← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 30140

المختصر الوافي لأهم مسائل الطهارة

عبد الله بن محمد العسكر

Полный текст (88 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه أجمعين، وبعد: فقد قرأت هذه الرسالة في بعض أحكام الطهارة من باب المياه إلى آخر باب الحيض والنفاس فوجدت الكاتب قد أحسن في الانتقاء والاختيار للمهم مما يحتاج الناس إليه في مسائل الطهارة، مع ذكر الدليل ومن قال بالمسألة من الأئمة الأربعة ومن اختارها من مشاهير العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية وبعض المشايخ في هذه الأزمنة من المملكة؛ حيث أن ذلك مما يقوي المسألة في نفوس القراء فجزاه الله خيرا وأثابه على جهده. وهو أخونا عبد الله بن محمد العسكر من سكان مدينة الخرج وممن له جهد في التعليم والدعوة إلى الله تعالى فجزاه الله خيرا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه. ٩/ ٤ / ١٤٢٥ هـ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين

стр. 2

المقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبدُ الله ورسولُه الأمين، بعثه الله بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا. صلى الله وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين، وسلم تسليما كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: فإن من أعظم مِنَّةِ الله على عبده المسلم وإكرامه له أن يرزقه الفقه في دينه، فيعرف ما أوجبه عليه وما حرَّمه ونهاه عنه. فيكون ممن يعبد ربه على علم وبصيرة وَفْق ما يريده ﵎. ومتى سار المسلم على بصيرة في عبادته لربه كان ذلك من دلائل الخير وأَمَارات التوفيق. ومن أراد الله به خيرا بصّره بطريقة العبادة التي توصل إلى مرضاته. قال ﷺ : «من يُرِد اللهُ به خيراً يفقِّهْه في الدين» (١). وأبواب الطهارة من الأبواب المهمة في ديوان الفقه. ومعرفةُ أحكامها ومسائلها مما يحتاجه المسلم كثيراً في حياته.

стр. 3

ومن هنا جاءت فكرة جمع مهمات هذه المسائل في كتاب يكون برزخاً بين الطول الممل والإيجاز المخلّ؛ ليعين طالب العلم المبتدئ على ولوج هذا الباب من أبواب علم الشريعة. وأحسب أن مادة هذا الكتاب مناسبة لمن أراد الاستعانة بها في وضع منهج مختصر في كتاب الطهارة للطلاب من ذوي التخصصات غير الشرعية، كما أنه يمكن الاستفادة منها في إقامة دورة قصيرة في هذا الموضوع في حدود أربعة أيام أو خمسة. [وقد طُبع من هذا الكتاب أوّلَ ما طبع أكثرُ من ثمانين ألف نسخة نفدت جميعها بفضل الله تعالى، وكان ذلك قبل ما يقارب خمسة عشر عاما، فرأيت إعادة طباعته لعلّ الله أن ينفع به. وكنت عرضت هذا الكتاب بعد فراغي منه على سماحة والدنا الشيخ العلامة عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين أسكنه الله فسيح جناته وأسبغ عليه شآبيب رحماته ليراجعه ويقدّم له ويعلق عليه بما يرى، وقد فعل جزاه الله عني خيرا، وطلبت منه حينها أن يبدي رأيه في كل مسألة يرى خلافها على أن أثبت رأيه كما هو في هامش الكتاب ليستفيد منه القارئ، وكان ذلك كذلك في تلك الطبعة غير أن بعض الأفاضل من طلبة العلم راجعوني في ذلك واقترحوا عليّ استبعاد تلك الآراء المخالفة لما في الكتاب لا زهداً فيها وإنما حرصا على عدم تشتيت القارئ خاصة ممن هو في بداية الطلب. وقد أخذت بهذا المقترح في هذه الطبعة [¬*] بعد طول تفكير، ولعل في الأمر خيرا إن شاء الله]. وجملة ما صنعته في هذا الكتاب يمكن حصرُه في النقاط التالية: أولاً: ذكرت ما يزيد على مئة وعشرين مسألة من مسائل الطهارة موزعة على عشرة أبواب وهي: (المياه، الآنية، إزالة النجاسة، الوضوء، المسح على الخفين، نواقض الوضوء، آداب قضاء الحاجة، الغُسل، التيمم، الحيض والاستحاضة والنفاس). وقد حرصت على صياغة هذه المسائل صياغةً موجزة تجمع أطراف كل مسألة بأسلوب يسير بعيد عن التفريعات والتفصيلات الفقهية. ثانياً: أشرتُ في الغالب بعد كل مسألة إلى مَنْ قال بها من الأئمة الأربعة ومن اختارها من أكابر الفقهاء المتأخرين كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، ثم أتبعتُ ذلك بذكر واحدٍ ممن اختارها من أعلام العلماء المعاصرين في الجزيرة العربية كالشيخ محمد بن إبراهيم والسعدي وابن باز وابن عثيمين [رحم الله الجميع].

стр. 4

ثالثاً: أوردتُ دليلاً على كل مسألة ما أمكنني ذلك، وقد بذلت وسعي في أن تكون جميع الأدلة ثابتة صحيحة أو حسنة، واستفدت في هذا الباب من تحقيقات وتصحيحات عدد من الحفاظ والمحدثين كابن عبد البر الأندلسي والنووي وابن حجر وأحمد شاكر والألباني وغيرهم. رابعاً: اجتهدتُ في توثيق أقوال العلماء واختياراتهم في الهوامش وأرجعتها إلى مصادرها، لتكون معينة لمن أراد التوسع في المسألة والرجوع إلى تفاصيل الخلاف فيها وأقوال أهل العلم ومناقشاتهم وأدلتهم. خامساً: ذكرت في هوامش بعض المسائل نُتفاً من الفوائد والإيضاحات لبعض المصطلحات والكلمات الغامضة، ولم أدوِّنها في الأصل رغبةً في الإيجاز. وختاماً: فهذا جهد المقل، فما كان فيه من صواب فالفضل فيه لله تعالى وهو أهل الفضل والجود، وما كان فيه من نقصان وخطأ فمردُّه إلى نفسٍ مقصّرة وشيطان رجيم، والله ورسوله بريئان منه. وأستغفر الله وأتوب إليه.

стр. 5

[وكم سأكون ممتنَّاً لمن يهدي إليّ عيبا أو خللا رآه، أو يفيدني بمقترَح يُسهِم في تقويم الكتاب ونشره.] أسأل الله أن يجعل هذا العمل متقبلاً عنده بأحسن القبول، نافعاً لعباده وإمائه، نقيَّاً من شائبة الرياء والسمعة، وأن يلحقنا ووالدينا وأزواجنا وذرياتنا بصالح عباده المؤمنين في دار الكرامة والنعيم. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. عبد الله بن محمد العسكر السعودية الخرج ١٣/ ٥/ ١٤٤٠ هـ[¬*] البريد الإلكتروني alaskar5@gmail.com [الموقع الشخصي على الشبكة العنكبوتية dr-alaskr.com]

стр. 6

باب المياه ١ - الماء طاهرٌ ما لم تتغير إحدى صفاته الثلاث (لونه - طعمه - ريحه) ؛ فإن تغيرت إحدى الصفات السابقة بسبب ما وقع فيه من نجاسة فهو نجس، قلَّ الماء أو كثُر. أما إذا لم يتغير الماء مع وجود النجاسة فيه فهو طاهر سواء أكان دون القُلَّتين (١) أو أكثر، فالضابط هو التغيُّر وليس قلةَ الماء وكثرتَه، وهو مذهب الإمام مالك (٢) ورجّحه شيخ الإسلام ابن تيمية (٣)، واختاره ابن باز (٤). الدليل: حديث أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الماء طَهور لا يُنجِّسه شيء"رواه الترمذي والنسائي وصححه الإمام أحمد (٥). وقد انعقد الإجماع على أن الماء إذا وقعت فيه نجاسة فغيَّرته فهو نجس، قلَّ أو كثر (٦). ٢ - الماء نوعان فقط: طَهور ونجس، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٧)، ورجّحه السَّعدي (٨).

стр. 7

والطَّهور: هو الماء الباقي على خلقته التي خلقه الله عليها. والنَّجس: هو الماء الذي تغيَّرت إحدى صفاته الثلاث بسبب ما استقرَّ فيه من نجاسة. ٣ - لا يجوز الاغتسال للجُنُب في الماء الراكد غير المتحرك. الدليل: حديث أبي هريرة ﵁ قال ﷺ : "لا يغتسلْ أحدُكم في الماء الدائم (أي الراكد) وهو جُنُب "رواه مسلم. والبولُ وقضاءُ الحاجة في هذا الماء أشدُّ في النهي. ٤ - يجوز للرجل أن يغتسل بما تبقى من الماء الذي اغتسلت منه المرأة، كما أنه يجوز للمرأة أن تغتسل بما تبقى من الماء الذي اغتسل منه الرجل. الدليل: حديث ابن عباس ﵁ قال: "اغتسل النبي ﷺ بفضل ميمونة "رواه مسلم. ولأصحاب السنن: "اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ في جَفْنةٍ فجاء يغتسل منها فقالت: إني كنت جُنُباً، فقال: "إن الماء لا يُجنِب" (١). ٥ - لُعاب الكلب نجسٌ. وإذا ولغ في الإناء وجَبَ أن يراق ما في هذا الإناء، ثم يُغسل الإناء سبع غسلات أولاها بالتراب الممزوجِ بالماء، ثم يُتْبَعُ بستِ غَسَلات بالماء. وهذا الحكم خاصٌّ بالكلب دونه غيره. الدليل: حديث أبي هريرة ﵁ قال ﷺ : " طَهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهنّ بالتراب " رواه مسلم.

стр. 8

وجسد الكلب طاهر غير نجس وإنما النجاسة في لعابه وروثه وبوله، وهو قول أبي حنيفة (١)، ورجّحه شيخ الإسلام ابن تيمية (٢). وعلى هذا: مَنْ مَسَّ الكلب فلا ينتقض وضوؤه، ولا يجب عليه غسل يده؛ حيث إن الكلاب كانت تُقبِل وتدبر في المسجد في عهد رسول الله ﷺ ، ولم يُنقَل عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة أنهم كانوا يتوقَّون من مسَّها، ولو كانت نجسة لوجب البيان، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. ٦ - الماء الذي ولغ فيه الكلب ولم يتغير يعدُّ طاهراً، وهي رواية عن الإمام مالك (٣)، أما إن تغيرَّ فهو نجس. الدليل: عموم حديث أبي سعيد ﵁ السابق قال ﷺ : " إن الماء طَهور لا ينجِّسه شيء " رواه الترمذي. ويمكن معرفة وجود النجاسة (لعاب الكلب) برؤيتها طافيةً على سطح الماء؛ حيث تظهر هناك لزوجةٌ بيّنة، أو تكون هناك رائحةٌ مميزة تدل على وجود هذا النوع من النجاسة. أما إن كان الإناء صغيراً وولغ فيه الكلب فالأحوط أن يقال بنجاسة هذا الماء. ٧ - سُؤرُ الهِرَّة (لعابُها) طاهرٌ. فلو شَرِبَتْ من إناءٍ فإنه لا يَنجُس، وهو مذهب الجمهور (٤).

стр. 9

الدليل: حديث أبي قتادة ﵁ قال: قال ﷺ في الهِرَّة: " إنها ليست بِنَجَس، إنما هي من الطوافين عليكم " رواه أهل السن (١). ٨ - تطهير النجاسة يختلف بحسب نوعها: فقد يكون تطهيرها عن طريق غسلها بالماء وهذا هو الأكثر، وقد يكون بالريح أو بالشمس أو بالتراب كما إذا عَلِقَتْ النجاسة بالحذاء، وقد يكون بالنَّزْح (٢)، أو بإضافة ماء طَهورٍ عليها حتى تذهب عينُ تلك النجاسة، كما لو وقعت النجاسة في ماء ويُراد استعماله. الدليل: حديث أنس بن مالك ﵁ في قصة بول الأعرابي الذي بال في طائفة المسجد فأمر النبيُّ ﷺ أن يُصَبَّ على بوله ذَنوبٌ (٣) من ماءٍ فأُهريقَ عليه " متفق عليه. الدليل على التطهير بالتراب: أن امرأة من بني عبد الأشهل قالت للنبي ﷺ : إن لنا طريقاً منتنة فماذا نفعل إذا أمطرنا؟ قال: " أليس بعدها طريق هو أطيب منها"؟ قالت: بلى؛ قال فهذه بهذه " رواه أبو داود (٤). ويمكن أن يكون التطهير بالوسائل الحديثة إذا كانت طاهرة في نفسها. ٩ - قَطْع جزء من البهيمة حال حياتها حرام ؛ إلا الشعر فهو جائز لمصلحتها، وهو طاهر غير نجس. أما كل عضو يُقطع من البهيمة وهي حيّة فهو نجس؛ لأنه صار في حكم الميتة (٥).

стр. 10

الدليل: حديث أبي واقد الليثي ﵁ قال: قال ﷺ : " ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميّت " أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه (١). ١٠ - جسد الميتة من الحيوانات (باستثناء صيد البحر وما ليس له نَفْس سائلة (٢) وباستثناء الخنزير (٣) ينقسم من حيث النجاسة وعدمها إلى قسمين: أ- الأشياء الصُّلبة في الميتة طاهرة، كالضرس والعظم والريش ونحو ذلك؛ فهذه ليست نجسة وهو مذهب الحنفية (٤)، ورجّحه شيخ الإسلام ابن تيمية وعزاه إلى جمهور السلف (٥). الدليل: حديث ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ مرَّ بشاة ميتة فقال: " هلا استمتعتم بإهابها "؟ قالوا: إنها ميتة، قال " إنما حَرُمَ أكلُها " متفق عليه (٦). ب- الأشياء الرَّطبة كاللحم والدم والعصب فهذه نجسة بالإجماع (٧)

стр. 11

باب الآنية ١١ - يحرم الأكل والشراب في آنية الذهب والفضة. ويعد ذلك من الكبائر. الدليل: حديث حذيفة ﵁ قال: قال ﷺ : " لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولاتأكلوا في صحافهما فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة " متفق عليه. وعن أم سلمة ﵂ قالت: قال ﷺ : " الذي يأكل أو يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم " متفق عليه. ١٢ - لا يجوز استخدام آنية الذهب والفضة حتى ولو لم يكن لأجل الشرب والأكل فيها، كأن تُتَّخذ زينة في الجدران (١). قال ابن القيم عن هذا الحكم: " هذا أمر لا يشك فيه عالم " (٢)، وهو قول الجمهور (٣). الدليل: قوله ﷺ في حديث حذيفة السابق: " فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة ". وهذه هي العلة في المنع، وهو ادخارها للمسلم في الآخرة (٤).

стр. 12

وهذا [الحكم جارٍ] في استعمالها كآنيةٍ للأكل والشرب ولغيرها من الأغراض المختلفة، وإنما ذُكِر الأكل والشرب في الحديث لأن الأصل في الآنية أنها صنعت لذلك فخرج الكلام مخرج الغالب. والتزيُّن بها للنساء في حليهن جائز لا حرج فيه. وأما الرجال فيحرم عليهم التحلِّي بالذهب مطلقاً. أما الفضة فيجوز للرجل اتخاذها خاتماً، واختلف فيما عداه. الدليل: حديث أبي هريرة ﵁ قال ﷺ : " ولكنْ عليكم بالفضة العبوا بها لعباً" رواه أحمد (١). ١٣ - من توضأ بماء موضوع في آنية الذهب أو الفضة مع علمه بالتحريم فهو آثم ؛ لكنَّ وضوءه صحيح، وهو قول جماهير العلماء (٢)، ورجّحه ابن عثيمين (٣). ١٤ - يجوز تضبيب الإناء إذا انكسر بشيء من الفضة (٤)، وذلك بشروط أربعة (٥): ١ - أن تكون ضَبَّةً، فلو جُعل غطاءُ الإناء أو يدُه من فضةً حَرُمَ ذلك.

стр. 13

٢ - أن يكون التضبيب يسيراً. ٣ - أن يكون بفضة، فيخرج بذلك الذهب. ٤ - أن يكون ذلك لحاجة. الدليل: حديث أنس بن مالك ﵁ أن قدح النبي ﷺ انكسر فاتخذ مكان الشَّعب سِلْسلة من فضة" رواه البخاري. - أما التضبيب بالذهب فلا يجوز إلا في الضرورة بحيث لا يوجد ما يقوم مقامه، ولا يكفي التعلُّل بالحاجة كالفضة. الدليل: حديث عرفجة بن أسعد أنه قطع أنفُه يوم الكُلاب فاتخذ أنفاً من ورِق (فضة) فأنتنَ عليه، فأمره النبي ﷺ أن يتخذ أنفاً من ذهب". رواه الترمذي (١). ١٥ - جلود الميْتة تَطْهُر بالدبغ (٢)، ولكن يُشترط في هذه الميتة أن تكون من الحيوانات الطاهرة في حال حياتها، وهو قول أكثر أهل العلم كالشافعي (٣) وأحمد في الرواية الأخيرة عنه (٤)، وهو أحد قولي شيخ الإسلام (٥).

стр. 14

الدليل على طهارة جلد الميتة بالدبغ: حديث ابن عباس ﵁ قال: قال ﷺ : " إذا دبغ الإهاب فقد طهر (١) " رواه مسلم. ١٦ - يجوز استعمال أواني المشركين ولكن بالتفصيل التالي: أ- إذا رُئي فيها أثرُ النجاسة كأن يكون فيها بقايا من لحم الخنزير مثلاً، فهنا يجب غسلُها أولاً قبل استعمالها. ب- أن لا يُرى فيها أثر للنجاسة، ولكن يُعلم من حال هؤلاء القوم أنهم يستعملون النجاسة في أوانيهم، فهنا يُكره استعمالها قبل غسلها. ج- أن يُعلم من حالهم أنهم لا يستعملون النجاسة في هذه الأواني، فهنا يجوز استعمالها بلا كراهة، ولا يلزم غسلها. الدليل: حديث أبي ثعلبة الخشني ﵁ قال: قلت يا رسول الله إنَّا بأرضِ قومٍ أهلِ كتاب أفنأكل في آنيتهم؟ قال: " لا تأكلوا فيها إلا أن لا تجدوا غيرها فاغسلوها وكلوا فيها " متفق عليه.

стр. 15

باب إزالة النجاسة ١٧ - لا يجوز إبقاء الخمر عند المسلم حتى ولو لم يستعملها في شرب ونحوه. وأما تحويلها إلى الخَلّ فعلى النحو التالي: إن تحولت إلى الخلّ بدون فعل آدمي، كما لو ظلت الخمر فترة طويلة أو تغير عليها الجوُّ من ظلٍّ إلى شمس أو العكس، فهنا تصبح طاهرة ويجوز استعمالها. وهذا الحكم مُجمعٌ عليه (١). أما تحويلها إلى خلٍّ بفعل الآدمي نفسِه فمحرّمٌ لا يجوز، وهو قول الجمهور (٢). الدليل: حديث أنس بن مالك ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن الخمر تُتخذ خلاً؟ قال: " لا " رواه مسلم. والمقصود بتخليل الخمر: إضافة شيء عليها كالخبز أو البصل أو الملح فتصبح بعد ذلك خَلاًّ، أو يكون بإضافة خَلٍّ كثير لها، أو بنقلها من الشمس إلى الظل أو العكس. ١٨ - الخمر نجاستُها معنوية وليست حسيَّة، فلو وقعت على الثوب فلا يلزم غسلُه. وهذا هو قول ربيعةَ والليثِ والمزنيِّ (٣)، ورجّحه من المعاصرين ابن عثيمين (٤).

стр. 16

الدليل: أن الناس كانوا يشربون الخمر قبل تحريمها فربما انسكبت على أثوابهم، وكذلك فقد سكبها الناس في الشوارع لما حُرّمت، ولم ينقل عن النبي ﷺ أنه أمر بالتوقي منها عند الذهاب إلى المسجد، ولا نُقِل أن أحداً أُمِرَ بإعادة الوضوء أو غسل ثوبه. فلمّا لم ينقل دلّ ذلك على أن الأصل فيها الطهارة. ١٩ - بناء على ما سبق في المسألة السالفة لا حرج في استعمال الخمر في غير الشرب، خاصة فيما دعت إليه الحاجة كاستعمالها في التعقيم الطبي. بل حتى لو قيل بنجاستها الحسيّة فإنه لا حرج في استعمال النجاسة في التداوي من غير الشرب والأكل (١).

стр. 17

٢٠ - لا يجوز أكل الحُمُر الأهلية: الدليل: حديث أنس بن مالك ﵁ قال: لما كان يومُ خيبر أمر رسولُ الله ﷺ أبا طلحة فنادى: "إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية فإنها رجس " متفق عليه. ٢١ - سؤر الحمار (لعابه) طاهرٌ غير نجس ؛ بل وكلُّ السباع كالأسد والنمر والذئب سؤرها طاهر. وهو قول مالك والشافعي (١) وأحمد في إحدى الروايتين عنه (٢). الدليل: حديث جابر ﵁ قال: قيل لرسول الله ﷺ : أنتوضأ بما أَفْضَلَتِ الحُمُر؟ قال: " نعم، وبما أفضلت السباعُ كلُّها " رواه الدارقطني، وقوَّى سنده البيهقي (٣). ٢٢ - كل الحيوانات التي يجوز أكلُها فلعابُها طاهر، وهذا بالاتفاق (٤). الدليل: حديث عمرو بن خارجة ﵁ قال: خطبَنا رسولُ الله ﷺ بمنىً وهو على راحلته ولعابها يسيل على كتفي. رواه أحمد وابن ماجه (٥).

стр. 18

٢٣ - ما يخرج من ذكر الرجل حكمه على التفصيل التالي: أ- البول: وهو نجس بالإجماع، ومن بال وجب عليه غسل ذكره قبل أن يتوضأ (١). ب- الوَدِي: وهو عصارة تخرج بعد البول على شكل نقطٍ بيضاء، وحكمه حكم البول. (٢) ج- المَنِيُّ: وهو سائلٌ غليظ له رائحة ويخرج دفقاً عند اشتداد الشهوة. وهو طاهر ليس بنجس، ويوجب الغُسْل لمن أراد التطهر لأجل الصلاة ونحوها، ولا يلزم غَسلُ الثوبِ الذي أصابه؛ بل يكفي حَكُّه. الدليل: حديث عائشة ﵂ قالت: لقد كنت أحكُّ المنيَّ يابساً بظفري من ثوب رسول الله ﷺ ". رواه مسلم، وفي لفظ له: " لقد كنت أفركه من ثوب رسول الله ﷺ فركاً فيصلي فيه ". د- المَذِيّ: وهو ماء رقيقٌ ليس له رائحة كرائحة المني، ويخرج بدون دَفْقٍ عند فتور الشهوة بعد اشتدادها. وهو موجبٌ لغَسل الذكر والخصيتين قبل الوضوء. وما وقع عليه يكفي فيه النضح (٣). الدليل: حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: كنتُ رجلا مَذّاءً وكنت أستحي أن أسأل النبي ﷺ لمكان ابنته فأمرت المقداد بن الأسود فسأله، فقال: " يغسل ذكره ويتوضّأ " رواه البخاري ومسلم.

стр. 19

٢٤ - ما يخرج من فرج المرأة فحكمه على التفصيل التالي: أ- البول: وهو نجس كبول الرجل ويجب منه غسل الفرج (١). ب- دم الحيض: وهو دم نجس، يمنع الصلاة والصوم، ويجب الاغتسال منه بعد انقطاعه لمن تستطيع استخدام الماء، فإن لم تقدر على استخدامه وجب التيمم. ج- ماء الاحتلام: وهو كالمنيّ بالنسبة للرجل يوجب الغسل. الدليل: حديث أم سليم ﵂ قالت: يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق: هل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ قال: " نعم إذا هي رأت الماء " رواه البخاري ومسلم. د- السوائل الخارجة من الفرج والمسماة بالرطوبة، وهذه طاهرة ليست بنجسة شأنها شأن العَرَق الخارج من الجسم، وهذا هو المشتهر من قول الأحناف (٢)، والصحيح من مذهب الحنابلة (٣)، ورجّحه النووي (٤). والأولى والأحوط أن تتوضأ المرأة منها إذا أرادت فعل ما يوجب الطهارة كالصلاة ومسِّ المصحف، وتغسل ما وقعت تلك الرطوبة عليه. هـ- دم الاستحاضة: وهو دم نجس يوجب الوضوء وإذا استمر فلا يمنع الصلاةَ ولا الصيام ؛ لكنْ لا يلزم الاغتسال منه بعد انقطاعه كما في الحيض (وسيأتي تفصيله في باب الحيض).

стр. 20

٢٥ - إذا وقع بول الطفل على ثوبٍ أو سجادة فحكمه ما يلي: أ- إن كان الطفل ذكراً لم يطعم إلا اللبن الذي يرضعه أو العسل أو الدواء أو نحو ذلك من السوائل فإنه يكفي في تنظيف الثوب أن يُرش بالماء. ب- إن كان الطفل الذكر بدأ يَطعم بنفسه غير اللبن والسوائل فلابد من غسل ما وقع عليه البول، ولا يُكتفى بالرش (النَّضح). ج- إن كان الطفل أنثى فلابد من غسل ما وقع عليه بولها؛ سواء طعمت غير اللبن أم لم تطعم سواه. الدليل: حديث أبي السمح ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يُغسَل من بول الجارية، ويُرَشُّ من بول الغلام" رواه أبو داود والنسائي (١). ٢٦ - بول الحيوان على نوعين: أ - بول ما يؤكل لحمه؛ فهذا ليس بنجس، بل وروثه طاهر أيضاً. وهو قول الحنابلة (٢)، ورجّحه شيخ الإسلام ابن تيمية (٣) خلافاً للجمهور (٤).

стр. 21

الدليل: حديث أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يصلي في مرابض الغنم قبل أن يَبني المسجد. رواه مسلم. وهذه المرابض لا تخلو من روث وبول. وكذلك جاء في حديث أنس ﵁: " أن النبي ﷺ أمر العُرنيين أن يلحقوا بإبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها". رواه البخاري. والنجس لا يباح شربه، ولو أبيح للضرورة لأمرهم بغسل أثر أبوال الإبل على أفواههم أو أوانيهم. ب- بول ما لا يؤكل لحمه: وهذا نجس. ٢٧ - الدم من حيث النجاسة والطهورية أنواع (١): الأول: دم نجس لا يعفى عن شيء منه. وهو: أ _ ما خرج من أحد السبيلين. ب _ ما خرج من حيوانٍ نجس. ج _ ما كان دما مسفوحاً. الثاني: دم طاهر، وهو أنواع: أ _ دم الأسماك والحيتان وكلِّ حيواناتِ البحر، لأن مَيْتَتها طاهرة. قال ﷺ في البحر: " هو الطَّهور ماؤه، الحِلُّ مَيتته " رواه أهل السنن عن أبي هريرة ﵁ (٢). ب - الدم اليسير الذي لا يسيل، كدم البعوضة والذباب. فلو تلوث الثوب بشيء من ذلك الدم فهو طاهر لا يجب غسلُه.

стр. 22

الدليل: حديث أبي هريرة ﵁ قال ﷺ : " إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه؛ فإن في أحد جناحيه داءً، وفي الآخر شفاء " رواه البخاري. ج _ الدم الذي يبقى في الذبيحة المذكاة بعد تذكيتها كالذي يكون في العروق والقلب والكبد؛ فهذا طاهر: قلَّ أو كثر. د - دم الآدمي طاهرٌ ما لم يكن خارجا من أحد السبيلين. والدليل على ذلك: أن الأصل الطهارة حتى يقوم دليل على النجاسة. ولم يثبت دليل صريح على نجاسة دم الآدمي غير دم الحيض. مع أنه كثيراً ما يخرج من الإنسان دم من رعاف أو حجامة أو جروح، ولو كانت تلك الدماء نجسة لبينها ﷺ . وقد كان الصحابة يصلون في جراحاتهم ودماؤهم تسيل على ثيابهم، ولم يؤمروا بغسلها أو التحرز منها (١).

стр. 23

باب الوضوء ٢٨ - السواك من سنن الوضوء: سواء قبل الشروع فيه، أو عند المضمضة (١). الدليل: حديث أبي هريرة قال: قال ﷺ : " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء " أخرجه مالك وأحمد (٢). ٢٩ - صفة الوضوء تؤخذ من حديث حمران أن عثمان ﵁ دعا بوضوء فغسل كفيه ثلاث مرات، ثم تمضمض واستنشق واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاث مرات، ثم غسل يده إلى المرفق ثلاث مرات، ثم اليسرى مثل ذلك، ثم مسح برأسه ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرات، ثم اليسرى مثل ذلك، ثم قال: "رأيت رسول الله ﷺ توضأ نحو وضوئي هذا " متفق عليه.

стр. 24

٣٠ - غسل الكفين سنة وليس بواجب إلا إذا كان قد قام من نوم ليلٍ فإنه لا يجوز له أن يدخل يديه في الإناء إلا بعد أن يغسلهما خارجَه، وهو المشتهر من مذهب الحنابلة (١). الدليل: حديث أبي هريرة ﵁ قال ﷺ : " إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً، فإنه لا يدري أين باتت يده" متفق عليه. وهنا مسألتان: الأولى: أن النوم الذي يجب منه غسل الكفين هو نوم الليل لمن أراد الوضوء، وتُغسلُ اليدان خارج الإناء إن كان الماء موضوعاً في إناء. والذي يدل على تخصيص الحكم بنوم الليل دون غيره قوله ﷺ في الحديث: " أين باتت يده " والبيتوتة لا تكون إلا في الليل (٢). الثانية: الغَسْل في الحالة السابقة واجبٌ مرة واحدة فقط، أما الثلاث فسنّة لتحقق الطهارة بواحدة. ٣١ - المضمضة والاستنشاق واجبان في الوضوء والغُسل، وهو قول الحنابلة (٣). الدليل: حديث أبي هريرة ﵁ قال ﷺ : " إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماءً ثم لينتثر" رواه الشيخان، وحديث لقيط بن صبرة ﵁ قال ﷺ :: " إذا توضأت فمضمض " رواه أبو داود (٤).

стр. 25

٣٢ - المرفق داخل في غسل اليد أثناء الوضوء، وهو قول جمهور أهل العلم (١). الدليل: حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: "كان النبي ﷺ إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه " رواه الدارقطني والبيهقي (٢). ٣٣ - مسحُ الرأسِ مرةٌ واحدة فقط، ويكون لجميع الرأس لا بعضه، وهو مذهب الإمام مالك (٣) والإمام أحمد (٤) وقول شيخ الإسلام ابن تيمية (٥) وابن القيم (٦). الدليل: حديث عبد الله بن زيد بن عاصم ﵁ أن النبي ﷺ مسح رأسه فأقبل بهما (أي بيديه) وأدبر مرة واحدة "رواه البخاري. ومن مسح بعضَ رأسِه لا ينطبق عليه أنه مسح رأسَه؛ بل بعضه. ٣٤ - الأذنان تُمسحان مع الرأس، وهو من مفردات المذهب الحنبلي (٧)، واختاره ابن القيم (٨).

стр. 26

الدليل: حديث أبي أمامة ﵁ قال: قال ﷺ : " الأذنان من الرأس " رواه أبو داود والترمذي (١). وطريقة مسح الرأس كما يلي: يَبلُّ يديه بالماء، ثم يمسح بهما على رأسه ابتداءً من ناصية رأسه إلى آخره من الخلف، ثم يعود بهما مرة أخرى إلى الناصية مع استيفاء جميع الرأس. ويُعفى عن الشعرات اليسيرة. وأما الأذنان فيكون الإبهامان خلف الأذنين يحركهما على ظهر الأذنين ويدخل إصبعيه السبابتين داخل الصِّماخين. وأما الغضاريف فلا يلزم مسحها. ولا يأخذ ماءً جديداً للأذنين (٢) إلا إذا احتاج إلى ذلك كأن يكون الشعر كثيفاً. وهذا الوصف لمسح الرأس عام للرجل والمرأة ولا فرق بينهما. ٣٥ - الترتيب في فروض الوضوء واجب، وهو مذهب الشافعية (٣) والحنابلة (٤). الدليل: آية الوضوء؛ حيث ذكر الله جل وعلا ممسوحاً (وهو الرأس) بين مغسولين. فدل على وجوب الترتيب، ولو لم يكن الترتيب واجباً لأَخَّره حتى ينتهي من ذكر المغسولات. كما أن النبي ﷺ لم ينقل عنه أنه أخلَّ بهذا الترتيب طيلة حياته.

стр. 27

٣٦ - الموالاة في الوضوء هي: أن لا يؤخِّر المتوضِّئ غَسلَ عضوٍ إلى أن يَجفَّ الذي قبله. وهي واجبة إلا إذا وُجد عذرٌ، كما لو انقطع الماء والحاجةُ إليه قائمة، أو اشتغل بتنظيف بعض أعضاء الوضوء. وهو مذهب الإمام مالك (١)، وقولٌ للإمام أحمد (٢) رجّحه شيخ الإسلام ابن تيمية (٣). الدليل على وجوب الموالاة: حديث خالد بن معدان عن بعض أصحاب النبي ﷺ أنه ﵊ أبصر رجلاً توضأ وعلى قدمه مثلُ الظفر (يعني لم يصبها الماء) فقال له: "ارجع فأحسن وضوءك " فرجع فتوضأ ثم صلى. رواه مسلم. ٣٧ - لا يجوز أن يزيد المسلم في غسل أعضائه في الوضوء عن ثلاث غسلات (٤). الدليل: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن أعرابياً سأل الرسول ﷺ أن يُعلِّمه صفة الوضوء فتوضأ ﷺ وضوءه المعتاد وغسل كل عضو ثلاثاً إلا الرأس ثم قال: " هذا الوضوء، فمن زاد فقد أساء وتعدى وظلم " رواه أبو داود (٥).

стр. 28

٣٨ - الاستنثار واجب في الوضوء، وهو قولٌ للإمام أحمد (١) رجَّحه ابن حجر (٢). الدليل: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال ﷺ : " إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينتثر " رواه البخاري ومسلم. والأمر ظاهره الوجوب، ولا يوجد صارفٌ له عن ذلك. ٣٩ - المراد بإسباغ الوضوء: تبليغ الماء إلى المحل المفروض وليس تعدِّيه (٣). الدليل على الإسباغ حديث لقيط بن صبرة ﵁ وفيه: " أسبغ الوضوء " رواه أهل السنن وصححه ابن خزيمة (٤). ٤٠ - المبالغة في الاستنشاق سنة لغير الصائم. الدليل: حديث لقيطٍ السالف، وفيه: " وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً ". ٤١ - تخليل الأصابع سنّة. ويكون بالنسبة لأصابع اليدين بإدخال بعضها في بعض، وأما أصابع الرجلين فيكون بإدخال خِنصرِ يده اليسرى في أصابع الرجلين (٥).

стр. 29

الدليل: على مشروعية تخليل الأصابع: حديث لقيط السابق وفيه " وخلل بين الأصابع ". وكذلك حيث ابن عباس ﵁ قال ﷺ : " خلّل أصابعَ يديك ورجليك" رواه أحمد (١). وأما الدليل على الصفة المذكورة للتخليل فحديث المستورد بن شداد ﵁ قال: رأيت النبي ﷺ إذا توضأ يدلك أصابع رجليه بخنصره " رواه أبو داود (٢). ٤٢ - يجب غسل ما تحت اللحية بالماء، فإن لم يُمكن غسله إلا بالتخليل وجب التخليل، وماعدا ذلك فسنة لا واجب. فصاحب اللحية الخفيفة - وهو من تبدو بشرة وجهه من خلالها - يجب عليه غسلُ ما تحتها، أما صاحب اللحية الكثّة - وهي التي تستر البشرة - فيأخذ كفَّاً من ماء، ثم يُخلِّل به الشعر حتى يرى أنه روّى البشرة. الدليل: حديث عثمان بن عفان ﵁، وفيه: "أن النبي ﷺ كان يخلل لحيته في الوضوء"رواه ابن ماجه (٣). ويقال في العنفقة (٤) ما يقال في اللحية وكذا باقي شعر الوجه. ٤٣ - أقلُّ ما ثبت عن النبي ﷺ أنه توضأ بثُلُثَي مُدّ. والمدُّ: ربع الصاع، وهو ملءُ كفَّي الإنسان المعتدل إذا ملأهما ومدّ يده بهما. (٥) الدليل: حديث أم عمارة ﵂: أن النبي ﷺ توضّأ فأتي بإناء فيه

стр. 30

ماء قدر ثُلُثَي المد. رواه النسائي (١). وعند أحمد من حديث عبد الله بن زيد ﵁ " فجعل يدلك ذراعيه " (٢). ويؤخذ منه سُنِّية دلك الأعضاء. ٤٤ - البدء باليمين في غَسل الأعضاء هو السنة ؛ لكن لو قَدَّم المسلمُ غسل يده اليسرى على اليمنى أو رجله اليسرى على اليمنى صحَّ وضوؤه. وقد حكاه ابن المنذر إجماعا (٣)، وقال ابن قدامة: " لا نعلم فيه خلافا " (٤). ٤٥ - التسمية عند الوضوء سنة وليست بواجبة، وهو قول الجمهور (٥)، واختاره الشيخ محمد بن إبراهيم (٦). الدليل: عدم ذكر البسملة في آية الوضوء، وكذلك حديث عمرو بن شعيب حين علّم النبيُّ ﷺ الأعرابيَّ الوضوء (وقد سبق الحديث)، ولم يذكر الراوي أنه سّمى ﷺ أو أمر الأعرابي بالتسمية. ٤٦ - السنة في المضمضة والاستنشاق أن يكونا من كفٍّ واحدة،

стр. 31

بحيث يؤخذ بعض ما في اليد للمضمضة ويكون الباقي للاستنشاق (١). الدليل: حديث عبد الله بن زيد ﵁ قال في صفة وضوء النبي ﷺ : " ثم أدخل يده فمَضْمَضَ واستنشق من كف واحدة يفعل ذلك ثلاثاً " متفق عليه. ٤٧ - من السنة أن يقول بعد الفراغ من الوضوء " أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله " رواه مسلم من حديث عقبة بن عامر ﵁. وله أن يزيد " اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين " رواه الترمذي (٢). ٤٨ - الأدعية الواردة عند غسل كل عضو لا أصل لها، ولم يصح فيها حديث كما قال ابن الصلاح (٣) وابن القيم (٤). وعلى هذا فقولها من البدع المُحدَثة.

стр. 32

باب المسح على الخفين ٤٩ - الخُفُّ: اسمٌ لنَعلٍ مصنوعٍ من جلود، ويجعل فوق ظهرها جلدٌ آخر تُربط به ويخرز فيه (١). والمسح عليه ثابت من فعل رسول الله ﷺ وهو مما نقل بالتواتر، ولم ينقل عن أحد من السلف إنكاره (٢) إلا عن المبتدعة من الخوارج والروافض، قال الإمام أحمد: " ليس في نفسي من المسح شيء، فيه أربعون حديثاً عن النبي ﷺ " (٣). وأما الجورب: وهو الشُّرَّاب، فالصواب جواز المسح عليه كما هو مذهب الإمام أحمد (٤)، واختاره ابن حزم (٥). وقد روي عن تسعةٍ من الصحابة أنهم مسحوا على الجوارب (٦). الدليل: حديث المغيرة بن شعبة ﵁ "أن النبي ﷺ مسح على الجوربين والنعلين"رواه أحمد وأبو داود (٧).

стр. 33

٥٠ - يُشترط في صحة المسح على الخفين أن يكون قد لبسهما على طهارة مائية كاملة. ويخرج بذلك ما كان ملبوسا بطهارة التيمم. فلو تيمم لعدم استطاعته الوضوء بالماء ولبسَ الخفَّ ثم وَجَد الماء وجب نزعُ الخفِّ إذا أراد الوضوء، ولا يجوز له المسح عليه، وهذا مذهب الإمام أحمد (١). الدليل حديث أبي ذر ﵁ قال النبي ﷺ : " الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليُمِسَّه بشرتَه فإن ذلك خير " رواه أحمد والترمذي (٢). والسنّة أن لا يلبس الخفين إلا بعد أن ينتهي تماماً من الوضوء؛ لكن لو غَسَل رجلاً ثم لبس خُفَّها قبل غسل الأخرى فالذي عليه الجمهور عدمُ صحة المسح (٣)، وعند الأحناف يصح (٤) وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٥). الدليل على اشتراط كمال الطهارة: حديث المغيرة ﵁ قال: كنتُ مع النبي ﷺ فتوضأ فأهويت لأنزع خفَّيه فقال: "دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين " رواه البخاري ومسلم. ٥١ - مدة المسح يومٌ بليلته للمقيم، وثلاثة أيام بلياليهن للمسافر، وهو قول جمهور العلماء (٦). الدليل: حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: جعل رسول الله ﷺ للمسافر

стр. 34

ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوما وليلة " رواه أحمد. (١) وفي حال الضرورة يجوز تجاوز هذه المدة فيمسح بقدر وجود هذه الضرورة فمتى زالت وجب نزع الخف والالتزام بالمدة المحددة شرعاً، وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية (٢). الدليل: حديث عقبة بن عامر ﵁ أنه قدم على عمر ﵁ من الشام وقد لبس خفيه من الجمعة إلى الجمعة فقال عمر: " أصبت السنة" رواه البيهقي وابن ماجه (٣). ٥٢ - لا يقال بأفضلية الغَسْل للقدمين مطلقاً ولا بالمسح على الخفين مطلقاً ؛ بل مَنْ كان لابساً للخف فالمسح في حقِّه أولى، ومن كان كاشفاً قدميه فالغسل في حقه أولى، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٤) وابن القيم (٥). ٥٣ - مدة المسح تبدأ من أول مسح يَعقُب أوّلَ حدث، وهي رواية في مذهب الإمام أحمد (٦)، واختار هذا القول النوويُّ (٧) والسعدي (٨). فلو

стр. 35

لبس الخف بعد وضوئه للظهر ثم جلس طاهراً وصلى به العصر والمغرب ثم أحدث فمسح؛ فَمِنْ مسحه هذا تبدأ المدة. ٥٤ - يجوز المسح على الخف المُخرَّق من غير تحديد لحجم الخرق، فما دام أنه يُمشى به ويُطلق عليه اسم الخف فيجوز المسح عليه، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (١). الدليل: فعل الصحابة ﵃ حيث كان كثير منهم فقراء، وإمكانية وجود خروق في خفافهم وجواربهم واردة، وكذلك فقد كانوا يمشون بها في غزواتهم وأسفارهم. ولا شك أنها ستتعرض للشقوق من الحجارة والشوك ونحوها، ومع هذا لم يرد نصٌّ عن النبي ﷺ ينهى عن المسح على الخف المخرَّق (٢). وأما الشَّفَّاف من الجوارب أو الخفاف فالصواب جواز المسح عليه أيضاً؛ لعدم ورود ما يُحَدَّد به نوع الخف والجورب وسمكهما ومادة صنعهما، فما دام يطلق عليه جورب أو خف فلا يمنع من المسح عليه إلا بدليل ولا دليل ينص على المنع، قال بذلك ابن عثيمين (٣). ٥٥ - من لبس خُفَّاً ومسح عليه قبل الحدث، ثم لبس آخر فوقه ولم يكن قد أحدث بعد لبسه للخف الأول جاز المسح على الأخير، لكن لو

стр. 36

لبسهما في وقت واحد فالمسح على الأعلى منهما، ولا يلزمه أن ينزعه ويمسح على الأسفل. ٥٦ - طريقة المسح على الخُفين ١ - يكون بالمسح على ظاهر الخفين لا على باطنهما الذي يلي الأرض. الدليل: قال علي ﵁: "لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهر خفيه " رواه أبو داود (١). ٢ - يبلُّ يديه الاثنتين بالماء، ثم يمسح باليمنى على اليمنى واليسرى على اليسرى في نفس الوقت ابتداء من أطراف أصابع القدمين حتى يَشرعَ في الساقين. الدليل: قول المغيرة بن شعبة ﵁ (وقد سبق) " فمسح عليهما " ولم يقل بدأ باليمنى، ولكنْ لو مسح كلاً منهما على حِدَة بيديه الاثنتين، أو مسح اليمنى بيدٍ ثم اليسرى بيدٍ أجزأ كلُّ ذلك (٢). ٥٧ - المسح على العمامة: أ- يجوز المسح عليها، وهو مذهب الحنابلة (٣) خلافاً للجمهور (٤). الدليل: حديث المغيرة بن شعبة ﵁ قال: " مسح النبي ﷺ بناصيته وعلى العمامة " رواه مسلم. ب- لا يُشترط في هذه العمامة أن تكون مُحَنَّكة (وهي التي يدار بعضها تحت

стр. 37

الحنك)، ولا ذات ذؤابة (وهي جعْلُ طرَفِ العمامة مُرخىً). وهو اختيار شيخ الإسلام [ابن تيمية] (١) (٢). ج- نزعُ العمامة لايُبطل المسح عليها. وهو قول ابن حزم (٣)، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٤). وعلى هذا فلا يلزم لبسها على طهارة مائية كالخفّ (٥)، والقياس على الخف يحتاج إلى دليل. د- طريقة المسح على العمامة: أن يمسح مقدَّم رأسه (الناصية) ثم يكمل المسح على العمامة، فإن فعل فحسن، ولو مسح على العمامة بدون أن يمسح الناصية صحَّ المسح. ولا يلزم مسح الأذنين لعدم النقل في ذلك (٦). ٥٨ - يجوز للمرأة أن تمسح على خمارها إذا شقَّ نزعُه لبرْدٍ ونحوِه. وهو قول الحنابلة (٧).

стр. 38

٥٩ - المسح على جبيرةٍ أو لفافةٍ مشدودةٍ على كسرٍ أو جرحٍ جائزٌ. الدليل: حديث ابن عباس ﵁ أن رجلاً أصابته شَجَّة في رأسه فاغتسل فمات، فقال النبي ﷺ : " إنما كان يكفيه أن يَعصِب على رأسه خرقة ويمسح عليها ويغسل سائر جسده " رواه أبو داود (١). ٦٠ - يختلف المسح على الجبيرة عن المسح على الخف بأمور منها (٢): أ - لا يُشترط لجواز المسح عليها تَقَدُّمُ الطهارة لها، بخلاف الخفّ. ب - عدم التوقيت بمدة للمسح، بل متى وجدت الحاجة لبقائها تعين المسح عليها. ج - لا ينتقض المسح عليها بالحدث الأكبر بعكس الخفّ. د - وجوب المسح على جميع ما كان مغطيا منها للعضو الواجب غسله، أما الخف فالمسح على ظاهره دون باطنه. ٦١ - إذا وجد جرحٌ أو حرق في أحد أعضاء الوضوء المستحقة للغسل فتكون طهارة ذلك العضو على النحو التالي: أ- إذا كان الجرح على عضو من أعضاء الوضوء وكان مكشوفا ولا يضره الغَسْل وجب غسلُه. ب- إذا كان مكشوفاً ويضره الغَسل دون المسح فيجب المسح.

стр. 39

ج- إذا كان مكشوفاً ويضره الغسل والمسح؛ فعليه أن يتيمم لهذا الجرح بنفس طريقة التيمم المعروفة، ويكون ذلك إما قبل الوضوء أو بعده. د- أن يكون مستوراً بلفافة وشبهها ويكون محتاجا إليها، فهنا: يمسح على الساتر ويغنيه عن غسل العضو ولا يتيمم (١). والمسح على محل الجرح يكون مرة واحدة فقط حتى لو كان ذلك العضو يشرع فيه تثليث الغَسل كالوجه أو اليدين (٢). ٦٢ - من مسح في سفر ثم رجع إلى بلده فله حكم المقيم. وعلى ذلك: فإن كان قضى أكثر من يوم وليلة في سفره ثم رجع إلى بلده وجب عليه نزع الخف وغَسْلُ القدمين عند الوضوء، وهذا مذهب الحنابلة (٣). وإن كان مقيماً ثم سافر قبل إتمام مدة الإقامة (يوم بليلته) فله حكم المسافر فيكمل ثلاثة أيام بلياليهنَّ، وهو مذهب الحنفية (٤)، والرواية التي رجَعَ إليها الإمام أحمد (٥)؛ وذلك لأن النبي ﷺ وقَّت للمسافر ثلاثة أيام بلياليهن، ولم يفرق بين سفر وسفر.

стр. 40

باب نواقض الوضوء ٦٣ - من نام نوماً مستغرقاً زال معه شعوره ولم يبق إدراكُه معه، حتى إنه لا يشعر بما حوله فحينئذٍ ينتقض وضوؤه؛ لأنه ربما أحدَثَ وهو لا يشعر. وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (١) وابن باز (٢). والنوم ليس بذاته حدثاً؛ إنما هو مَظنَّة الحدث، وهو قول جماهير العلماء (٣). الدليل: حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال ﷺ : " العين وِكاءُ السَّهِ (أي: رباط الدُّبر)، فمن نام فليتوضأ " رواه ابن ماجه (٤). أما مَنْ كان نومه دون ذلك بحيث قد يَسمع كلامَ مَنْ حولَه ولو خرج منه شيء شعر به فوضوؤه لا ينتقض؛ سواء أكان قائماً أو قاعداً أو متكئاً أو مضطجعاً (٥). الدليل حديث أنس ﵁ قال: "كان أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضؤون "رواه مسلم، وفي رواية عند البزَّار " ويضعون جنوبهم " (٦).
следующие страницы →