم ظُلْمِه في النفس والعرض والمال.
стр. 78
وكذا بين العلماء والعوام؛ فقد فَضَّلَ اللهُ العالمَ على العامي في التقدير والمنزلة.
وكذا بين الأتقياء والفُسَّاق؛ فإنَّ المؤمن التقي مقدَّم على الفاسق في الاحترام، وقبول الشهادة، والنكاح والتقديم في الإمامة في الصلاة إلى غير ذلك مما قدَّمه الله ورسوله فيه.
وإنْ أريد بالمساواة في الإسلام: العدلُ بين الأولاد في العطية -ما سوى ما تقدم ذِكْرُه مِن النفقات المشروعة لكل واحد عند احتياجه إليها- وكذا المساواة بين الأبيض والأسود، والعربي والأعجمي، والمرأة والرجل؛ في الحقوق التي أوجب اللهُ المساواةَ فيها؛ وأنَّ التفضيلَ إنما يكون بالتقوى؛ فهذا صحيح.
ويجب العدلُ في عطية الأولاد بقدر إرثهم: للذكر مثل حظِّ الأنثيين -على قسمة الله تعالى-؛ فإنها العدلُ -ولو كان بعضُهم أحبَّ إليه مِن بعض- (١).
والدليلُ قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١١]، وإنْ كانت الآية في المواريث؛ فهي عامة في الحياة كذلك، ومِن السُّنَّةِ ما أخرجه البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير، قال: (أَعْطَانِي أَبِي عَطِيَّةً، فَقَالَتْ عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ: لَا أَرْضَى حَتَّى
стр. 79
تُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: إِنِّي أَعْطَيْتُ ابْنِي مِنْ عَمْرَةَ بِنْتِ رَوَاحَةَ عَطِيَّةً، فَأَمَرَتْنِي أَنْ أُشْهِدَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: (أَعْطَيْتَ سَائِرَ وَلَدِكَ مِثْلَ هَذَا؟)، قَالَ: لَا، قَالَ: (فَاتَّقُوا اللَّهَ؛ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ)، قَالَ: فَرَجَعَ فَرَدَّ عَطِيَّتَهُ) (١) " (٢).
وقد أخبر ﷺ أنَّ الإمام العادل في ظل الله يوم القيامة -يوم لا ظل إلَّا ظله. متفق عليه (٣).
وإنَّ مِن بديع العدل في الإسلام؛ الأمرُ بالعدل حتى مع مَن نُبغض!
بل حتى مع الذين كفروا بالله ورسوله!!
قال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨].
وفي الحديث: «اتَّقُوا دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ -وَإِنْ كَانَ كَافِرًا-؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ دُونَهَا حِجَابٌ» رواه الإمام أحمد، صحيح الجامع (٤).
ويقابل ذلك أنَّ مِن بديع العدل أنَّ نبيَّ الله ﷺ -قدوةَ المسلمين- قد صرَّح بإقامة العدل حتى على فلذة كَبِدِه فاطمةَ ﵁؛ فقال ﷺ : «لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» رواه مسلم (٥).
ولمزيدٍ مِن بيان أهمية العدل في الإسلام نسرد جملة سياق هذا الحديث، فقد
стр. 80
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما (عَنْ عَائِشَةَ -زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الَّتِي سَرَقَتْ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟ فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ -حِبُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأُتِيَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَكَلَّمَهُ فِيهَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: (أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ؟!)، فَقَالَ لَهُ أُسَامَةُ: اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللهِ، فَلَمَّا كَانَ الْعَشِيُّ، قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَاخْتَطَبَ، فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: (أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمِ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمِ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَإِنِّي -وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ- لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا)، ثُمَّ أَمَرَ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ الَّتِي سَرَقَتْ؛ فَقُطِعَتْ يَدُهَا، قَالَ يُونُسُ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا بَعْدُ، وَتَزَوَّجَتْ، وَكَانَتْ تَأتِينِي بَعْدَ ذَلِكَ فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ (١).
تنبيه:
وكما سبق؛ مما ينبغي التنبه له أنَّ قول بعض الناس: "الإسلام دين المساواة"! هذا قول يحتاج إلى تفصيل، فليس كل مساواة هي عدل!
وإنما الصواب أن يقال: "الإسلام دين العدل"، لأن المساواة أحيانًا لا تكون عدلًا!
وسنضرب أمثلة ليتبين الفرق بين العبارتين:
١ - المؤمن والفاسق ليسا متساويين!
قال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم: ٣٥]، فالمؤمن يؤدي حق الله
стр. 81
والفاسق لا يؤدي حق الله!
فالمؤمن التقي مقدَّم على الفاسق في الاحترام وقبول الشهادة والنكاح، والتقديم في الإمامة في الصلاة، ولكنَّ الإسلام يأمرنا بالعدل حتى مع الفاسق؛ فلا نظلمه ولا نغشه ولا نخدعه، بل إذا اعتدى مسلم على فاسق أو كافر؛ فإنه لا بد من أخذ الحق له والدفاع عنه، وهذا هو العدل.
٢ - العالِم والعامي ليسوا متساويين!
في الحديث الصحيح «لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا، وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعْرَفُ لِعَالِمِنَا حَقَّه» (١).
٣ - لا يجوز التسوية بين الرجل والمرأة في كل شيء!
فالمساواة -مثلًا - بين الرجل والمرأة في الميراث هو ظلم للرجل، لأن الله تعالى جعل ميراثَ الذكر ضعفَ ميراث الأنثى، وقد سبق التنبيه لشيء من الحكمة في ذلك.
ولكنْ -مثلًا- في الحقوق بين الزوجين؛ فهناك مساواة من جهة أنَّ على كل طرف حقوقًا وواجباتٍ، ولكنها مختلفة من جهة المضمون، وهذا هو العدل.
قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَال عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
والدرجة هنا معناها القوامة، وأما من جهة المضمون؛ فالمهر والمسكن والنفقة على الرجل وحده وليس على المرأة، وهذا هو العدل.
стр. 82
الإسلامُ والأسرة
وإنَّ مِن جملة محاسن الإسلام حفاظُه على الأسرة المسلمة، ومِن ذلك سَدُّ ذرائع تحطيم أواصر هذه الأسرة، فمثلًا "في النسب -الذي هو رباط الأسرة وعامل تكوينها-: فقد أحيط بسياج مِن الحفاظ عليه بتحريم الزنا،
ووجوب العدة عند الفُرقة،
وشَرَعَ حدَّ الزنا -جلدًا أو رجمًا-،
وحرم على التأبيد المتزوجةَ في العدة (١)،
وتتمة لحفظ النسب مِن الزنا حَرَّمَ الخلوةَ بالأجنبيات" (٢).
"وفي العِرض -الذي هو مدار المروءة والكرامة والعفة والنزاهة-: حَرَّمَ القذفَ، وشَرَعَ حدَّ القذف بالجلد، وتتمةً لذلك حَرَّمَ الغيبة والنميمة، فالمسلم ليس بسباب ولا لَعَّان: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١] " (٣).
стр. 83
الإسلامُ والمرأةُ
ذَكَرَ اللهُ كثيرًا مِن حقوق النساء في القرآن الكريم، فالمرأةُ في الإسلام لها حقوق مِن عدة جهات، فالإسلام أعطى المرأةَ حقها مِن جهة كونها أُمًّا، وبنتًا، وأختًا، وزوجةً، ورَحِمًا -خالةً أو عمةً- وما دون ذلك، "بل إنَّ في القرآن سورةً تسمى سورةَ النساء،
وأخبر النَّبِيُّ ﷺ أنَّ الجنة تحت أقدام الأمهات،
وأوصى الأُمَّةَ بالنساء خيرًا وهو على فراش الموت،
وأوجب الإسلام على الرجل أنْ يحمي المرأة ويوفر لها الحياة الكريمة،
وخفف اللهُ التكاليفَ الشرعية على المرأة، وجعل دخول الجنة ميسرًا لها.
قال ﷺ : «إِذَا صَلَّتِ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا قِيلَ لَهَا: ادْخُلِي الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتِ» (١)؛ رواه ابن حبان، صحيح الجامع.
وأكرم اللهُ المرأةَ بالحجاب الإسلامي الذي يحفظ المرأة مِن إيذاء الآخرين واستمتاعهم بها، ويجعلها جوهرة مصونة بعيدة عن الفتن والفواحش وأسبابها (٢).
كما أكرمها بتميزها عن الرجل وخصوصيتها في كثير من الأشياء" (٣).
стр. 84
"مِن محاسن الإسلام أنه قد ضَمِنَ للمسلمة الحياةَ السعيدة الشريفة قبل وجودها وبعده في جميع أدوار حياتها -كما ضَمِنَها للرجل كذلك-؛ فأَمَرَ كلًّا مِن الزوجين أنْ يختار زوجَه صاحبَ دِينٍ وخُلُق مِن أسرة محترمة محافظة شريفة؛ ليكون هذا الاختيار سببًا في نجابة الولد وصلاحه، وبِرِّه بوالديه.
وأَمَرَ اللهُ سبحانه في دِينِ الإسلام بالإحسان إلى الأولاد عامة والبنات خاصة.
ووَعَدَ المحسن إلى بناته بالجنة وسعادة الدنيا والآخرة.
وقد جعل اللهُ سبحانه تربيةَ البنت وإكرامها أفضلَ مِن تربية الابن، وقد وصف النَّبِيُّ ﷺ المحسن لبناته بأنهن سِترٌ له عن النار.
وهَيَّأَ اللهُ سبحانه للمرأة المسلمة الحياةَ الزوجية السعيدة المبكرة بأنْ جَعَلَ تكاليف الزواج مِن المهر وغيره على الزوج؛ ولذا فإنها لا تتحمل همَّ التكاليفِ الزوجيةِ كما هو الحال عند الغربيين وغيرهم مِن غير المسلمين، ومِن المسلمين الذين يعيشون بعيدين عن تعاليم الإسلام السامية.
ولكنها -المرأةَ المسلمةَ- تختار مَن يعجبها مِن الخُطَّاب وتتزوجه، وفي الوقت نفسه؛ فإنَّ اللهَ سبحانه ورسولَه ﷺ يأمرها ويأمر وليَّها -الذي له الوِلاية عليها- أنْ يتسامحا مع الزوج في المهر والتكاليف الزوجية؛ فيقبلان منه ما تيسر مِن المال، وإنْ كان الزوج فقيرًا لا دخْل له وقد توافر فيه الشرطان الأساسيان للزوج الصالح -وهما التمسكُ بدين الإسلام، والخُلُق الفاضل الشريف- فإنَّ المرأةَ ووليَّها يرحبان به، لأنَّ الأسرة المسلمة تريد لابنتها الزوجَ الصالحَ الذي يكرمها ويحميها ويُعِفُّها جنسيًّا بالزواج المشروع، وفي الوقت نفسه ربَّتْها أسرتُها على أنْ تُساعد الزوجَ بما يُخفف عنه تكاليفَ الحياة الزوجية وذلك بحفظ ماله والاقتصاد في الصرف.
وفي الوقت نفسه سمح لها الإسلامُ بالعمل المناسب لفطرتها وخلقتها
стр. 85
الجسدية والنفسية؛ كتدريس البنات الخياطة ونحوها مِن المهن النسائية داخل بيتها أو خارجه، كعملها في مستشفى خاص بالنساء بشرط ألا تكون معرضة للرجال والاختلاط بهم الذي يؤدي إلى إهانتها والاعتداء على عرضها وشرفها، وكأنْ تعمل مع زوجها في مزرعتهما، أو رعي غنمٍ لها، ونحو ذلك.
وَكَسْبُها لها إلَّا ما تبرعت به لزوجها وعيالها منه، ولكنْ لابد مِن إذنه لها بذلك العمل ورضاه؛ لِما قد يترتب عليه مِن نقص في أداء واجباتها نحو زوجها" (١).
فالإسلام العظيم إذًا -خلافًا لأعداء الإسلام، والمغفَّلِين مِن أبنائه- قد أعطى المرأةَ حقَّها كاملًا غير منقوص، ويمكن إجمالُ حقِّها ضمن خمسة محاور هي أصول هذه الحقوق:
أ- أعطاها حق الحياة، خلافًا لِمَا كان عليه العرب وغيرهم في الجاهلية -قديمًا وحديثًا-.
قال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ * وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [النحل: ٥٧ - ٥٩].
ب- أعطاها حقَّ التعليم والتربية الحسنة -أسوةً بالذكر-، بل قد جاء في حقِّها مِن الإحسان ما لم يأت في حق الذكر.
قال ﷺ : «مَنْ يَلِي مِنْ هَذِهِ البَنَاتِ شَيْئًا، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ؛ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ» (٢).
بل قد كان النَّبِيُّ ﷺ يجعل للنساء يومًا ليعظهنَّ ويذكرهنَّ، ويأمرهنَّ بطاعة الله
стр. 86
تعالى، حتى صارت عائشةُ ﵂ فقيهةً محدثةً.
ج- أعطاها حقَّ الميراث والتملك، خلافًا لِمَا كان عليه العرب وغيرهم في الجاهلية -قديمًا وحديثًا-.
قال تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧] (١).
د- أعطاها حقَّ الاختيار لزوجها الكفء، خلافًا لِمَا كان عليه العرب وغيرهم في الجاهلية -قديمًا وحديثًا-.
في الحديث عن عائشة ﵂ (جَاءَتْ فَتَاةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّ أَبِي زَوَّجَنِي ابْنَ أَخِيهِ يَرْفَعُ بِي خَسِيسَتَهُ (٢)، فَجَعَلَ الْأَمْرَ إِلَيْهَا (٣).
قَالَتْ: فَإِنِّي قَدْ أَجَزْتُ مَا صَنَعَ أَبِي، وَلَكِنْ أَرَدْتُ أَنْ تَعْلَمَ النِّسَاءُ أَنْ لَيْسَ لِلْآبَاءِ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ) (٤).
стр. 87
بل حتى ما جعله اللهُ تعالى مِن أحكامٍ بعد الزواج مِن طلاق أو خلع؛ فهو مِن جملة الخير الذي أُريد بالرجل والمرأة.
"وكما أنَّ الزواج مِن أكبرِ النِّعم ومِن الضروريات؛ فإباحةُ الطلاق كذلك خشيةَ عيشةِ الإنسان مع مَن لا تلائمُه ولا توافقُه، واضطرارِه للبقاء في ضنك الحال وشدة العسر، ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠] " (١).
هـ- جعل لها حقوقًا في مقابلة حقوق زوجها، فلا يَستبدُّ الزوج بحقه دونها!
قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وهذه الدرجةُ معناها الرِّفعة والرِّياسة وزيادة حق عليها، وسببها نفقةُ الرجل ولزومُ قوامته عليها لتستقيم الحياة بذلك، قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤].
لطيفة:
مما يترفع عنه كثير من الناس "الملتزمون" أنْ يلاطف الرجلُ زوجتَه خارج البيت -ولو كانوا بعيدًا عن أعين الناس-! وهذا خلاف الهدي النبوي وخلاف حسن العشرة.
وقد كان النَّبِيُّ ﷺ يلاطف نساءه وبناته، ويحضُّ على الإحسان إلى النساء عمومًا.
في الحديث الصحيح (عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّهَا كَانَتْ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ وَهِيَ جَارِيَةٌ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: (تَقَدَّمُوا) فَتَقَدَّمُوا، ثُمَّ قَالَ لَهَا: (تَعَالَيْ أُسَابِقْكِ)، قَالَتْ:
الإسلامُ وولاةُ الأمر
فالإسلام يأمر بطاعتهم في غير معصية، ويُحَرِّمُ الخروجَ عليهم، ويأمر بالتواصل والتواصي معهم بالنصيحة لا بالفضيحة! ولا يخفى ما في هذا الأمر مِن الخير ودرءٍ للشر، وسلامةٍ وحفظٍ للمجتمعات.
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].
وفي الحديث «مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمَنْ يُطِعِ الأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ يَعْصِ الأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي، وَإِنَّمَا الإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ، فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَعَدَلَ؛ فَإِنَّ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرًا، وَإِنْ قَالَ بِغَيْرِهِ؛ فَإِنَّ عَلَيْهِ مِنْهُ (١)) (٢).
وفي الحديث «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْصَحَ لِذِي سُلْطَانٍ بِأَمْرٍ فَلَا يُبْدِهِ عَلَانِيَةً، وَلَكِنْ يَأْخُذُ بِيَدِهِ فَيَخْلُو بِهِ؛ فَإِنْ قَبِلَ مِنْهُ فَذَاكَ، وَإِلَّا قَدْ كَانَ أَدَّى الَّذِي عَلَيه» (٣).
стр. 90
الإسلامُ سعى لتقليص الرِّقِّ
وأيضًا فإنَّ من محاسن الدين الإسلامي الحثُّ على العتق وتحرير الأرقاء، والإحسان إلى المملوك، وتجد هذا ظاهرًا في كثير مِن أدلة الشريعة حيث جعل الله تعالى كثيرًا مِن كفارات الذنوب هي عتقُ الرقبة، كما في كفارة الظهار، وكفارة مَن أتى أهلَه في نهار رمضان، وكفارة قتلِ الخطأ ولطْمِ الوجه وحِنْثِ اليمين والنذر.
وقد حَمَلَ هذا المعنى الكريمَ الصحابةُ الكرام في الإحسان إلى الرقيق حتى صار منهجًا لهم وسلوكًا باديًا عليهم، وهاك مثالًا عمليًّا جرى مِن أبي اليَسَر -صاحبِ رسول الله ﷺ ، فعن (عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِي نَطْلُبُ الْعِلْمَ فِي هَذَا الْحَيِّ فِي الْأَنْصَارِ قَبْلَ أَنْ يَهْلِكُوا، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ لَقِينَا أَبُو الْيَسَرِ صَاحِبُ النَّبِيِّ ﷺ وَمَعَهُ غُلَامٌ لَهُ، وَعَلَى أَبِي الْيَسَرِ بُرْدَةٌ وَمَعَافِرِيٌّ، وَعَلَى غُلَامِهِ بُرْدَةٌ وَمَعَافِرِيٌّ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا عَمِّي، لَوْ أَخَذْتَ بُرْدَةَ غُلَامِكَ وَأَعْطَيْتَهُ مَعَافِرِيَّكَ، أَوْ أَخَذْتَ مَعَافِرِيَّهُ وَأَعْطَيْتَهُ بُرْدَتَكَ؛ كَانَتْ عَلَيْكَ حُلَّةٌ أَوْ عَلَيْهِ حُلَّةٌ! فَمَسَحَ رَأْسِي وَقَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِ، يَا ابْنَ أَخِي، بَصَرُ عَيْنَيَّ هَاتَيْنِ، وَسَمْعُ أُذُنَيَّ هَاتَيْنِ، وَوَعَاهُ قَلْبِي -وَأَشَارَ إِلَى نِيَاطِ قَلْبِهِ- النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: (أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ، وَاكْسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ) وَكَانَ أَنْ أُعْطِيَهُ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ حَسَنَاتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (١)!
والمعنى أنه أراد أنْ يكون على غلامه نفسُ ما عليه مِن الثياب دون حصول أدنى تفضيل بينهما في اللباس طاعةً للنَّبِيِّ ﷺ .
стр. 91
حقوقُ الإنسان
"لقد كرَّم اللهُ بني آدم منذ أنْ خَلَقَ آدمَ ﵇؛ حيث اختاره سبحانه لعبوديته، وخلَقَه بيده، ونَفَخَ فيه مِن رُوحه، وأسجد له ملائكتَه، وعَلَّمَه الأسماءَ كلَّها، وأسكنه الجنةَ، ثم استخلفه في الأرض.
وخَلَقَ اللهُ بني آدم في أحسن تقويم، وجعل لهم عقولًا يُميِّزون بها، وألسنة يُعبِّرون بها، وشَرَعَ لهم لباسًا يواري سوآتهم، وسخر لهم كلَّ ما في الكون؛ بل حتى الملائكة الكرام يسعون في خدمتهم ورعايتهم وحفظهم.
وأمر الإسلامُ بحماية الإنسان منذ كونه نطفة؛ فلا يجوز الاعتداءُ عليه أو إسقاطه، وحرَّم الإجهاض.
وكذلك جاءتِ الشريعة الإسلامية بأحكام المولود وتربيته وتسميته وتعليمه وعلاجه وحمايته إلى أنْ يكبر.
ثم بعد ذلك جاءتِ الشريعة الإسلامية بحقوق الوالدين وكبار السِّنِّ ورعايتهم وحمايتهم.
ثم جاءتِ الشريعةُ الإسلاميةُ بأحكام الموتى وكيفية تغسيل الميت وتكفينه والصلاة عليه ودفنه.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠].
وقد كان النَّبِيُّ ﷺ يقوم إذا مرَّتْ به جنازةٌ، وأَمَرَ أصحابَه بذلك إكرامًا
стр. 92
للإنسان، بل إنه مرَّت به جنازةُ يهوديٍّ فقام لها؛ فقيل له: إنها جنازةُ يهوديٍّ! فقال: «أَلَيسَتْ نَفْسًا». رواه البخاري (١).
فالشريعة الإسلامية أكرمتِ الإنسانَ وحفظت له حقوقَه كاملة منذ أربعة عشر قرنًا، أي قبل أنْ يَعترف بها العالَمُ المتحضر [زعموا] اليوم! " (٢).
وفي هذا الزمان؛ تجد الكفار في -أوربا وأمريكا وغيرها- على العكس من ذلك:
انتشر الزنا فيهم، وكَثُرَ أبناء الزنا فيهم، وكثير من الفتيات منهم يقتلن أولادهن بالإجهاض!
الولد من الزنا يكبر وهو لا يعرف والده! وإذا كان مولودًا من زواج صحيح؛ فإنَّ والده كثيرًا ما يهجر أمه ويتركهما لوحدهما يعاركون الحياة!
الأبناء إذا كبروا؛ فإنهم يسكنون لوحدهم ويغادرون منزلَ والدهم.
الآباء إذا كبروا في السن؛ فإن أبنائهم لا يهتمون بهم، بل يرسلونهم إلى دار المسنين -مأوى العجزة- للتخلص منهم!
إذا توفي الشخص عندهم؛ فإن كثيرا منهم يحرقون جثته!
فالخلاصة؛ إنَّ الشريعة الإسلامية هي التي أكرمت الإنسان، وهي التي حفظت حقوقه، وليس أدعياء الإنسانية!!
стр. 93
الإسلامُ والحيوانُ
"وأمر الإسلامُ بالإحسان إلى كل شيء حتى الحيوان؛ فقد حرَّم اللهُ تعذيبَه، وأمر بالإحسان إليه حتى في حال ذبح الحيوان الحلال، فقد أَمَرَ الرسول ﷺ بحدِّ السكين وإراحة الذبيحة، يقول المصطفى ﷺ في الحديث الصحيح: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ؛ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا القِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» (١).
ويأمر بالرحمة والرأفة به، فقد صحَّ عن النَّبِيِّ ﷺ أنه قال: «عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ؛ فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ، لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَلَا سَقَتْهَا إِذْ حَبَسَتْهَا، وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ» (٢)، فإذا كان هذا الحبس للهرة يوجب دخول النار يوم القيامة؛ فكيف بحال مِن يُعذب النفس البشرية بغير وجه حقٍّ؟! " (٣).
وفي صحيح البخاري مرفوعًا: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ؛ اشْتَدَّ عَلَيْهِ العَطَشُ، فَوَجَدَ بِئْرًا، فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ ثُمَّ خَرَجَ؛ فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ العَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الكَلْبَ مِنَ العَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ بِي، فَنَزَلَ البِئْرَ فَمَلَأَ خُفَّهُ ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ، فَسَقَى الكَلْبَ؛ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ)، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ وَإِنَّ لَنَا فِي البَهَائِمِ أَجْرًا؟ فَقَالَ: (نَعَمْ، فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ)) (٤).
стр. 94
وفي صحيح مسلم (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ عَلَيْهِ حِمَارٌ قَدْ وُسِمَ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ: (لَعَنَ اللهُ الَّذِي وَسَمَهُ)) (١).
"بل إنه ﷺ كان وفيًّا حتى مع الحيوانات، فأمر بالرفق بها إذا كبرت سِنُّها.
وكان في عهد النَّبِيِّ ﷺ امرأةٌ قد أَسَرَها الأعداءُ، فاستطاعتْ أنْ تركب ناقةً وتهربَ منهم، حتى دخلت المدينة، فنذرتْ هذه المرأةُ أنْ تذبحَ هذه الناقةَ صدقةً لله تعالى! فنهاها النَّبِيُّ ﷺ وقال: «سُبْحَانَ اللهِ! بِئْسَمَا جَزَتْهَا» رواه مسلم (٢) " (٣).
стр. 95
المنهجُ القضائيُّ في الإسلام
"إذا كان الغرضُ مِن منهج القضاء هو تحقق العدل والإنصاف والمساواة؛ فإنَّ ما رَسَمَه القرآنُ بصريح النصوص لَيغني عن البيان، منها:
١ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] ففيه الأمر بالحكم بالعدل بين الناس عمومًا.
٢ - ثم يأتي أخصُّ مِن هذا -وهو في خصوص العدل مع الخصوم- في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]،
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: ٢].
٣ - ومع غير المسلمين أيضًا: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢].
٤ - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء: ١٣٥].
تطبيق ذلك عمليًّا:
وقد طَبَّقَ ذلك قضاةُ المسلمين، كما فعل شُريحٌ في قضية أمير المؤمنين عليٍّ مع اليهودي في الدرع: ادَّعى به عليٌّ وليس عنده شاهد إلَّا الحسن بن علي ومولاه قَنْبَر، فلم يَقبلِ القاضي أنْ يَسمع شهادةَ الحسن لأبيه، وحَكَمَ لليهودي! وكان سببَ
стр. 96
إسلامِ اليهوديِّ واعترافِه بالدرع لعليٍّ، ففرح عليٌّ وأهداه إليه ومائتي درهم (١).
ومِن خصائص القضاء في الإسلام أنه يدعو إلى التسامي عن مواقف العناد أو المقاصَّة، ويسمو بنفس صاحب الحق إلى التسامح والعفو، مِن ذلك:
١ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ * وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٦، ١٢٧]، فهنا يعطي المدعيَّ حقَّ المعاقبة بالمثل؛ ولكنه يندبه للصبر، ويفضل الصبر للصابرين.
٣ - وقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]، فقد تقرر أنَّ الجزاء بالمقاصَّة مِثلًا بمِثل؛ ولكنْ نَدَبَ إلى العفو والصبر والإصلاح.
٤ - وفي قصاص الجروح: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ ثم يقول تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥].
٥ - وأعظمُ مِن هذا كلِّه في قِصاص النَّفْس: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] " (٢).
стр. 97
كثرةُ أبواب الخير والأجور في الإسلام
"العبادةُ في الإسلام ليست محددةً بأعمال وأقوال معينة كالصلاة والصيام والحج والصدقة وقراءة القرآن وغير ذلك من العبادات المعروفة! بل إنَّ كلَّ ما يحبه الله ويرضاه مِن الأعمال والأقوال الظاهرة (بالجوارح) والباطنة (بالقلب) فهو عبادة يؤجَر عليها المسلم مهما قلَّتْ أو صغُرت، بل حتى ولو كانت مجرد نية صالحة؛ فإنه يُثاب عليها.
فحياة المسلم كلُّها عبادة لله، وليست عاداتٍ لا يؤجر عليها! وليس في حياته شيء لله وشيء لغير الله!
كما أنَّ اللهَ تعالى يُضاعِف الأجر والثواب لعباده أضعافًا كثيرة لا يعلم منتهاها إلَّا الله.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢]،
وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١].
فالمسلم إذا أَخلص نيَّته لله بامتثال أوامره وترك نواهيه، والاستغناء بالحلال عن الحرام، والتقوى على طاعة الله؛ تحولتِ المباحاتُ والعاداتُ في حياته إلى عبادات، مثلُ تبسمك في وجه أخيك صدقة، إماطة الأذى، إكرام الضيف، الإحسان إلى الجار، الإحسان إلى الحيوان، غرس الأشجار، التجمل والنظافة، الأكل والشرب والنوم، والجماع بين الزوجين، النفقة على نفسك وزوجتك وأولادك، الكلمة الطيبة، الإصلاح بين الناس، وهكذا مما يحبه الله ويرضاه .
стр. 98
بل إنَّ مِن رحمة الله تعالى بعباده أنَّ أجورَ أو ثوابَ العبادات والأعمال الصالحة لا تنقطع بموت الإنسان! بل تصلُ إليه حتى بعد موته وتنفعه بإذن الله.
قال ﷺ : «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» (١)، رواه مسلم" (٢).
стр. 99
الإسلامُ يحثُّ على النظافة ويجعلها عبادة
"الإسلامُ يحثُّ على النظافة والتنزه مِن القاذورات، والعناية بنظافة البدن والثياب والمكان.
كما حثَّ الإسلامُ على الاغتسال وأوجبه في بعض الحالات.
وشرع الاستنجاء والوضوء والمضمضة والاستنشاق وتقليم الأظفار.
وحثَّ على نظافة الفم والأسنان بالسواك وغيره.
كما حثَّ الإسلام على الطيب والتجمل ولُبْسِ أحسن الثياب، وغير ذلك مما لا يوجد في غير دين الإسلام.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
وقال ﷺ : «إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ» رواه مسلم (١).
فالإسلامُ يحثُّ على النظافة والجمال في الحياة الخاصة للإنسان وفي الحياة العامة، بل إنَّ النظافة والجمال مِن الإيمان ومما يحبه الله تعالى، وعبادة يثاب عليها المسلم" (٢).
بل إنَّ من تمام النظافة؛ إماطةُ الأذى عن الطريق، وقد حضَّ الإسلام على ذلك.
ففي الحديث الصحيح «مَرَّ رَجُلٌ مُسْلِمٌ بِشَوكٍ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ: لأُمِيطَنَّ هَذَا
стр. 100
الشَّوكَ؛ لَا يَضُرُّ رَجُلًا مُسْلِمًا! فَغُفِرَ لَهُ» (١).
- لمحة عن تاريخ النظافة في أوربا
سادت معتقدات كثيرة في أوربا قديمًا عن مساوئ النظافة والاغتسال! عدا عن كونهم كفارًا لا يعلمون معنى الطهارة أصلًا!
فقد كانوا يعتقدون أنَّ: كثرةَ الاغتسال تسبب أضرارًا بدنية وصحية!
وأنَّ الأطفال الذين يتعرضون للماء كثيرًا تصبح أجسادهم هشةً!
وكان معظم الفرنسيين يغتسلون في مناسبتين فقط؛ عند الاستعداد للزواج، وفي حالة المرض! ومِن هنا كانت حاجة الفرنسيين كبيرة إلى العطور لتغطية روائح ثيابهم وأجسادهم، ومنعًا لتفشي الأمراض.
وفي العصور الوسطى تم إغلاق العديد من الحمامات في أوروبا؛ لاعتقاد الكنيسة أنَّ الحمامات هي مزيد من الرفاهية؛ وبالتالي لا يمكن للجميع الوصول إليها؛ فهي فقط للأغنياء!
стр. 101
الفصل السادس: محاسنُ الدِّينِ الإسلامي مِن الجانب المادي
الإسلامُ دِينٌ وسَط بين الماديات والروحانيات، ووسَط في عبادة الله تعالى
"بعض الأديان تعتني بالرُّوح وجانب العبادة وتبالغ فيه، وتَحرُم النفس ما تحتاجه مِن هذه الدنيا! وهي بذلك تصادم فطرةَ الله التي فطر الناس عليها.
والبعضُ الآخرُ يبالغ في إشباع رغبات الجسد، ويهمل تربية النفس وتزكيتها وينسى الآخرة فلا يعمل لأجلها!
فاعتنى الإسلام بالرُّوح، وأمر بتربيتها وتزكيتها؛ كما اعتنى بتربية البدن وإعطائه حقه مِن الرعاية الصحية، والزواج، والطعام، وحرَّم الإضرار به.
قال ﷺ : «صُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ؛ فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا» رواه البخاري (١).
كما يربي الإسلامُ المسلمين على البذل والعطاء والعمل مِن أجل الآخرة وليس مِن أجل الدنيا فقط!
فحثَّ الإسلام على الصدقة والأقراض النافعة.
كما يربي الإسلامُ أتباعَه على التعلق بالجنة وما ذُكر فيها مِن النعيم.
стр. 102
قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٧٧].
وفي الحديث: «قَالَ اللهُ: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]» متفق عليه (١).
وحرَّم الإسلامُ الغلوَّ في الدِّين، وبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّ الغلو في الدِّين مِن أسباب الهلاك، وأنَّ مَن رغب عن سُنَّتِه فقد ضَلَّ.
قال ﷺ : «إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ؛ فَإِنَّما أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ» رواه أحمد والنسائي. صحيح الجامع (٢).
وقال ﷺ : «لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ؛ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» رواه البخاري (٣).
فالإسلامُ ليس بالتشديد وإرهاق النفس! ولا بالتمييع وتضييع أحكام الشريعة وحدودها!
قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩] " (٤).
стр. 103
الإسلام يُعظِّم شأنَ الوقت ويحترمُه ويُقدِّرُه
ربطتِ الشريعةُ كثيرًا مِن العبادات بالوقت، فالصلاةُ لها وقتٌ معلوم، وكذلك الزكاة والصوم والحج، وغيرها مِن العبادات لها أوقات محددة.
وقد أقسم اللهُ في القرآن العظيم ببعض أجزاء الوقت تأكيدًا على أهميته، كما قال : ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ١، ٢].
وقال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [الليل: ١، ٢].
وقال تعالى: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى: ١، ٢].
وقال ﷺ «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ» (١).
وبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّ كثيرًا مِن الناس لا يُحسن الاستفادة مِن وقته وصحته.
قال ﷺ : «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ» (٢).
стр. 104
محاربةُ الرِّبا
ومن محاسن الدين الإسلامي تحريم الرِّبا.
قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥].
ويظهر ضرر الربا من عدة جهات؛ منها:
"١ - أنَّ الرِّبا يقتضي أخذَ مال الإنسان مِن غير عوض، لأنَّ مَن يبيع درهمًا بدرهمين يحصل له زيادة درهم مِن غير عوض، ومال الإنسان متعلَّق حاجتِه، وله حُرمة عظيمة -كما هو معروف-.
٢ - استعمال الرِّبا يفضي إلى انقطاع المعروف بين الناس مِن القرض.
٣ - يمنع مِن تحمل المشاق تجاه الاكتساب؛ فلا يكاد يتحمل مشقة الكسب! وذلك يفضي إلى انقطاع منافع الخلق وتكسيلهم عن الجد والاجتهاد في الطلب، وقد لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه" (١).
٤ - إنَّ التعامل بالربا يمنع نمو الحضارة وتطور المجتمع! لأنه يؤدي إلى الكسل واعتماد كل واحد على نشاط غيره.
٥ - إنَّ التعامل بالربا هو من أهم أسباب غلاء المعيشة.
وفي الحديث الصحيح: «مَنْ أَكَلَ الرِّبَا؛ بُعِثَ يَومَ القِيَامَةِ مَجْنُونًا يَتَخَبَّطَ. ثُمَّ قَرَأَ ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥]» (٢).
стр. 105
حضُّ الإسلامِ على العمل
"ومن محاسن الدين الإسلامي الحثُّ على العمل وكسب الرزق وترك الكسلِ وسؤالِ الناس -إلَّا عند الضرورة-.
فالإسلام دين سعي وعمل واجتهاد؛ لا دِينُ كسل وعجز وتوانٍ! دِينٌ يحافظ على العزة الإنسانية والكرامة الشخصية" (١).
"ويحثُّ على الجمع بين العمل للدِّين والدنيا، فيقول جلَّ وعلا: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧].
ويقول: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] " (٢).
فالإسلام قد أحلَّ الصناعةَ والتجارةَ والزراعةَ وسائرَ وجوه المكاسب ما لم تكن محرمةً -سواء بذاتها أو ما كانت وسيلة إليه- كما في الحديث (قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الْكَسْبِ أَطْيَبُ؟ قَالَ: (عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ وَكُلُّ بَيْعٍ مَبْرُورٍ)) (٣).
وقال أيضًا ﷺ : «لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ الحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ؛ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ: أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ» (٤).
стр. 106
بل إنه قد حضَّ الإسلامُ على إتقان العمل، فقال ﷺ : «إِنَّ اللهَ ﵎ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ» (١).
وقد حفظ الإسلامُ حقوقَ العمال، وحذَّر مِن ظلمهم وحرمانهم منها، فقال ﷺ : «أَعْطُوا الْأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ» (٢).
وفي الحديث القدسي «قَالَ اللَّهُ: ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ» (٣).
стр. 107
الحضُّ على التخفيف عن المُعْسِر
ولا أدلَّ على ذلك مِن عموم الأمر الربانيِّ لِمَن تاب مِن الربا وبقي له ذِمَّةٌ على المَدِينِين، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، ثم ندبه إلى ما هو أعلى فقال: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٠].
وقد أخبرنا رسولنا الكريم ﷺ عن فضل الله تعالى على مَن سعى في التخفيف على المعسرين، فقال ﷺ : «كَانَ تَاجِرٌ يُدَايِنُ النَّاسَ؛ فَإِذَا رَأَى مُعْسِرًا قَالَ لِفِتْيَانِهِ: تَجَاوَزُوا عَنْهُ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا؛ فَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ» (١).
стр. 108
سَدُّ الطرق المفضية إلى الضغائن بسبب المال
ومِن جملة محاسن هذا الدِّين العظيم "ما جاءتْ به الشريعةُ مِن إباحة البيوع والإجارات والشركات وأنواع المعاملات التي تتبادل فيها المعاوضات بين الناس في الأعيان والديون والمنافع وغيرها، فقد جاءتِ الشريعةُ الكاملةُ بحِلِّ هذا النوع وإطلاقِه للعباد لاشتماله على المصالح في الضروريات والحاجيات والكماليات، وفَسَحَتْ للعباد فسحًا صَلُحَتْ به أمورُهم وأحوالُهم، واستقامتْ معايشُهم، وشرطتِ الشريعةُ في حِلِّ هذه الأشياءِ الرضا مِن الطرفين، واشتمالَ العقود على العلم، ومعرفةَ المعقود عليه، وموضوعَ العقد، ومعرفةَ ما يترتب عليه مِن الشروط، ومَنَعَتْ مِن كلِّ ما فيه ضررٌ وظلمٌ، مِن أقسام الميسر والرِّبا والجهالة.
فمَن تأملَ المعاملات الشرعيةَ رأى ارتباطها بصلاح الدِّين والدنيا، وشَهِدَ لله بسعة الرحمة وتمام الحكمة؛ حيث أباح سبحانه لعباده جميعَ الطيبات مِن مكاسبَ ومطاعمَ ومشاربَ وطرقَ المنافعِ المنظمةِ المحكمةِ" (١).
стр. 109
الإسلامُ دِينُ الحضارة والرُّقي، ويَحثُّ على العمارة النافعة لهذه الدنيا
"لقد جاء الإسلام بمنهج شامل للحياة البشرية، وجاء موافقًا للمدنية والحضارة والرُّقي وعمارة هذه الدنيا وخدمة البشرية جمعاء، وتأمين الحياة الكريمة للإنسان، وحَلِّ جميع مشكلاته، وتطوير حياته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعمرانية والمدنية.
كما يُحرِّم العبث والإفساد في الأرض كقطع الشجر وقتل الحيوانات والحشرات بغير سبب، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة: ٦٤].
وقد جاء في الحديث «إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ؛ فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ» (١)؛ رواه الإمام أحمد، صحيح الجامع.
قال تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦].
وفي الحديث: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا؛ فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ؛ إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ» (٢).
وقال تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود: ٦١] " (٣).
стр. 110
وقد حثَّتِ الشريعة على المكاسب الطيبة في الصناعة والزراعة والتجارة، فجاء في الحديث الصحيح: (سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَيُّ الْكَسْبِ أَطْيَبُ؟ فَقَالَ: (عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ، وَكُلُّ بَيْعٌ مَبْرُورٌ)) (١).
وأيضًا فقد حثَّ النَّبِيُّ ﷺ على إحياء الأرض الميتة بالاستصلاح، فقال ﷺ : «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً؛ فَهِيَ لَهُ» (٢) وفي رواية «فَلَهُ أَجْرٌ» (٣).