٦ - قبول الشكر من الله للعبد: وفيه الزلفى وعلو الشرف والمكانة وفيض المحبة ومعاملته للعبد بكمال جوده وعظيم منّه وسعة إحسانه ومطلق عطائه، وفيض كرمه الذي لا ينتهي
قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان: ٢٢] (١).
٧ - قبول المحبة الخاصة: وهي من آثار محبة العبد لله وحرصه على محابه وتكون من الله للعبد فالله تعالى يحب عباده الطائعين وتتفاوت المحبة بحسب الإخلاص وكثرة التقرب، ولا يزال العبد يرتقي في محبة الله له من المحبة العامة للمؤمنين إلى الخاصة لأوليائه ثم إلى الأخص من أصفيائه وأعلاها درجة (الخُلَّة) التي لا تتسع لغير الخليلين صلوات الله وسلامه عليهما (٢).
* * * *
стр. 317
ب - أسباب التفاضل في درجات القبول
إذا تقبّل الله تعالى العبد ورضي عنه فإنه يترقى في سلّم القبول، ولا يزال يعلو عند ربه، ويسهّل له الله كل طريق يوصله إلى رضاه ويزيده على ذلك أضعافاً مضاعفة من الثواب والمحبة والزلفى، وإذا تقبل الله العمل نظر إلى جهد العامل وإخلاصه فيه فعلى قدر المشقة والإخلاص تتفاضل الأعمال وتتضاعف الأجور وذلك كما يبدو من خلال الدراسة و تفصيل ذلك بأمور خمسة:
١ - بحسب صلاح العامل وقوة إيمانه وفضله عند مولاه:
وكما قال ابن القيم ﵀: "فإن تفاضل الأعمال بتفاضل ما في القلوب من حقائق الإيمان" (١). فقد يثاب العامل التقيّ الصالح على العمل نفسه أكثر من غيره؛ وذلك لأن العمل إذا رُفع إلى الله من عبد صالح معروف في الملأ الأعلى بتقواه، ومشهود له في السماء بالخير والمحبّة، تقبّله الله وضاعف له الأجر من جهتين:
أ - لأنه عمل طيّب خالص لوجهه تعالى.
ب- لأنه صادر من عبد محبوب ومعروف في الملأ الأعلى بصلاحه وتقواه.
وكما جاء في الحديث القدسيّ: (إذا أَحَبَّ الله العبد؛ نَادَى جِبْرِيلَ: أن الله يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، فَيُحِبُّهُ
стр. 318
جِبْرِيلُ. فَيُنَادِي جِبْرِيلُ في أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ الله يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ … ) (١)، وكما قال: (وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ) (٢).
فالمحبوب عند الله يفضُل غيره، وما يحصُل عليه من ثواب أعماله وقبولها يفوق غيره بما لا يعلمه إلا الله. وكثيراً ما يحدث هذا التفضيل المبني على السُّمعة الحسنة في مقاييس البشر؛ فالمعلوم أن كثيراً من الشركات والمستشفيات تضاعف أجر الطبيب أو المهندس على سبيل المثال إذا كان (استشارياً) حاصلاً على درجة الأستاذية (بروفيسوراً)، ويزداد أجره إذا كان معروفاً على مستوى البلاد، بغض النظر عن عمله، فقد يتساوى تشخيص الطبيب الأخصائي المبتدئ في المهنة مع ذلك الاستشاري المشهور ولكن الأخير يأخذ من الأجر على سمعته أضعافاً مضاعفة، وتُحسب الساعة من عمله بكذا وكذا، ولله المثل الأعلى، وإذا كان هذا التفاضل في الدنيا فكيف به عند أكرم الأكرمين: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٢١].
стр. 319
٢ - بحسب موقع العمل من جهتين:
أ - من حيث جدواه ومنفعته، إما بحسب قوة حاجة المنتفع إليه، وإما بعموم نفعه ووصوله إلى شريحة كبيرة من المنتفعين، وقد ورد في الحديث الشريف: (خَيرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ) (١)، وقال ﵊: (أحَبُّ العِبادِ إلى اللهِ تعالى أنْفعُهُمْ لِعيالِهِ) (٢) فكلما عظم نفع العمل للعباد، كان أجره عند الله أعظم، كإنشاء المستشفيات والمؤسسات الخيرية التي يتعدى نفعها إلى عدد كبير من الناس، ونشر العلم والكتب النافعة وما إلى ذلك ما دام ذلك خالصاً لوجهه تعالى.
ب - من حيث يقظة العبد فيه وإخلاصه ونيته عند الله؛ فإذا أدى العامل عمله على العادة والغفلة ولكن النية فيه التقرب إلى الله فترى أركانه مشغولة بالطاعة وقلبه ساهٍ لاهٍ لكنه يجاهد نفسه، فهذا مقبول بإذن الله كما قال ابن القيم، ولكن إذا رُفع هذا العمل إلى الله لم يقف تجاهه ولم ينظر إليه، وإنما يوضع حيث تُوضع دواوين الأعمال حتى تُعرض عليه يوم القيامة وتُوزن فيثيبه على ما
стр. 320
كان منها خالصاً، ويردّ عليه ما لم يُردْ بها وجهه تعالى، فيثيبه على هذا العمل بمخلوق من مخلوقاته من القصور والنعيم والحور، وأما إذا كان العمل كلّه خالصاً لله تعالى، متعلقاً صاحبه بالله على الدوام فإنه إذا رفع إلى الله وقف تجاهه فينظر إليه، فإذا نظر إليه تقبّله ورضي عنه وأرباه ونمّاه إلى أضعاف كثيرة، وأعلى درجة صاحبه ومنزلته عنده، وأعطاه بغير حساب (١) فانظر التفاوت.
٣ - بحسب طاقة العبد وجهده:
سُئِل رسول الله ﷺ : أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: (جُهْدُ المُقِلِّ) (٢)، فقد يبذل العامل القويّ المعافى عملًا مساوياً لما يبذله الضعيف العاجز فيضاعف الله للضعيف ويجزل له الثواب لأنه بذل جُلّ ما في وسعه وطاقته، فقد ينفق الفقير دراهم معدودة يبتغي بها وجه الله فينال عليها من الأجر ما لا يناله الغنيّ الثريّ الذي ينفق الآلاف المؤلفة، وما ذلك إلا لأن الفقير بذل أقصى ما يستطيع وأفضله، وأحبّه إلى نفسه، وأما الغنيّ فربما يكون قد أنفقه من فضول أمواله التي لا حاجة له بها والتي قد لا تمثل شيئًا بالنسبة إلى رأس ماله الكبير؛ ولذلك قال
стр. 321
ﷺ :) سَبَقَ دِرْهَمٌ مِائَةَ أَلْفٍ (قَالُوا: يَا رَسُولَ الله! وَكَيْفَ ذلك؟ قَالَ:) رَجُلٌ لَهُ دِرْهَمَانِ فَأَخَذَ أَحَدَهُمَا فَتَصَدَّقَ بِهِ، وَرَجُلٌ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ فَأَخَذَ مِنْ عُرْضِ مَالِهِ مِائَةَ أَلْفٍ فَتَصَدَّقَ بِهَا (١). وقد دافع الله تعالى عن أولئك المتصدقين من الفقراء ووصفهم بالإيمان حيث إنهم بذلوا ما في وسعهم وغاية جهدهم ودفاع الله عنهم فيه دلالة على حُسن قبولهم والثناء عليهم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٧٩].
٤ - لشرف الزمان والمكان:
كفضل شهر رمضان والعشر من ذي الحجة على غيرهما إذ تُضاعف فيهما الحسنات. ومن أفضل الأماكن عند الله التي يضاعف فيها الأجور الحرم المكيّ ومسجد رسول الله ﷺ والمسجد الأقصى، فمن تحرى الصلاة فيهم كان ذلك أدعى للقبول، وأرفع للدرجات (٢).
٥ - يتضاعف العمل في مكان الغفلة وزمن الغفلة:
стр. 322
ومن المعلوم أنه كلما اقترب الناس من الساعة ازدادوا غفلة وبُعداً عن دين الله وشريعته؛ لبعدهم عن خير القرون ولكثرة الشهوات وفتح أبواب النعم: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤].
وقد فُتحت الدنيا في هذا الزمان على كثير من الناس، وجاشت الأرض بصنوف النعم التي لم يمدّنا الله بها حُبّاً وكرامة، وإلا لكان رسول الله ﷺ وصحابته الكرام أولى بها منّا، ولكنه الابتلاء والامتحان، فكلما أحدث المفرطون ذنباً، أحدث الله لهم نعمة، حتى يُغرقهم بالنعم من كل حدب وصوب يستدرجهم بها قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ ٥٥ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥، ٥٦].
وبنظرة سريعة على المجتمعات الإسلامية، نرى كيف كان فتْح النعم للبعض من الناس نقمة و بُعداً فتمادوا في الترف والتنعّم، وتهافتوا على كل تفاهة تأتيهم من الغرب أو الشرق، قلدوا الكفار في ملابسهم وهيئاتهم وأعيادهم. ولم تعد الخلاعة حكراً على بلاد الكفر والفسق فقد غزت بضاعتهم الفاسدة بلاد المسلمين، ومنذ أن اعتلت تلك الأطباق السوداء أسطح منازلنا، اعتلى قلوبنا الرّان فأحْلكها، وطمس على بصائرنا فأظلمها إلا من رحم الله.
стр. 323
فعلى كثرة هذه الفتن وانهمار وابل الشهوات، فإن أجر العامل آخر الزمان يزداد ويتضاعف لمعاناته وصبره على ما يلقاه، فقبول العمل بذاته في العصور المتأخرة أشد قبولاً منه في خير القرون، لكن لا خلاف في أن قبول العبد هناك أفضل وأكرم.
فقد يعمل الصحابي عملاً من صلاة أو صدقة أو غيره ثم يأتي مسلم من آخر الزمان فيعمل العمل نفسه فيضاعف له أجره إلى خمسين ضعف و تفصيل ذلك كما يلي:
إن شروط القبول للدرجات العُلى في عصر الصحابة رضوان الله عليهم لا تحرز إلا بالجد والاجتهاد والمثابرة، ألم يقل النبيّ ﷺ لمن سأله مرافقته في الجنة: (فأعنِّي على نَفسِكَ بكثرةِ السُجود) (١).
مثلهم في ذلك مثل من يتنافس لنيل وظيفة عالية المستوى، فإنه إذا كثر المتنافسون عليها زادت شروطها ومتطلباتها؛ وذلك حتى تتميز نخبة منهم فتفوز بذلك المنصب بجدارة. لذلك أرهق ثلة الأولين أبدانهم في العبادة، سهروا ليلهم وأظمأوا نهارهم، وقد شغلوا أوقاتهم بالطاعة وحفظوا أنفسهم عن المعصية، كل منهم يريد الفوز بتلك الرتبة العالية، والمنزلة السامية، منزلة المقربين؛ فعزيز أن يتميز فضلاء منهم وكلهم فاضل.
стр. 324
مثَلهم في ذلك مثَل طلاب في فصل كلهم أوائل متميزون، كلٌ يسعى لحيازة الدرجات العُلى، فأضحى التنافس بينهم على أشده؛ فما أصعبه من تنافس؛ يواصل أحدهم ليله بنهاره منكبّاً على كتبه ودراسته حتى يفوز ويتفوق على أقرانه.
أما اليوم بعد أن قل المتنافسون على الوظيفة، وبعد أن ألهتهم عنها الفتن والأهواء وشتى الملهيات، قلّت شروطها ومتطلباتها، وفي الحديث: (إِنَّكُمْ فِي زَمَانٍ مَنْ تَرَكَ مِنْكُمْ عُشْرَ مَا أُمِرَ بِهِ هَلَكَ ثُمَّ يَأْتِي زَمَانٌ مَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ بِعُشْرِ مَا أُمِرَ بِهِ نَجَا) (١). ويؤيده قوله ﷺ : (إنكم اليوم في زمان كثير علماؤه قليل خطباؤه، من ترك عشر ما يعرف فقد هوى، ويأتي من بعد زمان كثير خطباؤه قليل علماؤه من استمسك بعشر ما يعرف فقد نجا) (٢).
"وَنُقِلَ عَنْ الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُ قَالَ: يَحْدُثُ لِلنَّاسِ فِي كُلِّ زَمَانٍ مِنْ الْأَحْكَامِ مَا يُنَاسِبُهُمْ " (٣). فلعل الله أن يتقبّل أعمالهم بحسب ظروفهم في كل زمان.
ومع ذلك فإن هؤلاء القلة من المتأخرين قد يفضلون في الأجر من سبقهم من الأولين المجتهدين؛
стр. 325
وقبول العمل الصالح في عصر الفتن يتضاعف خمسين ضعفاً، قال النبي ﷺ : (فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّاماً: الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ الْقَبْضِ عَلَى الجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلاً يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ). قَالَ عَبْدُ الله ابْنُ المُبَارَكِ: وَزَادَنِي غَيْرُ عُتْبَةَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ الله! أَجْرُ خَمْسِينَ رَجُلاً مِنَّا أَوْ مِنْهُمْ؟ قَالَ: (لَا؛ بَلْ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ) (١).
فيظهر هنا أن أجر القليل من الآخرين في زمن الفتن أكبر من أجر الأولين، كيف لا وهم يجدون على الحق معيناً ولا يجد هؤلاء (٢). فالزمن زمن غفلة، أحاطت بأهله الفتن والشهوات والمشاغل، وكلما زاد إعراض الناس وغفلتهم والحرب على دينهم، زاد أجر العاملين وتضاعف.
قال ابن القيم يصف المؤمن في ذلك الزمان: "فَهُوَ غَرِيبٌ فِي أُمُورِ دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ لَا يَجِدُ مِنَ الْعَامَّةِ مُسَاعِداً وَلَا مُعِيناً فَهُوَ عَالِمٌ بَيْنَ جُهَّالٍ، صَاحِبُ سُنَّةٍ بَيْنَ أَهْلِ بِدَعٍ،
стр. 326
دَاعٍ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ بَيْنَ دُعَاةٍ إِلَى الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ، آمِرٌ بِالْمَعْرُوفِ نَاهٍ عَنِ الْمُنْكَرِ بَيْنَ قَوْمٍ الْمَعْرُوفُ لَدَيْهِمْ مُنْكَرٌ وَالْمُنْكَرُ مَعْرُوفٌ " (١). وقد يعجب سائل فيقول كيف لمجتهدٍ من هذا العصر أن يصل إلى درجة المقربين ولم يعمل عمل أولئك الثلة من الأولين؟
والجواب: أن الله سبحانه هو الحكم العدل إذا حاسب العبد نظر إلى بيئته وعصره. فلكلٍ بيئته وظروفه التي تساعده على العبادة أو تلهيه عنها.
قال ابن تيمية: "فَلَمَّا طَالَ الزَّمَانُ خَفِيَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ مَا كَانَ ظَاهِرًا لَهُمْ وَدَقَّ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ مَا كَانَ جَلِيّاً لَهُمْ فَكَثُرَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مُخَالَفَةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَا لَمْ يَكُنْ مِثْلُ هَذَا فِي السَّلَفِ. وَإِنْ كَانُوا مَعَ هَذَا مُجْتَهِدِينَ مَعْذُورِينَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُمْ خَطَايَاهُمْ وَيُثِيبُهُمْ عَلَى اجْتِهَادِهِمْ. وَقَدْ يَكُونُ لَهُمْ مِنْ الْحَسَنَاتِ مَا يَكُونُ لِلْعَامِلِ مِنْهُمْ أَجْرُ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُهَا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَجِدُونَ مَنْ يُعِينُهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَهَؤُلَاءِ الْمُتَأَخِّرُونَ لَمْ يَجِدُوا مَنْ يُعِينُهُمْ عَلَى ذَلِكَ" (٢).
ولكن المهم .. أن على المرء محاولة سبق أقرانه في بيئته في كل طاعة، وعليه أن يستمر على ذلك فلا
стр. 327
تفتر عزيمته حتى يصل إلى الهدف المنشود وهو الجنة؛ فمن تطلّع إلى الجنة هدفاً لن يتوقف عن العمل لها طوال حياته لأنها هدف بعيدٌ لا يُنال إلا بانتهاء الدنيا.
ومن أماكن الغفلة على مدى الزمان؛ التي يضاعف فيها الأجر على العمل الصالح، الأسواق وأماكن الملاهي وكل اجتماع لا يذكر فيه اسم الله، وقد ورد في الحديث: (مَنْ دَخَلَ السُّوقَ فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلاَّ الله، وَحْدَهُ لَا شَرِيكُ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، يُحْيِى وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، بِيَدِهِ الخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، كَتَبَ الله لَهُ أَلْفَ أَلْفِ حَسَنَةٍ، وَمَحَا عَنْهُ أَلْفَ أَلْفِ سَيِّئَةٍ، وَرَفَعَ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ دَرَجَةٍ) (١)، وفي رواية الحاكم زاد: (وَبَنَى لَهُ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ).
واللبيب الفطن هو الذي يحاول الجمع بين هذه البنود الخمسة ما استطاع فيضاعف الله له الثواب أضعافاً مضاعفة ويرفعه في سلم القبول حتى يحوز على المكانة العالية ويصل إلى رضوان الله وجنانه أكمل وصول.
* * * *
стр. 328
ثانياً: أنواع القبول
أ: قبول عبد بعينه
بعد القبول العام لأهل الإيمان، فهناك بون شاسع كما بين المشرقين، بين قبول العمل والقبول الخاص للعبد نفسه عند الله، فإن قبول العمل وحده مجرداً لا يلزم بالضرورة قبول جميع أعمال صاحبه، أو مغفرة جميع ذنوبه. وفي قبول العبد قال تعالى في شأن مريم ﵂: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ [آل عمران: ٣٧].
وهو الاصطفاء الخاص فالاصطفاء عام لأمة الاتباع وخاص لعبد معين: وقبول العبد واصطفاؤه يكون بأمرين:
الأول: بإخلاصه وطول المداومة على محاب الله، والعكوف عليها، حتى تكون هي أغلى ما يحرص عليه، وتكون هي شغله وهمّه، حتى تفضي هذه المداومة إلى محبة الله تعالى له، واصطفائه في أوليائه الصالحين، فيتقبله عبداً محبوباً، ومتى أحبه الله تعالى حبب إليه أهل السموات والأرض وسدده للمزيد من العمل الصالح، وألهمه الصواب، ويتقبّل الله أعماله كلها، ويضاعف له الثواب فهؤلاء هم فئة منّ الله عليهم بالصلاح وتلقاهم بالقبول ورفع مكانتهم قال تعالى:
стр. 329
﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ١٠ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ١١ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ١٢ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ ١٣ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ١٠ - ١٤].
وكما جاء في الحديث القدسي عن النبي ﷺ : (إذا أَحَبَّ الله العبد؛ نَادَى جِبْرِيلَ: أن الله يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ. فَيُنَادِي جِبْرِيلُ في أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ الله يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ القَبُولُ فِي الأَرْضِ) (١).
فالعبد المحبوب لا يحاسبه الله على ما كان منه من هفوات، ولا يعرّضه للمسائلة يوم القيامة في العرصات. قال ابن تيمية ﵀: "إن عباده الصالحين لا يعذبهم في النار بل يتقبل عنهم أحسن ما عملوا ويتجاوز عن سيئاتهم " (٢).
والعبد المقرّب المحبوب يدافع الله عنه، ويصرف عنه السوء، ويكون عند الله من الخاصة الذين يحوطهم برعايته وحفظه وأفضاله. قال عز من قائل في شأن يوسف ﵇: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ
стр. 330
عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤] ومثل هذا العبد في الدنيا ترى على صفحة وجهه مخايل القبول، من إشراق ونور ومهابة ووقار، وكما قال ابن عباس ﵁ (إن للحسنة ضياء في الوجه ونوراً في القلب وقوة في البدن وسعة في الرزق ومحبة في قلوب الخلق) (١).
والمقربون كما قال تعالى أنهم من الأولين والآخرين: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ ١٣ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ١٣ - ١٤] فكلٌ يختاره الله بحسب زمانه وموارده وطاقته وإخلاصه قال ابن القيم ﵀:
"الفاضل المجتهد في طلب العمل بحسب ما أدركه في زمانه ومكانه إذا كان مقصوده متابعة الرسول بحسب إمكانه هو أحق بأن يتقبل الله حسناته ويثيبه على اجتهاداته ولا يؤاخذه بما أخطأه تحقيقاً لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] " (٢).
الثاني: بعمل معيّن وقع من الله بمكان:
قد يقبل الله العبد لا لكثير صيام ولا لطول قيام، ولكن لعملٍ اطلع الله عليه، ونظر إلى قلب عبده فوجد فيه من الحب والإخلاص ما يرفعه به إلى أعلى عليين.
وقد يعمل العبد العمل يستقله، ولكنه يقع من رضوان الله بمكان، فيتقبّله، ويثني على صاحبه في الملأ الأعلى، ويرضى عنه ومن ﵁ فلا يسخط عليه أبدًا.
стр. 331
ولعلي أوضح ذلك بمثال بشر بن الحارث الحافي أحدُ كبار الزهّاد من أتباع التابعين كان قاطعاً للطريق، وقُطاع الطريق من أشدِّ الناس أذيةً للخلق، وكان سببُ توبتِه، ونحسب أن الله قد تقبّله ورفعه، أنَّه وجد قرطاساً كُتب فيه اسم الله فعَظُمَ ذلك عليه ورفع طرْفه إلى السماء وقال: "سيدي اسْمُك ها هنا مُلقَىً" فرفعه من الأرض وقلع عنه القذرَ الذي أصابه وأتى عطاراً فاشترى بدرهم طِيباً غاليَ الثمن لم يكن معه درهم سواه وطيَّب القرطاسَ بالطِّيب فأدخلَه شقَّ حائطٍ وانصرف إلى صديق له وكان يُجالسه فقال له يوماً: والله يا أخي لقد رأيتُ لك في هذه الليلة رؤيا ما رأيتُ أحسنَ منها ولستُ أقولُ لك حتى تُحدِّثَني ما فعلتَ في هذه الأيامِ فيما بينَك وبين الله؟ فقال ما فعلتُ شيئاً أعلمُه غير أني … فذكر له الحادثة. فقال له رأيتُ كأن قائلاً يقولُ في المنام قُلْ لبشرٍ يرفعُ اسماً لنا من الأرضِ إجلالاً أنْ يُداسَ لَنُنَوِّهَنَّ باسْمِك في الدنيا والآخرة. وفي رواية: طيَّبْتَ اسمي لأُطَيِّبَنَّ اسمك في الدنيا والآخرة (١).
وأصبح بِشرٌ ممن يُشهد لهم بالصلاح بإحسانه في عمل قد يحسَبه هَيِّناً وهو عند الله عظيم. فأنزل الله على قلبه الهدايةَ حتى صار من العلماء الأجِلاَّء وكان الإمام أحمد بن حنبل يُحبه ويُجِلُّه.
стр. 332
فقد يتلفّظ العبد بكلمة أو يعمل عملاً لا يراه شيئاً ولا يعتني به، يرفعه الله به إلى مقام الإحسان.
وفي معنى ذلك قال الرسول ﷺ : (إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ، مَا كَانَ يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ فَيُكْتَبُ اللَّهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، مَا كَانَ يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ فَيُكْتَبُ اللَّهُ لَهُ بِهَا سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ) (١).
وقال: (إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ، لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ) (٢).
وبالنظر في أقوال العلماء يظهر أن قبول العبد جراء عمل تقبله الله على نوعين:
أ - قبول محبة ورضا ورفعة:
قد يكون العمل صادراً من عبد صالح محبوب عند الله فيصدر منه ضمن أعماله الصالحة عمل ينظر الله إليه ويحبه فيزيده بذلك قربة ومحبة ولعل مثال ذلك ما ذكر في حديث أبي هريرة الذي جاء فيه أن رجلاً جاء إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قد بلغ به
стр. 333
الجهد والجوع فلم يجد عند نسائه ما يضيف به الرجل فَقَالَ: (مَنْ يُضِيفُ هَذَا اللَّيْلَةَ ﵀؟)، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: أَنَا، يَا رَسُولَ اللهِ، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى رَحْلِهِ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ قَالَتْ: لَا إِلَّا قُوتُ صِبْيَانِي، قَالَ: فَعَلِّلِيهِمْ بِشَيْءٍ، فَإِذَا دَخَلَ ضَيْفُنَا فَأَطْفِئِ السِّرَاجَ، وَأَرِيهِ أَنَّا نَأْكُلُ، فَإِذَا أَهْوَى لِيَأْكُلَ، فَقُومِي إِلَى السِّرَاجِ حَتَّى تُطْفِئِيهِ، قَالَ: فَقَعَدُوا وَأَكَلَ الضَّيْفُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: (قَدْ عَجِبَ اللهُ مِنْ صَنِيعِكُمَا بِضَيْفِكُمَا اللَّيْلَةَ) (١).
وهذا راعٍ يحتمل أن يكون من هذه الفئة قد عمل عملاً أعجب الله تعالى فتقبله منه قال ﷺ : (يَعجَبُ ربُّك من راعي غنمٍ، في رأسِ شَظيةٍ، يُؤذِّنُ بالصلاةِ ويُصلِّي، فيقولُ اللهُ : انظروا إلى عبدي هذا يُؤذِّنُ ويُقيمُ الصلاةَ، يخافُ مني، قد غفرتُ لعبدي، وأدخلتُه الجنَّةَ) (٢). فمن عجب الله من صنيعه تقبّله وعظّم ثوابه ورضي عن صاحبه وأثنى عليه (٣).
ب - قبول رحمة ومغفرة: فإذا رأى الله تعالى العبد المؤمن يعمل العمل متجرّداً فلم يُرد فيه
стр. 334
إلاّ نفع غيره، تقبله وغفر له، ولكن هذا القبول دون القبول الأول فهو قبول رحمة وقبول مغفرة لكل أعمال العبد. وقد يدخل في ذلك حديث البغي والرجل الذي سقى الكلب فغفر الله لهما (١).
فالأول عمل العمل مخلصاً يبتغي التقرب به إلى الله فغفر الله له وأعلى منزلته.
والثاني عمل العمل متجرّداً يبتغي نفع غيره رحمة ورأفة بهم فغفر الله له لأنه أولى بالرحمة من عبده. فالأول قبول رفعة والثاني قبول مغفرة وشتّان بين هذا وذاك.
* * * *
ب - قبول عمل بعينه
ذكرت آنفاً أن القبول يتفاوت بحسب صلاح العمل، وبحسب صلاح العامل.
وقبول العمل بعينه لا يدل بالضرورة على نجاة العبد من المساءلة يوم القيامة فقد يكون العمل صادراً عن شخص قد أسرف على نفسه فلم تصل به أعماله إلى درجة المحبة والاصطفاء الخاص أو المغفرة لجميع الأعمال فهؤلاء توزن أعمالهم فما قُبل منها أثيب عليه.
قال ابن بطال في شرح صحيح البخاري: "والله تعالى لا يُخَلِّدُ في النار من عمل عملاً مقبولاً منه،
стр. 335
إذ قبول العمل يوجب ثوابه، والتخليد في العذاب يمنع ثواب الأعمال " (١).
والله تعالى يقبل جميع العمل الصالح في ذاته من عبده المؤمن قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]. وقبول العمل إنما هو اكتساب لثواب يوصل العبد مع الإخلاص والمداومة إلى حيازة المراتب العليا من قبول الرضا والشكر والمحبة قال تعالى في قبول العمل: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ [الأحقاف: ١٦].
ومن الأعمال والعبادات التي ذكرها جلّ وعلا في كتابه سوى الأركان الخمس وأمر بها على سبيل المثال لا الحصر:
- العمرة: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا
وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨].
- التوبة والصدقة: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٤].
стр. 336
وذكر الدعاء والتضرع، والأمر بالمعروف النهي عن المنكر، وبر الوالدين و صلة الأرحام وغير ذلك من أعمال البر فالله تعالى يقبل كل عمل إذا كان صالحاً في ذاته، خالصاً لوجهه (١).
* * * *
من خلال ما سبق تتضح العلاقة بين العمل والعامل: فإن العامل يترقى في مستويات القبول بعمله - بعد فضل الله تعالى - ومما يؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]. وقد اختلف المفسرون في فاعل (يَرْفَعُ) على أربعة أوجه:
١ - أنه ضمير يعود على الله تعالى أي والعمل الصالح يرفعه الله إليه.
٢ - أنه ضمير يعود على العمل الصالح أي والعمل الصالح يرفع صاحبه.
٣ - أنه ضمير يعود على الكلم الطيب أي والعمل الصالح يرفع الكلم الطيب. قال الحسن وقتادة: " أن الكلمُ الطَّيَّبُ ذكر الله والعمل الصالح أداء فرائضه، فمن ذكر الله ولم يؤد فرائضه ردّ كلامه على عمله وليس الإيمان بالتمني ولا بالتَّخَلِّي لكن ما وقَرَ في القلوب وصدقه الأعمال
стр. 337
فمن قال حَسَناً وعَمِلَ غير صالح ردّ الله عليه قوله ومن قال حَسَناً وعمل صالحاً رفعه العمل" (١). وقَالَ الحسن (٢): " الْعَمَل الصَّالح يرفع الْكَلَام الطّيب إِلَى الله ويعرض القَوْل على الْعَمَل فَإِنْ وَافقه رفع وَإِلَّا رد " (٣).
٤ - أن ضمير الرفع للكلم أو لله تعالى والنصب للعمل أي يرفع العمل، أي الكلم الطيب يرفع العمل الصالح فلا يُقْبَلُ عَمَلٌ إلا أن يكون صادراً عن التوحيد. أي أن الإخلاص سبب قبول الخيرات من الأقوال والأفعال (٤).
وأحد هذه الوجوه - ويُعتقد أن جميعها من باب اختلاف التنوع فهي صحيحة بكل الوجوه - والذي هو موضوع البحث، وهو أمر لا يحتاج إلى دليل، أن العمل الصالح يرفع صاحبه ولا بد. فكلما استكثر وأخلص ارتقى، والله أكثر وأطيب.
стр. 338
ثالثاً: طرق الارتقاء في درجات القبول
إيجازاً لما سبق فلكي يرتقي العبد في درجات القبول، يحسُن به أن يتحرّى شروط القبول وموجباته ويتوقّى محبطاته وأن يوقد جذوة ذكائه، ويشحذ من عزيمته وذلك بالأمور التالية:
١ - الإخلاص والمتابعة قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] فالإخلاص شرط القبول وهو سبيل تصفية العمل من شوائب الشرك وحظوظ النفس.
الإحسان والإتقان وهو الأخلص والأصوب في جميع أنواع العبادات والمعاملات قال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]. وقال: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ [الرحمن: ٦٠] فالإحسان مطلب الارتقاء وأهم سبل الوصول.
٣ - الإكثار من النوافل بعد الفرائض وقد أثنى الله ورسوله ﷺ على المكثرين من النوافل فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان: ٦٤]، وقال: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥] وقد قال النبيّ ﷺ (سَبَقَ
стр. 339
الْمُفَرِّدُونَ) قَالُوا: وَمَا الْمُفَرِّدُونَ؟ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: (الذَّاكِرُونَ اللهَ كَثِيرًا، وَالذَّاكِرَاتُ) (١).
٤ - التنويع من الأعمال الصالحة قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٤] وقال النبي ﷺ حاثاً على التنويع من أعمال البرّ كلها: (مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ: يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا خَيْرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ)، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ، فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ كُلِّهَا، قَالَ: (نَعَمْ وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ) (٢).
٥ - تقوى الله والبعد عن السيئات قال تعالى حكاية عن يوسف ﵇: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٠].
٦ - الثبات وعدم الانقطاع، والاستمرار في الصعود وعدم الانحدار. ﴿الَّذِينَ هُمْ
عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج: ٢٣]. ويؤخذ من قوله ﴿دَائِمُونَ﴾ الدوام على
стр. 340
العمل الصالح مهما كان قليلاً فقد سئل النبي ﷺ : أيُّ العملِ أحَبُّ إلى اللهِ؟ قال:
(أدْومُه وإن قَلَّ) (١).
* * * *
رابعاً: آثار القبول في الدنيا والآخرة
أ: آثار القبول في الدنيا
إذا تقبل الله العبد أو تقبل عمله فإن لذلك آثاراً في الدنيا وعلامات يستبشر بها العبد، ولا يغترّ، بل ترفع من همته وتحفّزه، للمزيد ومن هذه الآثار:
١ - الصلاح والهداية إلى طريق الحق، والعمل وفق المنهج القويم، والسير في الحياة بقوة وثبات قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ١٧٥].
٢ - الحياة الطيبة، ومنها طمأنينة القلب، وانشراح الصدر، والسكينة والقناعة بعطاء الله فلا يتسخط ولا يتشكى قال تعالى ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧].
стр. 341
ومن علامات القبول انشراح الصدر للطاعة فيقبل عليها وكأنه مقبل على ربه. ومن الخذلان أن تجد الرجل يُفني عُمره في أعباء دنياه، ويُرهق بدنه في ملهياتها بل إنه قد يجد اللذة في ذلك، ويستمرئ التعب والنصب في سبيل فوز دنيوي لا مجال لمقارنته بفوز الآخرة، ثم تجده يستثقل ركعتين يركعهما من الليل، ويستكثر سورة يتلوها أو ذكراً يتقرب به إلى ربه، وكان الإمام أحمد بن حنبل ﵀ يقول " اللهم لا تشغل قلوبنا بما تكفلت لنا به " (١) يعني الرزق، فالعمل للآخرة من توفيق الله وهدايته قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥].
٣ - زيادة في الهدى، وترقٍ في مراتب الصلاح والتوفيق مما يضفي عليه إشراقة النور والهيبة والوقار، ويحبب إليه الطاعة ويدفعه للمزيد من العمل الصالح فالحسنة تجرّ الحسنة قال تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦].
٤ - يرزقه من حيث لا يحتسب، ويجعل له مخرجاً من كل ضيق، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ٢ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣].
стр. 342
قال شارح الطحاوية: "فَقَدْ ضَمِنَ اللَّهُ لِلْمُتَّقِينَ أَنْ يَجْعَلَ لَهُمْ مَخْرَجًا مِمَّا يَضِيقُ عَلَى النَّاسِ، وَأَنْ يَرْزُقَهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُونَ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّ فِي التَّقْوَى خَلَلاً، فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ وَلْيَتُبْ إِلَيْهِ" (١).
٥ - نيل ولاية الله الخاصة، إذا تقبل الله العبد رفعهُ وقربه ونال شرف الولاية التي من آثارها الأمن وطمأنينة القلب في الدنيا والآخرة وتلقّي المبشرات بالرؤى الصالحة يراها أو تُرى له (٢) قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ٦٢ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ٦٣ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٤].
٦ - الإخراج من ظلمات الجهل والهوى إلى نور البصيرة، ويفتح له أبواب المعرفة والهداية قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾
[البقرة: ٢٥٧]. يخرجهم من ظلمات الجهل إلى نور العلم، ومن ظلمات المعاصي إلى نور الطاعة، ومن ظلمات الغفلة إلى نور اليقظة والذكر. ومن ظلمات الشرور المتنوعة، إلى ما يرفعها من أنوار الخير العاجل والآجل (٣). ومن
стр. 343
اتجه إلى ربه واتقاه فإن الله تعالى قال في محكم كتابه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. فمن اتقى الله أنار الله قلبه، وبصّره بطريق الحق والباطل، وجعل له فرقاناً يحيا به، وبيّن له معالم دينه وحدود ما شرع الله له.
٧ - الدفاع عنه، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: ٣٨]. إذا تقبل الله العبد دفع مكر شياطين الإنس والجن عنه، وشر مكائد الأعداء، وشر الوقوع في الموبقات وشرور الأقوال والأفعال.
قال السعدي ﵀: "يدافع عنهم كل مكروه، يدافع عنهم شر شياطين الإنس وشياطين الجن، ويدافع عنهم الأعداء، ويدافع عنهم المكاره قبل نزولها، ويرفعها أو يخففها بعد نزولها" (١).
وقال ابن القيم ﵀: " والله يتولى حفظه والدفع عنه فإن الله يدافع عن الذين آمنوا فإن كان مؤمنًا فالله يدافع عنه ولا بد وبحسب إيمانه يكون دفاع الله عنه فإن كمل إيمانه كان دفع الله عنه أتم دفع وإن مَزج مُزج له وإن كان مرة ومرة فالله له مرة ومرة كما قال بعض السلف من أقبل على الله بكليته أقبل الله عليه جُملة ومن أعرض عن الله بكليته أعرض الله عنه جُملة ومن كان مرة
стр. 344
ومرة فالله له مرة ومرة " (١).
٨ - نيل محبة الله قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ
الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦].
قال المفسرون: أي بسبب إيمانهم وأعمالهم الصالحة، يحبهم الله ويجعل لهم المحبة والألفة وودّ يشيع في قلوب أهل الإيمان، ومن أحبه الله وأحبه المؤمنون من عباده حصلت له السعادة والفلاح والذكر الحسن والثناء والدعاء له حياً وميتاً، والاقتداء به، وحصول الإمامة في الدين، وقيل يحصل لهم ما يودون ويتمنون من السعادة والرضا. وقال ابن عطية: "ذهب أكثر المفسرين إلى أن هذا هو القبول الذي يضعه الله لمن يحب من عباده حسبما [جاء] في الحديث المأثور" (٢).
٧ - حسن الخاتمة:
وقد حثّ الله عزوجلّ عبادة للعمل لها، والثبات على الإيمان لتحصيلها، وهي وصية الأنبياء قال تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢]، ووصى الله تعالى نبيه بالثبات على الدين حتى يأتيه اليقين
стр. 345
الذي لا مفرّ منه قال تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] وهي كذا الوصية الثمينة لعموم المؤمنين: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] فلا شك أن من علامات القبول بصفة عامة حسن الختام، والقدوم على الله تعالى بقلب مؤمن سليم، ونفس طاهرة، وجوهر نقيّ يستقبل به مولاه ليقول الله تعالى: (اكتبوا كتاب عبدي في عليين) (١)، وهذا لعمر الله الفلاح والفوز نسأل الله الكريم من فضله.
وللسلف الصالح في حسن الختام نماذج كثيرة فهذا الصحابي الجليل عَمْرو بن الْعَاص قَالَ حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ: ": اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَمَرْتَ بِأُمُورٍ وَنَهَيْتَ عَنْ أُمُورٍ، فَتَرَكْنَا كَثِيراً مِمَّا أَمَرْتَ بِهِ، وَوَقَعْنَا فِي كَثِيرٍ مِمَّا نَهَيْتَ عَنْهُ، اللَّهُمَّ لا إِلَهَ إلَّا أَنْتَ ". فَلَمْ يَزَلْ يُرَدِّدُهَا حَتَّى قضي (٢).
"وقد ذكر أبو الفرج بن الجوزي قال كنّا عند شيخنا أبي الوقت عبد الأول وهو في السياق وكان آخر عهدنا به أنه نظر إلى السماء وضحك وقال: ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ٢٦ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ " (٣).
стр. 346
ب-آثار القبول في الآخرة
وإذا تقبل الله العبد قبول رضا وإثابة ومحبة أي قبولاً ليس عليه فيه تبعات، فيا لسعده وهناه، فقد ربح البيع، وفاز بجنة عدن، وتبدو آثار ذلك واضحة على محياه قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ٣٨ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨ - ٣٩]. وقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ٢٢ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]. وبينت الآيات كيف يفرح المقبول ويرفع
صحيفته متهلل الوجه قائلاً كما حكى ربه عنه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ ١٩ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ ٢٠ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ٢١ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ٢٢ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ ٢٣ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئَا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: ١٩ - ٢٤]. وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ٧ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ٨ وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق: ٧ - ٩]. ومن آثار القبول في الآخرة:
١ - الولاية الخاصة: وكما للولاية الخاصة آثارها في الدنيا فإن لها في الآخرة آثارها من رحمات الله لوليه بالرعاية والطمأنينة التي تحوطه منذ توسده القبر إلى أن تقوم الساعة، فعند القيام للنشور
стр. 347
يقومون من قبورِهم في سكينة وطمأنينة لا يفزعون إذا فزع الناس، ولا يحزنون إذا حزنوا ويحشرون ركباناً فتستقبلُهم النوقُ البيضُ عليها رِحالُ الذهبِ فلطالما سهِروا في طاعةِ ربِّهم والناسُ نائمون .. ولطالما وقفوا يتهجَّدون في جُنْحِ الليالي والناسُ في ملذَّاتِهم سادرون. قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥]. قال المفسرون: الوفد هم الركبان المكرّمون (١)، وقد رُوي عن علي ﵁ أنه قال:
"أما والله ما يحشر الوفد على أرجلهم، ولا يساقون سوقاً، ولكنهم يؤتون بنوق لم ير الخلائق مثلها، عليها رحال الذهب، وأزمتها الزبرجد، فيركبون عليها حتى يضربوا أبواب الجنة" (٢). وقال ﷺ : (يُحشرُ الناسُ يوم القيامةِ ثلاثةَ أصنافٍ: صنفٌ مُشاةٌ، وصنفٌ رُكبانٌ، وصنفٌ على وجوهِهم) (٣).
٢ - الأمن في عرصات يوم القيامة، والوقاية من فزع يوم الحساب والأمن يوم العرض، والنجاة من النار: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ
стр. 348
وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢].
٣ - الفوز برضا الله تعالى والتنعم في دار كرامته، وعلى قدر صلاحه يفوز بالرضوان قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ٧٢] (١).
٤ - الرفعة والكرامة في الدرجات، ونيل أعلى المراتب في الجنات، قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]. فهي دَرَجَات عَالِيَة من الْكَرَامَةِ فِي الدُّنْيَا وَالثَّوَاب فِي الْآخِرَة (٢).
٥ - يحط عنه الخطايا ويجازيه بأحسن ما عمل ويبدّل سيئاته إلى حسنات قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف: ١٦]. وقال:
﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٧٠].
* * * *
стр. 349
خامساً: آثار عدم القبول في الدنيا والآخرة
أ: آثار عدم القبول في الدنيا
إذا حرم العبد القبول، فليبشر بترادف العقوبات حسية ومعنوية، و قد لا يشعر بها، فهو في غفلة، في غمرة، وفي غياب، إنها سكرة الدنيا، قال تعالى ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٣]. وقال: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٤]. فمن حرم القبول حرم الوصول، وتاه في ردهات الدنيا وهمومها وأوكله الله إليها، وذلك مصداق قول النبي ﷺ : (مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ: جَعَلَ الله غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِىَ رَاغِمَةٌ. وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ: جَعَلَ الله فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهَ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلاَّ مَا قُدِّرَ لَهُ) (١).
ويمكن أن نوجز بعضاً من آثار عدم القبول في النقاط التالية:
١ - الحرمان من التوفيق إلى ما يرضاه الله من أعمال الخير والبر، فترى عمله منصبٌ على تحقيق مآربه التي تحركها الفحشاء والمنكر، ويجللها فساد الأهواء، وقد يعمل الخير ولكن لا يكون لله. والله تعالى يُملي
стр. 350
له بل قد يغدق عليه من أنعامه وآلائه استدراجاً كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِئَايَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ
مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ١٨٢ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٢ - ١٨٣]. قال بعض أهل العلم: " كلما أحدثوا ذنباً أحدث لهم نعمة وهي في الحقيقة نقمة " (١) قال تَعَالَى ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى
إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤].
٢ - الحرمان من استشعار القرب من الله ولذة الطاعة، بل يجد فيها من الكلفة والمشقة ما يبعده عنها، فتراه يستلذّ عمل الدنيا، ويستمرئ اللهث وراء زيفها وبهرجها، بينما يستثقل الطاعة ولو كانت ذكراً باللسان مما لا يتطلّب منه أن يقوم من مقامه، فإذا ضعفت محبة الله تعالى في قلب العبد لكثرة معاصيه، وتعلقه بزخرف الدنيا فقد لذة العبادة، قال تعالى فيمن غبط قارون على كنوزه والتهائه بها عن الله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص: ٨٠] قال السعدي: " ﴿ثَوَابُ اللَّهِ﴾ العاجل، من لذة العبادة ومحبته، والإنابة إليه، والإقبال عليه" (٢).
стр. 351
٣ - طمس البصيرة، فترى هؤلاء يلبّس عليهم الحقّ، فيرون الحق باطلاً والباطل حقاً قال تعالى ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦].
٤ - حلول النقم، قال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ [الرعد: ٣١] فغير المقبول بعيد عن الله، مطرود عن رحمته، من الذين نسوا الله فنسيهم، ولعل أشدّ النقم هي نقمة البعد عن الله وأن يكله الله إلى نفسه، ويملي له حتى إذا أخذه لم يمهله قال تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٦٧].
٥ - تعسير الأمور، وضيق النفس، وكثرة المخاوف والهواجس والقلق جراء الحرص على الدنيا، والخوف على فوات شيء منها قال تعالى ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤].
стр. 352
٦ - ضعف اليقين، والإعراض عن الدين: ومن مُخرجاته الشك في الثوابت، وكثرة الشكوى و التسخّط، وإرضاء الناس بسخط الله، والتخبط في متاهات الضلال، وإننا لنسمع اليوم عن انتشار الشك والإلحاد و الزندقة و ذلك لعمر الله ما أفرزه هجير الضعف وقلّة الزاد، والبعد عن الله قال تعالى ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦].
٧ - قسوة القلب، فترى غير المقبول صاحب قلب صلد، لا ترويه موعظة، ولا ينبت في صحرائه إلا زقّوم الجحود والنكران.
* * * *
стр. 353
ب -آثار عدم القبول في الآخرة
قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧].
لو لم يذكر الله تعالى في القرآن في عاقبة عدم القبول إلا هذه الآية لكفت، مما تخبّؤه من سوء العاقبة، فلو أن لهم جميع أموال الدنيا وزينتها فَقُبِلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ عِوَضًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ لقدموه فداء لينجوا من سوء العذاب وفظاعته بعد ما رأوا هول ما أُعدّ لهم (١).
ويبين القرآن حال الذين حرموا القبول بأوصاف تقشعرّ لها الجلود، وتختلج لها القلوب فيصِف ما تئول إليه حالهم وأثر ذلك من سواد الوجه واغبراره وذلّته عياذا بالله، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٦]. وقوله تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ ٤٠ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠ - ٤١]. فالمطرود عن أبواب الرحمة على سعتها، حاله ذلك
стр. 354
اليوم بأسوأ الأحوال، فتعظم خسارته ويعض على أنامل الندم، ويدعو على نفسه بالويل والثبور حيث قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ ١٠ فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُورًا ١١ وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ [الانشقاق: ١٠ - ١٢]. وقال:
﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ٢٧ يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٧ - ٢٨].
وعقوبات عدم القبول في الآخرة تتنوع بتنوع الذنب الذي لم يقبل الله العبد بسببه، فقد لا يقبله لشرك أو كفر، وقد لا يقبله للعناد والاستكبار، وقد يكون لكلمة قالها هوى بها في سخط الله. والعقوبات نوعان:
أولا: عقوبة ملازمة لصاحبها وهو خالد فيها كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ٧٤ لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٤ - ٧٥]. وأسبابها الكفر والشرك والنفاق الاعتقادي، والردة وهي دركات بعضها أسفل من بعض، وتتفاوت في الشدة بحسب العناد والجحود عياذاً بالله. وفي عقوبة النفاق قال تعالى: ﴿إِنَّ
الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٤٥].
стр. 355
ثانياً: عقوبات غير خالدة: وهي لعصاة الموحدين أصحاب القبول المؤخر وهي متفاوتة في الزمن والشدة بحسب نوع الذنب كما فصلت في ذلك السنة المطهرة. وهي تعود لمشيئة الله تعالى كما أسلفت قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ
ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦]. فإن شاء عاقبه عدلاً منه، وإن شاء تركه فضلاً منه (١).
ومن آثار عدم القبول أو تأخيره لعصاة الموحدين اللذين ماتوا على غير توبة أو لم يعف الله عنهم:
١ - الطرد من رحمة الله لمدة لا يعلمها إلا هو، وأحاديثُ اللعنِ كثيرةٌ منها لعنُ النامصةِ والمتنمصةِ والواصلةِ والمستوصلةِ والمتشبهين من الرجالِ بالنساءِ والمتشبهاتِ والمخنثين والمترجلاتِ ومن يُفسدُ المرأةَ على زوجِها وغيرِهم. وقال تعالى ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا ٢١ لِلطَّاغِينَ
مَئَابا ٢٢ لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ: ٢١ - ٢٣] ذهب كثير من أهل التفسير إلى أنها في عصاة أهل التوحيد (٢).
٢ - الحرمان من الشرب من حوض النبي ﷺ : فقد يحرم العبد لعظم جرمه من الشرب والارتواء من حوض النبي فعلى الحوضِ حراسةٌ مشددَّةٌ وحُرّاسُه كرامٌ برَرةٌ لا يَعصُون الله ما أمرَهم قد