Полный текст (2 959 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
المبحث الثالث سيرته العلمية، وثناء العلماء عليه
هذا المبحث أذكر فيه السيرة العلمية للحافظ مغلطاي، واستعرض فيه بداياته في الطلب، ثم أذكر شيوخه، وتلاميذه، ومؤلفاته، وثناء العلماء عليه، وذلك من خلال المطالب الآتية:
المطلب الأول طلبه للعلم
كان الحافظ مغلطاي كثير المطالعة والكتابة، كما كان ساكنا، قليل الاتصال بالناس إلا بما له متعلق بالعلم وتعلمه (١)، قال الصفدي: «وكان كثير السكوت والميل إلى الموادعة والركون، جَمَع مجاميع حسنة، وألف تواليف أتعب فيها أنامله، وكَدَّ أجفانه الوَسِنَةَ» (٢).
وقد ذكرت في نشأته أنه طلب العلم في سن مبكرة من عمره، فقد نقل الحافظ ابن حجر، عن شيخه العراقي أنه قال: «أقدم ما وجدت له من السماع، سنة سبع عشرة، بخط من يوثق به، وادعى هو السماع قبل ذلك بزمان، فتكلم فيه لذلك، قال: وسألته عن أول سماعه؟ فقال: رحلت قبل السبعمئة إلى الشام. فقلت: هل سمعت بها شيئًا؟ قال: سمعت شِعرًا. ثم ادعى أنه سمع على أبي الحسن بن الصواف، راوي النسائي، فسألته عن ذلك؟ فقال: سمعت عليه أربعين حديثا من النسائي، انتقاء نور الدين الهاشمي، بقراءته، ثم أخرج بعد مدة جزءًا منتقى من النسائي بخطه، ليس عليه طبقة، لا بخطه، ولا بخط غيره، فذكر أنه قرأه بنفسه سنة اثنتي عشرة على ابن الصواف، يعني سنة موته» (٣).
_________
(١) الدرر الكامنة (٦/ ١١٥).
(٢) أعيان العصر (٥/ ٤٣٤).
(٣) لسان الميزان (٨/ ١٢٤).
стр. 37
وقد ذكر الحافظ مغلطاي أنه كان له سماع في سنة تسع وسبعمئة، فقال في كتابه الإعلام بسننه، وهو شرح لسنن ابن ماجه، قال فيه: «فلما سافرت إلى الشام، سنة تسع وسبعمائة في شوال، نزلنا منزلة العريش، على شاطئ البحر، يوم الثلاثاء، تاسعه» (١).
وقال أيضًا: «ولما دخلت حمص سنة تسع وسبعمائة، أفادني بعض الفضلاء جزءًا من الحديث، لا أدري الآن من مخرجه، ولا ما سنده» (٢).
كما ذكر أنه سمع شيئًا من كتاب شرح السُّنَّة للإمام البغوي، قبل سنة سبع عشرة وسبعمئة، فذكر في شرحه لسنن ابن ماجه حديثًا، ثم ذكر أن البغوي لما ذكر هذا الحديث في كتابه شرح السُّنَّة، قال: حديث عبد خير صحيح حسن. ثم قال مغلطاي: «نا بذلك، العلامة أبو الحسن ابن موسى الحجازي، بقراءتي عليه، في شهور سنة إحدى عشرة وسبعمئة، جميع كتاب الطهارة منه، والزكاة والحج، ومناولة لباقي ذلك» (٣).
وقد نقل ابن فهد المكي، عن شيخه زين الدين العراقي، أن الحافظ مغلطاي، ذكر له أنه «أجاز له الفخر ابن البخاري، قال شيخنا [أي: العراقي]: فذكرت ذلك لشيخنا العلامة تقي الدين السبكي، فاستبعده، وقال: عَرَض عليَّ كفاية المتحفظ (٤)، سنة خمس عشرة، وهو أمرد بغير لحية» (٥).
وقد كان الحافظ مغلطاي يحفظ الفصيح لثعلب، وكفاية المتحفظ لابن الأجدابي، وله اتساع في نقل اللغة، وفي الاطلاع على طرق الحديث، كما وُصِفَ بأنه كانت عنده كتب كثيرة وأصول صحيحة (٦)، ظلَّ الحافظ مغلطاي على هذه الحال، مُكِبًا على طلب العلم بجميع فنونه، منشغلًا بالمدارسة والتحصيل والتصنيف، حتى غدا إمامًا معروفًا، وعلامة مشهورًا، بشهادة علماء عصره، يُرحل
_________
(١) الإعلام بسننه، وهو شرح لسنن ابن ماجه (ص ٢٤٠).
(٢) المصدر السابق (ص ٣٨٩).
(٣) المصدر السابق (ص ٢٦١ - ٢٦٢).
(٤) كفاية المتحفظ ونهاية المتلفظ في اللغة العربية، لإبراهيم بن إسماعيل بن أحمد الطرابلسي، المعروف بابن الأجدابي، المتوفى نحو سنة (٤٧٠ هـ). بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، للسيوطي (١/ ٤٠٨) ترجمة رقم: (٨١٦).
(٥) لحظ الألحاظ (ص ٩١).
(٦) لحظ الألحاظ (ص ٩١ - ٩٢)، وأعيان العصر (٥/ ٤٣٥).
стр. 38
إليه، فقصده الطلاب من كلِّ حَدْبٍ وصَوْب، فانتفعوا به، وبعلمه.
إلا أن كتب التراجم لم تذكر شيئًا عن رحلاته، إلا ما تقدم أنه سافر إلى الشام، وهو شاب صغير، وتنقل في بعض مناطقها؛ كحمص وغيرها، وسمع من علمائها، وحصل فيها بعض المسموعات، وقال ابن تغري بردي في ترجمته له: «تخرج بالحافظ فتح الدين ابن سيد الناس وغيره، ورَحَلَ، وكَتَبَ، وصَنَّف» (١)، وهذا نص من ابن تغري بردي بأنه كان للحافظ مُغلطاي رحلة في طلب العلم.
وسيأتي في مصنفاته، أن له كتابًا اسمه: «النحلة في فوائد الرحلة»، مما يدلّ أنه ﵀ له عناية ودراية بأهمية الرحلة في طلب العلم، ولكن هذا الكتاب مفقود، فلا ندري أهو في ذكر شيء من رحلاته، أم في بيان فضل الرحلة في الطلب.
المطلب الثاني شيوخه
ذكر ابن فهد أن جُلَّ طلب الحافظ مغلطاي للعلم كان في العشر الثاني بعد السبع مئة، وأنه أكثَرَ السَّماعَ من شيوخ عصره في هذه الفترة (٢)، ومقامه بالقاهرة التي كانت في ذاك الوقت عامرة بالعلماء والحفاظ والفقهاء، أتاح له الفرصة للقاء العديد من مشاهيرهم.
وقد ذكر غير واحد ممن اعتنوا بترجمة الحافظ مغلطاي، أنه ﵀ كان قد أكثر السماع من شيوخ عصره، حتى قال فيه الحافظ ابن حجر: «وأكثر جدا من القراءة بنفسه، والسماع» (٣)، وقال فيه أيضًا بعد أن ذكر أنه أكثر عن شيوخ عصره، حتى بالغ في ذلك: «وحصل من المسموعات ما يطول عدّه، وأكثر طلبه بنفسه وقراءته» (٤).
ولا شك أنّ العصر الذي عاش فيه هو من العصور التي شهدت نشاطًا ملحوظًا في الجانب العلمي، مما شهده من كثرة العلماء، ومن إنشاء المراكز العلمية كالمدارس والمساجد، على ما سلف بيانه وتفصيله في المبحث السابق، وأوضحت
_________
(١) النجوم الزاهرة (١١/ ٩).
(٢) لحظ الألحاظ (ص ٩١).
(٣) الدرر الكامنة (٦/ ١١٤) ترجمة رقم: (٢٣١٠).
(٤) لسان الميزان (٨/ ١٢٤) ترجمة رقم: (٧٨٦٧).
стр. 39
فيه كيف أن مصر على وجه العموم، والقاهرة على وجه الخصوص، كانت آنذاك من أهم الحواضر العلمية، شأنها في ذلك شأن بلاد الشام، وكيف حظيتا بازدحام العلماء وطلبة العلم إليهما، الأمر الذي أتاح للحافظ مغلطاي السماع من أكابر علماء هذا العصر (١)، وفيما يلي أبرز شيوخ الحافظ مغلطاي الذين أخذ عنهم:
١ - ابن تيمية، شيخ الإسلام، أبو العباس، تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني، الدمشقي، المُتوفّى سَنَة (٧٢٨ هـ) (٢)، وقد صرح الحافظ مغلطاي مرارًا بأن شيخ الإسلام ابن تيمية من شيوخه، فقال مغلطاي في إكمال تهذيب الكمال، في ترجمة زهرة غير منسوب، قال: «وخرج حديثه عن أسامة، الحافظ ضياء الدين المقدسي في صحيحه»، كذا سماه شيخنا تقي الدين ابن تيمية، وغيره وبعضهم يسميه: «الأحاديث المختارة» (٣). وقال في كتابه الواضح المبين: «ويُشبه أن يكون هذا مستند شيخنا العلامة تقي الدين ابن تيمية ﵀» (٤)، وجاء عنه أصرح من ذلك، فقال في كتابه الإيصال: «شيخنا الإمام، … تقي الدين أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية، الذي طبق ذكره جميع الأقطار، وشاع علمه في جميع الأمصار، فبذلك استغنينا عن التعريف بحاله، رأيته بالقاهرة، وأجازني مشافهة، … وجئته يومًا لأُودعه وسألته الوصية والدعاء، فقال لي: يا غلام روينا في كتاب الترمذي، بإسناد ثابت، أن النبي ﷺ قال لابن عباس: «يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ، احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، … » الحديث (٥)، ثم قال: هكذا ذكره بغير إسناد، ثم ذكر أنه يرويه، عن أبي الحسن ابن البخاري، سماعًا» (٦)، كما قال في كتابه التلويح: «وحُدِّثْتُ من غير وجه أنّ الشيخ نجم الدين
_________
(١) الدرر الكامنة (٦/ ١١٤) ترجمة رقم: (٢٣١٠).
(٢) تذكرة الحفاظ، للذهبي (٤/ ١٩٢) ترجمة رقم: (١١٧٥)، وشذرات الذهب (٨/ ١٤٢).
(٣) إكمال تهذيب الكمال (٥/ ٨٣) ترجمة رقم: (١٦٨٧).
(٤) الواضح المبين في ذكر من استشهد من المحبين (ص ٧٤).
(٥) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب صفة القيام والرقائق والورع، باب (٤/ ٦٦٧) الحديث رقم: (٢٥١٦)، والإمام أحمد في مسنده (٤/ ٤٠٩) الحديث رقم: (٢٦٦٩)، من طرق عن قيس بن الحجاج، عن حنش الصنعاني، عن ابن عباس، قال: «كنت خلف رسول الله ﷺ ، فقال: … » وذكره. قال الترمذي: «حديث حسن صحيح».
(٦) ذكره أحمد حاج بن عبد الرحمن محمد، في: الحافظ مغلطاي وجهوده في علوم الحديث (ص ٢٠).
стр. 40
ابن الرفعة استفتى شيخنا ابن تيمية في مثل هذا، فأجاب» (١).
٢ - السبكي، تقي الدين، أبو الحسن، علي بن عبد الكافي بن علي، قاضي القضاة، من الأئمة الحفاظ، له عدة مصنّفات، المُتوفّى سَنَة (٧٥٦ هـ) (٢)، عرض الحافظ مغلطاي وهو شاب صغير أمرد بغير لحية على الحافظ السبكي كتاب كفاية المتحفظ (٣).
٣ - ابن سيّد الناس، أبو الفتح، محمد بن محمد بن محمد بن أحمد اليعمري، الشافعي، الإمام الحافظ الأندلسي، الإشبيلي، المصري، أحد الأئمة الحفاظ، وَلِيَ التدريس بأماكن منها الظاهرية، وله عدة مصنّفات، توفي سنة (٧٣٤ هـ) (٤)، وقد لازمه وتخرج به الحافظ مغلطاي، وقد ولي التدريس بعده في المدرسة الظاهرية (٥).
٤ - القزويني، محمد بن عبد الرحمن بن عمر العجلي، أبو عبد الله القزويني، جلال الدين، قاضي القضاة بالديار المصرية، وبلاد الشام، كان رجلا فاضلا متفننا، المتوفَّى سَنَة (٧٣٩ هـ) (٦)، وكان قد لازمه الحافظ مغلطاي، وانتفع بصحبته كثيرًا (٧).
٥ - المِزّي، أبو الحجاج يوسف بن عبد الرحمن بن يوسف، جمال الدين، الإمام الحافظ، صاحب كتاب تهذيب الكمال في أسماء الرجال، وغيره من الكتب الكبيرة النافعة، المُتوفّى سَنَة (٧٤٢ هـ) (٨)، قال الحافظ مغلطاي في مقدمة كتابه إكمال تهذيب الكمال: «رأيت أن أذكر في هذا الكتاب، ما يصلح أن يكون إكمالا لتهذيب الكمال، الذي ألفه شيخنا العلامة الحافظ المتقن المتفنن، جمال الدين
_________
(١) ذكره أحمد حاج بن عبد الرحمن محمد، في الحافظ مغلطاي وجهوده في علوم الحديث (ص ١٩ - ٢٠).
(٢) الدرر الكامنة (٤/ ٧٤) ترجمة رقم: (١٤٨)، والبدر الطالع (٤٦٧/ ١) ترجمة رقم: (٢٢٤).
(٣) لسان الميزان (٨/ ١٢٥) ترجمة رقم: (٧٨٦٧)، ولحظ الألحاظ (ص ٩١).
(٤) المعجم المختص بالمحدثين (ص ٢٦٠ - ٢٦١)، وطبقات الشافعية الكبرى (٩/ ٢٦٨) ترجمة رقم: (١٣٣١).
(٥) لحظ الألحاظ (ص ٩٣، ٩٤)، وينظر: الدرر الكامنة (٦/ ١١٤) ترجمة رقم: (٢٣١٠).
(٦) طبقات الشافعية الكبرى، للسبكي (٩/ ١٥٨) ترجمة رقم: (١٣١٨).
(٧) أعيان العصر (٥/ ٤٣٤)، وينظر: سلم الوصول إلى طبقات الفحول (٣/ ٣٤٦) ترجمة رقم: (٥٠٣٣).
(٨) تذكرة الحفاظ، للذهبي (٤/ ١٩٣)، ترجمة رقم: (١١٧٦).
стр. 41
المزي، رحمه الله تعالى، وغفر له، وأحله من الجنة خير منزلة» (١).
وغيرهم كثير ممن قطع أهل العلم بسماع الحافظ مغلطاي منهم (٢).
وذكر بعض أصحاب التراجم ممن ترجم له شيوخا روى عنهم الحافظ مغلطاي، إلا أنه اختلف في سماعه منهم، وهم:
١ - ابن دقيق العيد، أبو الفتح، تقي الدين، محمد بن علي بن وهب بن مطيع القشيري، المتوفى سنة (٧٠٢ هـ) (٣)، فقد ذكر الحافظ ابن حجر تبعًا لشيخه الحافظ العراقي أنه لم يسمع منه (٤)، وكذلك نقل الشوكاني عن الحافظ ابن رجب (٥)، وذكر ابن ناصر الدين الدمشقي، أن رواية مُغلطاي لا تصح عنه، لأنه لم يَسْمَع منه (٦).
إلا أن الحافظ مُغلطاي ذكر بنفسه أنه كان يحضر مجالس ابن دقيق العيد مع أبيه وهو شاب صغير، كما ذكرته عنه قريبًا، وذكر ابن رافع أنه سمع منه (٧).
٢ - الدمياطي، عبد المؤمن بن خلف بن أبي الحسن، شرف الدين، أبو محمد الدمياطي، الشافعي، صنف كتبًا كثيرةً، منها: كتاب في الصلاة الوسطى، وآخر في الخيل، وثالث في قبائل الخزرج، المتوفى سنة (٧٠٥ هـ) (٨)، وقالوا: أنه لم يسمع منه، وأن أول سماعه سنة (٧١٧ هـ)، والدمياطي توفي سنة (٧٠٥ هـ) (٩)، ذكر ابن ناصر الدين الدمشقي، أنه لا تصح روايةُ مُغلطاي عنه، لأنه لم يَسْمَع منه (١٠).
وقد تقدم أن الحافظ مُغلطاي وقع له سماع قبل هذه السنة التي ذكرها الحافظ العراقي.
_________
(١) إكمال تهذيب الكمال (١/ ٢).
(٢) استوفى ذكر عدد كبير منهم أحمد حاج بن عبد الرحمن في رسالته: الحافظ مغلطاي وجهوده في علوم الحديث (ص ١٩ - ٣٥).
(٣) طبقات الشافعية الكبرى (٩/ ٢٠٧)، ترجمة رقم: (١٣٢٦).
(٤) لسان الميزان (٨/ ١٢٥)، ترجمة رقم: (٧٨٦٧).
(٥) البدر الطالع (٢/ ٣١٣).
(٦) التبيان لبديعة البيان (٣/ ١٤٩٧) ترجمة رقم: (١٢١١)، وينظر: لحظ الألحاظ (ص ٩٢).
(٧) الوفيات (٢/ ٢٤٣) ترجمة رقم: (٧٥٩).
(٨) الدرر الكامنة (٣/ ٢٢١) ترجمة رقم: (٢٥٢٦)، وفوات الوفيات (٢/ ٤٠٩).
(٩) الدرر الكامنة (٦/ ١١٦)، ولحظ الألحاظ (ص ٩٢).
(١٠) التبيان لبديعة البيان (٣/ ١٤٩٧) ترجمة رقم: (١٢١١)، وينظر: الذيل على العبر (١/ ٧٠).
стр. 42
كما أن الحافظ مُغلطاي نفْسَه صرّح بأنه من شيوخه، فقال في إكمال تهذيب الكمال: «وقال شيخنا أبو محمد الحافظ في كتاب الخزرج: … ... » (١)
٣ - ابن الصَّوَّاف، أبو الحسن، نور الدين، علي بن نصر الله بن عمر بن عبد الواحد، القرشي المصري، المُتوفَّى سَنَة (٧١٢ هـ) (٢)، ذكروا عن الحافظ مُغلطاي أنه سمع منه أربعين حديثًا من النسائي، انتقاء نور الدين الهاشمي بقراءته، قال الحافظ ابن حجر نقلًا عن شيخه العراقي: «أخرج بعد مدة جزءًا مُنتقى من النسائي، بخطه ليس عليه طبقة، لا بخطه ولا بخط غيره؛ فذكر أنه قرأه بنفسه سنة اثنتي عشرة على ابن الصَّوَّاف؛ يعني سنة موته» (٣).
٤ - ست الوزراء بنت عمر بن أسعد بن المنجا التنوخية، الدمشقية، الحنبلية، أم عبد الله، الشيخةُ المُعمِّرة الصالحة، مُسندة الوقت، وتُدعى وزيرة بنت القاضي شمس الدين عمر ابن شيخ الحنابلة وجيه الدين، المتوفاة سَنَة (٧١٦ هـ) (٤)، ذكر ابن ناصر الدين الدمشقي، أنه لا تَصِحُّ رواية مُغلطاي عنها، لأنه لم يَسْمَع منها (٥).
المطلب الثالث تلاميذه
لما برع الحافظ مُغلطاي في أنواع مختلفة من العلوم، وشَرَع في التدريس في أكبر المدارس والمساجد آنذاك، ذاع صيته بين طلبة العلم، وهذا بدوره قد أتاح للكثيرين من طلبة العلم أن يلتحقوا للدراسة والسماع ممّا يُلقيه من دروس فيها للاستفادة منه، وينهلوا من علومه وفنونه التي برع فيها، خاصةً بعدما امتدت شهرته خارج دياره، نظرًا لما كان يتمتَّع به من غزارة في العلم، وسعة في الاطلاع، فقصده كثير منهم، وتتلمذ عليه طائفة من المشايخ والعلماء، وفي هذا جاء قول الحافظ ابن حجر: «انتهت إليه رئاسة الحديث في زمانه، فأخذ عنه عامةُ مَنْ لقيناه
_________
(١) إكمال تهذيب الكمال (٤/ ٦٠)، في ترجمة حسان بن ثابت، برقم: (١٢٥٨).
(٢) الدرر الكامنة (٤/ ١٦٠) ترجمة رقم: (٣٠٩).
(٣) لسان الميزان (٨/ ١٢٤) ترجمة رقم: (٧٨٦٧)، وينظر: لحظ الألحاظ (ص ٩٢).
(٤) أعيان العصر (٢/ ٣٩٨)، والدرر الكامنة (٢/ ٢٦٣) ترجمة رقم: (١٨٠٠).
(٥) التبيان لبديعة البيان (٣/ ١٤٩٧) ترجمة رقم: (١٢١١)، وينظر: لحظ الألحاظ (ص ٩٢).
стр. 43
من المشايخ كالعراقي، والبُلقينيُّ، والدُّجْويُّ، وإسماعيل الحنفي، وغيرهم» (١). ومن أبرز تلاميذه من العلماء المشهورين:
١ - البُلْقينيُّ، سراج الدين، أبو حفص عمر بن رسلان بن نصير الكناني، الشافعي، قاضي القضاة، الشيخ الفقيه المُحدِّثُ الحافظ، له عدة مصنفات نافعة، المتوفى سنة (٨٠٥ هـ) (٢)، ذكر الحافظ ابن حجر أن سراج الدين البلقيني أخذ عن الحافظ مُغلطاي (٣).
٢ - الدَّهْلِيُّ، سعيد بن عبد الله الدَّهْلِيُّ، أبو الخير البغدادي، نجم الدين، الحريري الحنبلي، الحافظ المؤرّخ، المُتوفّى سَنَة (٧٤٩ هـ)، وله سبع وثلاثون سَنَةً (٤)، ذكر ابن ناصر الدين الدمشقي، أنه حدَّث عن مُغلطاي (٥).
٣ - الزركشي، محمد بن بهادر بن عبد الله (٦)، وقيل: محمد بن عبد الله بن بهادر (٧)، بدر الدين، أبو عبد الله المصري، الزَّرْكَشِيُّ، الشافعي، العالم العلامة، الفقيه الأصولي، المُفسِّر، المُحدِّث، صاحب التصانيف النافعة، في عدة فنون، المتوفى سنة (٧٩٤ هـ)، تخرج بالحافظ مُغلطاي في الحديث (٨).
٤ - ابن سَنَد، محمد بن موسى بن محمد بن سَنَد بن نُعيم، اللخمي، المصري الأصل، أبو العباس شمس الدين، الحافظ، المُتوفّى سَنَة (٧٩٢ هـ) (٩)، ذكر ابن ناصر الدين الدمشقي، أنه حدث عن مُغلطاي (١٠).
٥ - العراقي، زين الدين، أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم الكردي، الإمام الحافظ، المصري، الشافعي،
_________
(١) لسان الميزان (٨/ ١٢٦) ترجمة رقم: (٧٨٦٧).
(٢) إنباء الغمر بأبناء العمر (٢/ ٢٤٥)، وطبقات الشافعية، لابن قاضي شهبة (٤/ ٣٦) ترجمة رقم: (٧٣٧).
(٣) لسان الميزان (٨/ ١٢٦) ترجمة رقم: (٧٨٦٧).
(٤) الدرر الكامنة (٢/ ٢٦٩) ترجمة رقم: (١٨١٤)، وشذرات الذهب (٨/ ٢٧٨).
(٥) التبيان لبديعة البيان (٣/ ١٤٩٧) ترجمة رقم: (١٢١١).
(٦) كذا ذكره الحافظ ابن حجر في الدرر الكامنة (٥/ ١٣٣) ترجمة رقم: (١٠٥٩).
(٧) كذا ذكره الأدنه وي في طبقات المفسرين (ص ٣٠٢) ترجمة رقم: (٣٨٣).
(٨) طبقات الشافعية الكبرى، لابن قاضي شهبة (٣/ ١٦٧) ترجمة رقم: (٧٠٠).
(٩) الدرر الكامنة (٦/ ٢٣) ترجمة رقم: (٢٠٩٤).
(١٠) التبيان لبديعة البيان (٣/ ١٤٩٧) ترجمة رقم: (١٢١١).
стр. 44
له عدة مصنّفات في الحديث وغيره، المُتوفّى سَنَة (٨٠٦ هـ) (١)، ذكر الحافظ ابن حجر أن زين الدين العراقي أخذ عن الحافظ مغلطاي (٢)، وصنّف العراقي جزءًا مفردًا في ترجمة شيخه الحافظ العلامة مغلطاي (٣).
٦ - مجد الدين الأنصاري، أبو الفداء، إسماعيل بن إبراهيم بن محمد بن علي بن موسى الكناني البلبيسي الحنفي المصري، القاضي المتوفى سنة (٨٠٢ هـ) (٤)، قال السخاوي: «وتخرج بمغلطاي والتركماني، وبرع في الفرائض والأدب» (٥).
٧ - المُقرئ، أحمد بن رجب بن الحسن السلامي البغدادي، نزيل دمشق، والد الحافظ ابن رجب، المُتوفّى سَنَة (٧٧٤) أو (٧٧٥ هـ) (٦)، ذكر ابن ناصر الدين الدمشقي، أنه حدث عن مغلطاي (٧).
٨ - ابن الملقن، أبو حفص، سراج الدين، عمر بن علي بن أحمد بن محمد، المعروف بابن الملقن، الأنصاري التكروري الأصل، المصري، الشافعي، الإمام الحافظ، صاحب المصنفات المشهورة النافعة، المُتوفّى سَنَة (٨٠٤ هـ) (٨)، تخرج في الحديث بالحافظ مغلطاي ولازمه، وقرأ عليه بعض كتبه (٩).
٩ - الهيثمي، أبو الحسن، نور الدين، علي بن أبي بكر بن عمر بن صالح، المصري، الشافعي، الزاهد الحافظ المعروف بالهيثمي، صاحب المصنفات النافعة، لا سيما في علم الزوائد، المُتوفّى سَنَة (٨٠٧ هـ) (١٠)، حدث الهيثمي
_________
(١) لحظ الألحاظ (ص ١٤٣)، والبدر الطالع (١/ ٣٥٤) ترجمة رقم: (٢٣٦).
(٢) لسان الميزان (٨/ ١٢٦) ترجمة رقم: (٧٨٦٧).
(٣) الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر (٣/ ١٢٧٥).
(٤) الوافي بالوفيات (٩/ ٤٢) ترجمة رقم: (٣)، والمنهل الصافي (٢/ ٣٧٩).
(٥) الضوء اللامع (٢/ ٢٨٦) ترجمة رقم: (٨٩٧)، وينظر: لسان الميزان (٨/ ١٢٦) ترجمة رقم: (٧٨٦٧).
(٦) غاية النهاية في طبقات القراء، لابن الجزري (١/ ٥٣) ترجمة رقم: (٢٢٩)، والدرر الكامنة (١/ ١٥١) ترجمة رقم: (٣٦٤).
(٧) التبيان لبديعة البيان (٣/ ١٤٩٧) ترجمة رقم: (١٢١١).
(٨) الضوء اللامع (٥/ ٢٦٧)، ولحظ الألحاظ (ص ١٢٩)، وشذرات الذهب (٩/ ٧١).
(٩) لحظ الألحاظ (ص ١٢٩)، وشذرات الذهب (٩/ ٧٢)، وحسن المحاضرة (١/ ٤٣٨) ترجمة رقم: (١٨٤).
(١٠) لحظ الألحاظ (ص ١٥٦)، والبدر الطالع (١/ ٤٤١) ترجمة رقم: (٢١٤).
стр. 45
عن الحافظ مُغلطاي، وكان يأتيه في منزله بجوار المدرسة الظاهرية من القاهرة، فيسمع منه (١).
وغيرهم كثير ممن سمع وأخذ عن الحافظ مُغلطاي، وتخرّج به (٢).
المطلب الرابع عقيدته، ومذهبه
أولًا: عقيدته:
عاش الحافظ مُغلطاي، وذاع صيته في النصف الأول من القرن الثامن، وانتشر في هذه الفترة الزمنية الانتساب إلى العقيدة الأشعرية، التي كانت سائدة آنذاك، بل وتبناها كثير من السلاطين والأمراء.
ولم أقف على نص صريح ممن ترجم للحافظ مُغلطاي يبين ما هي عقيدته، إلا أن أحمد حاج بن عبد الرحمن ذكر أنه كان على مذهب الأشاعرة السائد في زمانه، وذكر بعض النصوص من كلام الحافظ مُغلطاي تدل على ذلك (٣)، وذكر نحوه سامي العمر في المبحث الذي أفرده في ترجمة الحافظ مُغلطاي بن قليج (٤).
ثانيًا: مذهبه:
عُرفت الفترة الزمنية التي عاش فيها الحافظ مُغلطاي بانتشار المذهبية، فكان كل عالم من العلماء ينتسب إلى مذهب معين من المذاهب الأربعة المشهورة، وكان بعضهم يتعصب لمذهبه، وبعضهم لا يتعصب له، بل تراه يدور مع الدليل حيث دار، ويأخذ من المذاهب الأخرى.
وقد ذكر أكثر من ترجم للحافظ مُغلطاي، أنه حنفي المذهب (٥)، ولم أقف
_________
(١) لحظ الألحاظ (ص ٩٤).
(٢) استوفى ذكر عدد كبير منهم أحمد حاج بن عبد الرحمن في رسالته: الحافظ مغلطاي وجهوده في علوم الحديث (ص ٣٧ - ٤٢).
(٣) الحافظ مُغلطاي بن قليج وجهوده في علم الحديث (ص ٧٤ - ٧٧).
(٤) مباحث في ترجمة الحافظ مُغلطاي بن قليج (ص ٤٥ - ٥٠).
(٥) ينظر: تاج التراجم في طبقات الحنفية (١١٤/ ٢)، والدرر الكامنة (٦/ ١١٤) ترجمة رقم: (٢٣١٠)
стр. 46
على من ذكر شيئاً غير ذلك، والمذهب الحنفي هو المذهب الرسمي لدولة المماليك، والسائد في عصرهم.
إلا أنه ﵀ لم يكن متعصبًا لمذهبه، بل كان متبعًا للدليل حيث كان، ولعل السبب في ذلك دراسته لعلم الحديث، وتتلمذه على أيدي كبار العلماء الذين لم يُعرفوا بالتعصب لمذاهبهم، كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن سيد الناس، وغيرهما، وعدم تعصبه لمذهبه يظهر من عدة جوانب، من أهمها:
١ ـ أنه عارض أقوال الإمام أبي حنيفة النعمان ﵀ في بعض المسائل، فمن ذلك مسألة الوضوء بالأنبذة، قال في شرحه لسنن ابن ماجه: «وأما قول أبي حنيفة: لا يجوز الوضوء بشيءٍ من الأنبذة إلا نبيذ التمر، ففيه نظر؛ لما روى الدارقطني (١)، عن أبي العالية» (٢)، ومعارضته ﵀ لقول إمام مذهبه في هذه المسألة يدل على عدم تعصبه له.
٢ ـ انتصاره لمذهب المُحدِّثين، وتقديمه على المذهب الحنفي، في مسألة الوضوء مما مست النار، فقال في شرح حديث أبي هريرة ﵁: «تَوَضَّلُوا مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ» (٣):
«وقال البيهقي في كتاب السنن الكبير: وذهب بعض أهل العلم، إلى أن حديث أبي هريرة - يعني هذا -، معلول بفتواه بعد وفاة النبي ﷺ ؛ بألا وضوء منه. انتهى كلامه. وفيه نظر؛ لما علم من مذاهب المُحدِّثين بأنّ العبرة بما روى لا بما رأى خلافًا للحنفيين» (٤)، وهذا نص صريح منه رحمه في تقديم مذهب أهل الحديث في هذه المسألة على مذهبه الحنفي.
_________
(١) سنن الدارقطني، كتاب الطهارة، باب الوضوء بالنبيذ (١/ ١٣٣) برقم: (٢٥٣)، عن أبي بكر الشافعي، أخبرنا محمد بن شاذان، أخبرنا معلى بن منصور، أخبرنا مروان بن معاوية، أخبرنا أبو خلدة (هو خالد بن دينار)، قال: قلتُ لأبي العالية: رَجُلٌ لَيْسَ عِنْدَهُ مَاءُ، عِنْدَهُ نَبِيدٌ، أَيَغْتَسِلُ بِهِ فِي جَنَابَةِ؟ قَالَ: لَا، فَذَكَرْتُ لَهُ لَيْلَةَ الْجِنِّ، فَقَالَ: «أَنْبِذَتُكُمْ هَذِهِ الْخَبِيثَةُ، إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ زَبِيبٌ وَمَاءُ»، ورجال إسناده ثقات.
وأخرجه أبو داود في سننه، كتاب الطهارة، باب الوضوء بالنبيذ (١/ ٢٢) الحديث رقم: (٨٧)، من طريق عبد الرحمن (هو ابن مهدي)، حدثنا أبو خلدة، به مختصرا.
(٢) الإعلام بسننه ﷺ ، وهو شرح لسنن ابن ماجه، كتاب الطهارة، باب فرك المني من الثوب (ص ٢٢٨).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحيض، باب الوضوء مما مست النار (١/ ٢٧٢) الحديث رقم: (٣٥٢)، وهو عند ابن ماجه في سننه، كتاب الطهارة، باب الوضوء مما غيرت النار (١/ ١٦٣) الحديث رقم: (٤٨٥)، من حديث أبي هريرة ﵁، به.
(٤) الإعلام بسننه ﷺ ، كتاب الطهارة، باب الوضوء مما غيرت النار (ص ٤٥٢).
стр. 47
٣ - أنه نقل في شرحه لسنن ابن ماجه، عن ابن حزم قوله بطهارة المني، سواء كان في الماء أو في الجسد أو في الثوب، ولا تجب إزالته، والبزاق بمثله لا فرق (١). وهذا القول من ابن حزم يخالف ما عليه مذهب الحنفية من القول بنجاسة المني (٢)، ولكن الحافظ مغلطاي لم يرد عليه أو يتعقبه بشيء، مع ما عُرف عن ابن حزم من معارضته لمذهب الحنفية والردّ عليه كثيرًا، وهذا كله يدل على عدم تعصبه لمذهبه الحنفي.
٤ - أنه صرح بخطأ أتباع المذهب الحنفي في مسألة ترك رفع الأيدي في الصلاة إلا عند افتتاحها، فقال: «وأما استدلال بعض الحنفية بحديث جابر بن سمرة، من عند مسلم: «مَا لِي أَرَاكُمْ رَافِعِي أَيْدِيكُمْ، كَأَنَّهَا أَذْنَابُ [خَيْلٍ] شُمْسٍ» (٣)، فليس بصحيح؛ لأنه إنما كان ذلك حالة السلام فيما ذكره البخاري وغيره» (٤)، وهذا صريح منه ﵀ في اتباع الدليل، وترجيحه على فهم خاطئ تبناه أتباع مذهبه الحنفي.
المطلب الخامس مكانته العلمية، وملامح منهجه العلمي
كان الحافظ مغلطاي رحمة الله عليه حريصًا على العلم منذ صغره، فقد بدأ في طلبه منذ وقت مبكر، يتبين ذلك من رحلته إلى الشام وهو شاب صغير، ومن مسموعاته في سنّ مبكرة، ومن شيوخه الذين أدركهم وأخذ منهم. كما أنه أقبل على طلب العلم بنفسه، وكان حريصًا على تحصيله ومذاكرته، منهمكًا فيه جل وقته،
_________
(١) المصدر السابق، كتاب الطهارة، باب فرك المني من الثوب (ص ٥٩٠).
(٢) جاء في مختصر القدوري (ص ٢١): «والمني نجس، يجب غسل رطبه، فإذا جف على الثوب؛ أجزأ فيه الفرك».
(٣) صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب الأمر بالسكون في الصلاة، والنهي عن الإشارة باليد، ورفعها عند السلام، وإتمام الصفوف الأول، والتراص فيها، والأمر بالاجتماع (١/ ٣٢٢) الحديث رقم: (٤٣٠)، من طريق الأعمش، عن المُسَيَّب بن رافع، عن تميم بن طَرَفَة، عن جابر بن سمرة، قال: «خرج علينا رسول الله ﷺ ، فقال؛ … » وذكره.
(٤) الإعلام بسنته ﷺ ، وهو شرح لسنن ابن ماجه، كتاب الصلاة، باب رفع اليدين إذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع (ص ١٤٧٤)، وما بين الحاصرتين ساقط منه، استدركته من صحيح مسلم (١/ ٣٢٢).
стр. 48
ملازما لشيوخ عصره، مكثرًا من التحصيل والقراءة بنفسه، وأكثر جدا من جمع الكتب حتى حصل له مكتبة ضخمة، وكان منجمعًا عن الناس، كثير المطالعة فيها، وهذا كله جعل له مشاركة جيدة في فنون مختلفة من العلوم.
وقد برع في الحديث وعلومه، فكان له فيه باعٌ واسع، واطلاع كبير، ومعرفة بطرقه المختلفة، وقد ذكر ابن فهد أنه كان له اتساع في الاطلاع على طرق الحديث، فانتقى وخرج، حتى انتهت إليه مشيخة الحديث في المدرسة الظاهرية وغيرها، فأفاد، وكتب الطباق، ثم أخذ في التأليف، فأكثر منه (١).
قال السيوطي في وصف الحافظ مُغلطاي: «الإمام الحافظ علاء الدين، … كان حافظًا، عارفًا بفنون الحديث، علامة في الأنساب، وله أكثر من مائة تصنيف» (٢).
كما برع في اللغة، فقد نال منها حظا واسعًا، قال ابن حجر: «كان كثير الاستحضار لها، متسع المعرفة فيها» (٣)، وقال ابن فهد: «كان يحفظ كفاية المتحفظ، والفصيح لثعلب، وله اتساع في نقل اللغة» (٤)، كما أنه قد وضع في اللغة كتابا علقه على كتاب (ليس) لابن خالويه.
أما علم الأنساب، فقد بلغ فيه درجة واسعة، ومعرفة جيدة، حتى فاق أقرانه من العلماء، قال السيوطي: «سُئِلَ الحافظ أبو الفضل العراقي، عن أربعة تعاصروا: أيُّهم أحفظُ؟ مُغلطاي، وابن كثير، وابن رافع، والحسيني، فأجاب ـ ومن خَطَّه نقلتُ: إِنَّ أوسَعَهم اطلاعًا، وأعلمهم بالأنساب مُغلطاي، على أغلاط تقع مِنْهُ فِي تصانيفه، وَلَعَلَّه من سوء الفهم، وأحفظهم للمتون والتواريخ ابن كثير، وأقعدهم لطلب الحديث، وأعلمهم بالمؤتلف والمختلف ابْنُ رافع، وأعرفهم بالشيوخ المعاصرين وبالتخريج الْحُسَيْنِي، وَهُوَ أدونهم فِي الْحِفْظ» (٥).
_________
(١) لحظ الألحاظ (ص ٩٤).
(٢) حسن المحاضرة (١/ ٣٥٩) ترجمة رقم: (٩٢).
(٣) لسان الميزان (٨/ ١٢٦) ترجمة رقم: (٧٨٦٧).
(٤) لحظ الألحاظ (ص ٩٤).
(٥) طبقات المحدثين (ص ٥٣٧ - ٥٣٨)، في ترجمة شمس الدين، أبي المحاسن، محمد بن علي بن الحسن، الدمشقي، الشريف الحسيني، برقم: (١١٦٦).
стр. 49
وذكر الحافظ ابن حجر عن زين الدين ابن رجب أنه قال في الحافظ مغلطاي: «كَانَ عَارِفًا بالأنساب معرفة جيدة» (١).
إلا أنه ﵀ كان مولعًا بانتقاد آراء وكتب غيره من العلماء، أو الاستدراك والتذييل عليها، وهذا يظهر من أسماء مصنفاته السابقة، لهذا انتقد عليه بعض الأئمة شيئًا من الأوهام الواقعة له في بعض مصنفاته، وتعقبوه في أشياء أخرى، ذكر شيئًا من ذلك الحافظ ابن حجر، فقال: «عمل في فنّ الحديث إصلاح ابن الصلاح، فيه تعقبات على ابن الصلاح، أكثرها غير وارد، أو ناشئ عن وهم، أو سوء فهم»، وقال: «وكتبه كثيرة الفائدة في النقل، على أوهام له فيها» (٢).
وقد وقع له ﵀ محنتان عظيمتان في مسيرته العلمية، شأنه في ذلك شأن أكثر العلماء، الذين يمتحنون في دينهم، ويتعرضون للأذى دون سبب وجيه.
المحنة الأولى:
كان الحافظ مغلطاي ﵀ قد لازم شيخه الجلال القزويني، فلما مات ابن سيد الناس، تكلّم له شيخه القزويني مع السلطان، ليتولى التدريس مكان ابن سيد الناس في المدرسة الظاهرية، فقبل ذلك السلطان، وولاه تدريس الحديث بالظاهرية، فقام الناس بسبب ذلك وقعدوا، وبالغوا في ذمه وهجوه (٣).
ويظهر من هذا أنه تعرض لهذا كله بدافع الحسد من خصومه أو أقرانه، أن يتبوأ هذه المكانة في المدرسة الظاهرية، ويتقدّم عليهم في التدريس والمشيخة.
لكنه ﵀ لم يبال بهم، فصبر واحتسب، مع ما عُرف عنه من كثرة السكون، والميل إلى الموادعة والركون، فاستمر في التدريس، وواظب عليه، حتى استقر له الأمر، وتسلم مشيخة الحديث في المدرسة الظاهرية (٤).
المحنة الثانية:
لما كان في سنة خمس وأربعين وسبعمئة وقف له الشيخ صلاح الدين
_________
(١) الدرر الكامنة (٦/ ١١٦) ترجمة رقم: (٢٣١٠)، وينظر: شذرات الذهب (٨/ ٣٣٧).
(٢) لسان الميزان (٨/ ١٢٥ - ١٢٧) ترجمة رقم: (٧٨٦٧).
(٣) أعيان العصر (٤/ ٤٣٤)، والدرر الكامنة (٦/ ١١٤ - ١١٥)، وشذرات الذهب (٨/ ٣٣٧).
(٤) أعيان العصر (٥/ ٤٣٤).
стр. 50
العلائي ﵀ (ت ٧٦١ هـ)، لما رحل إلى القاهرة على كتاب جمعه في العشق، سماه: الواضح المبين في ذكر من استشهد من المحبّين، تعرض فيه لذكر الصدّيقة عائشة رضي الله تعالى عنها، فأنكر عليه ذلك، ورفع أمره إلى القاضي موفق الدين الحنبلي، فاعتقله بعد أن عزّره، ومَنع الكتبيين من بيع ذلك الكتاب، فتألم لذلك الحافظ مغلطاي، وشمت به جماعة من أقرانه (١).
وبعد أن مكث في السجن أيامًا، انتصر له الأمير الورع، صاحب الديانة، الزاهد، بدر الدين جنكلي بن محمد بن البابا وخلصه من السجن، لعلمه أنه بريء مما رُمي به (٢).
وبتتبع كتابه المذكور، لا ترى فيه شيئًا من التعريض بأم المؤمنين عائشة لَهَا، ولو وُجد فيه شيء من ذلك لذكروه وبيَّنوه على وجه التفصيل، دون التعريض المطلق.
كما ذكر زين الدين ابن رجب المقرئ، أنه في آخر كتابه المذكور في العشق، إثباتُ غَزَلٍ تدلُّ على استهتار وضعف في الدين (٣).
وبالنظر في كتابه المذكور، وهو من عنوانه: الواضح المبين في ذكر من استشهد من المحبّين، يتحدث عما صدحت به قرائح العشاق المتيمين، وهم في هذا الشأن قد يذكر بعضهم شِعرًا منضبطًا بالأدب والعفّة، وبعضهم قد يخرج عن حدّ الأدب والعِفّة، فيبالغ في تغزله بمحبوبته ووصفها، والتغني بها، لذلك تجد في كتابه المذكور شِعرًا متباينا، فمنه المتفق مع الآداب والعفّة، ومنه ما يتجاوز ذلك.
وهو ﵀ ذكر في مقدمته لكتابه هذا أن البعض لن يرضى عما ذكره فيه، فقدم اعتذاره عن ذكره ابتداءً، مبينا سبب ذكره، فقال: «وهو حفظك الله إن لم يكن من اللغو الذي لا يُؤاخذ به المرءُ، فهو إن شاء الله من اللمم المعفو عنه، وإلا فليس من السيئات والفواحش التي يُتوقع عليها العذاب. وإني لأعلم بعض من لا يهتدي لرشده؛ إذا وقَفَ على تأليفي هذا يُنكره، ويقول: نراه خالف طريقته،
_________
(١) لسان الميزان (٨/ ١٢٤)، والدرر الكامنة (٦/ ١١٥)، وشذرات الذهب (٨/ ٣٣٧).
(٢) أعيان العصر (٤/ ٤٣٤)، والدرر الكامنة (٦/ ١١٥).
(٣) ذكره عنه ابن ناصر الدين الدمشقي في التبيان لبديعة البيان (٣/ ١٤٩٨) ترجمة رقم: (١٢١١).
стр. 51
وتجافى عن وجهته» (١).
ثم ذكر ﵀ أنه لا يحل لأحد أن يظن بي غير ما بينته، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]، وقال ﷺ : «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ» (٢).
والحافظ مغلطاي ﵀ معروف عنه أنه دائب القراءة والمطالعة منذ كان غلامًا صغيرًا، وقد كان يترك مجالس اللهو واللعب، ويذهب إلى مجالس العلم والطلب، لذلك أوضح ﵀ سبب تأليفه لهذا الكتاب الذي خالف فيه طريقته ومسلكه، فقال: «وبالجملة؛ فلا بد لمن أكثر من الجد أن يستريح إلى الفكاهة، ليذهب عن ذهنه الصدأ أو الآفة، والإنسان إلى الملل أميل، والتنقل أشهى لقلبه وأمثل» (٣).
وهذا منه ﵀ اعتذار لما وقع ذكره في الكتاب مما يتنافى مع العفة أو الأدب، وما هو إلا ناقل لما ذكره غيره، فنسأل الله أن يعفو عنا وعنه، بمنه وكرمه.
المطلب السادس ثناء العلماء عليه
احتل الحافظ مُغلطاي مكانَةً مرموقةً عند العلماء والحفاظ الذين ترجموا له، فلا تجد واحدًا منهم يذكره، إلا ويثني عليه ثناءً عَطِرًا، ويذكره بأفضل الألقاب، وأجمل الصفات، ومما قيل فيه فضلاً عما تقدم ذكره في المباحث السابقة:
قال الصفدي: «الشيخ الإمام الحافظ القدوة، علاء الدين، … شيخ حديث، يعرف القديم والحديث، ويطول في معرفة الأسماء الى السماء بفرع أثيث، وينتقي بمعرفته الطيب من الخبيث، ولي الظاهرية شيخا للحديث» (٤).
_________
(١) الواضح المبين في ذكر من استشهد من المحبين (ص ٢٢ - ٢٣).
(٢) أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب لا يخطب على خطبة أخيه حتى ينكح أو يدع (٧/ ١٩) الحديث رقم: (٥١٤٣)، ومسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظن، والتجسس، والتنافس، والتناجش ونحوها (٤/ ١٩٨٥) الحديث رقم: (٢٥٦٣)، من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، به.
(٣) الواضح المبين في ذكر من استشهد من المحبين (ص ٢٣).
(٤) أعيان العصر (٥/ ٤٣٣).
стр. 52
وقال ابن رافع: «الشيخ الفاضل، المُحدِّث علاء الدين» (١).
وقال الحافظ ابن حجر: «انتهت إليه رئاسة الحديث في زمانه، فأخذ عنه عامةً مَنْ لقيناه من المشايخ؛ كالعراقي، والبُلقيني، والدُّجْوي، وإسماعيل الحنفي، وغيرهم» (٢).
وقال الحافظ أيضًا: «الحافظ المُكثرُ، علاء الدين، صاحب التصانيف» (٣)، وذكره بنحوه الإمام الشوكاني (٤).
وقال ابن العراقي: «الشيخُ الإمامُ، شيخُ المُحدِّثين، علاء الدين، … صاحب التصانيف المشهورة» (٥)، أما أبوه العلامة زين الدين، عبد الرحيم العراقي فوصف مُغلطاي بالحافظ (٦).
وقال سبط ابن العجمي في وصفه: «الحافظ علاء الدين مُغلطاي، شيخ شيوخي» (٧).
وقال ابن قطلوبغا: «إمامُ وقته، وحافظُ عصره» (٨).
وقال السيوطي: «الإمام الحافظ علاء الدين، … كان حافظًا، عارفًا بفنون الحديث، علامة في الأنساب، وله أكثر من مائة تصنيف» (٩).
وقال ابن فهد: «علاء الدين، أبو عبد الله، الإمام العلامة، الحافظ، المُحدِّث المشهور» (١٠).
وقال الملطي: «الحافظ الشيخ علاء الدين، … شيخ الحديث في
_________
(١) الوفيات (٢/ ٢٤٣) ترجمة رقم: (٧٥٩).
(٢) لسان الميزان (٨/ ١٢٦) ترجمة رقم: (٧٨٦٧).
(٣) لسان الميزان (٨/ ١٢٤) ترجمة رقم: (٧٨٦٧)، وينظر: الدرر الكامنة (٦/ ١١٤) ترجمة رقم: (٢٣١٠).
(٤) البدر الطالع (٢/ ٣١٢).
(٥) الذيل على العبر (١/ ٧٠).
(٦) شرح التبصرة والتذكرة، ألفية العراقي (٢/ ٢٨٢).
(٧) التلقيح لفهم قارئ الصحيح (١/ ٢٢٢) عند شرحه للحديث رقم: (٥٨).
(٨) تاج التراجم (٢/ ١١٤).
(٩) حسن المحاضرة (١/ ٣٥٩) ترجمة رقم: (٩٢)، وينظر له أيضًا: طبقات الحفاظ (ص ٥٣٨) ترجمة رقم: (١١٦٧).
(١٠) لحظ الألحاظ (ص ٩١).
стр. 53
الصرغتمشية، وكان إليه النهاية في فنّه، حافظًا، متقنًا، عارفًا بالفن» (١).
وقال ابن تغري بردي: «كان عالمًا فقيها، محدثًا مُصنّفًا» (٢).
وقال أيضًا في ترجمته له: «الحافظ المتفنّن … المحدث المصنف المشهور، … وكان له اطلاع كبير وباع واسع في الحديث وعلومه وله مشاركة في فنون عديدة» (٣).
وذكره ابن ناصر الدين في منظومته بديعة البيان، فقال:
وَبَعدَهُ المُلَيَّنُ التَّخْرِيجِ … ذَاكَ مُغَلْطَايَ فَتَى قَلِيجٍ
ثم قال في شرحها: «كانَ مَعدودًا في الحفاظ المصنفين» (٤).
وقد سأل الحافظ ابن حجر شيخه العراقي، عن أربعة من المُحَدِّثين تعاصروا: «أيُّهم أحفظ وأدرى بفن الحديث خاصة؟ ومَنْ منهم أولى أن يسمى حافظا؛ لاجتماع ما شرط الأئمة المتأخرون في حدّ الحافظ، لا المتقدمون؟ وهم: العماد ابن كثير، والعلاء مُغلطاي والتقي ابن رافع، والشمس الحسيني، فأجاب بأن أحفظهم للمتون ابن كثير، وأعلمهم بالأنساب مُغلطاي، على أغاليط تقع له في ذلك، وأكثرهم طلبًا وتحصيلا للشيوخ، والمؤتلف والمختلف ابن رافع. وكان شيخنا التقي السبكي يقدمه على ابن كثير، لأنه يرى أنه لا بدَّ من تقدم الطلب والرحلة على عادة أهل الحديث، وأما الحسيني فمتأخر عن طبقتهم» (٥).
وللإمام السخاوي كلام بديع أنصفه فيه، فقال: «الحافظ علاء الدين، … صاحب التصانيف … درس بأماكن، وأكثر المطالعة، والكتابة، والاجتهاد في الجمع والتأليف، وله مآخذ على أهل اللغة، وكثير من المُحدثين، وامتحن على يد الموفق الحنبلي، وانتصر له جنكلي بن البابا، والحق أنه كثير الاطلاع، واسع الدائرة في الجمع، ومن يكون كذلك؛ لا يُنْكَرُ ما يتفق له من الأوهام» (٦).
_________
(١) نيل الأمل (١/ ٣٣١ - ٣٣٢).
(٢) الدليل الشافي (٢/ ٧٣٨) ترجمة رقم: (٢٥١٤).
(٣) النجوم الزاهرة (١١/ ٩).
(٤) التبيان لبديعة البيان (٣/ ١٤٩٦، ١٤٩٨).
(٥) الجواهر والدرر (١/ ٩١).
(٦) الذيل التام على دول الإسلام، للذهبي، للحافظ السخاوي (١٨٤/ ١).
стр. 54
كما ذكر الإمام السخاوي الأئمة المتكلمين في الرجال، ووصفهم بأنهم نجوم الهدى، ومصابيح الظلم المستضاء بهم في دفع الردى، فعد طائفة منهم من عهد الصحابة، ﷺ إلى زمانه أي السخاوي، وذكر منه الحافظ مغلطاي رحمه لله (١).
_________
(١) الإعلان بالتوبيخ لمن ذم أهل التاريخ (ص ٣١٩، ٣٣٥).
стр. 55
المبحث الرابع الوظائف والمناصب التي تقلدها، ومؤلفاته
هذا المبحث أذكر فيه الوظائف والمناصب التي تقلدها الحافظ مُغلطاي، وأستعرض فيه مؤلفاته ﵀، وذلك من خلال المطلبين الآتيين:
المطلب الأول الوظائف والمناصب التي تقلدها
ذكرت فيما سبق أن الحافظ مُغلطاي بدأت عنايته بالعلم وطلبه في سن مُبكرة، وأخذ عن كبار علماء زمانه وهو شابٌ صغير، لذا بزغ نجمه، وذاع صيته مُبكِّراً، حتى غدا إمامًا معروفًا، وعلامة مشهورًا، بشهادة علماء عصره، يُرحل إليه، فقصده الطلاب من كلِّ حَدْب وصوب، فانتفعوا به، وبعلمه.
وقد كان ﵀ كثير المطالعة، قليل الاتصال بالناس، إلا بما له متعلق بالعلم وتعلمه، قال الصفدي: «وكان كثير السكوت والميل إلى المُوادَعة» (١).
ومع ذلك وَلِيَ التدريس بعدة مدارس بمصر، ومنها:
١ - المدرسة الظاهرية: وهي مدرسة أنشأها الملك الصالح، الظاهر بيبرس البندقداري، سُلطان الديار المصرية، المتوفى سنة (٦٧٦ هـ) (٢)، بناها في القاهرة، في منطقة بين القصرين (٣)، وتمت في أوائل سنة اثنتين وستين وستمئة (٤)، تولّى الحافظ مُغلطاي مشيختها والتدريس فيها للمُحدِّثين، بعد وفاة شيخه ابن سيد الناس
_________
(١) أعيان العصر (٥/ ٤٣٤)، وينظر: لحظ الألحاظ (ص ٩٢).
(٢) النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة (٧/ ٩٤).
(٣) بين القصرين: محلة في وسط القاهرة، وهي بين قصرين عمرهما الملوك المتعلوية في وسط المدينة. معجم البلدان (١/ ٥٣٤).
(٤) المصدر السابق (٧/ ١٢٠).
стр. 56
اليَعمَريّ، ﵀، وذلك سنة (٧٣٤ هـ) (١)، فقد كان الحافظ مُغَلْطَايْ قد لازم الجلال القزويني، فلما مات ابن سيد الناس، تكلم له مع السلطان، فولاه التدريس في الظاهرية (٢).
٢ - المدرسة الناصرية: بدأ إنشاءها السلطان الملك العادل، زين الدين، كِتْبُغا بن عبد الله المنصوري، التركي، أصله من مماليك الناصر محمد بن قلاوون، وترقى حتى صار من أكابر الأمراء، ثم سلطاناً للديار المصرية، توفي سنة (٧٠٢ هـ) (٣)، وبعد أن عاد الملك الناصر محمد بن قلاوون للسلطنة مرة ثانية، أتم بناءها حتى اكتملت، وذلك سنة ثلاث وسبعمئة (٤)، وهي مدرسة تقع بين القصرين، بجانب القبة المنصورية (٥)، تولى التدريس فيها مجموع من علماء المذاهب الأربعة، ومنهم الحافظ مُغَلْطَايْ ﵀ (٦).
٣ - المدرسة الصَّرْغَتْمَشِيَّة: وهي مدرسة بناها سيف الدين، صَرْغَتْمَش بن عبد الله الناصري، من مماليك الناصر محمد بن قلاوون، وترقى حتى صار من أكابر الأمراء، توفي سنة (٧٥٩ هـ) (٧)، تولى الحافظ مُغَلْطَايْ التدريس فيها أوّل ما فتحت، ثم صرفه عنها صَرْغَتْمَش نفسه، ولم يَلِها بعده مُحدِّث، بل تداولها من لا خبرة له بفن الحديث (٨).
٤ - المدرسة النجمية، وتسمى الصالحية: بناها أيوب بن محمد بن محمد بن أيوب، الملك الصالح، نجم الدين، سلطان الديار المصرية، وآخر سلاطين بني أيوب، تُوفي سنة (٦٧٤ هـ) (٩)، تقع هذه المدرسة بين القصرين من القاهرة، وبدأ بناءها نجم الدين أيوب سنة تسع وثلاثين وستمئة، ورتب فيها دروساً أربعة للفقهاء.
_________
(١) لسان الميزان (٨/ ١٢٦) ترجمة رقم: (٧٨٦٧)، وأعيان العصر (٥/ ٤٣٣ - ٤٣٤)، والدليل الشافي (٢/ ٧٣٧)، والدرر الكامنة (٦/ ١١٤ - ١١٥) رقم: (٢٣١٠)، والذيل على العبر في خبر من عبر، لابن العراقي (١/ ٧٠)، وتاج التراجم (٢/ ١١٤)، ولحظ الألحاظ (ص ٩٤).
(٢) الدرر الكامنة (٦/ ١١٤ - ١١٥) رقم: (٢٣١٠)، وأعيان العصر (٥/ ٤٣٤).
(٣) النجوم الزاهرة (٨/ ٥٥، ٢٠٦).
(٤) المصدر السابق (٨/ ٢٠٨).
(٥) خطط المقريزي (٢/ ٢٢٨).
(٦) تاج التراجم (٢/ ١١٤).
(٧) النجوم الزاهرة (١٠/ ٣٢٨).
(٨) لسان الميزان (٨/ ١٢٧) ترجمة رقم: (٧٨٦٧)، وتاج التراجم (٢/ ١١٤)، ولحظ الألحاظ (ص ٩٤).
(٩) النجوم الزاهرة (٦/ ٣١٩، ٣٣٦).
стр. 57
المنتمين إلى المذاهب الأربعة في سنة إحدى وأربعين وستمئة (١)، وكان ممن درس فيها بعد ذلك الحافظ مُغلطاي ﵀ (٢).
٥ - كما درّس في عددٍ من المدارس الأخرى، منها: المدرسة المجدية بالشارع بدرب البلاد (٣)، ومدرسة أبي حليقة المهذبية (٤)، وقبة خانقاه ركن الدين بيبرس (٥).
٦ - درس أيضًا في عدد من الجوامع، منها: الجامع الصالحي (٦)، ودرّس بجامع القلعة بالقاهرة للمُحَدِّثين، بواسطة قاضي القضاة، جلال الدين البلقيني (٧)، وجامع آق سنقر الناصري (٨)، وغير ذلك.
المطلب الثاني مؤلفاته
تقدم أن الحافظ مُغلطاي بَرَعَ في أنواع مختلفة من العلوم، وقد تولى مشيخة الحديث في بعض المدارس، كما قام بالتدريس في عدد من الجوامع.
إلا أن هذا الانشغال في الطلب والتدريس، لم يمنع الحافظ مُغلطاي من التأليف والتصنيف، فقد عُرف عنه ﵀ كثرة التصنيف، في شتى العلوم والفنون، قال ابن فهد: «له عدة تأليف مفيدة؛ في الحديث واللغة وغير ذلك» (٩).
وقال الحافظ ابن كثير: «وقد كَتَبَ الكثير، وصنَّف، وجَمَع» (١٠).
وقال الحافظ ابن حجر: «وتصانيفه كثيرة جدًا» (١١).
_________
(١) خطط المقريزي (٤/ ٢١٧).
(٢) تاج التراجم (٢/ ١١٤)، ولحظ الألحاظ (ص ٩٤).
(٣) لحظ الألحاظ (ص ٩٤).
(٤) الذيل على العبر في خبر من عبر، لابن العراقي (١/ ٧٠)، وتاج التراجم (٢/ ١١٤).
(٥) لسان الميزان (٨/ ١٢٦) ترجمة رقم: (٧٨٦٧)، والدرر الكامنة (٦/ ١١٤ - ١١٥) رقم: (٢٣١٠)، ووفيات ابن رافع (٢/ ٢٤٤) ترجمة رقم: (٧٥٩)، ولحظ الألحاظ (ص ٩٤).
(٦) الذيل على العبر في خبر من عبر، لابن العراقي (١/ ٧٠)، ولحظ الألحاظ (ص ٩٤).
(٧) لسان الميزان (٨/ ١٢٦) ترجمة رقم: (٧٨٦٧)، وأعيان العصر (٥/ ٤٣٥)، والدرر الكامنة (٦/ ١١٥) رقم: (٢٣١٠)، ولحظ الألحاظ (ص ٩٤).
(٨) تاج التراجم (٢/ ١١٤).
(٩) لحظ الألحاظ (ص ٩٣).
(١٠) البداية والنهاية (١٨/ ٦٣٣).
(١١) الدرر الكامنة (٦/ ١١٦) ترجمة رقم: (٢٣١٠).
стр. 58
وقد ذكر الحافظ ابن رجب الحنبليُّ أنَّ عدد مصنفاته زادت على المئة (١)، كما ذكر الملطيُّ أنه له عدة تصانيف جليلة مشهورة، كثيرة جدًّا (٢).
وقد غَلَبَ عليه ﵀ طابع النقد، والاستدراك، والإكمال، والاختصار، لكتب غيره ممن سبقه من العلماء، كما انتهج أيضًا في العديد من مصنفاته إعادة ترتيب بعض الكتب المشهورة، كما هو شأن كتابنا هذا: منار الإسلام بترتيب كتاب الوهم والإيهام.
وله ﵀ مؤلفات كثيرة، ومن المؤسف أن كثيرًا من هذه المصنفات في عداد المفقود، وقد تنوعت مصنفاته في العلوم المختلفة:
أولًا: الحديث وعلومه:
١ - الإطراف بتهذيب الأطراف، وذكر باسم: التعقيب على الأطراف، واسم: أوهام الأطراف، أي: تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف، للحافظ جمال الدين المزي (٣).
٢ - إصلاح ابن الصلاح (٤)، وهو نكت على كتاب علوم الحديث لابن الصلاح، ذكره الحافظ ابن حجر بقوله: «وعمل في فنّ الحديث: إصلاح ابن الصلاح، فيه تعقبات على ابن الصلاح، أكثرها غير وارد، أو ناشئ عن وهم، أو سوء فهم، وقد تلقاه عنه أكثر مشايخنا، أو قلدوه فيه، لأنه كان انتهت إليه رئاسة الحديث في زمانه، فأخذ عنه عامةُ مَنْ لقيناه من المشايخ كالعراقي، والبُلْقيني،
_________
(١) المصدر السابق (٦/ ١١٥)، والبدر الطالع (٢/ ٣١٢)، وسلم الوصول (٣/ ٣٤٦)، وحسن المحاضرة (١/ ٣٥٩)، وشذرات الذهب (٨/ ٣٣٧).
(٢) نيل الأمل في ذيل الدول (١/ ٣٣٢).
(٣) ذكره الحافظ مغلطاي في كتابه: الإعلام بسنته ﷺ ، وهو شرح لسنن ابن ماجه (ص ١٢٤٦)، فقال: «وقد استدركناه في كتابنا المسمى: بالإطراف بتهذيب الأطراف»، وذكره أيضًا في كتابه إكمال تهذيب الكمال (٥/ ٨٦)، فقال: «بينا ذلك في كتابنا: (الإطراف بتنقيح الأطراف)، والله تعالى أعلم»، وهو في عداد المفقود، فلا يُعرف عن مكان وجوده شيء.
وينظر: لسان الميزان (٦/ ٧٤) ترجمة رقم: (٢٧١)، وذيل طبقات الحفاظ، للسيوطي (ص ٢٤١).
(٤) طبع بتحقيق: أبي عبد الله محيي الدين بن جمال البكاري، المكتبة الإسلامية، القاهرة، الطبعة الأولى، ١٤٢٨ هـ، ٢٠٠٧ م.
стр. 59
والدجوي، وإسماعيل الحنفي، وغيرهم» (١).
٣ - الدر المنظوم من كلام المصطفى المعصوم ﷺ (٢)، وذكر ضمنه كتاب: الدر المصون من كلام المصطفى الميمون ﷺ .
٤ - منار الإسلام بترتيب كتاب بيان الوهم والإيهام، وهو كتابنا هذا، سيأتي التعريف به في الفصل الثاني.
ثانيًا: علم الرجال:
٥ - الاتصال في مختلف النسبة، وذكره بعضهم باسم: الإيصال، وهو ذيل على كتب ابن ماكولا وابن نُقطة وابن سليم الرازي في المؤتلف والمختلف (٣)، وهو مرتب على حروف المعجم، وفي مجلدين (٤).
قال الحافظ شمس الدين السخاوي: «ثم ذَيَّل على ابن نقطة كل من الجمال أبي حامد ابن الصابوني، ومنصور بن سليم بالفتح، وثانيهما أكبرهما، وتواردا في بعض ما ذكراه، وكذا ذَيَّل على ابن نقطة العلاء مُغلطاي، جامعا بين الذيلين المذكورين، مع زيادات من أسماء الشعراء، وأنساب العرب، وغير ذلك، ولكن فيه أوهام وتكرير، حيث يذكر ما هو صالح لإدخاله في الباء والتاء أو السين والشين، مثلا في أحدهما، ويكون من قبله ذكره في الآخر» (٥).
٦ - الاكتفاء في تنقيح كتاب الضعفاء؛ يعني ضعفاء ابن الجوزي، ويُذكر باسم الذيل على كتاب الضعفاء (٦).
٧ - إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال للمزّيّ، ويقال في اسمه أيضًا:
_________
(١) لسان الميزان (٨/ ١٢٥) ترجمة رقم: (٧٨٦٧).
(٢) طبع بتحقيق: حسن عبجي، مراجعة محمد عوامة، المكتبة المحمودية، مصر.
(٣) ذكره الحافظ ابن حجر في الدرر الكامنة (٦/ ١١٦) ترجمة رقم: (٢٣١٠)، وابن فهد في لحظ الألحاظ (ص ٩٣)، وينظر: تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي (٢/ ٧٩١).
(٤) ذكره الزركلي في الأعلام (٧/ ٢٧٥)، وقال: «بخطه، في مكتبة الكتاني بفاس، رقم: (٤١٨٣) كما في مذكرة الأفغاني».
(٥) فتح المغيث بشرح ألفية الحديث (٤/ ٢٢٩).
(٦) طبع بعض منه باسم: الاكتفاء في تنقيح كتاب الضعفاء، بتحقيق الدكتور مازن بن محمد السرساوي، دار الأزهر، مصر، الطبعة الأولى، ١٤٣٠ هـ ـ ٢٠٠٩ م.
стр. 60
ذيل على تهذيب الكمال للمزي (١)، «وفيه فوائد، غير أن فيه تعصبا كثيرا، في أربعة عشر مجلدا، ثم اختصره في مجلدين، مقتصرا فيه على المواضع التي زعم أن الحافظ المزي غلط فيها، وأكبر ما غلطه فيه لا يرد عليه، وفي بعضه كان الغلط منه هو فيها، ثم اختصر المختصر في مجلد لطيف» (٢).
قال الحافظ ابن حجر (٣): «وله ذيل على تهذيب الكمال يكون في قدر الأصل، واختصره مقتصرا على الاعتراضات على المزي في نحو مجلدين، ثم في مجلد لطيف».
٨ - الإنابة إلى معرفة المختلف فيهم من الصحابة (٤)
ثالثا: شروح الحديث:
٩ - الإعلام بسنته ﵊، شرح سنن ابن ماجه الإمام (٥)، ولم يتمه (٦)، قال السيوطي: «وقد شرعت في إتمامه» (٧)
١٠ - التلويح في شرح الجامع الصحيح، وهو المعروف بشرح صحيح البخاري (٨)، في عشرين مجلدا (٩)، وهو من الكتب التي استفاد منها الحافظ ابن الملقن في التوضيح لشرح الجامع الصحيح، والحافظ ابن حجر في فتح الباري، ونقل منه بدر الدين العيني وغيرهم (١٠)
_________
(١) طبع بتحقيق: أبي عبد الرحمن عادل بن محمد، وأبي محمد أسامة بن إبراهيم، الفاروق الحديثة للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م.
(٢) لحظ الألحاظ (ص ٩٣)، وينظر: الذيل على العبر (ص ٧٢).
(٣) الدرر الكامنة (٦/ ١١٦).
(٤) طبع بتحقيق: السيد عز المرسي، وإبراهيم القاضي، ومجدي عبد الخالق، مكتبة الرشد، الرياض.
(٥) إكمال تهذيب الكمال (٣/ ٣٣٥).
(٦) طبع بتحقيق: كامل عويضة، مكتبة نزار مصطفى الباز، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ - ١٩٩٩ م.
(٧) ذيل طبقات الحفاظ (ص ٢٤١).
(٨) ذكره بهذا الاسم حاجي خليفة في كشف الظنون (١/ ٤٨٢)، وابن تغري بردي في المنهل الصافي (٥/ ٥).
(٩) طبع منه عدة أجزاء كما بينته في الدراسات السابقة.
(١٠) ينظر: التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٣٣/ ٦٠١)، وانتقاض الاعتراض في الرد على العيني في شرح البخاري، لابن حجر (١/ ٣٧٠)، والحافظ مغلطاي وجهوده في علوم الحديث (ص ٣٥٤، ٣٧٠).
стр. 61
١١ - السنن في الكلام على أحاديث السنن، وهو شرح سنن أبي داود، ولم يُتِمَّه (١).
١٢ ـ النحلة في فوائد الرحلة، تكلم فيه عن فضل الرحلة في طلب العلم (٢).
رابعًا: السيرة:
١٣ - الإشارة إلى سيرة المصطفى، وتاريخ من بعده من الخُلفاء (٣).
١٤ - الزهر الباسم في سيرة أبي القاسم (٤).
١٥ - الواضح المبين في ذكر من استشهد من المحبين (٥)، قال ابن ناصر الدين الدمشقي، بعد أن ذكر هذا الكتاب ضمن مصنفات الحافظ مغلطاي: «وفي آخره ـ كما ذكر ابن رجب المقرئ - إثبات تغزل تدلُّ على استهتار وضعف في الدين، والله يعفو عنا وعنه بكرمه. آمين» (٦).
خامسًا: اللغة:
١٦ - الميس إلى كتاب (ليس) لابن خالويه (ت ٣٧٠ هـ)؛ في اللغة (٧)، ومَبْنَى الكتاب من أوله إلى آخره على أنه ليس في كلام العرب كذا، وليس كذا. قال الحافظ ابن حجر لما ذكر كتاب (ليس) لابن خالويه: «وقد تعقّبه مغلطاي فأبلغ» (٨).
وغيرها كثير من المصنفات (٩).
_________
(١) ذكره قاسم بن قطلوبغا في تاج التراجم (١/ ١٤٩)، وابن تغري بردي في النجوم الزاهرة (١١/ ٩).
(٢) ذكره ابن ناصر الدين الدمشقي في توضيح المشتبه (٢/ ٦٧)، وهو في عداد المفقود، فلا يُعرف عن مكان وجوده شيء.
(٣) ويُعرف باسم: «سيرة مغلطاي»، طبع بتحقيق: محمد نظام الدين الفتيح، دار القلم بدمشق، الدار الشامية بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ ـ ١٩٩٦ م.
(٤) طبع بتحقيق: أحسن أحمد عبد الشكور، دار السلام، القاهرة. وطبع في رسالة دكتوراه، تحقيق: خميس بن صالح بن محمد الغامدي، جامعة أم القرى، مكة (١٤٢١ هـ ـ ٢٠٠٠ م).
(٥) طبع بتحقيق: سيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية، بيروت.
(٦) التبيان لبديعة البيان (٣/ ١٤٩٨) ترجمة رقم: (١٢١١).
(٧) لسان الميزان (٨/ ١٢٦) ترجمة رقم: (٧٨٦٧)، ولحظ الألحاظ (ص ٩٤).
(٨) الإصابة في تمييز الصحابة (٦/ ٢٥٧) ترجمة رقم: (٨٥١٩).
(٩) جمع أكثرها وعرف بها، أحمد حاج بن عبد الرحمن في رسالته: الحافظ مغلطاي بن قليج وجهوده في علم الحديث (ص ٤٩ - ٧٤).
стр. 62
الفصل الثاني التعريف بكتاب منار الإسلام بترتيب كتاب الوهم والإيهام
وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: تحقيق اسم الكتاب، وتوثيق نسبته لمؤلفه.
المبحث الثاني: أهمية الكتاب، ومميزاته.
المبحث الثالث: منهج المؤلف في الكتاب.
المبحث الرابع: مصادر المؤلف في كتابه.
المبحث الخامس: وصف النسخة الخطية المعتمدة في التحقيق، ونماذج منها.
стр. 63
المبحث الأول تحقيق اسم الكتاب، وتوثيق نسبته لمؤلفه
سأبين في هذا المبحث اسم هذا الكتاب الذي وضعه له مصنفه، وأدلل على ذلك، ثم أذكر توثيق نسبة الكتاب لمؤلفه، والأدلة على ذلك أيضا، من خلال المطلبين الآتيين:
المطلب الأول تحقيق اسم الكتاب
كتاب «منار الإسلام»، من أوائل ما صنف الحافظ مغلطاي (١)، وهو لم ير النور بعد.
منه نسخة خطية بمكتبة رئيس الكتاب مصطفى أفندي، ضمن المكتبة السليمانية، بتركيا، برقم (٢٨٦)، كتب عنوانه مختصرا على وجه الورقة الأولى: (منار الإسلام في الحديث)، وصرح المصنف باسمه كاملا في مقدمته، فقال: «وسميته: منار الإسلام بترتيب كتاب الوهم والإيهام» (٢).
وقد ذكره الحافظ مغلطاي نفسه في كتابه «الإيصال في مختلف النسبة» (٣)، فقال في ترجمة تلميذه أبي محمد بن رشيق: «قرأ علي أشياء، منها كتابي المسمى: منار الإسلام ترتيب كتاب الوهم والإيهام» (٤).
كما ذكره أيضا بهذا الاسم في كتابه إكمال تهذيب الكمال أثناء كلامه على
_________
(١) الحافظ مغلطاي وجهوده في علم الحديث (ص ٦٦).
(٢) منار الإسلام بترتيب كتاب الوهم والإيهام.
(٣) وهو ذيل على كتب ابن ماكولا وابن نقطة وابن سليم الرازي في المؤتلف والمختلف. تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي (٢/ ٧٩١).
(٤) ذكره عنه أحمد حاج عبد الرحمن محمد في كتابه: الحافظ مغلطاي وجهوده في علوم الحديث (ص ٦٦).
стр. 64
ترجمة عاصم بن لقيط بن صبرة العقيلي الحجازي، فذكر له حديثًا، ثم كلام أهل العلم فيه، ثم قال: «وفيه نظر، بيناه في كتابنا: منار الإسلام» (١).
وذكره فيه أيضًا مرة ثانية في ترجمة عدي بن ضمرة التميمي السعدي البصري، وذكر له حديثًا، وكلام أهل العلم فيه، ثم قال: «وجدنا له متابعًا، ذكرناه في كتابنا: منار الإسلام» (٢).
وقد ذكره أيضًا بهذا الاسم الحافظ ابن حجر في الدرر الكامنة، فقال: «رتب بيان الوهم لابن القطان، وأضافها إلى الأحكام، وسَمَّاهُ مَنَارَة الإسلام» (٣)، كذا وقع في مطبوعة الدرر: (منارة)، ولعل تصحيفا وقع فيه.
المطلب الثاني توثيق نسبة الكتاب لمؤلفه
كتاب «منار الإسلام بترتيب كتاب الوهم والإيهام»، ثابت النسبة للحافظ علاء الدين مُغلطاي، وذلك من عدة وجوه:
١ - نَسَبَ الحافظ مُغلطاي الكِتابَ لنفسه، وأحال عليه في أكثر من كتاب من كتبه، فتقدم آنفًا أنه ذكره في كتابه الإيصال في مختلف النسبة، وأنه قرأه عليه تلميذه أبو محمد بن رشيق، وأحال عليه في كتابه إكمال تهذيب الكمال كما تقدم آنفًا.
٢ - منه نسخة خطية كتبت بخط المؤلف، وقف عليها الحافظ سبط ابن العجمي، فقال: «وقفتُ على ترتيبه - أي: ترتيب بيان الوهم والإيهام - على ترتيب عبد الحق، للإمام علاء الدين مُغلطاي البَحْجَري، بخطه، ولكن لم أُمعن النظر فيه» (٤)، كما أشار إليه أيضًا سبط ابن العجمي، في كتابه نور النبراس على سيرة ابن سيد الناس، ذكر فيه الحافظ ابن القطان الفاسي، وشيئًا من ترجمته، وأن له كتاب الوهم والإيهام الواقعين في كتاب عبد الحق الأحكام، قال بعده: «وقد رتبه الحافظ مُغلطاي» (٥).
_________
(١) إكمال تهذيب الكمال (٧/ ١٢٠) ترجمة رقم: (٢٦٤٠).
(٢) إكمال تهذيب الكمال (٩/ ١٣٥) ترجمة رقم: (٣٥٧٩).
(٣) الدُّرَر الكامنة (٦/ ١١٦).
(٤) نثل الهميان في معيار الميزان (ص ٥٦).
(٥) نور النبراس على سيرة ابن سيد الناس، لسبط ابن العجمي، رسالة دكتوراه غير منشورة، =
стр. 65
٣ - أنه قد نسبه له كثير ممن ترجم للحافظ مغلطاي، منهم:
الحافظ ابن حجر، فقال في ترجمته لمغلطاي: «ومن تخريجاته: ترتيب بيان الوهم والإيهام، لابن القطان» (١)، وتقدم آنفًا عن الحافظ ابن حجر أنه ذكر في الدرر الكامنة هذا الكتاب باسمه ونسبه للحافظ مغلطاي.
ونسبه له السيوطي، فقال: «ورتب بيان الوهم، لابن القطان» (٢).
وابن فهد، قال في ترجمته له: «وكتاب في ترتيب الوهم والإيهام، لابن القطان» (٣).
٤ - أن طريقة تصنيف هذا الكتاب تتفق مع ما برز فيه الحافظ مغلطاي من إعادة ترتيب الكتب، كما صنع من إعادة ترتيب كتاب صحيح ابن حبّان على أبواب الفقه، وترتيب كتاب المهمّات على الروضة، في الفروع، للإسنوي.
_________
= مقدمة من الباحثة إيناس خالد العبد الكريم المنيس، جامعة أم القرى، كلية الدعوة وأصول الدين، قسم الكتاب والسُّنَّة، سنة ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م. (ص ١٢٩) من القسم الثاني: التحقيق.
(١) لسان الميزان (٨/ ١٢٧) ترجمة رقم: (٧٨٦٧).
(٢) طبقات الحفاظ (ص ٥٣٨) ترجمة رقم: (١١٦٧).
(٣) لحظ الألحاظ (ص ٩٤).
стр. 66
المبحث الثاني أهمية الكتاب، ومميزاته
يُمكن إبراز أهمية كتاب منار الإسلام بترتيب كتاب الوهم والإيهام في جانبين:
• الجانب الأول: تظهر أهميته من خلال تعلقه بكتاب بيان الوهم والإيهام للحافظ ابن القطان الفاسي، وبكتاب الأحكام الوسطى للحافظ أبي محمد عبد الحق الإشبيلي.
من المعلوم أن فكرة تصنيف الحافظ ابن القطان لكتاب بيان الوهم والإيهام إنما تقوم على فكرة انتقاد وتتبع الأحاديث التي أوردها الحافظ عبد الحق الإشبيلي في كتابه الأحكام، وبمعزل عن ذلك، فإن كتاب الأحكام للحافظ عبد الحق يُعَدُّ من الكتب الذائعة الصيت، وقد لاقى قبولًا واسعًا من قِبَل أهلِ العِلم وطلبته، وشُهرته تغني عن التوسع في الكلام عنه في هذا المقام، فَحَسبُه ما ذكره الحافظ الذهبي في ثنايا ترجمته للحافظ عبد الحق وفيما صنفه من كتب الأحكام، فقال: «وصنف التصانيف، واشتهر اسمه، وسارت بأحكامه الصغرى والوسطى الركبان، وله أحكام كبرى» (١).
ولعل تلك الشهرة التي اكتسبتها مصنّفات الحافظ عبد الحق هي ما دفعت الحافظ ابن القطان لأن يتصدّى لتتبع تلك الأحاديث التي أوردها الحافظ عبد الحق في كتابه الأحكام، سواء تلك التي سكت عنها وهي مما لا ينبغي السكوت عنه - فيما يرى الحافظ ابن القطان -، أو تلك التي أعلها من جهةٍ لا تصل إلى درجة الإقناع فيما يبدو للحافظ ابن القطان، فكشف عن وجوه عللها الأخرى، كما أنه تناول في نقده تلك الأحاديث التي صححها، وهي لا تبدو في نظره كذلك، وتناول أمورًا أخرى لها تعلق بما يخص أسانيد أحاديث كتاب الأحكام ومتونها، كل ذلك كشف عنه وتعرّض له في الباب الذي تندرج تحته هذه العلة (٢).
_________
(١) سير أعلام النبلاء (٢١/ ١٩٨ - ١٩٩) ترجمة عبد الحق بن عبد الرحمن الأزدي، الإشبيلي، برقم: (٩٩).
(٢) تنظر: طريقة تقسيم الحافظ ابن القطان لكتاب بيان الوهم والإيهام، وتبويبه للعلل، ما ذكرته =
стр. 67
ولا شك أن الحافظ ابن القطان الفاسي، يُعَدُّ إمامًا معروفًا بالحفظ والإتقان، حتى قال عنه ابن الأبار في ترجمته له: «كان من أبصر الناس بصناعة الحديث، وأحفظهم لأسماء رجاله، وأشدهم عناية بالرواية، رأس طلبة العلم بمراكش» (١)، وقال ابن مسدي: «كان معروفًا بالحفظ والإتقان، ومن أئمة هذا الشأن، … كان شيخ شيوخ أهل العلم في الدولة المؤمنية، فتمكن من الكتب، وبلغ غاية الأمنية» (٢).
أما كتابه «بيان الوهم والإيهام»، فقال فيه الحافظ الذهبي: «طالعت جميع كتابه «الوهم والإيهام»، الذي عمله على تبيين ما وقع من ذلك لعبد الحق في الأحكام، يدلّ على تبحره في فنون الحديث، وسيلان ذهنه، لكنّه تَعَنَّت وتكَلَّم في حال رجال فما أنصف … ولكن محاسنه جمة» (٣)، وذكر ابن عبد الهادي قبله نحو هذا (٤).
ومما يزيد من قيمة كتاب بيان الوهم والإيهام للحافظ ابن القطان، أنه تعرض فيه لعشرات الأحاديث، التي نقلها عن كُتب فُقدت أصولها، ولم يُعثر عليها للآن؛ كمسند بقي بن مخلد، وسنن أبي علي ابن السكن، ومستخرج قاسم بن أصبغ، فقد أكثر ابن القطان من النقل عنها بذكر أسانيدها ومتونها، حتى غدا ما ذكره ابن القطان في كتابه هذا مرجعًا لمن أراد الوقوف على هذه الأسانيد أو المتون، وكل من يذكرها يعزوها لابن القطان وكتابه الوهم والإيهام.
كما تعرض أيضًا لمئات الرواة بتعديل أو تجريح، معتمدًا في ذكر أحوالهم على كُتب لهم فيها ذكرٌ، وقد فُقدت أصول هذه الكتب أيضًا، وفيهم أيضًا من حكم عليه الحافظ ابن القطان، وفق ما أداه إليه اجتهاده فيه، وقد تجد منهم من لا يُعرف إلا بما ذكره ابن القطان فيه.
_________
= في المطلب الثاني، من التمهيد الذي جعلته في أول هذا القسم: الدراسة.
(١) سير أعلام النبلاء (٢٢/ ٣٠٦)، في ترجمة ابن القطان، أبو الحسن علي بن محمد، برقم: (١٨٣)
(٢) طبقات علماء الحديث، لابن عبد الهادي (٤/ ١٩٠)، في ترجمة ابن القطان الفاسي، أبو الحسن علي بن محمد، برقم: (١١٠٩).
(٣) تاريخ الإسلام (٤٥/ ٣٢١ - ٣٢٢)، في ترجمة ابن القطان الفاسي، برقم: (٤٧١).
(٤) طبقات علماء الحديث، لابن عبد الهادي (٤/ ١٩٠) ترجمة رقم: (١١٠٩).
стр. 68
ولهذا أكثر الأئمة والحفاظ ممن جاء بعده مِنْ نَقل أحكامه على الأحاديث تصحيحًا وتضعيفًا (١)، وكذا نقل أقواله في أحوال الرجال، لا سيما الذين انفرد بذكر أحوالهم، وممن أكثر من نقل أقواله وأحكامه الحافظ الذهبي، فذكر بعض الرواة في ميزانه، ولم يُعرف بهم إلا بما ذكره ابن القطان الفاسي (٢)، وكذا الحافظ ابن حجر العسقلاني، ذكر في لسانه رواةً، لم يُعرِّف بهم إلا بما ذكره ابن القطان (٣)، وكان كل من الذهبي وابن حجر، يسلّم بما ذكره ابن القطان من أحوال الرواة، في أكثر الأحيان، إلا أنهم خالفوه في بعضها، وبينوا وجه مخالفتهم له بذكر تعريف آخر غير من ذكره ابن القطان في بعض الرواة (٤).
من هنا ندرك أننا أمام كتاب ذي قيمة عالية، ومكانة مرموقة، شهد له الأئمة، لما له من الصلة الوثيقة بعلم الحديث وعلله وقواعده.
_________
(١) وممن أكثر من نقل أحكام الحافظ ابن القطان على الأحاديث صحة وضعفًا: الحافظ جمال الدين الزيلعي في كتابه نصب الراية، نقل عنه في مئات المواضع. يُنظر فيه على سبيل المثال: (١/ ٧٧، ٨٥، ٩٢، ٣٦٥ و ٢/ ٦٢)، وكذا أكثر من النقل عنه أيضًا الحافظ ابن حجر، في كتابه التلخيص الحبير. ينظر فيه على سبيل المثال: (١/ ١٢٦، ١٨١، ٢٥٥، ٢٦١)، ونقل عنه أيضًا في كتابه الآخر: الدراية في تخريج أحاديث الهداية. يُنظر فيه على سبيل المثال: (١/ ٦٧، ٢٥٨ و ٢/ ٨٢، ١٩٦).
(٢) ينظر على سبيل المثال: ميزان الاعتدال (١/ ٤٢٩)، في ترجمة حاتم بن نُصَيْر، برقم: (١٦٠٢): قال: «غمزه ابن القطان بالجهالة»، ولم يزد على ذلك شيئًا، ويُنظر فيه أيضًا: (٢/ ٢١٢)، ترجمة سليمان بن عبد الله بن عويمر، برقم: (٣٤٨٣)، و (٣/ ٤٤٤)، ترجمة محصن بن علي، برقم: (٧٠٩١)، وغيرها كثير.
(٣) ينظر على سبيل المثال: لسان الميزان (١/ ٥١٨)، ترجمة أحمد بن عبد الله بن زياد الديباجي، برقم: (٥٩٧): «جهله ابن القطان»، ولم يزد على ذلك شيئًا، ويُنظر فيه أيضًا: (١/ ٥٢٤)، ترجمة أحمد بن عبد الرحيم أبو زيد، برقم: (٦٠٩)، و (٣/ ٢١٤)، ترجمة الحسين بن نصر المؤدب، برقم: (٢٦١٤)، وغير ذلك كثير.
(٤) مثال ذلك: ما ذكره الحافظ الذهبي في ميزان الاعتدال (٢/ ٢٩٨)، في ترجمة صالح بن أبي عريب، برقم: (٣٨١٧): قال فيه: قال ابن القطان: لا تُعرف حاله، ولا يُعرف روى عنه غير عبد الحميد بن جعفر. قلت: بلى، روى عنه حيوة بن شريح والليث، وابن لهيعة، وغيرهم. له أحاديث وثقه ابن حبان، ومنه أيضًا ما ذكره الحافظ ابن حجر في لسان الميزان (٣/ ٣٩٦)، في ترجمة داود بن حماد بن فرافصة البلخي، برقم: (٣٠١٩)، فقال: «قال ابن القطان: حاله مجهولة. قلت: بل هو ثقة؛ فمن عادة أبي زرعة أن لا يحدث إلا عن ثقة. وذكره ابن حِبَّان في الثقات، وقال: كان ضابطًا، صاحب حديث، يُغرب».
стр. 69
كما يظهر هذا من وفرة المصادر التي رجع إليها الحافظ ابن القطان الفاسي، وهي مصادر أصيلة لأئمة كبار كالإمام أحمد في علله ومسائله، وابن معين في مسائله وتواريخه، والبخاري في تواريخه، وابن أبي حاتم وما نقله عن أبيه وأبي زرعة الرازيين، وأشباههم في الجرح والتعديل والعلل وغيرها الكثير من المصادر التي استفاد منها؛ كعلل الدارقطني، والضعفاء الكبير للعقيلي، والكامل لابن عدي، والقائمة تطول فيما لو تتبعناها (١)، وفي هذا ما يكشف لنا سبب اختيار الحافظ مغلطاي لهذا الكتاب ليقوم على خدمته، وتقديمه لأهل العلم وطلابه، على الصورة التي تمكنهم من الإفادة منه على الوجه الأكمل، وبأسرع الطرق وأيسرها، على ما سيأتي بيانه في الحديث عن الجانب الثاني الذي من خلاله تبرز أهمية هذا الكتاب.
• أما الجانب الثاني: أن أهمية كتاب المنار تظهر من خلال طريقة الحافظ مغلطاي في ترتيبه لكتاب بيان الوهم والإيهام.
بينت في المباحث السابقة المنهج الذي سلكه الحافظ مغلطاي في كتابه منار الإسلام، وبناء على ما سبق ذكره؛ فإن المرء لا يجد نفسه مبالغا إذا ما ذهب إلى القول بأن ما بذل الحافظ مغلطاي من جهد في سبيل ترتيب كتاب بيان الوهم والإيهام قد أضاف إليه قيمة أخرى، لا يمكن أن تخفى على كل من يطالع هذا الكتاب في صورته التي أرادها عليه بعد ترتيبه له، وقد تمثلت أهمية ما قام به في عدة جوانب، يمكن بيانها فيما يأتي:
١ - أنه أتاح لمطالع هذا الكتاب الوقوف على تلك الفوائد الواردة في بيان علل الحديث الواحد في موضع واحد متسلسل، بعد أن تم تخليصه من ذلك الانقطاع الذي أصابه في كتاب بيان الوهم والإيهام، وفي ذلك من الفوائد التي لا يمكن تجاهلها.
٢ - أنه عمل على تفريغ الكتاب من الزوائد والمكررات التي يشعر القارئ أنه في غنية عنها، ومثل هذا قد أخذ حيزا لا يستهان به في مجموع حجم هذا الكتاب، لا سيما وأنه قد تمثل في غير صورة كالأحاديث المتكررة، وإعادة ذكر العلة التي
_________
(١) ينظر المبحث التالي: مصادر المصنف في كتابه، فقد ذكرت فيه كثيرا من المصادر التي اعتمد عليها الحافظ ابن القطان في كتابه بيان الوهم والإيهام.
стр. 70
تقدم الكلام عليها في الموضع الأول، الذي وَرَد فيه الحديث، وتكرار تراجم بعض الرواة، وغير ذلك.
٣ ـ أنه قام بتغيير ترتيب الكتاب وفق الأبواب الفقهية، على ما كانت عليه في كتاب الأحكام للحافظ عبد الحق الإشبيلي، وهذا قد انبنى عليه ما أوضحته في النقطتين السابقتين.
٤ ـ إن ما قام به الحافظ مُغلطاي من سَرْدٍ للأحاديث الواردة في الباب الواحد التي تندرج تحته، مع ما ورد فيها من نقدٍ يَطالُ أسانيدها أو متونها، وذكر أحوال بعض رواتها، من شأنه أن يُبرز جهد الحافظين عبد الحق وابن القطان، ومكانة كل واحد منهما، ويشمل ذلك إظهار مكانة كتاب الحافظ عبد الحق وقيمته فيما يتعلق بجهده في هذا الكتاب، من جمعه لأحاديث رسول الله ﷺ ، ذات الصلة بالتشريعات والأحكام من الحلال والحرام، والآداب والرقائق، والمواعظ والتفسير، وغير ذلك من الأحاديث التي انتقاها من دواوين السُّنَّة، وما أتبعها من تعليقات له على بعضها، كما يشمل ما تتَبَّعَه به واستدركه عليه الحافظ ابن القطان على ما سبق بيانه من فوائد حديثية، وتصويب ما اعتراه من بعض الأوهام، الأمر الذي يدل على ما كان يتمتَّع به من تبحر في هذا الشأن، كلُّ ذلك مكّن القارئ من الوقوف عليه، والإفادة منه بصور متتباعة، لا تُوقِفُها إحالة، ولا يعتريها قطع، يتم وصله في باب آخر، كما هو شأن كتاب بيان الوهم والإيهام.
ومما ينبغي الإشارة إليه، والتنويه به، هو أنَّ مثل هذه الأمور المذكورة، مما قام به الحافظ مُغلطاي في ترتيبه لكتاب بيان الوهم والإيهام، ما كانت لتظهر ـ بعد فضل الله وتوفيقه ـ في صورتها التي أشرت إليها؛ لولا ذاك الجهد الكبير، والصبر الطويل الذي استلزمه للقيام بكل ذلك، ومثل هذا لا يتأتى إلا لمن أُوتي بسطة في العلم، ومعرفةً بفنونه، وتيسير سُبل الاستفادة ممّا صُنّف فيه، وخدمته على الوجه الذي يكشف عن كنوزه، ويُيسِّرُ سُبُلَ الوقوف عليه، ويُضفي عليه قيمة وأهمية زائدةً فوق ما كانت عليه.
стр. 71
المبحث الثالث منهج المؤلف في الكتاب
لما كان كتاب (بيان الوهم والإيهام) للحافظ ابن القطان الفاسي مرتبًا على وفق العلل التي اشتملت عليها تلك الأحاديث، الأمر الذي جعل الوصول إلى فوائده شائعًا، لأنه تتعذَّر الإحاطة بتحصيل ما أودعه مؤلّفه من أوجه العلل الواردة على الحديث الواحد إلا بعد مكابدةٍ وطُولِ بحث، أو كما قال الحافظ مغلطاي في مقدمة هذا الكتاب واصفًا الحال التي عليها كتاب (بيان الوهم والإيهام) بأنه «كتاب نظر لا كتاب كشف، يُعثر على فوائده من غير علم بالمظنّة، ولا يقتبس فوائده مَنْ كان ذا منة إلا بعد كشْفِه جُلَّ الكتاب، وذلك يتعذر على أكثر الطلاب، فلذلك أضحى مجانبًا وإن عَظُمت فيه الرَّغباتُ، مَقْصِيًّا وإن كثُرت إليه الحاجات، وذلك أن مؤلّفه، ﵀، رتبه على العلل لا على المسانيد» (١)، فترتيب الحافظ ابن القطان لكتابه (بيان الوهم والإيهام) هو ما جعل الحافظ مُغلطاي يعيد ترتيب الكتاب ويختصره، وذلك وفق منهج وضحه بإيجاز في مقدمة كتابه (منار الإسلام)، وفيما يلي بيان لمعالم هذا المنهج ونقده من خلال المطالب الستة الآتية:
المطلب الأول معالم منهج الحافظ مُغلطاي في كتابه «منار الإسلام»
وضع الحافظ مُغلطاي مقدمة مختصرة لكتابه منار الإسلام، بين فيها معالم المنهج الذي سلكه في كتابه المذكور، وذلك بعد أن ذكر أولا منهج الحافظ ابن القطان في كتابه (الوهم والإيهام)، موضحًا مدى مشقة الوصول إلى فوائده وكنوزه المبثوثة فيه، ثم قال:
«فاستخرت الله جلَّ وعزَّ ورتبته على رتبة كتب الأحكام، ولم أُدخل فيه ما
_________
(١) منار الإسلام، ويُنظر ما يأتي (ص ١٢٩).
стр. 72
ليس منه، ولم أخرج منه إلا ما دعت الضرورة إلى إخراجه لتكرره، كذكره حديثًا في مواضع عديدة لأمرٍ أدّى إلى ذلك، … فإني أذكره في موضع واحد، لم أحذف منه إلا تعريفه به في كل باب، وتنبيهه على ذكره حديثًا إن كان تقدم أو سيأتي، كقوله: (وقد نبهنا على هذا الحديث في الباب الفلاني). وإذا ذكر أبو الحسن (١) رجلًا تناقض نَظَرُ أبي محمد (٢) فيه، كابن إسحاق (٣) مثلًا، صحح أحاديثه في مواضع، وحسنها في مواضع، وضعفها في مواضع، وسكت عنها في مواضع، فإنه يذكره أولا بجميع أحاديثه التي تناقض أبو محمد فيها، ويبين صواب ذلك من خطئه، ثم يعيد ذلك بعينه إذا مر له حديث يناسب ما بوب، فإني أذكر أحاديث ذلك الشخص عند ذكره إياه مجملا (٤)، ولم أعد ذكره مفصلا إلا إذا زاد أبو الحسن في بيان ذلك، أعدت ذكره في بابه مفصلا لتكمل الفائدة به، وإن كنت قد ذكرته مجملًا مختصرًا.
وأما خطبة الكتاب، فإني ذكرتها بكمالها إلا موضع ذكر الترتيب، فإني حذفت ذلك.
وأما الباب الذي ذكر فيه أبو الحسن أمورًا جُمَليَّةً من أحوال رجال يجب
_________
(١) هو: ابن القطان الفاسي صاحب كتاب بيان الوهم والإيهام.
(٢) هو: عبد الحق الإشبيلي، صاحب كتاب الأحكام الوسطى.
(٣) هو: محمد بن إسحاق بن يسار، أبو بكر المطلبي، مولاهم المدني، العلامة الإخباري، قال شعبة: «ابن إسحاق أمير المؤمنين في الحديث». وقال ابن المديني: «حديثه عندي صحيح».
ووثقه في رواية أخرى، ووثقه أيضًا ابن سعد والعجلي، وقال الإمام أحمد: «هو حسن الحديث». وقال مرة: «ليس بحجة». وقال ابن معين: «ثقة، وليس بحجة». وقال مرة: «ليس به بأس». وقال في ثالثة: «ليس بذاك، ضعيف». وقال النسائي: «ليس بالقوي».
وكذبه سليمان التيمي وهشام بن عروة، وقال الدارقطني: «اختلف الأئمة فيه، وليس بحجة، وإنما يعتبر به». ينظر: تهذيب الكمال (٤١٤/ ٢٤) رقم: (٥٠٥٧)، وميزان الاعتدال (٣/ ٤٦٩) رقم: (٧١٩٧)، وقال في الكاشف (٢/ ١٥٦) رقم: (٤٧١٨): «الإمام، كان صدوقا من بحور العلم، وله غرائب في سعة ما روى تستنكر، واختلف في الاحتجاج به، وحديثه حسن، وقد صححه جماعة». وقال ابن حجر في تقريب التهذيب (ص ٤٦٧) برقم: (٥٧٢٥): «إمام المغازي، صدوقٌ يُدلّس، رُمي بالتشيع والقدر».
(٤) ينظر الحديث الآتي برقم: (١١٠٦)، فقد ذكر أثناء نقد الحافظ ابن القطان له حال ابن إسحاق، وموقف أبي محمد عبد الحق من مروياته، ثم ذكر الحافظ مُغلطاي بعده أحاديث ابن إسحاق، وهي من الحديث رقم: (١١٠٧) إلى رقم: (١١٩٤).
стр. 73
اعتبارُها، فإني ذكرته آخر الكتاب عند ذكر باب المصنّفين الذي خرج أبو محمد عنهم الأحاديث أو غيرها.
وإذا ذكرنا بابًا وذكر في أوله ضابطًا لما يأتي ذكره في ذلك الباب أو غيره، فإني أذكره عند ذكري أوّل حديث من ذلك الباب.
وأما الباب الذي عقده آخرًا كالفهرست لأحاديث الكتاب، فإني حذفته بجملته للاستغناء عنه، فمجموع ما حذف منه على ما ذكرناه لا يقارب ربع الكتاب بل أقل، وذلك لعدم حاجتنا إلى إبقاء ذلك، وضرورته إلى إبقائه، لاختلاف المقصد منه.
وأما غير هذا؛ فإني لم أُخِلَّ منه بحرف واحد، إلا ما في جِبلَّة البشر من سهو أو نسيان» (١).
ويمكن إبراز أهم معالم منهج الحافظ مُغُلْطاي فيما يأتي:
١ - ترتيب أحاديث الكتاب وفق ترتيب أبواب كتاب (الأحكام) لعبد الحق الإشبيلي.
٢ - لم يُدخل الحافظ مُغُلْطاي فيه ما ليس منه، إلا ما كان للتنبيه على حديث تقدم أو سيأتي، وكذا لم يُخرِج منه إلا ما دعت الضرورة إلى إخراجه لتكرره.
٣ - الرواة الذين تفرق كلام أبي الحسن ابن القطان فيهم في عدة مواضع، وكذا تفرق ذكره لأحاديثهم، جمع الحافظ مُغُلْطاي أحاديث ذلك الشخص عند ذكره إياه مجملا، ولم يُعد ذكره مفصلا إلّا إذا زاد أبو الحسن في بيان ذلك، فيعيد الحافظ مُغُلْطاي ذكره في بابه مفصلا لتكمل الفائدة به، وإن كان قد ذكره مجملا مُختصرا.
٤ - ذكر مُغُلْطاي خطبة الكتاب بكاملها إلا موضع ذكر الترتيب، فقد حذفه للاستغناء عنه.
٥ - الباب الذي ذكر فيه أبو الحسن أمورًا جُمَليَّةً من أحوال رجال يجب اعتبارها، ذكره الحافظ مُغُلْطاي كما هي في آخر الكتاب.
٦ - إذا ذكر الحافظ ابن القطان بابًا وذكر في أوله ضابطًا لما يأتي ذكره في ذلك الباب أو غيره، فيذكره الحافظ مُغُلْطاي عند ذكر أوّل حديث من ذلك الباب، أو الحديث الذي يليه.
_________
(١) منار الإسلام (١/ ب - ٢/ أ)، وينظر ما يأتي (ص ١٣٠ - ١٣١).
стр. 74
٧ - حذف الحافظ مُغلطاي الباب الذي عقده الحافظ ابن القطان في آخر كتابه وجعله كالفهرست لأحاديث الكتاب، وذلك لأنه مما يمكن الاستغناء عنه في هذا الكتاب.
٨ - بيّن الحافظ مُغلطاي أن مجموع ما حذف من كتاب (الوهم والإيهام) لتكرره أو للاستغناء عنه لا يقارب ربع الكتاب بل أقل، وذلك لعدم حاجته إلى إبقائه، واضطرار ابن القطان إلى إبقائه لاختلاف المقصد منه.
المطلب الثاني مزايا منهج الحافظ مُغلطاي في كتابه المنار
يمكن إبراز مزايا منهج الحافظ مُغلطاي في كتاب المنار فيما يأتي:
١ - بما أنّ الحافظ علاء الدين مُغلطاي قد ألزم نَفْسَه بأن يقوم بإعادة ترتيب كتاب بيان الوهم والإيهام للحافظ ابن القطان الفاسي وفق ترتيب جديد قائم على ما كان عليه في كتاب الأحكام لعبد الحق الإشبيلي؛ حيث كان مرتبا على الأبواب الفقهية، وقد كان هذا من الحافظ مُغلطاي على الوجه الذي ألزم به نفسه، ويمكن القول بأنه كان موفّقًا في ذلك للدرجة التي يمكن أن يُقال عنها بأنها عالية جدًا، وهذا بدوره قد انعكس إيجابًا على الباحثين فيه، فسهّل عملية الاستفادة من هذا الكتاب بسهولة ويسر.
٢ - كما أنه كان موفّقًا غاية التَّوفيق بما ألزم به نَفْسَه بأنْ لا يُدْخِلْ في أصل كتاب بيان الوهم والإيهام ما ليس منه، ولا ينقص منه شيئًا، إلا ما اقتضته عملية إعادة الترتيب، من حذف لبعض الجمل والكلمات واستبدالها بكلمات تتوافق مع منهج وطبيعة هذا الترتيب الجديد، أو ما كان من باب التنبيه على حديث تقدم أو سيأتي، وكذلك ما كان مما دعت الضرورة إلى حذفه لتكرره، على ما سلف بيانه وتوضيحه في المطالب السابقة بالأمثلة، وقد كان موفّقًا في ذلك بصورة ملفتة للدرجة التي لا يمكن للقارئ أن يشعر معها بأنّ ثمة خللا وقع في مضمون هذا الكتاب.
٣ - ومن الجوانب التي كشفت عن براعة الحافظ علاء الدين مُغلطاي في كتابه هذا، عملية جَمْعِه لكلام الحافظ ابن القطان الفاسي فيما يَخُصُّ الرُّواة الذين تفرق كلامه فيهم في عدة مواضع، مع تفرق ذكره لأحاديثهم، فالذي كان من الحافظ
стр. 75
مغلطاي أنه قام بعملية جَمْع أحاديث ذلك الراوي والكلام الوارد فيه عند ذكره إياه مجملا، ولم يُعِد ذكره مفصلًا إلا إذا زاد الحافظ ابن القطان الفاسي في بيان ذلك، فيعيد الحافظ مُغلطاي ذكره في بابه مفصلا، لتكتمل الفائدة به، وإن كان قد ذكره مجملاً مختصرًا.
٤ - من الأمور التي تبرز براعة الحافظ مغلطاي ودقته في ترتيبه لهذا الكتاب، هو تعامله مع تلك المقدمات التي كان يُمَهّد فيها الحافظ ابن القطان الفاسي للعديد من الأبواب التي قسمها على مقتضى العلة التي يستدرك فيها على الحافظ عبد الحق الإشبيلي، والتي اشتملت على بعض الفوائد ذات الصلة باسم الباب المندرجة تحته، وإن عملية إيراد هذه المقدّمات قد تُسبّب إشكالًا لمن يتصدَّى لإعادة ترتيب مثل هذه الكتب التي قد اختلف ترتيبها عما أراده صاحب الترتيب الجديد الذي يقوم على وفق الأبواب الفقهية، غير أنّ الحافظ مغلطاي قد أبدى قدرة فائقة في تعامله مع هذه المقدمات، وَوَضْعِه إياها في الموضع الذي يتناسب مع ترتيبه الجديد القائم على الأبواب الفقهية، وهذا قد استلزم منه جهدًا زائدا فوق الجهد الذي اقتضاه إعادة تسمية الأبواب، والمدقق في صنيعه إزاء هذا الأمر يتبين له ما كان يتمتع به الحافظ مغلطاي من بُعدِ نَظرٍ، وتوفيق فوق العادة في حسن اختياره في عملية وضع هذه المقدمات، ولعل إيراد هذا المثال يكشف عن هذا الأمر.
فقد بوّب الحافظ ابن القطان من جملة ما بوب به: (باب ذكر أحاديث أعلها برجال وفيها مَنْ هو مثلهم، أو أضعف أو مجهول لا يُعرف) (١)، ثم مهد الحافظ ابن القطان لهذا الباب بمقدّمة اشتملت على بعض الفوائد المتعلقة به وبأحاديثه التي سيوردها فيه، وبما سيذكره من نقد أو استدراك على الحافظ عبد الحق الإشبيلي، فقال في هذه المقدمة: «اعْلَم أنه يجب النظر فِي هَذَا الْبَابِ، خوفًا مِمَّا يُوهِمهُ إعراضه عَمَّا يجب إعلال الحَدِيث بِهِ: من كونه ثِقَة عِنْدَه، وَلَا سِيمَا إِذا كَانَ من يرى ذلك من لا علم عِنْدَه بِهَذَا الشَّأْن، فَهَذَا يسرع إِلَى اعْتِقَاد انحصار عِلَّة الْخَبَر فِيمَن نبه عَلَيْهِ من رواته دون من سواه، … » إلى آخر ما قاله (٢).
ثم شَرَع بذكر الأحاديث التي سيتعقب بها الحافظ عبد الحق في هذا الباب،
_________
(١) بيان الوهم والإيهام (٣/ ٨٧).
(٢) المصدر السابق (٣/ ٨٧ - ٩١).
следующие страницы →