← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30143

المفردات

ابن الزاغوني

Полный текст (748 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ولم يذكر له التسمية، ولو كانت واجبة لذكرها. وذكروا من حيث الفقه؛ قالوا: الوضوء إنما أريد لحصول الطهارة، والطهارة إنما أريدت لتتمكن من الصلاة، فإذا غسل هذه الأعضاء كيف ما كان فقد تمكن من أداء الفريضة، فينبغي أن يُجزئه. والدليل على ذلك، وأنها أريدت للتمكن من الصلاة: أنه إذا أراد الصلاة وهو على وضوء لم يحتج أن يتوضأ؛ لأنه متمكن من الصلاة، فلم يحتج إلى إحداث وضوء آخر، وهذا لأنه لا يجب عليه الوضوء إلا لأجل الصلاة، وهذه جملة لا نزاع فيها، إنما الشأن في بيان أن التمكن من الصلاة بالوضوء على هذا الوجه من غير تسمية قد حصل. فنقول: الدليل على ذلك: أن الماء خلقه الله ـ تعالى ـ طهوراً بطبعه على ما قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (١) أي: خلقنا، وإذا كان طهوراً بطبعه فهو يجري على الأعضاء فيطهرها، ويزيل ما بها من الأشياء، وتحصل به الوضاءة والنظافة سواء سمّى، أم لم يسمِّ، وصار هذا كما نقول في الخبز، فإنه لما كان الشبع يحصل منه بطبعه، وكذلك الريّ في الماء، والقطع في السيف، حصلت هذه الأشياء غير مفتقرة في حصولها

стр. 72

إلى تسمية، كذلك هاهنا بمثابته، والذي يدل على ذلك من جهة الحكم: إزالة النجاسة/ فإن الماء مطهِّر لها بطبعه، ولا يفتقر في ذلك إلى التسمية، كذلك مثله. قالوا: ولا يجوز أن يقال: إزالة النجاسة تتعلق بعين قائمة في المحل معقولة، والإزالة بالماء حاصلة، أما في مسألتنا فإن رفع الحدث ليس [عيناً] (١) تزال، فقد تمحَّض تعبُّداً وتحكُّماً من الشرع، فلم يجز اعتبار مواضع التعبدات بغيرها؛ لأنا نقول أولاً قبل الكلام في حقيقة الحدث وماهيته فإنا نعلم بأن الماء إنما استعمل ليكون مطهراً كما استعمل في إزالة النجاسة ليكون مطهراً، وإذا ثبت ما ذكرناه، وأنه مطهر بطبعه، فينبغي أن يحصل التطهير به سواء سمى، أم لم يسمِّ، أو كان هناك عين، أو لم يكن. الثاني: إن لم يكن في الحدث نجاسة عينية فإن فيه نجاسة مقدرة حكمية، وهذا لأن استعمال الماء في الحدث لمّا وجب باسم الطهارة فلابد من نجاسة لتكون ملائمة للتطهير، فثبت في المحل نجاسة حكمية، إذ الطهارات لا تكون إلا عن نجاسة، ولهذا المعنى تأثر الماء بالاستعمال حتى صار عندكم مستعملاً، وعندنا نجساً. يدل عليه: أن الطهارة لا تجب إلا عن خارج نجس على ما عرف في موضعه، فدل بذلك أن الحدث في حكم النجاسة، ثم ثبت وتقرر أن إزالة النجاسة لا تفتقر إلى التسمية، فكذلك في رفع الحدث بل أولى من قِبل أن تيك نجاسة حقيقية ثابتة من كل وجه، وهذه نجاسة حكمية ثابتة من حيث الحكم دون الحقيقة، فهي ثابتة من (٢) وجه دون وجه، فإذا كان طهارة النجاسة/ [الثابتة] (٣) من كل وجه لا تفتقر إلى التسمية،

стр. 73

وقوة الماء يدفعها بطبعه، فلأن تكون النجاسة [الثابتة] (١) من وجه دون وجه غير مفتقرة إلى التسمية، كان ذلك بطريق الأولى. يدل عليه: أنه لا معنى للنجاسة إلا المنع من الصلاة، والحدث بهذه المثابة فلا فرق بينهما. قالوا: وقولكم: إن الوضوء حيث عرف إنما عرف شرعاً، فينبغي أن يعتبر فيه مورد الشرع. فنقول: الشرع ورد به وعقلنا فيه معنى الوضاءة والنظافة، فلا نترك المعنى المعقول. وقد ذكر بعضهم طريقة أخرى، فقال: الوضوء لا يجب الفعل فيه، فإنه لو وقف تحت ميزاب (٢)، أو تحت السحاب، فبله الماء أجزأه ذلك الوضوء، ولو وضَّأه غيره أجزأه، وإذا لم يكن الفعل مستحَقاً لم تجب التسمية؛ لأن أدنى أحوال التسمية أن تجب في فعل يأتي به المكلف، والفعل في الوضوء غير مستحَق. وتعلق بعضهم بطريقة أخرى، فقال: الوضوء شرط من شرائط الصلاة، فلم تكن التسمية [شرطاً] (٣) فيه؛ كستر العورة، واستقبال القبلة، وما أشبه ذلك، وهذا لأن الشرائط زوائد في الباب، وتوابع الأصل، فلا يعتبر فيها ما يعتبر في الأصل. يحققه أن الوضوء لا يجب إلا للصلاة، فهو تابع لها، ولهذا لو نذر الصلاة وجب عليه الوضوء، ولو نذر الوضوء لم تجب عليه الصلاة،

стр. 74

فدل أنه تابع للصلاة، فلم تجب فيه التسمية كما قلنا في ستر العورة، واستقبال القبلة. ومنهم من تعلق بطريقة أخرى، فقال: أجمعنا على/ أنه إذا ترك التسمية ناسياً صح الوضوء، ولو كانت التسمية واجبة لم تسقط بالنسيان، لأن التسمية شرط في الوضوء، وما جعل شرطاً لم يتصور ثبوته من غير شرطه، وهذا لأن النسيان ليس بعذر في المأمور بحال. ومنهم من تعلق بطريقة أخرى، فقال: أجمعنا على أن الأخرس يصح وضوءه، ولم توجد التسمية منه، ولا يجوز أن يحال الجواب على علة عذر الخرس، لأنه [من لا] (١) يمكنه أن يوضئ نفسه لعلة، أو لقطع اليدين فإنه يأمر غيره أن يوضأه، ولا يسقط عنه لهذا العذر، وكذلك قلتم في الأمي الذي يجد قارئاً يقتدي به، فترك الاقتداء به، وصلى منفرداً: لا يجوز؛ لأنه يمكنه أن يجعل صلاته صلاة بقراءة من هذا الوجه، ولم يعذر بالعجز، كذلك هاهنا. وقد تعلقوا ـ أيضاً ـ من حيث الحكم: بغسل الذميّة إذا كانت تحت المسلم عن الحيض والجنابة، فإنه صحيح حتى يستبيح وطأها به، ولو أسلمت استباحت الصلاة بهذا الوضوء وإن لم توجد فيه تسمية معتبرة، دل على أن التسمية غير شرط لصحة الغسل. وكذلك ـ أيضاً ـ تعلقوا بغسل الميت: فإنه لا يعتبر فيه التسمية، وكذلك في غسل الحي، وهذا لأنه لا فرق عندكم بين الغسلين، ولهذا اختص بالماء وافتقر إلى النية، فلما لم تجب فيه التسمية دل على عدم وجوبها في حق الحي، وبل أولى من قبل أن غسل الميت آكد، ولهذا لو اجتمع حي وميت، ووجد من الماء ما يكفي أحدهما قدم الميت، ولأنه آخر زاده من الدنيا فيجب أن يكون على أكمل الأحوال.

стр. 75

/ الجواب: أما الآية: فنحن قائلون بموجِبها؛ لأن فيها إيجاب غسل الأعضاء وقد أوجبناه، وليس فيها تعرض للتسمية بنفي ولا إيجاب، وقد تضمنت السنة إيجابها، فلا بدّ من القول بالوجوب كسائر ما لم يذكر في الكتاب وشرع بالسنة. أما قولهم: إن إيجاب التسمية نسخ. قلنا: ليس كذلك بل هو ضم حكم إلى حكم، ومثل هذا لا يُعدّ نسخاً، كما أن أصل الشريعة لم ينزل جملة، وإنما أُنزلت شيئاً فشيئاً، ولا يقال إن الله كلما أوجب شيئاً، وضم حكماً إلى حكم فقد نسخ الأول. ولذلك قد ضُم بالسنة تحريم الجمع بين المرأة وخالتها، والمرأة وعمتها، وبين المرأة وبنت أختها، والمرأة وبنت أخيها إلى تحريم الجمع بين الأختين، وكذلك ضُم بالسنة جواز المسح على الخفين إلى غسل الرجلين، ولم يعدَّ شيء من ذلك نسخاً. أما قولهم: إن النسخ هو تغيير الحكم وقد وجد. قلنا: إنما يكون التغيير نسخاً إذا حصل التغيير فيما تقتضي الآية، فأما إذا حصل فيما لا تقتضيه الآية، ولم يعرف بها فلا يكون نسخاً، والآية ما اقتضت إلا وجوب غسل الأعضاء، فأما التسمية فلم تتعرض لها الآية أصلاً بوجه ما، وإذا لم تقتضِ الآية نفي التسمية فكيف يكون إيجابها نسخاً. وقولهم: إن الآية تقتضي أن غسل الأعضاء جميع الواجب. قلنا: كلا، ولمّا، وليس في الآية إلا الوجوب فحسب، فأما الكل والبعض فلا نعرفه بالآية. أما قولهم: لو لم يقم دليل التسمية كان غسل الأعضاء جميع الواجب.

стр. 76

قلنا: بلى، ولكن لا تقتضيه الآية (١)، لعدم قيام الدليل على وجوب/ غيره، وإذا لم يقم الدليل على وجوب شيء آخر حينئذ قلنا: إنه جميع الواجب؛ لا لمقتضى الآية، لكن لمّا لم يقم دليل على وجوب شيء آخر معه، فيعرف ضرورة أن المذكور جميع الواجب، وهذا لأن ذكر الشيء لا يدل على نفي غيره، كما أن نفي الشيء لا يدل على وجوب غيره، ويجوز أن يذكر الكتاب بعض الحكم، ويكل الباقي إلى السنة، أو إلى الاجتهاد. والحرف ما قد بيّنا: أن الكتاب لم يتعرض للتسمية بنفي ولا إيجاب، ولا نقول إن الآية اقتضت أن غسل الأعضاء جميع الواجب حتى يكون جعله بعضاً نسخاً. فهذا جواب معتمد؛ [فراح] (٢) معه ما يعتقدونه من الإشكال. وقد قيل في الجواب: إنّ الله ـ تعالى ـ ذكر في الآية أركان الطهارة دون شروطها، وبين الرسول ﵇ ذلك، كما ذكر الصلاة، وبين الرسول شرائطها وأركانها وأعدادها، وذكر الزكاة، وبين شرط وجوبها من الحول والنصاب، وذكر الصيام وذكر الرسول شرط النية فيه، ولم يعد ذلك نسخاً. وأما الحديث: فهو حجة لنا؛ لأنه لم يثبت طهر جميع البدن مع عدم التسمية، والحدث يعم جميع البدن، ولهذا لا يجوز للمحدث مس المصحف بصدره وظهره وكفيه، فإذا توضأ جاز له ذلك، ومع حدث بقية البدن لا تجوز الصلاة. الثاني: أنكم لا تقولون به فإنه خص بالطهر ما أصابه الماء، وعندكم يطهر جميع البدن، فأما نحن فنقول به، ونحمل قوله: «من ذكر اسم الله كان طهوراً لسائر بدنه» [على] (٣) الطهارة الشرعية حكماً، ومن لم يسمّ طَهُر ما أصابه الماء.

стр. 77

[فذِكرُ اسم الله أصلٌ] (١) / بنفسه وإن كان شرطاً لغيره، كما قلنا في الإيمان، فإنه أصل القربات والطاعات، ثم هو شرط في صحة الاعتكاف. فأما ستر العورة، واستقبال القبلة فهناك يوجد الستر والاستقبال في الصلاة حقيقة، فالذكر الذي في الصلاة يأتي عليه فاكتفي بذلك، أما الوضوء فإنه لا يكون في الصلاة متوضئاً فاعتُبِر ذكرٌ يتأدى به الوضوء. فإن قيل: فالطهارة تفعل في الصلاة على الحد الذي تفعل الستارة والاستقبال والوقوف. قلنا: ليس كذلك، فإن الطهارة لا تفعل في الصلاة، ولهذا لو حلف لا يتطهر فبقي على طهارة أسبوعاً، أو شهراً لم يحنث، ولو حلف لا يلبس سترة، ولا يقف على موضع طاهر، ولا يستقبل القبلة وهو لابس، واقف، مستقبل، فاستدام ذلك لحظة حنث، فدل على أن استدامة بقية الشرائط بمنزلة ابتداء الفعل، واستدامة الطهارة ليس بفعل، وإنما الطهارة عبادة منفردة تفعل خارج الصلاة، ولهذا شرع فيها التسمية والنية، ولا يشرع ذلك في بقية الشروط فدل على افتراقهما. وأما تعلقهم بفصل النسيان فهو ممنوع على ظاهر كلام أحمد (٢) (٣)،

стр. 78

ولو سلمنا على ما ذكره القاضي (١) (٢) فالناسي غير معرض عن التسمية فجاز أن يجعل بمنزلة المسمِّي، فأما التارك عمداً فهو معرض عن التسمية، فلم يجز أن يجعل بمنزلة من سمى مع وجود الإعراض حقيقة؛ لأنه لا عبرة بالدليل مع التصريح بغيره، ولأن الناسي عاجز عن التسمية، والعاجز معذور، فأما العامد فغير عاجز، فلا عذر له. على أنه لا يمتنع أن يكون واجب ويسقط بالسهو، هذا كما نقول في الإمساك/ في الصوم، وكالحج فيه واجبات وتسقط بالسهو والعذر، وكالتسمية على الذبيحة عند أبي حنيفة (٣)، إلى غير ذلك من الأشياء. وأما تعلقهم بفصل الأخرس فنقول: سقط الأمر بالتسمية في حقه لأجل العجز، وقامت الإشارة في حقه مقام النطق في سائر المواضع، وإذا قامت الإشارة مقام النطق لم نبالِ بقدرته على الاستنابة كما نقول في الطلاق، والعتاق، والبيع، وغيرها. وأما غسل الذميّة تحت المسلم فلا نسلمه، ونقول: لا يصح، ولا يستبح به الوطء أصلاً، ثم وإن سلمنا فذلك الغسل إنما صححناه ليتوصل الزوج به إلى حقّه، فكأنه على الحقيقة غسل شرع لحق الزوج،

стр. 79

وصورة إباحة الوطء، حتى نقول لو أسلمت لم تستبتح الصلاة بهذا أصلاً، بخلاف الطهارة للصلاة، فإنها تراد لمحض التعبد لله فاختلفا. على أن هذا ليس بأول محل انعدم أحد مقصوديه، أو أكثرهما فبقي على مقصوده الآخر، هذا كما نقول في الممتنع من أداء الذكاة، فإن أحد المقصودين وهو التعبد بامتناعه وطواعيته، ونفي الإخراج بالخبر عند أبي حنيفة (١)، وبالأخذ عندنا (٢) وعند الشافعي (٣)، ولذلك نحن نعلم أن للزكاة مقصودين؛ إهلال لله، وتطهير، ثم إن انعدم الإهلال والإباحة لم ينعدم التطهير على قول أبي حنيفة، فإنه يقول: ذبح ما لا يؤكل لحمه يفيد طهارة جلده دون لحمه (٤)؛ إلى غير ذلك من الأشياء، والله أعلم.

стр. 80

مسألة تجب المضمضة والاستنشاق في الوضوء والجنابة؛ هذا مذهبنا في إحدى الروايات (١)، اختارها القاضي (٢)، وعليه شيوخ المذهب (٣)، وهي مذهب الحسن، والنخعي (٤)، وعطاء (٥)، والزهري (٦)، وابن أبي ليلى (٧)،/ وحماد (٨)،

стр. 81

وابن المبارك (١)، وبه قال إسحاق (٢) (٣). وفيه رواية أخرى: أنهما يجبان في الغسل دون الوضوء (٤)، نقلها القاضي الشريف (٥) (٦)، وهي مذهب أبي حنيفة (٧)، والثوري (٨) (٩).

стр. 82

وفيه رواية ثالثة: أنه يختص الاستنشاق بالوجوب (١)، وبها قال أبو عبيد (٢)، وأبو ثور (٣) (٤). وقال مالك (٥)، والشافعي: هما سنتان في الطهارتين (٦)،

стр. 83

وبه يقول الحسن (١)، والزهري، وربيعة (٢)، والليث (٣)، والأوزاعي (٤)، نقله ابن القصار (٥) (٦). وقال داود (٧):

стр. 84

يجبان في الوضوء دون الغسل (١). واختلف قوله في تسميتهما فرضاً مع قولنا بوجوبهما على روايتين (٢)؛ أحداهما: يسميان فرضاً، والثانية: يسميان سنة مؤكدة. وسواء تركهما عامداً أو ساهياً فإن الطهارة باطلة. فإن تركهما حتى فرغ من الطهارة فهل يعيد غسلهما حسب، أم يعيد جميع الوضوء على روايتين (٣)؛ أحدهما: يعيد جميع الوضوء اعتباراً بالترتيب، والثانية: يعيد غسلهما فقط؛ لأن الترتيب يجب في أعضاء ثبت فيها بالنص، ووجوبهما مختلف فيه فجاز له العدول به. فأما داخل العين فهل يجب غسلهما؛ فقال أصحابنا: فيهما روايتان (٤)؛ إحدهما: يجب، والثانية: لا يجب، وهو أصح (٥)؛ لأنه يشق إيصال الماء إليه، وإنما يستحب غسلهما في غسل الجنابة، هذا هو المنصوص عن أحمد في مواضع. ومأخذ المسألة: أن الفم والأنف لهما حكم الظاهر من كل وجه، وعند الشافعي لهما حكم الباطن من كل وجه (٦)، وعند أبي حنيفة لهما

стр. 85

حكم الظاهر من وجه، والباطن من وجه (١)، ولهذا فرق بين [الطهارتين] (٢). الأوّلة (٣): قوله ـ تعالى ـ: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (٤) والفم والأنف من الوجه حقيقة وشرعاً. فأما الحقيقة: فلا يختلف الناس أنهما من أعضاء الوجه، وحد الوجه من منابت شعر الرأس إلى اللحيين (٥) / والذقن، ومن الأذن إلى الأذن (٦). وأما الشرع: فقوله ـ تعالى ـ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ (٧)، قيل في التفسير: إنه السؤال والدعاء أن يجعل قبلته إلى الكعبة (٨). فعبّر بالدعاء الخارج من الفم بالوجه؛ لأنه جزء منه، وقد يُعبَّرُ عن الشيء

стр. 86

بجزء منه، ولهذا تقول: رأيتُ زيداً، إذا رأيتَ وجهه من [زاوية] (١) أو من وراء ستر. فإن قيل: ظاهر الفم والأنف من الوجه ونحن نوجب غسل ذلك، فأما باطنهما فلا؛ لأن الوجه مأخوذ مما تقع به المواجهة، وإنما تقع المواجهة بظاهرهما دون باطنهما. قلنا: بل الوجه عبارة عن جملة هذا العضو ظاهراً وباطناً بدليل قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ (٢) أي: خضعت وذلت، والخضوع أليق بالباطن من الظاهر. ويدل عليه: أنه يُعبَّر بالوجه عن الكل، قال الله ـ تعالى ـ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ (٣) أي: ذاته تعالى، وكذا قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ *﴾ (٤) أي: ويبقى ربك . ولهذا عقل الرسول من كتاب الله المنزل ذلك، فكل من وصف وضوءه من عثمان (٥)، وعلي، وعبد الله بن زيد (٦)، وابن عباس ﵃ روى أنه كان يتمضمض، ويستنشق، ويغسل وجهه (٧).

стр. 87

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 88

فأما قولهم: إن الوجه مشتق مما تقع به المواجهة؛ فليس كذلك بل الوجه مشتق من الوجاهة والتقدم، قال الله ـ تعالى ـ في موسى: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ (١) أي: متقدماً مرتفعاً، ويقال: قد توجه فلان عند السلطان؛ إذا ارتفعت منزلته، ويقال: فلان وجْه العرب، ووجْه العشيرة؛ أي: متقدمها، ويقال: هذا وجه الرأي؛ أي: صوابه،/ وإنما سمي الوجه بذلك، لأنه أشرف أعضاء البدن، لأنه يجمع الحواس من البصر، والسمع، والشم، والذوق، ويشارك بقية البدن في اللمس. فأما المواجهة فهي المشتقة من الوجه، يقال: تواجها بكذا، إذا كان وجهه حذاء وجهه، فاشتقت المواجهة من مقابلة الوجه، ولم يشتق الوجه من المواجهة. يدل على ذلك: أن المواجهة تقع بالصدر والبطن ولا يسميان وجهاً حقيقة، وإذا خدشته في [ذقنه] (٢) أو لحيته قيل: قد جرح وجهه، والمواجهة لا تقع بذلك فإنه مستور بالشعر. وقال الأصمعي (٣)، والمفضل بن سلمة (٤): ما جاوز وتد الأذن

стр. 89

من العارض، والعارضان من الوجه (١). والمواجهة لا تقع بذلك فدل بهذا كله على أن الوجه مشتق من الوجاهة لا من المواجهة. وقد سلّم القاضي أن الوجه مأخوذ من المواجهة، لكنه قال: طرف الأنف تقع به المواجهة، والفم إذا فتح وقعت به المواجهة، ولكنه إذا أطبق كان بمثابة الكف إذا ضم (٢). و ـ أيضاً ـ من جهة الأخبار ما روى الدارقطني (٣) بإسناده عن عطاء، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ: «إذا توضأ أحدكم فليُمضمض وليستنشق، والأذنان من الرأس» (٤)، وهذا أمر يقتضي الوجوب.

стр. 90

وروى بإسناده عن عائشة (١) أن رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ قال: «المضمضة والاستنشاق من الوضوء الذي لا بد منه» (٢). وروى ـ أيضاً ـ بإسناده عن ابن عمر أن رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ دعا بماء فتوضأ مرة مرة، ثم قال: «هذا وظيفة (٣) الوضوء الذي لا يقبل الله الصلاة إلا به»،

стр. 91

وذكر الخبر (١)، ولا يخلو أن يكون تمضمض/ أو ترك، [و] (٢) لا يجوز أن يكون ترك فإنه لم ينقل عنه أحد ممن حكى وضوءه أنه توضأ ولم يتمضمض ويستنشق، ولأنه يفضي إلى أن لا يقبل الله الصلاة بوضوء فيه مضمضة واستنشاق ولم يقل هذا أحد، فثبت أنه لا يقبل الله الصلاة بوضوء لا مضمضة فيه. وروى أبو بكر عبد العزيز (٣) بإسناده عن أبي هريرة أن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ أمر بالمضمضة والاستنشاق (٤)،

стр. 92

وروى ابن عباس عن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ مثله (١). وروى الأثرم (٢) بإسناده عن عمار بن ياسر (٣) أن رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ قال: «من الفطرة ـ أو قال: ـ الفطرة المضمضة والاستنشاق» (٤).

стр. 93

وهذه الأخبار اشتهر العمل بها في السلف فروى الأثرم عن مجاهد (١) أنه قال: «المضمضة والاستنشاق نصف الوضوء» (٢). وعن عطاء: «من نسي المضمضة والاستنشاق يُعيد» (٣). وعن عمرو العنبري (٤) قال: «أبصرت عبيد الله بن عبد الله بن عتبة (٥)

стр. 94

توضأ فنسي أن يستنشق، فلما ولى الغلام بالكوز قال: نسينا أمر رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ فدعا بماء فاستنشق» (١). وعن إبراهيم قال: «يُعيد الرجل الوضوء من نسيان المضمضة والاستنشاق» (٢). فإن قيل: أما حديث عائشة فقد قال الدارقطني (٣): إنه تفرد به عصام بن يوسف (٤)، ووصله، ووهم فيه، والصواب عن ابن جريج (٥)، عن سليمان بن موسى (٦)، عن النبي ﵇ مرسلاً، ولو قدر صحته فمعناه:

стр. 95

أن الوضوء لا بُدّ منه، وتحمل باقي الأخبار في الأمر بها على سبيل الاستحباب. قلنا: أما تفرد عصام فلا يقدح؛ لأن عصام بن يوسف ثقة، وقد رواه عن ابن المبارك، عن ابن جريج، عن سليمان بن/ موسى، (١) عن الزهري، عن عروة (٢)، عن عائشة، وتفرد الثقة بالحديث لا يوجب ضعفاً، قال عبد الله بن عمر: «كنا نخابر (٣) أربعين سنة لا نرى بذلك بأساً حتى أخبرنا رافع بن خَدِيج (٤) أن النبي ﵇ نهى عن المخابرة» (٥).

стр. 96

ثم الراوي إذا صح عنده الحديث قاله تارة عن النبي، وتارة يسنده عنه، وعلى أن المرسل عندنا حجة؛ لأن الثقة لا يرسل الحديث ويخبر عن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ إلا إذا ثبت عنده عدالة من يروي عنه وثقته، ويتضح له أن الخبر من قول النبي ـ صلَّى الله عليه ـ، وإلا كان يحيل به على من نقله إليه إذا شك فيه، هذا هو المعقول المعلوم من فعل الثقات، قال الحسن: «إذا ذكرت لكم في الحديث أن فلاناً حدثني فلم أسمعه إلا منه، وإذا قلت: قال النبي ﵇، سمعته من سبعين صحابياً» (١)، أو كما قال. وأما التأويل: فغلط؛ لأنه قد روي في لفظ آخر: «من الوضوء الذي لا يتم الوضوء إلا بهما» رواه الدارقطني بهذا الإسناد (٢)، ورواه ابن شاهين عن ابن عباس (٣)، عن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ، وإذا كان الوضوء ناقصاً بعدمهما، لم يصح الوضوء الناقص، كما لو ترك لمعة من الوجه، أو اليد. ثم الوضوء يشتمل على فروض وسنة، فإذا جعله من القسم الذي لابد منه فهو من فرضه، ولو لم يرد ذلك لقال: هما من الوضوء، مطلقاً. وأما حملهم على الاستحباب باطل والأمر يقتضي الإيجاب، فمن حمله على غيره احتاج إلى دليل.

стр. 97

والفقه في المسألة: أن الفم والأنف عضوان في محل الفرض لا يشق غسلهما، فوجب غسلهما في طهارة الحدث كالخدين؛ وهذا لأن الوجه مفترض غسله، وهما فيه يقيناً،/ وغسلهما متيسر عادة وسنة، ومفترض إذا حلهما نجاسة، وما هذا سبيله يجب تطهيره في الحدث والجنابة كبقية أعضاء الوضوء، والبدن جميعه في الجنابة. ولا يلزم على ما ذكرنا داخل العينين واللحية الكثة ـ إن سلمنا أنه لا يجب غسلهما؛ لأن إيصال الماء إليهما يشق. فإن قيل: إنما يجب غسل العضو في طهارة الحدث إذا لحقه حكم الحدث، وداخل الفم والأنف لا يلحقه حكم الحدث، ولهذا بقية البدن متيسر الغسل ولا يجب غسله في الوضوء؛ لأنه لم يلحقه حكم الحدث. قلنا: بل الحدث يعم جميع البدن، قال ﵇: «من توضأ وسمى طَهُر سائر جسده، ومن لم يسم طَهُر ما أصابه الماء» (١) فدل على أن بدنه قد لحقه حكم الحدث، ولأنه لا يجوز له القراءة فقد لحقه حكم حدث الجنابة، ولا يمس المصحف بلسانه وهو محدث، ويلحقه حكم التطهير بغسل الأعضاء الأربع تيسيراً على الناس وتخفيفاً عنهم لأجل تكرر طهارة الحدث في اليوم والليلة دفعات، فلو [أوجبنا] (٢) غسل جميع البدن احتاج إلى خلع ثيابه، وأخذ الماء الكثير، وذلك لا يوجد في الأسواق والطرق، فيحتاج إلى دخول الحمام، أو قصد المواضع الخالية الكثيرة الماء، فينقطع معاشه، ويضيع ماله. ويدل عليه: أنه لا يجوز للمحدث مس المصحف بظهره وصدره ولسانه وشفتيه، ولو لم يحلهما الحدث لجاز ذلك، وحدث الجنابة

стр. 98

يلحق جميع البدن، فكذا الآخر إلا أن ذلك يقل فوجب غسله فيه، لأنه [لا] (١) يشق، وفي الحدث/ يشق فاقتصرنا على الأعضاء الظاهرة، ونابت عن بقية البدن، كما ناب التيمم في عضوين عن بقية الأعضاء، وكما نابت الصلاة المقصورة عن الرباعية. طريقة أخرى: أنه عضو يجب غسل ظاهره النجس، ولا يلزم داخل العين واللحية لما ذكرنا. فإن قيل: يلزم داخل الأنف لا يجب غسله، وإن وجب غسل ظاهره، ولا يصح القياس؛ لأن في الأصل لا باطن لذلك. قلنا: أما مسألة الإلزام فممنوعة على قول أبي إسحاق بن شاقلا (٢) فإنه قال (٣): يجب غسله؛ لقول النبي ﵇ للقيط بن صَبِرة (٤): «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً» (٥).

стр. 99

وإن سلمنا فهناك بعض العضو، ونحن قلنا: عضو؛ ولأن كلامنا في إيجاب غسل باطن ما [وجب غسل ظاهره] (١) لا في الاستيعاب. وقولكم: إن الأصل لا باطن [له] (٢)، غلط، بل له باطن معروف لغة، وشرعاً، وحساً. أما اللغة: قول جرير (٣): ألستم خير من ركب المطايا … وأندى العالمين بطون راح (٤) وقال غيره (٥): وامدد إليَّ يداً تعوّد بطنُها … بذل النوال وظهرُها التقبيلا (٦)

стр. 100

وقال الآخر (١): فباطنها للندى … وظاهرها للقبل (٢) وأما الشرع: فقول علي ﵇: «لو كان الدين بالرأي لكان مسح باطن القدم أولى من ظاهره، ولكن رأيت رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ يمسح على ظاهر خفيه» (٣). وقال الشافعي: إذا مس فرجه ببطن كفه انتقض وضوءه، وبظهره لا ينتقض (٤). وأما الحس: فإن الإنسان إذا ضم كفه صار باطناً لا تعلم صفته، وإذا فتحها [ظهرت] (٥) كالفم سواء. / طريقة أخرى: نقول: كل عضو دخله سنة الغسل وجب أن يدخله فرضه، دليله: بقية الأعضاء، وهذا لأن السنة تكملة للفرض فإذا لم يكن في العضو فرض فماذا يكمل، وصار ما قلنا بمنزلة المجاز إنما يتجوز به عن الحقيقة، فإذا لم يكن في الشيء حقيقة فلا مجاز يتصور فيه. فإن قيل: داخل الأنف يسن غسله ولا يجب، وكذلك تطويل الغرة يسن غسله في الوضوء ولا يجب.

стр. 101

قلنا: لا نسلم؛ فإنه يجب غسل داخل الأنف على قول أبي إسحاق (١)، ومواضع تطويل الغرة والتحجيل يجب غسله في الجنابة، فأما في الوضوء فتُرك وجوبه لدليل، ثم لا يلزم، لقولنا: كل عضو دخل في سنة الغسل؛ وداخل الأنف بعض العضو. طريقة أخرى تخص أبا حنيفة (٢)، فنقول: طهارة يجب فيها غسل الوجه، فوجب فيها غسل داخل الأنف والفم، دليله: طهارة الجنابة والنجاسة، وهذا لأن الفم والأنف من الوجه، والوجه يجب غسله في الوضوء كما يجب في الجنابة والنجاسة، فيجب أن يجب غسل أبعاضه في الوضوء كما وجب في الطهارتين المقيس عليهما. فإن قيل: يلزم على هذا داخل الأنف والعين واللحية، فإنه يجب غسل الوجه، ولا يجب غسل هذه المواضع، وهي من الوجه، والمعنى في [حدث] (٣) الجنابة أنه يحل الفم، ولهذا تمنع القراءة، بخلاف الحدث الأصغر، فإنه لا يمنع ذلك من القراءة، لأنه لا يحل الفم. الثاني: أن الجنابة آكد؛ لأنها تعم جميع البدن، وكذلك النجاسة تتعدى إلى عين البدن، بخلاف الوضوء. قلنا:/ أما مسائل الإلزام فممنوعة على ما مضى، ـ وإن سلمنا ـ فغسلها يشق في الوضوء لتكريره، ويندر في غير الوضوء فلا يشق. وأما قولهم: إن الجنابة تحل الفم، والحدث الأصغر لا يحل الفم. قلنا: لا نسلم بل يحل الفم بدليل ما تقدم، فأما منع القراءة فليس لأجل ذلك، لكن القراءة تضاف إلى القارئ، وشُرط عليه أن لا يكون جنباً،

стр. 102

كما شُرط عليه أن لا يكون على فعل الغائط والبول، وأن لا يكون ساجداً (١)، وكما شُرط أن لا يقرب الصلاة وهو سكران، وكما شُرط عليه أن لا يلبث في المسجد وإن لم يُشرط ذلك في الحدث الأصغر، ومعلوم أن الحدث الأصغر قد حلّ رِجْل المُحدث كما حلّت رِجْلَه الجنابةُ، لكن الشرع لمَّا [علم] (٢) أن الحدث الأصغر يكثر لم يمنع من القراءة لئلا ينسى الناس القرآن، أو لا يقدروا على حفظه، لأن الغالب أن أكثر زمان الناس يكون على غير وضوء، بخلاف الجنابة فإنها تندر وتقل، فلا يفضي المنع من القراءة إلى تعذر حفظ القرآن. ولأنه ـ تعالى ـ قسّم الأحوال في القرآن على ثلاث مراتب؛ فجعل اللمس له لا يجوز إلا بوجود الطهارتين، وجعل النظر إليه يجوز مع عدم الطهارتين، وجعل القراءة جائزة مع عدم إحدى الطهارتين، وهذا لأن اللمس فوق القراءة لأنه مباشرة حسية، والنظر دونها لأنه غير مباشرة، والقراءة بينهما. وأجود من هذا: أنه لولا السنة لما منعنا الجنب من القراءة، ولهذا لو كان بفِيه نجاسة لم تمنعه وهي أكثر من الحدث، وإنما روي أنه لم يكن يحجز رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ عن/ القراءة شيء عدا الجنابة (٣).

стр. 103

وقولهم: إن الجنابة والحدث آكد؛ فهو وإن كان كما ذكروا إلا أن الوضوء قد ساواهما في وجوب دخول الوجه فيه، فيجب أن يساويهما في دخول أبعاضه فيه كما في اليدين والرجل، وكما أن الحج أعم من العمرة ويستويان في حكم الطواف والسعي، وكذلك الظهر أعم من الفجر وهما سواء في القراءة والسجود والركوع في الركعتين. ثم يبطل ما ذكروا بغسل الميت وهو أعم من الوضوء، وقد ساوى الوضوء في سقوط المضمضة والاستنشاق عندهم. احتجوا: بما روى الدارقطني بإسناده عن عطاء، عن ابن عباس، عن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ أنه قال: «المضمضة والاستنشاق من السنة» (١)، وهذا نص. وبما روي عن النبي ﵇ أنه قال: «من توضأ فليستنثر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج» (٢).

стр. 104

وبما روي عن النبي ﵇ أنه قال: «عشر من الفطرة؛ قص الشارب، وإعفاء اللحية، والمضمضة، والاستنشاق، ونتف الإبط، وقص الأظفار، وإنقاء البراجم (١)، والسواك، وحلق العانة، وانتقاص الماء» (٢)، [و] (٣) فيه دليلان؛ أحدهما: أنه جعلهما من السنة، والسنة غير الواجب، الثاني: أنه قرنها بما ليس بواجب إجماعاً. وبما روي عن النبي ﵇ أنه علَّم الأعرابي الوضوء فقال له: «اغسل وجهك ويديك» (٤)، ولم يذكر له المضمضة والاستنشاق، ولو كانتا واجبتين لذكرهما؛

стр. 105

لأن الأعرابي كان جاهلاً بالحكم، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وكذلك حديث أم سلمة (١) لما سألته عن غسل الجنابة فقال: [«إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من ماء فإذا أنت قد طهرت» (٢)، وكذلك روى جبير بن مُطعِم (٣) قال: تذاكرنا غسل الجنابة عند رسول الله ﷺ فقال:] (٤) «أما أنا فأحثي على/ رأسي ثلاث حثيات من ماء فإذا أنا قد طَهُرت» (٥)، والحجة منه ما سبق. والفقه فيه: أنهما عضوان باطنان من أصل الخلقة فلم يجب إيصال الماء إليهما كباطن العين، وتأثير هذا الكلام ظاهر من حيث إنّ الغسل تعلّق بالأعضاء الظاهرة، وما كان باطنا فهو ينزل منزلة باطن سائر البدن.

стр. 106

والدليل على أن الفم باطن: أنا نعلم بأن الإنسان خلق بأصل الخلقة ومبدئها منطبق الفم، وإنما ينفتح فمه لعارض وحاجة، ولا اعتبار بالعارض. يدل عليه: أن الظاهر ما تراه العين وتصادفه بأول نظرة، وباطن الفم لا تراه العين إلا بعد أن تفتحه. يدل عليه: أنه يقال: داخل الفم، ولا فرق بين قولنا باطن وداخل، فدل على أنه باطن في أصل الخلقة، وإذا كان كذلك فالاعتبار بأصل الخلقة. والدليل عليه: باطن اللحية لما خلق ظاهراً ـ وإنما استتر بعارض ـ وجب إيصال الماء إليه. والدليل عليه من حيث الشرع ـ فإنه جعلهما في حكم الباطن أيضاً ـ: أنه لو جمع الريق في فمه وبلعه لا يفطر، ولو أخرج الريق إلى ظاهر الفم وعاد فازدرده (١) أفطر، وكذلك يثبت في الفم والأنف حكم الجائفة (٢) إذا جرحه في فكه، أو منخره فنفذ إلى الباطن، ولو كان في حكم الظاهر لم يثبت فيه حكم الجائفة. وقد عبر بعضهم بأنه: عضو مضموم، بالكلام موسوم، فلم يكن غسله محتوم، دليله الحلقوم. وربما قالوا: عضو لا يجب غسله في حق الميت، فلا يجب في حق الحي، دليله داخل العين، وهذا صحيح؛/ فإن غسل الميت يعم جميع البدن، وهو آخر زاده من الاغتسال، فهو أحق بالكمال، ثم لا تجب المضمضة والاستنشاق، فأولى أن لا تجب في الوضوء.

стр. 107

قالوا: ولأنه تطهر تعلق بالفم فلم يجب كالسواك. وربما قالوا: طهارة عن حدث فلم يجب فيها إيصال الطهور إلى الفم والأنف كالتيمم. أما القاضي أبو زيد (١) فإنه قال (٢): الفم والأنف قد أُعطي لهما حكم الظاهر من وجه بدليل ما قلتم، وقد أعطي لهما حكم الباطن بدليل ما قالوا، فلما أخذا حكم السنة من الحالين جميعاً عملنا بالشبهتين. فنقول: الطهارة تنقسم إلى عامة، وإلى خاصة، فالعامة هي الغسل، والخاصة هي الوضوء، والكل طهارة شرعية تعبدية، فقلنا: لما كان الغسل طهارة عم وجوبها الأعضاء وجب فيها المضمضة والاستنشاق احتياطاً، وعملاً بالتعميم الذي وضع الغسل فيه، ولهذا يجب غسل ما تحت اللحية الكثيفة، وباقي البدن، وما تحت الخفين من الرجلين لما بيَّنَّاه من كونها طهارة عامة، والوضوء لما كان طهارة خاصة لا يجب فيه غسل كل الأعضاء الظاهرة، وإنما يجب غسل الأعضاء البادية، وكيف يجب فيه غسل ما كان باطناً من وجه! ولهذا اختص الوضوء بالأعضاء التي [تبدو] (٣) فضلاً كالوجه واليدين وبعض الرأس والقدمين، فلم يجب غسل الفم والأنف في الوضوء، وقلنا يستحب، ولهذا وجب غسل الفم والأنف من النجاسة؛ لأن إزالة النجاسة طهارة عامة يجب إزالتها عن كل محل.

стр. 108

الجواب:/ أما الحديث الأول: فقد طعن فيه الدارقطني، وقال: يرويه القاسم بن غصن (١)، عن إسماعيل بن مسلم (٢)، وهما ضعيفان (٣). ويدل على ذلك أن رواية عطاء ومذهبه وجوبهما (٤). ثم يحمل قوله: «سنة»؛ أي: شريعة، بدليل قوله: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ (٥) أي: شرعة، وبدليل قوله ﵇: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء من بعدي» (٦)، أي: شريعتي، وقال علي: «من السنة أن لا يقتل حر بعبد» (٧)، وأراد الشريعة.

стр. 109

وأما الحديث الثاني: فالمعروف خبر أبي هريرة: «من توضأ فليستنشق» (١)، وهو أمر، ولو قدر صحته فالاستنثار غير الاستنشاق؛ لأن النثر هو الامتخاط، والاستنشاق تحصيل الماء في طرف الأنف، والنثر إن فعله فقد أحسن، وإن تركه فلا شيء عليه. وأما الفقه؛ قولهم: إنه باطن، ممنوع؛ ولهذا لو ترك الإنسان وشؤم طباعه فإن فمه مفتوح، ولهذا إذا نام انفتح فمه، على أنهما قد جُعلا في الشرع في حكم الظاهر بدليل سبعة أشياء: أحدها: أنه يجب غسلهما من النجاسة. والثاني: أنه يشرع غسلهما في الوضوء. والثالث: أنه لا يفطر بحصول الطعام فيهما. والرابع: أنه لا يحد بحصول الخمر فيهما. والخامس: أنه لا ينشر حرمة الرضاع بحصول اللبن فيهما في حق الطفل. السادس: أنه إذا استدعى القيء إليهما أفطر. السابع: أنه يجب القصاص في العظام من الأسنان، وقصبة الأنف، والقصاص لا مدخل له في العظام الباطنية. فأما ما تعلَّقوا به من بلع الريق فإن جمعه وبلعه أفطر، وإن جرى على عادته إلى حلقه لم يفطر؛ لأنه لا يمكنه/ الاحتراز من ذلك، وهو فيه أعذر ممن دخل حلقه ذبابة، أو بقة (٢)، أو تراب الطريق، فقد قال أحمد في ازدراد النخامة: إنه يفطر (٣).

стр. 110

وأما حكم الجائفة فلا يثبت، وليس عن إمامنا ﵁ ما يضاد ذلك، ومن سلّم ذلك فإن الجائفة تثبت لكون الفم أجوف، لا لأنه باطن، فلم يستقم ما ذكروه. على أنا نقابل بمثله فنقول بأن تغطية الأسنان بالشفتين لو زال فإن انكشف عظم السن بالخرم فإنه إذا صار أخرم لا يكون كشف السن بخرم الشفة إيضاحاً (١)، والإيضاح من حكم الرأس، وينحصر بعظم الرأس، ثم لا يجعل ذلك إيضاحاً، فلما لم يكن العظم بكشفه موضحة لم يكن له حكم الباطن، وإذا لم يكن للعظم وهو أبعد عن الباطن من الفم، لا يكون له حكم الباطن فيما وراءه؛ لأن الشفتين للأسنان كالشدقين (٢) للفم في حصول الستر، فإذا تعلقتم بأن وصول الجراحة إلى ما وراء الشدق يكون جائفة فدل على أنه جوف، استدللنا على أن كشف السن لا يكون موضحة فلا يكون الفم باطناً، فتقابلا وبقي الترجيح معنا بما ذكرنا. فإن قيل: فيلزم على ما ذكرتم داخل العين يجب غسله من النجاسة، ولا يُحدُّ بحصول الخمر فيه، ولا يفطر بحصول الماء فيه، ثم هو في حكم الباطن لا يجب غسله في الوضوء، وكذلك باطن اللحية. قلنا: قد روى أبو بكر المروذي (٣) عن أحمد ما يدل على وجوب
следующие страницы →