Полный текст (2 959 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
المبحث الثالث منهج المؤلف في الكتاب
لما كان كتاب (بيان الوهم والإيهام) للحافظ ابن القطان الفاسي مرتبًا على وفق العلل التي اشتملت عليها تلك الأحاديث، الأمر الذي جعل الوصول إلى فوائده شائعًا، لأنه تتعذَّر الإحاطة بتحصيل ما أودعه مؤلّفه من أوجه العلل الواردة على الحديث الواحد إلا بعد مكابدةٍ وطُولِ بحث، أو كما قال الحافظ مغلطاي في مقدمة هذا الكتاب واصفًا الحال التي عليها كتاب (بيان الوهم والإيهام) بأنه «كتاب نظر لا كتاب كشف، يُعثر على فوائده من غير علم بالمظنّة، ولا يقتبس فوائده مَنْ كان ذا منة إلا بعد كشْفِه جُلَّ الكتاب، وذلك يتعذر على أكثر الطلاب، فلذلك أضحى مجانبًا وإن عَظُمت فيه الرَّغباتُ، مَقْصِيًّا وإن كثُرت إليه الحاجات، وذلك أن مؤلّفه، ﵀، رتبه على العلل لا على المسانيد» (١)، فترتيب الحافظ ابن القطان لكتابه (بيان الوهم والإيهام) هو ما جعل الحافظ مُغلطاي يعيد ترتيب الكتاب ويختصره، وذلك وفق منهج وضحه بإيجاز في مقدمة كتابه (منار الإسلام)، وفيما يلي بيان لمعالم هذا المنهج ونقده من خلال المطالب الستة الآتية:
المطلب الأول معالم منهج الحافظ مُغلطاي في كتابه «منار الإسلام»
وضع الحافظ مُغلطاي مقدمة مختصرة لكتابه منار الإسلام، بين فيها معالم المنهج الذي سلكه في كتابه المذكور، وذلك بعد أن ذكر أولا منهج الحافظ ابن القطان في كتابه (الوهم والإيهام)، موضحًا مدى مشقة الوصول إلى فوائده وكنوزه المبثوثة فيه، ثم قال:
«فاستخرت الله جلَّ وعزَّ ورتبته على رتبة كتب الأحكام، ولم أُدخل فيه ما
_________
(١) منار الإسلام، ويُنظر ما يأتي (ص ١٢٩).
стр. 72
ليس منه، ولم أخرج منه إلا ما دعت الضرورة إلى إخراجه لتكرره، كذكره حديثًا في مواضع عديدة لأمرٍ أدّى إلى ذلك، … فإني أذكره في موضع واحد، لم أحذف منه إلا تعريفه به في كل باب، وتنبيهه على ذكره حديثًا إن كان تقدم أو سيأتي، كقوله: (وقد نبهنا على هذا الحديث في الباب الفلاني). وإذا ذكر أبو الحسن (١) رجلًا تناقض نَظَرُ أبي محمد (٢) فيه، كابن إسحاق (٣) مثلًا، صحح أحاديثه في مواضع، وحسنها في مواضع، وضعفها في مواضع، وسكت عنها في مواضع، فإنه يذكره أولا بجميع أحاديثه التي تناقض أبو محمد فيها، ويبين صواب ذلك من خطئه، ثم يعيد ذلك بعينه إذا مر له حديث يناسب ما بوب، فإني أذكر أحاديث ذلك الشخص عند ذكره إياه مجملا (٤)، ولم أعد ذكره مفصلا إلا إذا زاد أبو الحسن في بيان ذلك، أعدت ذكره في بابه مفصلا لتكمل الفائدة به، وإن كنت قد ذكرته مجملًا مختصرًا.
وأما خطبة الكتاب، فإني ذكرتها بكمالها إلا موضع ذكر الترتيب، فإني حذفت ذلك.
وأما الباب الذي ذكر فيه أبو الحسن أمورًا جُمَليَّةً من أحوال رجال يجب
_________
(١) هو: ابن القطان الفاسي صاحب كتاب بيان الوهم والإيهام.
(٢) هو: عبد الحق الإشبيلي، صاحب كتاب الأحكام الوسطى.
(٣) هو: محمد بن إسحاق بن يسار، أبو بكر المطلبي، مولاهم المدني، العلامة الإخباري، قال شعبة: «ابن إسحاق أمير المؤمنين في الحديث». وقال ابن المديني: «حديثه عندي صحيح».
ووثقه في رواية أخرى، ووثقه أيضًا ابن سعد والعجلي، وقال الإمام أحمد: «هو حسن الحديث». وقال مرة: «ليس بحجة». وقال ابن معين: «ثقة، وليس بحجة». وقال مرة: «ليس به بأس». وقال في ثالثة: «ليس بذاك، ضعيف». وقال النسائي: «ليس بالقوي».
وكذبه سليمان التيمي وهشام بن عروة، وقال الدارقطني: «اختلف الأئمة فيه، وليس بحجة، وإنما يعتبر به». ينظر: تهذيب الكمال (٤١٤/ ٢٤) رقم: (٥٠٥٧)، وميزان الاعتدال (٣/ ٤٦٩) رقم: (٧١٩٧)، وقال في الكاشف (٢/ ١٥٦) رقم: (٤٧١٨): «الإمام، كان صدوقا من بحور العلم، وله غرائب في سعة ما روى تستنكر، واختلف في الاحتجاج به، وحديثه حسن، وقد صححه جماعة». وقال ابن حجر في تقريب التهذيب (ص ٤٦٧) برقم: (٥٧٢٥): «إمام المغازي، صدوقٌ يُدلّس، رُمي بالتشيع والقدر».
(٤) ينظر الحديث الآتي برقم: (١١٠٦)، فقد ذكر أثناء نقد الحافظ ابن القطان له حال ابن إسحاق، وموقف أبي محمد عبد الحق من مروياته، ثم ذكر الحافظ مُغلطاي بعده أحاديث ابن إسحاق، وهي من الحديث رقم: (١١٠٧) إلى رقم: (١١٩٤).
стр. 73
اعتبارُها، فإني ذكرته آخر الكتاب عند ذكر باب المصنّفين الذي خرج أبو محمد عنهم الأحاديث أو غيرها.
وإذا ذكرنا بابًا وذكر في أوله ضابطًا لما يأتي ذكره في ذلك الباب أو غيره، فإني أذكره عند ذكري أوّل حديث من ذلك الباب.
وأما الباب الذي عقده آخرًا كالفهرست لأحاديث الكتاب، فإني حذفته بجملته للاستغناء عنه، فمجموع ما حذف منه على ما ذكرناه لا يقارب ربع الكتاب بل أقل، وذلك لعدم حاجتنا إلى إبقاء ذلك، وضرورته إلى إبقائه، لاختلاف المقصد منه.
وأما غير هذا؛ فإني لم أُخِلَّ منه بحرف واحد، إلا ما في جِبلَّة البشر من سهو أو نسيان» (١).
ويمكن إبراز أهم معالم منهج الحافظ مُغُلْطاي فيما يأتي:
١ - ترتيب أحاديث الكتاب وفق ترتيب أبواب كتاب (الأحكام) لعبد الحق الإشبيلي.
٢ - لم يُدخل الحافظ مُغُلْطاي فيه ما ليس منه، إلا ما كان للتنبيه على حديث تقدم أو سيأتي، وكذا لم يُخرِج منه إلا ما دعت الضرورة إلى إخراجه لتكرره.
٣ - الرواة الذين تفرق كلام أبي الحسن ابن القطان فيهم في عدة مواضع، وكذا تفرق ذكره لأحاديثهم، جمع الحافظ مُغُلْطاي أحاديث ذلك الشخص عند ذكره إياه مجملا، ولم يُعد ذكره مفصلا إلّا إذا زاد أبو الحسن في بيان ذلك، فيعيد الحافظ مُغُلْطاي ذكره في بابه مفصلا لتكمل الفائدة به، وإن كان قد ذكره مجملا مُختصرا.
٤ - ذكر مُغُلْطاي خطبة الكتاب بكاملها إلا موضع ذكر الترتيب، فقد حذفه للاستغناء عنه.
٥ - الباب الذي ذكر فيه أبو الحسن أمورًا جُمَليَّةً من أحوال رجال يجب اعتبارها، ذكره الحافظ مُغُلْطاي كما هي في آخر الكتاب.
٦ - إذا ذكر الحافظ ابن القطان بابًا وذكر في أوله ضابطًا لما يأتي ذكره في ذلك الباب أو غيره، فيذكره الحافظ مُغُلْطاي عند ذكر أوّل حديث من ذلك الباب، أو الحديث الذي يليه.
_________
(١) منار الإسلام (١/ ب - ٢/ أ)، وينظر ما يأتي (ص ١٣٠ - ١٣١).
стр. 74
٧ - حذف الحافظ مُغلطاي الباب الذي عقده الحافظ ابن القطان في آخر كتابه وجعله كالفهرست لأحاديث الكتاب، وذلك لأنه مما يمكن الاستغناء عنه في هذا الكتاب.
٨ - بيّن الحافظ مُغلطاي أن مجموع ما حذف من كتاب (الوهم والإيهام) لتكرره أو للاستغناء عنه لا يقارب ربع الكتاب بل أقل، وذلك لعدم حاجته إلى إبقائه، واضطرار ابن القطان إلى إبقائه لاختلاف المقصد منه.
المطلب الثاني مزايا منهج الحافظ مُغلطاي في كتابه المنار
يمكن إبراز مزايا منهج الحافظ مُغلطاي في كتاب المنار فيما يأتي:
١ - بما أنّ الحافظ علاء الدين مُغلطاي قد ألزم نَفْسَه بأن يقوم بإعادة ترتيب كتاب بيان الوهم والإيهام للحافظ ابن القطان الفاسي وفق ترتيب جديد قائم على ما كان عليه في كتاب الأحكام لعبد الحق الإشبيلي؛ حيث كان مرتبا على الأبواب الفقهية، وقد كان هذا من الحافظ مُغلطاي على الوجه الذي ألزم به نفسه، ويمكن القول بأنه كان موفّقًا في ذلك للدرجة التي يمكن أن يُقال عنها بأنها عالية جدًا، وهذا بدوره قد انعكس إيجابًا على الباحثين فيه، فسهّل عملية الاستفادة من هذا الكتاب بسهولة ويسر.
٢ - كما أنه كان موفّقًا غاية التَّوفيق بما ألزم به نَفْسَه بأنْ لا يُدْخِلْ في أصل كتاب بيان الوهم والإيهام ما ليس منه، ولا ينقص منه شيئًا، إلا ما اقتضته عملية إعادة الترتيب، من حذف لبعض الجمل والكلمات واستبدالها بكلمات تتوافق مع منهج وطبيعة هذا الترتيب الجديد، أو ما كان من باب التنبيه على حديث تقدم أو سيأتي، وكذلك ما كان مما دعت الضرورة إلى حذفه لتكرره، على ما سلف بيانه وتوضيحه في المطالب السابقة بالأمثلة، وقد كان موفّقًا في ذلك بصورة ملفتة للدرجة التي لا يمكن للقارئ أن يشعر معها بأنّ ثمة خللا وقع في مضمون هذا الكتاب.
٣ - ومن الجوانب التي كشفت عن براعة الحافظ علاء الدين مُغلطاي في كتابه هذا، عملية جَمْعِه لكلام الحافظ ابن القطان الفاسي فيما يَخُصُّ الرُّواة الذين تفرق كلامه فيهم في عدة مواضع، مع تفرق ذكره لأحاديثهم، فالذي كان من الحافظ
стр. 75
مغلطاي أنه قام بعملية جَمْع أحاديث ذلك الراوي والكلام الوارد فيه عند ذكره إياه مجملا، ولم يُعِد ذكره مفصلًا إلا إذا زاد الحافظ ابن القطان الفاسي في بيان ذلك، فيعيد الحافظ مُغلطاي ذكره في بابه مفصلا، لتكتمل الفائدة به، وإن كان قد ذكره مجملاً مختصرًا.
٤ - من الأمور التي تبرز براعة الحافظ مغلطاي ودقته في ترتيبه لهذا الكتاب، هو تعامله مع تلك المقدمات التي كان يُمَهّد فيها الحافظ ابن القطان الفاسي للعديد من الأبواب التي قسمها على مقتضى العلة التي يستدرك فيها على الحافظ عبد الحق الإشبيلي، والتي اشتملت على بعض الفوائد ذات الصلة باسم الباب المندرجة تحته، وإن عملية إيراد هذه المقدّمات قد تُسبّب إشكالًا لمن يتصدَّى لإعادة ترتيب مثل هذه الكتب التي قد اختلف ترتيبها عما أراده صاحب الترتيب الجديد الذي يقوم على وفق الأبواب الفقهية، غير أنّ الحافظ مغلطاي قد أبدى قدرة فائقة في تعامله مع هذه المقدمات، وَوَضْعِه إياها في الموضع الذي يتناسب مع ترتيبه الجديد القائم على الأبواب الفقهية، وهذا قد استلزم منه جهدًا زائدا فوق الجهد الذي اقتضاه إعادة تسمية الأبواب، والمدقق في صنيعه إزاء هذا الأمر يتبين له ما كان يتمتع به الحافظ مغلطاي من بُعدِ نَظرٍ، وتوفيق فوق العادة في حسن اختياره في عملية وضع هذه المقدمات، ولعل إيراد هذا المثال يكشف عن هذا الأمر.
فقد بوّب الحافظ ابن القطان من جملة ما بوب به: (باب ذكر أحاديث أعلها برجال وفيها مَنْ هو مثلهم، أو أضعف أو مجهول لا يُعرف) (١)، ثم مهد الحافظ ابن القطان لهذا الباب بمقدّمة اشتملت على بعض الفوائد المتعلقة به وبأحاديثه التي سيوردها فيه، وبما سيذكره من نقد أو استدراك على الحافظ عبد الحق الإشبيلي، فقال في هذه المقدمة: «اعْلَم أنه يجب النظر فِي هَذَا الْبَابِ، خوفًا مِمَّا يُوهِمهُ إعراضه عَمَّا يجب إعلال الحَدِيث بِهِ: من كونه ثِقَة عِنْدَه، وَلَا سِيمَا إِذا كَانَ من يرى ذلك من لا علم عِنْدَه بِهَذَا الشَّأْن، فَهَذَا يسرع إِلَى اعْتِقَاد انحصار عِلَّة الْخَبَر فِيمَن نبه عَلَيْهِ من رواته دون من سواه، … » إلى آخر ما قاله (٢).
ثم شَرَع بذكر الأحاديث التي سيتعقب بها الحافظ عبد الحق في هذا الباب،
_________
(١) بيان الوهم والإيهام (٣/ ٨٧).
(٢) المصدر السابق (٣/ ٨٧ - ٩١).
стр. 76
فابتدأ بذكر حديث أورده «من طريق الدارقطني» (١)، عن عثمان، أنه توضأ ثلاثا ثلاثا، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ توضأ هكذا، ولم يتكلم، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله … » الحديث. ثم أتبعه أن قال: هذا يرويه الْبَيْلَمَانِي، عن عثمان، … إلى آخر ما قاله الحافظ ابن القطان من تعقب لعبد الحق (٢).
ثم أتبعه ابن القطان ذكر سبعة أحاديث (٣)، ذكرها الحافظ عبد الحق، من رواية ابن الْبَيْلَمَانِي هذا، وضعفها به، ثم تابع ذكر أحاديث هذا الباب.
أما الحافظ مُغلطاي فكان الشأن عنده مختلفًا في ترتيب ما ذكر في هذا الباب، وبالنظر إلى الخطوات التي اتبعها الحافظ مُغلطاي في هذا الشأن نجد ما يأتي:
أولا: أنه قام بحذف ذكر اسم هذا الباب؛ لعدم الحاجة إليه في الترتيب الجديد.
ثانيًا: أنه قام بوضع هذه المقدّمة في كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء وصفته.
ثالثًا: أنه ذكر في هذا الباب حديث عثمان ﵁ في الوضوء ثلاثًا، من رواية ابن البيلماني، ولم يذكر بعده الأحاديث السبعة التي ذكرها ابن القطان، وهي من رواية ابن البيلماني هذا، بل اكتفى مُغلطاي بذكر أربعة منها.
رابعًا: أنه تخيَّر الحديث المناسب الذي يتوافق ويتلاءم مع إيراد هذه المقدمة قبله، فما كان منه إلا أنه وضعها قبل حديث ذكره الحافظ ابن القطان «من طريق الترمذي، عن سعيد بن زيد، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا وُضوءَ لمَن لَمْ يذكر اسم الله عليه»» (٤)، ثم قال: قال أحمد بن حنبل: لا أعلم في هذا حديثًا له إسناد جيد. وقال محمد - يعني البخاري -: أحسن شيء في هذا الباب حديث رباح بن عبد الرحمن. انتهى كلام الترمذي وحديث رباح هو هذا الذي ذكر
_________
(١) سيأتي الحديث بتمامه مع تخريجه والكلام عليه برقم: (٢٨٤).
(٢) بيان الوهم والإيهام (٣/ ٩١) الحديث رقم: (٧٨١).
(٣) بيان الوهم والإيهام (٣/ ٩١ - ٩٣) الحديث رقم: (٧٨٢ - ٧٨٨).
(٤) هو الحديث الآتي بتمامه مع تخريجه والكلام عليه برقم: (٢٨٩).
стр. 77
الترمذي. انتهى كلام أبي محمد (١)، ثم تعقبه بكلام مؤداه أنه أعله بشيء، وترك ما هو أقوى في إعلاله.
فرأى الحافظ مُغلطاي أن هذا الحديث مناسب لأن توضع قبله مقدمة الحافظ ابن القطان الفاسي، لأنه يندرج تحتها. ولا يخفى ما في هذا الترتيب من دقة عالية، استلزمت بحثًا طويلا من الحافظ مغلطاي، غير أنها تكشف عن مدى الجهد الكبير الذي بذله، وعن الوقت الطويل الذي صرفه في سبيل الوصول إلى وضع هذا التمهيد في الموضع الذي يتناسب معه الكلام على الأحاديث الداخلة تحت هذا الباب.
المطلب الثالث منهجه في الترتيب والاختصار
لقد استدعى أمر الكشف عن منهج الحافظ مغلطاي في ترتيبه واختصاره، النَّظَرَ مرة تلو المرّة في كتاب «بيان الوهم والإيهام» وكتاب «منار الإسلام»، ثم إنه كان لا بُدَّ من عرض أحدهما على الآخر، لتلمس الفروق بينهما بعد إجراء عملية الترتيب والاختصار، التي قام بهما الحافظ مُغلطاي، من أجل الوقوف على تلك الخطوات التي سلكها في سبيل ترتيب الكتاب على النحو الذي أراده، والأمثلة الآتية توضح ذلك:
• المثال الأول:
أورد الحافظ ابن القطان الفاسي حديث أبي ذرٍّ ﵁ في التيمم، في ثلاثة مواضع من كتابه (بيان الوهم والإيهام)، وهي:
الموضع الأول: في (باب ذكر أحاديث عللها ولم يُبين من أسانيدها موضع العلل)، فقال: «وذكر من طريق الترمذي (٢)، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذرّ حديث: «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ المسلم، وإنْ لم يَجِدِ الماءَ عَشْرَ سِنِينَ … »» الحديث.
وقال عقبه: «وقال عن الترمذي: إنه حديثٌ حسنٌ (٣)، فهو عنده غير صحيح، ولم
_________
(١) بيان الوهم والإيهام (٣/ ٣١٢ - ٣١٣) الحديث رقم: (١٠٦٢).
(٢) سنن الترمذي، كتاب الطهارة، باب التيمم للجنب إذا لم يجد الماء (١/ ٢١١ - ٢١٦) الحديث رقم: (١٢٤)، وقال: «هذا حديث حسن صحيح».
وسيأتي الحديث بتمامه مع تخريجه والكلام عليه برقم: (٣٨٠).
(٣) كذا قال في الوهم والإيهام (٣/ ٣٢٧)، وتقدم أثناء تخريج الحديث أن الترمذي قال:
стр. 78
يُبَيِّنُ لم لا يَصِحُ … .»، إلى أن قال في هذا الموضع: «وهو حديثٌ ضَعيفٌ لا شَكَّ فيه، ولهذا المعنى إسنادٌ صحيحٌ، سنذكره إن شاء الله في باب الأحاديث التي لم يُصحِّحها ولها أسانيد صحاح» (١).
الموضع الثاني: في (باب ذكر أحاديث ضعفها من الطرق التي أوردها منها، وهي ضعيفة منها، صحيحة أو حسنةٌ من طرقٍ أُخر)، فقال: «وَذَكَرَ حديث أبي ذر: «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ المسلم، وإنْ لم يَجِدِ المَاءَ عَشْرَ سِنِينَ»»، ثم قال: «وَقَنَع فيه بتحسين الترمذي له، فهو عنده غير صحيح؛ لأنه لا يُعرف حال لعمرو بنِ بجدان، وقد بينا ما ينبغي من أمره في باب الأحاديث التي أعلها ولم يُبيِّن لماذا، ونذكر الآن أن لهذا المعنى إسنادًا صحيحًا من رواية أبي هريرة. قال البزَّارُ (٢): حدَّثنا مُقدَّمُ بنُ محمد بن يحيى بن عطاء بن مقدَّم المقدمي … » (٣) إلى آخر ما ذكره من نقد لهذا الحديث.
الموضع الثالث: في (باب ذكر مُضمَّن هذا الكتاب على نَسَقِ التصنيف)، فقال: «وَذَكَرَ حديث أبي ذر: «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ المسلم»» (٤).
وفي المقابل نجد أن الحافظ مُغلطاي أورد هذا الحديث بجميع طرقه ورواياته، في موضع واحد من كتابه المنار، فذكره في كتاب الطهارة، (باب عشر من الفطرة) فقط، فقال: وذكر من طريق الترمذي، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر حديث: «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ المسلم، وإنْ لم يَجِدِ المَاءَ عَشْرَ سِنِينَ … » الحديث. وقال [أي: عبد الحق]، عن الترمذي: إنه حديث حسنٌ. فهو عنده غير صحيح، ولم يُبيِّن لِمَ لا يَصِحُ، وذلك أنه لا يُعرف لعمرو بن بجدان هذا حال، وإنما روى عنه أبو قلابة، واختلف عنه (٥)، ثم ذكر في هذا الموضع الاختلاف الواقع في رواية هذا الحديث، وما يرد عليه من علل والجواب عنها.
_________
= «حديث حسن صحيح».
(١) بيان الوهم والإيهام (٣٢٧/ ٣ - ٣٢٨) الحديث رقم: (١٠٧٣).
(٢) مسند البزار، البحر الزخار (١٧/ ٣٠٩) الحديث رقم: (١٠٠٦٨).
(٣) بيان الوهم والإيهام (٢٦٦/ ٥ - ٢٦٧) الحديث رقم: (٢٤٦٤).
(٤) المصدر السابق (٥/ ٦٧٠).
(٥) منار الإسلام (أ/ ٥٦)، وهو الحديث الآتي برقم: (٣٨٠).
стр. 79
وعلى مقتضى هذا المثال، يمكن توضيح الخطوات التي أجراها الحافظ مغلطاي في عملية الترتيب والاختصار على النحو التالي:
أولا: أنه اقتصر على ذكر هذا الحديث في موضع واحد، وفي بابه المخصص له، بعدما كان في (بيان الوهم والإيهام) في ثلاثة مواضع.
ثانيا: أنه قام بحذف بعض العبارات التي يمكن الاستغناء عنها أو مما لا متعلق لها بنقد الحديث، وقد قمت بتحديدها بوضع خط أسفل منها في المثال المذكور.
ثالثا: أنه قام بعملية دمج الكلام المتعلّق بنقد الحديث الوارد في الموضعين، بعدما قام بحذف ما أشرت إليه، فأصبح سياق الكلام عنده في كتابه المنار على النحو التالي: «وهو حديث ضعيف لا شك فيه؛ لأنه لا بد فيه من عمرِو بنِ بجدان، ولهذا المعنى إسناد صحيح من رواية أبي هريرة، قال البزار: حدثنا محمد بن مقدم (١) بن يحيى بن مقدم المقدَّمي … » (٢)، وبهذا يأتلف كلام الحافظ ابن القطان الفاسي الوارد على الحديث في جميع المواضع بعضُه مع بعض بعد عملية حذف عبارات الإحالات منه، والاستغناء عنها لانتفاء مناسبة ذكرها مع هذا الترتيب؛ فبدا وكأنه قد سُرِد في موضع واحد، دون زيادة أو نقصان.
• المثال الثاني:
أورد الحافظ ابن القطان الفاسي حديث معاذ في الاستثناء في العتق، في أربعة مواضع من كتابه «بيان الوهم والإيهام»:
الموضع الأول: ذكر في (باب ذكر أَحَادِيث أوردها على أَنَّهَا مُتَّصِلَة وَهِي مُنْقَطِعَة، أَوْ مَشْكُوك فِي اتصالها)، وفيه قوله: «وَذَكر من طَرِيق الدَّارَقُطْنِي (٣)، عَنْ
_________
(١) في النسخة الخطية: «محمد بن مقدّم»، وعلم ناسخه فوق كلمتي «محمد» و «مقدم» بالحرف (مـ) للدلالة على القلب بين الاسمين، وأن الصواب فيه: «مقدَّم بن محمد»، وعلى مقتضى ذلك أثبت ما هو صواب، وتقدم ذكره على الصواب قريبا، وهو في مسند البزار (١٧/ ٣٠٩) على الصواب، وهو المطابق لمصادر ترجمته. ينظر: تهذيب الكمال (١١/ ٣٤٧) ترجمة (٤٧٢٧)
(٢) منار الإسلام، ويُنظر الحديثان الآتيان برقم: (٣٨٠، ٣٨١).
(٣) سنن الدارقطني، كتاب الطلاق والخُلع والإيلاء وغيره (٥/ ٦٣ - ٦٤) برقم: (٣٩٨٤، ٣٩٨٥)، من طريقين عن إسماعيل بن عياش، عن حميد بن مالك اللخمي، عن مكحول، عن معاذ بن جبل، به.
стр. 80
معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قال الرجل لمملوكه: أنت حر إن شاء الله، فهو حر، وليس له استثناؤه»، وقال عقبه: «ثم قال [أي: عبد الحق]: في إسناده حميد بن مالك، وهو ضعيف. انتهى كلامه. فأقول [أي: ابن القطان] وبالله التوفيق: إنه منقطع، فإن حميد بن مالك يرويه عن مكحول، عن معاذ، قال: قال لي رسول الله ﷺ : «يا معاذ، ما خلق الله شيئا على وجه الأرض أحب إليه من العتاق، ولا خلق شيئا على وجه الأرض أبغض إليه من الطلاق، فإذا قال الرجل لمملوكه: أنت حر إن شاء الله، فهو حر، ولا استثناء له، … »، رواه عنه إسماعيل بن عياش، ومكحول إنما أخذه عن مالك بن يخامر، عن معاذ. كذلك روى عمر بن إبراهيم بن خالد عن حميد بن مالك اللحمي المذكور، قال: حدثنا مكحول، عن مالك بن يخامر، عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله ﷺ : «ما خلق الله تعالى شيئا أبغض إليه من الطلاق، فمن طلق واستثنى فله استثناؤه». وقد ذكر أبو محمد هذه القطعة في الطلاق هكذا وذكر الدارقطني هذه الرواية كما ذكرناها، فاعلم ذلك» (١).
الموضع الثاني: ذكر الحديث من غير أن يطيل في بيان تعليله، في (باب ذكر أحاديث أعلها برجال وفيها من هو مثلهم، أو أضعف، أو مجهول لا يعرف)، فقال: «وذكر حديث: «إذا قال لعبده: أنت حر إن شاء الله، فهو حر ولا استثناء له»»، ثم قال عقبه: «وضعفه بمحمد (٢) بن مالك. ولم يذكر إسماعيل بن عياش، وهو يرويه عنه، ولا بين أنه منقطع. وقد بينا أمره في باب الأحاديث التي أوردها على أنها متصلة وهي منقطعة» (٣).
الموضع الثالث: ذكر الحديث مرة ثالثة مختصرا، في باب ذكر أحاديث
_________
= وسيأتي الحديث بتمامه مع تخريجه والكلام عليه برقم: (٢١٥٠).
(١) بيان الوهم والإيهام (٢/ ٤٤٧ - ٤٤٨) الحديث رقم: (٤٥٠).
(٢) كذا قال ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (٣/ ١٣٨): (وضعفه بمحمد)، وقد تعقبه ابن المواق في بغية النقاد النقلة (٢/ ١٦٥) الحديث رقم: (٣٢٥)، فقال: «قوله: (محمد بن مالك) وهم، وصوابه (حميد بن مالك)، وعلى الصواب ذكره ق [أي: عبد الحق الإشبيلي]، فاعلمه»، وقد تقدم ذكره في الموضع الأول عند ابن القطان على الصواب، وكذا سيأتي في الموضع الثالث على الصواب أيضا.
(٣) بيان الوهم والإيهام (٣/ ١٣٨ - ١٣٩) الحديث رقم: (٨٤٢).
стр. 81
سكت عنها مصححا لها وليست بصحيحة)، فقال: «وحديث: «الاستثناء في العتق»»، ثم قال عقبه: «ضعفه بحميد بن مالك، ولم يعرض له من جهة إسماعيل بن عياش» (١).
الموضع الرابع: في (باب ذكر مضمن هذا الكتاب على نسق التصنيف)، فقال: «وذكر الاستثناء في العتق». وأعله، ولم يبين انقطاعه، ولا أنه من رواية إسماعيل بن عياش (٢).
وفي المقابل ذكر الحافظ مغلطاي هذا الحديث في موضعين من كتابه المنار: الموضع الأول: ذكره باختصار في كتاب الصلاة، باب في الصلاة على الدواب وفي السفينة، فقال: «وحديث: «الاستثناء في العتق»، ضعفه بحميد بن مالك، ولم يعرض له من جهة ابن عياش» (٣).
الموضع الثاني: ذكره مطولا في كتاب البيوع، باب في العتق وصحبة المماليك، فقال: «وذكر من طريق الدارقطني عن معاذ، قال رسول الله ﷺ : «إِذا قَالَ الرجل لمملوكه: أَنت حر إِنْ شَاءَ اللهُ، فَهُوَ حر، وَلَيْسَ لَهُ اسْتِثْنَاؤُهُ». ثم قال: في إسناده حميد بن مالك، وهو ضعيف. ولم يذكر إسماعيل بن عياش، وهو يرويه عنه، ولا بين أنه منقطع، وذلك أن حميد بن مالك هذا يرويه عن مكحول، عن معاذ، قال: قال لي رسول الله ﷺ : «يا معاذ، ما خلق الله شيئا على وجه الأرض أحب إليه من العتاق، ولا خلق شيئا على وجه الأرض أبغض إليه من الطلاق، … ». ومكحول إنما أخذه عن مالك بن يخامر، عن معاذ كذلك روى عمر بن إبراهيم بن خالد، عن حميد بن عبد الرحمن بن مالك اللخمي المذكور، قال: حدثنا مكحول، عن مالك بن يخامر، عن معاذ، قال ﷺ : «ما خلق الله ﷺ شيئا أبغض إليه من الطلاق، فمن طلق واستثنى فله استثناؤه». وقد ذكر أبو محمد (٤) هذه القطعة في الطلاق هكذا، وذكر الدارقطني هذه الرواية كما ذكرناها، فاعلم ذلك» (٥).
_________
(١) بيان الوهم والإيهام (٤/ ١٩٠) الحديث رقم: (١٦٧٦).
(٢) المصدر السابق (٥/ ٧٩١).
(٣) منار الإسلام (ب/ ١١٤)، وهو الحديث الآتي برقم: (٨٤٠).
(٤) عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (٣/ ١٨٨).
(٥) منار الإسلام (أ - ب/ ٢٧٠)، وهو الحديث الآتي برقم: (١٨٥٥).
стр. 82
وعلى مقتضى هذا المثال، يمكن توضيح الخطوات التي أجراها الحافظ مُغلطاي في عملية الترتيب والاختصار على النحو التالي:
أولًا: ذكر مُغلطاي الحديث في الموضع الأول مختصرًا، مثل ما ذكره ابن القطان في الموضع الثالث، من غير زيادة ولا نقص أو تبديل فيه، وسبب ذكر مُغلطاي لهذا الحديث في هذا الموضع، أن ابن القطان ذكره ضمن الأحاديث التي انتقدها على عبد الحق الإشبيلي، كونه ذكرها في أحكامه دون أن يبين أنها من رواية إسماعيل بن عياش، وهو مختلف فيه.
ثانيًا: ذكر مُغلطاي الحديث مرة ثانية بتمامه، مع زيادة تفصيل في بيان وجه تعليله والانقطاع فيه، مثل ما ذكره ابن القطان في الموضع الأول، من غير زيادة أو نقص فيه، إلا أنه قدم وأخر بين بعض الجمل، بما لا يُغيّر في المعنى شيئًا.
ثالثًا: الموضع الثالث عند ابن القطان، كل ما ذكره فيه مكرر لما سبق ذكره عنده في الموضع الأول، لذلك حذفه مُغلطاي، فلم يذكر منه شيئًا.
رابعًا: الموضع الرابع عند ابن القطان، حذفه مُغلطاي بتمامه، لعدم الحاجة له في هذا الكتاب.
خامسًا: يؤخذ على مُغلطاي في ذكره لهذا الحديث، أنه لما ذكر الحديث مختصرًا في الموضع الأول، لم يُشر إلى أنه سيذكره مرة ثانية بتمامه مع التفصيل في بيان وجه تعليله والانقطاع فيه، كما في الموضع الثاني.
المثال الثالث:
أورد الحافظ ابن القطان الفاسي حديث أبي هريرة في فضل الإخلاص في طلب العلم، في ثلاثة مواضع من كتابه (بيان الوهم والإيهام):
الموضع الأول: في (باب ذكر أحاديث سكت عنها مصححًا لها وليست بصحيحة)، فقال: «وذكر من طريق أبي داود (١)، عن أبي هريرة قال: قال
_________
(١) سنن أبي داود، كتاب العلم، باب في طلب العلم لغير الله تعالى (٣/ ٣٢٣) الحديث رقم: (٣٦٦٤)، من حديث أبي هريرة ﵁ به.
وسيأتي الحديث بتمامه مع تخريجه والكلام عليه برقم: (٥٨).
стр. 83
رسول الله ﷺ : «مَنْ تَعَلَّمَ عِلمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللهِ تَعَالَى … » الحديث. وسكت عنه، وهو حديث في إسناده فُلَيحُ بن سليمان» (١)، ثم ذكر أقوال العلماء في فليح هذا، إلى أن قال: «وقد اطرد عمل أبي محمد (٢) في سكوته عما يروي فليح. فمن ذلك: حديث في الحج، في صلاته له في الكعبة، زيادة: «استقباله بوجهه ما يستقبلك إِذا وَلَجْتَ» (٣). ذكره من عند البخاري (٤) أيضًا. وحديث: أبي هريرة: «إِنْ فِي الْجَنَّة مئة دَرَجَة، مَا بَين الدَّرَجتَينِ كَمَا بَينِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أعدها الله للمجاهدين» (٥)، … » (٦)، ثم ذكر بعدهما حديثًا في أحكام الجنائز (٧)، وحديثين في الصلاة (٨)، ورابعا في أحكام العيدين (٩)، كلها من رواية فليح بن سليمان.
الموضع الثاني: في باب ذكر أَحَادِيث أوردها على أَنَّهَا صَحِيحَة أَوْ حَسَنَة، وَهِي ضَعِيفَة من تِلْكَ الطرق، صَحِيحَة أَوْ حَسَنَة من غَيرهَا، فقال: «وَذكر أَيْضًا فِي كتاب العلم، من طَرِيق أبي دَاوُد حَدِيث أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «من تعلم علما … ». وَفِي إِسْنَادِهِ عِند أبي داود، فليح بن سُلَيْمَانَ، وَقد بَيَّنا أمره فِي بَاب الْأَحَادِيث التي سكت عَنْهَا مصححا لَهَا» (١٠).
_________
(١) بيان الوهم والإيهام (٤/ ٣٦ - ٣٧) الحديث رقم: (١٤٥٦).
(٢) أي: عبد الحق الإشبيلي.
(٣) هو في بيان الوهم والإيهام (٤/ ٣٨) الحديث رقم: (١٤٥٧)، وهو في الأحكام الوسطى (٢/ ٣٣٤)
(٤) سيأتي الحديث بتمامه مع تخريجه والكلام عليه برقم: (٥٩).
(٥) سيأتي الحديث بتمامه مع تخريجه والكلام عليه برقم: (٦٠).
(٦) بيان الوهم والإيهام (٤/ ٣٨) الحديث رقم: (١٤٥٨).
(٧) هو في بيان الوهم والإيهام (٤/ ٣٨) الحديث رقم: (١٤٥٩). وهو الحديث الآتي بتمامه مع تخريجه والكلام عليه برقم: (٦١).
(٨) أولهما في بيان الوهم والإيهام (٤/ ٣٨) الحديث رقم: (١٤٦٠). وهو الحديث الآتي بتمامه مع تخريجه والكلام عليه برقم: (٦٢). والآخر في بيان الوهم والإيهام (٤/ ٣٩) الحديث رقم: (١٤٦١). وهو الحديث الآتي بتمامه مع تخريجه والكلام عليه برقم: (٦٣).
(٩) هو في بيان الوهم والإيهام (٤/ ٣٩) الحديث رقم: (١٤٦٢). وهو الحديث الآتي بتمامه مع تخريجه والكلام عليه برقم: (٦٤).
(١٠) بيان الوهم والإيهام (٥/ ٢١٧) الحديث رقم: (٢٤٢٧).
стр. 84
الموضع الثالث: في (باب ذكر مُضمَّن هَذَا الكتاب على نسق التصنيف)، فقال: «وَذكر: «من تعلم علمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجه الله»، وَهُوَ حسن؛ فَإِنْ فُليح بن سُلَيْمَانَ مُخْتَلِف فِيهِ» (١).
أما الحافظ مُغلطاي، فقد ذكر هذا الحديث مرة واحدة في كتاب العلم (٢)، وذكر معه الكلام في فليح بن سليمان، كما ذكره الحافظ ابن القطان في الموضع الأول، واستغنى بذلك عن ذكر الموضعين الثاني والثالث، فلم يُعِدْ ذِكرَ أي منهما.
ولكن يؤخذ عليه أنه ذكر حديث أبي هريرة هذا في كتاب العلم، ثم ذكر بعده الأحاديث الستة التي ذكرها ابن القطان بعده، بجامع أنها من رواية فليح بن سليمان، ولكنها ليست من متعلقات كتاب العلم، وفعله هذا اقتضى أن يذكر أحاديث في غير بابها، فذكر أولاً حديث أبي هريرة في كتاب العلم، ثم ذكر بعده حديثًا من متعلقات كتاب الحج، وآخر من متعلقات كتاب الجهاد، وحديثين من كتاب الصلاة، وحديثًا في أحكام العيدين، من غير أن يكرر هذه الأحاديث في أبوابها المتعلقة بها، إلا الحديث في أحكام العيدين، فقد أعاده في كتاب العيدين (٣)، ودون أي إشارة منه لهذه الأحاديث في تلك الكتب، وهذا يخالف شرطه على نفسه أن يرتب الكتاب على طريقة كتاب (الأحكام)، وهذا تكرر من الحافظ مغلطاي في أكثر من موضع، لا سيما عند ذكر مجموعة من الأحاديث رويت من طريق راوٍ مجروح عند بعض الحفاظ.
• المثال الرابع:
جرت عادة الحافظ ابن القطان في كتابه بيان الوهم والإيهام أن يذكر حديثًا من طريق راو معيّن، وينتقده بسبب ذلك الراوي، ثم يذكر مجموعة من الأحاديث التي وردت عند الحافظ عبد الحق من طريق هذا الراوي الذي روى الحديث الأول من طريقه، من ذلك:
ذكر الحافظ ابن القطان حديث عائشة، عن النبي ﷺ : «وجهوا هذه البيوت
_________
(١) المصدر السابق (٥/ ٦٥٣).
(٢) منار الإسلام، وهو الحديث الآتي برقم: (٥٨).
(٣) منار الإسلام (١٢٦/ ب - ١٢٧/ أ)، وهو الحديث الآتي برقم: (٩١٨).
стр. 85
عن المسجد، لا أُحِلُّ المسجد لحائض ولا جُنُبٍ (١)، ثم قال (٢): رواه أفلتُ بن خليفة، ويُقال: فُلَيتُ، عن جَسْرةَ بنتِ دجاجة، عن عائشة، ولا يَثْبُتُ من قِبَلِ إسناده. لم يزد على ذلك، ولم يبيّن ما هو عنده ضعيف. وهو حديث يرويه عبد الواحد بن زياد، حدثنا أفلتُ، حدثتني جَسْرةُ، سمعت عائشة. وعبد الواحد ثقة، ولم يَعْتَلَّ عليه بقادح، وأبو محمد يحتج به. وقد (٣) صح من روايته حديث: «مَنْ تَوضَّأَ خَرَجَتِ الذُّنوبُ، حتَّى تَخْرُجَ مِنْ أَظْفَارِه» (٤). وحديث: «كل خطبة ليس فيها شهادة» (٥). وحديث: «الأمر بالضجعة» (٦). وحديث: «إذا نهض في الثانية استفتح بالحمد» (٧). وحديث: توريث النساء دور المهاجرين (٨). وحديث: «المُصَرَّاةِ» (٩). وحديث: فإن كان ذائباً فاسْتَصْبِحُوا به (١٠) (١١).
أما الحافظ مُغلطاي فذكر أول حديث منها، وهو حديث عائشة ﵂، في كتاب الطهارة، باب ما يوجب الوضوء، وحكم الغسل والحيض والنفاس ومس الذكر (١٢)، ثم أتبعه ذكر الأحاديث السبعة التي ذكرها ابن القطان بعده (١٣)، بجامع أنها من رواية عبد الواحد، مع أن الثاني منها متعلق بكتاب الجمعة، والثالث والرابع بالصلاة، والخامس بالفرائض، والسادس بالبيوع، والسابع بالطهارة من النجاسات، ولم يكررها الحافظ مغلطاي رحمه لله في أبوابها، ولا هو أشار إليها هناك، وهذا تكرر منه في عدة مواطن من كتابه هذا.
_________
(١) سيأتي الحديث بتمامه مع تخريجه والكلام عليه برقم: (٢٤٨).
(٢) عبد الحق في الأحكام الوسطى (١/ ٢٠٧).
(٣) بيان الوهم والإيهام (٥/ ٣٢٨) الحديث رقم: (٢٥٠١)، وهو في الأحكام الوسطى (١/ ١٨٧).
(٤) سيأتي الحديث بتمامه مع تخريجه والكلام عليه برقم: (٢٤٩).
(٥) سيأتي الحديث بتمامه مع تخريجه والكلام عليه برقم: (٢٥٠).
(٦) سيأتي الحديث بتمامه مع تخريجه والكلام عليه برقم: (٢٥١).
(٧) سيأتي الحديث بتمامه مع تخريجه والكلام عليه برقم: (٢٥٢).
(٨) سيأتي الحديث بتمامه مع تخريجه والكلام عليه برقم: (٢٥٣).
(٩) سيأتي الحديث بتمامه مع تخريجه والكلام عليه برقم: (٢٥٤).
(١٠) سيأتي الحديث بتمامه مع تخريجه والكلام عليه برقم: (٢٥٥).
(١١) بيان الوهم والإيهام (٥/ ٣٢٧) الأحاديث رقم: (٢٥٠٠ - ٢٥٠٧).
(١٢) برقم: (٢٤٨).
(١٣) تنظر هذه الأحاديث في الأرقام (٢٤٩، ٢٥٠، ٢٥١، ٢٥٢، ٢٥٣، ٢٥٤، ٢٥٥).
стр. 86
المطلب الرابع منهجه في جمع العلل الواردة على الحديث الواحد
بعد النظر الطويل في كتاب «منار الإسلام»، والتتبع الدقيق لصنيع الحافظ علاء الدين مُغلطاي بما يتعلّق بالمنهج الذي سلكه في عملية جمع العلل الواردة على الحديث الواحد، تبيّن أن تحقيق هذا الأمر قد تطلب من الحافظ مُغلطاي جهدًا زائدا عما هو عليه الحال في عملية جمع الأحاديث المكرّرة في باب واحد؛ وذلك أن الحافظ ابن القطان الفاسي قد أقام فكرة تصنيفه لهذا الكتاب على نقد أحاديث ذكرها الحافظ عبد الحق الإشبيلي في كتابه «الأحكام»، دون أن يذكر شيئًا من عللها، فانتقد ابن القطان هذه الأحاديث عن طريق ذكر عللها، وقد توسع في تقسيم هذه العلل إلى أنواع عديدة، وجعل كل نوع منها في باب مفرد (١)، الأمر الذي استدعى معه إعادة إيراد الحديث الواحد المشتمل على أكثر من علّة في الباب الذي تندرج تحته هذه العلة، مما يعني تكرار هذا الحديث في بابين أو ثلاثة، وبالتالي تجزئة مجموع هذه العلل، وذكر كل واحدة منها في الباب المخصص لها، وقد يذكر أحيانًا قبل الشروع في إيراد الأحاديث في أحد الأبواب تمهيدًا يتكلم فيه عن العلة التي بوب لها.
وبالأمثلة الآتية يتضح ما ذكرته في كيفية تعامل الحافظ مُغلطاي مع هذه الحالة التي أشرت إليها، ففيها ما يكشف لنا تلك الخطوات التي سلكها في عملية جمع العلل الواردة على الحديث في موضع واحد.
المثال الأول:
حديث أبي سعيد الخدري ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يخرج الرجلان يضربان الْغَائِط، كاشِفَيْن عن عورتهما يتحدثان، فَإِنْ الله يمقت على ذلك» (٢)، هذا الحديث أورده الحافظ ابن القطان الفاسي في أربعة أبواب من كتابه «بيان الوهم والإيهام».
الموضع الأول: في (باب ذكر أحاديث أعلها برجال وفيها مَنْ هو مثلهم، أو
_________
(١) تقدم ذكرها في التمهيد من هذا القسم: الدراسة.
(٢) سيأتي الحديث بتمامه مع تخريجه والكلام عليه برقم: (١٧٧).
стр. 87
أضعف أو مجهول لا يُعرف) (١)، وقال بعد أن عزاه لأبي داود: «وأَتْبَعَه أن قال: لم يُسنده غير عكرمة بن عمار، وقد اضطرب فيه. ولم يزد على هذا، وبقي عليه أن يذكر علته العُظمى، وهي مَنْ رواه عن يحيى بن أبي كثير، وهو محلُّ الاضطراب الذي أشار إليه؛ وذلك أنه حديث يرويه عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، وفي رواية عنه، عن عياض بن هلال. وفي رواية: عنه، عن هلال بن عياض، وفي رواية عنه، عن عياض بن أبي زهير. وهو مع ذلك كله مجهول لا يُعرف بغير هذا. فأما لو كان الرجل معروفًا، ما كان عكرمة بن عمار له بعلة، فإنه صدوق حافظ، إلّا أنه يَهِمُ كثيرًا في حديث يحيى بن أبي كثير، فأما عن غيره فلا بأس به، وأمره مبسوط في كتب الرجال. وقد وقع لأبي محمد شبه اضطراب سنذكره إن شاء الله تعالى».
الموضع الثاني: في (باب ذكر أحاديث أعلها بما ليس بعلّة، وتَرَك ذِكْر عللها) (٢)، وقال عقبه: «وأعلَّه بأن قال: لم يُسنده غير عكرمة بن عمار، وقد اضطرب فيه. لم يزد على هذا، وقد تَرَك ما هو علَّةٌ في الحقيقة، وهو الجهل براويه عن أبي سعيد، وهو عياض بن [هلال] (٣)، أو هلال بن عياض، وقد بسطنا القول في هذا الحديث في باب الأحاديث التي أوردها من طرق ضعيفة، ولها طرق صحيحة أو حسنة».
الموضع الثالث: في (باب ذكر أحاديث ضعفها من الطرق التي أوردها فيها، وهي ضعيفةٌ منها، صحيحة أو حسنةٌ من طرق أخرى) (٤)، وقال عقبه: «ثم قال: لم يسند هذا الحديث غير عكرمة بن عمار، وقد اضطرب فيه. انتهى ما ذكر. وقد نبهنا على أمر هذا الحديث ببعض القول في باب الأحاديث التي أعلها بما ليس بعلة، وترك ذكر عللها في الحقيقة. وأخرنا بيانه وبسط القول فيه إلى هذا الموضع، وذلك أنه ذكر عكرمة على أنّه علته، وهو صدوق ليس به بأس؛ قاله ابن معين. وقال
_________
(١) بيان الوهم والإيهام (٣/ ١٤٣) الحديث رقم: (٨٥٢).
(٢) بيان الوهم والإيهام (٣/ ٢٧١) الحديث رقم: (١٠١٨).
(٣) تصحف في مطبوعة بيان الوهم والإيهام (٣/ ٢٧١) إلى: (بلال)، وينظر ما يأتي أثناء تخريج حديثه هذا برقم: (١٧٧).
(٤) المصدر السابق (٥/ ٢٥٧) الحديث رقم: (٢٤٦٠).
стр. 88
البخاري: لم يكن عنده كتاب، ولم يضره ذلك، فإنه كان يحفظ، إلا أنه غلط فيما يروي عن يحيى بن أبي كثير، وكان أيضا مدلسا، وبالجملة، فلو لم يكن بالحديث إلا هذا، لم يكن معلولا، وإنما علته الكبرى أن راويه عن أبي سعيد لا يعرف من هو؛ وذلك أنه يرويه عكرمة عن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن عياض. وكذا رواه عن يحيى بن أبي كثير أبان بن يزيد، قالا جميعا: عنه، عن هلال بن عياض … » إلى آخر ما ذكره في نقد هذا الحديث.
الموضع الرابع: في (باب ذكر مضمن هذا الكتاب على نسق التصنيف، كتاب الطهارة) (١)، فقال: «وذكر حديث: «لا يخرج الرجلان يضربان الغائط»، وأعله بعكرمة بن عمار والاضطراب، وعكرمة مختلف فيه عمله، وعلة الخبر إنما هي الجهل براويه عن أبي سعيد، وترك له طريقا جيدا».
وفي مقابل هذا نجد أن الحافظ علاء الدين مغلطاي قد أورد هذا الحديث في موضع واحد من كتابه «منار الإسلام»، فقد ذكره في كتاب الطهارة، باب الاستطابة وما شابهها، وأورد بعده ما نصه: «وأعله بأن قال: لم يسنده غير عكرمة بن عمار، وقد اضطرب فيه، لم يزد على هذا، وقد ترك ما هو علته في الحقيقة، وهو الجهل براويه عن أبي سعيد الخدري ﵁. وأما عكرمة فقد ذكره ذكرا مجملا، وهو رجل ثقة، وكان أميا؛ قاله ابن معين. وقال البخاري: لم يكن عنده كتاب، ولم يضره ذلك، فإنه كان يحفظ، إلا أنه غلط فيما يروي عن يحيى بن أبي كثير وخلط، وعن غيره فلا بأس به، وهذا الحديث هو من روايته عن يحيى. وكان أيضا مدلسا، ثم إن عكرمة يرويه عن يحيى، عن هلال بن عياض. وكذا رواه عن يحيى أبان بن يزيد، قالا جميعا: عنه، عن هلال بن عياض … »، إلى آخر ما ذكر في نقد هذا الحديث (٢).
وهذا المثال يظهر ملامح النهج الذي سار عليه الحافظ علاء الدين مغلطاي في عملية ترتيبه للعلل الواردة على الحديث الواحد الذي تكرر إيراده في غير موضع، ويمكن تلخيص وإجمال ما أجراه في ذلك على النحو الآتي:
_________
(١) المصدر السابق (٥/ ٦٥٨).
(٢) منار الإسلام (٢٤/ أ - ب)، وهو الحديث الآتي برقم: (١٧٧).
стр. 89
أولا: أنه أولًا اقتصر على ذكر هذا الحديث مرّةً واحدة في الباب المخصص له، بعدما تكرر ذكره في كتاب (بيان الوهم والإيهام) في أربعة أبواب مختلفة.
ثانيًا: أنه قام بجمع هذه العلل التي توزعت على مواضع تكرر الحديث، ورتبها يتلو بعضها بعضًا في سياق متصل ومتتابع بعدما كانت متناثرة لا تخلو من تكرار بعض ألفاظها.
ثالثا: أنه قام بعملية حذف لتلك العبارات التي رأى أنه يمكن الاستغناء عنها؛ لأن الحاجة إليها لم تُعد مُلحةً، إذ لا ضرورة لتكرار ما ورد في موضع، ولا إلى تلك الإحالات التي نشأت عن هذا التكرار، وقد أشرت إلى ما قام بحذفه بوضع خط أسفل منه.
رابعًا: الموضع الرابع حذفه الحافظ مُغلطاي بتمامه، لأن الحافظ ابن القطان جعله كالفهرس للأحاديث، ولا حاجة له بعد ترتيب الكتاب على الأبواب الفقهية.
خامسًا: زاد الحافظ مُغلطاي على أصل هذا الكتاب بعض الألفاظ، وهي بسيطة جدًا لا يكاد القارئ يشعر بها، احتاج الحافظ مغلطاي أن يزيدها لترابط الكلام واتساقه، وهي قوله: «ثم إن» الواردة في جملة: «ثم إن عكرمة يرويه عن يحيى، عن هلال بن عياض»، بعدما كانت في (بيان الوهم والإيهام)، هكذا: «وذلك أنه يرويه عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن عياض»، وهذا التغيير الطفيف اقتضاه الترتيب، وليس من شأنه كما هو واضح أن يُخِلَّ بالمعنى المراد من سياق الكلام.
سادسًا: بقي أن يشار إلى ما ورد من فروق بين ما ذكره ابن القطان ومغلطاي، كالمنقول عن ابن معين في عكرمة بن عمار، أنه: «صدوق ليس به بأس»، كما في (بيان الوهم والإيهام) (١)، وجاء بدلا منه في «منار الإسلام»: «وهو رجل ثقة، وكان أُميًا»، إنما هو ناشئ عن وجود بياض في أصل «بيان الوهم والإيهام»، فالعبارة جاءت في «بيان الوهم والإيهام» بين حاصرتين، وهي مما اجتهد محققه في زيادتها، لأنه وقع في موضعها في أصله بياض كما ذكر مُحقّقه، وليس الأمر كذلك في النسخة الخطية لكتاب «منار الإسلام».
_________
(١) بيان الوهم والإيهام (٥/ ٢٥٨).
стр. 90
• المثال الثاني:
وهو فيما بوَّب له الحافظ ابن القطان الفاسي في «بيان الوهم والإيهام» تحت مسمَّى (باب ذكر أحاديث ذكرها على أنها مرسلة لا عيب لها سوى الإرسال، وهي معتلَّة بغيره، ولم يُبَيِّنْ ذلك فيها)، وما كان منه قبل أن يورد تلك الأحاديث الداخلة تحت هذا الباب، أنه مهَّد لذلك بمقدِّمةٍ أوضح فيها أقسام المرسل، وأشار إلى اختلاف العلماء في احتجاجهم بالمرسل، وابتدأ بقوله: «اعلم أن المرسل ينقسم بانقسام المسند إلى صحيح وسقيم، فإنَّ منه ما يرويه الثقات إلى الذي أرسله، ومنه ما يكون في إسناده إلى الذي أرسله ضعيفٌ، أو ضعفاء، أو مجاهيل، فالذي لا عيب له سوى الإرسال، هو الذي اختلف العلماء في الاحتجاج به … » إلى آخر ما ذكره في مقدِّمة هذا الباب (١).
ثم أورد بعد ذلك الأحاديث المتعلقة بهذا النوع، فقال: «وذكر من طريق أبي داود، عن علي، عن النبي ﷺ : «وكَاءُ السَّهِ العَينانِ … » الحديث (٢). ثم ردَّه بأن قال: ليس بمتَّصل. وهو كما قال ليس بمتَّصل، ولكن بقي عليه أن يُبيِّن أنه من رواية بقيَّةَ بن الوليد، وهو ضعيفٌ (٣)، وهو دائمًا يُضعَّفُ به الأحاديث، وقد تقدَّم ذكر ذلك. ويرويه بقيَّة عن الوضين بن عطاء، والوضين واهي الحديث، قاله السعدي (٤)، وقد أنكر عليه هذا الحديث نفسه، ومنهم من يوثقه. ويرويه الوضين بن عطاء، عن محفوظ بن علقمة، وهو ثقة. ويرويه محفوظ عن عبد الرحمن بن عائذ، وهو مجهول الحال. ويرويه ابن عائذ عن علي، ولم يسمع منه. فهذه ثلاث علل سوى الإرسال، كل واحدة تمنع من تصحيحه، مسندًا كان أو مرسلا» (٥).
_________
(١) المصدر السابق (٧ - ٥/ ٣).
(٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الطهارة، باب في الوضوء من النَّوم (٥٢/ ١)، الحديث رقم: (٢٠٣)، من حديث عن علي، به.
وسيأتي الحديث بتمامه مع تخريجه والكلام عليه برقم: (١٧٤).
(٣) بقية بن الوليد بن صائد الكلاعي، قال الحافظ ابن حجر: صدوق كثير التدليس عن الضعفاء. تقريب التهذيب (ص ١٢٦) ترجمة (٧٣٤).
(٤) يعني: الجوزجاني، يعقوب بن إبراهيم السعدي، في كتابه أحوال الرجال (ص ٢٨٨) ترجمة (٢٩٩)
(٥) بيان الوهم والإيهام (٩ - ٧/ ٣) الحديث رقم: (٦٤٤).
стр. 91
ثم ذكر ابن القطان بعده حديثًا (١) من طريق الدارقطني (٢)، عن طاووس، قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أتى أحدكم البراز فَلْيُكرم قِبْلَة الله … » الحديث، ثم قال (٣): «وقد أُسْنِدَ عن ابن عباس، عن النبي ﷺ في ذكر الاستنجاء (٤)، ولا يصح، أسنده أحمد بن الحسن المُضَرِيُّ (٥)، وهو متروك»، ثم أتبعه بذكر انتقاده لعبد الحق الإشبيلي.
أما الحافظ مُغلطاي فقد ذكر الحديثين في كتاب الطهارة، (باب الاستطابة وما شابهها)، فذكر حديث عليّ أولا، وأتبعه حديث طاووس المرسل في إكرام القبلة، وما ذكر من أنه أُسند عن ابن عباس، وذكر بعدهما حديثًا ثالثًا من حديث ابن عباس، عن عبد الله بن رواحة في قراءة الجنب للقرآن (٦)، ثم ذكر بعد هذه الأحاديث جميع ما ذكره الحافظ ابن القطان الفاسي في مقدّمة الباب المذكور (٧)، فأوضح فيه أقسام المرسل واختلاف العلماء في احتجاجهم به، ولم يجعله بإثر أوّل أحاديث الباب، وذلك ـ فيما أرى والله أعلم - أنّ الحديث الأوّل، ذكره ابن القطان وقال عقبه: «ثم رده بأن قال: ليس بمتصل» يعني أنه منقطع، لأنه من رواية عبد الرحمن بن عائذ، عن عليّ ﵁، وعبد الرحمن لم يسمع من عليّ ﵁ كما قال ابن القطان في سياق نقده لهذا الحديث، أما حديث طاووس فهو الذي أعله عبد الحق الإشبيلي بالإرسال، فناسب أن يذكر الكلام عن أقسام المرسل والخلاف فيه بعده.
_________
(١) المصدر السابق (٣/ ٩ - ١٠) الحديث رقم: (٦٤٥).
(٢) سنن الدارقطني، كتاب الطهارة، باب الاستنجاء (١/ ٩١) الحديث رقم: (١٥٦)، وهو الحديث الآتي برقم: (١٧٥). ينظر تمام تخريجه والكلام عليه هناك.
(٣) عبد الحق في الأحكام الوسطى (١/ ١٣٥).
(٤) سيأتي تخريج هذه الرواية المسندة أثناء تخريج الحديث رقم: (١٧٥).
(٥) كذا في النسخة الخطية مضبوطة مجوّدة: «المُضَريّ» بالضاد المعجمة بعد الميم، كما في سنن الدارقطني، وجاء في المطبوع من بيان الوهم والإيهام (٣/ ١٠): «والمصري» بالصاد المهملة، وهو تصحيف. وينظر: الضعفاء والمتروكون، للدارقطني (ص ٣٤) الترجمة رقم: (٣٤)، وقال الحافظ ابن حجر في تبصير المنتبه (٤/ ١٣٦٨): وبضم وضاد معجمة مفتوحة: أحمد بن الحسن «المُضَريّ».
(٦) وهو الحديث الآتي بتمامه مع تخريجه والكلام عليه برقم: (١٧٦)، وسبب ذكر ابن القطان لهذا الحديث في هذا الموضع، أنه روي بإسناد حديث ابن عباس الموصول نفسه، وذكر ابن القطان أن الحديث ردّه الحافظ عبد الحق بالسبب الذي ردّ فيه حديث ابن عباس.
(٧) منار الإسلام (ب/ ٢٣ - أ/ ٢٤)، وينظر ما يأتي بعد الحديث رقم: (١٧٦).
стр. 92
وحاصل هذا أن الحافظ علاء الدين مغلطاي لما كان ذا نَظَر ثاقب، وذهن متقد، ناسب أن يجعل ما قيل في أقسام المرسل وما تبعه بعد حديث طاووس المرسل، وليس بعد حديث عليّ ﵁؛ المنقطع، وهذا يدلُّ على حسن اختياره، ودقة ترتيبه في جمع العلل والكلام عليها في موضع واحد، وشدَّة حِرْصِه على أن يضع الأمور في مواضعها.
المطلب الخامس منهجه في جمع ألفاظ الجرح والتعديل في الراوي الواحد
بالنظر تبيَّن أنّ ما ورد من ألفاظ الجرح والتعديل في الراوي الواحد، لم يطرأ أي تغيير على مواضع ورودها في كتاب «بيان الوهم والإيهام» عما هي عليه في كتاب «منار الإسلام»، اللَّهُمَّ إلّا موضع الحديث بمجموع ما ورد فيه من نقد، فإنّ الحافظ مغلطاي - كما أوضحت سابقًا - قد أعاد ترتيب مواضع الأحاديث ـ بعد حذف المكرر منها ـ فأدرج كل واحد منها بحسب الباب الفقهي الداخل تحته.
وسبب ذلك - فيما يظهر لي - بعد تدقيق النظر في الكتابين والموازنة بينهما فيما يتعلق بهذا الجانب، أن أولئك الرجال الذين اختلف قول الإمام عبد الحق الإشبيلي فيهم، فإنه قد صحح شيئًا من أحاديثهم في بعض المواضع، وحسن قسمًا آخر منها في مواضع أخرى، وحكم على قسم ثالث منها بالضعف في مواضع أخرى، وسكت عن قسم رابع منها في غير موضع، وقد كان شأن الحافظ ابن القطان الفاسي إزاء ذلك، أن يجمع أحاديث ذلك الراوي الذي اضطربت أقوال الإمام عبد الحق فيه، ثم يورد مجمل أقوال أئمة الجرح والتعديل فيه، وعلى مقتضى ذلك يُطلق أحكامه، وقد يعيد ذكر بعض تلك الأحاديث في الأبواب التي تناسب كل واحد منها، دون أن يكرّر أقوال الأئمة الذين أوردهم في الموضع الأول إلا على وجه التذكير مختصرًا، ومثل هذا الأمر لم يكن للحافظ مغلطاي أن يتصرف فيه من جهة إعادة ترتيبه أو اختصاره، لأنه يُخِلُّ بأصل الكتاب، وهو قد أفصح عن منهجه في هذا الأمر في مقدمة الكتاب (١).
_________
(١) ينظر ما تقدم في المطلب الثاني من هذا المبحث.
стр. 93
وفيما يأتي بعض الأمثلة التوضيحية لمنهج الحافظ مغلطاي في جمع ألفاظ الجرح والتعديل الواردة على الراوي الواحد:
• المثال الأول:
شهر بن حوشب، أورد له ابن القطان حديثًا في (باب ذكر أحاديث عللها ولم يُبيّن من أسانيدها موضع العلل)، وقد أتبع ذلك نقده للإمام عبد الحق بأنه لم يذكر لهذا الحديث علة، بالرغم من أنه ذكره من رواته شهر بن حوشب، ثم شرع ابن القطان بإيراد أقوال الأئمة في شهر بن حوشب، فقال: «شهرٌ قد وثقه قومٌ، وضعفه آخرون، ممن وثقه ابن حنبل، وابن معين، وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال أبو حاتم: ليس بدون أبي الزبير، وغير هؤلاء يُضعّفه، ولم أسمع لمضعفيه حجة … » (١)، إلى آخر ما ذكره من كلام الأئمة فيه، وردّه على بعضهم، وبالرغم من أنه قد تكرّر ذكر شهر بن حوشب في أسانيد بعض الأحاديث في مواضع أخرى، إلا أنه تجاهل الحديث عنه بالتوسع السابق، واكتفى بذكر بعض الإشارات المتعلقة بحاله دون تفصيل.
ومن ذلك قول ابن القطان الفاسي: «وذكر من طريق عبد الرزاق (٢)، عن يحيى بن العلاء، عن جهضم بن عبد الله، عن محمد بن زيد هو العبدي، عن شهر بن حوشب، عن أبي سعيد الخدري: «نهى رسول الله ﷺ عن بيع المغانم حتى تُقسم … » الحديث، ثم قال: إسناده لا يحتج به. لم يبين من أمره إلا ما أبرز من إسناده، وشهر مختلف فيه، … » إلى آخر ما ذكره من علل هذا الحديث (٣).
وهذا الترتيب لم يُغيّر منه الحافظ مُغلطاي شيئًا، إنما ذكره بمثل ما ذكره به الحافظ ابن القطان (٤).
_________
(١) بيان الوهم والإيهام (٣/ ٣٢٠ - ٣٢١) الحديث رقم: (١٠٦٩)، وسيأتي هذا الكلام في عقب حديث أبي أمامة ﵁، الآتي برقم: (٢٩٩).
(٢) المصنف لعبد الرزاق، كتاب البيوع، باب بيع الغرر المجهول (٨/ ٧٦) الحديث رقم: (١٤٣٧٥)، من الوجه المذكور به. وسيأتي الحديث بتمامه مع تخريجه والكلام عليه برقم: (١٩٤٣)
(٣) بيان الوهم والإيهام (٣/ ٥١٩ - ٥٢٠) الحديث رقم: (١٢٩٣).
(٤) ينظر الحديث الآتي برقم: (١٩٤٣)، ونقد الحافظ ابن القطان له.
стр. 94
• المثال الثاني:
معاوية بن صالح، أوّل ما تعرَّض الحافظ ابن القطان لذكره كان في (باب ذكر أحاديث ذكرها على أنها مرسلة لا عيب لها سوى الإرسال، وهي معتلة بغيره، ولم يُبيّن ذلك فيها)، فإنه قال: «ولم يُبيّن أنه من رواية معاوية بن صالح، وهو مختلف فيه … ، وسترى - إن شاء الله - كيف حال معاوية بن صالح عنده فيما بعد» (١).
وذكره أيضًا في موضع آخر فقال: «وسترى تناقض أبي محمد في هذا الأصل في باب الأحاديث التي أعلها بشيء لم يُعلَّ بها غيرها، ومذهبه أيضًا في معاوية بن صالح إن شاء الله تعالى» (٢).
وذكره أيضًا في (باب ذكر أحاديث سكت عنها مصححًا لها وليست بصحيحة)، فقال: «فإنّ معاوية بن صالح مختلف فيه، ومَنْ ضَعَّفَه؛ ضَعَّفَهُ بِسُوءٍ الحفظ، وأبو محمد مترجَّح (٣) فيه، تارةً يسكت عن أحاديث هي من روايته ولا يُبين ذلك، وتارةً يُتبعها ذكر اختلافهم فيه كالمتبري من عهدته» (٤).
ثم ساق بعد ذلك الأحاديث التي أوردها الإمام عبد الحق من روايته وسكت عنها (٥).
وكذا ساق الأحاديث التي أوردها ولم يُبيّن أنها من روايته (٦).
_________
(١) بيان الوهم والإيهام (٣/ ٣٤) الحديث رقم: (٦٨٧)، ويُنظر كلامه هذا عقب الحديث الآتي برقم: (١٦٧٦).
(٢) المصدر السابق (٣/ ٣٧١) الحديث رقم: (١١١٤)، ويُنظر كلامه هذا عقب الحديث الآتي برقم: (٧٢٦).
(٣) كذا قال في بيان الوهم والإيهام (٤/ ١١١): (مترجح)، ولعل تصحيفًا وقع فيه، صوابه أن يقول: (متأرجح)، فهو الذي يدل عليه السياق.
(٤) المصدر السابق (٤/ ١١١ - ١١٢) الحديث رقم: (١٥٤٨)، ويُنظر كلامه هذا عقب الحديث الآتي برقم: (٣١١).
(٥) المصدر السابق (٤/ ١١٢ - ١١٦) الأحاديث ذات الأرقام (١٥٤٩ - ١٥٥٩)، وهي الأحاديث الآتية بالأرقام (٣١٢ - ٣٢٢).
(٦) المصدر السابق (٤/ ١١٦) الأحاديث (١٥٦٠ - ١٥٦٢)، وهي الأحاديث الآتية بالأرقام (٣٢٣ - ٣٢٥)
стр. 95
والأحاديث التي أوردها وتبرأ من عهدتها بذكر اختلافهم فيه (١).
واكتفى بذكر ما أورده من أقوال الأئمة: ابن معين وابن سعد ويحيى بن سعيد القطان وأحمد بن حنبل وأبي زرعة الرازي (٢).
وهذا كله لم يُجْرِ الحافظ مُغلطاي أيَّ تغيير فيه، وأعني بذلك أقوال الأئمة في معاوية بن صالح، فإنه أثبتها في مواضعها الواردة فيه (٣)، إلا ما يخص الباب، فإنّ ترتيب الأبواب عنده إنما هو على مقتضى التقسيم الفقهي وليس على مقتضى نوع العلل (٤). وهكذا سار في هذا الكتاب فيما يتعلّق بألفاظ الجرح والتعديل التي وردت في الراوي الواحد.
المطلب السادس النقد الموجّه لكتاب منار الإسلام، ومنهج مؤلفه فيه
يمكن إبراز النقد الموجه لكتاب منار الإسلام، ومنهج الحافظ مغلطاي فيه، من خلال الفرعين الآتيين:
الفرع الأول: النقد الموجه للنسخة الخطية لكتاب منار الإسلام:
وقع بعض الخلل والخطأ في النسخة الخطية لكتاب (منار الإسلام)، وبعض هذا الخلل قد يكون من الحافظ مغلطاي نفسه، وبعضه قد يكون من الناسخ، ويمكن إجمال هذا الخلل في الجوانب الآتية:
أولا: السقط أو الزيادة الواقعان في الكتاب:
وقفت على بعض المواضع في مخطوطة (منار الإسلام)، وقع فيها سقط جملة أو كلمة، من كلام ابن القطان، أو زيادة شيء عليه، وهو ـ وإن كان قليلا جدا - غير أنه قد يُفسد المعنى المراد، فمن ذلك:
_________
(١) المصدر السابق (٤/ ١١٧) - (١١٨) الأحاديث (١٥٦٣ - ١٥٦٤)، وهي الأحاديث الآتية بالأرقام (٣٢٦ - ٣٢٧).
(٢) ذكر هذا الحافظ ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (٤/ ١١٩) عقب الأحاديث (١٥٦٤)، وتنظر هذه الأقوال عقب الحديث الآتي برقم: (٣٢٧).
(٣) سيأتي ذكر الكلام في معاوية بن صالح عقب الحديث الآتي برقم: (٣١١).
(٤) منار الإسلام (أ - ب/ ٤٥)، وسيأتي ذكر أحاديث معاوية بن صالح بالأرقام (٣١١ - ٣٢٧).
стр. 96
• المثال الأول:
قال في المنار (١): «وذكر حديث أنس: «أنت ومالك لأبيك» (٢). ثم قال: وقد تقدم الكلام في هذا الإسناد، [وقد صح من طريق آخر، ذكره البزار وغيره.
وحديث: «رَدُّ شهادةِ الخائن والخائنة» (٣). ثم قال: قد تقدم الكلام في هذا الإسناد،] وهو من رواية سليمان بن موسى، عن عمرو».
ما بين الحاصرتين سقط من النسخة الخطية لكتاب «منار الإسلام»، وقد استدركته من «بيان الوهم والإيهام» (٤)، وهذا السقط زيادته متعيّنة، وبدونه يتداخل الكلام بين الحديثين فيضطرب، ويختل المعنى، فضلا عن أنه يترتب عليه سقوط حديث من كتاب المنار.
• المثال الثاني:
قال في المنار (٥): «وحديث أبي هريرة: «إنَّ في الجَنَّةِ مِئَة دَرَجَة، مَا بَين الدرجتينِ كَمَا بَين السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أعدها الله للمجاهدين»، [هو أيضًا عند البخاري (٦)، من رواية فليح. وحديث: «هل فيكم أحدٌ لم يُقارف الليلة؟»]، هو أيضًا من عند البخاري (٧)، من رواية فليح، عن هلال بن علي، عن أنس».
ما بين الحاصرتين سقط من النسخة الخطية لكتاب (منار الإسلام)، وقد استدركته من «بيان الوهم والإيهام» (٨)، وهذا السقط زيادته متعيّنة، وبدونه يتداخل الكلام بين الحديثين فيضطرب، ويختل المعنى، فضلا عن أنه يترتب عليه سقوط حديث من كتاب المنار.
• المثال الثالث:
قال في المنار (٩): «قال الطحاوي: حدَّثنا صالحُ بنُ شُعيب بن أبان، حدثنا
_________
(١) منار الإسلام، وسيأتي هذا في الحديثين رقم: (٥٢٦، ٥٢٧).
(٢) سيأتي بتمامه مع تخريجه والكلام عليه في الموضع المشار إليه آنفًا.
(٣) سيأتي بتمامه مع تخريجه والكلام عليه في الموضع المشار إليه آنفًا.
(٤) بيان الوهم والإيهام (٥/ ٤٨٦)، وهو مذكور أيضًا في الأحكام الوسطى (٣/ ٣٤٩، ٣٥٧).
(٥) منار الإسلام، وسيأتي هذا في الحديثين رقم: (٦٠، ٦١).
(٦) سيأتي بتمامه مع تخريجه والكلام عليه في الموضع المشار إليه آنفًا.
(٧) سيأتي بتمامه مع تخريجه والكلام عليه في الموضع المشار إليه آنفًا.
(٨) بيان الوهم والإيهام (٤/ ٣٨)، وهو مذكور أيضًا في الأحكام الوسطى (٢/ ١٤٤).
(٩) منار الإسلام.
стр. 97
الحسن بن عمر بن شقيق، حدثنا سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قال: بَلَغَ عائشةَ أنَّ أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : «وَلَدُ الزِّنَا شَرُّ الثلاثة»، … » الحديث (١).
كذا قال في النسخة الخطية: (عن عروة، عن عائشة، قال: بلغ عائشة)، وقوله في الإسناد: (عن عائشة) خطأ، وهي زيادة تفسد السياق، وهذه الزيادة لم يذكرها ابن القطان في «بيان الوهم والإيهام» (٤/ ٥٢٢)، ولا هي مذكورة في مصادر التخريج.
تبين من خلال الأمثلة السابقة أن السقط أو الزيادة الواقعين في المنار يؤديان إلى خلل في السياق، وقد يحتوي السقط على حديث بتمامه، كما في المثالين الأول والثاني، ويغلب على الظنِّ أن هذا الخطأ من النساخ، وليس من الحافظ مغلطاي نفسه.
ومما يمكن أن يُلحق بهذا القسم التنبيه على أن الحافظ قد ألزم نفسه بأن لا يُنقص من الكتاب شيئًا، وقد التزم بذلك جَهْدَ لِلَّهِ قدر استطاعته، ولكن الله جَبَلَ الإنسان على الخطأ، فقد وقفت على ثلاثة أحاديث ذكرها الحافظ ابن القطان في بيان الوهم والإيهام، وليس لها ذكر عند الحافظ مُغلطاي في منار الإسلام، فلعلها مما سهى عن ذكره، وهي:
الحديث الأول:
قال الحافظ ابن القطان في كتابه بيان الوهم والإيهام (٢): «وذكر من طريق أبي داود، حديث: «أَلقِ عَنْكَ شعرَ الكُفْرِ، واختَتِنْ» (٣).
_________
(١) سيأتي الحديث بتمامه مع تخريجه والكلام عليه برقم: (٢٢٣٨).
(٢) بيان الوهم والإيهام (٣/ ٤٢ - ٤٤) الحديث رقم: (٦٩٥).
(٣) أخرجه أبو داود في سننه كتاب الطهارة، باب في الرجل يُسْلِم؛ فيؤمر بالغسل (١/ ٩٨) الحديث رقم: (٣٥٦)، والإمام أحمد في مسنده (٢٤/ ١٦٣) الحديث رقم: (١٥٤٣٢)، من طريق ابن جريج، قال: أُخبِرتُ عن عُثَيْم بن كُليب، عن أبيه، عن جده، أنه جاء إلى النبي ﷺ ، فقال: قد أَسْلَمْتُ، فقال له النبي ﷺ ؛ وذكره. وسنده ظاهر الضعف من الوجوه التي سيذكرها الحافظ ابن القطان فيما يأتي بعد الحديث، ولكن للحديث شاهدين يتقوى بهما كما أفاده الألباني في صحيح سنن أبي داود (٢/ ١٩٤ - ١٩٧) الحديث رقم: (٣٨٣)، وأفتى بالعمل به شيخ الإسلام ابن تيمية، بعد أن جزم بنسبة =
стр. 98
ثم قال (١): إنه منقطع الإسناد. لم يرده بغير ذلك، فسيظفر به من لا يرد المرسل؛ فيحتج به غير متوقف. وهو حديث في إسناده من الانقطاع مجهولون. قال أبو داود: حدثنا مخلد بن خالد قال: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا ابن جريج، قال، أخبرت عن عثيم بن كليب، عن أبيه، عن جده، أنه جاء النبي ﷺ ، فقال: قد أسلمت، فقال له النبي ﷺ : «ألق عنك شعر الكفر» يقول: احلق. قال [أي: ابن جريج]: وأخبرني آخر، أن النبي ﷺ قال لآخر معه: «ألق عنك شعر الكفر واختتن». هذا إسناده، وهو غاية في الضعف، من الانقطاع الذي في قول ابن جريج: أخبرت، وذلك أن عثيم بن كليب وأباه وجده، مجهولون، ومع هذا فليته بقي هكذا، بل فيه زيادة لا أقول أنها صحيحة، ولكنها محتملة، وهي أن من المحدثين من قال: إن ابن جريج القائل الآن: أخبرت عن عثيم بن كليب، إنما رواه له عن عثيم بن كليب إبراهيم بن أبي يحيى، وهو من قد علم ضعفه، وأمور أخر رمي بها في دينه، وقد كان من الناس من كان حسن الرأي فيه، منهم الشافعي، وابن جريج. وقد روى ابن جريج أحاديث، قالوا: إنه إنما أخذها عنه، فأسقطه وأرسلها، منها هذا الحديث. وممن قال ذلك فيه: أبو أحمد بن عدي، وأبو بكر بن ثابت الخطيب، ذكر ذلك في كتابه تلخيص المتشابه، وأطال في بيانه» انتهى كلام ابن القطان. وهذا الحديث مما فات الحافظ مغلطاي أن يذكره في هذا الكتاب منار الإسلام.
الحديث الثاني:
قال الحافظ ابن القطان في كتابه بيان الوهم والإيهام (٢): «وذكر من طريق الترمذي (٣)، عن أسماء بنت يزيد، قالت: «كان كم يد رسول الله ﷺ إلى الرسغ»».
_________
= الحديث للنبي ﷺ ، كما في مجموع الفتاوى (٢١/ ١٢١).
وينظر الحديث الآتي برقم: (٢٢١)، فقد ذكرت في التعليق على آخره تعقبا لابن المواق على الحافظ ابن القطان، له تعلق بهذا الحديث.
(١) عبد الحق في الأحكام الوسطى، كتاب الطهارة، باب في الجنب يذكر الله، وهل يقرأ القرآن (٤/ ٢٠٧)
(٢) بيان الوهم والإيهام (٣/ ٥٩١) الحديث رقم: (١٣٩١).
(٣) الترمذي في سننه، كتاب اللباس، باب ما جاء في القميص (٤/ ٢٣٨) الحديث رقم: (١٧٦٥)، وأبو داود في سننه، كتاب اللباس، باب ما جاء في القميص (٤/ ٤٣) الحديث =
стр. 99
ثم قال (١): حسن غريب. ولم يبين لم لا يصح، وذلك أنه من رواية شهر بن حوشب، عنها. وشهر مختلف فيه، وفي أغلب الأحوال يبرزه من إسناد يكون فيه من ذلك ما تقدم له قبل هذا بيسير في الأشربة، ثم ذكر الحديث التالي.
وهذا الحديث مما فات المصنّف الحافظ مُغلطاي أن يذكره في هذا الكتاب منار الإسلام.
الحديث الثالث:
قال الحافظ ابن القطان في كتابه بيان الوهم والإيهام (٢): «من طريق أبي داود (٣)، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة: «نهى رسول الله ﷺ عن كلِّ مُسْكِرٍ ومُفَتّر» (٤)، وقد استوعب القول على شهر في باب السلام والاستئذان» (٥).
وهذا الحديث مما فات المصنّف الحافظ مُغلطاي أن يذكره في هذا الكتاب منار الإسلام.
ثانيًا: التصحيف الواقع في الكتاب:
وقفت على بعض المواضع في كتاب «منار الإسلام»، وقع فيها تصحيف لكلام
_________
= رقم: (٤٠٢٧)، من طريق معاذ بن هشام الدِّسْتوائي، قال: حدثني أبي، عن بديل بن ميسرة العقيلي، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية، قالت؛ وذكره. قال الترمذي: حديث حسن غريب.
قلت: إسناده ضعيف، من أجل شهر بن حوشب، فيه ضعف، سيذكر المصنف له ترجمة وافية في الحديث الآتي برقم: (٢٩٩).
(١) عبد الحق في الأحكام الوسطى، كتاب الزينة واللباس (٤/ ١٨٩).
(٢) بيان الوهم والإيهام (٣/ ٥٩١) الحديث رقم: (١٣٩٢)، وهو في الأحكام الوسطى، كتاب الأشربة (٤/ ١٧١).
(٣) أبو داود، السنن، كتاب الأشربة، باب النهي عن المسكر (٣/ ٣٢٩) الحديث رقم: (٣٦٨٦)، والإمام أحمد في مسنده (٤٤/ ٢٤٦) الحديث رقم: (٢٦٦٣٤)، من طريق الحسن بن عمرو الفقيمي، عن الحكم بن عتيبة، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة، قالت؛ وذكره.
وهذا إسناد ضعيف كسابقه، لأجل شهر بن حوشب، ستأتي ترجمته كما أشرت إليه في الحديث السابق.
(٤) المُفَتِّر: كل شراب يورث الفتور والخدر في أطراف الأصابع، وهو مقدمة السكر. الأحكام الوسطى لعبد الحق (٤/ ١٧١).
(٥) ينظر: الأحكام الوسطى، كتاب الزينة واللباس، باب في السلام والاستئذان (٤/ ٢١٣).
стр. 100
الحافظ ابن القطان، وهو - وإن كان قليلا جدا - قد يُفسد المعنى المراد، فمن ذلك:
• المثال الأول:
قال في المنار (١): «ذكر من حديث أبي داود حديث جابر في «الصلاة في القميص» (٢)، من رواية [إسرائيل، عن أبي حومل]، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر، عن أبيه».
ما بين الحاصرتين تصحف في النسخة الخطية لكتاب المنار إلى: «إسرائيل بن حومل»، وهو خطأ ظاهر، تصويبه من (بيان الوهم والإيهام) (٣)، ومصادر تخريج الحديث.
• المثال الثاني:
قال في المنار (٤): «وذكر من منتخب عليّ بن عبد العزيز، من رواية يحيى بن يمان، عن سفيان، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن مسروق، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ أنه قال: «من قَالَ: لا إِله إِلَّا الله لم يضرّه مَعهَا خَطِيئَة، كَمَا لَو أشرك بالله لم تَنْفَعَهُ مَعَهَا حَسَنَة» (٥). ثم قال: هكذا قال يحيى بن اليمان، ويحيى لا يحتج بحديثه، وأكثر الناس [يضعفه]».
ما بين الحاصرتين تصحف في النسخة الخطية لكتاب المنار إلى: (يُصحّحه)، وهو خطأ صوابه ما أثبته، وتصويبه من بيان الوهم والإيهام (٦)؛ فإن يحيى بن يمان: وهو العجلي أبو زكريا الكوفي، ضعيف، وقد تكلّم فيه غير واحد من الأئمة، فقال الإمام أحمد في رواية: «ليس بحُجّةٍ»، وفي روايةٍ أخرى: «حدث عن الثوري بعجائب»، وقال أبو داود السجستاني: «يُخطئ في الأحاديث ويقلبها»، وقال النسائي: «ليس بثقة»، واختلف فيه قول يحيى بن معين، فقال مرّةً: «أرجو أن يكون
_________
(١) منار الإسلام، وسيأتي هذا في الحديث رقم: (٥٦٩).
(٢) سيأتي بتمامه مع تخريجه والكلام عليه في الموضع المشار إليه آنفًا.
(٣) بيان الوهم والإيهام (٥/ ٣٠).
(٤) منار الإسلام (٥/ ١ - ب)، وسيأتي هذا في الحديث رقم: (١٨).
(٥) سيأتي بتمامه مع تخريجه والكلام عليه في الموضع المشار إليه آنفًا.
(٦) بيان الوهم والإيهام (٥/ ١١٨).
стр. 101
صدوقا»، وقال مرّةً أخرى: «ليس به بأس»، وقال ابن عدي: «عامة ما يرويه غير محفوظ، وابن يمان في نَفْسِه لا يتعمد الكذب، إلا أنه يُخطئ ويشتبه عليه». وقال أبو حاتم الرازي: «مضطرب الحديث، في حديثه بعض الصنعة، ومحله الصدق» (١).
• المثال الثالث:
قال في «المنار» (٢): «فأما حديث: «لا يُقاد [الوالد بالولد]»» (٣).
ما بين الحاصرتين تصحف في النسخة الخطية لكتاب المنار إلى: (الولد بالوالد)، وهو خطأ، صوابه ما أثبته، تصويبه من «بيان الوهم والإيهام» (٤)، ومصادر التخريج الآتية.
تبين من خلال الأمثلة السابقة أن التصحيف الواقع في المنار - وإن كان قليلا جدا - قد يؤثر في المعنى فيفسده، ويغلب على الظنّ أن هذا الخطأ من النساخ، وليس من الحافظ مُغلطاي نفسه.
ثالثًا: الوهم الواقع في الكتاب:
يمكن أن نُقسِّم الوهم الواقع في كتاب المنار إلى قسمين:
• أحدهما: ما كان الوهم فيه من الحافظ ابن القطان، ووافقه فيه الحافظ مغلطاي:
• المثال الأول:
ذكر الحافظ ابن القطان في كتابه بيان الوهم والإيهام حديث ابن عباس في ذكر لون راية النبي ﷺ ، فقال: «وذَكَر (٥) من طريق الترمذي، عن ابن عباس، قال: «كانت راية رسول الله ﷺ سَوْداءَ، ولواؤه أبيض» (٦)، وسكت عنه، وهو لا يصح. فإنه من رواية يزيد بن حيَّانَ، عن أبي مجلز، عن ابن عبّاس. ويزيد هذا هو أخو
_________
(١) تهذيب الكمال (٣٢/ ٥٧ - ٥٨) ترجمة (٦٩٥٣)، وميزان الاعتدال، للذهبي (٤/ ٤١٦) ترجمة (٩٦٦١).
(٢) منار الإسلام، وسيأتي هذا في الحديث رقم: (٥٣٤).
(٣) سيأتي بتمامه مع تخريجه والكلام عليه في الموضع المشار إليه آنفًا.
(٤) بيان الوهم والإيهام (٥/ ٤٨٩)، وهو على الصواب في الأحكام الوسطى (٤/ ٧٠).
(٥) بيان الوهم والإيهام (٤/ ٣٩٧) الحديث رقم: (١٩٧٣)، وهو في الأحكام الوسطى (٣/ ١٧).
(٦) سيأتي الحديث بتمامه مع تخريجه والكلام عليه برقم: (١٦٠٥).
стр. 102
مقاتل بن حيان، روى عنه جماعة، منهم يحيى بن إسحاق السالحيني، وهو الذي روى عنه هذا الحديث عند الترمذي، ومنهم: صالح بن عبد الغفار الحراني، وعباس بن طالب، وبهذا ذكره ابن أبي حاتم، ولم يزد على ذلك، فهو عنده مجهول الحال».
كذا قال الحافظ ابن القطان: (ومنهم: صالح بن عبد الغفار الحراني)، كما أفاده محققه قبل أن يصوبه، وهو خطأ، صوابه: (أبو صالح عبد الغفار الحراني)، كما ذكره ابن أبي حاتم (١).
ولهذا تعقب ابن المواق شيخه ابن القطان، فذكر الحديث في بغية النقاد النقلة (٢)، وقال: «قوله: (صالح بن عبد الغفار) وهم، صوابه: أبو صالح عبد الغفار بن داود الحراني».
وقد وافق الحافظ مغلطاي الحافظ ابن القطان في هذا الوهم، ذكر الحديث في كتابه منار الإسلام (٣)، ولما بلغ ذكر (أبي صالح عبد الغفار الحراني)، ذكره وفق ما وهم ابن القطان في ذكره، فقال: (ومنهم: صالح بن عبد الغفار الحراني)، ولم يعقب عليه بشيء.
• المثال الثاني:
ذكر الحافظ ابن القطان (٤)، حديث أبي سعيد الخدري في أفضل الجهاد، فقال: «ذكر من طريق الترمذي (٥)، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ ، أنه قال: «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر»، وسكت عنه. وإنما يرويه عبد الرحمن بن مصعب أبو يزيد المديني، عن إسرائيل، عن عطية، عن أبي سعيد».
كذا ذكره الحافظ ابن القطان، فسقط من إسناده عنده (عن محمد بن جحادة)،
_________
(١) الجرح والتعديل (٩/ ٢٥٦) ترجمة رقم: (١٠٧٥)، وأبو صالح الحراني، عبد الغفار بن داود بن مهران البكري، ترجمته في تهذيب الكمال (١٨/ ٢٢٥) برقم: (٣٤٨٦).
(٢) بغية النقاد النقلة (٢/ ١٥٦) الحديث رقم: (٣١٦).
(٣) منار الإسلام (أ/ ٢١٣)، وينظر الحديث الآتي برقم: (١٦٠٥).
(٤) ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (٤/ ٦٣٣) الحديث رقم: (٢١٨٨)، وهو في الأحكام الوسطى (٤/ ٢٧٠).
(٥) سيأتي الحديث بتمامه مع تخريجه والكلام عليه برقم: (٢٣٩٨).
стр. 103
بين إسرائيل وعطية، وقد تابعه على ذلك الحافظ مغلطاي في هذا الكتاب، والصواب في إسناده كما في سنن الترمذي: (إسرائيل، عن محمد بن جحادة، عن عطية).
* الثاني: ما كان الوهم فيه من الحافظ مغلطاي أو الناسخ:
وقفت على بعض المواضع في كتاب (منار الإسلام)، وقع فيها وهم في نقل كلام الحافظ ابن القطان، وهذا الوهم - وإن كان قليلا جدا - قد يفسد المعنى المراد، فمن ذلك:
• المثال الأول:
ذكر في المنار (١) حديثا من طريق أبي داود، ثم ذكره حديثا بعده، فقال فيه: «وذكر من طريقه أيضا، حديث سعد القرظ، في «الاستدارة في الأذان» (٢)، من رواية عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد القرظ، عن أبيه، عن آبائه».
كذا وقع في النسخة الخطية لكتاب المنار: «وذكر من طريقه»؛ على أن الضمير فيه يعود على أبي داود كما في الحديث السالف قبله. وهذا غير صحيح، فإن هذا الحديث قد عزاه الإمام عبد الحق (٣) لأبي أحمد ابن عدي، وتبعه على ذلك ابن القطان، فقال (٤): «وذكر من طريق أبي أحمد»، وقد ذكر محققه أنه في نسخة (ت): أبي داود ثم قال: «وهو تحريف».
• المثال الثاني:
ذكر في المنار (٥) حديثا من علل الدارقطني، فقال: «وسئل عن حديث مجاهد، عن ابن عمر: «نَهَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَتَّبِعَ جِنَازَةً مَعَهَا رَانَّةٌ (٦)؟» فقال: يرويه أبو يحيى القتات، عن مجاهد، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ، كذا قال إسرائيل، عن أبي يحيى. وخالفه ليث؛ فرواه عن مجاهد عن ابن عمر، قال: «نهينا
_________
(١) منار الإسلام، وسيأتي هذا في الحديثين رقم: (٥٤١، ٥٤٢).
(٢) سيأتي الحديث بتمامه مع تخريجه والكلام عليه برقم: (٥٤٢).
(٣) الأحكام الوسطى (١/ ٣٠١).
(٤) بيان الوهم والإيهام (٣/ ٣٤٦).
(٥) منار الإسلام، وسيأتي هذا في الحديث رقم: (٩٨٤).
(٦) سيأتي بتمامه مع تخريجه والكلام عليه في الموضع المشار إليه آنفا.
стр. 104
أن نَتْبَعَ جنازة معها رانة»، لم يُصرِّح برَفْعِه. وقال ابن جريج: عن أبي يحيى، عن مجاهد، عن عبد الله: «نهى رسول الله ﷺ عن البِدَعِ كلّها حَتَّى النَّوْح». وهذا لفظ آخر. انتهى كلام الدارقطني.
فانظر كيف لم يُوصل إسناده لا إلى إسرائيل، ولا إلى ابن جريج؛ راويه عن أبي يحيى، بلفظين مختلفينِ مُصَرَّحًا برفْعِه، ولا إلى ليث راويه عن مجاهد، عن ابن عمر مرفوعًا».
كذا قال في النسخة الخطية لكتاب المنار: «عن ابن عمر مرفوعًا»، وهو خطأ، صوابه أن يقول: «موقوفًا»، كما في (بيان الوهم والإيهام) (١)؛ وقد تقدم آنفًا ذكر رواية ليث موقوفة على ابن عمر ا. وبهذين المثالين يتبين لنا أن الوهم الواقع في المنار ـ وإن كان قليلا جدًا ـ قد يُحيل المراد إلى معنى غير صحيح.
الفرع الثاني: ملاحظات على منهج الحافظ مُغلطاي في كتابه المنار:
وبيان هذه الملاحظات فيما يأتي:
١ - وقعت بعض الأوهام للحافظ ابن القطان الفاسي، وخاصةً في حكمه على بعض رجال الأسانيد، كأن يُجهّلَ بعض الثقات، أو ممن هم دونهم في الرتبة، ولكنهم معروفون، أو تضعيف بعض الثقات، وقد تكرر مثل هذا منه، مما دفع بعض الحفاظ كابن المواق والذهبي والعراقي وابن حجر وغيرهم لأن يتعقبوه في بعض تلك الأحكام التي أطلقها في حقهم، وقد كان من المفيد جدًا لو أنّ الحافظ مغلطاي يتصدى لمثل هذه الأحكام التي تفرد بها الحافظ ابن القطان الفاسي، سيما وأنه معروف بتمكنه في هذا العلم خاصةً، وبمَيْلِه إلى التصنيف فيه وتعقب مَنْ سَبَقَه فيه، ومصنفاته في هذا معروفة وبعضُها متداول كإكمال تهذيب الكمال وغيره. وإنّ خُلُو هذا الكتاب من مثل هذه التعقبات على الحافظ ابن القطان الفاسي من شأنه أن يُثير التساؤل والاستغراب من إحجامه عن ذلك، الأمر الذي أدى إلى شعور القارئ بأنه افتقد لتلك الفوائد التي كان يمكن أن يجنيها فيما لو بادر الحافظ مغلطاي إلى ذكر هذه التعقبات في هامش هذا الترتيب.
ولكن لما كان هذا لم يكن منه؛ ناسَبَ أن يُقال فيما يُمكن أن ينتقد به، أنه
_________
(١) بيان الوهم والإيهام (٢/ ٥٠٩).
стр. 105
أظهر براعةً ودقّةً وحُسن اختيار في ترتيب هذا الكتاب، إلا أنه لم يُظهر شخصيته في مجال الاستدراك والتعقب فيما وقع للحافظ ابن القطان الفاسي من أوهام، ولعلّ السبب في ذلك أنه ألزم نفسه بأن لا يزيد في الكتاب شيئًا من عنده، فالتزم ذلك.
٢ - كرر الحافظ مغلطاي بعض الأحاديث، فيذكر الحديث في موضع مع تفصيل الكلام عليه، ويذكره مرة أخرى مختصرًا لحاجة تدعو لذلك (١)، أو العكس فيذكر المختصر أولا، ثم المفصل ثانيًا (٢)، دون أن يشير عند ذكر المختصر أنه تقدم أو سيأتي تفصيل الكلام فيه، إلا أنه ﵀ أحيانًا يردُّ أحد الحديثين للآخر (٣).
٣ - اعتاد ابن القطان في كتابه بيان الوهم والإيهام أن يذكر حديثًا من طريق راو معين، وينتقده بسبب ذلك الراوي، ثم يذكر مجموعة من الأحاديث التي وردت عند الإشبيلي من طريق هذا الراوي الذي روى الحديث الأول من طريقه، فكان الحافظ مغلطاي يختار من بين هذه الأحاديث حديثًا يتفق مع عنوان الكتاب المتعلق به كالعلم مثلا، ثم يتبعه بالأحاديث التي ذكرها ابن القطان، لأنها رويت من طريق هذا الراوي نفسه، مع أن بعض هذه الأحاديث لا تعلّق له بكتاب العلم، إنما هي في الطهارة أو الصلاة أو العيدين أو الحج أو الجهاد وغير ذلك، وهي غالبًا لا يتكرر ذكرها في أبوابها الفقهية التي تنتمي إليها، وبعضها قد يكرره في بابه المقصود، إلا أن الحافظ مُغلطاي لم ينبّه على شيء منها، لا على الذي لم يتكرر (٤)، ولا الذي تكرر ذكره في بابه (٥).
_________
(١) مثال ذلك: الحديث الآتي برقم: (٤٢) ذكره مع الكلام عليه مختصرًا، ثم كرره مرة ثانية برقم: (٢٦٧)، وفصل في الكلام عليه وتعليله.
(٢) مثال ذلك: الحديث الآتي برقم: (١٤٤) ذكره مع الكلام عليه مختصرًا، وكان قد ذكره فيما سبق برقم: (٤٩)، وفصل في الكلام عليه وتعليله.
(٣) مثال ذلك: الحديث الآتي برقم: (٣٢) ذكره مع الكلام عليه مختصرًا، وقال: (سيأتي) من غير إشارة إلى موضع إتيانه، ثم ذكره مرة ثانية برقم: (١٤٣٧)، وأطال وفصل في الكلام عليه ونقده.
(٤) مثال ذلك الأحاديث الآتية برقم: (٢٥٠، ٢٥١، ٢٥٢، ٢٥٣، ٢٥٤، ٢٥٥)، ذكرها في كتاب الطهارة، باب ما يوجب الوضوء، وحكم الغسل والحيض والنفاس ومس الذكر، وهذه الأحاديث ليست من متعلقات هذا الباب، ولم يشر الحافظ مغلطاي إليها في أبوابها التي تنتظم تحتها، ولا هي تكررت فيها.
(٥) مثال ذلك: الحديث الآتي برقم: (٦٤)، كرره برقم: (٩١٨)، دون إشارة من أحدهما للآخر.
стр. 106
٤ - كتاب منار الإسلام بترتيب كتاب الوهم والإيهام، كتاب كبير، والفن الذي يبحث فيه علل الحديث وَعِرٌ جدًّا، والبشر جُبلوا على الخطأ والسهو والنسيان، لذلك وقع للحافظ مُغلطاي أو لناسخ الكتاب شيء من السقط أو التصحيف أو الوهم في هذا الكتاب، وهو قليل جدًا.
стр. 107
المبحث الرابع مصادر المؤلف في كتابه
لاشك أنّ للمصادر التي يعتمد عليها مؤلّف الكتاب أهمية بالغة، وأثرًا رئيسًا في عملية الحكم على الكتاب، وبيان قيمته، وبإمعان النظر في كتابنا هذا؛ منار الإسلام بترتيب كتاب بيان الوهم والإيهام، للحافظ علاء الدين مغلطاي، ندرك بأن مصادره تعود في أصلها لكتاب بيان الوهم والإيهام للحافظ ابن القطان الفاسي، والحافظ مغلطاي ناقل لهذه المصادر في كتابه هذا؛ لأن غاية ما قام به الحافظ مغلطاي هو إعادة ترتيب أحاديث كتاب الوهم والإيهام على ما كانت عليه في كتاب الأحكام للحافظ عبد الحق الإشبيلي، كما سبق بيانه وتوضيحه، ومثل هذا الأمر لا يستلزم منه العودة إلى مصادر أخرى غير تلك التي اعتمد عليها الحافظ ابن القطان الفاسي، فهو كما ذكر لم يُدخل في كتاب الوهم والإيهام ما ليس منه، ولم يُخرج منه إلا ما دعت الضرورة إلى إخراجه لتكرُّرِه، أو ما اقتضته طبيعة ترتيبه، من إضافة بعض العبارات التي تُناسب سياق الكلام، بعد حَذْفِه لتلك العبارات التي دعت الضرورة إلى حذفها، حتى يبدو الكلام متسقًا وموصولًا بعضُه ببعض.
ولما كان الأمر على ما ذكرته، كان لا بد من الحديث هنا عن المصادر التي توفرت للحافظ ابن القطان الفاسي، ومكنته من نَقْد أبي محمد عبد الحق الإشبيلي في كتابه الأحكام.
والمدقق في هذه المصادر يظهر له أنها لم تبتعد عن تلك التي اعتمد عليها الحافظ أبو محمد عبد الحق، وقد كشف هذا أنّ الحافظ ابن القطان كان يُسمِّي تلك المصادر التي كان يستقي منها عبد الحق مادة كتابه، ويشمل هذا تلك التي توافرت بين يديه واستقى منها الأحاديث والآثار والأخبار، وتلك التي كان يبني أحكامه بالرجوع إليها وهي المختصة بالعلل والجرح والتعديل وغيرها.
غير أنّ ما توافر للحافظ ابن القطان الفاسي من هذه المصادر كان يربو على ما
стр. 108
وقف عليه عبد الحق الإشبيلي، وهذا ما دعاه لأن يفخر بذلك، وجعله يصرح في مقدمة كتابه بأنه قد تحصل على بعض المصادر التي لم يَتَسَنَّ لأبي محمد عبد الحق رؤيتها ولا الوقوف عليها، ولا حتى السماع بها، وهذا ما عبر عنه في آخر مقدّمته بقوله: «فليس في كتاب أبي محمد عبد الحق حديث إلا وقفت عليه في الموضع الذي نقله منه، بل وفي مواضع لم يرها هو قط، بل لعله ما سمع بها، إلّا أحاديث يسيرة جدا، لم أقف عليها في مواضعها، ولم آل جهدًا، ولا أدعي سلامة من الخطأ، لكنني أتيتُ بالمستطاع» (١).
وقد عقد الحافظ ابن القطان في آخر كتابه بيان الوهم والإيهام بابًا خصصه لذكر المصادر التي اشتمل عليها كتاب أبي محمد عبد الحق الإشبيلي، سماه (باب ذكر المصنفين الذين أخرج عنهم في كتابه ما أخرج من حديث، أو تعليل، أو تجريح، أو تعديل) (٢)، وقدَّم لذلك بتمهيد أوضح فيه سَبَبَ عَقْدِه لهذا الباب؛ بأنّه ليس كلُّ مَنْ يُطالع كتاب أبي محمد عبد الحق، ويقف على ما أورده من مرويات، يمكن أن يعرف كلَّ مَنْ يعزو إليه، وإن اتفق لبعضهم أن يعرف المشاهير منهم كمالك والبخاري، فَإِنَّهُ رُبمَا لَا يعرف ابْن سِنْجَر وَلَا أَبَا سعيد الْمَالِيني وأشباههما، ممن لا يعرفه إلّا خواص أهل العلم بهذا الشأن، فَلهَذا المعنى عقدنَا هَذَا الْبَابِ، نَذْكر فِيهِ جميع من أخرج عَنهُ من المصنفين، ليخلص بِهِ من يقرأ كتابه من هجنة (٣) الجهل بمن يعزو إليه الحديث (٤).
ثم قام بسرد أسماء أصحاب هذه المصادر مبتدئًا بأبي بكر محمد بن إسحاق بن يسار، ومنتهيا بذكر أبي عليّ بن أحمد بن حزم، منبها على أنه لم يذكرهم على حروف المعجم كما جرت العادة في كتب الرجال؛ لقلة عددهم ـ كما قال ـ ولا بحسب سَبْقِهِم إلى التصنيف، وتقدم بعضهم على بعض، وإنما ذكرهم بحسب أزمان وفياتهم، فقدم ذكر الأسبق وفاةً على متأخرها.
_________
(١) مقدمة الحافظ ابن القطان لكتابه بيان الوهم والإيهام (٢/ ١٦).
(٢) بيان الوهم والإيهام (٥/ ٦٢٧).
(٣) الهجنة: القبيح الذي يعيبك. لسان العرب (١٣/ ٤٣١)، والمصباح المنير (٢/ ٦٣٥)، مادة: (هجن).
(٤) بيان الوهم والإيهام (٥/ ٦٢٩).
стр. 109
وقد بلغ عدد ما سرده ابن القطان من هذه المصادر خمسة وخمسين مصدرًا، ذاكرًا أسماء أصحابها، دون أن يصرح باسم كتابه الذي نقل عنه، إلا في القليل منهم.
وقد ذكر محقق بيان الوهم والإيهام، هذه المصادر، وزاد عليها أشياء أخرى من المصادر التي نَقَل عنه الحافظ ابن القطان في كتابه الوهم والإيهام، وقد قسم المحقق هذه المصادر إلى أربعة أقسام، فأفرد قسمًا خاصًا بالمتون الحديثية، وقسما خاصًا بمصادر التراجم، وقسمًا خاصًا بالمصادر اللغوية، وقسما رابعًا بالمصادر المتنوعة (١).
وهذا كما هو ظاهر من طبيعة التقسيم تنوع هذه المصادر ووفرتها، والناظر فيها يلحظ أنها في غالبها مصادر أصيلة لِقِدَمها وأصالتها، وهذا بدوره قد انعكس على قيمة هذا الكتاب، وأكْسَبَه أهميّةً كبيرةً سيما وأنه اشتمل على أقوال نُخبة من الأئمة والعلماء في مجال التعديل والتجريح والأحكام خاصةً، وإن توفر هذه المصادر التي استقى منها الحافظ ابن القطان الفاسي أقوالهم وآراءهم ووظفها في خدمة ما كان ينتقد فيه عبد الحق الإشبيلي في أحكامه على بعض الأحاديث والروايات، قد أتاح له التوسع في استدراكاته عليه في كثير من المواضع التي كان يرى أنها تُوجب ذلك، وهذا بدوره قد جعل هذا الكتاب يبدو وكأنه كتاب عِلل نثر فيها قواعده ومنهاجه في التصحيح والتضعيف، ولا يخفى ما في هذا من فوائد جمَّةٍ لا يَعْدَمُها كلُّ مَنْ طَالَعَ هذا الكتاب، وخاصّةً بعدما أعاد الحافظ مغلطاي ترتيبه على النحو الذي سهل على مطالعيه قَطْفَ فوائده، وهي جَمَّةٌ، يستفيد منها المحدِّثُ والفقيه، وطلبة العلم عامَّةً.
وإن ما يُميز أيضًا مصادر هذا الكتاب أنها اشتملت على العديد من المصنفات والمؤلفات التي يمكن وَصْفُها بالأصيلة، لم يتسن لأبي محمد عبد الحق الإشبيلي الوقوف عليها والأخْذِ منها إلا بواسطة مَنْ أخذ عنهم، وقد سَرَد الحافظ ابن القطان الفاسي أسماء أصحاب هذه المصنفات والمسانيد، التي لم ير الإشبيلي كتبهم موضحًا ذلك بقوله: «وهؤلاء الذين لم يَرَ كُتبهم: هم حماد بن سلمة، ووكيع، وأبو سعيد ابن الأعرابي … » (٢).
_________
(١) بيان الوهم والإيهام (٣٢١ - ١/ ٣١٢).
(٢) المصدر السابق (٥/ ٦٤٥).
стр. 110
المبحث الخامس وصف النسخة الخطية المعتمدة في التحقيق، ونماذج منها
كتاب منار الإسلام بترتيب كتاب الوهم والإيهام، بحثت عن أصوله الخطية في مكتبات المخطوطات العالمية العامة، ومراكز تواجدها، وتتبعت فهارس كثير من هذه المكتبات والمراكز، فلم أجد فيها ذكرًا لهذا الكتاب، إلا نسخة وحيدة في المكتبة السليمانية، سيأتي الحديث عنها قريبًا.
فلجأت إلى الشبكة العنكبوتية، فبحثت فيها عبر محركات بحث كثيرة، فلم أجد ذكرًا لكتاب المنار إلا ما جاء عن النسخة السليمانية.
وبعدها توجهت لمخاطبة بعض المؤسسات العلمية، فلم أجد فيها ذكرًا لهذا الكتاب إلا النسخة الوحيدة الموجودة في المكتبة السليمانية.
ومع ذلك لم أمل من البحث والتفتيش عن نسخة أخرى غير السليمانية، فلجأت إلى سؤال أهل الاختصاص ممن لهم دراية بالمخطوطات وتتبع أماكن وجودها في المكتبات، فسألت كثيرًا منهم، فالكل أفادني أنه لا علم له عن وجود نسخة أخرى غير السليمانية.
وبعد طول نَظَر وبحث وتفتيش بشتى الوسائل المتاحة لدي، تيقنت أن هذا الكتاب ليس له ـ في حد علمي، والله أعلم - غير هذه النسخة الخطية الوحيدة، وفي المطلبين الآتيين تعريف بها وبيان وصفها، ونماذج منها:
المطلب الأول وصف النسخة الخطية المعتمدة في التحقيق
كتاب منار الإسلام بترتيب كتاب الوهم والإيهام، عثرتُ له على نسخة خطية وحيدة، بمكتبة رئيس الكتاب مصطفى أفندي، ضمن المكتبة السليمانية، بتركيا، محفوظة برقم (٢٨٦)، وعلى صفحة غلافها ختم تملك لمصطفى أفندي رئيس الكتاب، وختم آخر يظهر رقمها في المكتبة السليمانية، بتركيا.
следующие страницы →