٢٨ ـ «السنن»، لأبي عبد الله، عبيد الله بن محمد العكبري، المعروف بـ (ابن بَطة).
٢٩ ـ «شرح المذهب»، لأبي يعلى، محمد بن الحسين الحنبلي.
٣٠ ـ «شرح الخرقي»، للحسن بن حامد البغدادي، المعروف بـ (ابن حامد).
٣١ ـ «الشافي»، لأبي بكر عبد العزيز، المعروف بـ (غلام الخلال).
٣٢ ـ «الصحيح»، لأبي بكر، محمد بن إسحاق بن خزيمة.
٣٣ ـ «عيون الأدلة»، لأبي الحسن، علي بن عمر بن أحمد الفقيه، المعروف بـ (ابن القصّار).
٣٤ ـ «غريب الحديث»، لأبي موسى النحوي، المعروف بـ (الحامض).
٣٥ ـ «غريب القرآن»، لأبي محمد، عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري.
٣٦ ـ «غريب الحديث»، لأبي محمد، عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري.
٣٧ ـ «غريب الحديث»، لأبي عبيد، القاسم بن سلام.
٣٨ ـ «فضائل الصحابة»، لإسماعيل بن محمد بن إسماعيل الصفّار.
٣٩ ـ «المجرّد»، لأبي يعلى، محمد بن الحسين الحنبلي.
٤٠ ـ «مختصر المزني»، لإسماعيل بن يحيى المزني.
٤١ ـ «مسند الإمام أحمد بن حنبل».
٤٢ ـ «المسائل والأجوبة في الحديث والتفسير»، لعبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري.
٤٣ ـ «مسائل الإمام أحمد بن حنبل، رواية أبي العباس الفضل بن زياد القطان».
٤٤ ـ «مسائل الإمام أحمد بن حنبل، رواية إسحاق بن إبراهيم الطائي النيسابوري».
٤٥ ـ «مسائل الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، رواية المروزي».
٤٦ ـ «مسائل الإمام أحمد بن حنبل، رواية أبي داود السجستاني».
стр. 37
٤٧ ـ «مسائل الإمام أحمد بن حنبل، رواية يعقوب بن بختان».
٤٨ ـ «مسائل الإمام أحمد بن حنبل، رواية الأثرم».
٤٩ ـ «مسائل الإمام أحمد بن حنبل، رواية أبي طالب».
٥٠ ـ «مسائل الإمام أحمد بن حنبل، رواية الميموني».
٥١ ـ «مسائل الإمام أحمد بن حنبل، رواية عبدوس».
٥٢ ـ «مسائل الإمام أحمد بن حنبل، رواية ابن منصور».
٥٣ ـ «مسائل الإمام أحمد بن حنبل، رواية بكر بن محمد النسائي».
٥٤ ـ «مسائل الإمام أحمد بن حنبل، رواية ابنه صالح».
٥٥ ـ «مسائل الإمام أحمد بن حنبل، رواية حرب».
٥٦ ـ «مسائل الإمام أحمد بن حنبل، رواية ابنه عبد الله».
٥٧ ـ «معاني القرآن وإعرابه»، لأبي إسحاق، إبراهيم بن السري الزجاج.
٥٨ ـ «المعجم الصغير»، لسليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني.
٥٩ ـ «المغازي»، لموسى بن عقبة بن أبي عياش المدني.
٦٠ ـ «موطأ الإمام مالك».
هذا ما أمكن الوقوف عليه في موارد هذا الكتاب ومصادره، وهي أصيلة في فنونها، بالإضافة إلى ما نقله المؤلّف من آراء إمام الظاهريّة (داود).
стр. 38
المبحث الرابع
القيمة العلميَّة للكتاب
هذا الكتاب ذو قيمةٍ علميَّة كبيرة، تبيّن المكانة التي تبوّأها ابن الزاغوني في الفقه الحنبلي ـ على وجه الخصوص ـ، وهذه القيمة تتمثّل فيما يلي:
١ ـ أنّ مؤلّفه أحد المجتهدين في المذهب الحنبلي، وممن بلغ مرتبة الترجيح بين الروايات والأوجه.
فقد سُئل ابن تيميّة عن كتب المذهب التي يذكر فيها روايتان أو وجهان ولا يذكر فيها الصحيح، فبأيهما يُؤخذ؟
فأجاب: «طالب العلم يمكنه معرفة ذلك من كتب أخرى؛ مثل كتاب «التعليق» للقاضي أبي يعلى، و «الانتصار» لأبي الخطاب، و «عمد الأدلة» لابن عقيل، و «تعليق» القاضي يعقوب البرزبيني، وأبي الحسن ابن الزاغوني، وغير ذلك من الكتب الكبار التي يذكر فيها مسائل الخلاف ويذكر فيها الراجح» (١).
٢ ـ عناية جملةٍ من جهابذة العلماء بذكر آراء ابن الزاغوني واختياراته، وتقييداته، ولولا مكانة ابن الزاغوني العلميّة لما كانت اختياراته وتقييداته موضعاً لعنايتهم.
منهم الزركشي لما تكلّم عن نقض شعر المرأة في الغسل من الحيض لا من الجنابة، قال: «هذا منصوص أحمد في الصورتين .. وحكى ابن الزاغوني رواية أخرى في الحيض أنه لا يجب النقض .. وابن الزاغوني
_________
(١) ينظر: الفتاوى ٥/ ٩٢.
стр. 39
قيّده بما إذا طالت المدة، قال: بناء على أن العلة في النقض في الحيض طول المدة، أما إن جعل المناط النص تعبداً فلا» (١).
ومنهم ابن مفلح لما تكلم عن صلاة العيد وأنها سنة في حق المسافر، قال: «قال في الشرح وغيره: إن صلوا بعد خطبة الإمام صلوا بغير خطبة؛ لئلا يؤدي إلى تفريق الكلمة، وصحح ابن الزاغوني: أنه يشترط الاستيطان» (٢).
٣ ـ أن آراء ابن الزاغوني واختياراته الفقهيَّة تذكر ويُذكر معها آراء واختيارات فحول العلماء وجهابذتهم.
كالقاضي أبي يعلى، وأبي الخطاب، والمجد، وغيرهم، ولما تكلّم المرداوي عن مسألة: إن زوّج الولي اثنين ولم يعلم السابق، قال: «فعلى هذا يفسخه الحاكم على الصحيح من المذهب، وقاله القاضي في «المجرد» و «التعليق» و «الجامع الصغير»، وابن الزاغوني، وأبو الخطاب، والمصنِّف، والمجد، والشارح، والنَّاظم، وغيرهم» (٣).
٤ ـ أن هذا الكتاب يحوي عدداً من المسائل الخلافيَّة على المذاهب الأربعة، كما أنه يحوي الخلاف داخل المذهب.
فمثلاً: لما تكلّم المصنّف عن حكم المضمضة والاستنشاق في الوضوء والجنابة، وذكر أنها واجبة، قال: «هذا مذهبنا في إحدى الروايات .. وفيه رواية أخرى: أنهما يجبان في الغسل دون الوضوء .. وهي مذهب أبي حنيفة .. وفيه رواية ثالثة: أنه يختص الاستنشاق بالوجوب .. وقال مالك والشافعي: هما سنتان في الطهارتين .. ».
٥ ـ أن هذا الكتاب تضمّن عدداً من الأقوال المنسوبة إلى داود، فكتاب ابن الزاغوني هذا يُعدّ من المراجع المتقدّمة لتوثيق الأقوال المنسوبة إلى هذا الفقيه (داود).
_________
(١) ينظر: شرح الزركشي ١/ ٣٢٠.
(٢) ينظر: المبدع ٢/ ١٨٢.
(٣) ينظر: الإنصاف ٨/ ٨٩.
стр. 40
٦ ـ أن هذا الكتاب يُعدّ من كتب الحنابلة المتقدّمة، فقد توفّي مصنّفه عام ٥٢٧ هـ، فتحقيقه وإخراجه إخراجٌ لثروة الحنابلة التي هي شاهد على سبقهم في التصنيف في الفقه وسلوكهم في ذلك مسالك متعدّدة.
٧ ـ أن هذا الكتاب يبيّن ما عليه الحنابلة من عنايتهم بالاستدلال بالكتاب والسنّة، فهي كثيرة فيه، فضلاً عمّا يورده المصنّف من تعليلات أو أقيسة.
٨ ـ أن هذا الكتاب اشتمل على مسائل أصوليَّة.
كالتحسن والتقبيح، ونسخ القرآن بخبر الواحد، والزيادة على النص نسخ، وقياس الشبه، وتخصيص عموم القرآن بالسنة، والمطلق هل يحمل على المقيد، وعلّة الأصل والفرع، واستثناء الأكثر، وغير ذلك كثير.
стр. 41
المبحث الخامس
نسخة الكتاب، ووصفها
لم أقف لهذا الكتاب إلا على نسخةٍ واحدةٍ فريدة، ووصفها كالتالي:
العنوان: لا يوجد (١).
رقم الحفظ: (٢٧١٨/ عام).
تاريخ الحفظ: ١٤/ ١٠/ ١٩٦٤ م.
رقم المخطوط: (٢٩/ فقه حنبلي).
عدد ألواح المخطوط: (٢٢٩) لوحاً؛ تبدأ برقم (١)، وتنتهي برقم (٢٣١)، وكل لوح به ورقتان، وهو ترقيم حديث، وفي حالات نادرةٍ يفوت على المرقّم رقمٌ من تسلسل الأرقام؛ فقد فات عليه رقمان (١٨٧) و (١٨٨).
عدد ألواح الكتاب محل التحقيق: (٢١٩) لوحاً.
ففي بداية المخطوط الورقة (١/ أ) بيضاء فارغة، ومن الورقة (١/ ب) حتى الورقة (١١/ أ) تخص كتاب (الاستيعاب) لابن عبد البرّ، ومن الورقة (١١/ ب) حتى نهاية المخطوط هو كتاب (المفردات) محل التحقيق.
_________
(١) غلاف المخطوط ورقة بخط (حديث) ليست كخط كاتب المخطوط، كُتب عليها ما نصه: (* تنبيه: بعد عشرة أوراق من أوله تتوصل إلى كتاب المفردات، لأبي علي. * الأَوْلى في المفردات: لأبي يعلى، بعد الأوراق التي ذكرت. * أما الأوراق فهي من مقدمة (الاستيعاب) للحافظ ابن عبد البر). ا. هـ ولم يظهر سبب كتابة (المفردات لأبي يعلى) في هذه الورقة، ولكن بعد التحقق والبحث تبيّن لي: أن كتاب (المفردات) هذا لـ (ابن الزاغوني)؛ بناء على الأسباب التي ذكرتها في الفصل الثاني، المبحث الأول.
стр. 42
وهو مخطوط مقابل، ويوجد في الجزء المحقق تقديم وتأخير في بعض ورقات المخطوط؛ فقد قُدّم ما موضعه التأخير والعكس، وقد قُمت بفحص تسلسل الكلام وترابطه فحصاً دقيقاً، ومن ثمّ أعدتُ ترتيب الورقات ـ بغضّ النظر عن تسلسل الأرقام ـ؛ ليتوافق السياق مع بعضه، وتركتُ الترقيم كما هو لم أغيّر فيه شيئاً، فقد بدأت بورقة (٢٢/ ب)؛ لأنه هو مكانها الصحيح.
عدد الأسطر: (٢٠) سطراً في الورقة الواحدة.
عدد الكلمات: (١٠) كلمات تقريباً في كل سطر.
الناسخ: لم يُذْكر.
تاريخ النسخ: لم يُذْكر.
نوع الخطّ: نسخيّ.
مكان وجودها: المكتبة الظاهريّة بدمشق (مكتبة الأسد).
وبعد تصفّح المخطوط تبيّن أن هذا المجلّد هو أول مجلّدين من الكتاب؛ إذ إنه يبدأ بالطهارة، وآخر المخطوط ذُكر فيه ما نصه: «آخر الجزء الأول»، وقد بذلتُ جهدي في أن أعثر الجزء الثاني فلم أعثر عليه، ويبدأ المجلّد في الورقة (١١/ ب)، وقد سقط من أوّله قدر الكرّاسة.
وأما ترتيب مسائل المجلّد الأول فعلى النحو الآتي:
كتاب الطهارة، وفيه: مسألة حكم التسمية عند الوضوء، ومسألة مسح الرأس كاملاً في الوضوء، ومسألة المضمضة والاستنشاق في الوضوء والجنابة، ومسألة التطهير بالدباغ، ومسألة بطلان الوضوء بالردة، ومسألة تبليغ التراب إلى المرفقين في التيمم، ومسألة إذا كان على بدنه نجاسة ولا حدث عليه ولم يجد ما يزيلها هل يتيمم، ومسألة العدد في غسل سائر النجاسات، ومسألة المسح على الجوربين الصفيقين الساترين، ومسألة وطء الحائض هل يلزم به كفارة، ومسألة استمتاع الزوج من الحائض بما دون الفرج، ومسألة الوطء إذا انقطع دم النفساء فيما دون الأربعين.
стр. 43
كتاب الصلاة، وفيه: مسألة استقرار الصلاة في الذمة بدخول الوقت، ومسألة واجبات الصلاة، ومسألة الصلاة في أرض مغصوبة أو ثوب حرير، ومسألة صلاة الجماعة، ومسألة إمامة الفاسق، ومسألة الإغماء هل يسقط فرض الصلاة، ومسألة صلاة الجمعة قبل الزوال، ومسألة صلاة الجمعة إذا صادفت يوم العيد، ومسألة ترك الصلاة عمداً، ومسألة كفن المرأة هل هو على الزوج أو على تركتها، ومسألة الصلاة على الميت هل تستفاد بالوصية.
كتاب الزكاة، وفيه: مسألة هل تجب الزكاة في بقر الوحش إذا بلغت النصاب، ومسألة إخراج البعير عن خمس من الإبل في الزكاة، ومسألة الفرار من الزكاة، ومسألة منع الزكاة بخلاً أو كسلاً، ومسألة زكاة ما يخرج من البحر، ومسألة المؤلفة قلوبهم هل حكمهم باقٍ، ومسألة هل يجوز أن يكون العامل في الزكاة من ذوي القربى أو عبداً، ومسألة صدقة الفطر على المكاتب.
كتاب الصيام، وفيه: مسألة إذا حال دون مطلع الهلال غيم أو قتر في ليلة الثلاثين من شعبان، ومسألة الصوم في رمضان هل يكفي فيه نية واحدة، ومسألة المقيم إذا نوى الصوم ثم سافر هل يجوز له الفطر، ومسألة أيهما أفضل في السفر الفطر أو الصوم، ومسألة إذا وطئ وكفّر ثم عاد فوطئ هل تلزمه كفارة ثانية.
كتاب البيوع، وفيه: مسألة شرط الخيار أكثر من ثلاث، ومسألة غبن المسترسل، ومسألة التصرف في المبيع المتعين قبل قبضه، ومسألة بيع العين واشتراط منافعها مدة معلومة، ومسألة بيع العصير ممن يتخذه خمراً.
كتاب الإفلاس، وفيه: مسألة إذا أفلس وبقي عليه دين وله حرفة هل يجوز للحاكم إجارته في قضاء دينه، ومسألة الدين المؤجل هل يحل بالموت.
كتاب الحوالة، وفيه: مسألة اعتبار رضا المحتال.
стр. 44
كتاب المضاربة، وفيه: مسألة حكم شراء المضارب من مال المضاربة من يعتق عليه.
كتاب الإقرار، وفيه: مسألة إقرار العبد بقتل العمد، ومسألة الإقرار بالدين وقضائه، ومسألة استثناء الأكثر.
كتاب الغصب، وفيه: مسألة إذا مثّل بعبده قاصداً هل يعتق عليه.
стр. 45
نماذج مصورة من المخطوط
стр. 46
ورقة طلب تصوير المخطوط
стр. 47
ورقة غلاف المخطوط
стр. 48
الورقة (١/ ب) من المخطوط
стр. 49
الورقة (١١/ ب) من المخطوط
стр. 50
اللوحة (٢٢) من المخطوط
стр. 51
اللوحة الأخيرة من المخطوط
стр. 52
الباب الثاني
النص المحقق
стр. 53
[كتاب الطهارة
مسألة] (١)
. . . . . . . . . . . . حنيفة على أن المراد باسم الله (٢).
والدليل عليه ـ أيضاً ـ وأنه المراد بالذكر، أنهم قالوا: تستحب التسمية بهذا الخبر ولا يستحب إلا هذا الاسم، فثبت ما قلنا.
وأما الرابع وقولهم بحمله على نفي الفضيلة والكمال فغلط؛ لأن قوله: «لا وضوء» نفي في نكرة تعم الكمال والإجزاء، كقوله: «لا صلاة إلا بوضوء» (٣)، و «لا صلاة إلا بقرآن» (٤)، وغير ذلك من الألفاظ، وكقول القائل: «لا رجل في الدار»، و «لا درهم في الكِيس».
стр. 54
قال أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجُوزجاني (١) ـ من أصحابنا ـ: من ترك التسمية على الوُضوء ناسياً فإن وضوءَه جائز ـ إن شاء الله ـ؛ للحديث المروي عن رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ في رفع الخطأ والنسيان (٢).
فروى بإسناده عن ابن عباس (٣) قال: قال رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ: «تُجُوِّزَ لأمتي عن ثلاث؛ الخطأ، والنسيان، وما استُكرهوا عليه» (٤).
стр. 55
وبإسناده عن ثوبان (١)، عن رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ قال: «إن الله تجاوز لي عن أمتي عن الخطأ، والنسيان، وما أُكرهوا عليه» (٢).
وبإسناده عن الحسن (٣) أن رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ قال: «إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ، والنسيان، وما استُكرهوا عليه من قول» (٤).
стр. 56
قال: ولا يبلغ الخبر الوارد في التسمية أن يكون أوكد من قول الله ـ تعالى ـ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (١)، والمسلمون مجمعون ألا بأس بذبيحة المسلم إذا نسي ذكر اسم الله عليه (٢).
وقال أبو إسحاق (٣): قال ابن أبي شيبة (٤): ثبت لنا عن رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ أنه قال: «لا وضوء لمن لم يُسَم» (٥).
فأما قوله: «لا/ صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» (٦) فلو خُلِّينا
стр. 57
والظاهر لقلنا: ليس له صلاة صحيحة، لكن قام دليل الإجماع منا ومنكم على أنه له صلاة صحيحة، وبقي ما عداه على ظاهره.
وقد قيل: قوله: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» معناه: لا صلاة لجار المسجد مقتدياً بإمام المسجد إلا في المسجد، فقد قلنا بالخبر [و] (١) بيّناه.
على أنه قد رُوي ما يدل على أنه أراد نفي الإجزاء، فروى أبو حفص ابن شاهين (٢) بإسناده عن أنس بن مالك (٣) أن شابّاً دخل المسجد فصلى، والنبي ـ صلَّى الله عليه ـ جالس، فقال له: «يا شاب، ما صليت» حتى أعاد الشاب الصلاة ثلاثاً، والنبي ـ صلَّى الله عليه ـ يقول له: «ما صليت» فذهب الشاب إلى علي بن أبي طالب (٤) فأخبره فقال:
стр. 58
لعلك لم تذكر اسم الله على وُضوئك. قال: نعم. قال: اذهب فتوضأ، واذكر اسم الله على وُضوئك، ففعل، ثم صلى، فقال النبي ـ صلَّى الله عليه ـ: «الآن صليت» (١).
وقد رواه الجُوزجاني في كتابه (٢) فقال: حدثنا (٣) عبد العزيز بن محمد (٤)، قال: حدثنا محمد بن أبي حميد (٥)، عن عمر بن يزيد (٦)
стр. 59
أن رجلاً توضأ، ثم جاء فسلم على رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ، فكأن رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ أعرض عنه، وقال له: «تطهَّر» فرجع فتوضأ، ثم اجتهد فجاء فسلم، فأعرض عنه، وقال له: «ارجع فتطهر» فلقي الرجلُ عليّاً فأخبره بذلك، فقال له علي: هل سمّيت الله حين وضعت يدك في وَضوئك. قال: لا والله. قال له: فارجع فسمِّ الله في وضوءك. فرجع فسمّى الله على وضوئه، ورجع إلى النبي ـ صلَّى الله عليه ـ فرد عليه، وأقبل عليه بوجهه ثم قال: «إذا وضع أحدكم طهوره فليسمِّ الله» (١). فدل على أنه أبطل وضوءه/ وصلاته؛ لأنه أخلّ بالتسمية.
فإن قيل: هذا الحديث فيه سوء عهدة؛ لأن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ لا يؤخر البيان عن وقت الحاجة، وقد كان بالشاب حاجة إلى البيان.
قلنا: هذا غلط؛ لأن النبي ﵇ ما أخّرَ البيان، وإنما أثبته له بقوله: «صلِّ فإنك لم تصلِّ» وإنما أخر علّة البيان، ويجوز تأخير علّة البيان، وتُبيَّنُ بعدَ وقتٍ آخر، كما روي عن ادِّخار لحوم الأضاحي، ثم ذكر العلة في زمان آخر، وقال: «إنما نهيتكم لأجل الدافة» (٢)، وغير ذلك، هذا هو المعتمد في المسألة.
فأما القياس فلا مدخل له في تعبّد غير (٣) معقول، إلا أن أصحابنا قد ذكروا طرقاً منها:
أنهم قالوا: الوضوء عبادة ترجع إلى شطرها في حال العذر
стр. 60
فكان فيها ذكر واجب، دليله الصلاة، وإن شئت أن تقول: عبادة يفسدها النوم أو يبطلها الحدث أشبه الصلاة، وهذا لأنا وجدنا العبادات على ضربين؛ منها ما يجب فيه الذكر وهو الصلاة، ومنها ما لا يجب فيه الذكر وهو بقية العبادات، ثم وجدنا الطهارة تشابه ما فيه الذكر من حيث إنها تَفسُد بالحدث والنوم وتنشطر بالعذر، والذكر مشروع فيها كالصلاة فألحقناها بها في باب إيجابه تغليباً واحتياطاً، كما قلنا نحن وأبو حنيفة (١) في التسمية على الذبيحة (٢)، وكما قلنا نحن والشافعي (٣) في إلحاقها بالعبادات في النية (٤).
يدل عليه: أن الطهارة طاعة مقصودها تحصيل التطهير الشرعي للصلاة
стр. 61
فيجب أن يحتاط لتحصيله، والاحتياط/ فيما سمي عليه؛ لأن المقصود يقع به يقيناً، وحصوله مع الإخلال بالتسمية مشكوك فيه، واليقين هو الواجب في باب التَّعبُّدات، بدليل أنه إذا شك في صلاةٍ من يوم وليلة لا يعرف عينها فإنه يأتي بخمس صلوات لتحصيل اليقين، وكذلك إذا شك في الحدث وتيقن الطهارة، أو تيقن الطهارة وشك في الحدث بنى على اليقين، وكذلك إذا شك في ركعات الصلاة بنى على اليقين، وكذلك إذا شك في طواف الزيارة، أو النية في الصوم بنى على اليقين، وأمثال ذلك كثير.
والدليل على أن الوضوء عبادة: النص، والمعنى، والحكم.
أما النص:
فما روى مسلم (١) وخرجه في «الصحيح» (٢)، والترمذي (٣)، والساجي (٤)
стр. 62
بإسنادهم عن النبي ﵇ أنه قال: «الوضوء شطر الإيمان» (١)، والإيمان أكبر العبادات، وأعظم القربات فشطره لا بد أن يكون عبادة.
وروي عن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ أنه قال: «أمتي غُرّ (٢) محجّلون (٣) من آثار الوضوء يوم القيامة» (٤)، ومعلوم أنه إنما يبقى يوم القيامة أثر العبادة لا غيرها.
وقال ـ صلَّى الله عليه ـ: «من جدد وضوءه جدد الله إيمانه» (٥)، وتجديد الإيمان إنما يكون بالعبادات.
وقال ﵇: «الوضوء على الوضوء نور على نور يوم القيامة» (٦)،
стр. 63
وقال ﵇: «إذا توضأ العبد تحاتَّت (١) خطاياه في الماء» (٢)، وقوله: «الوضوء إلى الوضوء كفارة لما بينهما» (٣)، والتكفير عبادة، هذا من حيث النص.
أما من حيث المعنى:
فهو أنا نقول: العبادة عبارة عن فعل يأتي به العبد على قصد التقرب إلى الله تعالى في دار الآخرة، وهذا معنى قد تحقّق في الوضوء.
يدل عليه:/ أن التكاليف إنما وردت على العباد ابتلاء وامتحاناً ليجازوا عليها، والجزاء ينقسم إلى جزاء في الدنيا، وإلى جزاء في الآخرة، والوضوء لا يثبت به الجزاء إلا في الدار الآخرة، ولا يعقل فيه نفع عاجل (٤)، فتمحض (٥) عبادة وقربة وطاعة.
وأما من حيث الحكم:
فإن الشرع ورد بتَكرار الوضوء، ولو كان يعقل له معنى غير التعبد لما أمر بذلك.
стр. 64
والذي يدل عليه: أن التيمم الذي هو بدل عنه عبادة فكان مثله، وهذا لأن الأبدال تحكي الأصول وتماثلها.
فإن قيل: جميع ما ذكرتم لا يُسلّم أن الوضوء عبادة من قِبَل أن أدنى أحوال العبادة أن تكون خدمة في الشاهد يتحقق فيها معنى العبادة في الغائب كما نقول في الصلاة، فإنها تشتمل على أركان صالحة في الشاهد للخدمة، فإن من قام بين يدي الملك كان طائعاً له، وإذا ركع كان معظِّماً، وإذا سجد كان نهاية التواضع، والدعاء والأذكار ثناء ومدح وسؤال وتعظيم وطلب، فقد تحقق فيها معنى العبادة، أما غسل الوجه وهذه الأعضاء فليس فيها ما يقتضي معنى الخدمة في الشاهد فكيف يكون عبادة لله ـ تعالى ـ.
و ـ أيضاً ـ فإن العبادة لابدّ وأن تتصف بصفة الحسن كما تتصف المعصية بصفة القبح، وليس في الوضوء ما يقتضي صفة الحسن بذاته، وتخرَّج عليه الصلاة، فإن هناك تُعقل فيها صفات الحسن، والتقرب إلى الله تعالى، فدل بما ذكرناه من الحقيقة أن الوضوء ليس بعبادة.
قالوا: والحكم ـ أيضاً ـ يدل على ذلك، فإن غسل الذِّمِّية صحيح حتى يستقبح/ زوجها المسلم وطأها، ولو أسلمت جاز لها أن تصلي به، والعبادة لا تصح من الكافر.
على أنا نقول: سلّمنا لكم أنها عبادة ولكنها لا تراد لعينها وذاتها، ولكنها تراد لغيرها فهي تابعة لذلك الغير.
وأما قولكم: إنها ترجع إلى شطرها، غلط؛ لأن الطهارة لا ترجع إلى شطرها في غسل الماء، ولا نسلّم أن الصلاة ترجع إلى شطرها؛ لأن الواجب عندنا في السفر ركعتان فحسب (١).
وقولكم: يفسدها الحدث والنوم؛ ممنوع ـ أيضاً ـ، فإن الصلاة لا يفسدها الحدث ولا النوم، وإنما تفسد الطهارة بذلك، فتفسد الصلاة.
стр. 65
ولأنه لا يصح القياس على الصلاة؛ لأن التسمية ليست واجبة فيها عندكم، ولأن الصلاة لما كان في آخرها ذكر واجب كان في أولها، [و] (١) ليس كذلك الوضوء فإنه لما كان لم يكن في آخره ذكر واجب لم يكن في أوله، فبطل القياس من هذه الأوجه.
قلنا: أما الممانعة، فقد سبق الدليل عليها.
أما قولهم بأن العبادة ما صلحت خدمة في الشاهد، لا نسلم ذلك، ولا تجوز دعواه، وهو تحكّم على الشرع، بل العبادة ما جعلها الشرع عبادة، واستحسنها سواء صلحت خدمة في الشاهد أو لم تصلح.
والدليل على ذلك: الإيمان فإنه أكثر العبادات ولا يصلح خدمة في الشاهد، وكذلك الصوم والحج، وهذا هو الجواب عن قولهم: العبادة ما كان فيها نوع حسن. فإن هذا بناء منهم على التحسين والتقبيح، وذلك يثبت شرعاً لا عقلاً.
أما قولهم بعد التسليم أنها عبادة، ولكنها تراد لغيرها، قلنا: لا نسلم، بل هي مقصودة لذاتها/ ولهذا شرع التنفل بها والتَكرار وإن لم ترد ذلك للصلاة، على أن هذا يلزم عليه الإيمان فإنه أصل العبادات وإن وقع شرطاً لصحة غيره.
والثاني: أنها وإن أريدت لغيرها ولكنها تقصد في نفسها ـ أيضاً ـ، ولهذا يؤمر بتجديد الوضوء.
وأما منعهم كون الطهارة ترجع إلى شطرها، قلنا: نريد به أن التطهير في أربعة أعضاء، وعند تعذر الماء يصير التطهير إلى عضوين، وهذا لا نزاع فيه.
وأما منعهم [كون الصـ] (٢) ـلاة يفسدها الحدث، فلا يصح؛
стр. 66
لأنه إذا سبقه الحدث خرج وهو في الصلاة ليتوضأ ويبني (١)، فلو أنه أحدث في طريقه أو نام بطلت صلاته ولا وضوء هناك يبطل، وهذا قول أبي حنيفة (٢)، وقول الشافعي (٣)، ورواية لنا (٤).
وكذا إذا عدم الماء والتراب فصلى على حسب حاله فأحدث في صلاته، أو نام بطلت عندنا (٥)، وعند الشافعي (٦).
وأما قولهم: إن التسمية لا تجب في الصلاة، فلا تصح من شافعي؛ فإن عنده التسمية مشروطة في الصلاة (٧)، ولأن هذا كلام في كيفية الذكر وأنتم تخالفون الأصل، ومن خالف في الأصل لا يتكلم معه في الكيفية.
وأما قولهم: بأن الصلاة لما وجب في آخرها وجب في أولها.
стр. 67
قلنا: هذا لا يصح من أبي حنيفة؛ لأن عنده السلام ليس بواجب (١)، ولأنه لا يمتنع أن يكون في أول العبادة ركن واجب ولا يكون في آخرها، بدليل الحج، في أوله ذكر واجب وهي التلبية، وليس في آخره ذكر واجب، وكذلك الصيام تجب النية في أوله، ولا تجب في آخره، وكذلك الذكاة تجب التسمية في أولها، ولا تجب في آخرها، ولأنكم/ تستحبون التسمية في أولها دون آخرها.
وذكروا طريقة أخرى، قالوا: الطهارة سبب يتقدم الصلاة يشتمل على أشياء مختلفة، فكان من شرطه الذكر كالأذان والخطبة.
فإن قيل: الأذان المقصود به الإعلام فاعتبر فيه النطق ليحصل الإعلام، ألا ترى أن جميعه ذكر، والخطبة قد أقيمت مقام ركعتين، والركعتان فيهما ذكر، فكذلك ما قام مقامهما، وليس كذلك في مسألتنا فإن المقصود التطهير خاصة وهذا يحصل من غير تسمية.
قلنا: لو كان المقصود بالأذان الإعلام لكان ينبغي أن يجتزأ ببعض الألفاظ لحصول الإعلام، وأن لا يكون من شرطه الترتيب، فدل على أنه إنما كان ذلك لأجل التعبد، مثله في التسمية.
وقولكم: إن الخطبتين أقيمتا مقام ركعتين؛ كان ينبغي أن لا يوجب الذكر في جميع الخطبتين؛ لأن ليس جميع الركعتين مبناهما على النطق.
هذا غاية ما ذكروا، والاعتماد على الأول.
احتجوا:
بقوله ـ تعالى ـ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (٢) إلى آخر الآية، والدليل متلقى من الآية من وجهين:
أحدهما: أن الله ـ تعالى ـ ذكر الوضوء، واستوفى شرائطه،
стр. 68
ولم يذكر التسمية، ولو كانت واجبة لذكرها إذْ الوقت وقت الحاجة، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
والثاني: أن الآية دلت بمطلقها على إجزاءِ الوضوء من غير تسمية، فمن اشترط التسمية لصحته فقد زاد في النص، والزيادة على النص نسخ، ونسخ القرآن لا يجوز بخبر الواحد، وأخباركم وإن صحت فهي/ أخبار آحاد لا توجب العلم، فلا يجوز نسخ الكتاب بها.
أما بيان قولنا: إن إيجاب التسمية زيادة؛ فهذا لا ينكره أحد، فكما أن الخمسة إذا ضمت إلى الخمسة زاد العدد، فكذلك إذا ضم التسمية إلى الوضوء زاد الواجب.
وأما بيان قولنا: إنها نسخ. فالنسخ: تغيير الحكم، فمتى تغير الحكم الثابت بالكتاب كان نسخاً للكتاب، أي: لموجبه، وكذلك في السنة. وقد وُجد في مسألتنا تغيير الحكم؛ لأن مقتضى الآية أن الوضوء جميع الواجب، بدليل أن لو خُلِّينا والكتاب فَهِمْنا أنه جميع الواجب ولم يزد عليه شيئاً، فإذا أوجبنا التسمية صار غسل الأعضاء بعض الواجب، وهذا تغيير قطعاً، فلا شك أن التغيير قد وجد.
يدل عليه: أن الله ـ تعالى ـ أوجب صلاة الصبح ركعتين، فلو جعلت أربعاً كان نسخاً بالاتفاق، فكذلك هاهنا.
قالوا: ولا يجوز أن يقال: إن النسخ تغيير حكم ثابت مستقر، ولم يجب الوضوء إلا والتسمية معه ثابتة، فلم يوجد تغيير الكل إلى البعض؛ لأن غسل الأعضاء كان بعضاً في جميع الأوقات.
قالوا: هذا لا يجوز أن يقال؛ لأن التغيير ثابت على ما بيّنا، والذي ادعيتم لابدّ له من نقل، ولا نقل معكم، ومثل هذا لا يجوز أن يثبت بالظن والتخمين.
هذا عمدتهم في الاعتراض على استدلالنا بالأخبار.
стр. 69
وتعلقوا من حيث السنة: بما روى ابن مسعود (١)، وابن عمر (٢)، وأبو هريرة (٣) عن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ أنه قال: «من توضأ وذكر اسم الله عليه كان طهوراً لسائر جسده، ومن لم يذكر اسم الله كان طهوراً/ لما مر عليه من الماء» (٤)، فأثبت له طهارة الأعضاء مع عدم التسمية.
стр. 70
وحديث الأعرابي الذي علَّمه النبي ـ صلَّى الله عليه ـ الوضوء فقال: «اغسل وجهك، ثم يديك، ثم امسح برأسك، واغسل رجليك» (١)،
стр. 71
ولم يذكر له التسمية، ولو كانت واجبة لذكرها.
وذكروا من حيث الفقه؛ قالوا: الوضوء إنما أريد لحصول الطهارة، والطهارة إنما أريدت لتتمكن من الصلاة، فإذا غسل هذه الأعضاء كيف ما كان فقد تمكن من أداء الفريضة، فينبغي أن يُجزئه.
والدليل على ذلك، وأنها أريدت للتمكن من الصلاة: أنه إذا أراد الصلاة وهو على وضوء لم يحتج أن يتوضأ؛ لأنه متمكن من الصلاة، فلم يحتج إلى إحداث وضوء آخر، وهذا لأنه لا يجب عليه الوضوء إلا لأجل الصلاة، وهذه جملة لا نزاع فيها، إنما الشأن في بيان أن التمكن من الصلاة بالوضوء على هذا الوجه من غير تسمية قد حصل.
فنقول: الدليل على ذلك: أن الماء خلقه الله ـ تعالى ـ طهوراً بطبعه على ما قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (١) أي: خلقنا، وإذا كان طهوراً بطبعه فهو يجري على الأعضاء فيطهرها، ويزيل ما بها من الأشياء، وتحصل به الوضاءة والنظافة سواء سمّى، أم لم يسمِّ، وصار هذا كما نقول في الخبز، فإنه لما كان الشبع يحصل منه بطبعه، وكذلك الريّ في الماء، والقطع في السيف، حصلت هذه الأشياء غير مفتقرة في حصولها
стр. 72
إلى تسمية، كذلك هاهنا بمثابته، والذي يدل على ذلك من جهة الحكم: إزالة النجاسة/ فإن الماء مطهِّر لها بطبعه، ولا يفتقر في ذلك إلى التسمية، كذلك مثله.
قالوا: ولا يجوز أن يقال: إزالة النجاسة تتعلق بعين قائمة في المحل معقولة، والإزالة بالماء حاصلة، أما في مسألتنا فإن رفع الحدث ليس [عيناً] (١) تزال، فقد تمحَّض تعبُّداً وتحكُّماً من الشرع، فلم يجز اعتبار مواضع التعبدات بغيرها؛ لأنا نقول أولاً قبل الكلام في حقيقة الحدث وماهيته فإنا نعلم بأن الماء إنما استعمل ليكون مطهراً كما استعمل في إزالة النجاسة ليكون مطهراً، وإذا ثبت ما ذكرناه، وأنه مطهر بطبعه، فينبغي أن يحصل التطهير به سواء سمى، أم لم يسمِّ، أو كان هناك عين، أو لم يكن.
الثاني: إن لم يكن في الحدث نجاسة عينية فإن فيه نجاسة مقدرة حكمية، وهذا لأن استعمال الماء في الحدث لمّا وجب باسم الطهارة فلابد من نجاسة لتكون ملائمة للتطهير، فثبت في المحل نجاسة حكمية، إذ الطهارات لا تكون إلا عن نجاسة، ولهذا المعنى تأثر الماء بالاستعمال حتى صار عندكم مستعملاً، وعندنا نجساً.
يدل عليه: أن الطهارة لا تجب إلا عن خارج نجس على ما عرف في موضعه، فدل بذلك أن الحدث في حكم النجاسة، ثم ثبت وتقرر أن إزالة النجاسة لا تفتقر إلى التسمية، فكذلك في رفع الحدث بل أولى من قِبل أن تيك نجاسة حقيقية ثابتة من كل وجه، وهذه نجاسة حكمية ثابتة من حيث الحكم دون الحقيقة، فهي ثابتة من (٢) وجه دون وجه، فإذا كان طهارة النجاسة/ [الثابتة] (٣) من كل وجه لا تفتقر إلى التسمية،
стр. 73
وقوة الماء يدفعها بطبعه، فلأن تكون النجاسة [الثابتة] (١) من وجه دون وجه غير مفتقرة إلى التسمية، كان ذلك بطريق الأولى.
يدل عليه: أنه لا معنى للنجاسة إلا المنع من الصلاة، والحدث بهذه المثابة فلا فرق بينهما.
قالوا: وقولكم: إن الوضوء حيث عرف إنما عرف شرعاً، فينبغي أن يعتبر فيه مورد الشرع.
فنقول: الشرع ورد به وعقلنا فيه معنى الوضاءة والنظافة، فلا نترك المعنى المعقول.
وقد ذكر بعضهم طريقة أخرى، فقال: الوضوء لا يجب الفعل فيه، فإنه لو وقف تحت ميزاب (٢)، أو تحت السحاب، فبله الماء أجزأه ذلك الوضوء، ولو وضَّأه غيره أجزأه، وإذا لم يكن الفعل مستحَقاً لم تجب التسمية؛ لأن أدنى أحوال التسمية أن تجب في فعل يأتي به المكلف، والفعل في الوضوء غير مستحَق.
وتعلق بعضهم بطريقة أخرى، فقال: الوضوء شرط من شرائط الصلاة، فلم تكن التسمية [شرطاً] (٣) فيه؛ كستر العورة، واستقبال القبلة، وما أشبه ذلك، وهذا لأن الشرائط زوائد في الباب، وتوابع الأصل، فلا يعتبر فيها ما يعتبر في الأصل.
يحققه أن الوضوء لا يجب إلا للصلاة، فهو تابع لها، ولهذا لو نذر الصلاة وجب عليه الوضوء، ولو نذر الوضوء لم تجب عليه الصلاة،
стр. 74
فدل أنه تابع للصلاة، فلم تجب فيه التسمية كما قلنا في ستر العورة، واستقبال القبلة.
ومنهم من تعلق بطريقة أخرى، فقال: أجمعنا على/ أنه إذا ترك التسمية ناسياً صح الوضوء، ولو كانت التسمية واجبة لم تسقط بالنسيان، لأن التسمية شرط في الوضوء، وما جعل شرطاً لم يتصور ثبوته من غير شرطه، وهذا لأن النسيان ليس بعذر في المأمور بحال.
ومنهم من تعلق بطريقة أخرى، فقال: أجمعنا على أن الأخرس يصح وضوءه، ولم توجد التسمية منه، ولا يجوز أن يحال الجواب على علة عذر الخرس، لأنه [من لا] (١) يمكنه أن يوضئ نفسه لعلة، أو لقطع اليدين فإنه يأمر غيره أن يوضأه، ولا يسقط عنه لهذا العذر، وكذلك قلتم في الأمي الذي يجد قارئاً يقتدي به، فترك الاقتداء به، وصلى منفرداً: لا يجوز؛ لأنه يمكنه أن يجعل صلاته صلاة بقراءة من هذا الوجه، ولم يعذر بالعجز، كذلك هاهنا.
وقد تعلقوا ـ أيضاً ـ من حيث الحكم: بغسل الذميّة إذا كانت تحت المسلم عن الحيض والجنابة، فإنه صحيح حتى يستبيح وطأها به، ولو أسلمت استباحت الصلاة بهذا الوضوء وإن لم توجد فيه تسمية معتبرة، دل على أن التسمية غير شرط لصحة الغسل.
وكذلك ـ أيضاً ـ تعلقوا بغسل الميت: فإنه لا يعتبر فيه التسمية، وكذلك في غسل الحي، وهذا لأنه لا فرق عندكم بين الغسلين، ولهذا اختص بالماء وافتقر إلى النية، فلما لم تجب فيه التسمية دل على عدم وجوبها في حق الحي، وبل أولى من قبل أن غسل الميت آكد، ولهذا لو اجتمع حي وميت، ووجد من الماء ما يكفي أحدهما قدم الميت، ولأنه آخر زاده من الدنيا فيجب أن يكون على أكمل الأحوال.
стр. 75
/ الجواب:
أما الآية: فنحن قائلون بموجِبها؛ لأن فيها إيجاب غسل الأعضاء وقد أوجبناه، وليس فيها تعرض للتسمية بنفي ولا إيجاب، وقد تضمنت السنة إيجابها، فلا بدّ من القول بالوجوب كسائر ما لم يذكر في الكتاب وشرع بالسنة.
أما قولهم: إن إيجاب التسمية نسخ.
قلنا: ليس كذلك بل هو ضم حكم إلى حكم، ومثل هذا لا يُعدّ نسخاً، كما أن أصل الشريعة لم ينزل جملة، وإنما أُنزلت شيئاً فشيئاً، ولا يقال إن الله كلما أوجب شيئاً، وضم حكماً إلى حكم فقد نسخ الأول. ولذلك قد ضُم بالسنة تحريم الجمع بين المرأة وخالتها، والمرأة وعمتها، وبين المرأة وبنت أختها، والمرأة وبنت أخيها إلى تحريم الجمع بين الأختين، وكذلك ضُم بالسنة جواز المسح على الخفين إلى غسل الرجلين، ولم يعدَّ شيء من ذلك نسخاً.
أما قولهم: إن النسخ هو تغيير الحكم وقد وجد.
قلنا: إنما يكون التغيير نسخاً إذا حصل التغيير فيما تقتضي الآية، فأما إذا حصل فيما لا تقتضيه الآية، ولم يعرف بها فلا يكون نسخاً، والآية ما اقتضت إلا وجوب غسل الأعضاء، فأما التسمية فلم تتعرض لها الآية أصلاً بوجه ما، وإذا لم تقتضِ الآية نفي التسمية فكيف يكون إيجابها نسخاً.
وقولهم: إن الآية تقتضي أن غسل الأعضاء جميع الواجب.
قلنا: كلا، ولمّا، وليس في الآية إلا الوجوب فحسب، فأما الكل والبعض فلا نعرفه بالآية.
أما قولهم: لو لم يقم دليل التسمية كان غسل الأعضاء جميع الواجب.