Полный текст (2 959 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
مقدمة
الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد:
فقد أدى علماء الأمة واجبهم تجاه خدمة كتاب الله تعالى وسُنَّة نبيه ﷺ ، فتعلموا وعلَّموا، وجدُّوا واجتهدوا في تصنيف الكتب المتعلقة بالكتاب العزيز والسُّنَّة المطهرة، حتى خلّفوا لنا تراثًا زاخرًا بالعلوم الشرعية المختلفة.
وكان من نعم الله ومنته على هذه الأمة قيام أهل العلم وطلابه بإحياء التراث الإسلامي، صاحب ذلك حرص القائمين على كليات الدراسات العليا في الجامعات الإسلامية والعربية إلى اتخاذ خطوة رائعة بتوجيه طلابها إلى تحقيق مخطوطات من التراث الإسلامي العريق.
لذا رغبت أن أدلي بدلوي وأساهم في نشر شيء من هذا التراث، فبدأت البحث عن مخطوط في الحديث وعلومه، لم يطبع من قبل، وله قيمة علمية كبيرة يحتاجها الباحثون في علوم الحديث على وجه الخصوص، وفيه نفع للأمة كلها على وجه العموم.
وقد وفقني الله للوقوف على مخطوط بعنوان: «منار الإسلام بترتيب كتاب الوهم والإيهام»، لحافظ من حفاظ الحديث، وعلم من أعلامه، وهو الحافظ علاء الدين، أبو عبد الله، مغلطاي بن قليج (١) البَكْجري الحنفي، المتوفى سنة (٧٦٢ هـ)، الذي عُرف برسوخه وعلو كعبه في علوم الحديث وأصوله، وكتابه هذا تميز فيه بتتبع الروايات وتخريجها، والبحث في عللها وأحوال رواتها والوقوف على الانتقادات
_________
(١) سيأتي الخلاف في ضبط اسمه أثناء ترجمته قريبًا في الفصل الأول من قسم الدراسة.
стр. 2
الواردة عليها والجواب عنها، ثم بيان صحيح الأحاديث من ضعيفها.
ومخطوط كتاب «منار الإسلام» هذا يقع في (٣١١) ورقة، لم يُطبع من قبل، وبقي حبيس المكتبات أكثر من ست مائة وثمانين سنة، وهو يتعلق بكتاب «بيان الوهم والإيهام الواقعَيْنِ في كتاب الأحكام» لابن القطان الفاسي المتوفى سنة (٦٢٨ هـ)، وقد بين الحافظ مغلطاي في كتابه المنار القيمة العلمية لكتاب ابن القطان وما حواه من فوائد نفيسة في بابه، ثم أشار إلى طريقة مؤلفه في تقسيم الكتاب وترتيبه، وبيَّنَ صعوبة الوقوف على هذه الفوائد وعُسْرَه، لأن مؤلفه رتبه على العلل لا على المسانيد، فقال مغلطاي في ذلك: «ولا يقتبس فوائده من كان ذا مُنَّةٍ إلا بعد كشفه جُلَّ الكتاب، وذلك يتعذر على أكثر الطلاب، فلذلك أضحى مجانبًا وإن عظمت فيه الرغبات، مُقْصِيًّا وإن كثرت إليه الحاجات» (١).
عند ذلك عَمَدَ الحافظ مغلطاي إلى ترتيب كتاب الوهم والإيهام ليسهل الوقوف على فوائده، واستخراج كنوزه ودرره، فقال الحافظ مغلطاي في ذلك مُبَيِّنًا سبب تأليفه لهذا الكتاب ومنهجه فيه: «فاستخرت الله جلَّ وعزَّ ورتبته على رتبة كُتب الأحكام، ولم أُدخل فيه ما ليس منه، ولم أخرج منه إلا ما دعت الضرورة إلى إخراجه لتكرره، كذكره حديثًا في مواضع عديدة لأمر أدى إلى ذلك» (٢).
هذا كله دفعني إلى اختيار هذا المخطوط لأقوم بتحقيقه، ويكون موضوع رسالتي في مرحلة الدكتوراه في الحديث وعلومه.
أسباب اختيار الموضوع:
يمكن إبراز أسباب اختيار الموضوع في الأمور الآتية:
١ - المساهمة في نشر شيء من تراثنا الإسلامي الثمين.
٢ - إمداد المكتبة الإسلامية برافد مهم من روافد المكتبة الحديثية، لما يسهم فيه من الكشف عن مرويات نُقلت من أصول مفقودة لم تذكر إلا فيه، مما يعين الباحثين على الوقوف عليها، ودراسة أسانيدها ومتونها.
_________
(١) منار الإسلام بترتيب كتاب الوهم والإيهام، مخطوط، ورقة رقم:، ويُنظر كلام الحافظ مغلطاي هذا فيما يأتي (ص ١٢٩).
(٢) منار الإسلام، ورقة رقم: (١/ أ - ب)، ويُنظر كلامه هذا فيما يأتي (ص ١٣٠).
стр. 3
٣ ـ المكانة العلمية لمؤلف الكتاب وهو الحافظ مغلطاي بن قليج، الذي عُرف بطول باعه في الحديث ومروياته، والكشف عن عللها، وأحوال رواتها.
٤ ـ القيمة العلمية للكتاب وما له من فائدة عظيمة في ترتيب كتاب الوهم والإيهام للحافظ ابن القطان، وتيسير الوقوف على فوائده المنثورة فيه دون ترتيب أو تنظيم لها.
٥ ـ الفائدة العظيمة التي حواها الكتاب من خلال ذكر الأحاديث ورواياتها، وذكر العلل الواردة عليها، ثم البحث فيها لبيان ما هو قادح منها من غيره، كما بحث في أحوال كثير من رواتها، ونقل أقوال الحفاظ فيهم، مع بيان الراجح من أحوالهم.
أهمية الموضوع:
تكمن أهمية تحقيق كتاب منار الإسلام بترتيب كتاب الوهم والإيهام في الأمور الآتية:
١ - تعلّقه بكتاب مهم من كتب الأحكام، لعالم كبير وهو عبد الحق الإشبيلي، والذي يعد كتابه من أهم كتب الأحكام، لا سيما وأن مؤلفه حكم على الأحاديث صحة وضعفًا، وبيّن شيئًا من عللها وأحوال رجال أسانيدها.
٢ - خدمته كتابًا جليلا من كتب العلل وانتقاد الروايات، وهو كتاب الوهم والإيهام، للإمام ابن القطان الفاسي.
٣ - مؤلفه عالم جليل، وهو الحافظ مغلطاي بن قليج الذي برز في علم التاريخ والحديث والعلوم الأخرى، وقد عُرف بآرائه وأقواله المتخصصة في علم الحديث وعلله، وكثير منها ذكره في كتابه هذا.
٤ - تضمنه جميع الروايات والألفاظ التي ذكرها ابن القطان في كتابه الوهم والإيهام، مع عزوها لمصادرها، وهذه الروايات والألفاظ قد لا تجدها في غيره، لأنها نقلت عن كتب فُقدت بعد ذلك، فالكتاب بمثابة المرجع لهذه الروايات والألفاظ.
٥ ـ ذكره جميع العلل التي انتقد ابن القطان الفاسي بها الروايات والألفاظ، وذكر أوجه الترجيح بين الروايات المختلفة، ووضّح أسباب تصحيح الروايات
стр. 4
وتضعيفها، وجمع كلام ابن القطان وغيره من الحفاظ في الرواة جرحًا وتعديلا في موطن واحد، لبيان الراجح من أقوالهم.
٦ - جعل الحافظ مغلطاي كتابه منار الإسلام ترتيبا لكتاب الوهم والإيهام، وسار في ترتيبه على طريقة كتب الأحكام، ذلك أن مؤلف كتاب الوهم والإيهام رتبه على العلل لا على المسانيد، «وذلك يوجب أن يذكر حديثًا في الطهارة بجوار آخر في العتق، وحديثًا في الفرائض بجوار آخر في الصوم؛ لاشتراكهما في علة بوب عليها أبو الحسن بابًا، فيحتاج الناظر أولا أن يعرف تلك العلة ليكشف الحديث المطلوب من بابها، ومن عرف علة حديث فلا حاجة به إلى كشفه … » (١)، وهذا لا يتحقق غالبًا إلا للعلماء المتخصصين، كما أن الباحث لا يستطيع أن يقف على فوائده إلا بعد قراءته جلّ الكتاب، فكان ترتيب الحافظ مغلطاي لكتاب الوهم والإيهام، وجمع متفرقه، واختصار مكرره، مما يسهل على الباحث الوقوف على علل الحديث، والاستفادة منه.
٧ - كتاب منار الإسلام يساعد على توضيح بعض الإشكالات أو التصحيفات أو مواطن البياض والطمس التي وقعت في أصله كتاب بيان الوهم والإيهام، كما يمكن اعتبار كتاب منار الإسلام بمثابة مختصر لكتاب الوهم والإيهام.
٨ - ومما يبرز أهميته ما ذكره الحافظ مغلطاي في بيان سبب تأليفه الكتاب ومنهجه فيه، فقال: «فاستخرت الله جلَّ وعزَّ ورتبته على رتبة كتب الأحكام، ولم أُدخل فيه ما ليس منه، ولم أخرج منه إلا ما دعت الضرورة إلى إخراجه لتكرره، كذكره حديثًا في مواضع عديدة لأمر أدّى إلى ذلك، كحديث أنس من عند الترمذي، قال رسول الله ﷺ : «الدعاء بين الأذان والإقامة لا يُردّ» (٢)، ذكره في باب أحاديث حسنها الإمام أبو محمد عبد الحق وهي ضعيفة، لأنه من رواية العمي. ثم أعاد ذكره في باب أحاديث أسانيدها جيدة من غير طريق العمي. ثم أعاد ذكره مرة ثالثة في باب الزيادات في الأحاديث، وذلك أنهم قالوا: فماذا نقول يا رسول الله؟ قال: «سلوا الله العافية» (٣)، إلى غير ذلك مما يكثر تعداده؛ فإني أذكره في موضع واحد، لم أحذف
_________
(١) منار الإسلام، ورقة رقم: (أ/ ١)، ويُنظر كلامه هذا فيما يأتي (ص ١٣٠ - ١٢٩).
(٢) سيأتي الحديث بتمامه مع تخريجه والكلام عليه، برقم: (٥٤٧).
(٣) كذا جمع الحافظ مغلطاي روايات الحديث كلها في موطن واحد من كتابه، منار الإسلام، =
стр. 5
منه إلا تعريفه به في كل باب» (١)، وكذا صنع الحافظ مُغلطاي في الرواة الذين ذكرهم الحافظ ابن القطان لتناقض نظر أبي محمد فيهم، وتفرقت أقواله فيهم في عدة مواضع من كتابه، كابن أسحاق مثلا، فإن الحافظ مُغلطاي يجمع الأقوال والفوائد المتعلقة ببيان حاله في موضع واحد، كل ذلك من غير أن يخل بشيء من الكتاب.
الدراسات السابقة:
وقفت على بعض الدراسات المتعلقة بالحافظ مُغلطاي، وجهوده في علم الحديث، وأخرى بالحافظ ابن القطان، وجهوده في علم الحديث، وقد استفدت من هذه الدراسات في القسم الأول من الرسالة، ما يتعلق بترجمة الحافظ مُغلطاي ومنهجه الحديثي، ومن ذلك:
١ - دراسة أحمد حاج عبد الرحمن محمد، «الحافظ مُغلطاي وجهوده في علم الحديث»، وهي أطروحة دكتوراه، مقدمة إلى قسم الكتاب والسُّنَّة، جامعة أم القرى، المملكة العربية السعودية، سنة ١٤١٩ هـ. وهي متعلقة بذكر ترجمة الحافظ مُغلطاي، وبيان جهوده في مجال الحديث النبوي، وذكر الباحث فيه كتاب المنار ضمن مصنفات مُغلطاي، وعرَّف به بما لا يتجاوز الصفحة الواحدة (٢).
٢ - دراسة مجموعة من الباحثين، بإشراف عبد الجواد حمام، «التلويح إلى شرح الصحيح» للحافظ علاء الدين مُغلطاي، وهي أطروحة دكتوراه، مقدمة لكلية التربية، جامعة الملك سعود، الرياض، سنة ٢٠١١ م، وهذه الدراسة اعتنت بذكر ترجمة موسعة للحافظ مُغلطاي، وهذه الترجمة استلها الباحث سامي محمد العمر من الرسالة ونشرها مفردة على الشبكة العنكبوتية (الأنترنت).
٣ - دراسة ناصر حسين المجور، «القواعد الحديثية عند الحافظ ابن القطان الفاسي من خلال كتابه بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام»، وهي = ورقة رقم:، وهو ما يأتي في الحديث رقم: (٥٤٧). أما الحافظ ابن القطان فقد فرق الحديث في ثلاثة مواطن من كتابه الوهم والإيهام؛ الموطن الأول: (٣/ ٣٤٩) برقم: (١٠٩٥)، الثاني: (٥/ ٢٢٧) برقم: (٢٤٣٧)، والثالث: (٥/ ٦٠٤) برقم: (٢٨٢٢).
_________
(١) منار الإسلام، ورقة رقم: (١/ أ - ب)، ويُنظر كلامه هذا فيما يأتي (ص ١٣٠).
(٢) الحافظ مُغلطاي وجهوده في علم الحديث، لأحمد حاج بن عبد الرحمن محمد في (ص ٦٦).
стр. 6
رسالة ماجستير، مقدمة لكلية الشريعة، جامعة القرويين، فاس، سنة ٢٠١١ م، وهذه الدراسة اعتنت بذكر القواعد الحديثية التي اعتمد عليها ابن القطان في نقده للأحاديث، ولا تعلق لها بكتاب المنار.
٤ ـ دراسة إبراهيم بن الصديق، «علم علل الحديث من خلال كتاب بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الإحكام»، وهو كتاب مطبوع في مجلدين، عن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، بالمملكة المغربية، سنة ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م، ذكر فيه منهج الحافظ ابن القطان في تعليل ونقد الأحاديث، وذكر أمثلة من كلام ابن القطان على العلل التي ذكرها كالإرسال والانقطاع وغيرهما، فهو مختص بذكر منهج ابن القطان فقط، ولا علاقة له بكتاب المنار.
منهج التحقيق:
ستعتمد هذه الرسالة في التحقيق المنهج الآتي:
١ ـ نسخ المخطوط وطباعته وفق الرسم الإملائي الحديث، مع الإشارة إلى رقم الورقة من المخطوط والتفريق بين وجهيها؛ الأمامي ورمزت له بالحرف (أ)، والخلفي ورمزت له بالحرف (ب)، فيكون العزو على النحو الآتي: ثم، ثم ثم وهكذا.
٢ ـ مقابلة المنسوخ والمطبوع مع النسخة الخطية عدة مرات، للتأكد من مطابقته له، وسلامته من النقص أو التحريف، مع ترقيم الكتب والأبواب والروايات ترقيما متسلسلًا، ثم مقابلته مع أصله كتاب الوهم والإيهام زيادة في التوثيق باعتباره أصل الكتاب، مع الاستعانة بالأصول التي نقل عنها ابن القطان ومغلطاي، حال وجود إشكال أو خلل في النص، لبيان الصواب والراجح من ذلك.
٣ ـ مقارنة ما ذكره مغلطاي في كتابه منار الإسلام، بما ذكره ابن القطان في كتابه الوهم والإيهام، لتحديد زيادات مغلطاي، وتعليقاته على الروايات.
٤ ـ التنبيه على بعض التصحيفات أو الأوهام التي وقعت للحافظ مغلطاي أو النساخ من خلال مقارنتها بكتاب الوهم والإيهام، والرجوع إلى المصادر التي ذكرت فيها الروايات أو النقولات التي ذكرها ابن القطان، والإشارة إلى هذا كله في الحاشية، مع بيان الصواب فيه، وسبب تصويبه.
٥ - إصلاح الأخطاء النَّحْوِيَّةِ إن وجدت، مع التنبيه على ذلك في الحاشية،
стр. 7
كما أني سأبدل التسهيل المعهود قديمًا بالضَّبط الحديث، كقوله: (فايدة)، إلى (فائدة)، وما في حكمها، دون الإشارة إليها، وكذا سأتم بعض الكلمات أو الجمل التي اختصرها الناسخ، نحو قوله: (صلى الله عل) إلى: ﷺ ، أو (ح) التي يضعها في نهاية الأحاديث التي يختصرها، إلى: (الحديث)، ونحو ذلك من الاختصارات.
٦ - ضبطتُ المشكل من النَّصّ المحقَّق وتهميشاته بالشكل، لخدمة هذا السفر الجليل، وإتماما للفائدة؛ علمًا بأن ضبط الكلمات والمصطلحات والأعلام المشكلة سأرجع فيه إلى أُمَّهات كتب اللغة والتراجم والغريب المهتمة بالضبط، على أنِّي قد أواجه اختلافًا في الضبط أو أَوْجُه الإعراب في كتب اللغة والنحو، فأحرص على الضبط المشهور، لوقوع الاختلاف.
٧ - ما أضيفه في النَّص المُحقَّق؛ لأجل سقط يستدعي المقام إثباته؛ لاستقامة المعنى، أو لحاجةٍ ملحة، أو ما أضيفه من موارد المخطوط للضرورة، أضعه بين حاصرتين، هكذا [] تمييزا له؛ وحفاظًا على أصل النص، وأذكر في الحاشية سبب إضافته، والمصدر الذي نقلت عنه.
٨ - التخريج، وأسلك فيه المنهج الآتي:
أ - عزو الأحاديث أولا إلى أماكن وجودها في كتاب الوهم والإيهام بذكر الجزء والصفحة ورقم الحديث، وكذا عزوتُها إلى كتاب الأحكام للإشبيلي.
ب - تخريج الأحاديث ورواياتها وطرقها من مواطنها التي نقلها منها ابن القطان أو مغلطاي، فما كان منها عند الشيخين أو أحدهما؛ أكتفي بتخريجه منهما.
ج - تخريج الروايات التي لم يروها الشيخان من مظانها من كتب السنن والمسانيد المشهورة.
د - دراسة أسانيد الأحاديث والطرق التي يذكرها المؤلف، مع بيان درجة الأحاديث والروايات صحة وضعفًا وفق الصنعة الحديثية، مستأنسة بآراء من سبق من الحفاظ والعلماء.
هـ - الترجمة للرواة الذين وقع الاختلاف في الأسانيد عليهم، أو المذكورين في المتابعات والشواهد، وكذا الرواة الذين تكلم فيهم ابن القطان أو مغلطاي جرحًا أو تعديلا، بترجمة مختصرة، مع بيان خلاصة حال الراوي عند الحفاظ.
стр. 8
٩ - عزو أقوال العلماء التي ذكرها ابن القطان أو مغلطاي، فأعزوها إلى مصادرها التي نقلاها عنها، إلا ما كان مصادره مفقودة، فأعزوه لمصادر أخرى ذكرت هذه الأقوال.
١٠ - ضبط وشرح الغريب الوارد ذكره في الكتاب من كتب غريب الحديث.
١١ - التعريف بالأماكن والبلدان غير المشهورة الوارد ذكرها في الكتاب، مع بيان موقعها الجغرافي في العصر الحاضر قدر الإمكان.
١٢ - التعريف بمصادر الكتاب التي نقل عنها المؤلف، لا سيما غير المشهور منها.
١٣ - ذكر ردود الحافظين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر، المعروف بابن المواق (٦٤٢ هـ)، في كتابه: بُغْية النقاد النقلة فيما أخلَّ به كتاب «البيان» وأغفله أو ألم به فما تممه ولا كمَّله، والحافظ أبي عبد الله الذهبي (٧٤٨ هـ)، في كتابه: الرد على ابن القطان في كتابه بيان الوهم والإيهام، وأذكر ردَّ كل واحد منها على كل حديث في موطنه، وأبين وجهة كلُّ من الحافظين ابن المواق والذهبي في نقدهما للحافظ ابن القطان، وأذكر الصواب فيما ذكراه، وسبب تصويبه.
١٤ - خدمت الكتاب بمجموعة من الفهارس التي تعين في الاستفادة منه والرجوع إليه.
خطة الرسالة:
تتكون الرسالة من مقدمة، وتمهيد، وقسمين، وفهارس.
وتفصيل ذلك كما يأتي:
المقدمة:
واشتملت على موضوع الكتاب، وأسباب اختياره، وأهميته، والدراسات السابقة، ومنهج التحقيق، وخطة الرسالة.
التمهيد
ويشتمل على:
تعريف بالحافظ ابن القطان الفاسي، وبكتابه بيان الوهم والإيهام.
стр. 9
القسم الأول: الدراسة
وتشتمل على فصلين:
• الفصل الأول: التعريف بالحافظ مغلطاي وعصره.
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: الحالة السياسية والعلمية في عصره.
المبحث الثاني: سيرته الشخصية وحياته.
المبحث الثالث: سيرته العلمية، وثناء العلماء عليه.
المبحث الرابع: الوظائف والمناصب التي تقلدها ومؤلفاته.
• الفصل الثاني: التعريف بكتاب منار الإسلام بترتيب كتاب الوهم والإيهام.
وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: تحقيق اسم الكتاب، وتوثيق نسبته لمؤلفه.
المبحث الثاني: أهمية الكتاب، ومميزاته.
المبحث الثالث: منهج المؤلف في الكتاب.
المبحث الرابع: مصادر المؤلف في كتابه.
المبحث الخامس: وصف النسخة الخطية المعتمدة في التحقيق، ونماذج منها.
القسم الثاني: التحقيق
ويشمل تحقيق مخطوطة كتاب منار الإسلام بترتيب كتاب الوهم والإيهام، بضبط نصها وتحقيقه، والتعليق عليها، وفق المذكور في منهج التحقيق.
• الفهارس العامة:
- فهرس الآيات.
- فهرس الأحاديث والآثار.
- فهرس الأعلام المترجمين.
- فهرس المصادر والمراجع.
- فهرس الموضوعات والمحتويات.
ولا يسعني في الختام إلا أن أتقدم بالشكر لجامعة الشارقة والقائمين عليها، وأخص بالشكر كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، التي تشرفت بالانتساب إليها لإكمال دراستي العليا، في مجال الحديث النبوي.
стр. 10
كما أتقدم بالشكر الجزيل للأستاذ الدكتور عواد الخلف، الذي تفضل بالإشراف على هذه الرسالة، وهو الذي وجَّهني للبحث عن مخطوط لم يُطبع من قبلُ، ليكون موضوع أطروحتي للدكتوراه، وبعد البحث عثرتُ على هذا المخطوط (منار الإسلام) فعرضته عليه، فأبدى استحسانه وشجعني أن يكون هو موضوع أطروحتي للدكتوراه، وجاد عليَّ بوقته وتوجيهاته وإرشاداته الغالية النفيسة، فلا يسعني إلا أن أقول له: جزاك الله خيرًا، ونفع بك الإسلام والمسلمين.
وأخيرًا ..
أسأل الله التوفيق والسداد في إتمام هذه الرسالة وقبولها، وأن يجعلها خالصةً لوجهه الكريم، وأن ينفع بها الإسلام والمسلمين، ويكتب لي أجرها يوم الدين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 11
التمهيد
تعريف بالحافظ ابن القطان الفاسي، وبكتابه بيان الوهم والإيهام
كتاب بيان الوهم والإيهام للحافظ ابن القطان الفاسي، يُعَدُّ أصل كتاب منار الإسلام بترتيب كتاب الوهم والإيهام للحافظ مُغلطاي، لذلك ذكرت هذا التمهيد بين يدي الكتاب، أعرّف فيه بالحافظ ابن القطان الفاسي، وبكتابه بيان الوهم والإيهام، من خلال المطلبين الآتيين:
المطلب الأول تعريف بالحافظ ابن القطان الفاسي (١)
هو الشيخ، الإمام، العلامة، الحافظ، الناقد، المجوّد، قاضي الجماعة، أبو الحسن، علي بن محمد بن عبد الملك بن يحيى بن إبراهيم، الحميري، المغربي، المالكي، كتامي الأصل، فاسي المولد والنشأة، مراكشي المسكن، المعروف بابن القطان، حتى أصبح علمًا له، أطلقه عليه كل من ذكره أو نقل عنه، ولا يكاد يعرف اسمه الحقيقي إلا الخواص.
_________
(١) ينظر في ترجمته: الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة، لابن عبد الملك الأنصاري، ذكر له فيه ترجمة موسعة (٥/ ١٧ - ٥٢) برقم: (١٠)، وطبقات علماء الحديث، لابن عبد الهادي (٤/ ١٩٠) ترجمة رقم: (١١٠٩)، وسير أعلام النبلاء (٢٢/ ٣٠٦) ترجمة رقم: (١٨٣)، والوافي بالوفيات (٢٢/ ٤٨) ترجمة رقم (٣)، والتبيان لبديعة البيان، لابن ناصر الدين الدمشقي (٣/ ١٣٦٦) ترجمة رقم: (١١٣٦)، وطبقات الحفاظ، للسيوطي (ص ٤٩٨) ترجمة رقم: (١٠٩٦)، وشذرات الذهب (٧/ ٢٢٥)، وشجرة النور الزكية (١/ ٢٥٧) ترجمة رقم: (٦١٥)، والرسالة المستطرفة (ص ١٧٨)، وسلم الوصول (٤/ ٩٥) ترجمة رقم: (٦٠٦٥)، وكشف الظنون (١/ ٢٦٢)، والأعلام، للزركلي (٤/ ٣٣١)، ومعجم المؤلفين (٧/ ٢١٣).
وقد صنع له محقق كتاب بيان الوهم والإيهام ترجمة واسعة، ضمن قسم الدراسة، الذي جعله مقدمة بين يدي تحقيقه لهذا الكتاب (١/ ٦٣ - ١٥٦)، وينظر ما ذكرته في الدراسات السابقة.
стр. 12
وُلِد أبو الحسن فجر يوم عيد الأضحى، سنة اثنتين وستين وخمسمائة من الهجرة، بفاس، ونشأ فيها، وبها تلقى علومه الأولى، ثم انتقل إلى مراكش، عاصمة الدولة الموحدية في أزهى وأقوى فتراتها، وهذا جعلها إحدى العواصم العلمية آنذاك، حافلة بالعلماء والمدرّسين في مختلف الميادين، الذين شغلوا مناصب رفيعة في الدولة، ودرسوا فيها العلوم المختلفة، لا سيما علم الحديث، الذي كان له الحظ الأوفر من بين العلوم، كما أنها حوت عددًا من المدارس والمكتبات العامرة، تجلب لها الكتب من شتى الأقطار (١).
وفي مراكش نبغ ابن القطان في طلب العلم وبرز، فقد أخذ علومه لا سيما الحديث عن كبار المشايخ والعلماء الذين كانوا يقيمون فيها، أو الوافدين إليها من الأندلس والمشرق وغيرهما من البلدان، ومن شيوخه الذين سمع منهم، ولازم بعضهم فترة طويلة خاصة في علم الحديث: أبا عبد الله بن زرقون، وأبا بكر بن الجد، وأبا عمر بن عات النفزي الشاطبي، وأبا عبد الله ابن الفخار المالقي، لازمه وأكثر الأخذ عنه، وأبا الحسن بن النقرات، وقد لازمه أيضًا، والخطيب أبا جعفر بن يحيى، وأبا ذر الخشني، وأبا القاسم بن بقي من ذرية بقي بن مخلد، جالسه طويلا وذاكره كثيرًا، وسمع منه مسند جده بقي بن مخلد وتفسيره، وأبا عبد الله بن البقّار؛ محمد بن إبراهيم بن حزب الله الفاسي؛ أجاز لابن القطان جميع روايته، وأبا بكر بن خلف الأنصاري، المعروف بالمواق، والد الحافظ أبي عبد الله ابن المواق تلميذ ابن القطان، ومن أجل شيوخه الحافظ المغربي الكبير أبو عبد الله محمد بن طاهر الحسيني، الشريف الصقلي، والي قضاء الجماعة بمراكش، وغيرهم من الأئمة والحفاظ والأعلام الكبار، الذين أخذ عنهم.
وقد تتلمذ له أيضًا جمع من الأئمة والحفاظ الذين أخذوا عنه، منهم: ابناه أبو محمد الحسن، وأبو عبد الله الحسين، والحافظ أبو عبد الله ابن المواق، وأبو الحسن الكفيف، وأبو زيد بن القاسم الطراز، وأبو عبد الله بن الطراوة، وأبو عبد الله المدعو بالشريف، وأبو علي المقري، وأبو عبد الله بن عياض حفيد القاضي عياض، وابن الأبار أبو عبد الله، المحدّث البارعُ، صاحب التصانيف، وغيرهم كثير (٢).
_________
(١) الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة (٥/ ٥٢) ترجمة رقم: (١٠).
(٢) الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة (٥/ ١٨) ترجمة رقم: (١٠)، وشجرة النور الزكية (١/ ٢٥٧).
стр. 13
وقد تبوأ ابن القطان مكانة رفيعةً بين علماء عصره، ومن ترجم له ممن جاء بعده، فوصفوه بأجل الصفات وأرفعها، وذكروا ما كان عليه من العلم والعمل، فمن ذلك:
قال ابن عبد الملك الأنصاري في ترجمته له: «وكان ذاكرًا للحديث، مُستبحرًا في علومه، بصيرًا بطرقه، عارفًا برجاله، عاكفًا على خدمته، ناقدًا مميزًا صحيحه من سقيمه، مثابرًا على التلبس بالعلم وتقييده عُمُرَه، وكتَبَ بخطه - على ضعفه - الكثير، وعني بخدمةِ كُتُبِ بَلَغَ فيها الغاية، … وصنف في الحديث ورجاله، والفقه وأصوله، مصنَّفات نافعةً، … وكان ذا حظ من الأدب وقراءة مُقَطَّعاتِ الشعر» (١).
وقال الصفدي: «الحافظ ابن القطان، كان من أبصر الناس بصناعة الحديث، وأحفظهم لأسماء الرجال، وأشدهم عناية بالرواية، نال بخدمة السلطان بمراكش دنيا عريضة، وله تواليف، ودرَّس، وحَدَّث» (٢).
وقال ابن عبد الهادي: «العلّامة الحافظُ الناقد، قاضي الجماعة، … وقفت على كتابه المسمى ببيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام لعبد الحقِّ، فرأيته يدلُّ على فرط ذكائه، وكثرة حِفْظه، وقُوَّة فَهمه، على أن له فيه عِدَّة أوهام» (٣).
وقال الحافظ الذهبي: «الشيخ، الإمام، العلامة، الحافظ، الناقد، المجوّد، القاضي، … علقت من تأليفه كتاب (الوهم والإيهام) فوائد، تدل على قوة ذكائه، وسيلان ذهنه، وبصره بالعلل» (٤).
و «قال ابن مسدي: كان معروفًا بالحفظ والإتقان، ومن أئمة هذا الشأن، مصري الأصل، مراكشي الدار، كان شيخ شيوخ أهل العلم في الدولة المؤمنية، فتمكن من الكتب، وبلغ غاية الأمنية، وولي قضاء الجماعة في أثناء تقلب تلك الدولة» (٥).
_________
(١) الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة (٥/ ٢٠) ترجمة رقم: (١٠).
(٢) الوافي بالوفيات (٢٢/ ٤٧) ترجمة رقم: (٣)، وهذا القول منسوب، لابن الأبار، كما في تذكرة الحفاظ، للذهبي (٤/ ١٣٤).
(٣) طبقات علماء الحديث (٤/ ١٩٠) ترجمة رقم: (١١٠٩).
(٤) سير أعلام النبلاء (٢٢/ ٣٠٦ - ٣٠٧) ترجمة رقم: (١٨٣).
(٥) ذكره عنه الحافظ الذهبي في تاريخ الإسلام (١٣/ ٨٦٦).
стр. 14
وقال ابن ناصر الدين الدمشقي: «وهو حافظ علامةٌ متقن، ثقة مأمونٌ» (١).
وقال السيوطي: «ابْنُ الْقطَّانِ الْحَافِظ الْعَلامَة قَاضِي الْجَمَاعَة» (٢).
وقال المقري في ذكر علماء الأندلس والمصنّفين: «وأما الحديث؛ فكان بعصرنا في المائة السابعة، الإمام أبو الحسن علي بن القطان القرطبي، الساكن بحضرة مراكش، وله في تفسير غرائبه وفي رجاله مصنّفات، وإليه كانت النهاية والإشارة في عصرنا» (٣).
وقال ابن مخلوف: «العالم، الفقيه، الراوية، العارف بصناعة الحديث، وأسماء رجاله، … أخذ الناس عنه، وانتفعوا به» (٤).
ولا عجب أن تسمع مثل هذه الصفات تُطلق على الحافظ ابن القطان، فهو يستحقها، وكُتبه شاهدة على صدق ما وُصِفَ به من الحفظ والفهم والإتقان والنقد وغيرها، لا سيما كتابه «بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام» فهو عُمدة في بابه، وصار مرجعًا لعلماء الحديث ونقاده ليس في الحكم على الأحاديث صحة وضعفًا فحسب، بل أيضًا في الحكم على الرجال وبيان أحوالهم جرحًا وتعديلا.
ومن أشهر مصنّفاته التي تدل على سعة علمه وحفظه وبراعته غير كتابه بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام:
«البستان في أحكام الجنان»، مجلدان متوسطان. تجريد من ذكره الخطيب في تاريخه من رجال الحديث بحكاية أو شعر، مجلّدان متوسطان. تقريب الفتح القدسي، مجلّد متوسط. الردّ على أبي محمد بن حزم في كتاب المحلى مما يتعلق به من علم الحديث، ولم يُتِمَّه. كتاب حافل جمَعَ فيه الحديث الصحيح، محذوف السند حيث وقَعَ من المسندات والمصنفات، كملَ منه كتب: الطهارة والصلاة والجنائز والزكاة، في نحو عشرة مجلدات. ما يُحاضر به الأمراء، وبين فيه طريق مفاوضتهم، مجلّد متوسط. مسائل من أصول الفقه، ذكر أنه لم يذكرها الأصوليون في كتبهم، مجلّد لطيف. النَّزْعُ في القياس، لمناضلة من سلَكَ غيرَ المَهْيَع في إثباتِ
_________
(١) التبيان لبديعة البيان (٣/ ١٣٦٦) ترجمة رقم: (١١٣٦).
(٢) طبقات الحفاظ (ص ٤٨٩) ترجمة رقم: (١٠٩٦).
(٣) نفح الطيب (٣/ ١٨٠).
(٤) شجرة النور الزكية (١/ ٢٥٧) ترجمة رقم: (٦١٥).
стр. 15
القياس، وهو في الردّ على أبي عليّ ابن الطوير. نَقْعُ الغَلَل ونَفْعُ العَلَل في الكلام على أحاديث السنن لأبي داود، ولم يتمّه. وغيرها من المصنفات النافعة المفيدة، في العلوم المختلفة (١).
وهذه الكتب معظمها ضاع لما نُهبت داره في آخر حياته، وذلك أن المأمون لما دخل مراكش، فصل المعتصم وأصحابه وشيعته عن ظاهرها، وكان منهم أبو الحسن ابن القطان متولّيًا القضاء بين حزبه، فانتهبت داره، وذهب كل ما فيها من مال وكُتب، فلجأ المعتصم ومن معه من حزبه، ومنهم ابن القطان إلى سجلماسة (٢)، وأصبح قاضيها.
وفي سِجِلماسة أدركت أبا الحسن منيّته مبطونًا حَسيرًا على ما فقد من أهله وكتبه وبيته وسائر ممتلكاته، وكانت وفاته بين العشائين، من الليلة التي أهل فيها هلال ربيع الأول من سنة ثمان وعشرين وستمئة، ودفن بالركن الواصل بين الصحنين الشمالي والغربي من الزنقة، لصق الجامع الأعظم بسجلماسة، ﵀، وأسكنه فسيح جناته.
المطلب الثاني تعريف بكتاب بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام
يعتبر كتاب «بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام» لأبي الحسن علي بن محمد ابن القطان الفاسي، المُتوفّى سَنَة (٦٢٨ هـ)، من أهم الكتب التي كشفت عن العلل الواردة على الأحاديث الواردة في كتاب الأحكام للحافظ أبي محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الإشبيلي، المعروف بابن الخراط، المُتوفّى سَنَة (٥٨١ هـ).
_________
(١) أكثر كتب ابن القطان ﵀ ضاع في آخر حياته، وقد حاولت جاهدة البحث عن أماكن وجودها في مكتبات المخطوطات، فلم يتيسر لي من ذلك شيء، وقد ذكر هذه المصنفات وغيرها، لابن القطان حسين آيات في تحقيقه لكتاب بيان الوهم والإيهام، قسم الدراسة (١/ ١٥٠ ـ ١٥٦)، فلتراجع هناك.
(٢) سجلماسة: مدينة في الجنوب الشرقي للمغرب الأقصى، اندثرت أكثر معالمها، وتُعرف اليوم باسم الريصاني بمنطقة تافيلالت، على بعد ثلاثة عشر ميلا جنوب مدينة إيرفود الحالية. سجلماسة وإقليمها في القرن الثامن الهجري (ص ٨٥ - ٨٦)، لحسن حافظ علوي.
стр. 16
والحافظ ابن القطان عُرف برسوخه وعلو كعبه في علوم الحديث وأصوله، وكتابه هذا انتقد فيه جملة من الأحاديث التي ذكرها عبد الحق في أحكامه، فخرجها وكشف عن عللها وأحوال رواتها، وأحيانًا يذكر الانتقادات الواردة عليها ويُجيب عنها، ويبين صحيح الأحاديث من ضعيفها.
كما أن الكتاب حوى فوائد نفيسة في بابه، وقد استفاد منه الحفاظ من بعد كثيرًا (١).
إلا أن مؤلفه الحافظ ابن القطان سلك في تقسيم كتابه وترتيبه منهجًا يعسر معه الوقوف على هذه الفوائد التي حواها، فقد رتبه مؤلفه على العلل لا على المسانيد أو الأبواب الفقهية.
فقد قسم الحافظ ابن القطان كتابه إلى قسمين رئيسين، أحدهما: متعلق ببيان الوهم (٢)، والآخر متعلّق ببيان الإيهام (٣)، وقصد بالوهم؛ ما وقع من الحافظ عبد الحق في نقله من المصادر التي اعتمد عليها في كتابه الأحكام، أما الإيهام فهو ما أخطأ فيه الحافظ عبد الحق أثناء نظره في الأحاديث والحكم عليها، وانحصر عمل ابن القطان بتتبع عبد الحق في هذين الجانبين، وعبر ﵀ عن ذلك بقوله: «وانحصر لي ذلك في أمرين؛ وهُما: نَقلُه وَنَظَرُه» (٤).
• القسم الأول: بيانُ الوَهْم: وهو ما يرجع إلى نَقْل أبي محمد عبد الحق.
تتبع فيه الحافظ ابن القطان أوهام الحافظ عبد الحق الإشبيلي في النقل من المصادر التي اعتمد عليها في كتابه الأحكام، وهي التي عبر عنها ابن القطان
_________
(١) إلا أن كتاب ابن القطان بيان الوهم والإيهام، تعقبه بعض الحفاظ في بعض المواطن، وانتقدوا فيه بعض الآراء التي ذكرها الحافظ ابن القطان في تعليل الأحاديث ورواتها، ومن أشهر الكتب التي تعقبته كتاب: بغية النقاد النقلة فيما أخل به كتاب البيان وأغفله، أو ألم به فما تممه ولا كمله، لابن المواق (ت ٦٤٢ هـ)، وكتاب الرد على ابن القطان في كتابه بيان الوهم والإيهام، للحافظ الذهبي (ت ٧٤٨ هـ).
(٢) الوَهَمُ: يُقال: وَهِمَ يَوْهَمُ وَهَمَّا، والوَهَم: الغلط والسهو، وَهِمَ في الحساب: إذا غلط فيه وسها. لسان العرب (٦٤٤/ ١٢)، مادة: (وهم).
(٣) «الإيهام: يُقال له: التخييل أيضًا، وهو أن يُذكر لفظ له معنيان: قريب، وغريب، فإذا سمعه الإنسان سبق إلى فهمه القريب، ومراد المتكلم الغريب»، التعريفات، للجرجاني (ص ٤١).
(٤) بيان الوهم والإيهام (٢/ ١١).
стр. 17
بالوهم. وقد جعل ﵀ هذا القسم في اثني عشر بابا (١).
• القسم الثاني: بيان الإيهام: وهو ما يرجع إلى نظر أبي محمد عبد الحق.
تتبع فيه ابن القطان أوهام الحافظ عبد الحق الناتجة عن نظره في الأحاديث وأحكامه عليها، وعبر عنها الحافظ ابن القطان بالإيهام، وقد جعل ﵀ هذا القسم في تسعة عشر بابا (٢).
ثم أتبع الحافظ ابن القطان ﵀ هذين القسمين بابين:
* الباب الأول: «باب ذكر فيه المصنفين الذين أخرج عنهم في كتابه ما أخرج: من حديث، أو تعليل، أو تجريح، أو تعديل» (٣).
وذكر فيه خمسة وخمسين مصنفا نقل عنهم الحافظ عبد الحق في كتابه الأحكام، وذكر ابن القطان لكل مصنف منهم تعريفا مختصرا به، ليميزه عن غيره، وبين الغاية من عقد هذا الباب، فقال: «اعلم أنه ليس كل من يطالع كتابه، ويتعرف منه ما روى، يعرف كل من يعزو إليه ما يذكر من جميع ما فيه، وإن اتفق لبعضهم أن يعرف المشاهير منهم، كمالك والبخاري، فإنه ربما لا يعرف ابن سنجر، ولا أبا سعيد الماليني وأشباههما، ممن لا يعرفه إلا خواص أهل العلم بهذا الشأن. فلهذا المعنى عقدنا هذا الباب، نذكر فيه جميع من أخرج عنه من المصنفين، ليخلص به من يقرأ كتابه من هجنة الجهل بمن يعزو إليه الحديث» (٤).
ولم يخل هذا الباب من توجيه النقد للحافظ عبد الحق، فقال ابن القطان:
«هؤلاء هم الذين ذكر أبو محمد عنهم في كتابه ما ذكر، إلا أن منهم من لم ير له كتابا، وإنما نقل ما نقل عنهم من عند من ذكره عنهم، فعزاه هو إليهم، وقد كان الأكمل أن لا يفعل، وإن كان قد بين ذلك في بعضهم.
وهؤلاء الذين لم ير كتبهم هم: حماد بن سلمة، ووكيع، وأبو سعيد بن الأعرابي، وإسحاق بن راهويه، وقاسم بن أصبغ والخشني، وابن أيمن، وسعيد بن
_________
(١) تنظر هذه الأبواب الاثني عشر في بيان الوهم والإيهام (٢/ ١٩) إلى (٢/ ٣٦٦)، وذكر فيها الأحاديث ذات الأرقام (١ - ٣٦٧).
(٢) تنظر هذه الأبواب في بيان الوهم والإيهام (٢/ ٣٦٧) إلى (٥/ ٦٢٦)، وذكر فيها (٢٤٧٩) حديثا، من الحديث رقم: (٣٦٨) إلى الحديث رقم: (٢٧٤٦).
(٣) بيان الوهم والإيهام (٥/ ٦٢٧).
(٤) المصدر السابق (٥/ ٦٢٩).
стр. 18
منصور، وابن حبيب، والدوري» (١).
• الباب الثاني: ذكر فيه مضمن هذا الكتاب على نسق التصنيف في كتب الأحكام، وهو بمثابة الفهرس للأحاديث التي ذكرها في كتابه، وقد بين ﵀ سبب عقده لهذا الباب، فقال: «قد فرغنا من ترتيب ما وجدنا في الكتاب المذكور بالترتيب الصناعي، فما بقي من أمثاله وجب إلحاقه به، وبقي علينا أن نذكر جميع ما مر ذكره في الأبواب المتقدمة ذكرا آخر، مختصرا، مرتبا على نسق التصنيف، بحيث يتمكن الطالب من مطالعته على كتاب الأحكام على توالي كتبه، فإن الترتيب الذي فرغنا منه إن كان أفاد ضم الشكل إلى شكله، فإنه لا يجد الحديث فيه إلا من عرف موضعه، وإذا وجده في باب فقد يكون بعض الكلام عليه في باب آخر، وبهذا الترتيب - إن شاء الله - تكمل الفائدة» (٢).
ثم بدأ بذكر الأبواب الفقهية، وفق نسق ترتيب كتب الأحكام، وذلك على النحو الآتي: كتاب الإيمان كتاب العلم كتاب الطهارة كتاب الصلاة، كتاب الجنائز، كتاب الزكاة كتاب الصيام كتاب الاعتكاف كتاب المناسك، كتاب الجهاد، كتاب النكاح كتاب الطلاق، كتاب البيوع، كتاب الوصايا والفرائض، كتاب الديات والحدود، كتاب الصيد والذبائح والعقيقة والأطعمة، كتاب الأشربة، كتاب اللباس، كتاب الأسماء والكنى. وذكر باختصار في كل باب منها الأحاديث المتعلقة به (٣).
وختم الحافظ ابن القطان كتابه بيان الوهم والإيهام بخاتمة مختصرة، أظهر فيها تواضعه، وإعذاره لمن خالفه فيما ذكر، فقال فيها: «وهذا آخر ما كتبناه مما وجدناه، ولعل غيرنا لا يرى الكثر منه ولا يرضاه، ولم نكتبه معتقدين فيه ارتفاع المعارضة، ولا عدم المنازعة، بل ذكرنا مبلغ علمنا محركين للبحث عنه، المصحح ما قلناه أو المبطل له. ولا أيضا قلنا: إن هذا الذي كتبنا هو كل ما له من أمثاله، ولعل غيرنا سيجد زيادة عليه، قليلة أو كثيرة. وإن كان فاتني الإحسان فيه والإصابة، فلا يفوت نفسك الإحسان إليها بالتحقيق المعثر على الصواب، والدعاء لأخيك
_________
(١) المصدر السابق (٥/ ٦٤٥)، وأشار محققه إلى وجود سقط في أصله، وقد استدركت هذا السقط من كتابنا هذا. ينظر ما يأتي (٤/ ٥٠١).
(٢) بيان الوهم والإيهام (٥/ ٦٤٧ - ٦٤٨).
(٣) المصدر السابق (٥/ ٦٤٩ - ٨٣٣).
стр. 19
تعريف بالحافظ ابن القطان الفاسي، وبكتابه بيان الوهم والإيهام المُسلم بِالْعَفُو عَنْ التَّقْصِير والإسهاب، وتوفير الأجر، وإجزال الثواب، وتحسين العاقبة، والمآب، فَإِنْ دُعَاء الْمُسلم لِأَخِيهِ بِظَهْر الْغَيْب مستجاب، والله بمنه ولي التَّوْفِيقِ، وَالْهَادِي إِلَى سَوَاء الطَّرِيق، وله الحمد على آلائه، وصلاته وسلامه على خاتم أنبيائه. وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِهِ» (١).
رحم الله الحافظ ابن القطان الفاسي، وغفر له، وأجزل له العطاء.
_________
(١) المصدر السابق (٥/ ٨٣٣ - ٨٣٤).
стр. 20
القسم الأول الدراسة
وتشتمل على فصلين:
الفصل الأول: التعريف بالحافظ مغلطاي وعصره.
الفصل الثاني: التعريف بكتاب منار الإسلام بترتيب كتاب الوهم والإيهام.
стр. 21
الفصل الأول التعريف بالحافظ مغلطاي وعصره
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: الحالة السياسية والعلمية في عصره.
المبحث الثاني: سيرته الشخصية وحياته.
المبحث الثالث: سيرته العلمية، وثناء العلماء عليه.
المبحث الرابع: الوظائف والمناصب التي تقلدها ومؤلفاته.
стр. 22
المبحث الأول الحالة السياسية والعلمية في عصره
بالنظر إلى الفترة الزَّمنية التي وُلد ونشأ فيها الحافظ علاء الدين مُغلطاي، وهي مطلع القرن الثامن الهجري، يظهر لنا مدى تأثير الأحوال السياسية، والحركة العلمية في تبلور شخصيته العلمية والفكرية.
فكما هو معلوم فإنّ لطبيعة البيئة السياسية والعلمية أثرًا في تكوين شخصية الإنسان، فمُقوِّمات شخصية الفرد إنما تقوم على مجموعة من الصفات، منها ما يكون وراثيًا، ومنها ما يكون مُكْتَسبًا، وكلُّ ذلك لا ينفك عن أن يؤثر تأثرًا مباشرًا بالبيئة التي يعيش فيها الإنسان، فأثر البيئة السياسية بما يسودها من أحوال ومُتغيرات أو استقرار، شأنه في ذلك شأن أثر الحركة العلمية آنذاك، كل ذلك من شأنه أن يؤثر في توجيه شخصية الأفراد، ومن هنا قيل: إنّ الإنسان ابن بيئته، بكل ما لها من أبعاد، سواءٌ في ذلك البُعد الفكري والعلمي أو السياسي بكل ما يُحيط به من ظروف وأحوال.
ومن هنا تولَّد اهتمام الباحثين بدراسة الأوضاع السياسية والحركة الفكرية السائدة في عصر بعض العلماء، لتكون بذلك مفتاحًا يَلِجُ الباحث من خلاله إلى عالم شخصية كلّ واحد، والتعرف على العوامل المؤثرة فيها.
وبالعودة إلى عصر الحافظ علاء الدين مُغلطاي، الذي اتفق أنه ضم مجموعة كبيرة من العلماء المبرِّزين، والأئمة المجتهدين، الذين أسهموا في نشوء وتطور الحركة العلمية والفكرية في هذا العصر، وفي بلورة شخصية الحافظ علاء الدين مُغلطاي على ما سيأتي الحديث عنه، ولكن قبل ذلك أرى من المفيد هنا الوقوف على طبيعة الحالة السياسية التي وُلد ونشأ فيها ولو بإيجاز.
فقد ذكرت فيما سلف أن الحافظ علاء الدين مُغلطاي قد عاش في مصر، في الفترة الممتدة ما بين عام (٦٨٩ هـ) سَنَة ولادته، حتى وفاته التي كانت في عام
стр. 23
(٧٦٢ هـ)، يعني من أواخر النصف الثاني من القرن السابع، واستمرت به الحياة إلى ما بعد النصف الأول من القرن الثامن، في ظل دولة المماليك البحرية، التي قامت على أنقاض الدولة الأيوبية، وهي التي كانت تُعدُّ من أكبر دول العالم الإسلامي وأقواها، بسبب مواجهتها للتوسع المغولي الذي قضى على الدولة العباسية ببغداد.
فقد كان لدولة المماليك جهود عظيمة، ودور كبير في محاربة المغول، وكان لهم الدور الأكبر أيضًا في محاربة الصليبيين وطردهم من بلاد المسلمين، واسترجاعهم لمدن عديدة، مثل: عكا، وصيدا، وصور، وطرابلس، وبيروت، وبيسان وغير ذلك، على ما سيأتي بيانه.
كما وقد نَشِطَ سلاطينهم وأمراؤهم في القيام بأعمال تتعلق بالعمران في كافة مظاهرِهِ، حتى غَدَت مصر مثلها في ذلك مثل بلاد الشام حاضرةً من حواضر الحضارة العمرانية، ومركزًا من مراكز الحركة العلمية والفكرية، فبنيت في عهدهم المدارس والمساجد، ودور القرآن والحديث ما يطول حَصْرُه وذِكْرُه، وقد توارد على بناء ذلك مجموعة من السلاطين الذين عاش في ظل حكمهم الحافظ علاء الدين مغلطاي، ومن أبرزهم:
١ - السلطان خليل بن قلاوون، الملك الأشرف صلاح الدين، ابن السلطان الملك المنصور سيف الدين، (٦٦٦ هـ - ٦٩٣ هـ) (١)، وَليَ الحكم بعد وفاة أبيه، سنة تسع وثمانين وستمئة (٢)، قال الحافظ الذهبي: «استفتح الملك بالجهاد وسار، فنازَلَ عكا وافتتحها، ونظف الشام كله من الفرنج، ثم سار في السنة الثانية، فنازَلَ قلعة الرُّوم (٣)، وحاصَرَها خمسة وعشرين يومًا وافتتحها، وفي السنة الثالثة جاءته مفاتيح قلعة بهنسا (٤) من غير قتال إلى دمشق، ولو طالت حياته لأخَذَ العراق وغيرها» (٥).
٢ - السلطان محمد بن قلاوون بن عبد الله الصالحي، أبو الفتح، الملك
_________
(١) البداية والنهاية (١٧/ ٦٦٧)، وتاريخ الإسلام، للذهبي (٥٢/ ١٨٠) ترجمة رقم: (١٦٨)، والنجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة (٨/ ٣ - ٤٠).
(٢) تاريخ الإسلام، للذهبي (١٥/ ٧٦٤) ترجمة رقم: (١٦٦)، وفوات الوفيات لمحمد بن شاكر (١/ ٤٠٦).
(٣) هي قلعة حصينة غربي الفرات، بها مقام بطرك الأرمن. معجم البلدان (٤/ ٣٩٠).
(٤) هي قلعة من أعمال قنسرين، ينتسب لها جمع من الحفاظ. تبصير المنتبه (١/ ١٧٥).
(٥) تاريخ الإسلام (١٥/ ٧٦٤) ترجمة رقم: (١٦٦)، وينظر: البداية والنهاية (١٧/ ٦٦٤).
стр. 24
النَّاصِرُ، (٦٨٤ هـ - ٧٤١ هـ) (١)، وَلِيَ الحُكمَ سنة ثلاث وتسعين وستمئة، وهو غلام صغير، بعد مقتل أخيه الملك الأشرف خليل، وقد خُلع عن السلطنة لحداثة سنه، ثم أعيد إليها (٢)، وكان ملكًا عظيمًا، دانت له العباد وملوك الأطراف بالطاعة (٣)، وكان «أطول ملوك الترك مدة في السلطنة، … وأعظمهم مهابة، وأغزرهم عقلا، وأحسنهم سياسةً، وأكثرهم دهاءً، وأجودهم تدبيرًا، وأقواهم بطشًا وشجاعةً، وأحذقهم تنفيذا» (٤).
٣ - السلطان إسماعيل بن محمد بن قلاوون، الملك الصالح، أبو الفداء، عماد الدين، (٧٢٦ هـ - ٧٤٦ هـ) (٥)، بويع له بالسلطنة بعد خلع أخيه الناصر أحمد سنة ثلاثة وأربعين وسبعمئة، كانت «له مآثر حسنة، منها أنه وقف قريةً بطرف القليوبية من ديار مصر، على كسوة الكعبة كل سنة، وله وقف على دروس وطلبة في قبة جده المنصور بالقاهرة» (٦). و «كان خيار أولاد الناصر محمد بن قلاوون رحمة الله عليه، وله بر ومعروف على جهات الخير» (٧).
وقد توالى على حكم الديار المصرية وبلاد الشام، خلال الفترة التي عاشها الحافظ مغلطاي، مجموعة من الملوك الذين تباينت أعمالهم، واختلفت سيرتهم، منهم مَنْ حُمِدَت سيرته، كالسلاطين الثلاثة الذين سبق ذكرهم، فكان لهم دور كبير في فتح الجوامع، وإنشاء المدارس، وازدهار العلم والعلماء خلال فترة ملكهم.
ومن ملوكهم مَنْ لم تُحمد سيرته، منهم: الملك المنصور، أبو بكر ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون، سيف الدين، (٧٢٠ هـ - ٧٤٢ هـ) (٨)، الذي تولى الحكم
_________
(١) البداية والنهاية (٤٢٤/ ١٨)، والنجوم الزاهرة (٨/ ٤١).
(٢) البداية والنهاية (١٧/ ٦٧٢ - ٦٧٣، ٧٠٩)، والنجوم الزاهرة (٨/ ٤١).
(٣) شذرات الذهب (٨/ ٢٣٣ - ٢٣٤)، والوافي بالوفيات (٤/ ٢٥١)، وفوات الوفيات (٤/ ٣٥).
(٤) النجوم الزاهرة (٩/ ١٦٦).
(٥) أعيان العصر (١/ ٥٢٤)، المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي (٢/ ٤٢٥)، والنجوم الزاهرة (١٠/ ٧٨).
(٦) العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين لتقي الدين محمد بن أحمد الحسني الفاسي المكي (٣/ ١٩٣).
(٧) بدائع الزهور في وقائع الدهور، لابن إياس (١/ ٥٠٥، القسم الأول).
(٨) الوافي بالوفيات (١٠/ ١٥٧)، والسلوك لمعرفة دول الملوك (٣/ ٣٢٢).
стр. 25
بعد أبيه في أواخر سنة إحدى وأربعين وسبعمئة، فلم تُحمد سيرته؛ لما صدر عنه من الأفعال التي ذُكر أنه تعاطاها؛ من شُرب للمسكر، وغشيان للمنكرات، وتعاطي لما لا يليق به، وصاحب ذلك ظُلمه للرعية، ففسدت أحوال العباد والبلاد في عهده، مما دفع الأمراء إلى أن يجتمعوا على خلعه؛ فخلعوه، ونفوه إلى قوص، من أعمال صعيد مصر، وقُتِل هناك (١).
وهذا الحال الذي كان عليه الملك المنصور أبو بكر، شابهه فيه الملك شعبان بن محمد بن قلاوون، الملقب بالكامل، (ت ٧٤٧ هـ)، الذي ولي السلطنة بعد أخيه إسماعيل، وبعهد منه سنة سبع وأربعين وسبعمئة (٢)، ووصف بأنه كان مُقبلا على اللهو واللعب بالحَمام، وبمصادرة أموال الموظفين، الأمر الذي تسبب في أن يثور عليه أمراء الجيش، فقاتلهم، فكسروه وخلعوه (٣).
ثم خلفه آخرون من الملوك الذين تحول طبيعة هذا المبحث عن سَرْد جميع أسمائهم، والإسهاب في نقل أخبارهم وأحوالهم إلّا بالقَدْر الذي يمكن من خلاله الوقوف على تلك الظروف والأحوال التي عاصرها الحافظ علاء الدين مُغلطاي، والتعرف على السمات البارزة لهذا العصر الذي نشأ فيه.
وقد لاحظنا بعد هذا السرد الموجز لأحوال مصر وبلاد الشام، في الحقبة الزمنية التي عاش فيها الحافظ مُغلطاي، أنها تباينت أحوالها بتباين سيرة الملوك والسلاطين الذين تواردوا على حكم هذه البقعة من البلاد الإسلامية، ومر بنا كيف أن بعضهم كان يُولي اهتمامًا ملحوظًا بإعمار المساجد، وإنشاء المدارس، ومعلوم أن المساجد لم تكن في ذلك العصر مجرّد دور للعبادة فحسب، وإنما كانت بمثابة صروح علم ومدارسة.
ومر بنا أيضًا أن العديد من أمراء المماليك وملوكهم قد اعتنى بتشييد المدارس وإعمارها، وأن تقلب وتغير الأحوال السياسية لم يكن ليمنع من الاعتناء بذلك، ومعلوم أن تشييد المدارس كما يقول المقريزي: «ممّا حَدَثَ في الإسلام، ولم تكن تُعرف في زمن الصحابة ولا التابعين، وإنما حَدَث عملها بعد الأربعمئة من سني
_________
(١) البداية والنهاية (١٨/ ٤٢٩).
(٢) المنهل الصافي (٦/ ٢٥٠).
(٣) المنهل الصافي (٦/ ٢٥٠ - ٢٥٣)، وأعيان العصر (٢/ ٥٢١ - ٥٢٤)، وشذرات الذهب (٨/ ٢٦٠).
стр. 26
الهجرة، وأوّل مَنْ حُفظ عنه أنه بنى مدرسةً في الإسلام أهل نيسابور، بنيت بها المدرسة البيهقية» (١)، ثم شرع بذكر أسماء المدارس التي بنيت بعدها، حتى انتهى به المطاف إلى ذكر أسماء المدارس التي شُيّدت بالقرن الثامن، والناظر فيما ذكره بهذا الخصوص ليَعْجَبُ من كثرة عدد المدارس، ومن شدّة اهتمام واعتناء الملوك والأمراء في ذلك الوقت ببنائها، حتى حدا به الأمر لأن يقول في سياق ذكره للأحباس وما كان يُعمل فيها من غير جهة: «الجهة الثالثة: الأوقاف الأهلية؛ وهي التي لها ناظر خاص، إما من أولاد الواقف، أو من ولاة السُّلطان، أو القاضي، وفي هذه الجهة الخوانك (٢)، والمدارس، والجوامع، والتَّرَب، وكان متحصلها قد خرج عن الحد في الكثرة، لِمَا حَدَث في الدولة التركية، من بناء المدارس، والجوامع والترب وغيرهما، وصاروا يُفْرِدُون أراضي من أعمال مصر والشامات، وفيها بلاد مقرّرة، ويقيمون صورةً يتملكونها بها، ويجعلونها وقفًا على مصارف كما يريدون» (٣).
وهذا بدوره قد ألقى بظلاله على طبيعة الحياة العلمية، والحركة الفكرية في هذا العصر، حتى أصبحت كل من مصر وبلاد الشام خاصةً، مركزًا من مراكز العلم بما توافر فيهما من المدارس ودور القرآن والحديث الشريف وغيرها من العلوم، كلُّ ذلك جعل هذين القطرينِ مَحَطَّ أنظار العلماء، ومقصد طلبة العلم، وهذا أمر ليس بالمستغرب، ولذلك عقد ابن خلدون في مقدمته فصلا قال فيه: «الفصل الثالث: في أن العلوم إنما تكثر حيث يكثر العُمران وتعظم الحضارة»، ثم قال: «والسبب في ذلك أن تعليم العلم - كما قدمناه - من جملة الصنائع، وقد قدمنا أن الصنائع إنما تكثر في الأمصار (٤)، وعلى نسبة عمرانها في الكثرة والقلة؛ والحضارة والترف تكون نسبة الصنائع في الجودة والكثرة، لأنه أمر زائد على المعاش، فمتى فضلت أعمال
_________
(١) المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار (٤/ ١٩٥).
(٢) الخوانك: جمع خانكاه، وهي كلمة فارسية معناها بيت، وقيل أصلها خونقاه؛ أي: الموضع الذي يأكل فيه الملك والخوانك حدثت في الإسلام في حدود الأربعمائة من سني الهجرة، وجعلت لتخلي الصوفية فيها لعبادة الله تعالى. المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار (٤/ ٢٨٠)، وينظر: مختار الصحاح (ص ٩٨).
(٣) المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار (٤/ ٨٩).
(٤) يعني على خلاف ما هو عليه الحال في الأرياف والبوادي، لانتفاء عوامل ذلك فيهما، على ما سيأتي بيانه في كلام ابن خلدون.
стр. 27
أهل العمران عن معاشهم، انصرفت إلى ما وراء المعاش من التصرف في خاصية الإنسان، وهي العلوم والصنائع، وممّن تشوّف بفطرته إلى العلم ممّن نشأ في القرى والأمصار غير المتمدنة، فلا يجد فيها التعليم الذي هو صناعي؛ لفقدان الصنائع في «أهل البدو» (١)، وقد دلَّل على ذلك بما كان عليه حال بغداد، وقرطبة، والقيروان، والبصرة، والكوفة، لما كثر العمران فيهم، واستوت فيها الحضارة، كيف زخرت فيها بحار العلم، وتفنَّن أهلها في اصطلاحات التعليم وأصناف العلوم، واستنباط المسائل والفنون، حتى أَرْبَوْا على المتقدمين وفاقوا المتأخرين (٢)، كما أنه لم يُهمل ذكر ما شهدته مصر في ظلِّ حُكم المماليك، فوصف ذلك بقوله: «فاستكثروا في بناء المدارس والزوايا والرُّبُط (٣)، ووقفوا عليها الأوقاف المُغَلَّة، يجعلون فيها شَرَكًا (٤) لولدهم، ينظر عليها، أو يُصيب منها، مع ما فيهم غالباً من الجنوح على الخير، والتماس الأجور في المقاصد والأفعال، فكثرت الأوقاف لذلك، وعظمت الغلات والفوائد، وكثر طالب العلم ومعلّمه بكثرة جرايتهم منها، وارتحل إليها الناسُ في طلب العلم من العراق والمغرب، ونَفَقَتْ بها أسواق العلوم، وزخرت بحارها» (٥).
هذا ما كان عليه حال البيئة السياسية والفكرية في مصر وبلاد الشام، ولهذا شهد القرن الثامن بروز العديد من الأئمة والعلماء الذين ذاع صيتهم، وانتشرت مصنفاتهم، وبلغت من الكثرة والجودة ما بلغت، فحسبنا أن نذكر منهم مثلاً: ابن دقيق العيد (ت ٧٠٣ هـ)، وشرف الدين أبو محمد الدمياطي (ت ٧٠٥ هـ)، وابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ)، وابن التركماني (ت ٧٣١ هـ)، وبدر الدين ابن جماعة (ت ٧٣٣ هـ)، وابن سيد الناس (ت ٧٣٤ هـ)، وقطب الدين الحلبي (ت ٧٣٥ هـ)، والبرزالي (ت ٧٣٩ هـ)، وجمال الدين المزي (ت ٧٤٢ هـ)، وابن عبد الهادي (ت ٧٤٤ هـ)، والذهبي (ت ٧٤٧ هـ)، وابن قيم الجوزية (ت ٧٥١ هـ)، وتقي الدين السبكي (ت ٧٥٦ هـ)، وولده تاج الدين (ت ٧٧١ هـ)، وابن كثير (ت ٧٧٤ هـ)، وغيرهم ممن يطول ذكرهم ممن
_________
(١) تاريخ ابن خلدون، المقدمة (١/ ٥٤٨).
(٢) ينظر: مقدمة ابن خلدون (٥٤٧/ ١ - ٥٤٨).
(٣) جمع الرّباط: وهي الأماكن المبنية للفقراء، ويجمع على رباطات، وهو الأشهر. ينظر: التعريفات الفقهية (ص ١٠٢).
(٤) الشَّرَكُ: الحصة. لسان العرب (١٠/ ٤٤٨)، مادة: (شرك)، وينظر: النهاية في غريب الحديث (٢/ ٤٦٧).
(٥) مقدمة ابن خلدون (١/ ٥٤٩).
стр. 28
عاصرهم الحافظ علاء الدين مُغلطاي، واتصل بهم اتصالا وثيقًا، فحرص على السماع من بعضهم.
وقد ذكرت قريبًا أن الحافظ مُغلطاي حرص على السماع من مشايخ عصره في سن مُبكرة من عمره، وذلك أن طبيعة العصر الذي عاش فيه تميز - كما ذكرت - بوفرة العلماء والمشايخ والمحققين، الأمر الذي ساعد الحافظ مغلطاي على السماع والمذاكرة على كبار هؤلاء العلماء، قال الحافظ ابن حجر: «وسمع من التاج أحمد بن علي بن دقيق العيد، أخي الشيخ تقي الدين، والحسين بن عمر الكردي، والوافي، والخُتَني، والدبوسي، وأحمد بن الشجاع الهاشمي، ومحمد بن محمد بن عيسى الطباخ» (١).
إن وجود مثل هذه الكوكبة من الأئمة والعلماء المبرزين في كافة المجالات الفقهية والأدبية وغيرهما، كان له الأثر البالغ على أن يُوصف هذا العصر بأنه من أكثر العصور ازدهارا، لما حظيت فيه كل من بلاد الشام ومصر، عاش فيها الحافظ مغلطاي بالحظ الأوفر من هذا الازدهار، فارتحل إليهما الناس في طلب العلم من شتى الأقطار.
_________
(١) الدرر الكامنة (٦/ ١١٤) ترجمة رقم: (٢٣١٠).
стр. 29
المبحث الثاني سيرته الشخصية وحياته
هذا المبحث أذكر فيه السيرة الذاتية للحافظ مُغلطاي، وذلك من خلال المطالب الآتية:
المطلب الأول اسمه ونسبه وكنيته ولقبه
هو الإمام الكبير، العلامةُ المُكثِرُ، الحافظُ المُحَدِّثُ، المُتَفَنِّنُ المُتقِنُ، القُدوةُ المشهورُ، النِّسَّابَةُ، المُؤرّخ، صاحب التصانيف، مُغلطاي (١)
_________
(١) مُغلطاي، اسم تركي، مكون من جزأين، قال ابن العجمي في حاشيته على تدريب الراوي، كما ذكره محمد عوامة في تحقيقه للكتاب (٢/ ٢٢٣): «مُغلطاي: مُغُل: - بضمتين -: جيل من الناس. و: طاي: بمعنى الفرخ، في اللغة التركية القديمة، كذا قيل».
وقال حسن عبجي في مقدمة تحقيقه لكتاب الدر المنظوم من كلام المصطفى المعصوم ﷺ (ص ١١):
«وفي تعليقة الأستاذ أحمد خيري عن شيخه الكوثري: (ومعنى طاي بلغة الترك: المُهْرُ)، قلت: وهما متقاربان، فالمُهْرُ: ولد الخيل، والفَرْخُ: ولد الطير، ويكون المعنى: ولد جيل من الناس».
وقال سامي العمر في ترجمة الحافظ مُغلطاي (ص ٤ - ٥): ويحتمل أن يكون معناه: (مُهر مغوليّ) = (تَتَري)؛ ففي المعجم العربي الحديث ـ وهو معجم عربي تركي - وردت هاتان الكلمتان (Mool)؛ بمعنى: مغولي تتري و: (tay)؛ بمعنى: مُهر. وبهذا المعنى فسّر الدكتور عبد الله عطية اسم (مغلطاي) في كتابه: معجم أسماء سلاطين وأمراء المماليك في مصر والشام، ولعل الرأي الأخير هو الأقرب؛ لأمور:
أ ـ عدم جزم ابن العجمي بما ذكر؛ حيث ذيله بقوله: (كذا قيل).
ب - أن التسمية بأوصاف المُهر كانت منتشرة في أمراء وقواد ذاك الزمان خاصة، وفي الناس عامة؛ ومن ذلك: أقطاي = (aktay)، مُهر أبيض؛ ولعل للسلالة المغولية من الخيول مكانة عند الناس، فكانوا يسمون أبناءهم بها».
وقد اختلف العلماء في ضبطه على أربعة أقوال:
أولها: مُغلطاي: بضم الميم، وفتح الغين، وإسكان اللام، وهذا ضبط ابن ناصر الدين الدمشقي في منظومته: بديعة الزمان عن موت الأعيان (ص ٢٤١)، فقال فيها: (ذاكَ مُغلطاي =
стр. 30
ابن قِليج (١) بن عبد الله، البُكْجُري (٢)، الحِكْري، تركي الأصل، مصري المولد والنشأة، الحنفي.
_________
= فتى قِليج)، وبه أيضاً ضبطه حاجي خليفة في سُلَّم الوصول إلى طبقات الفحول (٣/ ٣٤٦) ترجمة رقم: (٥٠٣٣)، فقال: «مُغَلْطَاي، بضم الميم، وفتح الغين، وسكون اللام، ذكره تقي الدين»، وكذا وقع مشكولاً عند أكثر من ترجم له.
الثاني: مُغْلطَاي: بضم الميم والغين، وإسكان اللام، وهذا ما رجحه محمود عبد القادر الأرناؤوط محقق كتاب سُلَّم الوصول إلى طبقات الفحول (٣/ ٣٤٦).
وقال سامي العمر في ترجمة الحافظ مُغلطاي (ص ٦): «ذكره ابن العجمي في حاشيته دون عزو، ونقله الزركلي عن المستشرق جان سوفاجيه، وضبطه بذلك الشيخ حمد الجاسر في مقالة له بمجلة الفيصل عنوانها: (الاتصال في مختلف النسبة لمغلطاي بن قليج)، … وهذا هو الأقرب تقعيداً؛ لأن نطقه بلغة الأتراك لا يتأتى إلا بضمتين».
الثالث: مُغْلطَاي: بضم الميم، وسكون الغين، وفتح اللام، وهذا ضبط الزرقاني في شرح المواهب اللدنية (١/ ٢٣٨)، كما ضبطه الحافظ بالقلم في كلام نثر. وكذا ضبطه الزركلي في الأعلام (٧/ ٢٧٥).
الرابع: مُغَلطَاي: بفتح الميم وضم الغين المعجمة، وسكون اللام، كذا ضبطه الكوثري، كما ذكره حسن عبجي في مقدمة تحقيقه لكتاب الدر المنظوم (ص ١١)، فقال: «نقل الأستاذ أحمد خيري ﵀ ضبط هذه الكلمات: مُغَلطاي، وقليج، والبُكْجُري، عن أستاذه الشيخ محمد زاهد الكوثري ﵀ إملاء».
ثم حكى عن الكوثري أنه كان يقول فيها: «أعجمية؛ فالعب بها كيف شئت، إذ لا ضابط فيها إلا نطق أهلها، وكم من حروف وحركات أعجمية تغيرت في العربية»، قال سامي العمر في ترجمة الحافظ مُغلطاي (ص ٦) معلقاً: «وهذا هو الأقرب واقعاً وتطبيقاً؛ حيث لم يجزم المترجمون بضبط واحدٍ مُعتمد».
(١) قليج لقب لوالد الحافظ مُغلطاي، واسمه داود بن عبد الله، قال مُغلطاي في كتابه الإيصال في مختلف النسبة، عن أبيه: «هو قليج، واسمه: داود بن عبد الله البُكْجُري، كان مُحباً في أهل الخير والصلاة، حسن المحاضرة، يحفظ شعرًا كثيراً وأخباراً، وينظم شعرًا متوسطًا، وكان لا يذكر لي أنه سمع شيئاً من الحديث … وكان يحضر ميعاد الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد، والشيخ شرف الدين الدمياطي وغيرهما»، ذكره أحمد حاج بن عبد الرحمن محمد في الحافظ مُغلطاي وجهوده في علوم الحديث (ص ١٣ - ١٤).
وقد اختلف في ضبط هذا اللقب قليج: فضبطه ابن ناصر الدين في توضيح المشتبه (٧/ ١١٨)، بقاف مفتوحة، ولام مكسورة، وجيم معجمة. وضبطه الكوثري كما ذكره حسن عبجي في مقدمة تحقيقه لكتاب الدر المنظوم (ص ١١)، بكسر القاف واللام: قِليج، وهو الموافق لنطق الكلمة: (Kiliç) باللغة التركية.
وقليج: معناه باللغة التركية السيف، وبعضهم قال: قُلَيْح؛ بالحاء المهملة. ينظر: الدرر الكامنة (٦/ ١١٤) ترجمة رقم: (٢٣١٠)، وشذرات الذهب (٨/ ٣٢٧).
(٢) قال مُغلطاي في كتابه الإيصال في مختلف النسبة: أما البُشْكِري؛ بتقديم الباء المفتوحة على =
стр. 31
ولما كانت أصوله تركية، ومولده بالقاهرة، كان يُقال فيه: التركي، ثم المصري (١).
ويكنى الحافظ مُغلطاي بأبي عبد الله، وبهذه الكنية كناه عامة من ترجم له أيضًا (٢)، إلا ما ذكره سبط ابن العجمي حيث كناه بأبي سعيد (٣)، ولم أقف على من ذكر أن له ابنا اسمه سعيد، وقد ذكر بعض من ترجم له أن له ابنا اسمه عبد الله (٤).
أما عن لقب الحافظ مُغلطاي فهو علاء الدين، وبهذا اللقب ذكره أكثر من ترجم له من العلماء والحفاظ السابق ذكرهم (٥).
المطلب الثاني مولده ونشأته
اختلف في سنة ولادة الحافظ مُغلطاي على أربعة أقوال:
أولها: أنه ولد بقلعة الجبل (٦)
_________
= الشين المعجمة، وبعدها الكاف، فهو نسبة لوالده، يقولها من لا علم له، والصواب: بباء موحدة، وبعد الكاف جيم منقوطة ثلاث، ذكره أحمد حاج في الحافظ مُغلطاي وجهوده في علوم الحديث (ص ١٣).
وقال شهاب الدين أحمد العجمي في ذيل لب اللباب في تحرير الأنساب (ص ٨٩): «البَكْجَري: بفتح الموحدة، وسكون الكاف، وفتح الجيم، ثم راء، ثم ياء نسبة. لا أدري لماذا. عن مغلطاي».
(١) ينظر: نيل الأمل في ذيل الدول (١/ ٣٣١) ترجمة رقم: (٢٤٨)، ومعجم المؤلفين لعمر رضا كحالة (١٢/ ٣١٣)، والأعلام، للزركلي (٧/ ٢٧٥).
(٢) ينظر: لحظ الألحاظ بذيل طبقات الحفاظ (ص ٩١).
(٣) قال سبط ابن العجمي في كتابه نهاية السول في رواة الستة الأصول (١/ ١٣٦)، عند ترجمته لأحمد بن إبراهيم الدورقي، برقم: (٢)، قال: «قال الإمام الحافظ علاء الدين، أبو سعيد مغلطاي … ».
(٤) عبد الله بن مُغلطاي، له ترجمة في الدرر الكامنة (٣/ ٩١) برقم: (٢٢٣٩)، وذيل التقييد في رواة السنن والأسانيد (٢/ ٦٧) برقم: (١١٦٥).
(٥) ينظر: النجوم الزاهرة (١١/ ٩).
(٦) قلعة الجبل: هي القلعة التي بناها بهاء الدين أبو سعيد قراقوش لصلاح الدين الأيوبي، والتي اتخذت مقرا للحكم، وهي الآن تقع بموقعها الكائن بالقاهرة، بمنطقة القلعة، عند سفح جبل =
стр. 32
في القاهرة (١)، سنة تسع وثمانين وستمئة (٢)، وهذا هو أشهر الأقوال وأرجحها في سَنَةِ ولادته، وعليه أكثر من ترجم له (٣)، ومما يؤكد هذا أن الحافظ زين الدين العراقي سأله عن مولده؟ فقال له: إنّه وُلد بالقاهرة، سنة تسع وثمانين وستمئة (٤).
وقد عين ابن ناصر الدين الدمشقي أن مولده كان في أواخر سنة تسع وثمانين وستمئة (٥).
الثاني: أنه ولد سنة تسعين وستمئة، وهذا ذكره ابن رافع السلامي (٦).
الثالث: أنه ولد بعد التسعين وستمئة، وهذا ما ذكره الصفدي (٧).
الرابع: أن مولده كان سنة تسع وسبعين وستمئة، وهذا ذكره زين الدين الملطي (٨).
أما عن نشأته، فقد نشأ الحافظ مغلطاي منذ فتح عينيه على الدنيا في بيئةٍ تُقدِّرُ العِلم، وتُبجِّلُ العلماء، كما أنه تربى في أُسرَةٍ لها عناية بالعلم وأهله، فقد ذكر هو نَفْسُه في كتابه الإيصال في مختلف النسبة، أنه كان وهو شاب صغير يحضر مع والده مجالس الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد (٩)، وهذه النشأة من نُعومة أظفاره، هيأت الحافظ مُغلطاي لأن يكون منصرِفًا عن لهو الصبيان ومجالسه، محبا للعلم وأهله، ساعيًا في طلبه في سن مبكرة من عُمره.
_________
= المقطم، وتشرف على القاهرة. المواعظ والاعتبار (٣/ ٣٥١).
(١) الدليل الشافي (٢/ ٧٣٧) ترجمة رقم: (٢٥١٨).
(٢) لسان الميزان (٨/ ١٢٤) ترجمة رقم: (٧٨٦٧)، والذيل على العبر في خبر من عبر، لابن العراقي (١/ ٧١).
(٣) ينظر: الدرر الكامنة (٦/ ١١٤) رقم: (٢٣١٠)، وتاج التراجم (٢/ ١١٤)، ولحظ الألحاظ (ص ٩١)، وطبقات الحفاظ، للسيوطي (ص ٥٣٨)، وحسن المحاضرة (١/ ٣٥٩).
(٤) لحظ الألحاظ (ص ٩١).
(٥) التبيان لبديعة البيان (٣/ ١٤٩٦) ترجمة رقم: (١٢١١).
(٦) الوفيات، لابن رافع (٢/ ٢٤٤) رقم: (٧٥٩)، وينظر: الدليل الشافي (٢/ ٧٣٧) ترجمة رقم: (٢٥١٨).
(٧) أعيان العصر وأعوان النصر (٥/ ٤٣٤)، وينظر: الدليل الشافي (٢/ ٧٣٧) ترجمة رقم: (٢٥١٨).
(٨) نيل الأمل في ذيل الدول لزين الدين الملطي (١/ ٣٣٢).
(٩) ذكره عنه أحمد حاج عبد الرحمن محمد في كتابه: الحافظ مُغلطاي وجهوده في علوم الحديث (ص ٢٩).
стр. 33
كما نشأ أيضًا في بيت قوة وجهاد، فقد كان أبوه قائدًا من قادة المماليك (١)، لذلك حرص على أن يجعل من ابنه فارسًا قويًا، ليكون بعد ذلك من قادة الفتوحات الإسلامية، وهذه عادة الأتراك في ذلك العصر لا سيما القادة منهم، دأبهم تعلم الفروسية والقتال في سبيل الله، ووالد مُغلطاي منهم، فلقبه قليج، وهي تعني السيف باللغة التركية كما تقدم، ويقال في نسبته: البَكْجري، وهو لفظ مركب من كلمتين: (بك) بمعنى الصلب. و (جري) بمعنى الجندي، فيكون معنى هذا المركب اللفظي: بكجري: الجندي الصلب (٢).
قال ابن فهد: «كان أبوه في صباه يُرسله ليرمي بالنُشَّاب (٣)، فيخالفه ويذهب إلى حلق أهل العلم، ولا سيما الأنساب» (٤)، وإيثار مجالس العلم على لهو الصبيان، لا يقع عادةً ممن كان في سنه من الصبيان، إلا ممن كان مُحِبًّا لمجالس العلم وأهله، قد تعلق قلبه وعقله فيهما، ولما رأى أبوه رغبة ابنه بطلب العلم، قدم رغبة ابنه على رغبته، فكان يطوف به بنفسه على مجالسه كما ذكر ذلك الحافظ مُغلطاي نفسه.
المطلب الثالث أسرته
تقدم أن الحافظ مُغلطاي نشأ في بيئة علمية، وممن عُرف بطلب العلم من أسرته:
١ - أبوه: داود بن عبد الله الملقب بقليج، فقد ذكر الحافظ مُغلطاي نفسه، أنه كان وهو شاب صغير يحضر مع والده مجالس الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد، كما كان يطوف به أبوه على المجالس ليسمعه من شيوخها (٥).
_________
(١) ذكره مغلطاي في كتابه الإيصال، كما أفاده خميس الغامدي في مقدمة تحقيقه لكتاب: الزهر الباسم في سيرة أبي القاسم ﷺ ، لمغلطاي (ص ٣٩).
(٢) ذكره عنه أحمد حاج عبد الرحمن محمد في كتابه: الحافظ مُغلطاي وجهوده في علوم الحديث (ص ١٤).
(٣) النشاب: السهام التي يُرمى بها. ابن منظور، لسان العرب (١/ ٧٥٧)، مادة: (نشب).
(٤) لحظ الألحاظ (ص ٩١).
(٥) ذكره عنه أحمد حاج عبد الرحمن محمد في كتابه: الحافظ مُغلطاي وجهوده في علوم الحديث (ص ٢٩).
стр. 34
٢ - زوجته: مُلُوك بنت علي الحسيني، قال ابن ناصر الدين الدمشقي: «أخذت عن زوجها، وقرأت بِنَفْسِهَا، وكتبت التسميع» (١).
٣ - ابنه: عبد الله بن مغلطاي بن قليج، أخذ عن أبيه، «وبُكِّر به أبوه فأسمعه صحيح البخاري على الحجار، وهو في الخامسة، وأسمعه على الدبوسي والواني والصنهاجي وَغَيرهم، سمع مِنْهُ جَمَاعَة من أقراننا [أي: الحافظ ابن حجر]، وَمَات في ثاني عشر ربيع الأول، سنة ٧٩١ هـ» (٢).
المطلب الرابع: وفاته
ظل الحافظ مغلطاي على هذا الحال من التدريس والتصنيف، إلى أن وافته المنيَّة، «وجاء الخبر إلى دمشق بوفاته، في سلخ شهر رمضان المعظم، سنة اثنتين وستين وسبعمئة» (٣).
وعين ابن فهد تاريخ وفاته، فذكر أنه «مات في شعبان في سنة اثنتين وستين وسبعمئة، وذلك في يوم الثلاثاء، الرابع والعشرين، في المهدية، خارج باب زويلة، من القاهرة، بحارة حلب (٤)، ودفن بالريدانية (٥)، وتقدم في الصلاة عليه القاضي عز الدين ابن جماعة» (٦)، وذكر الحافظ ابن حجر في الدرر الكامنة (٧) أنه توفي في هذه السنة، وهو قول جمهور من ترجم له (٨).
_________
(١) توضيح المشتبه (٨/ ٦٢٨).
(٢) الدرر الكامنة (٣/ ٩١) ترجمة رقم: (٢٢٣٩).
(٣) أعيان العصر (٥/ ٤٣٤).
(٤) حارة حلب: تقع خارج باب زويلة تعرف بزقاق حلب، وكانت قديما من جملة مساكن الأجناد. المواعظ والاعتبار (٣/ ٤٥).
(٥) الريدانية: كانت بستاناً لريدان الصقلبي، أحد خُدام الخليفة العزيز بالله بن المُعِز، ثم جعلت محلا لدفن الموتى. المواعظ والاعتبار (٣/ ٢٤٧ - ٢٤٨).
(٦) لحظ الألحاظ (ص ٩٤).
(٧) الدرر الكامنة (٦/ ١١٦) ترجمة رقم: (٢٣١٠).
(٨) ينظر: تاج التراجم (٢/ ١١٤)، والوفيات، لابن رافع (٢/ ٢٤٣) ترجمة رقم: (٧٥٩)، الذيل على العبر لابن العراقي (١/ ٧٠)، حسن المحاضرة (١/ ٣٥٩) ترجمة رقم: (٩٢)، وشذرات الذهب (٨/ ٣٣٧)، لابن العماد، ولكنه ذكر أنه توفي في الرابع عشر، ولعله خطأ =
стр. 35
وذكر المراغي أنه توفي في شعبان، سنة (٧٦١ هـ) (١)، وذكر مثله الحافظ ابن حجر في اللسان (٢)، ولعل الصواب ما ذكره الجمهور، أنه توفي سنة (٧٦٢ هـ).
﵀ رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته.
_________
= أو تصحف عن الرابع والعشرين.
(١) مشيخة أبي بكر المراغي (ص ٣٢٤).
(٢) لسان الميزان (٨/ ١٢٨) ترجمة رقم: (٧٨٦٧).
стр. 36
المبحث الثالث سيرته العلمية، وثناء العلماء عليه
هذا المبحث أذكر فيه السيرة العلمية للحافظ مغلطاي، واستعرض فيه بداياته في الطلب، ثم أذكر شيوخه، وتلاميذه، ومؤلفاته، وثناء العلماء عليه، وذلك من خلال المطالب الآتية:
المطلب الأول طلبه للعلم
كان الحافظ مغلطاي كثير المطالعة والكتابة، كما كان ساكنا، قليل الاتصال بالناس إلا بما له متعلق بالعلم وتعلمه (١)، قال الصفدي: «وكان كثير السكوت والميل إلى الموادعة والركون، جَمَع مجاميع حسنة، وألف تواليف أتعب فيها أنامله، وكَدَّ أجفانه الوَسِنَةَ» (٢).
وقد ذكرت في نشأته أنه طلب العلم في سن مبكرة من عمره، فقد نقل الحافظ ابن حجر، عن شيخه العراقي أنه قال: «أقدم ما وجدت له من السماع، سنة سبع عشرة، بخط من يوثق به، وادعى هو السماع قبل ذلك بزمان، فتكلم فيه لذلك، قال: وسألته عن أول سماعه؟ فقال: رحلت قبل السبعمئة إلى الشام. فقلت: هل سمعت بها شيئًا؟ قال: سمعت شِعرًا. ثم ادعى أنه سمع على أبي الحسن بن الصواف، راوي النسائي، فسألته عن ذلك؟ فقال: سمعت عليه أربعين حديثا من النسائي، انتقاء نور الدين الهاشمي، بقراءته، ثم أخرج بعد مدة جزءًا منتقى من النسائي بخطه، ليس عليه طبقة، لا بخطه، ولا بخط غيره، فذكر أنه قرأه بنفسه سنة اثنتي عشرة على ابن الصواف، يعني سنة موته» (٣).
_________
(١) الدرر الكامنة (٦/ ١١٥).
(٢) أعيان العصر (٥/ ٤٣٤).
(٣) لسان الميزان (٨/ ١٢٤).
стр. 37
وقد ذكر الحافظ مغلطاي أنه كان له سماع في سنة تسع وسبعمئة، فقال في كتابه الإعلام بسننه، وهو شرح لسنن ابن ماجه، قال فيه: «فلما سافرت إلى الشام، سنة تسع وسبعمائة في شوال، نزلنا منزلة العريش، على شاطئ البحر، يوم الثلاثاء، تاسعه» (١).
وقال أيضًا: «ولما دخلت حمص سنة تسع وسبعمائة، أفادني بعض الفضلاء جزءًا من الحديث، لا أدري الآن من مخرجه، ولا ما سنده» (٢).
كما ذكر أنه سمع شيئًا من كتاب شرح السُّنَّة للإمام البغوي، قبل سنة سبع عشرة وسبعمئة، فذكر في شرحه لسنن ابن ماجه حديثًا، ثم ذكر أن البغوي لما ذكر هذا الحديث في كتابه شرح السُّنَّة، قال: حديث عبد خير صحيح حسن. ثم قال مغلطاي: «نا بذلك، العلامة أبو الحسن ابن موسى الحجازي، بقراءتي عليه، في شهور سنة إحدى عشرة وسبعمئة، جميع كتاب الطهارة منه، والزكاة والحج، ومناولة لباقي ذلك» (٣).
وقد نقل ابن فهد المكي، عن شيخه زين الدين العراقي، أن الحافظ مغلطاي، ذكر له أنه «أجاز له الفخر ابن البخاري، قال شيخنا [أي: العراقي]: فذكرت ذلك لشيخنا العلامة تقي الدين السبكي، فاستبعده، وقال: عَرَض عليَّ كفاية المتحفظ (٤)، سنة خمس عشرة، وهو أمرد بغير لحية» (٥).
وقد كان الحافظ مغلطاي يحفظ الفصيح لثعلب، وكفاية المتحفظ لابن الأجدابي، وله اتساع في نقل اللغة، وفي الاطلاع على طرق الحديث، كما وُصِفَ بأنه كانت عنده كتب كثيرة وأصول صحيحة (٦)، ظلَّ الحافظ مغلطاي على هذه الحال، مُكِبًا على طلب العلم بجميع فنونه، منشغلًا بالمدارسة والتحصيل والتصنيف، حتى غدا إمامًا معروفًا، وعلامة مشهورًا، بشهادة علماء عصره، يُرحل
_________
(١) الإعلام بسننه، وهو شرح لسنن ابن ماجه (ص ٢٤٠).
(٢) المصدر السابق (ص ٣٨٩).
(٣) المصدر السابق (ص ٢٦١ - ٢٦٢).
(٤) كفاية المتحفظ ونهاية المتلفظ في اللغة العربية، لإبراهيم بن إسماعيل بن أحمد الطرابلسي، المعروف بابن الأجدابي، المتوفى نحو سنة (٤٧٠ هـ). بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، للسيوطي (١/ ٤٠٨) ترجمة رقم: (٨١٦).
(٥) لحظ الألحاظ (ص ٩١).
(٦) لحظ الألحاظ (ص ٩١ - ٩٢)، وأعيان العصر (٥/ ٤٣٥).
стр. 38
إليه، فقصده الطلاب من كلِّ حَدْبٍ وصَوْب، فانتفعوا به، وبعلمه.
إلا أن كتب التراجم لم تذكر شيئًا عن رحلاته، إلا ما تقدم أنه سافر إلى الشام، وهو شاب صغير، وتنقل في بعض مناطقها؛ كحمص وغيرها، وسمع من علمائها، وحصل فيها بعض المسموعات، وقال ابن تغري بردي في ترجمته له: «تخرج بالحافظ فتح الدين ابن سيد الناس وغيره، ورَحَلَ، وكَتَبَ، وصَنَّف» (١)، وهذا نص من ابن تغري بردي بأنه كان للحافظ مُغلطاي رحلة في طلب العلم.
وسيأتي في مصنفاته، أن له كتابًا اسمه: «النحلة في فوائد الرحلة»، مما يدلّ أنه ﵀ له عناية ودراية بأهمية الرحلة في طلب العلم، ولكن هذا الكتاب مفقود، فلا ندري أهو في ذكر شيء من رحلاته، أم في بيان فضل الرحلة في الطلب.
المطلب الثاني شيوخه
ذكر ابن فهد أن جُلَّ طلب الحافظ مغلطاي للعلم كان في العشر الثاني بعد السبع مئة، وأنه أكثَرَ السَّماعَ من شيوخ عصره في هذه الفترة (٢)، ومقامه بالقاهرة التي كانت في ذاك الوقت عامرة بالعلماء والحفاظ والفقهاء، أتاح له الفرصة للقاء العديد من مشاهيرهم.
وقد ذكر غير واحد ممن اعتنوا بترجمة الحافظ مغلطاي، أنه ﵀ كان قد أكثر السماع من شيوخ عصره، حتى قال فيه الحافظ ابن حجر: «وأكثر جدا من القراءة بنفسه، والسماع» (٣)، وقال فيه أيضًا بعد أن ذكر أنه أكثر عن شيوخ عصره، حتى بالغ في ذلك: «وحصل من المسموعات ما يطول عدّه، وأكثر طلبه بنفسه وقراءته» (٤).
ولا شك أنّ العصر الذي عاش فيه هو من العصور التي شهدت نشاطًا ملحوظًا في الجانب العلمي، مما شهده من كثرة العلماء، ومن إنشاء المراكز العلمية كالمدارس والمساجد، على ما سلف بيانه وتفصيله في المبحث السابق، وأوضحت
_________
(١) النجوم الزاهرة (١١/ ٩).
(٢) لحظ الألحاظ (ص ٩١).
(٣) الدرر الكامنة (٦/ ١١٤) ترجمة رقم: (٢٣١٠).
(٤) لسان الميزان (٨/ ١٢٤) ترجمة رقم: (٧٨٦٧).
стр. 39
فيه كيف أن مصر على وجه العموم، والقاهرة على وجه الخصوص، كانت آنذاك من أهم الحواضر العلمية، شأنها في ذلك شأن بلاد الشام، وكيف حظيتا بازدحام العلماء وطلبة العلم إليهما، الأمر الذي أتاح للحافظ مغلطاي السماع من أكابر علماء هذا العصر (١)، وفيما يلي أبرز شيوخ الحافظ مغلطاي الذين أخذ عنهم:
١ - ابن تيمية، شيخ الإسلام، أبو العباس، تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني، الدمشقي، المُتوفّى سَنَة (٧٢٨ هـ) (٢)، وقد صرح الحافظ مغلطاي مرارًا بأن شيخ الإسلام ابن تيمية من شيوخه، فقال مغلطاي في إكمال تهذيب الكمال، في ترجمة زهرة غير منسوب، قال: «وخرج حديثه عن أسامة، الحافظ ضياء الدين المقدسي في صحيحه»، كذا سماه شيخنا تقي الدين ابن تيمية، وغيره وبعضهم يسميه: «الأحاديث المختارة» (٣). وقال في كتابه الواضح المبين: «ويُشبه أن يكون هذا مستند شيخنا العلامة تقي الدين ابن تيمية ﵀» (٤)، وجاء عنه أصرح من ذلك، فقال في كتابه الإيصال: «شيخنا الإمام، … تقي الدين أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية، الذي طبق ذكره جميع الأقطار، وشاع علمه في جميع الأمصار، فبذلك استغنينا عن التعريف بحاله، رأيته بالقاهرة، وأجازني مشافهة، … وجئته يومًا لأُودعه وسألته الوصية والدعاء، فقال لي: يا غلام روينا في كتاب الترمذي، بإسناد ثابت، أن النبي ﷺ قال لابن عباس: «يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ، احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، … » الحديث (٥)، ثم قال: هكذا ذكره بغير إسناد، ثم ذكر أنه يرويه، عن أبي الحسن ابن البخاري، سماعًا» (٦)، كما قال في كتابه التلويح: «وحُدِّثْتُ من غير وجه أنّ الشيخ نجم الدين
_________
(١) الدرر الكامنة (٦/ ١١٤) ترجمة رقم: (٢٣١٠).
(٢) تذكرة الحفاظ، للذهبي (٤/ ١٩٢) ترجمة رقم: (١١٧٥)، وشذرات الذهب (٨/ ١٤٢).
(٣) إكمال تهذيب الكمال (٥/ ٨٣) ترجمة رقم: (١٦٨٧).
(٤) الواضح المبين في ذكر من استشهد من المحبين (ص ٧٤).
(٥) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب صفة القيام والرقائق والورع، باب (٤/ ٦٦٧) الحديث رقم: (٢٥١٦)، والإمام أحمد في مسنده (٤/ ٤٠٩) الحديث رقم: (٢٦٦٩)، من طرق عن قيس بن الحجاج، عن حنش الصنعاني، عن ابن عباس، قال: «كنت خلف رسول الله ﷺ ، فقال: … » وذكره. قال الترمذي: «حديث حسن صحيح».
(٦) ذكره أحمد حاج بن عبد الرحمن محمد، في: الحافظ مغلطاي وجهوده في علوم الحديث (ص ٢٠).
стр. 40
ابن الرفعة استفتى شيخنا ابن تيمية في مثل هذا، فأجاب» (١).
٢ - السبكي، تقي الدين، أبو الحسن، علي بن عبد الكافي بن علي، قاضي القضاة، من الأئمة الحفاظ، له عدة مصنّفات، المُتوفّى سَنَة (٧٥٦ هـ) (٢)، عرض الحافظ مغلطاي وهو شاب صغير أمرد بغير لحية على الحافظ السبكي كتاب كفاية المتحفظ (٣).
٣ - ابن سيّد الناس، أبو الفتح، محمد بن محمد بن محمد بن أحمد اليعمري، الشافعي، الإمام الحافظ الأندلسي، الإشبيلي، المصري، أحد الأئمة الحفاظ، وَلِيَ التدريس بأماكن منها الظاهرية، وله عدة مصنّفات، توفي سنة (٧٣٤ هـ) (٤)، وقد لازمه وتخرج به الحافظ مغلطاي، وقد ولي التدريس بعده في المدرسة الظاهرية (٥).
٤ - القزويني، محمد بن عبد الرحمن بن عمر العجلي، أبو عبد الله القزويني، جلال الدين، قاضي القضاة بالديار المصرية، وبلاد الشام، كان رجلا فاضلا متفننا، المتوفَّى سَنَة (٧٣٩ هـ) (٦)، وكان قد لازمه الحافظ مغلطاي، وانتفع بصحبته كثيرًا (٧).
٥ - المِزّي، أبو الحجاج يوسف بن عبد الرحمن بن يوسف، جمال الدين، الإمام الحافظ، صاحب كتاب تهذيب الكمال في أسماء الرجال، وغيره من الكتب الكبيرة النافعة، المُتوفّى سَنَة (٧٤٢ هـ) (٨)، قال الحافظ مغلطاي في مقدمة كتابه إكمال تهذيب الكمال: «رأيت أن أذكر في هذا الكتاب، ما يصلح أن يكون إكمالا لتهذيب الكمال، الذي ألفه شيخنا العلامة الحافظ المتقن المتفنن، جمال الدين
_________
(١) ذكره أحمد حاج بن عبد الرحمن محمد، في الحافظ مغلطاي وجهوده في علوم الحديث (ص ١٩ - ٢٠).
(٢) الدرر الكامنة (٤/ ٧٤) ترجمة رقم: (١٤٨)، والبدر الطالع (٤٦٧/ ١) ترجمة رقم: (٢٢٤).
(٣) لسان الميزان (٨/ ١٢٥) ترجمة رقم: (٧٨٦٧)، ولحظ الألحاظ (ص ٩١).
(٤) المعجم المختص بالمحدثين (ص ٢٦٠ - ٢٦١)، وطبقات الشافعية الكبرى (٩/ ٢٦٨) ترجمة رقم: (١٣٣١).
(٥) لحظ الألحاظ (ص ٩٣، ٩٤)، وينظر: الدرر الكامنة (٦/ ١١٤) ترجمة رقم: (٢٣١٠).
(٦) طبقات الشافعية الكبرى، للسبكي (٩/ ١٥٨) ترجمة رقم: (١٣١٨).
(٧) أعيان العصر (٥/ ٤٣٤)، وينظر: سلم الوصول إلى طبقات الفحول (٣/ ٣٤٦) ترجمة رقم: (٥٠٣٣).
(٨) تذكرة الحفاظ، للذهبي (٤/ ١٩٣)، ترجمة رقم: (١١٧٦).
следующие страницы →