٣ - طمس البصيرة، فترى هؤلاء يلبّس عليهم الحقّ، فيرون الحق باطلاً والباطل حقاً قال تعالى ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦].
٤ - حلول النقم، قال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ [الرعد: ٣١] فغير المقبول بعيد عن الله، مطرود عن رحمته، من الذين نسوا الله فنسيهم، ولعل أشدّ النقم هي نقمة البعد عن الله وأن يكله الله إلى نفسه، ويملي له حتى إذا أخذه لم يمهله قال تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٦٧].
٥ - تعسير الأمور، وضيق النفس، وكثرة المخاوف والهواجس والقلق جراء الحرص على الدنيا، والخوف على فوات شيء منها قال تعالى ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤].
стр. 352
٦ - ضعف اليقين، والإعراض عن الدين: ومن مُخرجاته الشك في الثوابت، وكثرة الشكوى و التسخّط، وإرضاء الناس بسخط الله، والتخبط في متاهات الضلال، وإننا لنسمع اليوم عن انتشار الشك والإلحاد و الزندقة و ذلك لعمر الله ما أفرزه هجير الضعف وقلّة الزاد، والبعد عن الله قال تعالى ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦].
٧ - قسوة القلب، فترى غير المقبول صاحب قلب صلد، لا ترويه موعظة، ولا ينبت في صحرائه إلا زقّوم الجحود والنكران.
* * * *
стр. 353
ب -آثار عدم القبول في الآخرة
قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧].
لو لم يذكر الله تعالى في القرآن في عاقبة عدم القبول إلا هذه الآية لكفت، مما تخبّؤه من سوء العاقبة، فلو أن لهم جميع أموال الدنيا وزينتها فَقُبِلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ عِوَضًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ لقدموه فداء لينجوا من سوء العذاب وفظاعته بعد ما رأوا هول ما أُعدّ لهم (١).
ويبين القرآن حال الذين حرموا القبول بأوصاف تقشعرّ لها الجلود، وتختلج لها القلوب فيصِف ما تئول إليه حالهم وأثر ذلك من سواد الوجه واغبراره وذلّته عياذا بالله، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٦]. وقوله تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ ٤٠ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠ - ٤١]. فالمطرود عن أبواب الرحمة على سعتها، حاله ذلك
стр. 354
اليوم بأسوأ الأحوال، فتعظم خسارته ويعض على أنامل الندم، ويدعو على نفسه بالويل والثبور حيث قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ ١٠ فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُورًا ١١ وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ [الانشقاق: ١٠ - ١٢]. وقال:
﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ٢٧ يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٧ - ٢٨].
وعقوبات عدم القبول في الآخرة تتنوع بتنوع الذنب الذي لم يقبل الله العبد بسببه، فقد لا يقبله لشرك أو كفر، وقد لا يقبله للعناد والاستكبار، وقد يكون لكلمة قالها هوى بها في سخط الله. والعقوبات نوعان:
أولا: عقوبة ملازمة لصاحبها وهو خالد فيها كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ٧٤ لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٤ - ٧٥]. وأسبابها الكفر والشرك والنفاق الاعتقادي، والردة وهي دركات بعضها أسفل من بعض، وتتفاوت في الشدة بحسب العناد والجحود عياذاً بالله. وفي عقوبة النفاق قال تعالى: ﴿إِنَّ
الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٤٥].
стр. 355
ثانياً: عقوبات غير خالدة: وهي لعصاة الموحدين أصحاب القبول المؤخر وهي متفاوتة في الزمن والشدة بحسب نوع الذنب كما فصلت في ذلك السنة المطهرة. وهي تعود لمشيئة الله تعالى كما أسلفت قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ
ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦]. فإن شاء عاقبه عدلاً منه، وإن شاء تركه فضلاً منه (١).
ومن آثار عدم القبول أو تأخيره لعصاة الموحدين اللذين ماتوا على غير توبة أو لم يعف الله عنهم:
١ - الطرد من رحمة الله لمدة لا يعلمها إلا هو، وأحاديثُ اللعنِ كثيرةٌ منها لعنُ النامصةِ والمتنمصةِ والواصلةِ والمستوصلةِ والمتشبهين من الرجالِ بالنساءِ والمتشبهاتِ والمخنثين والمترجلاتِ ومن يُفسدُ المرأةَ على زوجِها وغيرِهم. وقال تعالى ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا ٢١ لِلطَّاغِينَ
مَئَابا ٢٢ لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ: ٢١ - ٢٣] ذهب كثير من أهل التفسير إلى أنها في عصاة أهل التوحيد (٢).
٢ - الحرمان من الشرب من حوض النبي ﷺ : فقد يحرم العبد لعظم جرمه من الشرب والارتواء من حوض النبي فعلى الحوضِ حراسةٌ مشددَّةٌ وحُرّاسُه كرامٌ برَرةٌ لا يَعصُون الله ما أمرَهم قد
стр. 356
وُكِّلوا بكلِّ من لا يستحقُّه أن يَنبذوه، ويدفعونه عن الحوضِ بعصيٍّ من نارٍ وبكلِّ من هو أهلٌ له أن يَحتفُوا به ويُكرموه فيراهم الرسولُ ﵊ وهم يَدفعون أقواماً فيقولُ أمتي .. أمتي، فيقولون إنَّهم ليسوا من أمَّتِك لا تدري ما أحدَثوا بعدك فيقول: سُحقاً سُحقاً.
ففي الخبر قال ﷺ : (إني فَرَطُكُمْ على الْحَوْضِ من مَرَّ عَلَيَّ شَرِبَ وَمَنْ شَرِبَ لم يَظْمَأْ أَبَداً لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ ويعرفونني ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَأَقُولُ إِنَّهُمْ مِنِّي فَيُقَالُ إِنَّكَ لَا تَدْرِي ما أَحْدَثُوا بَعْدَكَ فَأَقُولُ سُحْقاً سُحْقاً لِمَنْ غَيَّرَ بَعْدِي) (١).
٣ - الفزع لعظم الهول الذي تنخلع له القلوب، وذلك عند رؤية الأحداث المرعبة كالنفخِ في الصورِ، والقيام للنشورِ والميزانِ، وتطاير الصحفِ، والصراطِ لأن الله طمأن المقبولين المتبعين لهداه بقوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٩].
٤ - الحُزن والحسرة والنّدم الذي تتقطع له نياط القلب ولات ساعة منْدم وذلك إذا رأى من تقبّلهم الله يُساقون إلى الجنة زمرًا، ثم لا يرى لنفسه إلا سوء المصير قال تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٦].
стр. 357
٥ - وأنواع العقوبات تختلف بحسب اختلاف الذنب وقد ذكر في مطلب مؤخرات القبول بعض أنواع الكبائر وعقوباتها بما أغنى عن الإعادة.
* * * *
стр. 358
الخاتمة
وبعد هذا الجولة المباركة بين جَنى الكتاب الكريم، وخمائله العطرة، ونبعه العميم. والنظر المستبصر في نصوصه، واستقراء عمومه وخصوصه، وكل ما تعلق بموضوع القبول، وما يؤيده من شواهد ونقول، تظهر بجلاء حقائق ونتائج هامة أُجملها في النقاط التالية:
١ - أن القبول بيد الله وحده ولا موجب عليه ولا مستحق من الخلق بل هو محض تفضّل وتكرّم منه سبحانه.
٢ - أن القبول درجات متفاوتة بحسب صلاح القلب، وأنه منوط بالإيمان وجوداً وعدماً.
٣ - أن طاعات الموحدين مهما كان تفريطهم فهي مقبولة عند الله إذا استوفت شرائط صحتها ولم يكن هناك ما يفسدها من السيئات.
стр. 359
٤ - أن المقبول من العمل هو الذي تُكفّر به السيئات، فلا يُكفَّر من السيئات إلا بما قُبل من الصلاة، وما قُبل من الصيام وكذا سائر الأعمال.
٥ - أن الإصرار على السيئة والكبيرة يمحو ما يقابلها من حسنات فيمنع قبولها، كما تذهب الحسنات بالسيئات، وذلك كالعجب والإدلال بالعمل والمن بالصدقة، ولكن لا تمحو صفة الإسلام عن صاحبها، مادام على الإيمان.
٦ - أن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً، فلا يقبل الله نفساً موحدة فيها خبث يوم القيامة حتى يُطهّرها فإن طابت تقبّل منها طيب أعمالها.
٧ - أن أدنى درجات القبول قد تستلزم تقديم المؤاخذة والعذاب كما في حال الظالم لنفسه، إن لم يعفُ الله عنه.
٨ - يجب ألا يكون مستند حسن الظن بالله معوّل على مجرد صفاته الدالة على سعة الرحمة والعفو وعظيم المغفرة كما قال ابن القيم مع أنه سبحانه أجل وأكرم، ولكن لا بد أن يكون مستند ذلك العمل.
стр. 360
٩ - كشف البحث عن عظم درجات القبول وأنها متعددة ومتفاوتة كتفاوت درجات الجنة.
١٠ - أن العلاقة وطيدة بين درجات الجنة ودرجات القبول فكلما ارتقى العبد في سلم القبول ارتقى في درج الجنة.
١١ - أن جميع ألفاظ الوعيد، من لعن ومقت وغضب و خلود في نار جهنم، الموجهة لعصاة هذه الملّة على اقترافهم الكبائر الموبقة إنما تُحمل على تأخير القبول لاستيفاء العقاب وطول المكث، وشدة التقريع وليس حبوط الأعمال بالكلية.
١٢ - إذا تقبل الله العمل أثاب صاحبه وتقبله، وكثرة العمل المقبول يوصل إلى ارتقاء العبد في مراتب القبول قبول الرضا والشكر والمحبة.
١٣ - سؤال الله القبول ينبغي أن يتخلل ويتبع جميع الأعمال التي يتوجه بها العبد إلى الله.
١٤ - القبول متعلق بفضل الله تعالى وكرمه وبعدله الذي لا يغادر مثقال الذرة، وبدرجة المحبة التي رقى إليها العبد في عين الله، ومع أن القبول متعلق بالمشيئة وقد تفرّد به الحق سبحانه، إلا أن
стр. 361
له أسباباً ينبغي الأخذ بها. فينبغي تحري موجباته، والتطلع إلى أعلى درجاته.
١٥ - التفضيل في الدنيا مبني على مقتضى حكمة الله تعالى وعدله ولا علاقة له بالقبول، أما التفضيل في الآخرة فمبنيٌّ على القبول و على تفاضل ما في القلوب، والعمل الصالح يزيد ذلك ويرفعه.
١٦ - ما أجمل أن يعيد الإنسانُ النظر في أعماله، ليتعرف على ما وافق أشراط القبول، وما بعُد عنها، ليثبت على الصواب، ويستقيم على الجادة.
١٧ - شرع الله تعالى لنا هذا الدين ليهدينا سواء السبيل، ويرسم لنا الطريق لنحظى بالقبول، ونفوز بالوصول. ولا يعلم العبد أي العمل قُبل منه فينبغي أن يسعى بعد الإخلاص والمتابعة إلى الإحسان والإكثار والتنويع من جميع ألوان البر.
وما ذلتِ الأمةُ، ولا هانت على عدوها إلا لضعف الأخذ بأسباب القبول والبعد عن الحبل
стр. 362
المتين، والدرع الحصين، فنسأل الله أن يردنا إليه رداً جميلًا، وييسر للأمة سبيل العزة والتمكين، وما فيه صلاح الدنيا والدين … اللهم آمين.
وختامًا .. فهذا ما تيسّر جمعه وفهمه واستقصاؤه أسأل المولى الكريم أن تكون هذه الدراسة لي ولكم علماً ومعرفة، ولقلوبنا نوراً وهدى، وعلماً نافعاً وإضافة متواضعة للمكتبة الإسلامية، وأن يتقبله مني ويعفو عمّا بدر من تقصير أو زلل، فإنه سبحانه أجود من أعطى وأكرم من سُئل.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
* * * *