Полный текст (481 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
مقدمة الكتاب
• هذا الكتاب
• من مؤلفه؟
• نهج الكتاب
• وصف النسخ الخطية
• إيضاحات حول النشر
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هذا الكتاب
هذا الكتاب أثر من آثارنا القديمة، يرجع إلى الربع الأول من القرن الثالث الهجري فما قبله، نجد منه سمات في بعض المؤلفات القديمة، ككتاب نصر بن عبد الرحمن الاسكندري الفزاري، وكتاب الزمخشري، ومعجم البلدان للحموي، ولكننا لا نجده كاملا إلا في هذا الكتاب الذي نحاول أن نقدمه كاملا.
ولهذا الأثر ميزات أهمها: -
١ - أنه يحدّد أجزاء كثيرة من منازل القبائل العربية، التي كانت تقطن وسط جزيرة العرب، متجاورة، ويحاول أن يحصي ما لها من مناهل وجبال وأمكنة، مما يعين دارسي الأدب العربي في عصوره القديمة، وهذا ما لا نجده إلا في هذا الكتاب، في عهدنا الحاضر.
٢ - أنه حوى أسماء كثيرة ومنها ما ورد في الشعر، مما لا نجده فيما بين أيدينا من المصادر.
٣ - ضم طائفة من المعلومات المتعلقة بالقبائل من أنساب وأسماء شعراء،
стр. 3
وكلمات لغوية، ينفرد بها عن غيره مما وصل إلينا، ومن أسماء المواضع ما بقي معروفا في عهدنا مما يضيف إلى معجمات الأمكنة معلومات لا تكمل بدونها ومن الشعراء ومن الشعر ما لا يوجد في غيره، بحيث نفقد بفقده جزءا من ثقافتنا العربية.
٤ - يصور لنا أول نهج سلك في تحديد المواضع، تحديدا قام على أساس المشاهدة والخبرة الكاملتين.
٥ - يتضمن تفصيلات لا نجدها في غيره - من الكتب التي وصلت الينا - عن معادن قلب جزيرة العرب، وهي معلومات على بساطتها لا يستغني عنها أي باحث في المجال الاقتصادي.
٦ - وأمر على جانب كبير من الأهمية هو أنه يذكر لنا المواضع التي تتفق في الاسم، ولكنها تختلف باختلاف القبائل التي كانت تسكن في تلك المواضع، وهذا من الأمور التي أوقعت اللبس والخطأ والخلط في تحديد كثير من مواضع الجزيرة، مما لا تمكن معرفته إلا بمعرفة من يسكنه من القبائل، وهذا ما لم ينتبه له كثير ممن كتبوا عن تحديد منازل القبائل في جزيرة العرب، ممن لم يدركوا أن الاسم الواحد قد يطلق على عدة مسميات.
مما تقدم ذكره من الميزات ومن غيرها مما لم نذكره، يستطاع القول بأن هذا الأثر ذو قيمة كبيرة في تراثنا العلمي للعربي، وذو أثر عظيم بالنسبة للمعنيين بدراسة التراث العربي، بوجه الاجمال.
أما من كان أول من خلف ذلك الأثر فهو - بدون شك - ممن كان ذا خبرة ودراية بالجزيرة العربية وسكانها، من الأعراب القدماء، وصلت بطريق الرواة المعروفين عند بدء التدوين، أمثال الأصمعي وغيره من العلماء، ممن كان عملهم مقتصرا على التدوين المجرّد، ولهذا فإن الباحث لا يعنيه من الأمر إلا وصول المعلومات صحيحة دقيقة - وهذا ما يجده في هذا الكتاب.
стр. 4
ولئن وجدنا كثيرا من نصوص أثرنا هذا منسوبة إلى الأصمعي - كما نجد في «معجم البلدان» لياقوت الحموي - فإننا نجد آخرين نقلوا جزءا كبيرا منها غير منسوبة اليه، ونجد الكتاب - في مجموعه - منسوبا إلى عالم جليل أصفهانيّ من علماء القرن الثالث الهجري، ممن جاء بعد الأصمعي.
وكل ما يتطلع اليه الباحثون هو أن يظفروا بشيء جديد عن الجزيرة وسكانها، وسيجدون طرفا نافعا مفيدا من ذلك في هذا الكتاب، لا يجدونه في غيره مما وصل اليهم الآن. وهو من أقدم ما كتب عن تحديد منازل القبائل في قلب جزيرة العرب، وهو - في الوقت نفسه - وثيق الصلة برواة وعلماء وشعراء من أهل تلك البلاد، ممن يفوقون الأصمعي وأمثاله خبرة ودراية ومعرفة بمواضع الجزيرة، وبسكانها، ممن هم أساتذة الأصمعي وغيره ممن قاموا بتدوين أخبار أهل البادية وما يتصل بها من معلومات.
стр. 5
من مؤلفه؟!
جزيرة العرب للأصمعي
[هذا بحث ممتع لا من حيث تعلقه بهذا الكتاب، بل من حيث شموله، القاء الدكتور صالح العلي أثناء اجتماع مؤتمر (مجمع اللغة العربية) في القاهرة، في دورته الثالثة والثلاثين في ٢٤ شوال سنة ١٣٨٦ (٢/ ١٩٦٧/٤)]
«جزيرة العرب» للأصمعي واحد من الكتب الكثيرة القيمة المحسوبة في عداد المفقود من التراث الفكري العربي الضخم، لم يبق منه إلا مقتطفات نقلتها بعض المؤلفات المتأخرة، وخاصة معجم البلدان لياقوت، حتى قادتني الصدف خلال تتبعي لأحوال الجزيرة والشرق الأوسط في صدر الاسلام إلى الاطلاع على مخطوط عن جزيرة العرب وضع على خلافه اسم مؤلفه «لغدة الأصبهاني» فذكرتني مادته بما نقله الأقدمون من نصوص عن جزيرة العرب، ووجدت أغلب ما نقلوه واردا عرضا في هذا المخطوط مما حملني على الاعتقاد بأنه هو كل أو معظم كتاب الأصمعي، فنسخت الكتاب ودونت في هامش نسختي أرقام صفحات الكتب التي نقلت ما ورد في متنه، وسجلت ما بدا لي من ملاحظات عن المخطوطة ومادتها، ثم ركنت كل ذلك مع أكداس أخرى من أبحاث ناقصة، ومرت الأيام تتابع، والسنين تتلاحق، وأنا خلالها أفكر في أهمية ما جاء فيه، وبجدارته بالنشر، ولما لم أسمع بأحد معتزم نشره، فقد أخذت أفكر في الشكل الذي ينبغي أن ينشر عليه.
стр. 6
ومن المعلوم أنه لا توجد قواعد عامة معترف بها يسير على هديها الناشرون، وقد أدى فقدان هذه القواعد إلى كثير من الاضطراب والبلبلة، وإلى تنوع صور المنشورات، وإلى حيرة كثير من الناشرين، فبعضهم يرى نشر النص كما ورد في المخطوط دون تبديل، وبذلك يعرض الناشر للقارئ الكتاب كما أراده ناسخ المخطوط، أو راوي الكتاب، وبعضهم يرى ضرورة تدقيق النص وتثبيته على وجه الصواب، وفريق يرى بالاضافة إلى ذلك، أن تثبت في الهوامش اختلاف قراءات النسخ ومن المعلوم أن كل هذا أمر معقد في في نشر كتب ألفت في عصور لم تخترع فيها الطباعة بعد، ولم تكتسب حقوق المؤلفين الشرعية التي صارت لها، بالرغم من أن بعض المؤلفين حددوا النسخة المعتمدة بمن يجيزونه روايتها. ولا ننسى أن كثيرا من المؤلفين كان يعيد النظر في ما يؤلفه فيبدل فصوله، ويحذف أو يضيف أو يعدل ما يراه، وبذلك تصلنا من المؤلف الواحد عدة نسخ مختلفة في مادتها وتبويبها.
ولا تقف مشاكل نشر الكتب عند تثبيت النص بل تتعداها إلى مقدار ما تمتد اليه الهوامش، فهل يكتفى فيها بمجرد ذكر اختلاف القراءات ومصادر المادة المثبتة في المتن؟ أم تمتد إلى شرح هذه المادة وتوضيحها وذكر ما ذكرته المصادر الأخرى عنها؟ أي هل يكون واجب الناشر عرض النص المحقق بالشكل الذي أراده المؤلف، أم وضعه في نطاق يجعله ملذا ومفيدا للقارئ المعاصر بكتابة مقدمة وافية عن الكتاب ومؤلفه، ومادة بحثه، ومكانتها في تاريخ الفكر والحياة المعاصرة؟
لا توجد في البلاد العربية قواعد عامة أو مبادئ متفق عليها يسير على هديها العاملون على نشر المخطوطات، وكل ما نجده آراء فردية عرضها بعض الباحثين من العرب والمستعربين، وتطبيقات متعددة منوعة قام بها كل ناشر حيث سار على ما تراءى له أصولا جديرة بالاتباع. ولكن كل هذه الآراء والتطبيقات لم ترتفع إلى مستوى القواعد العامة التي تكون نبراسا يهتدي به
стр. 7
الناشرون، ومعيارا على ضوئه يحكم الناقدون بحسن النشر وعدمه. إن هذا المجمع الذي ضم خيرة من لهم الفطنة والخبرة والتمرس في هذا الميدان، وإن المكانة العظيمة التي يشغلها أعضاؤه، وما تتسم به نظرتهم من أفق واسع في الزمان والمكان، وما يتجلى في تفكيرهم من عمق واتزان، يجعله أجدر مؤسسة بوضع قواعد شاملة مفصلة واضحة عملية للنشر، جديرة بالتطبيق تكون معيارا لتقييم الجهد، وتضع حدا لهذا التنوع المنبعث من الاجتهادات الشخصية، والذي وصل حدا يسبب الارباك والاضطراب.
لقد تم نشر مقدار عظيم من التراث العربي في مختلف ميادين المعرفة، وساهم في هذا النشر عدد عظيم من الناشرين العرب والأعاجم، من العلماء والتجار، وتعدد نشرات عدد غير قليل من الكتب، ولكن بالرغم من ذلك لا تزال كثير من المخطوطات المهمة تنتظر الطبع، وكثير من المنشورات بحاجة إلى إعادة طبع يتوفر فيه شرائط النشر العلمي، ولعل من أبرز مظاهر التقدم الفكري في العالم العربي تزايد عدد المقدرين لتراثنا الفكري، ونمو الرغبة في المساهمة في هذا النشر، غير أن كثيرا منهم يقف حائرا في أول الطريق، وهو بحاجة إلى الهداية إلى ما ينبغي أن يسبق غيره في النشر لأهميته. وإني أرى أن مجمعكم الموقر هو من أولى من يقوم بهذه الهداية، وأن يكون ذلك عن طريق نشر قوائم يعاد النظر فيها كل سنتين أو أكثر في المخطوطات الأجدر بالنشر، لقيمة مادتها العلمية أو لإصالة نسختها، وأن تشمل مواضيع متعددة في أزمنة مختلفة، مع تفضيل مخطوطات المواضيع التي تبحث في مشاكل تشغل بالنا بالدرجة الأولى.
ومما يتصل بأمر النشر ضرورة تنسيق جهود الناشرين لغرض تحقيق أقصى المنافع منها.
فمن المعلوم أن المخطوطات الجديرة بالنشر كثيرة، ومعظمها سهل المنال لمن يريد قراءتها والاستفادة منها أو نشرها - وليس في البلاد العربية قيد على من يريد النشر.
стр. 8
وقد سبب هذا بالاضافة إلى عزلة معظم الباحثين وقلة اتصالهم: أن يعمل أكثر من واحد في نشر كتاب واحد من دون علم أحدهما بالآخر، مما يؤدي إلى ضياع كثير من الجهد الذي كان بالامكان الاستفادة منه في ميادين أخرى أو نشر كتب أخرى. لذلك فإني أرى من المفيد إقرار جهة أو مؤسسة لتكون مرجعا لمن يريد معرفة ما يجري نشره من مخطوطات، فيخبر من يقوم بالنشر هذه الجهة لتطلع عليها وتنبه من أراد النشر بعده إلى العمل القائم، فيتحاشى المتأخر العمل وينصرف إلى غيره، أو يؤيد السابق في العمل، وبذلك تنزل نوعا من العقاب الأدبي ببعض المناكفين في هذا الميدان العامي. وأرى هنا أن مجمعكم الموقر هو المؤسسة التي يمكن أن تكون المرجع، او تقترح المرجع الملائم لتحقيق هذا الغرض، فإن لهم من سعة الاطلاع وتقدم في السن وسمو في النفس ما يجعلهم جديرين بالقيام بهذا الواجب.
قد تتباين آراء الباحثين في تقدير الأهم من جوانب الحضارة، ويختلفون في اختيار المواضيع لأبحاثهم، ولكن تبقى حقيقة ثابتة أراها ترقى إلى مستوى البدهيات وهي أن كل دراسة لا تأخذ بنظر الاعتبار مكان الموضوع والناس الذين يتصل بهم الموضوع، تكون ناقصة، ويتعرض القائم بها إلى الوقوع في أخطاء أو على الأقل إلى الغموض المربك. وهذه الحقيقة أوثق ما تكون صلة بعمل المجمع اللغوي الذي يهدف أعضاؤه الكرام تفهم لغة العرب الأصيلة ويعملون على إحياء ما يفيدنا منها في هذه الحياة المعاصرة المتسعة المعقدة.
ولا ريب أن كثيرا مما نتصوره تعدد معان، أو مرادفات، أو أشباه ونظائر، أو تنوع في القراءات والنحو والصرف، إنما مرجعه تعدد اللهجات الناجمة بدورها من وجود مجتمعات متعددة في الجزيرة يحتفظ كل منها ببعض الأساليب الخاصة به في الحياة أو التعبير.
فإذا كان اعتبار اللغة العربية تتبع قواعد معينة موحدة جامدة هو خطأ يفضحه القرآن الكريم بما فيه من تنوع في معاني المفردات وأساليب تركيب
стр. 9
الجمل، وطرائق اللفظ، وإذا كنا كالأقدمين، ونحن على حق، نرى أن المكان الأول لمعرفة الأصيل في لغة العرب وثقافتها هو جزيرة العرب، فإن واجبنا الأول هو دراسة الجزيرة العربية وأحوالها بدقة وتفصيل، أو على الأقل تشجيع البحوث عنها.
ولدراسة جزيرة العرب أهمية خاصة في تاريخ العرب والاسلام، ففيها ظهر الرسول ﷺ ودعى إلى الإسلام وأسس دولة الإسلام، وعلى أهلها اعتمد الرسول والخلفاء الراشدون في فتح البلاد وتوسيع رقعة دولة الإسلام، ومن أبنائها كان الجند الذين وسعوا حدود دولة الإسلام وثبتوا فيها الأمن والنظام ومنهم كان الخلفاء والقواد وكبار رجال الإدارة الذين سيروا دفة الدولة.
والحق أن مثلهم العليا المنعكسة في الشعر والأدب سادت في عصرهم، وكانت أساس الحركة الفكرية في العصور الإسلامية. وان مجمعكم العتيد باستهدافه الحفاظ على لغة العرب، وتثبيتها في مختلف مجالات الحياة والفكر بقدر الامكان، إن هو في الحقيقة إلا يستهدف حفظ لغة أهل جزيرة العرب التي احتفظت أكثر من غيرها بالأصيل، وتأثرت أقل من غيرها بالدخيل. ولما علا صوت الأعاجم في الثقافة، وبدا أثرهم يظهر في حياة العرب ولغتهم، وتجلت الحاجة إلى معرفة الأصيل وتثبيته، لجأ أسلافكم من علماء اللغة والباحثين فيها إلى الصحراء، يستمدون منها المعرفة الصحيحة، فأخذوا يتتبعون العلم في منابعه والمعرفة من مصادرها.
ولا بد هنا من الاشارة إلى أمر أوقع الغافلين عنه في أخطاء فاضحة، وخلق في أذهانهم بلبلة محيرة، ألا وهو التنوع الكبير في أجزاء الجزيرة، والتبدل الذي تعرضت له. ولست أريد الدخول هنا في عرض أو مناقشة النظريات التي لقيت صدى في بعض الأوساط عن تبدل مناخ الجزيرة في التاريخ الموغل في القدم كما يقول الجغرافيون، أو قبيل الإسلام كما يرى (كايتاني) ومتابعوه، بل اقتصر على لفت النظر إلى التنوع في تركيب الأرض وأحوال
стр. 10
سطحها، ومدى توفر المياه والنباتات والمزروعات فيها، وما يتبع ذلك من تنوع في مظاهر الحضارة، وأثر ذلك في تنوع تفاصيل مظاهر الحياة واللغة.
لم تكن الجزيرة في تاريخها منعزلة عن أحداث البلاد المجاورة لها في الحياة السياسية أو الحضارية، فإذا تركنا الحديث عن صلاتها بالعالم قبل الاسلام، فإنها احتفظت منذ ظهور الاسلام بصلات وثيقة مع أقاليم العالم الاسلامي، بفضل العدد الكبير من أبنائها الذين ساهموا في الفتوح، وصاروا مقاتلة في الدولة، واستقروا في الأمصار، هذا بجانب العدد الكبير الذي كان يمر بها سنويا في طريقه إلى الحج، أو يستقر مقيما في مدنها المقدسة أو في مراكز الحياة الاقتصادية فيها. وأخيرا فإن صلة جزيرة العرب بما يجاورها ظلت وثيقة بفضل القوافل التجارية التي كانت تمر بها والمنتوجات التي كانت تصدرها.
وقد عرضها كل ذلك إلى تطورات كبيرة، وأوجد فيها أحوالا متبدلة.
فإذا كانت دراسة التنوع في الجزيرة ضرورية، فإن مراعاة التطورات الزمنية أمر أساسيّ لفهم أحوالها على وجه الصحة.
تكتسب دراسة أوضاع الجزيرة في صدر الاسلام أهمية خاصة، ففي هذه الفترة اعتنق أبناؤها الإسلام وقاتلوا من أجل تكوين وتوسيع وتثبيت دولة الاسلام، وساهموا في الفتوح والادارة، واعتزوا بلغتهم وثقافتهم وآدابهم وحضارتهم، ولما حاول بعض الأعاجم في الأمصار خاصة، تحدي هذه النظم والمفاخرة بتراث الأعاجم، انبرى عدد كبير يدافع عن البداوة وتراث الصحراء.
وشارك في هذا الدفاع الخلفاء والعلماء، فإنهم عرب ينحدرون من عالم كبير من علماء العربية، وقد عينوا لادارة أقاليم دولتهم وقيادة جيوشها رجالا أغلبهم من أقاربهم العباسيين، أي من العرب، وأودعوا تربية أولادهم لعلماء في العربية، وشجع الأولون جمع الشعر العربي البدوي، وقربوا علماءه
стр. 11
وأغدقوا على شعراء الجزيرة ومن ينسج على منوالهم العطاء بسخاء، وتمسكوا بالقرآن العربي ولم يسمحوا بترجمته، وكان في جندهم عدد من الأعراب، وفي حاشيتهم عدد من الأنصار وجماعة من العرب سموهم الصحابة، هذا فضلا عن أن جيشهم الخراساني كان أغلبه من عرب خراسان، وقواده من العرب. وأما العلماء فقد نشطوا لدراسة أحوال أهل الصحراء وتاريخهم ولغتهم وثقافتهم، وسعوا ما شاء لهم السعي في توخي الدقة والضبط فبرز في هذا العصر علماء أفذاذ وقفوا كالقمم الشامخة في الحركة الفكرية، واعتمد الناس على مؤلفاتهم فتناقلوها كلها أو بعضها. وقد أدى تقدير الناس انتاجهم إلى الاعتماد على ما كتبوه والاقتصار على النقل أو الشرح ويكفي لبيان مكانة علماء العصر العباسي الأول وأثرهم أن نشير إلى مكانة سيرة النبي ﷺ لابن اسحق، وكتاب سيبويه في النحو، وطبقات الصحابة لابن سعد، وأوزان الخليل في الشعر، والأنساب لابن الكلبي، وأيام العرب لابي عبيدة، ومؤلفات أبي مخنف، وعمر بن شبة والمدائني والهيثم بن عدى، في أحداث القرن الأول. تلك المؤلفات التي كان تقدير الناس لها سببا في سيطرتها على الفكر العربي قرونا عدة، وجعلت الباحثين يقتصرون على نسخ المؤلفات الأولى أو الاقتباس منها دون محاولة التأليف في مواضيعها حتى جاء القرن السادس الهجري.
لقيت جزيرة العرب من علماء العصر العباسي اهتماما كبيرا، فقد درس عدد من هؤلاء العلماء أحوال الجزيرة وأوضاعها، وألفوا فيها كتبا غير قليلة أورد ابن النديم في كتابه «الفهرست» أسماء عدد كبير منها، كما نقل نتفا منها عدد غير قليل من المؤلفين المتأخرين، وخاصة البكري في «معجم ما استعجم» وياقوت في «معجم البلدان» والسمهودي في «وفاء الوفاء».
ويمكن تصنيف هذه المؤلفات إلى صنفين رئيسيين، أولهما: بحوث محددة عن مواضيع خاصة، كالكلام عن عشيرة واحدة أو مكان واحد. وقد أوردت في الفصل الذي أضفته إلى ترجمة كتاب علم التاريخ عند المسلمين قائمة
стр. 12
بما ذكره ابن النديم من مؤلفات عربية في تواريخ مكة والمدينة، وأخبار العشائر المستوطنة في الجزيرة.
والصنف الثاني: كتب شاملة يبحث كل منها في عدة مواضيع، مثل كتاب النسب الكبير وكتاب اقتراق العرب لأبي المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي.
فأما الكتاب الثاني فهو في عداد المفقودات، ولكن ياقوتا الحموي وأبو عبيد البكري نقلا عنه نصوصا كثيرة، وبعضها طويلة، يظهر منها أن المؤلف بحث فيه تاريخ حركات وتنقلات العشائر العربية في جزيرة العرب قبيل الاسلام، وهو موضوع يشبه كتابا مفقودا أشار اليه ابن النديم لأبي الوزير عمر بن المطرف، أما كتاب النسب الكبير فقد كان عماد أغلب من تطرق إلى أنساب العرب، فقد نقل منه ابن اسحق في السيرة، وابن سعد في الطبقات، والسمعاني في الأنساب، وياقوت في معجم البلدان، وعدد كبير غيرهم، وإن نقل هذه المصادر المعتمدة عنه دليل على توثيقهم إياه وتقديرهم لعلمه.
ولا عبرة هنا في رأي ابن الحائك الهمداني الذي انتقد كتاب ابن الكلبي على أخطائه في الأنساب العليا والأسماء القديمة، ولم يعب الكتاب جملة، غير أن توثيق الثقات لما كتبه ابن الكلبي ينبغي أن يفهم ضمن نطاق بحثه، فإن ابن الكلبي بحث في كتاب النسب الكبير الوحدات القلبية والعشائرية وأشار إلى أبرز رجالها في الاسلام، وإلى خطط سكناها في الكوفة خاصة وبهذا يمكن القول أن هدفه الأول هو وصف الوحدات العشائرية في الكوفة ووضعها ضمن نطاق عشائر العرب عامة.
ولما كانت الكوفة موطنا لأكثر من مائة عشيرة من مختلف أنحاء الجزيرة، لذلك صار بحثه شاملا للجزيرة. وقد خص قريشا والأوس والخزرج بتفصيل يعادل ما لعشائر الكوفة، غير أنه لم يشر إلى خططهم، وذكر شجرات
стр. 13
أنسابهم ممدا بعضها إلى اسماعيل، وإلى هذه الشجرات الطويلة وجه ابن الحائك الهمداني انتقاده لابن الكلبي، غير أن أبا المنذر لم يتطرق قط إلى مواطن العشائر العربية في جزيرة العرب، ولا في خراسان ومصر وشمالي أفريقية والاندلس، ولم يذكر العلاقات بينها، أو تاريخها، كما لم يشر إلى مواقفها واتجاهاتها السياسية. والحق انك لا تظفر منه عن أحوال الجزيرة بمادة مغنية.
لقد بقي كتاب الأنساب في مخطوطتين احداهما في الاسكوريال والأخرى في لندن، وكل منهما ناقص، وتكملان بعضهما إلى حد كبير. كما بقي منه ملخص قام به ياقوت الحموي، ويستطيع المرء أخذ فكرة عن محتوى كتاب النسب من قراءة كتاب جمهرة الأنساب لابن حزم الذي يحتوي ما لا يقل عن ثمانين بالمئة من المادة التي في كتاب ابن الكلبي، حتى أنه يصح القول أن ابن حزم لخص كتاب ابن الكلبي مع اضافات عن الأندلس.
وقد نقل ياقوت من ابن الكلبي نصوصا كثيرة تتعلق بالجزيرة أخذ بعضها من كتاب الأصنام (١٦) ومن اشتقاق البلدان (٧١) ومن افتراق العرب (١١) ومن النسب (٢٨) ومن عجائب الدنيا (٤) بالاضافة إلى معلومات جغرافية وخاصة عن الحجاز (٢١) ومعلومات تاريخية (١١) ومن النسب (٢٨) وقد نقل البكري في أوائل كتاب معجم ما استعجم صفحات كثيرة عن كتاب افتراق العرب لابن الكلبي.
ذكر ابن النديم أسماء عدة كتب ألفت في جزيرة العرب، والبلدان:
منها جزيرة العرب، ومياه العرب للأصمعي (٨٢) والبلدان لأبي حنيفة الدينوري (١١٦) والمناهل والقرى للسكري (١١٧) ومنازل العرب وحدودها وأين كانت محلة قوم وإلى أين انتقل منها لعمر بن المطرف (١٨٤) والبلدان الكبير والصغير للبلاذري (١٦٤) والبلدان الكبير والصغير، وقسمة الأرضين، وأسواق العرب لابن الكلبي (١٤٢) هذا فضلا عن الكتب المؤلفة عن المدينة، وعن مكة، وعن العقيق. وقد عدد ياقوت «الذين قصدوا ذكر الأماكن العربية والمنازل البدوية فطبقة أهل الأدب، وهم أبو سعيد الأصمعي ظفرت
стр. 14
به رواية لابن دريد عن عبد الرحمن عن عمه، وأبو عبيد السكوني، والحسن ابن أحمد الهمداني له كتاب جزيرة العرب، وأبو الأشعث الكندي في جبال تهامة، وأبو سعيد السيرافي بلغني أن له كتابا في جزيرة العرب، وأبو محمد الأسود الغندجاني له كتاب في مياه العرب، وأبو زياد الكلابي ذكر في نوادره من ذلك قدرا صالحا وقفت على أكثره، ومحمد بن ادريس بن أبي حفصة وقفت له على كتاب سماه مناهل العرب».
وقد طبع من هذه المؤلفات كتاب الحسن الهمداني «صفة جزيرة العرب» وكذلك كتاب عرام بن الأصبغ السلمي الذي طبعه عبد السلام هارون ضمن مجموعة نوادر المخطوطات طبعة فيها مجال للتحسين إذا قورنت بما اقتطفه منها البكري في معجم ما استعجم. وياقوت في معجم البلدان والسمهودي في وفاء الوفاء. والكتاب يتناول المنطقة التي نسميها اليوم الحجاز، أي من جنوب الطائف إلى حرة بني سليم وإلى أطراف ينبع وإلى البحر. وقد بحثت بشيء من التفصيل عن هذه النصوص وعلاقة عرام بالسكوني وبأبي الأشعث الكندي في مقال نشرته في مجلة المجمع العلمي العراقي بعنوان «المؤلفات العربية عن المدينة والحجاز»
أما بقية هذه الكتب فمفقودة، غير أن بعضها بقيت منه نصوص كثيرة نقلها ياقوت في معجم البلدان، والبكري في معجم ما استعجم، وأهم من بقيت نصوص منه هو أبو عبيد السكوني، ومحمد بن عبد الله الأسدي، وأبو زياد الكلابي، ومحمد بن ادريس بن أبي حفصة، والأصمعي.
فأما السكوني والاسدي، فقد أفضت في الكلام عنهما في مقالي عن «المؤلفات العربية عن المدينة والحجاز» المذكور آنفا، ولذا اكتفى هنا باحالة من يريد الاستزادة إلى ذلك المقال.
فأما أبو زياد الكلابي فهو يزيد بن عبد الله بن الحر بن همام، من بني عبد الله
стр. 15
ابن كلاب، ذكر ابن النديم انه قدم بغداد ايام المهدي حين أصابت الناس المجاعة، ونزل قطيعة العباس بن محمد، فاقام أربعين سنة حتى مات، وقد ذكر له كتاب النوادر، وكتاب الفرق، وكتاب الابل، وكتاب خلق الإنسان (الفهرست ٧٣) ان أهم مؤلفات ابي زياد هي النوادر التي عندما الف علي بن حمزة البصري كتابه «التنبيهات على أخطاء الرواة» بدأ كتابه بنوادر ابي زياد وقال «وإنما بدأنا بها لشرف قدرها وسمو ذكرها ونباهة صيتها (ص ٨) وقد نقل عن أبي زياد كل من الزبيدي صاحب طبقات النحويين، والمرزوقي شارح ديوان الحماسة وابي الفرج الاصبهاني مؤلف الأغاني (٥/ ٢٧٦) والتوحيدي في البصائر والذخائر (٣٤) كما أشار اليه أبو عبيد في كتاب الأموال (٢٠٥). غير أن أوسع من نقل عنه هو ياقوت في معجمه.
يعتبر ياقوت أبا زياد الكلابي «من طبقة أهل الأدب الذين قصدوا إلى ذكر الأماكن العربية والمنازل البدوية، ذكر في نوادره من ذلك صدرا صالحا وقفت على أكثره» (١/ ٧) وقد كرر ياقوت اسم النوادر في ستة مواضع (١/ ٧، ٧٠١، ٢/ ٣٦٣، ٨٥٣، ٣/ ٣٢٤، ٤٧٦) ولكن كلام ياقوت صريح بانه لم يقف على كل النوادر أو ينقلها جميعا.
ولقد أورد ياقوت لأبي زياد شروحا لغوية (١/ ٦٨، ٣/ ١١٧، ٤/ ٨٥٢) وأشعارا بعضها من نظمه وبعضها من روايته (١/ ١٣٢، ٤٨٨، ٥٨١ ٢/ ٢٩٠، ٣/ ٣٩٣، ٤/ ٢٦٠، ١٠٠٧) ونقل عنه أيضا معلومات تاريخية ذات علاقة ببعض الأماكن كيوم خزاز، والشيصبان (؟) ويوم النشاش، كما نقل عنه أيضا وصف طريق مصدق بني كلاب ومحطات ذلك الطريق (٣/ ٧٣٤، ٤/ ٤٥٠، ٤٧١، ٥٥٦ وكذلك ١/ ٢٢٩) وأشار إلى بعض محطات الطرق امّرة (١/ ٣٦٢) وتربان ١/ ٨٣٣ والدبيل ٢/ ٨٧٦).
يتبين مما نقله ياقوت ان أبا زياد الكلابي تناول بالبحث اليمن، حيث نقل منه نصوصا عن الدثين، ومريع، ونجدان، وديار همدان. [نجد اليمن]
стр. 16
وتناول بالبحث أيضا اليمامة فذكر عدة أماكن فيها مثل: بلبول، حايل، والفرط، سعد، السلى، قو، ناضحة، والفلج، وبعض الأماكن فيه مثل حرم، والكظائم والزرنوق، والشطبتان، والغيل.
وتكلم أيضا عن حمى ضرية وذكر من أماكنه الجلهتان، الجنينة، الذنائب الريان، مهزول.
ان النصوص التي نقلها ياقوت عن أبي زياد الاعرابي حول هذه الأماكن لم يرد فيها معلومات عن لعشائر، وهذ ينطبق أيضا على ما نقله منه عن أماكن أخرى مثل التسرير، جرعاء مالك، والدبيل، ردينة، الستار، الصعيراء، القهر، نخلة، غرب، العارض، عرعر، العقوبان، العيكان، عريقية.
غير ان الاغلبية المطلقة للنصوص الكثيرة التي نقلها ياقوت عن أبي زياد الكلابي تتركز على العشائر ومواطنها، فاساس تنظيم معلوماته هو العشائر، أما الأماكن فقد جاء ذكرها تابعا، وينقل ياقوت: «قال أبو زياد وهو يذكر مياه غنى بن أعصر» .. (٢/ ٣٤٥) وهو دليل واضح أنه رتب كلامه على أساس العشائر.
يبدو مما نقله ياقوت أن أبا زياد اهتم بعشائر بني كلاب ومواطن سكناها، حيث نقل عن هذه العشائر نصوصا كثيرة: لبني أبي بكر (٢١)، وربيعة (١) ومالك (١) ووقاص (١) وبني عمرو بن كلاب (٢١) والعجلان من بني عامر (٨)، وجعفر بن كلاب (٦) ولكل من وبرة بن الأضبط وعبد الله مكانان، ولبني كلاب عامة (٣) والضباب (١١).
وقد نقل عنه نصوصا عن قبائل وعشائر أخرى: نمير (١٧) عقيل (١٣) غني (٧) قشير (٧) تميم (٥) سلول (٣) فزارة (٢) خديج (٢) ونصا واحدا عن كل من باهلة، كلب، عامر، ذويبة، بجيلة، خثعم، همدان، زبيد، كعب، سليم.
стр. 17
ويتبين من هذا أن أبا زياد الكلابي ركز معرفته على بني كلاب، ولكنه لم يقتصر عليهم بل شمل بحثه عشائر وأماكن أخرى، بشكل مقتضب لا نعلم فيما إذا كان مرجعه قلة ما روى عنهم أبو زياد أم إلى قلة ما نقله ياقوت.
أما محمد بن ادريس بن أبي حفصة فان كتابه هو مناهل العرب (ياقوت ١/ ٧) وقد اعتمد عليه ياقوت في أكثر من مائة وخمسين موضعا، وخاصة في كلامه عن اليمامة ومناهلها كما نقل عنه بعض النصوص المتعلقة بالبحرين وأماكنها (٢/ ٣٥٤) ٤/ ١٣، ٤:٤). ويبدو من هذه النصوص أن الحفصي فصل في وصف اليمامة وما فيها من أماكن، وبحث طرق المواصلات التي تربطها بالبصرة وبمكة.
ولم يذكر الحفصي من مصادره إلا الأصمعي حيث ذكر ياقوت «قال الحفصي عن الأصمعي بلاد باليمامة يقال لها الموفية، فيها نخيلات» (٤/ ٦٨٦) ويدل هذا النص على أن الحفصي كان مطلعا على كتاب الأصمعي، ويبدو أنه لم يكتف به بل أضاف اليه معلومات وتصويبات حملت ياقوت على الاعتماد عليه في وصف أماكن اليمامة، وإهمال الأصمعي في ذلك.
إن مكانة الأصمعي بين علماء اللغة ورواة أخبار العرب وأهل البادية أشهر من أن تحتاج إلى التنويه، وهي تخرج عن نطاق بحثنا الذي نحصره في دراسة كتابة جزيرة العرب، فقد ذكر هذا الكتاب للأصمعي من ترجم له، ونقل عنه ياقوت نصوصا كثيرة، كما نقل عنه الحفصي (٦٨٦،٤) ونصر بن عبد الرحمن أبو الفتح الاسكندري، والسمهودي.
وقبل أن نبحث هذا الكتاب نرى من المناسب أن نذكر مكانة الأصمعي عند البكري فان البكري ألف معجم ما استعجم وهو أقدم كتاب جغرافي في العربية مرتب على حروف المعجم وهو يبحث في الدرجة الأولى أماكن جزيرة العرب، وقد اعتمد على المؤلفين القدماء وخاصة من أهل اللغة، ونقل عن الأصمعي ١٥٠ نصا، منها ٨٦ منقولة عنه مباشرة والأخرى عن طريق
стр. 18
الاخفش (٣٢٣/ ٣٩٢) ومحمد بن حبيب (١٨١) وابن قتيبة (٢ - ١٦٤ - ٢١٠) وابي عمرو بن العلاء (٢١٨) وابي نصر (٦٢٠ - ٨٩٨ - ٩٩٩ - ١١٣٣) وعن طريق أبي حاتم ٤٢ نصا مباشرة الا ستة جاءت بطريق الزهري ٢٣٢ وابن دريد (٦٣٩ - ١٤٠٢) وابن الأنباري (٧٢٩ - ١٣٤٨) وعن رجاله (٣٩٥) ويشير أبو حاتم إلى انه قرأ على الاصمعي (٢٠) وقال الاصمعي (٨٢٨ - ١٣٣٧) ولكنه يذكر أحيانا: زعم الاصمعي. وتتناول روايات ابي حاتم أمورا لغوية وأشياء عن الشعر ويمكن تصنيف ما نقله البكري عن الاصمعي إلى ما يلي:
١) نصوص عن أماكن في بلاد الهلال الخصيب مثل طرسوس، عمواس، النهروان، دمشق، بغداد، سلوقية، درنى، السدير، دارين.
٢) تعريفات لغوية مثل: معنى قلهى، الاعراض، المناقب، عانات، معافر، الاربعا، اللقيطة، الدارة، الشرى، وكذلك النسبة إلى دراورد ودارا بجرد.
٣) نصوص تتعلق بالشعر وشرحه وقراءاته، وخاصة شعر ابي ذؤيب، وابن أحمر، وابن مقبل، واوس بن حجر، وامرئ القيس، والفقعسي، وساعدة بن جؤية، والمثقب العبدي، ومزرد، والنابغة، وبشر بن ابي خازم، ومزاحم، وسليك، والمتامس، وعمرو بن معدي كرب، ومتمم بن نويرة.
ومن هذا يتبين انه لم ينقل عن الأصمعي نصوصا تتعلق باماكن الجزيرة، ولعله لم يطلع على كتاب جزيرة العرب.
لقد كان ياقوت في معجمه أكثر المؤلفين القدماء نقلا عن الاصمعي، وقد اشار بصراحة إلى نقله عن الاصمعى في ثلاثمائة وخمسة وثلاثين نصا، منها ثلاثة وستون نصا يتعلق باللغة والشعر، وثلاثة وعشرون يتعلق بمكة وجبالها،
стр. 19
ومثل ذلك بعض البلدان وخاصة العراقية منها، وثمانية نصوص عن حكايات وأخبار هي ادخل في باب القصص.
ويتبين من ذلك انه اشار إلى نقله من الاصمعي في مواضع جزيرة العرب، بمائتين وثمانين نصا، فضلا عن نصوص أخرى نقلها عن الأصمعي دون أن يذكر مصدره.
وقد ذكر ياقوت انه نقل عن كتاب جزيرة العرب للاصمعي في احد عشر موضعا (١/ ١٥٢، ٣٥٥، ٦٦٧، ٢/ ١٨، ٢٦٠، ٥١٣، ٥٤١ ٦٩٠، ٨٠٢، ٤/ ٤٣٣) وذكر كتاب الاصمعي دون ان يسميه في أربعة عشر موضعا (٢/ ٢٦١ - ٢٨٠، ٣٥٠، ٥٠١، ٧٤٣، ٧٩١، ٨٢٢، ٣/ ٣٩ - ٢٧٢ - ٤٦٢ - ٥٠٨، ٤/ ٥١٤). كما ذكر النسخة التي اعتمدها مرتين حيث قال: والذي قرأته في كتاب جزيرة العرب الذي رواه ابن دريد عن عبد الرحمن عن عمه (٤/ ٧٤٦) في كتاب الاصمعي الذي رواه ابن دريد عن عبد الرحمن عن عمه (٤/ ٧٤٦) في كتاب الاصمعي الذي املاه ابن دريد عن عبد الرحمن عنه (٤/ ٨١٤).
فهو يقول:
«قال الاصمعي وهو يذكر منازل قيس بنجد فقال: واما أبو بكر بن كلاب» (٣ - ٧٠٦).
«قال الاصمعي وهو يذكر بلاد ابي بكر بن كلاب» (١ - ٦٦٧، ٢ - ٧٩٩، ٣ - ٤١٤).
«ذكر الاصمعي في كتاب جزيرة العرب مياه جعفر بن كلاب بنجد ثم قال .. » (٢ - ١٨، ٤ - ٥٧٣).
وفي كتاب الجزيرة للاصمعي يعدد منازل بني عقيل وعامر» (٣ - ٣٩٢).
«قال الاصمعي وهو يعدد جبال هذيل» (٣ - ٨٥٢، ٤ - ٣٤٥)
стр. 20
«قال الاصمعي في كتاب جزيرة العرب وذكر نواحى الطائف» (٣ - ٦٣٧).
«قال الاصمعي يعدد مياه نجد» (٣ - ٤٦١) «وقال الاصمعي في تحديد نجد» (٣ - ٦٢٣).
قال الاصمعي وهو يذكر نجدا (٢ - ٢٤٩).
قال الاصمعي وهو يذكر جبال مكة (٢ - ٧١٢، ٨٢٦) قال الاصمعي في كتاب جزيرة العرب وذكر مكة وما حولها (٣ - ١٠٤).
تكاد كافة النصوص التي نقلها ياقوت عن جزيرة العرب للاصمعي موجودة في مخطوطة نسخها العالم العراقي نعمان بن شهاب الدين الالوسي، وهي من المخطوطات التي تضمها مكتبة الاوقاف في بغداد، وقد نسخها المرحوم الاب انستاس ماري الكرملي والحقها بفهارس، وهي من مخطوطات مكتبة المتحف العراقي. أما مخطوطة الالوسي فتتكون من مائة وواحد وأربعين صحيفة بالقطع الصغير، نسخت سنة ١٢٩٩ هـ وقد نسبت في أولها الى لغدة الاصبهاني، وهو اعرابي ذكره ابن النديم من الاعراب الذين وفدوا إلى المدن واخذت عنهم اللغة ولكنه لم يشر هو ولا غيره إلى انه الف كتابا عن الجزيرة. وان تطابق النصوص الكثيرة التي نقلها ياقوت عن الاصمعي مع ما جاء في هذا المخطوط يحملنا على الاعتقاد بان الكتاب للاصمعي، ومما يؤيد هذا الاعتقاد ١ - مادة المخطوط منظمة على أساس العشائر ومواطنها، وهي تطابق اشارات ياقوت الى ان كتاب الاصمعي مرتب تبعا للعشائر وذكر ما لها من مياه وأماكن.
وقد علمت ان مخطوطة أخرى من كتاب لغدة لدى الزميل السيد حمد الجاسر لم أطلع عليها، وارجو ان أوافق في التعاون لطبعها، وسأقصر كلامي هنا على مخطوطة الالوسي.
لقد نقل ياقوت حرفيا تقريبا كل ما جاء في السبعين صحيفة الأولى من المخطوط، واشار في معظمها الى الاصمعي مصدرا لنقله، كما نقل منه نصوصا
стр. 21
كثيرة أخري دون أن يشير إلى مصدره، وهذا لا يصح اتخاذه دليلا ينقض نسبة الكتاب للاصمعي، لان ياقوت لم يلزم نفسه دائما بذكر مصادر معلوماته.
ويلاحظ ان النصف الثاني من المخطوطة يذكر أماكن كثيرة، وخاصة في اليمامة ومحطات الطريق منها إلى مكة والى البصرة، وطريق الحج، واماكن عشائر تميم في شرقي نجد وهي غير مذكورة في كتاب ياقوت. غير ان هذا لا يدل على أن الكتاب ليس للاصمعي، لأن ياقوت بالرغم من اعتماده الكبير على الاصمعي لم يقتصر عليه، فقد نقل أيضا عن عرام في الحجاز، وعن السيد علي في تهامة، وعن الحفصي في اليمامة. ولعل عدم نقله عن الاصمعي يرجع إلى ترجيحه هؤلاء المؤلفين في هذه المناطق الخاصة، علما بأنه اشار الى نقله عن الاصمعي عن طريق النص نصا موجودا في النصف الثاني من المخطوط.
وفي ياقوت نصوص غير قليلة منقولة عن الاصمعي وهي غير موجودة في مخطوطتنا وهي تشبه المواضيع التي تناولتها المخطوطة، فمثال ذلك كلامه عن جبال مكة الابيض (١ - ١٠٩) اجياد (١ - ١٣٩) الاخشبان (١ - ١٦٣) اظلم (١ - ٣١٣) الحجون (٢ - ٢١٥) الربائع (٢ - ٧٤٦) جبل شيبه (٢ - ٧١٢) رنقاء (٢ - ٨٢٦) الطود (٣ - ٦٥) السقيا (٣ - ١٠٤) وهو يشير بصراحة الى أنه أخذه من كتاب جزيرة العرب) الصابح (٣ - ٣٥٩) ضب (٣ - ٤٦٢) القابل (٤ - ٥) القرن (٤ - ٧٢) مقص (٤ - ٧٣) المأزم (٤ - ٣٩٢) مجنة (٤ - ٤٢٢) المحصب (٤ - ٤٢٦) المشرق (٤ - ٥٣٩) المفجر (٤ - ٥٨٦) مقص (٤ - ٦٠٧) نبهان (٤ - ٧٤٠) ياجج (٤ - ١٠٠١).
ان عدم وجود هذه النصوص في مخطوطتنا لا يصح ان يتخذ دليلا على ان الكتاب ليس للاصمعي، فان هذه النصوص قليلة اذا قورنت بالنصوص التي نقلها ياقوت عن الاصمعي وهي في صلب المخطوطة.
ولكن عدم وجود هذه النصوص في مخطوطتنا بالرغم صلتها
стр. 22
الوثقى بموضوع بحث المخطوط هو دليل على أن هذه المخطوطة لا تمثل كل الكتاب بل جزءا منه، ومما يؤيد نقص هذه المخطوطة اشتمالها على بعض الحجاز وبعض اليمامة وبعض وادي الرمة، وعلى نجد، فهي لا تبحث عن اليمن أو البحرين أو عمان ولا معظم الحجاز واليمامة ووادي الرمة، كما انها لا تتحدث عن تعريف جزيرة العرب وحدودها وأقسامها. يضاف إلى ذلك أنها تبدأ فجأة بالكلام عن ديار بني عقيل بشكل مفاجئ، مع العلم اننا لا نرى أي مبرر للابتداء بذكر ديار هذه العشيرة إلا الافتراض بأن المخطوطة ناقصة.
يتبين من المخطوط أن الكتاب مرتبة مادته تبعا للعشائر وفروعها، فهو يعدد العشائر ويذكر الفروع الصغرى لكل عشيرة، ومياهها ومواطن سكناها ويتبين من ثنايا كلامه أنه يصف الأحوال البشرية وتوزيع العشائر في زمنه، ولا يتطرق إلا نادرا جدا، إلى أمر التبدلات الماضية في مناطق سكناها، وهو يذكر فروعا كثيرة من العشائر، لا يرد ذكرها في كتاب النسب الكبير لابن الكلبي ومن تابعه، كما انه لا يذكر شجرات النسب، وقلما يشير إلى علاقات النسب بينها، فدراسته إذا يمكن اعتبارها واقعية تصف الأحوال السكانية القائمة في الصحراء في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري، ومن المعلوم أن توزيع العشائر ومناطق سكناها قد تعرض إلى تبدلات كثيرة بدليل اختلاف الصورة التي ترسم من هذا الكتاب عن الصورة التي يكونها الدارس من توزيع العشائر عند ظهور الاسلام، أو من كتاب صفة جزيرة العرب للهمداني.
يذكر المؤلف الأماكن التي كانت لكل فرع من فروع العشائر، سواء كانت مياها أو دارات. ويشير أيضا إلى المناجم، وخاصة مناجم الفضة والذهب التي خصها بصفحتين (١٢٩ - ١٣٠ المخطوطة) بالاضافة إلى الاشارات المتفرقة لها في ثنايا الكتاب. ومعلوماته عنها تختلف بعض الشيء عن المعلومات
стр. 23
التي قدمها الهمداني. وقد فصل في تعداد أماكن سكنى كل فرع، ولما كان بحثه يدور حول سكنى العشائر، وأن كثيرا من العشائر كان كل منها يسكن أماكن متباعدة، فإن معلوماته الجغرافية مرتبة تبعا للسكان لا للمكان.
فهو بهذا يختلف عن السكوني الذي يظهر مما نقل عنه البكري انه كان يهتم بوصف الأماكن وينظم مادته على أساس ذلك، ويذكر العشائر تبعا لهذا التنظيم، ويختلف أيضا عن تنظيم مؤلفي المعاجم الذين يتبعون التسلسل الأبجدي في ذكر أماكن الجزيرة. ومن الطبيعي أنه يختلف أساسيا عن أصحاب المسالك والممالك والرحالين الذين يهتمون بوصف المدن وما يقع على طرق المواصلات دون التركيز على مواطن العشائر. حقا إنه قد وصف الطرق ومحطاتها بين اليمامة والبصرة (١٠٢ - ١١٠) وذكر عدد كبيرا من محطات هذه الطرق وأشار إلى العشائر بين حجر ومكة (١٢٣ - ١٢٧) وذكر عددا كبيرا من محطات هذه الطرق وأشار إلى العشائر المستوطنة فيها، ولكنه لم يصف أيا منها، ما عدا إشارته إلى أهمية حجر وأعمال اليمامة (١١٠).
لقد اهتم المؤلف بعشائر جزيرة العرب ومواطن سكناها فيها، فهو ليس كتاب نسب ولا هو شامل لكل عشائر العرب، فقد أهمل تماما العشائر العربية التي استوطنت الأمصار الإسلامية، وحتى التي استوطنت مدن الجزيرة، ولم يشر إليها، بل انه ذهب إلى أبعد من ذلك حيث روى كثيرا من الأشعار التي يعبر فيها ناطقوها عن شوقهم إلى الصحراء وحنينهم إلى مواطنهم الاصلية في الصحراء، وتذمرهم من سكنى يلاد الشام والعراق، فهو يقدم مادة دسمة لمن يريد دراسة شاملة لموقف البدو من الحضر ومن بعض ما قامت به الدولة في القرن الأول الهجري.
وقد استشهد بأكثر من مائة وخمسين بيتا من الشعر تعبر كلها عن نفسية ومواقف واتجاهات أهل البادية المقيمين في الصحراء، واورد اسماء كثير من
стр. 24
ناظمي هذه الأشعار، فأبان صورة عن الحركة الادبية في الصحراء.
وقد اشار إلى بعض المراكز الادارية، والأماكن التي فيها منابر، غير انه لم يشر إلى التقسيمات الادارية، ولم يتطرق إلى ذكر الادارة واحوالها، علما بأنه تناول تقسيم جزيرة العرب على أسس جغرافية، فذكر تهامة والحجاز ونجد، وقد تناقل المتأخرون تقسيمه، وهو أوضح من التقسيمات التي رتبها غيره.
وقد قصر بحثه على الأحوال القائمة للعشائر، فلم يذكر تاريخ أية عشيرة ودورها التاريخي ولم يشر إلى رجالها البارزين، كما فعل أبو عبيدة في أيام العرب، أو ابن الكلبي ومصعب الزبيري في كتابيهما عن النسب. فبحث الاصمعي قائم على الجماعات لا الافراد، وعلى الحاضر دون الماضي وعلى الاوضاع الطبيعية دون الادارية، وعلى الجغرافية الطبيعية دون غيرها، فهو لم يهتم بذكر النباتات والمزروعات أو قيام الصناعات أو تطورات الحضارة التي نمت في الجزيرة على أثر الفتوح الاسلامة. وقد تجاهل وصف مدن الجزيرة وأهلها تماما، الا مكة حيث فصل إلى حد ما في ذكر جبالها، وليس في ذكر اهلها.
وقد تناول بحثه مواطن عقيل، والمنتفق، وخفاجة، وعامر، وخويلد وربيعة، ومعاوية وعوف ابني ربيعة، وانسان وجشم ونصر بني معاوية، ودهمان، وعصيمة، وجذيمة، وهذيل، وفهم، وعدوان، وكنانة، والدئل وعمرو بن الحارث، وزليفة، وثقيف، وأسد، ومرة، ووهب، وبرثن، ووالبه، وحشر، وعبس، واعيى، ونعامة، وأنيف، والهذيم، وجحوان، بني قعين، وسعد بن الحارث، والاشعر، وطيء، ونمير، وربيعة، واعيار وعبد الله بن غطفان، وفزارة، وغنى: وغاضرة، وضبينة، وعميلة، والضباب، وجعفر، ولقيطة وقواله، والضباب، وأبو بكر، والاضبط وكعب بن عبد الله، وزنبل، وعمرو بن قريط، وربيعة بن عبد الله، وعوف ابن عبد الله، والاراسه، وعامر، وسليم، وباهله، وسلول، وكلاب، وفزاره، والاضبط، وبرقان، ووقاص، وزرعه، وسعد بن
стр. 25
زيد، وكعب بن ربيعة، ومحارب ومزينة، وحرام بن جشم، ووهب، ووهبان، وواهب وجعدة والحريش، وهزان، ومعاوية وسلمة ابني قشير، وبلقين، وعبد الله وعمرو ومالك وكعب يني جندب، وكعب ومالك بني العنبر، وعدى، والرباب التيم، وحمان، وحنيفة، وضبة، والهجيم، والصيداء والسبيع، وامرئ القيس، وعضل، وثور، وسليط، وبكر وثعلبة ومبذول بني سعد بن ضبه، وعبد الله، وحويزة، وعمرو بن نميم، وعبد الله ونهشل ومناف وربيعة بن مالك بني دارم، وكعب وجندب بني العنبر، وتميم، وحميس، والفقيم، وحرماز وسعد بن زيد مناة، وامرئ القيس.
وهذه العشائر غير منسقة، فقد تذكر العشيرة اكثر من مرة وفي أكثر من صحيفة.
والكتاب واضح في تعابيره، بسيطة جمله، مألوفة كلماته، مركز خال من الحشو والتكرار، يذكر أحيانا مصادره التي استقى منها معلوماته، وهي أسماء أشخاص ينتمون في الغالب إلى العشيرة التي يذكر مواطنها ومياهها، ولا يذكر شيئا عن حياة هؤلاء الرواة وثقافتهم، وأكثر ما نقل عنه ثمالية عشر نصا، كما نقل عن أبي الورد العقيلي وعن عمارة وعن دعامة بن ثامل والغنوى، والفزاري، وحميد، وأبي مهدي، وأبي الأزهر، والتيمي، والتميمي، وأبي المسلم، وأبي المجيب، وأبي جعفر، وأبي مهذب.
وقد ذكر أسماء عدد من الشعراء مثل أبي ذؤيب، والسعدي، والعقيلي، والثقفي، وأبي عمر، والكميت، ورويشد الأسدي، والحشري، ومعاوية النصري، والفقعسي، ومحمد بن عبد الملك الفقعسي، وهديلة بن سماعة، وعباس النصري، وسوار بن الهذيم.
ليس في المخطوطة ما يدل على سنة تأليفه، ولا في الكتاب ما يشير إلى ذلك، ولا إلى الدافع لتأليفه، ولكننا نعلم أن الأصمعي عاش في أوائل العصر
стр. 26
العباسي، عندما تثبتت أركان الدولة العباسية الجديدة، وتمتع الموالي والأعاجم وأهل الحضر بالحرية التي فسحت لهم مجال التعببر عن مشاعرهم ومثلهم في الحياة، وقد استغل البعض هذه الحرية واندفعوا يتهجمون على المثل العربية الصحراوية مما يهدد مكانة العرب، وقد يهدد مكانة الاسلام، كل هذا في زمن كانت الجزيرة قد استنزفت طاقاتها البشرية فلم تمد الدولة بنفس العدد الكبير من المقاتلة؛ وقد أدرك كثير من العرب ومؤيديهم والمعجبين بهم خطر هذا الوضع الجديد فحاولوا إيقاف أثره وإبراز تراث جزيرة العرب، فاهتم الخلفاء العباسيون - وهم عرب - بالتراث العربي الصحراوي، وأظهروا حبهم لشعر أهل الصحراء، وأغدقوا على شعراء الصحراء الهبات، وجعلوا مؤدبي أولادهم من العلماء بثقافة جزيرة العرب، وعملوا على ترجمة الكتب إلى العربية لدفع العلماء على الاستغناء عن غير العربية، وشجعوا دراسة تراث الجزيرة ولغتها وآدابها، فظهرت المفضليات والمختارات ومجاميع الشعر العربي القديم، واهتم عدد من العلماء بتسجيل ثقافة عرب الصحراء واتصلوا بالوافدين منها، ورحلوا إليها ليستمدوا معلوماتهم من المقيمين بها. وقد كانت ثمرة ذلك ثروة ضخمة غنية في كثير من ميادين المعرفة، ومنها الاهتمام بقبائل العرب ومواطنها وتاريخها.
في هذا الجو العلمي ألف الأصمعي كتابه عن جزيرة العرب، مركزا اهتمامه بوصف ديار كل عشيرة كانت قائمة، ومواطنها. فهدفه محدد واضح، وهو ينسجم مع تأليف الكتب آنذاك، حيث كان لكل كتاب هدف محدد معين، يمثل جانبا من ثقافة المؤلف، ولا يمثل نظرته، إذ ان نظرة المؤلف تتجلى في جملة ما يكتب، وقد كتب الأصمعي كتبا أخرى عن جوانب أخرى من حياة الجزيرة وأهلها.
صالح أحمد العلي
стр. 27
ليس هذا الكتاب للأصمعي
لعلماء بغداد من أهلها ومن الوافدين عليها عناية جيدة بهذا الكتاب الذي تحدث عنه الدكتور صالح أحمد العلي هذا الحديث الذي كان شاملا ومستوفيا لوصف الكتاب ومتضمنا معلومات قيمة عن كتاب «جزيرة العرب» للأصمعي الذي حسبه الدكتور هذا الكتاب الذي تحدث عنه. إن من عناية علماء بغداد، اننا لا نجد بين أيدينا الآن أصلا لهذا الكتاب إلا ما جاءنا عن طريقهم، ولم نكن نعرف شيئا عنه لو لم يذكروه في مؤلفاتهم، أو يتحدثوا عنه في محاضراتهم.
١ - إن أقدم نسخة وصلت إلينا هي النسخة التي كتبها العالم البغدادي المحقق نعمان بن شهاب الدين الألوسي، وهي النسخة المحفوظة في خزانة الأوقاف في بغداد والمخطوطة سنة ١٢٩٩ هـ.
٢ - وعن هذه النسخة فيما ظهر لنا نقل علامة العراق الأستاذ محمود شكري الألوسي ابن أخ السيد نعمان المتقدم ذكره، نقل نسخة فرغ من كتابتها في سنة ١٢٩٩ هـ أي في السنة التي كتب فيها السيد نعمان نسخته، والفرق بين تاريخ كتابة النسختين هما شهر وستة أيام وفي إحدى هوامش نسخة السيد نعمان تعليقة بخط السيد محمود تدل على اطلاعه عليها.
ونسخة السيد محمود مما تزدان به خزانة صديقنا العالم الجليل عباس العزاوي.
стр. 28
٣ - وفي الكتب التي آلت إلى مكتبة الآثار العراقية من كتب العلامة الأب انستاس ماري الكرملي، نسخة ثالثة كانت للاستاذ سليمان الدخيل النجدي ثم البغدادي، وقد كتب في مقدمتها ما هذا نصه، بلفظه: (تنبيه:
عندما جليت عن العراق خوفا من أن أقع بشبكة الاتحاديين الني كانت تفتك يومها برجال العرب ذهبت إلى بلاد أمير شمر الأمير سعود بن عبد العزيز الرشيد ومن هناك توجهت إلى المدينة المنورة، فزرت عدة مكتبات فيها ومن هذه المكتبات مكتبة داود باشا والي العراق في زمن مضى فاستنسخت منها عدة كتب ثمينة منها هذا الكتاب تأليف العلامة أبي (؟) لغدة الأصبهاني، فلما عرضت النسخة على استاذي المرحوم السيد محمود شكري الألوسي المتوفي سنة [١٣٤٢] هـ، أخذها مني واستنسخها وأعطاني هذه النسخة التي قابلها على ما ورد في كتب اللغة فجاءت صحيحة أو أصح من كل نسخة، ففضلت الاحتفاظ بهذه لكونها نسخة صحيحة ولكونها تمتاز بأنها مصححة على استاذي المرحوم السيد محمود شكري الألوسي ﵀ وطيب ثراه وأسكنه في دار جنته ورضاه - سليمان الدخيل).
وهذه النسخة التي تحدث عنها مخطوطة في جمادى الآخرة سنة ١٣٣٦ هـ بقلم عبد الرزاق السعداوي من محلة الشيخ الكيلاني في بغداد.
ومما ينبغي ملاحظته أن الاستاذ الدخيل - والله يعفو عنه - كان يظهر كتبه بمظهر الندرة عندما يعرضها على الأب انستاس لشرائها، وقد وقع له من هذا القبيل عندما باع على الأب جزءا من تاريخ نجد لابن غنام، كما يدل على هذا ما سجله الأب الكرملي في طرة تلك النسخة مما يدل على طيب قلبه.
٤ - وأضيفت إلى مكتبة الأوقاف ببغداد نسخة كتبها السيد حسن الانكرلي من هذا الكتاب وتاريخ كتابتها ٦ ربيع الأول سنة ١٣٠٥ هـ، ويرى صديقنا الاستاذ عباس العزاوي أنها منقولة عن النسخة الألوسية.
стр. 29
٥ - وهناك نسخة مخطوطة في ١٤ شعبان ١٣١٣ هـ وكانت من كتب الشيخ ابراهيم بن صالح بن عيسى أحد علماء نجد، وهذا العالم له صلة قوية بالسيد محمود شكري الألوسي ويظهر أنه استنسخ هذه النسخة عن نسخته، وأن ناسخها هو السيد محمد سعيد ابن السيد مال الله التكريتي لأن كتابة هذه النسخة تشابه إلى حد كبير كتاب «شرح منظومة عمود النسب في أنساب العرب» الذي ألفه السيد الألوسي في سنة ١٣٣٦ هـ والموجود في مكتبة الآثار العراقية.
وهذه النسخة يوجد أصلها لدى الشيخ محمد بن حمد بن فارس - توفى ﵀ في عام ١٣٨٧ - في الرياض.
إذن هذه النسخ التي تقدم ذكرها - وهي كل ما نعرف من مخطوطات هذا الكتاب - ترجع إلى أصل بغدادي هو نسخة السيد نعمان عم السيد محمود، أو عن نسخة السيد محمود نفسه.
هذا طرف من عناية علماء بغداد بهذا الكتاب أما الطرف الثاني فهو ما ستأتي الإشارة إليه.
ومن ذلك ما نقله السيد محمود شكري الألوسي ﵀ في كتابيه «بلوغ الارب» و «تاريخ نجد» ولكنه ﵀ سمى المؤلف أبا لغدة وسيأتي كلامه.
وقام الأديب النجدي ثم البغدادي سليمان الدخيل بوضع سبعة فهارس لنسخته الموجودة في مكتبة الآثار، ففي الصفحة ١٨٧ منها ما هذا نصه:
بعد أن صححت هذا الكتاب على المرحوم الأستاذ السيد محمود شكري الألوسي وضعت له الفهارس الآتية:
١ - فهرس في الأمكنة والبقاع الوارد ذكرها في هذا الكتاب.
٢ - «في ذكر القبائل والبطون والافخاذ.
стр. 30
٣ - «في أسماء الجبال.
٤ - «في أسماء الموارد والمياه.
٥ - «في الأودية والشعاب.
٦ - تعريفات عن أسماء تجري في بلاد العرب مما جاء ذكره في هذا الكتاب.
٧ - صفات لبقاع الأرض في جزيرة العرب.
وتقع هذه الفهارس من صفحة ١٠٠ إلى ١٨٧ من نسخته.
فهذا طرف ثان من أطراف العناية بهذا الكتاب.
ونشرت «مجلة المجمع العلمي العراقي» في جزئها الأول الصادر في ذي القعدة سنة ١٣٦٩ «أيلول ١٩٥٠» مقالا جاء في سبع صفحات بعنوان: (أقدم مخطوط وصل إلينا عن بلاد العرب) للعلامة الجليل الأستاذ محمد رضا الشبيبي ﵀، وصف الكتاب وصفا وافيا وإن كان غير دقيق وذكر مؤلفه لغدة الأصبهاني.
وأشارت مجلة المجمع العلمي في العدد نفسه، إلى أن المجمع العلمي العراقي سيقوم بطبع الكتاب بتحقيق المغفور له الشبيبي.
وسبق للشبيبي ﵀، أنه ألقى محاضرة عن هذا الكتاب على طلبة دار العلوم بمصر وهي ما نشره فيما بعد في مجلة المجمع العلمي العراقي.
ثم يأتي دور الاستاذ الدكتور صالح أحمد العلي صاحب هذا البحث الممتع، بل الدراسة الكاملة عن هذا الكتاب مما يدل على عمق ادراك وعناية قد تفوق ما بذل نحوه من اهتمام.
وأنا حينما أحاول التعليق على بعض ملاحظات أبداها الدكتور، برأي قد لا يتفق مع رأيه فليس هذا مما يقلل قيمة آرائه الصائبة، وليس هذا مما يحمل على الاعتقاد بأن ما ذكرته كله هو حق، وإنما أردت من وراء ذلك مجرد البحث للوصول إلى الحقيقة.
стр. 31
ولقد عنيت بدراسة الكتاب منذ أمد طويل وأذكر أن الدكتور محمد أسعد طلس ﵀، أشار في كلمة علق بها على إحدى مقالاته عن ابن جني تلك المقالات التي نشرتها «مجلة المجمع العلمي (١) العربي» بدمشق قبل عشر سنوات، أشار إلى أنني قمت بتحقيق الكتاب تهيئة لنشره، وأذكر أيضا انني قبل عشر سنوات نشرت في «مجلة التمدن الاسلامي» التي تصدر بدمشق مقالا عن الكتاب، حاولت فيه أن أبيّن اسم المؤلف، الذي أعتقد أنه هو مؤلفه.
ولقد كان من عنايتي به، انني سافرت من نجد إلى بغداد لا لشيء إلا لكي أطلع على نسخة السيد محمود شكري الألوسي ﵀، وتم لي ذلك بمساعدة الصديق الكريم الأستاذ عباس العزاوي الذي يملك تلك النسخة، وأمضيت معه لييلات من أطيب لييلات العمر، نقابل النسختين نسختي التي صورتها عن النسخة النجدية ونسخته، كنا نجتمع في قهوة «بلقيس» في شارع أبي نواس على شاطئ دجلة الفيحاء، في كثير من الأوقات وفي بعضها كان - أكرمه الله - يذهب بنا إلى بيته لنمتع الجسم والروح بما في ذلك البيت من فضل وعلم، وليتحفني باطلاعي على نفائس المخطوطات في خزانة كتبه القيمة.
لقد أدركت من دراستي لهذا الكتاب أنه ليس من تأليف الأصمعي، وإن حوى قدرا كبيرا من كتابه عن بلاد العرب، ذلك القدر الذي نجده في معجم الأدباء لياقوت منسوبا إلى الأصمعي، وياقوت الحموي صرح في مواضع من كتابه بأنه اطلع على كتاب «جزيرة العرب» للأصمعي برواية ابن أخيه عبد الرحمن، رواه عنه ابن دريد، ومن الغريب أننا لا نجد أثرا لهذا الكتاب في مؤلفات ابن دريد التي وصلت إلينا، والتي تحوي الكثير من أقوال الأصمعي.
_________
(١) «مجلة المجمع» م ٣١ ص ٦٣٥ سنة ١٣٧٦ هـ/ ١٩٥٦ م.
стр. 32
إن اتفاق كثير من عبارات الكتاب ونصوصه مع ما أورده ياقوت في معجمه منسوبا إلى الأصمعي، حمل بعض الباحثين على نسبة الكتاب للأصمعي، ومن أسباب ذلك أن النسختين النعمانية والنجدية ليس في طرتيهما اسم المؤلف، وكثيرا ما يسهو الناسخ فيهمل كتابة اسم مؤلف الكتاب في طرته. كما يهمل كتابة اسم الكتاب نفسه، وهذا ما حدث بالنسبة لكتابنا الذي نتحدث عنه في كثير من النسخ التي وصلت إلينا.
وممن نسب الكتاب إلى الأصمعي من الباحثين المتأخرين الاستاذ رشدي الصالح ملحس، الذي توفي منذ بضع سنوات، فقد اطلع على النسخة النجدية فصورها ودرسها وأعلن بأنه قام بتحقيقها لتهيئتها للنشر وقد جرى بيني وبينه حديث حولها، إلا أنه صمم على نسبة ذلك الكتاب للأصمعي.
إن الدارس لهذا الكتاب يدرك أنه وإن تضمن نصوصا كثيرة من النصوص التي نقلها ياقوت إلا أنه يجد نصوصا أخرى، منها يستدل على أن الكتاب في مجموعه ليس للأصمعي.
وهذه النصوص منها ما نسب إلى رواة متأخرين عن عهد الأصمعي، ومنها ما لم نجد له ذكرا في معجم ياقوت وهو من الكثرة بدرجة تحمل على القول بأنه لو كان في كتاب «جزيرة العرب» للأصمعي، لما فات ياقوت ذكره.
وهناك نصوص من غير المعقول أن تكون للأصمعي، كالرجز الذي في هجاء قبيلة باهلة من فروع قبيلة الأصمعي نفسه، وسنورده فيما بعد.
١ - فمن الرواة الذين ورد ذكرهم في الكتاب ابن الاعرابي، وابن الاعرابي هذا عالم لغوي من كبار علماء الكوفة ولد سنة ١٥٠ هـ وتوفي سنة ٢٣١ هـ وهو من معاصري الأصمعي، وجرى بينهما ما يجري بين المتعاصرين من خلاف، ولهذا فمن المستبعد أن ينقل عنه الأصمعي، إذ هو أعلم منه.
стр. 33
ونجد في كتاب «مجالس العلماء» (١) للزجاجي: «قال ابن الأعرابي:
لو كان عند الأصمعي شيء مما أحتاج إليه، ما تركته، وأنا أكتب عمن هو دونه.
لقد حضرته يوما فسئل عن القعّاد في قول العجاج: فقد أراني أصل القعّاد، فقال: النساء. فقلت هذا خطأ، إنما يقال في جمع النساء القواعد.
ويقال في جمع الرجال القعاد. كما يقال: راكب وركاب، وضارب وضرّاب، ولو احتج بقول القطاميّ لكان مثبتا لقوله، ولكنه لم يفهم، قال القطامي:
أبصارهنّ إلى الشبان مائلة … وقد أراهنّ عني غير صدّاد
وقال أبو الطيب اللغوي في «مراتب النحويين» (٢) (وحدثت عن آخر انه روى مناظرة جرت بين ابن الأعرابي والأصمعي، وهما ما اجتمعا قط، وابن الأعرابي بازاء غلمان الأصمعي، وإنما كان يرد عليه بعده).
٢ - ونجد في الكتاب نقولا عن عمارة ابن عقيل - ص ٥ - وعمارة هذا متأخر عن الأصمعي، فقد أدرك أيام الواثق الذي ولي الخلافة فيما بين سنتي ٣٢٧ و ٢٣٢ هـ.
والذين يروون عن عمارة، هم تلاميذ الأصمعي.
٣ - وورد في الكتاب شعر لناهض بن ثومة الكلابي - ص ١٥١ - وناهض هذا متأخر عن زمن الأصمعي، كان يفد إلى البصرة وتؤخذ عنه اللغة، وممن روى عنه الرياشي المتوفي ٢٥٧ هـ وهو من تلاميذ الأصمعي، وناهض معاصر لعمارة بن عقيل.
_________
(١) ص ٣٧٤.
(٢) ص ٩ النسخة التيمورية بدار الكتب المصرية
стр. 34
ونجد نصوصا في الكتاب عندما تورد قولا للأصمعي تعقب عليه بأقوال أخرى، مما يدل على أن المؤلف نقل للأصمعي ونقل لغيره، وهذا مما لا يتسع المجال لإيراد الأدلة عليه.
٥ - الأصمعي كما هو معروف باهلي النسب ونجد في الكتاب - ص ٩٦ - رجزا في هجو باهلة.
وليس من المعقول أن يورد الأصمعي مثل هذا الرجز في هجاء قبيلة يجتمع معها في النسب القريب، ولا يستبعد أن يكون أبو الأزهر راوي هذا الرجز متأخرا عن زمن الأصمعي.
٦ - أما المواضع الكثيرة التي أورد الكتاب أسماءها مما لا نجد لها ذكرا في معجم البلدان لياقوت الذي نقل ما وصل الينا من نصوص كتاب الأصمعي فان هذه المواضع تفوت الحصر.
٧ - إن القول بأن الأصمعي مؤلف هذا الكتاب، يقوم على أساس واحد هو نسبة كثير من النصوص الواردة فيه إلى الأصمعي في «معجم البلدان» ومؤلف المعجم نصّ على أن كتاب الأصمعي عن «جزيرة العرب» أو «مياه العرب» وصل اليه برواية ابن دريد، عن عبد الرحمن بن أخي الأصمعي، عن عمه الأصمعي، وهو في بعض النقول ينسبها الى كتاب «جزيرة العرب» وقد ينسب نقولا أخرى الى هذا الكتاب، لا نجدها في كتابنا هذا، فهل نجد أحدا من المتقدمين نسب إلى الأصمعي ما نسب ياقوت إليه من هذا الكتاب؟
لنرجع أولا إلى مؤلفات ابن دريد التي وصلت الينا ككتاب «جمهرة اللغة» وكتاب «الاشتقاق». ففي الأول يورد طائفة كبيرة من أسماء المواضع، بدون تحديد، وفي كتابنا أسماء مواضع على درجة من الغرابة تستدعي ذكرها في كتب اللغة، مما لا نجد له ذكرا في كتاب «الجمهرة» ولا
стр. 35
غيره. وفي الكتاب أيضا أسماء أعلام غريبة تدخل في نطاق كتاب «الاشتقاق» ولكن ابن دريد لم يذكرها فيه، فكيف يكون هذا وهو قد روى الكتاب وعرفه؟
إن الباحث ازاء هذا يعتريه الشك حيال ما ذكره ياقوت.
ثم كيف يؤلف الأصمعي كتابا عن «جزيرة العرب» وهو العليم بحدودها وأقطارها وأقاليمها، ثم لا يذكر في هذا الكتاب سوى مواطن القبائل التي تسكن وسطها، من نجد، واطراف الحجاز الشرقية القريبة منه، ويهمل القسم الجنوبي من الجزيرة الذي تسكنه معظم القبائل القحطانية، بحيث يصح القول بأن هذا الكتاب خصص لبيان منازل القبائل العدنانية مع إشارات موجزة إلى من يجاورها من القبائل في الشمال أو الجنوب؟
قد يقال بأن هذا هو كتاب «مياه العرب» للاصمعي وأن ياقوتا ﵀ كثيرا ما تشتبه عليه اسماء الكتب، فيسمى الكتاب الواحد باسماء مختلفة، وهذا القول أقرب إلى الصواب من القول بان هذا الكتاب هو «جزيرة العرب» ولكنه لا يصح أساسا للحكم بأنه كله من تأليف الأصمعي، لما سبق ذكره، ولما سنوضحه.
٨ - إننا نجد نصوصا كثيرة من نصوص هذا الكتاب في مؤلف آخر غير «معجم البلدان»، ومن هذه النصوص ما لا نجده في «المعجم» هذا المؤلف هو «كتاب الأمكنة والمياه والجبال والآثار، ونحوها، المذكورة في الأخبار والأشعار» تأليف أبي الفتح نصر بن عبد الرحمن الاسكندري، الذي توجد نسخته المخطوطة الفريدة - فيما نعلم - في (المتحف البريطاني) (١).
ونصر في كتابه هذا قد نقل عن الأصمعي في مواضع منها: أراك -
_________
(١) أنظر وصفا لهذا الكتاب في مجلة «العرب» ص ٣١٢ وما بعدها - السنة الأولى.
стр. 36
البحرين - النسار - ولكنه لم ينسب ما نجده في هذا الكتاب إلى الأصمعي، فكيف هذا وقد نسب إليه ما لم نجده في كتابنا هذا؟
ولا يتسع المجال لإيراد النصوص الكثيرة التي أوردها نصر، مما نجده في هذا الكتاب، ولا نجده في «معجم البلدان» ولا غيره.
وهذا مما يحمل على الشك في نسبة الكتاب إلى الأصمعي.
٩ - وعالم آخر هو الزمخشري المعروف، صاحب كتاب «الجبال والأمكنة والمياه» (١) المطبوع مرارا، فقد نقل عن هذا الكتاب معلومات كثيرة، ولم ينسب شيئا منها إلى الاصمعي مع نسبته أقوالا غيرها له. وعند تتبع ما أورده من الاسماء يلاحظ أنه كان اطلع على نسخة منه، بحيث أن بعض الاسماء ترد مرتبة حسب ترتيبها في هذا الكتاب. فكيف يعلل هذا؟!
لا شك أن المعلومات التي يتضمنها هذا الكتاب قد أثرت عن رواة من الاعراب من معاصرين للأصمعي، وممن جاؤوا بعد عصره، ومنهم من قد يكون الاصمعي روى عنه أو اجتمع به، وقد يكون في بعض كتبه من معلوماتهم ما هو في هذا الكتاب، فجاء عالم متأخر عن عصر الاصمعي فجمع تلك المعلومات، وأضاف إليها ما استطاع إضافته، وقد يكون هذا العالم هو الاصفهاني لغدة، فلما جاء الاسكندري والزمخشري وغيرهما رأوا أن هذه النصوص منسوبة إلى أعراب متقدمين، وأن عمل الاصمعي أو غيره لا يعدو مجرّد الجمع، فاستفادوا من تلك المعلومات، ولم يجدوا الحاجة داعية إلى معرفة الجامع الاول لها، فأوردوها في كتبهم، وقد يكون القسم الاوفر منها منسوبا إلى الاصمعي، في إحدى مؤلفاته، وعلى هذا حكم ياقوت الحموي بأنها من جمع الأصمعي وتأليفه، معتمدا على وصول أحد مؤلفات الأصمعي
_________
(١) أنظر بحثا ممتعا عن هذا الكتاب للدكتور ابراهيم السامرائي رئيس قسم اللغة العربية في كلية الآداب (جامعة بغداد) ص ١١٤ مجلة «العرب» السنة الأولى.
стр. 37
اليه برواية ابن أخي الاصمعي، بطريق ابن دريد، الذي لا نرى له أثرا يمكننا من الجزم به ياقوت من كونه من رواته، فيما وصل الينا من مؤلفاته.
وأيا كان الأمر، فالكتاب - كما قلنا فيما تقدم - أثر قديم من آثارنا التى ليس للأصمعي ولا لغيره من الرواة فيه إلا مجرد التدوين، مما لا يؤثر في القيمة التي يتوخاها كل باحث.
من تأليف لغدة الأصفهاني
المعلومات التي في هذا الكتاب - هي كما قلنا - منقولة عن أناس من الاعراب، من سكان الجزيرة نفسها، جمعت جمعا لا أثر فيه لمن عداهم، فقد يكون الأصمعي وآخرون غيره نقلوا عنهم أشياء في كتبهم، نقلا مجردا من التصرف، بصورة مفرقة، في أوقات مختلفة بعضها بعد زمن الأصمعي. كما تقدمت الاشارة إلى ذلك.
أما من جمع كل هذه المعلومات، ورتبها بالطريقة التي وصلت الينا فإننا نكاد نجزم بأنه لغدة الاصفهاني، على أساس أن النسخ التي بين يدينا تنص على ذلك نصا لا يمكننا تجاوزه ما لم نجد دليلا قويا يحملنا على التجاوز.
١ - فنسختا الألوسيين نعمان ومحمود، وهما أقدم ما وصل إلينا من أصول ذلك الكتاب تنصان في أولهما على أنه تأليف لغدة.
٢ - نجد الاستاذ الشيخ محمود شكري الألوسي ﵀ ينص نصّا قاطعا بأنه من تأليفه فيقول في كتابه «بلوغ الأرب» (١) ما هذا نصه:
(وقد ألف أبو لغدة الاصفهاني كتابا فيما كان في نجد من البلدان والقرى،
_________
(١)؛ ج ١ ص ٩٩/ ٢٠٠.
стр. 38
والجبال والمعادن والمياه، ومن ملكها من قبائل العرب في سالف الأيام).
ثم ينقل قدرا كبيرا مما جاء في هذا الكتاب في كتابه «تاريخ نجد» ناسبا ما نقله إلى (أبي لغدة).
ومع التجاوز عما وقع في كتابيه من الغلط في تسمية المؤلف (أبي لغدة) وهو لغدة، فإننا نجد كل ما نقله في كتابنا هذا، ونجد في نسخته التي كتبها بيده يصحح الاسم: (لغدة) (١).
وهذا لا يمنع من القول بأن قدرا من معلومات هذا الكتاب، رويت عن الأصمعي، كما سيأتي إيضاح ذلك
من هو لغدة الاصفهاني؟
[لم يكن له في آخر أيامه نظير في العراق]
ان لغدة الاصفهاني هذا ليس اعراببا كما جاء في مقال الاستاذ الدكتور صالح محمد العلي، انه عالم من أجلة علماء اللغة والأدب في القرن الثالث الهجري مترجم في فهرست ابن النديم وفي «معجم الأدباء» لياقوت، وفي «الوافي بالوفيات» للصفدي، وفي «بغية الوعاة» للسيوطي وهو من أقران أبي حنيفة الدينوري وبينهما مجادلات وردود، فقد ألف في الرد على ابي حنيفة هذا، وألف أبو حنيفة في الرد عليه، ومن مؤلفات لغدة هذا:
١ - كتاب «خلق الانسان» ذكره ياقوت وغيره. وقال عنه أبو هلال العسكري في مقدمة كتاب «التخليص» (٢): (وإذا تأملت كتاب لغدة
_________
(١) ص ١ ص المخطوطة.
(٢) نسخة كتاب المجمع العلمي العربي بدمشق - المصورة ص ١
стр. 39
عرفت صحة قول هذا، لأنك تراه قد اشتغل فيه بالتصاريف وتفسير الشواهد اشتغالا طويلا لا يجدي على المبتدئين، ولا يحتاج اليه المتوسطون، فأغفل أكثر اسماء الاشياء التي أنشأ الكتاب لأجلها ووسمه بذكرها).
٢ - كتاب خلق الفرس.
٣ - الرد على ابن قتيبة في غريب الحديث.
٤ - علل النحو.
٥ - كتاب التسمية.
٦ - كتاب النطق.
٧ - كتاب الهشاشة والبشاشة.
٨ - مختصر في النحو.
٩ - نقض على علل النحو.
١٠ - كتاب التسمية.
١١ - الرد على الشعراء. نقضه عليه أبو حنيفة الدينوري.
وقال المعافى بن زكريا النهرواني في كتاب «الجليس الصالح» (١): (ونقض الشعر والتحقيق في معانيه من الصناعات التي أكثر المطلعين بها قد عدموا وقد قلوا، وقد كان بعض من يختلف إلي للاخذ عني، والقراءة عليّ من أهل بعض الاطراف - وقد قرأ علي شيئا ممن صنعه ابن السكيت في هذا المعنى. وابن قتيبة، وما ألفه أبو الفرج قدامة الكاتب في نقض الشعر، والكتاب المنسوب الى أبي عثمان الاشنانداني - علق عني صدرا صالحا من الزيادة في ذلك، وشرح مستغلقه، وايضاح مشكله، وتفسير مجمله، وتلخيص مهمله، وتخطئة من اخطأ في تأويله، ثم غاب عني، فانقطعت عن التفرغ لتتبع ما بقي منه، وقد وقع الينا في هذا الباب فقر حسنة عن شيخي هذه الصناعة في زمانهما وهما أبوا
_________
(١) نسخة المكتبة الظاهرية بدمشق - ورقة ٣٦.
стр. 40
العباس النحويان: أحمد بن يحيى، ومحمد بن يزيد، وكان محمد بن يحيى الصولي يتكلم كثيرا في هذا النوع، ويدعي منه دعاوي يدفعه عن التقدم فيها ظهور تأخره عنها، وتفاحش خطائه فيما يورده منها وقد أخرج قوم من هذا القبيل إعجابهم بانفسهم وفساد تخيلهم الى تخطئة الفحول من الشعراء الجاهليين، ومن بعدهم من المخضرمين، ومن يليهم من الاسلاميين، الذين قولهم حجة على من بعدهم ومن تأخر عنهم. فأحسن حالاته في هذا الباب ان يكون تبعا لهم، فمن ذلك ان لغدة الاصبهاني أقدم على تخطئة الطبقة الأولى كامرئ القيس وزهير والنابغة والأعشى ومن يجري مجراهم، فخطأهم فيما أصابوا فيه، بتفاقم خطائه، وتعاظم خطله، وقد كنت أمللت على بعض من حضرني ما يتبين به قصور معرفته، وضعف بصيرته، ثم رأيت أبا حنيفة الدينوري قد صمد لكتاب لغدة هذا فنقضه، وأورد أشياء صحيحة تنبئ عن اغفاله وضعف تأمله، ومع هذا فلسنا ننكر أن يخطئ الرئيس في عمله، والسابق في فهمه، فلا يضع ذلك من قدره ولا يحطه عن مرتبته إذ فوق كل ذي علم عليم).
١٢ - الرد على ابن قتيبة في غريب الحديث ذكره ياقوت والسيوطي.
١٣ - الرد على أبي عبيد في غريب الحديث ذكراه أيضا.
١٤ - شرح كتاب المعاني للباهلي - ذكراه.
١٥ - كتاب النوادر.
نقل ياقوت عن حمزة الأصفهاني قوله عن لغدة (١):
(كان رئيسا في اللغة والعلم والشعر والنحو، حفظ في صغره كتب أبي زيد وأبي عبيدة والأصمعي، ثم تتبع ما فيها ثم امتحن بها الاعراب الوافدين إلى اصفهان، وكانوا يفدون على محمد بن يحي ابن أبان فيضربون خيمهم بفناء داره، في (باغ سلم بن عود) ويقصدهم أبو علي كل يوم، فيلقي عليهم مسائل شكوكه من كتب اللغة، وثبت تلك الاوصاف عن الفاظهم في الكتاب الذي سماه «كتاب النوادر» ثم لم يكن له في آخر أيامه نظير في العراق، قال:
_________
(١) معجم الادباء ج ٨ ص ١٣٠ إلى ١٤٥ الطبعة المصرية.
следующие страницы →